الآية ١١٣ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١١٣ من سورة الأنعام

وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ١١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 85 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٣ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٣ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( ولتصغى إليه ) أي : ولتميل إليه - قاله ابن عباس - ( أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ) أي : قلوبهم وعقولهم وأسماعهم .

وقال السدي : قلوب الكافرين ، ( وليرضوه ) أي : يحبوه ويريدوه .

وإنما يستجيب لذلك من لا يؤمن بالآخرة ، كما قال تعالى : ( فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم ) [ الصافات : 161 - 163 ] ، وقال تعالى : ( إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك ) [ الذاريات : 8 ، 9 ] .

وليقترفوا ما هم مقترفون قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : ( وليكتسبوا ما هم مكتسبون وقال السدي ، وابن زيد : وليعملوا ما هم عاملون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا =(ولتصغى إليه)، يقول جل ثناؤه: يوحي بعض هؤلاء الشياطين إلى بعض المزيَّن من القول بالباطل, ليغرّوا به المؤمنين من أتباع الأنبياء فيفتنوهم عن دينهم=(ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة)، يقول: ولتميل إليه قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة .

* * * = وهو من " صغَوْت تَصْغَى وتصغُو "= والتنـزيل جاء بـ " تصغَى " =" صَغْوًا، وصُغُوًّا "، وبعض العرب يقول: " صغيت "، بالياء، حكي عن بعض بني أسد: " صَغيت إلى حديثه, فأنا أصغَى صُغِيًّا " بالياء, وذلك إذا ملت.

يقال: " صَغْوِي معك "، إذا كان هواك معه وميلك, مثل قولهم: " ضِلَعِي معك ".

ويقال: " أصغيت الإناء " إذا أملته ليجتمع ما فيه، ومنه قول الشاعر: (14) تَـرَى السَّـفِيهَ بِـهِ عَـنْ كُـلِّ مُحْكَمَةٍ زَيْـغٌ, وفيـهِ إلَـى التَّشْـبِيهِ إصْغَـاءُ (15) ويقال للقمر إذا مال للغيوب: " صغا " و " أصغى " .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13781- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن على بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (ولتصغى إليه أفئدة)، يقول: تزيغ إليه أفئدة .

13782- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس في قوله: (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة)، قال: لتميل .

13783- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة)، يقول: تميل إليه قلوبُ الكفار، ويحبونه، ويرضون به .

13784- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة )، قال: " ولتصغى "، وليهووا ذلك وليرضوه.

قال: يقول الرجل للمرأة: " صَغَيْت إليها "، هويتها .

* * * القول في تأويل قوله : وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وليكتسبوا من الأعمال ما هم مكتسبون .

* * * حكي عن العرب سماعًا منها: " خرج يقترف لأهله ", بمعنى يكسب لهم.

ومنه قيل: " قارف فلان هذا الأمر "، إذا واقعه وعمله .

وكان بعضهم يقول: هو التهمة والادعاء.

يقال للرجل: " أنت قَرَفْتَنِي"، أي اتهمتني.

ويقال: " بئسما اقترفتَ لنفسك " ، وقال رؤبة: أَعْيَــا اقْـتِرَافُ الكَـذِبِ المَقْـرُوفِ تَقْــوَى التَّقِــي وعِفَّــةَ العَفِيـفِ (16) * * * وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: (وليقترفوا)، قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13785- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (وليقترفوا ما هم مقترفون)، وليكتسبوا ما هم مكتسبون .

13786- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وليقترفوا ما هم مقترفون)، قال: ليعملوا ما هم عاملون .

13787- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وليقترفوا ما هم مقترفون)، قال: ليعملوا ما هم عاملون .

--------------------------- الهوامش : (14) لم أعرف قائله .

(15) اللسان ( صغا ) ، وأيضًا في تفسير أبي حيان 4 : 205 ، والقرطبي 7 : 69 ، وفي اللسان والقرطبي : (( عن كل مكرمة )) ، وكأن الصواب ما تفسير ابن جرير ، وأبي حيان ، وكأن الشاعر يريد الذين يتبعون ما تشابه من آيات كتاب الله ، ويعرضون عن المحكم من آياته .

(16) ليسا في ديوانه ، وهما في مجاو القرآن 1 : 205 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون قوله تعالى ولتصغى إليه أفئدة تصغى تميل ; يقال : صغوت أصغو صغوا وصغوا ، وصغيت أصغى ، وصغيت بالكسر أيضا .

يقال منه : صغي يصغى صغى وصغيا ، وأصغيت إليه إصغاء بمعنى .قال الشاعر :ترى السفيه به عن كل محكمة زيغ وفيه إلى التشبيه إصغاءويقال : أصغيت الإناء إذا أملته ليجتمع ما فيه .

وأصله الميل إلى الشيء لغرض من الأغراض .

ومنه صغت النجوم : مالت للغروب .

وفي التنزيل : فقد صغت قلوبكما .

قال أبو زيد : يقال صغوه معك وصغوه ، وصغاه معك ، أي ميله .

وفي الحديث : فأصغى لها الإناء يعني للهرة .

وأكرموا فلانا في صاغيته ، أي في قرابته الذين يميلون إليه ويطلبون ما عنده .

وأصغت الناقة إذا أمالت رأسها إلى الرجل كأنها تستمع شيئا حين يشد عليها الرحل .

قال ذو الرمة :تصغي إذا شدها بالكور جانحة حتى إذا ما استوى في غرزها تثبواللام في ولتصغى لام كي ، والعامل فيها " يوحي " تقديره : يوحي بعضهم إلى بعض ليغروهم ولتصغى .

وزعم بعضهم أنها لام الأمر ، وهو غلط ; لأنه كان يجب " ولتصغ إليه " بحذف الألف ، وإنما هي لام كي .وكذلك وليرضوه وليقترفوا إلا أن الحسن قرأ " وليرضوه وليقترفوا " بإسكان اللام ، جعلها لام أمر فيه معنى التهديد ; كما يقال : افعل ما [ ص: 64 ] شئت .ومعنى وليقترفوا ما هم مقترفون أي وليكتسبوا ; عن ابن عباس والسدي وابن زيد .

يقال : خرج يقترف أهله أي يكتسب لهم .

وقارف فلان هذا الأمر إذا واقعه وعمله .

وقرفتني بما ادعيت علي ، أي رميتني بالريبة .

وقرف القرحة إذا قشر منها .

واقترف كذبا .

قال رؤبة :أعيا اقتراف الكذب المقروف تقوى التقي وعفة العفيفوأصله اقتطاع قطعة من الشيء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ } أي: ولتميل إلى ذلك الكلام المزخرف { أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ } لأن عدم إيمانهم باليوم الآخر وعدم عقولهم النافعة، يحملهم على ذلك، { وَلِيَرْضَوْهُ } بعد أن يصغوا إليه، فيصغون إليه أولا، فإذا مالوا إليه ورأوا تلك العبارات المستحسنة، رضوه، وزين في قلوبهم، وصار عقيدة راسخة، وصفة لازمة، ثم ينتج من ذلك، أن يقترفوا من الأعمال والأقوال ما هم مقترفون، أي: يأتون من الكذب بالقول والفعل، ما هو من لوازم تلك العقائد القبيحة، فهذه حال المغترين بشياطين الإنس والجن، المستجيبين لدعوتهم، وأما أهل الإيمان بالآخرة، وأولو العقول الوافية والألباب الرزينة، فإنهم لا يغترون بتلك العبارات، ولا تخلبهم تلك التمويهات، بل همتهم مصروفة إلى معرفة الحقائق، فينظرون إلى المعاني التي يدعو إليها الدعاة، فإن كانت حقا قبلوها، وانقادوا لها، ولو كسيت عبارات ردية، وألفاظا غير وافية، وإن كانت باطلا ردوها على من قالها، كائنا من كان، ولو ألبست من العبارات المستحسنة، ما هو أرق من الحرير.

ومن حكمة الله تعالى، في جعله للأنبياء أعداء، وللباطل أنصارا قائمين بالدعوة إليه، أن يحصل لعباده الابتلاء والامتحان، ليتميز الصادق من الكاذب، والعاقل من الجاهل، والبصير من الأعمى.

ومن حكمته أن في ذلك بيانا للحق، وتوضيحا له، فإن الحق يستنير ويتضح إذا قام الباطل يصارعه ويقاومه.

فإنه -حينئذ- يتبين من أدلة الحق، وشواهده الدالة على صدقه وحقيقته، ومن فساد الباطل وبطلانه، ما هو من أكبر المطالب، التي يتنافس فيها المتنافسون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ) أي : تميل إليه ، والصغو : الميل ، يقال : صغو فلان معك ، أي : ميله ، والفعل منه : صغى يصغي صغا ، وصغى يصغى ، ويصغو صغوا ، والهاء في " إليه " راجعة إلى زخرف القول : ( وليرضوه وليقترفوا ) ليكتسبوا ، ( ما هم مقترفون ) يقال : اقترف فلان مالا إذا اكتسبه ، وقال تعالى : ( ومن يقترف حسنة ) ( الشورى ، 23 ) ، وقال الزجاج : أي ليعملوا من الذنوب ما هم عاملون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولتصغى إليه» عطف على غرورا أي الزخرف «أفئدة» قلوب «الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا» يكتسبوا «ما هم مقترفون» من الذنوب فيعاقبوا عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولِتميل إليه قلوب الكفار الذين لا يصدقون بالحياة الآخرة ولا يعملون لها، ولتحبَّه أنفسهم، وليكتسبوا من الأعمال السيئة ما هم مكتسبون.

وفي هذا تهديد عظيم لهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : { ولتصغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة } .

معطوف على { غُرُوراً } فيكون علة أخرى للإيحاء ، والضمير فى { إِلَيْهِ } يعود إلى زخرف القول .وأصل الصغو : الميل .

يقال : صغا يصغو ويصغى صغوا ، وصغى يصغى صغاً أى : مال ، وأصغى إليه مال إليه يسمعه ، وأصغى الإناء : أماله .

ويقال : صغت الشمس والنجوم صغوا : مالت إلى الغروب .والمعنى : يوحى بعضهم إلى بعضهم زخرف القول ليغروا به الضعفاء ، ولتميل إلى هذا الزخرف الباطل من القول قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة لموافقته لأهوائهم وشهواتهم .وخص عدم إيمانهم بالآخرة بالذكر - مع أنهم لا يؤمنون بأمور أخرى يجب الإيمان بها - لأن من لم يؤمن بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب يمشى دائما وراء شهواته وأهوائه ولا يتبع إلا زخرف القول وباطله .ثم بين - سبحانه - تدرجهم السىء فى هذا العمل الأثيم فقال : { وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ } .أى : وليرضوا هذا الفعل الخبيث لأنفسهم بعد أن مالت إليه قلوبهم ، وليقترفوا ما هم مقترفون أى : وليكتسبوا ما هم مكتسبون من الأعمال السيئة فإن الله - تعالى - سيجازيهم عليها بما يستحقونه .وأصل القرف والاقتراف .

قشر اللحاء عن الشجر ، والجلدة عن الجرح .

واستعير الاقتراف للاكتساب مطلقا ولكنه فى الإساءة أكثر .

فيقال : قرفته بكذا إذا عبته واتهمته .قال أبو حيان : وترتيب هذه المفاعيل فى غاية الفصاحة ، لأنه أولا يكون الخداع ، فيكون الميل ، فيكون الرضا ، فيكون الاقتراف ، فكل واحد مسبب عما قبله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الصغو في اللغة معناه: الميل.

يقال في المستمع إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت أنه يصغي، ويقال: أصغى الإناء إذا أماله حتى انصب بعضه في البعض، ويقال للقمر إذا مال إلى الغروب صغا وأصغى.

فقوله: ﴿ وَلِتَصْغَى ﴾ أي ولتميل.

المسألة الثانية: اللام ﴿ وَلِتَصْغَى ﴾ لابد له من متعلق.

فقال أصحابنا: التقدير: وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من شياطين الجن والإنس، ومن صفته أنه يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، وإنما فعلنا ذلك لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون أي وإنما أوجدنا العداوة في قلب الشياطين الذين من صفتهم ما ذكرناه ليكون كلامهم المزخرف مقبولاً عند هؤلاء الكفار، قالوا: وإذا حملنا الآية على هذا الوجه يظهر أنه تعالى يريد الكفر من الكافر أما المعتزلة فقد أجابوا عنه من ثلاثة أوجه.

الوجه الأول: وهو الذي ذكره الجبائي قال: إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر، كقوله تعالى: ﴿ واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ  ﴾ وكذلك قوله: ﴿ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ وتقدير الكلام كأنه قال للرسول: فذرهم وما يفترون ثم قال لهم على سبيل التهديد ولتصغى إليه أفئدتهم وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون.

والوجه الثاني: وهو الذي اختاره الكعبي أن هذه اللام لام العاقبة أي ستؤل عاقبة أمرهم إلى هذه الأحوال.

قال القاضي: ويبعد أن يقال: هذه العاقبة تحصل في الآخرة، لأن الإلجاء حاصل في الآخرة، فلا يجوز أن تميل قلوب الكفار إلى قبول المذهب الباطل، ولا أن يرضوه ولا أن يقترفوا الذنب، بل يجب أن تحمل على أن عاقبة أمرهم تؤل إلى أن يقبلوا الأباطيل ويرضوا بها ويعملوا بها.

والوجه الثالث: وهو الذي اختاره أبو مسلم.

قال: اللام في قوله: ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة ﴾ متعلق بقوله: ﴿ يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً  ﴾ والتقدير أن بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول ليغروا بذلك ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ الذنوب ويكون المراد أن مقصود الشياطين من ذلك الإيحاء هو مجموع هذه المعاني.

فهذا جملة ما ذكروه في هذا الباب.

أما الوجه الأول: وهو الذي عول عليه الحبائي فضعيف من وجوه ذكرها القاضي.

فأحدها: أن الواو في قوله: ﴿ وَلِتَصْغَى ﴾ تقتضي تعلقه بما قبله فحمله على الابتداء بعيد.

وثانيها: أن اللام في قوله: ﴿ وَلِتَصْغَى ﴾ لام كي فيبعد أن يقال: إنها لام الأمر ويقرب ذلك من أن يكون تحريفاً لكلام الله تعالى وأنه لا يجوز.

وأما الوجه الثاني: وهو أن يقال: هذه اللام لام العاقبة فهو ضعيف، لأنهم أجمعوا على أن هذا مجاز وحمله على كي حقيقة فكان قولنا أولى.

وأما الوجه الثالث: وهو الذي ذكره أبو مسلم فهو أحسن الوجوه المذكورة في هذا الباب: لأنا نقول: إن قوله: ﴿ يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً ﴾ يقتضي أن يكون الغرض من ذلك الإيحاء هو التغرير.

وإذا عطفنا عليه قوله: ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ فهذا أيضاً عين التغرير لا معنى التغرير، إلا أنه يستميله إلى ما يكون باطنه قبيحاً.

وظاهره حسناً، وقوله: ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ عين هذه الاستمالة فلو عطفنا لزم أن يكون المعطوف عين المعطوف عليه وأنه لا يجوز، أما إذا قلنا: تقدير الكلام وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من شأنه أن يوحي زخرف القول لأجل التغرير وإنما جعلنا مثل هذا الشخص عدواً للنبي لتصغى إليه أفئدة الكفار، فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة ذلك النبي، وحينئذ لا يلزم على هذا التقدير عطف الشيء على نفسه.

فثبت أن ما ذكرناه أولى.

المسألة الثالثة: زعم أصحابنا أن البنية ليست مشروطاً للحياة، فالحي هو الجزء الذي قامت به الحياة، والعالم هو الجزء الذي قام به العلم، وقالت المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة لا ذلك الجزء.

إذا عرفت هذا فنقول: احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم، لأنه قال تعالى: ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ فجعل الموصوف بالميل والرغبة هو القلب، لا جملة الحي، وذلك يدل على قولنا.

المسألة الرابعة: الذين قالوا الإنسان شيء مغاير للبدن اختلفوا.

منهم من قال: المتعلق الأول هو القلب، وبواسطته تتعلق النفس بسائر الأعضاء كالدماغ والكبد.

ومنهم من قال: القلب متعلق النفس الحيوانية، والدماغ متعلق النفس الناطقة، والكبد متعلق النفس الطبيعية، والأولون تعلقوا بهذه الآية، فإنه تعالى جعل محل الصغو الذي هو عبارة عن الميل والإرادة القلب، وذلك يدل على أن المتعلق بالنفس القلب.

المسألة الخامسة: الكناية في قوله: ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ﴾ عائدة إلى زخرف القول، وكذلك في قوله: ﴿ وَلِيَرْضَوْهُ ﴾ .

وأما قوله: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴾ فاعلم أن الاقتراف هو الاكتساب، يقال في المثل: الاعتراف يزيل الاقتراف، كما يقال: التوبة تمحو الحوبة.

وقال الزجاج: ﴿ ليقترفوا ﴾ أي ليختلفوا وليكذبوا، والأول أصح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ولتصغى ﴾ جوابه محذوف تقديره: وليكون ذلك جعلنا لكل نبيّ عدوّاً، على أن اللام لام الصيرورة وتحقيقها ما ذكر.

والضمير في ﴿ إِلَيْهِ ﴾ يرجع إلى ما رجع إليه الضمير في فعلوه، أي ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين ﴿ أَفْئِدَةُ ﴾ الكفار ﴿ وَلِيَرْضَوْهُ ﴾ لأنفسهم ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴾ من الأثام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ﴾ أيْ كَما جَعَلْنا لَكَ عَدُوًّا جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ سَبَقَكَ عَدُوًّا، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَداوَةَ الكَفَرَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وخَلْقِهِ.

﴿ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ ﴾ مَرَدَةُ الفَرِيقَيْنِ، وهو بَدَلٌ مِن عَدُوًّا، أوْ أوَّلُ مَفْعُولَيْ جَعَلْنا وعَدُوًّا مَفْعُولُهُ الثّانِي، ولِكُلٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ حالٌ مِنهُ.

﴿ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ﴾ يُوَسْوِسُ شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ، أوْ بَعْضُ الجِنِّ إلى بَعْضٍ، وبَعْضُ الإنْسِ إلى بَعْضٍ.

﴿ زُخْرُفَ القَوْلِ ﴾ الأباطِيلَ المُمَوَّهَةَ مِنهُ مِن زَخْرَفَهُ إذا زَيَّنَهُ.

﴿ غُرُورًا ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ.

﴿ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ﴾ إيمانَهم.

﴿ ما فَعَلُوهُ ﴾ أيْ ما فَعَلُوا ذَلِكَ يَعْنِي مُعاداةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيحاءُ الزَّخارِفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْإيحاءِ أوِ الزُّخْرُفِ أوِ الغُرُورِ، وهو أيْضًا دَلِيلٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ.

﴿ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ وكُفْرَهم.

﴿ وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ عَطْفٌ عَلى غُرُورًا إنْ جُعِلَ عِلَّةً، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ ولِيَكُونَ ذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا.

والمُعْتَزِلَةُ لَمّا اضْطُرُّوا فِيهِ قالُوا: اللّامُ لامُ العاقِبَةِ أوْ لامُ القَسَمِ كُسِرَتْ لِما لَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ بِالنُّونِ أوْ لامُ الأمْرِ وضَعْفُهُ أظْهَرُ، والصَّغْوُ: المَيْلُ والضَّمِيرُ لِما لَهُ الضَّمِيرُ في فَعَلُوهُ.

﴿ وَلِيَرْضَوْهُ ﴾ لِأنْفُسِهِمْ.

﴿ وَلِيَقْتَرِفُوا ﴾ ولِيَكْتَسِبُوا.

﴿ ما هم مُقْتَرِفُونَ ﴾ مِنَ الآثامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة} ولتميل إلى زخرف القول قلوب الكفار وهي معطوفة على غرورا أى ليغروه ولتصفى إليه {وليرضوه} لأنفسهم {وليقترفوا ما هم مُّقْتَرِفُونَ} من الآثام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولِتَصْغى إلَيْهِ ﴾ أيْ إلى زُخْرُفِ القَوْلِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْوَحْيِ أوْ لِلْغُرُورِ أوْ لِلْعَداوَةِ لِأنَّها بِمَعْنى العادِي والواوُ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى ﴿ غُرُورًا ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ فَيَكُونُ عِلَّةً أُخْرى لِلْإيحاءِ وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ وإنَّما لَمْ يُنْصَبْ لِفَقْدِ شَرْطِ النَّصْبِ إذِ الغُرُورُ فِعْلُ المُوحِي وصَغْوُ الأفْئِدَةِ فِعْلُ المُوحى إلَيْهِ وهو عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُورُ عَلَيْهِ المَقامُ أيْ ولِيَكُونَ ذَلِكَ جَعَلْنا ما جَعَلْنا وأصْلُ الصَّغْوِ كَما قالَ الرّاغِبُ المَيْلُ يُقالُ: صَغَتِ الشَّمْسُ والنُّجُومُ صَغْوًا مالَتْ لِلْغُرُوبِ وصُغْتُ الإناءَ وأصْغَيْتُهُ وأصْغَيْتُ إلى فُلانٍ مِلْتُ بِسَمْعِي نَحْوَهُ وحَكى صَغَوْتُ إلَيْهِ أصْغُو وأُصْغِي صَغْوًا وصَغْيًا وقِيلَ: صَغَيْتُ أُصْغِي وأصْغَيْتُ أُصْغِي وفي القامُوسِ صَغا يَصْغُو ويُصْغِي صَغْوًا وصَغًى يُصْغِي صَغًا وصَغْيًا مالَ وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ هَذا الفِعْلَ مِمّا جاءَ واوِيًّا ويائِيًّا فَقِيلَ: يَصْغُو ويُصْغِي ويُقالُ: في مَصْدَرِهِ صَغْيًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ وزادَ الفَرّاءُ صَغِيًّا وصَغُوًّا بِالياءِ والواوِ مُشَدَّدَتَيْنِ ويُقالُ: أنْ أُصْغِيَ مِثْلُهُ.

والمُرادُ هُنا ولِتَمِيلَ إلَيْهِ ﴿ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ أيْ عَلى الوَجْهِ الواجِبِ وخَصَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِها دُونَ ما عَداها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الإيمانُ بِها وهم بِها كافِرُونَ قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ إشْعارًا بِما هو المُدارُ في صَغْوِ أفْئِدَتِهِمْ إلى ما يُلْقى إلَيْهِمْ فَإنَّ لَذّاتِ الآخِرَةِ مَحْفُوفَةٌ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِالمَكارِهِ وآلامِها مُزَيَّنَةٌ بِالشَّهَواتِ فالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِها وبِأحْوالِ ما فِيها لا يَدْرُونَ أنَّ وراءَ تِلْكَ المَكارِهِ لَذّاتٍ ودُونَ هَذِهِ الشَّهَواتِ آلامًا وإنَّما يَنْظُرُونَ ما بَدا لَهم في الدُّنْيا بادِيَ الرَّأْيِ فَهم مُضْطَرُّونَ إلى حُبِّ الشَّهَواتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُزْخَرَفاتُ الأقاوِيلِ ومُمَوَّهاتُ الأباطِيلِ وأمّا المُؤْمِنُونَ بِها فَحَيْثُ كانُوا واقِفِينَ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ ناظِرِينَ إلى عَواقِبِ الأُمُورِ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُمُ المَيْلُ إلى تِلْكَ المُزَخْرَفاتِ لِعِلْمِهِمْ بِبُطْلانِها ووَخامَةِ عاقِبَتِها والآيَةُ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في وجْهٍ وأجابَ الكَعْبِيُّ بِأنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ ولَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ بِوَجْهٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

وقالَ غَيْرُهُ: إنَّها لامُ القَسَمِ كُسِرَتْ لَمّا لَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ بِالنُّونِ واعْتُرِضَ بِأنَّ النُّونَ ولامَ القَسَمِ باقِيَةٌ عَلى فَتْحَتِها كَقَوْلِهِ.

لَئِنْ تَكُ قَدْ ضاقَتْ عَلَيَّ بُيُوتُكم لَيَعْلَمُ رَبِّي أنَّ بَيْتِي واسِعُ بِفَتْحِ لامِ لَيَعْلَمُ نَعَمْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ كَسْرُ لامِ جَوابِ القَسَمِ الدّاخِلَةِ عَلى المُضارِعِ كَقَوْلِهِ: لِتُغْنِي عَنِّي ذا إنائِكَ أجْمَعا وهُوَ غَيْرُ مُجَمَعٍ عَلَيْهِ أيْضًا فَإنَّ أُناسًا أنْكَرُوا ذَلِكَ وجَعَلُوا اللّامَ في البَيْتِ لِلتَّعْلِيلِ والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ لَتَشْرَبَنَّ لِتُغْنِيَ عَنِّي واسْتَشْهَدَ الأخْفَشُ بِالبَيْتِ عَلى إجابَةِ القَسَمِ بِلامِ كَيْ.

وقالَ الرَّضِيُّ: لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ في جَوابِ القَسَمِ الِاكْتِفاءُ بِلامِ الجَوابِ عَنْ نُونِ التَّوْكِيدِ إلّا في الضَّرُورَةِ وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ اللّامَ هُنا لامُ الأمْرِ والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ أوِ التَّخْلِيَةُ واسْتِعْمالُ الأمْرِ في ذَلِكَ كَثِيرٌ.

واعْتُرِضَ بِأنَّها لَوْ كانَتْ لامَ الأمْرِ لَحُذِفَ حَرْفُ العِلَّةِ وأُجِيبَ بِأنَّ حَرْفَ العِلَّةِ قَدْ يَثْبُتُ في مِثْلِهِ كَما خُرِّجَ عَلَيْهِ قِراءَةُ ( أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا نَرْتَعِي ونَلْعَبُ ) ( وأنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرُ ) فَلْيَكُنْ هَذا كَذَلِكَ ويُؤَيِّدُ أنَّها لامُ الأمْرِ أنَّهُ قُرِئَ بِحَذْفِ حَرْفِ العِلَّةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بِتَسْكِينِ اللّامِ في هَذا وفي الفِعْلَيْنِ بَعْدَهُ فَدَعْوى أنَّ ضَعْفَ كَوْنِها لِلْأمْرِ أظْهَرَ مِن ضَعْفِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ واسْتَدَلَّ أصْحابُنا بِإسْنادِ الصَّغْوِ إلى الأفْئِدَةِ عَلى أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ فالحَيُّ عِنْدَهم هو الجُزْءُ الَّذِي قامَتْ بِهِ الحَياةُ والعالَمُ هو الجُزْءُ الَّذِي قامَ بِهِ العِلْمُ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الحَيُّ والعالَمُ هو الجُمْلَةُ لا ذَلِكَ الجُزْءُ والإسْنادُ مَجازِيٌّ ﴿ ولِيَرْضَوْهُ ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَما مالَتْ إلَيْهِ أفْئِدَتُهم ﴿ ولِيَقْتَرِفُوا ﴾ أيْ لِيَكْتَسِبُوا قالَ الرّاغِبُ: أصْلُ القَرْفِ والِاقْتِرافِ قَشْرُ اللِّحاءِ عَنِ الشَّجَرَةِ والجُلَيْدَةُ عَنِ الجُرْحِ وما يُؤْخَذُ مِنهُ قَرْفٌ واسْتُعِيرَ الِاقْتِرافُ لِلِاكْتِسابِ حُسْنى أوْ سُوآى وفي الإساءَةِ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا ولِهَذا يُقالُ الِاعْتِرافُ يُزِيلُ الِاقْتِرافَ ويُقالُ: قَرَفْتُ فُلانًا بِكَذا إذا عِبْتُهُ بِهِ واتَّهَمْتُهُ وقَدْ حُمِلَ عَلى ذَلِكَ ما هُنا وفِيهِ بُعْدٌ ومِثْلُهُ ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المَعْنى فِيهِ ولْيَخْتَلِقُوا ولْيَكْذِبُوا ﴿ ما هم مُقْتَرِفُونَ ﴾ (113) أيِ الَّذِي هم مُقْتَرِفُوهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي لا يَلِيقُ ذِكْرُها وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُوفَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْضًا وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ عائِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا يعني: أعداء ومعنى ذلك كما جعلنا لك ولأمتك أعداء مثل أبي جهل وأصحابه كذلك جعلنا لكل نبى عدوا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قال مقاتل وذلك أن إبليس وكل شياطين الإنس وشياطين الجن يضلونهم فإذا التقى شيطان الجن مع شيطان الإنس قال أحدهما للآخر: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا فأضْلِلْ أنت صاحبك بكذا وكذا.

فذلك قوله: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ يعني: يكلم بعضهم بعضاً بالإضلال.

وقال عكرمة: للجن شياطين مثل شياطين الإنس.

وروي عن الزبير بن العوام أنّ جنياً شكا إليه ما لقي من الشيطان، فعلمه دعاء ليخلص منه فدعا به، ووجه آخر شياطين الإنس والجن يعني: الشياطين من الإنس والشياطين من الجن، لأن كل عات متمرد فهو شيطان.

وروي عن أبي ذر الغفاري أنه قال دخلت على رسول الله  وهو في المسجد فأمرني أن أصلي ركعتين فصليت ثم جلست عنده قال: «يا أَبَا ذَرَ تَعَوَّذْ بِالله مِنْ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَشَيَاطِينَ الجِنِّ» فقلت يا رسول الله أوَ من الإنس شياطين؟

فقال النبي  «أوَ مَا تَقْرَأ قَوْلَهُ شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؟» .

وكذلك هذان القولان من قوله تعالى الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس: 5، 6] ثم قال يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ يعني يوسوس بعضهم بعضاً.

زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً يعني: ما زين منه وحسن وموه يعني: يزين القول باطلاً، يغرهم بذلك.

وأصل الزخرف الذهب.

وسمى الزينة زخرفاً لأن أصل الزينة من الذهب يعني: يزين لبعض الأعمال.

ثم قال: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ يعني: لو شاء ربك لمنعهم من الوسوسة، ولكن الله يمتحن بما يعلم أنه أبلغ في الحكمة وأجزل في الثواب فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ يعني: خلّ عنهم وما يكذبون من القول والغرور.

ثم قال: وَلِتَصْغى إِلَيْهِ يقول: ولتميل إلى ذلك الزخرف والغرور.

أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ إلى هذه الزينة والغرور وَلِيَرْضَوْهُ يقول: لكي يقبلوا من الشياطين الزينة والغرور وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ يعني: ليكسبوا ما هم مكتسبون من المعاصي وليعملوا ما هم عاملون.

وقرأ بعضهم وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا بجزم اللام على معنى الأمر، والمراد به التهديد كقوله اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: 40] والقراءة المعروفة بكسر اللام، والمراد به التهديد، ومعناه: اتركهم ليعلموا ما هم عاملون.

وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال قتادة: كُلُّ «ذَرْ» في كتاب اللَّه- منسوخ بالقتال «١» .

وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)

وقوله سبحانه: وَلِتَصْغى: معناه: لِتَمِيلَ، قال «٢» الفَخْر: والضميرُ في قوله:

وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ- يعود على زُخْرفِ القولِ، وكذلك في قوله: وَلِيَرْضَوْهُ والاقترافُ: معناه الاكتساب.

وقال الزجّاج: ولِيَقْتَرِفُوا، أي: يختلقوا ويَكْذِبوا، والأول أفصحُ.

انتهى.

والقُرَّاء على كسر اللامِ في الثلاثةِ الأفعالِ على أنها لام كي معطوفة على غرورا وحَكَماً أبلغُ من حاكِمٍ إذ هي صيغةٌ للعَدْلِ من الحكام، والحاكم جَارٍ على الفعل، فقَدْ يقال للجائر، ومُفَصَّلًا: معناه: مزالُ الإشكال، والكتاب أولاً هو القرآن، وثانياً اسم جنسٍ للتوراةِ والإنجيلِ والزبورِ والصُّحُفِ.

وقوله تعالى: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ: تثبيتٌ ومبالغةٌ وطَعْنٌ على الممترين.

قلتُ: وقد تقدَّم التنبيه على أنه صلّى الله عليه وسلّم مَعْصُومٌ، وأنَّ الخطاب له، والمراد غيره ممَّنْ يمكن منه الشّكّ.

وقوله سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا ...

الآية: تَمَّتْ في هذا الموضع: بمعنى: استمرت وصحَّتْ في الأزل صدقاً وعدلاً، وليس بتمامٍ مِنْ نقصٍ، ومثله ما وقَع في كتب «السِّيرة» مِنْ قولهم: وتَمَّ حَمْزَةُ على إسْلاَمِهِ، في الحديثِ مع أبي جهل، والكلمات: ما أنزل على عباده، ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ: معناه: في معانيها.

وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتَصْغى إلَيْهِ ﴾ أيْ: ولِتَمِيلَ؛ والهاءُ: كِنايَةٌ عَنِ الزُّخْرُفِ والغُرُورِ.

والأفْئِدَةُ: جَمَعُ فُؤادٍ، مِثْلُ غُرابٍ وأغْرِبَةٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَعَلْنا بِهِمْ ذَلِكَ لَكَيْ تَصْغى إلى الباطِلِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ، ولِيَرْضَوْا الباطِلُ، ﴿ وَلِيَقْتَرِفُوا ﴾ أيْ: لَيَكْتَسِبُوا، ولِيَعْلَمُوا ما هم عامِلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ ﴾ ﴿ أفَغَيْرَ اللهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِن المُمْتَرِينَ ﴾ ﴿ وَلِتَصْغى إلَيْهِ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "لِتَمِيلَ"؛ يُقالُ: "صَغى؛ يَصْغى"؛ وأصْلُها "يُصْغِي"؛ بِكَسْرِ الغَيْنِ؛ لَكِنْ رُدَّ حَرْفُ الحَلْقِ إلى الفَتْحِ؛ ويُقالُ: "صَغا؛ يَصْغُو"؛ و"أصْغى؛ يُصْغِي"؛ و"صَغِيَ؛ يَصْغى".

وَ"أفْئِدَةُ": جَمْعُ "فُؤادٌ"؛ و"يَقْتَرِفُونَ"؛ مَعْناهُ: "يُواقِعُونَ؛ ويَجْتَرِحُونَ"؛ وهي مُسْتَعْمَلَةٌ أكْثَرَ ذَلِكَ في الشَرِّ؛ والذُنُوبِ؛ ونَحْوِها.

والقُرّاءُ عَلى كَسْرِ اللامِ في الثَلاثَةِ الأفْعالِ؛ عَلى أنَّها لامُ "كَيْ"؛ فَإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى "غُرُورًا"؛ وإمّا أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَعَلُوا ذَلِكَ"؛ أو: "جَعَلَنا ذَلِكَ"؛ فَهي لامُ صَيْرُورَةٍ؛ قالَهُ الزَجّاجُ ؛ ولا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللاماتُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - لامَ الأمْرِ؛ وضِمْنَها الوَعِيدُ؛ وتَبْقى في "وَلِتَصْغى"؛ عَلى نَحْوِ ما جاءَ مِن ذَلِكَ في قَوْلِ الشاعِرِ: ألَمْ يَأْتِيكَ............

∗∗∗..................؟

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا قَدْ قُرِئَ بِهِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: قَرَأها الحَسَنُ بِالتَسْكِينِ في الثَلاثَةِ؛ وهي لامُ "كَيْ"؛ وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى "غُرُورًا"؛ والتَقْدِيرُ: "لِأجْلِ الغُرُورِ؛ ولِتَصْغى..."؛ وإسْكانُ هَذِهِ اللامِ شاذٌّ في الِاسْتِعْمالِ؛ قَوِيٌّ في القِياسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَظْهَرُ أنْ تُحْمَلَ قِراءَةُ الحَسَنِ - بِسُكُونِ اللاماتِ الثَلاثَةِ - عَلى أنَّها لامُ الأمْرِ المُضَمَّنِ الوَعِيدَ والتَهْدِيدَ؛ والخَطُّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: "وَلْتَصْغَ"؛ ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ تَسْكِينَهُ في اللاماتِ الثَلاثَةِ؛ وكَذَلِكَ قالَ أبُو الفَتْحِ؛ وذَكَرَ أنَّ الحَسَنَ إنَّما يُسَكِّنُ اللامَيْنِ الثانِيَةَ والثالِثَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ يُخالِفُهُ خَطُّ المُصْحَفِ فِي: "وَلِتَصْغى".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَحَصَّلُ أنْ تُسَكَّنَ اللامُ في "وَلِتَصْغى"؛ عَلى ما ذَكَرْناهُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ قالَ أبُو عَمْرٍو: وقِراءَةُ الحَسَنِ إنَّما هِيَ: "لِتَصْغِيَ"؛ بِكَسْرِ الغَيْنِ؛ وقِراءَةُ إبْراهِيمَ النَخَعِيُّ "لِتُصْغِيَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وكَسْرِ الغَيْنِ؛ مِن: "أصْغى؛ يُصْغِي"؛ وكَذَلِكَ قَرَأ الجَرّاحُ بْنُ عَبْدِ اللهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى "أفَغَيْرَ"؛ نُصِبَ بِـ "أبْتَغِي"؛ و"حَكَمًا"؛ نُصِبَ عَلى البَيانِ؛ والتَمْيِيزِ؛ و"مُفَصَّلًا"؛ مَعْناهُ: مُزالَ الإشْكالِ؛ قَدْ فُصِّلَتْ آياتُهُ؛ وهَذِهِ الآيَةُ - وإنْ كانَ مَعْناها يَعُمُّ في أنَّ اللهَ تَعالى لا يُبْتَغى سِواهُ حَكَمًا في كُلِّ شَيْءٍ؛ وفي كُلِّ قَضِيَّةٍ - فَإنّا نَحْتاجُ في وصْفِ الكَلامِ؛ واتِّساقِ المَعانِي؛ أنْ نَنْظُرَ إلى قَضِيَّةٍ فِيما تَقَدَّمَ تَكُونُ سَبَبًا إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ أفَغَيْرَ اللهِ أبْتَغِي حَكَمًا ﴾ ؛ فَهي - واللهُ أعْلَمُ - حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ؛ ولَوْ بَعَثَ إلَيْهِمْ كُلَّ الآياتِ؛ وحُكْمُهُ بِأنْ جَعَلَ لِلْأنْبِياءِ أعْداءَ مِنَ الجِنِّ؛ والإنْسِ؛ و"حَكَمًا"؛ أبْلَغُ مِن "حاكِمًا"؛ إذْ هي صِيغَةٌ لِلْعَدْلِ مِنَ الحُكّامِ؛ و" اَلْحاكِمُ "؛ جارٍ عَلى الفِعْلِ؛ فَقَدْ يُقالُ لِلْجائِرِ؛ و"حَكَمًا"؛ نُصِبَ عَلى البَيانِ؛ أوِ الحالِ.

وبِهَذِهِ الآيَةِ خاصَمَتِ الخَوارِجُ عَلِيًّا - رَضِيَ اللهُ عنهُ - في تَكْفِيرِهِ بِالتَحْكِيمِ؛ ولا حُجَّةَ لَها؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى حَكَمَ في الصَيْدِ؛ وبَيْنَ الزَوْجَيْنِ؛ فَتَحْكِيمُ المُؤْمِنِينَ مِن حُكْمِهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ ﴾ ؛ يَتَضَمَّنُ الِاسْتِشْهادَ بِمُؤْمِنِيهِمْ؛ والطَعْنَ والتَنْبِيهَ عَلى مُشْرِكِيهِمْ؛ وحَسَدَتِهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وحَفْصٌ ؛ عن عاصِمٍ: "مُنَزَّلٌ"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ والباقُونَ بِالتَخْفِيفِ؛ و"اَلْكِتابَ"؛ أوَّلًا هو القُرْآنُ؛ وثانِيًا اسْمُ جِنْسٍ: اَلتَّوْراةُ؛ والإنْجِيلُ؛ والزَبُورُ؛ والصُحُفُ؛ ووَصْفُهُ أهْلَ الكِتابِ بِالعِلْمِ عُمُومٌ بِمَعْنى الخُصُوصِ؛ وإنَّما يُرِيدُ عُلَماءَهُمْ؛ وأحْبارَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ ؛ تَثْبِيتٌ؛ ومُبالَغَةٌ؛ وطَعْنٌ عَلى المُمْتَرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عُطف قوله: ﴿ ولتصغى ﴾ على ﴿ غروراً ﴾ [الأنعام: 112] لأنّ ﴿ غروراً ﴾ في معنى ليغرّوهم.

واللام لام كي وما بعدها في تأويل مصدر، أي ولصغى، أي مَيل قلوبهم إلى وحيِهم فتقوم عليهم الحجّة.

ومعنى ﴿ تصغى ﴾ تميل، يقال: صَغَى يَصغى صَغْياً، ويَصْغُو صَغواً بالياء وبالواو ووردت الآية على اعتباره بالياء لأنّه رسم في المصحف بصورة الياء.

وحقيقته المَيل الحسي، يقال: صَغى، أي مال، وأصغى أمال.

وفي حديث الهِرّة: أنّه أصغى إليها الإناءَ، ومنه أطلق: أصغى بمعنى استمع، لأنّ أصله أمال سمعه أو أذُنه، ثمّ حذفوا المفعول لكثرة الاستعمال.

وهو هنا مجاز في الاتّباع وقبول القول.

والَّذين لا يؤمنون بالآخرة هم المشركون.

وخصّ من صفات المشركين عدمُ إيمانهم بالآخرة، فعُرّفوا بهذه الصّلة للإيماء إلى بعض آثار وحي الشّياطين لهم.

وهذا الوصف أكبر ما أضرّ بهم، إذ كانوا بسببه لا يتوخّون فيما يصنعون خشية العاقبة وطلَبَ الخير، بل يتَّبعون أهواءهم وما يُزيَّن لهم من شهواتهم، معرضين عمّا في خلال ذلك من المفاسد والكفرِ، إذ لا يترقَّبون جزاء عن الخير والشرّ، فلذلك تصغى عقولهم إلى غرور الشَّياطين.

ولا تصغَى إلى دعوة النَّبيء صلى الله عليه وسلم والصّالحين.

وعطف ﴿ وليرضوه ﴾ على ﴿ ولتصغى ﴾ ، وإن كان الصّغْي يقتضي الرّضى ويسبّبه فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بالفاء وأن لا تكرّر لام التّعليل، فخولف مقتضى الظاهر، للدلالة على استقلاله بالتّعليل، فعطف بالواو وأعيدت اللاّم لتأكيد الاستقلال، فيدل على أن صَغى أفئدتهم إليه ما كان يكفي لعملهم به إلاّ لأنَّهم رَضُوه.

وعطْفُ ﴿ وليقترفوا ما هم مقترفون ﴾ على وليرضوه كعطف وليرضوه على ﴿ ولتصغى ﴾ .

والاقتراف افتعال من قرف إذا كسب سيئة، قال تعالى بعد هذه الآية: ﴿ إنّ الذين يكسبون الإثم سيُجْزون بما كانوا يقترفون ﴾ [الأنعام: 120] فذكَرَ هنالك لِ ﴿ يكسبون ﴾ مفعولا لأنّ الكسب يعمّ الخير والشرّ، ولم يذكر هنا ل ﴿ يقترفون ﴾ مفعولاً لأنّه لا يكون إلاّ اكتساب الشرّ، ولم يقل: سيُجزْون بما كانوا يكسبون لقصد تأكيد معنى الإثم.

يقال: قرف واقترف وقارف.

وصيغة الافتعال وصيغة المفاعلة فيه للمبالغة، وهذه المادة تؤذن بأمر ذميم.

وحكوا أنَّه يقال: قَرف فلان لِعِيالِه، أي كسب، ولا أحسبه صحيحاً.

وجيء في صلة الموصول بالجملة الاسميّة في قوله: ﴿ ما هم مقترفون ﴾ للدلالة على تمكّنهم في ذلك الاقتراف وثباتهم فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ﴾ أيْ جَعَلْنا لِلْأنْبِياءِ أعْداءً كَما جَعَلْنا لِغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ أعْداءً.

وَفي ﴿ جَعَلْنا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ حَكَمْنا بِأنَّهم أعْداءٌ.

والثّانِي: مَعْناهُ تَرَكْناهم عَلى العَداوَةِ، فَلَمْ نَمْنَعْهم مِنها.

وَفي ﴿ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي شَياطِينَ الإنْسِ الَّذِينَ مَعَ الإنْسِ، وشَياطِينَ الجِنِّ الَّذِينَ مَعَ الجِنِّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: شَياطِينُ الإنْسِ كُفّارُهم، وشَياطِينُ الجِنِّ كُفّارُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ مَرَدَتُهم، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

﴿ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ﴾ في يُوحِي ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي يُوَسْوِسُ بَعْضُهم بَعْضًا.

والثّانِي: يُشِيرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فَعَبَّرَ عَنِ الإشارَةِ بِالوَحْيِ كَقَوْلِهِ: ﴿ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا  ﴾ و ﴿ زُخْرُفَ القَوْلِ ﴾ ما زَيَّنُوهُ لَهم مِنَ الشُّبَهِ في الكُفْرِ وارْتِكابِ المَعاصِي.

والثّالِثُ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا كَقَوْلِهِ: ﴿ وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها  ﴾ أيْ أمْرٌ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما فَعَلُوهُ مِنَ الكُفْرِ.

والثّانِي: ما فَعَلُوا مِن زُخْرُفِ القَوْلِ.

وَفي تَرْكِهِمْ عَلى ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ابْتِلاءً لَهم وتَمْيِيزًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهم.

والثّانِي: لا يُلْجِئُهم إلى الإيمانِ فَيَزُولُ التَّكْلِيفُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ أيْ تَمِيلُ إلَيْهِ قُلُوبُهم، والإصْغاءُ: المَيْلُ، قالَ الشّاعِرُ: تَرى السَّفِيهَ بِهِ عَنْ كُلِّ مُحْكَمَةٍ زَيْغٌ وفِيهِ إلى التَّشْبِيهِ إصْغاءُ وَتَقْدِيرُ الكَلامِ، يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا لِيُغْرُوهم ولِتُصْغِيَ إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هي لامُ أمْرٍ ومَعْناها الخَبَرُ.

﴿ وَلِيَرْضَوْهُ ﴾ لِأنَّ مَن مالَ قَلْبُهُ إلى شَيْءٍ رَضِيَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُرْضِيًا.

﴿ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولِيَكْتَسِبُوا مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي ما هم مُكْتَسِبُونَ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.

والثّانِي: ولِيَكْذِبُوا عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ما هم كاذِبُونَ، وهو مُحْتَمَلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإِنس.

قال: يا نبي الله وهل للإِنس شياطين؟

قال: نعم ﴿ شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ﴾ ؟» .

وأخرج أحمد وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم «تعوذ شياطين الانس والجن.

قلت: يا رسول الله وللانس شياطين؟

قال: نعم» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً شياطين الإنس والجن ﴾ قال: إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإِنس يضلونهم، فيلتقي شيطان الإِنس وشيطان الجن فيقول هذا لهذا: أضلله بكذا وأضلله بكذا.

فهو قوله: ﴿ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ﴾ وقال ابن عباس: الجن هم الجان وليسوا بشياطين، والشياطين ولد إبليس وهم لا يموتون إلا مع إبليس، والجن يموتون فمنهمم المؤمن ومنهم الكافر.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود قال: الكهنة هم شياطين الإِنس.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوحي بعضهم إلى بعض ﴾ قال: شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإِنس، فإن الله تعالى يقول ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ﴾ [ الأنعام: 121] .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ شياطين الإِنس والجن ﴾ قال: من الإِنس شياطين ومن الجن شياطين.

﴿ يوحي بعضهم إلى بعض ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ زخرف القول غروراً ﴾ يقول: بوراً من القول.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ زخرف القول غروراً ﴾ يقول: بوراً من القول.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ زخرف القول غروراً ﴾ قال: يحسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في فتنتهمم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو نصر السجزي في الابانة وأبو الشيخ عن مجاهد في الآية قال: شياطين الجن يوحون إلى شياطين الانس كفار الإِنس ﴿ زخرف القول غروراً ﴾ قال: تزيين الباطل بالألسنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ زخرف القول ﴾ قال: زخرفوه وزينوه ﴿ غروراً ﴾ قال: يغرون به الناس والجن.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد في الآية قال: الزخرف المزين حيث زين لهم هذا الغرور كما زين إبليس لآدم ما جاء به، وقاسمه إنه لمن الناصحين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولتصغى ﴾ لتميل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ولتصغى إليه أفئدة ﴾ قال: تزيغ ﴿ وليقترفوا ﴾ قال: ليكتسبوا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ قال: لتميل إليه قلوب الكفار ﴿ وليرضوه ﴾ قال: يحبوه ﴿ وليقرفوا ما هم مقترفون ﴾ يقول: ليعملوا ما هم عاملون.

وأخرج الطستي وابن الأنباري عن ابن عباس أن نافر بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ زخرف القول غروراً ﴾ قال: باطل القول غروراً قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أوس بن حجر وهو يقول: لم يغروكم غروراً ولكن ** يرفع الال جمعكم والدهاء وقال زهير بن أبي سلمى: فلا يغرنك دنيا ان سمعت بها ** عند امرئ سروه في الناس مغرور قال: فأخبرني عن قوله: ﴿ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ﴾ ما تصغي؟

قال: ولتميل إليه.

قال فيه الفطامي: وإذا سمعن هما هما رفقة ** ومن النجوم غوابر لم تخفق أصغت إليه هجائن بخدودها ** آذانهن إلى الحداة السوّق قال: أخبرني عن قوله: ﴿ وليقترفوا ما هم مقترفون ﴾ قال: ليكتسبوا ما هم مكتسبون فإنهم يوم القيامة يجازون بأعمالهم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: وإني لآتي ما أتيت وإنني ** لما اقترفت نفسي عليّ لراهب <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ﴾ الآية.

الصغو في اللغة معناه: المَيْل، صغى إلى كذا يصغى إذا مال إليه (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) قال ابن عباس (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ يُوحِي ﴾ : [الأنعام:112] وتقديره: يوحي بعضهم إلى بعض [ليغروهم] (١٥) ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ﴾ )، والكناية في (إليه) تعود إلى ﴿ زُخْرُفَ الْقَوْلِ ﴾ (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُوا ﴾ يقال: اقترف أي: اكتسب (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وإِنِّي لآتٍ مَا أَتَيْتُ وإنَّنِي ...

لِمَا اقْتَرفَتْ نَفْسِي عليَّ لَرَاهِبُ أي: لما اكتسبت)، ونحو ذلك قال ابن عباس (٢١) (٢٢) وقال الزجاج: (وليقترفوا) (أي: ليختلقوا وليكذبوا) (٢٣) (٢٤) ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ  ﴾ ).

قال مقاتل: ﴿ وَلِتَصْغَى ﴾ : (ولتميل إلى ذلك الزخرف ولغرور قلوب الذين لا يصدقون بالبعث، ﴿ وَلِيَرْضَوْهُ ﴾ : ليحبوه، ﴿ وَلِيَقْتَرِفُوا ﴾ ليعملوا ما هم عاملون) (٢٥) (٢٦) وحكى أبو بكر (٢٧) (٢٨) (٢٩) (١) انظر: "العين" 4/ 432، و"الجمهرة" 2/ 890، و"الصحاح" 6/ 2400، و"المجمل" 2/ 534، و"مقاييس اللغة" 3/ 289، و"المفردات" ص 485 (صغا).

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٣) "تهذيب اللغة" 2/ 2020، وفيه: (أبو عبيد عن الكسائىِ: صَغَوْتُ بالفتح، وصَغَيْتُ.

وقال شمر: صَغَوت، وصغَيت بالفتح، وصغيت بكسر العين، وأكثره صغيت بالكسر) ا.

هـ.

ولعل الواحدي جمع بين القولين.

(٤) "إصلاح المنطق" ص 215، و"تهذيب اللغة" 2/ 2020، وصَغَيْت بالفتح، أَصْغَى صُغِيًّا بالكسر، وصَغَوت أصغُو صُغُوًّا بالضم.

(٥) "تهذيب اللغة" 2/ 2021، وفيه: (صَغَا يَصْغو صَغْوًا وصَغًا) بالفتح.

(٦) ذكره السمين في "الدر" 5/ 119، وهو ليس في معاني الفراء، ولعله من كتاب المصادر المفقود، وصُغيا بالضم، وكسر العين، وفتح الياء المشددة، وصغوا بالضم وفتح الواو المشددة.

(٧) "تهذيب اللغة" 2/ 2021، وفيه: (صَغْوه وصَغاه وصِغْوه معه) فقط، والباقي لابن السكيت، وصَاغية بكسر الغين، وصَغْواء بفتح الصاد وسكون الغين.

والخلاصة: أن الصَّغا مادة تدل على الميل، يقال: صغوت بالواو وفتح الغين، وصغيت بالياء وكسر الغين وفتحها، فاللام واو أو ياء، ومع الياء تكسر عين الماضي وتفتح، ومضارع الأفعال الثلاثة يصغى بفتح الغين، وحكى صغوت أصغو بالضم، ومصدر الأول: صَغْو، والثاني: صُغِيٌّ بكسر الغين، والثالث: صغا بالفتح، وحكى في مصدر صغا بالفتح يصغو صغا بالفتح، فهو ليس مختصًا بكونه مصدرًا لصغي بالكسر، وحكى صِغِيًّا بكسر الغين، وفتح الياء المشددة، وصغوا بضم الغين وفتح الواو المشددة.

انظر: "معاني الزجاج" 2/ 284، والقرطبي 7/ 69، و"البحر" 4/ 205، و"الدر المصون" 5/ 119.

(٨) ديوان الأعشى: ميمون بن قيس ص 187، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 327، و"تهذيب اللغة" 2/ 2020، والثعلبي ص 183/ أ، و"اللسان" 4/ 2454 مادة (صغا)، و"الدر المصون" 5/ 119، وهو يصف الناقة، وصغواء: مائلة، والمؤق بالضم: طرف العين مما يلي الأنف.

انظر: "اللسان" 7/ 4120 مادة (مأق)، والقطيع، بفتح القاف، وكسر الطاء: السوط يقطع من جلد، ونحوه.

والقطيع المحرم.

السوط الذي لم يمرن ويُليَّن بعد.

انظر: "اللسان" (قطع) 6/ 3678.

(٩) أخرجه الطبري 8/ 7، وابن أبي حاتم 4/ 1373 بسند ضعيف بلفظ (لتميل)، وهو في مسائل نافع بن الأزرق ص 163، وأخرج ابن حسنون في "اللغات" ص 54، و"الوزان" 9 أبسند جيد عنه قال: (صغا مال بلغة خثعم) ا.

هـ، وفي "تنوير المقباس" 2/ 53 قال: (لكي تميل إلى هذا الزخرف والغرور) ا.

هـ، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 75.

(١٠) أخرجه الطبري 8/ 7 بسند جيد بلفظ: (تميل إليه قلوب الكفار) ا.

هـ.

وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 74.

(١١) لفظ (ابن زيد) ساقط من (أ) والأثر أخرجه الطبري 8/ 7، وابن أبي حاتم 4/ 1373، بسند جيد عنه، بلفظ: (وليهووا ذلك، يقول الرجل للمرأة: صغيت إليها: هَوِيتها) اهـ.

(١٢) هو قول الأكثر.

انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 285، و"مجاز القرآن" 1/ 205، و"غريب القرآن" ص 142، والطبري 8/ 7، والسمرقندي 1/ 508، والماوردي 2/ 159.

(١٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 103، ابن الجوزي 3/ 109.

(١٤) هذا ظاهر كلام الطبري 8/ 4، والقرطبي 7/ 69، ورجحه الرازي 13/ 157، وأكثرهم على أنها لام كي الجارة، وهي معطوفة على الغرور، أي: للغرور، ولأن تصغى.

قال ابن عطية 5/ 324 - 325: (اللام في الأفعال الثالثة لام كي معطوفة على (غرورًا) أو متعلقة بفعل مؤخر تقديره: فعلوا ذلك أو جعلنا ذلك، فهي لام صيرورة، قاله الزجاج: ولا يحتمل أن تكون لام الأمر وضمنها الوعيد) ا.

هـ.

ملخصًا، وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 174 - 175: (اللام على بابها للتعليل وإن كانت تعليلًا لفعل العدو، وهو ايحاء بعضهم إلى بعض فظاهر، == وعلى هذا فيكون عطفًا على قوله (غرورًا) فإنه مفعول لأجله، أي: ليغروهم بهذا الوحي ولتصغى إليه أفئدة من يلقى إليه فيرضاه ويعمل بموجبه، فيكون سبحانه قد أخبر بمقصودهم من الإيحاء، وهو أربعة أمور: غرور من يوحون إليه، وإصغاء أفئدتهم إليهم، ومحبتهِم لذلك، وانفعالهم عنده بالاقتراف، وإن كان ذلك تعليلًا لجعله سبحانه ﴿ لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ﴾ فيكون هذا الحكم من جملة الغايات والحكم المطلوبة بهذا الجعل، وهي غاية وحكمة مقصودة لغيرها؛ لأنها مفضية إلى أمور هي محبوبة مطلوبة للرب سبحانه، وفواتها يستلزم فوات ما هو أحب إليه من حصولها، وعلى التقديرين، فاللام لام التعليل والحكمة) اهـ، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 33، و"الزجاج" 2/ 284، و"إعراب النحاس" 1/ 576، و"العسكريات" ص 100، و"كتاب الشعر" 1/ 206، و"المحتسب" 1/ 227، و"البيان" 1/ 335، و"التبيان" ص 355، و"الفريد" 2/ 216، و"الدر المصون" 5/ 117.

(١٥) في (أ): (لتغروهم).

(١٦) انظر: "الدر المصون" 5/ 118.

(١٧) الاقتراف بسكون القاف، وكسر التاء وفتح الراء أصله قَشْرُ اللحاء والجلدة عن الجرح، ثم استعير للاكتساب حسنًا كان أو سيئًا، إلا أنه في السوء أغلب.

انظر: "الجمهرة" 2/ 786، و"الصحاح" 4/ 1414، و"المجمل" 3/ 748، و"معجم مقاييس اللغة" 5/ 73، و"المفردات" ص 667، و"اللسان" 6/ 3600، و"عمدة الحفاظ" ص 453 مادة (قرف).

(١٨) "تهذيب اللغة" 3/ 2941.

وانظر: "العين" 5/ 146.

(١٩) ذكره السمين في "الدر" 5/ 122، وفي "الزاهر" 1/ 446، قال في معنى الآية: (أي: وليكتسبوا وليلصقوا بأنفسهم) ا.

هـ.

ثم أنشد البيت.

(٢٠) الشاهد للبيد في ذيل "ديوانه" ص 221، و"الكشف" للثعلبي 183 أ، وبلا نسبة في "الدر المصون" 5/ 122.

(٢١) أخرجه الطبري 8/ 8 بسند جيد، وهو في "تنوير المقباس" 2/ 53، و"الدر المنثور" 3/ 75، وهو في مسائل نافع بن الأزرق ص 161 مع ذكر الشاهد للبيد.

(٢٢) ذكره القرطبي 7/ 70، عن ابن عباس والسدي وابن زيد، وأخرج الطبري 8/ 8، وابن أبي حاتم 4/ 1373، 1374، بسند جيد عن ابن زيد والسدي قالا: (ليعملوا ما هم عاملون) ا.

هـ.

(٢٣) "معاني الزجاج" 2/ 285، وفيه ذكر القول الأول ثم ذكر هذا، وفي "مجاز القرآن" 1/ 205، قال: (مجازه التهمة والادعاء) ا.

هـ.

وفي "غريب القرآن" لليزيدي قال: (يدعون الكذب) وفي تفسير "غريب القرآن" ص 158، و"تفسير المشكل" ص 79: (أي: ليكتسبوا ويدعوا) ا.

هـ.

وذكر هذا القول الماوردي 2/ 159، وقال: (هذا قول محتمل) ا.

هـ.

(٢٤) لم أقف عليه.

وقوله: (وليخترقوا) التَّخرُّق لغة في التخلُّق من الكذب وخَرَقَ الكذب وتَخَرَّقه اختلقه وافتعله وافتراه.

انظر: "اللسان" 2/ 1142 (خرق).

(٢٥) "تفسير مقاتل" 1/ 585.

(٢٦) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 158.

(٢٧) أبو بكر هو: محمد بن القاسم بن الأنبارىِ، تقدمت ترجمته.

(٢٨) لم أقف عليه، وفي "الزاهر" 1/ 465: (وقولهم: قد قَرف فلان فلانا، معناه: قد ألصق به عيبًا وأكسبه ذمًّا) اهـ.

(٢٩) وهو الراجح عند الجمهور، ومنهم الفراء في "معانيه" 1/ 351، والطبري في "تفسيره" 8/ 8، والنحاس في "معانيه" 2/ 478، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 508، والبغوي 3/ 180، وابن الجوزي 3/ 109، وحكى القول الثاني عن الزجاج الرازي في "تفسيره" 13/ 158، ثم قال: (والأول أصح) ا.

هـ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ولتصغى ﴾ أي تميل وهو متعلق بمحذوف واللام لام الصيرورة ﴿ إِلَيْهِ ﴾ الضمير لوحيهم ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ يكتسبوا ﴿ أَفَغَيْرَ الله ﴾ معمول لقول محذوف أي: قل لهم ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أي صحت والكلمات ما نزل على عباده من كتبه ﴿ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ أي صدقاً فما أخبر وعدلاً فيما حكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ قبلاً ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون: بضمتين.

﴿ منزل ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحفص والمفضل.

﴿ كلمة ربك ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ كلمات ﴾ ﴿ من يضل ﴾ من الإضلال: الأصبهاني عن نصير، فصل على البناء للفاعل و ﴿ حرم ﴾ على البناء للمفعول: حمزة وخلف وعاصم غير حفص والمفضل، وقرأ أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وحفص جميعاً بالفتح الباقون: على البناء للمفعول فيهما ﴿ ليضلون ﴾ بضم الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون: بالفتح.

الوقوف: ﴿ يجهلون ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ مفصلاً ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه ﴿ وعدلاً ﴾ ه ﴿ لكلماته ﴾ ج لابتداء الضمير المنفصل مع احتمال الواو الحال أي لا تبديل لكلماته وهو يسمع ويعلم، ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ج ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ بالمعتدين ﴾ ه ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ يقترفون ﴾ ه ﴿ لفسق ﴾ ط ﴿ ليجادلوكم ﴾ ج ﴿ لمشركون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في تفصيل ما أجمله قوله ﴿ أنها إذا جاءت لا يؤمنون  ﴾ وكان المستهزؤن بالقرآن خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب والحرث بن حنظلة، أتوا الرسول صلى الله عليه وآله في رهط من أهل مكة فقالوا: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله  ، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقول أم باطل، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً على ما تدعيه، فنفى الله  عنهم الإيمان وإن أوتوا هذه المقترحات.

قال أبو زيد: يقال لقيت فلاناً قبلاً وقبلاً ومقابلة كلها بمعنى واحد وهو المواجهة رواه الواحدي، وقال أبو عبيدة والفراء والزجاج: قبلاً بكسر القاف معناه معاينة.

روي عن أبي ذر قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله: أكان آدم نبياً؟

قال: نعم، كان نبياً كلمه الله  قبلاً، وأما قبلاً بضمتين فقيل: إنه جمع قبيل ومعناه الجماعة تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى مثل الروم والزنج والعرب ولهذا قال الأخفش في تفسيره أي قبيلاً قبيلاً.

أو معناه الكفيل والعريف من قبل به يقبل قبالة، والمعنى لو حشرنا عليهم كل شيء فكفلوا بصحة ما يقول ما آمنوا، وموضع الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق، ومنها حي ومنها ميت، فإذا حشرها الله  على اختلاف طبائعها مجتمعة في موقف واحد ثم أنطقها وأطبقوا على قبول هذه الكفارة كان ذلك من أعظم المعجزات، أما قوله  : ﴿ ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ﴾ إيمانهم، فقد قالت الأشاعرة: فلما لم يؤمنوا دل على أنه  ما شاء إيمانهم، وقالت المعتزلة: لو لم يرد منهم الإيمان لما وجب عليهم الإيمان كما لو لم يأمرهم به لم يجب، ولو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر في كفره مطيعاً لله لأنه لا معنى للطاعة إلا فعل المراد، ولو جاز من الله  أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به، ولجاز أن يأمرنا بأن نريد الكفر.

فالمراد من الآية أنه شاء من الكل الإيمان الاختياري وما شاء الإيمان القهري.

والمعنى: ما كانوا ليؤمنوا إيماناً اختيارياً إلا أن يشاء الله مشيئة إكراه واضطرار فحينئذ يؤمنون، وزيف بأن الاختيار لا بد معه من حصول داعية يترجح بها أحد طرفي الممكن، ولا تحصل تلك الداعية إلا بتخليق الله  فكأنه لا اختيار.

قال الجبائي: قوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ يدل على حدوث المشيئة إذ لو كانت قديمة وهي الشرط لزم من حصولها حصول المشروط.

وأجيب بأنها قديمة إلا أن تعلقها بأحداث المحدث في الحال إضافة حادثة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قالت الأشاعرة: أي لا يعلمون أن الكل بقضاء الله وبقدره.

وقالت المعتزلة: إنهم لا يدرون أنهم يبقون كفاراً عند ظهور الآية التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم، أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرهم فيطمعون في إيمانهم الاختياري بمجيء الآيات المقترحات.

ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ قيل: إنه منسوق على قوله: ﴿ وكذلك زينا  ﴾ أي وكما زينا لكل أمة عملهم ﴿ جعلنا ﴾ وقيل: إن المشار إليه محذوف أي وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم نمنعهم من العداوة لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر.

قالت الأشاعرة: لا شك أن تلك العداوة معصية وكفر، وأن جعلها شرفاً لآية تدل على أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله.

قال الجبائي: المراد بهذا الجعل أنه حكم وبين فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل إنه كفره، وإذا أخبر عن عدالته قيل عدله.

وقال الكعبي: إنه أمر الأنبياء.

لأن العداوة تكون من الجانبين.

أجاب أبو بكر الأصم بأنه لما أرسل محمداً إلى العالمين وخصه بتلك المعجزات صار ذلك التخصيص سبباً للحسد والعداوة أو للبغضاء فهذا هو المراد بجعلهم أعداء له.

وزيف بأن الأفعال مستندة إلى الدواعي وهي من الله  ، وبأن العداوة والمحبة متعلقة بالطبع لا بالإرادة والتكلف فلا يقدر عليها إلا الله  ، وانتصاب ﴿ الشياطين ﴾ كما مر في قوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن  ﴾ قال الزجاج وابن الأنباري: ﴿ عدوّا ﴾ في معنى الجمع، ولقائل أن يقول: لا حاجة إلى هذا التكلف لصحة قولنا: وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوّاً واحداً: إذ ليس يجب أن يحصل لكل واحدة من الأنبياء أكثر من عدو واحد.

عن ابن عباس: كل عات متمرد من الجن والإنس فهو شيطان.

وقال مجاهد وقتادة والحسن: إن من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، وإن شيطان الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليعينه عليه.

"روي أن النبي  وآله قال لأبي ذر: هل تعوّذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟

قال: قلت: وهل للإنس من شياطين؟

قال: نعم، هم شر من شياطين الجن" .

وقيل: إن الجميع من ولد إبليس إلا أن الذي يوسوس للإنس يسمى شيطان الإنس، والذي يوسوس للجن يسمى شيطان الجن.

وزيف بأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين.

وعن مالك بن دينار أن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجن لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجن عني وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً.

ومعنى الإيحاء الإيمان أو القول السريع أي يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، وكذلك بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض، وكأنه لا يتصوّر وسوسة الإنس إلى الجن إلا على تقدير القول بالتسخير.

و ﴿ زخرف القول ﴾ ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي، والتحقيق فيه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور خيرية أو نفعاً لم يرغب فيه.

ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقاً للواقع فهو الحق والصدق والإلهام وكان صادراً من الملك وإلا كان مزخرفاً أي يكون باطنه فاسداً وظاهره مزيناً، قال الواحدي: ﴿ غروراً ﴾ نصب على المصدر لأن إيحاء الزخرف من القول في معنى الغرور.

﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ استدلال الأشاعرة به ظاهر والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء.

﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ منصوب على أنه مفعول معه أو مفعول به أي وافتراءهم أو ما يفترونه.

قال ابن عباس: يريد ما زين لهم إبليس وغرهم به، وفيه تحذير من الكفر وترغيب في الإيمان وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتنبيه له على ما أعد للكفرة من العقاب وله من الثواب بسبب صبره على سفاهتهم وتلطفه بهم.

الصغو في اللغة الميل.

يقال في المستمع إنه مصغ إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت.

وأصغى الإناء إذا أماله حتى انصب بعضه في بعض.

ويقال للقمر إذا مال إلى الغروب صغا وأصغى.

قال الجوهري: صغا يصغو ويصغي صغواً أي مال، وكذلك صغى بالكسر يصغي بالفتح صغى وصغياً، واللام في ﴿ ولتصغي ﴾ لا بد لها من متعلق فقالت الأشاعرة: التقدير وإنما جعلنا مثل ذلك الشخص عدوّاً للنبي لتميل ﴿ إليه ﴾ أو إلى قوله المزخرف ﴿ أفئدة ﴾ الكفار فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة النبي ﴿ وليرضوه ﴾ وليختاروه على أنفسهم ﴿ وليقترفوا ﴾ وليكتسبوا من الآثام ﴿ ما هم مقترفون ﴾ وقال الجبائي: إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك  ﴾ .

وزيف بأن حمل لام كي على لام الأمر تحريف.

وقال الكعبي: هي لام العاقبة تقديره: ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين أفئدة الكفار جعلنا لكل نبي عدواً.

وعن أبي مسلم أنها معطوفة على موضع ﴿ غرور ﴾ والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغتروا بذلك ولتميل قلوب الكفار إلى المذاهب الباطلة.

وأورد عليه أن ميل القلوب إلى الآراء الفاسدة هو عين الاغترار فيلزم عطف الشيء على نفسه.

وههنا بحث وهو أن الأشاعرة قالوا: البنية ليست شرطاً للحياة، فالحي هو الجزء الذي قامت الحياة به، والعالم هو الجزء الذي قام العلم به.

وقالت المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة لا ذلك الجزء.

حجة الأشاعرة أنه جعل الموصوف بالميل والرغبة في الآية هو القلب لا جملة الحي، وبمثله استدل من جعل المتعلق الأول للنفس هو القلب لا مجموع البدن.

ثم إنه  لما ذكر أنه لا فائدة لهم في إظهار الآيات التي اقترحوها بين بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل والزائد على ذلك لا يجب الالتفات إليه، وإنما قلنا إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين: الأول: أن الله  قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل عليه الكتاب المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته وأشار إلى هذا الوجه بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ يعني قل يا محمد إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكماً فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز.

الوجه الثاني: اشتمال التوراة والإنجيل على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله حقاً، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله وأشار إليه بقوله: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ﴾ ثم قال: ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ والخطاب لكل أحد أي إذا ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيه أحد.

وقيل: الخطاب للرسول في الظاهر والمراد به الأمة.

وقيل: الخطاب للرسول في الحقيقة والمراد التهييج والإلهاب كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ والمراد فلا تكونن من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق، ولا يريبك جحود أكثرهم.

قال الواحدي: الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة.

وقال بعض أهل التأويل: الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم والحكم هو الذي لا يحكم إلا بالحق.

ثم لما بين أن القرآن معجز قال: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي القرآن.

وقوله: ﴿ صدقاً وعدلاً ﴾ مصدران منتصبان على الحال من الكلمة، ومعنى تمامها أنها وافية كافية في كونها معجزة دالة على صدق محمد، أو كافية في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى القيامة علماً وعملاً، أو المراد بالتمام أنها أزلية ولا يحدث بعد ذلك شيء.

واعلم أن كل ما حصل في القرآن نوعان: الخبر والتكليف؛ فالخبر كل ما أخبر الله  عن وجوده أو عن عدمه كالخبر عن وجود ذاته وحصول صفاته أعني كونه  قادراً سميعاً بصيراً ويدخل فيه الخبر عن صفات التقديس والتنزيه كقوله  : ﴿ لم يلد ولم يولد  ﴾ ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله  وكيفية تدبيره لملكوته في السموات والأرض وفي عالم الأرواح والأجسام، ويدخل فيه الخبر عن أحكام الله  في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، ويدخل فيه الخبر عن أقسام أسماء الله  والخبر عن النبوات وأقسام المعجزات، والخبر عن أحوال النشر والقيامة وصفات أهل الجنة والنار.

والخبر عن أحوال المتقدمين والخبر عن المغيبات.

وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه  على عبيده سواء كان ملكاً أو بشراً أو شيطاناً، وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء المتقدمين أو في مراسيم الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله  .

فإذن المراد وتمت كلمات ربك صدقاً إن كان من باب الخبر وعدلاً إن كان من باب التكاليف وهذا ضبط حسن.

وقيل: إن كل ما أخبر الله  عنه من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد أن يكون واقعاً، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون بصفة الظلم.

ثم قال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبه في كون القرآن دالاً على صدق محمد إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلالة ألبته لجلاء الدلالة ووضوحها.

أو المراد أن كلماته تبقى موصوفة بصفتها مصونة عن التحريف والتغيير كما قال: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون  ﴾ أو الغرض أنها بريئة عن التناقض كما قال: ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً  ﴾ أو المعنى أن أحكام الله  لا تتغير ولا تتبدل لأنها أزلية والأزلي لا يزول، وهذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر إذ يلزم منه أن لا ينقلب السعيد شقياً وبالضد.

ثم لما أجاب عن شبه الكفار بيّن أن عند ظهور الحجة وتبين المحجة لا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى كلمات الجهال فقال: ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ﴾ والمضل لا بد أن يكون ضالاً ويعني بهم الذين ينازعون النبي في الدين غير قاطعين بصحة مذاهبهم كالزنادقة وعبدة الكواكب والأصنام، وكالذين يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة فيحكمون على الحق بأنه باطل وعلى الباطل بأنه حق.

ثم قال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ يقدرون على أنهم على شيء أو يكذبون في أن الله أحل كذا وحرم كذا.

وأصل الخرص حزر ما على النخل من الرطب تمراً.

وليس لنفاة القياس تمسك بالآية من قبل توجه الذم على متبع الظن، لأن المذموم من اتباع الظن هو الذي لا يستند إلى أمارة كظن الكفار المستند إلى تقليد أسلافهم فقط، أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إلى إمارة فلم يتم أنه كذلك.

ثم قال: ﴿ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ والمراد أنك بعدما عرفت أن الحق ما هو والباطل ما هو فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم لأن الله  عالم بأن المهتدي من هو والضال من هو فيجازي كل أحد بما يليق بعمله، أو المراد أن هؤلاء الكفار وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون والله  عالم بأحوال قلوبهم وبواطنهم، ومطلع على تحيرهم في أودية الجهالة وتيه الضلال، قال النحويون: إن أفعل التفضيل لا يعمل في مظهر، ففي الكلام محذوف أي يعلم من يضل عن سبيله، فإن لم يقدر محذوف قوي بالباء كما في القلم { ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين  ﴾ وهذا هو الأصل، وإنما خص هذه السورة بالحذف موافقة لقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ وعدل إلى لفظ المستقبل تنبيهاً على قطع الإضافة لأن أكثر ما يستعمل "أفعل من" يستعمل مع الماضي نحو "أعلم من دب ودرج" و "أحسن من قام وقعد" و "أفضل من حج واعتمر".

فلو لم يعدل إلى لفظ المستقبل التبس بالإضافة  عن ذلك.

وجوّز بعضهم أن يكون "من" للاستفهام كقوله: ﴿ لنعلم أي الحزبين أحصى  ﴾ ثم قال: ﴿ فكلوا ﴾ والفاء مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرّمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم.

فقال الله  للمسلمين: إن كنتم محققين بالإيمان فكلوامما ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله.

فإن قيل: إن القوم كانوا يبيحون ما ذبح على اسم الله  ولا ينازعون فيه، وإنما النزاع في أكل الميتة فإنهم كانوا يبيحونها والمسلمون يحرمونها، فما الحكمة في إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه؟

فالجواب لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل الميتة فرد الله  عليهم في الأمرين بقوله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ وبقوله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ أو نقول: المراد اجعلوا أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه، وعلى هذا فيكون المراد تحريم الميتة فقط والله أعلم.

أما قوله: ﴿ وقد فصل لكم ﴾ فأكثر المفسرين قالوا: المراد به ما فصل في أول المائدة من قوله: ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ إلى آخر الآية، واعترض عليه بأن سورة الأنعام مكية والمائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والآية تقتضي أن يكون المفصل مقدماً على هذا المجمل بل الأولى أن يقال: المراد قوله  بعد هذه الآية: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً  ﴾ إلى آخرها.

فإن هذا القدر من التأخر غير ضائر.

وقوله: ﴿ إلا ما اضطررتم ﴾ أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدّة المجاعة ﴿ وإن كثيراً ليضلون ﴾ المبالغة في قراءة ضم الياء أكثر لأن كل مضل فإنه يكون ضالاً، وقد يكون الضال غير مضل، قيل: إنه عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أول من غير دين إسماعيل واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة.

وقوله: ﴿ بأهوائهم بغير علم ﴾ يريد أن عمرو بن لحي أقدم على هذه المذاهب عن الجهالة الصرفة، وقال الزجاج: المراد منه الذين يحللون الميتة ويناظرون في إحلالها، أو يحتجون عليها بقولهم إذ حل ما تذبحونه أنتم فلأن يحل ما يذبحه الله  أولى، وكذلك كل ما يضلون فيه من عبادة الأوثان والطعن في نبوّة محمد صلى الله عليه وآله.

وفي الآية دلالة على أن النزاع في الدين بمجرد التقليد حرام ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ فيجازيهم عليها وفيه من التهديد ما فيه.

ثم ذكر آية جامعة فقال: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ فقيل: ظاهره الزنا في الحوانيت وباطنه الصديقة في السر.

قال الضحاك: كان أهل الجاهلية يرون الزنا حلالاً ما كان سراً.

والأصح أن النهي عام إذ لا دليل على تخصيصه.

ثم قيل: المراد ما أعلنتم وما أسررتم.

وقيل: ما عملتم وما نويتم.

وقال ابن الأنباري: يريد وذروا الإثم من جميع جهاته كما تقول: ما أخذت من هذا المال قليلاً ولا كثيراً أي ما أخذته بوجه من الوجوه.

وقريب منه قول من قال: المراد النهي عن الإثم مع بيان أنه لا يخرج عن كونه إنما بسبب إخفائه وكتمانه.

وقيل: المراد النهي عن الإقدام على الإثم.

ثم قال: ﴿ وباطنه ﴾ ليظهر بذلك أن الداعي له إلى ترك ذلك الإثم خوف الله لا خوف الناس.

وقيل: ظاهر الإثم أفعال الجوارح، وباطنه أفعال القلوب من الكبر والحسد والعجب وإرادة الشر للمسلمين، ويدخل فيه الاعتقاد والعزم والنظر والظن والتمني والندم على أفعال الخيرات، ومنه يعلم أن ما يوجد في القلب قد يؤاخذ به وإن لم يقترن به عمل ﴿ إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ أي يكتسبون من الآثام ومنه الاعتراف يمحو الاقتراف كما يقال: التوبة تمحو الحوبة.

وظاهر النص يدل على أنه يعاقب المذنب ألبتة إلا أن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب.

وأهل السنة على أنه إذا لم يتب احتمل العفو ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله  عليه من طعام أو شراب فهو حرام تمسكاً بعموم الآية.

وأجمع سائر الفقهاء على تخصيص هذا العموم بالذبح، ثم اختلفوا فمالك: كل ذبح لم يذكر اسم الله  عليه فهو حرام، ترك الذكر عمداً أو نسياناً وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين.

أبو حنيفة: إن ترك عمداً حرام وإن ترك نسياناً حل.

الشافعي: متروك التسمية عمداً وسهواً حلال إذا كان الذابح مسلماً لقوله  : ﴿ وإنه لفسق ﴾ والضمير عائد إلى الأكل الذي دل عليه الفعل أو إلى الموصول على أنه في نفسه فسق مثل "رجل عدل" أو على تقدير حذف المضاف أي وإن أكله لفسق.

وقد أجمع المسلمون على أنه لا يفسق بأكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية ولقوله  : ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ﴾ وهذه المناظرة كانت في مسألة الميتة؛ وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة من قتلها إذا ماتت؟

قال: الله قتلها، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟

فأنزل الله الآية، فالمراد من الشياطين ههنا إبليس وجنوده وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليخاصموا محمداً وأصحابه في أكل الميتة.

وقال عكرمة: وإن الشياطين - يعني مردة المجوس - ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش.

وذلك أنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة أن محمداً وأصحابه يزعمون أن ما يذبحونه حلال وأن ما يذبحه الله حرام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين شيء فنزلت الآية.

ثم قال: ﴿ وإن أطعتموهم ﴾ يعني في استحلال الميتة ﴿ إنكم لمشركون ﴾ قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله  أو حرم شيئاً مما أحل الله فهو مشرك لأنه أثبت حاكماً سوى الله  .

ثم قال الشافعي: الفسق في آية أخرى وهي، قوله: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً  ﴾ إلى قوله: ﴿ أو فسقاً أهل لغير الله  ﴾ مفسر بما أهل به لغير الله فعلمنا أن الفسق في هذه الآية أيضاً مفسر به نزلنا عن هذا المقام وهو التمسك بالمخصصات، فلم قلتم إنه لم يوجد ذكر الله ههنا لما روي أنه صلى الله عليه وآله قال: "ذكر الله مع المسلم سواء قال أو لم يقل" فيحمل هذا الذكر على ذكر القلب.

أو نقول: هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن معنا ما يدل على الحل، وإذا تعارض الحل والحرمة فالحل راجح لأن الأصل في الأشياء الإباحة وللعمومات الدالة على الحل كقوله: ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً  ﴾ ﴿ وكلوا واشربوا  ﴾ ولأنه مستطاب وقد قال: ﴿ أحل لكم الطيبات  ﴾ ، ولأن الطبع يميل إليه وقد نهى عن إضاعة المال، هذا تقرير مذهب الشافعي ومع ذلك فالأولى بالمسلم أن يحترز عنه لقوة ظاهر النص.

قال الكعبي: في الآية دلالة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات لأنه  سمى مخالفته شركاً.

وأجيب بأنه لم لا يجوز أن يراد بالشرك ههنا اعتقاد أن لله شريكاً في الحكم.

التأويل: ﴿ وكلمهم الموتى ﴾ أي: قلوبهم الميتة ﴿ وحشرنا ﴾ أي أريناهم جميع الآيات المودعة في المكونات ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فإن المشيئة تغير السجية والعناية الأزلية كفاية الأبدية ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ أن الهدى ليس بالمنى وأنه بمشيئة المولى، ثم أخبر أن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا فقال: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس ﴾ هي النفس الأمارة التي هي أعدى الأعداء.

﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هديناهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال ﴿ فلا تكونن ﴾ نهى التكوين في الأزل ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ كلامه وقضاؤه في الأزل ﴿ صدقاً ﴾ فيما قال ﴿ وعدلاً ﴾ فيما حكم بالوجود والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن والقبح والإيمان والكفر، وأحسن شيء خلقه هو الإنسان ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم  ﴾ وكذلك شر شيء هو الإنسان عند فساد استعداده ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين  ﴾ ولأهل الكمال ترقٍ في كمال الحسن إلى الأبد، ولأهل النقصان تسفل في القبح إلى الأبد أيضاً إظهاراً للقدرة الكاملة غير المتناهية ﴿ وهو السميع ﴾ لحاجة كل ذي حاجة ﴿ العليم ﴾ بما يستأهله كل موجود ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض ﴾ وهم أهل الأهواء وأقلهم أهل الحق ﴿ وإن هم إلا يخرصون ﴾ في دعوى طلب الحق.

فإن سبيل الحق لا يسلك بالهوى وإنما يسلك بالصدق والهدى.

﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ فمن أمارات الإيمان أن يأكلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع ويذيبوه بذكر الله كما قال صلى الله عليه وآله "أذيبوا طعامكم بذكر الله" فالأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة به على العصيان يورث موت الجنان والحرمان من الجنان.

﴿ وقد فصل لكم ﴾ يا أهل الله ﴿ ما حرم عليكم ﴾ وهو الدنيا وما فيها والآخرة ونعيمها ﴿ إلا ما اضطررتم إليه ﴾ من ضروريات البشر في الدارين بأمر المولى لا بالطبع والهوى ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ الذين جاوزوا المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى ﴿ وذروا ظاهر الإثم ﴾ يعني الأعمال الطبيعية ﴿ وباطنه ﴾ يعني الأخلاق، الذميمة الردية ﴿ سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ لأن الأخلاق الظلمانية توجب صدأ مرآة القلب وتزيدها ريناً إلى أن يصير حجاباً بين العبد وبين الله  : ولا تأكلوا طعاماً إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، ﴿ وإنه ﴾ يعني ظلام الطعام يؤدي إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الكلمة النّفسانية.

﴿ وإن الشياطين ليوحون ﴾ فإن للشيطان مجالاً في الوسوسة إذا كانت النفوس في المجادلة مع القلوب لتدعوها إلى متابعة الهوى الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ﴾ .

قالوا: جهد أيمانهم: [أيمانهم] بالله، فهذا يخرج على وجوه: أحدها: أن الحنث في اليمين يخرج مخرج الاستخفاف والتهاون، [وإن كان المسلم لا يقصد قصد الاستخفاف بالله  ] وإن كان في اليمين التعظيم، وفي الحنث استخفاف، ففي اليمين بالله جهد اليمين.

ويحتمل وجهين سوى هذا، وذلك ما قيل: إن الكفرة كانوا لا يحلفون بالله إلا عند العظيم من الأمور، [و] الجليل منها، وفي غير ذلك كانوا يحلفون بدونه؛ فسمي اليمين بالله جهد اليمين؛ تعظيماً لله وتبجيلا.

والثاني: يحتمل أنهم كانوا يحلفون بأشياء، ويؤكدون اليمين بالله ويشددونه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ .

قيل: إنهم كانوا يقسمون جهد أيمانهم ﴿ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ ، كانوا يسألون رسول الله  آيات: لئن جاءتهم ليؤمنن بها؛ من نحو ما قالوا: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً  ﴾ ، وكقولهم: ﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات؛ فقال: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد: ﴿ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ هو الذي يرسلها وينزلها، وأنا لا أملك إرسالها ولا إنزالها؛ كقوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات؛ إنباء منه أنه لا يملك إنزال ما كانوا يسألونه من الآيات، ثم قال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ اختلف فيه: قال الحسن وأبو بكر الأصم: إنه خاطب بقوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ أهل القسم الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها؛ فقال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ ، أي: ما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءكم آية ثم استأنف، فقال: ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، [وهكذا كان يقرؤه] الحسن بالخفض: ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ على الاستئناف والابتداء.

وقال غيرهم من أهل التأويل: الخطاب لأصحاب رسول الله  ؛ وذلك أنهم لما قالوا: ﴿ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ ، ظنوا أنهم لما أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يؤمنون إذا جاءتهم آية، يفعلون ذلك ويؤمنون على ما يقولون؛ فقال [لهم]: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، على طرح لا، أي ما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون [ويحتمل فيه وجهاً آخر على الإضمار، وكأنه قال: وما يشعركم فاعلموا أنها إذا جاءت لا يؤمنون على الوقف في قوله ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ ثم ابتدأ فقال: اعلموا أنها إذا جاءت لا يؤمنون] وهذا كأنه أقرب.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن أهل الإسلام قالوا: إنهم - وإن جاءتم آية - لا يؤمنون؛ فقال عند ذلك: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ خاطب به هؤلاء ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

والثاني: أنهم، وإن آمنوا بها، إذا جاءت؛ فنقلب أفئدتهم من بعد.

وعلى هذا التأويل أن خلق تقلب أفئدتهم وأبصارهم كقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ ، أي: خلق زيغ قلوبهم؛ فكذلك الأوّل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ ﴾ .

أي: نقلب أفئدتهم وأبصارهم بالحجج والآيات، ويردونها؛ فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة.

وقال أهل التأويل: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ ﴾ ، أي: نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآيات؛ فلا يؤمنون؛ كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يقلب في أفئدتهم وأبصارهم آيات وحدانيته وألوهيته؛ فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة.

ثم تخصيص الأفئدة والأبصار دون غيرها من الجوارح؛ لأن القلب والبصر لا يقع إلا على ما يشهد به [على] وحدانية الله وألوهيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .

قال بعضهم: إن هؤلاء، وإن جاءتهم آية، فإنهم لا يؤمنون كما لم يؤمن أوائلهم من الأمم الخالية لما سألوا الآيات قبلهم؛ فكذلك هؤلاء لا يؤمنون بها، وإن جاءتهم الآية بعد السؤال.

وقال غيرهم: قوله: ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ، أي: قد جاءتهم آيات قبل هذا على غير سؤال، فلم يؤمنوا بها؛ فكذلك إن جاءتهم بالسؤال، فلا يؤمنون بها.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن مشركي العرب كانوا يقسمون بالله: أنه إن جاءهم نذير يؤمنون به، وهو قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ يعنون - والله أعلم - اليهود والنصارى، أي: لو جاءهم نذير ليكونون أهدى من اليهود والنصارى، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا يخبر أنهم كما لم يؤمنوا بالنذير عند سؤالهم النذير في الابتداء إذا جاءهم نذير، فكذلك - أيضاً - لا يؤمنون عند سؤالهم الآيات، وإن جاءتهم آيات.

يخبر نبيه أنهم ليسوا يسألون الآيات سؤال استرشاد، ولكن يسألون سؤال عناد ومكابرة، وهذا التأويل كأنه أقرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

إذا علم أنهم لا يؤمنون، تركهم في [ظلمات] ضلالتهم يعمهون، ويتحيرون، والعمه: الحيرة في اللغة.

وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .

قيل: هذه الآية صلة قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ ﴾ الآية: أخبر أنهم وإن نزل إليهم الآيات بعد السؤال منهم الآيات: من إنزال الملائكة، وتكليم الموتى - أنهم لا يؤمنون؛ إذ سؤالهم الآيات سؤال تعنت واستهزاء وعناد، لا سؤال استرشاد؛ لأنهم قد جاءتهم آيات لو لم يعاندوا لآمنوا [بها] ثم إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون، وأن ما يسألون من الآيات [إنما يسألون] سؤال تعنت وعناد جعل فيهم خصالا على الخذلان من [نحو] قساوة القلب، حتى أخبر أن قلوبهم أقصى من الحجارة، ومن نحو البغض والجهالة، وغير ذلك من الخصال [ما يدل] على ما ذكرنا، وهو كقوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ  ﴾ [يخبر] عن تعنتهم ومكابرتهم.

وفيه دليل أن الآيات لا تضطر أهلها على الإيمان؛ لأنه قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ...

﴾ الآية، لو كانت آية تضطرهم إلى الإيمان لكانت هذه، وهذا يدل على أن معنى قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ﴾ أنهم لا يؤمنون بالآية، ولكن إذا شاء أن يؤمنوا لآمنوا، ولو كانت الآيات تضطر أهلها إلى الإيمان به لكان لا آية أعظم من القيامة، ولا أبين منها، ثم أخبر عنهم أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وقال: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ قد كذبوا عند معاينتهم القيامة والعذاب؛ فهذا يدل على أن الآية لا تضطر أهلها إلى الإيمان بها، ويدل أن تأويل قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ﴾ أنهم يخضعون إذا شاء أن يخضعوا، لا أن الآية تضطرهم على الخضوع بالدلائل التي ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .

قال الحسن: هذه المشيئة مشيئة القدرة، أي: لو شاء الله أن يعجزهم حتى يؤمنوا، وهو كقوله -  - ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ  ﴾ ، ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ  ﴾ ونحوه فهذه المشيئة؛ مشيئة القدرة، لكنا نقول: إنه أخبر أنه لو شاء أن يمسخهم لمسخهم؛ فقل - أيضاً -: إنه لو شاء أن يهديهم لهداهم، ولو شاء أن يهتدوا لاهتدوا، وكذلك يقول المعتزلة: إن المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والجبر، وقد ذكرنا ألا يكون في حال القهر والجبر إيمان؛ فيصير على قولهم: إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا فآمنوا فلا يكون إيماناً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ : اختلف في تلاوته وتأويله: [عن الحسن] قال ﴿ قُبُلاً ﴾ : عياناً، وعن قتادة كذلك ﴿ قُبُلاً ﴾ : عياناً: حتى يعاينوا ذلك معاينة.

﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ، وهو على ما ذكرنا إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا فيؤمنوا.

وعن مجاهد: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: أفواجاً [قبيلاً] وفي حرف أبي عمرو بن العلاء: ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ ، يقول: جيلا فجيلا.

وفي حرف أبي: ﴿ قَبِيلاً ﴾ ، أي: [قبيلة].

وقال القتبي: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: جماعة جماعة، وقبلا، أي: أصنافاً.

ويقال: القبيل: الكفيل؛ كقوله: ﴿ أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً  ﴾ ، أي: ضمينا كفيلا.

قال الكيساني: من قرأها ﴿ قُبُلاً ﴾ فقد تكون جمع (القبيل)؛ مثل (الجبيل) و (الجُبُل)، وقد يكون (القبيل) - أيضاً - من معنى الإقبال؛ كقوله: من قبل ومن دبر.

ومن قرأها (قِبَلا): أراد معاينة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ ، يقال أتانا الناس قبلا، أي: كلهم؛ وقبلا: من المقابلة، وتأويله ما ذكرنا: أن لو فعلنا هذا كله: من إنزال الملائكة إليهم، وتكليم الموتى إياهم، ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ ، فأخبروهم بالذي يقول محمد إنه حق ﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ لهم الإيمان فيؤمنوا، وفيه ما ذكرنا من الدليل أن الآيات لا تضطر أهلها إلى الإيمان بها إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا؛ فيحنئذ يؤمنون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ .

أي: لكن أكثرهم لا ينتفعون بعلمهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ .

قيل: كما جعلنا لكل نبي [من قبل] عدوا كذلك نجعل لك عدوا، [ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ثم قوله: كذلك] ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، قال الحسن: إن من حكم الله أن بعث رسلا، وأن كل من اتبع رسله يكون وليا له، ومن عصى رسله يكون عدوا له، هذا حكم الله في الكل.

وقال جعفر بن حرب والكعبي وغيرهما من المعتزلة: إن قوله: ﴿ جَعَلْنَا ﴾ ، أي: خلينا بينهم وبين ما اختاروا من الكفر والعداوة، يقال: جعل فلان كذا إذا كان مسلطاً على ذلك، وهو يقدر أن يمنعه عن ذلك؛ ويصير التأويل على قول المعتزلة، أي: لم نجعل لكل نبي عدوّاً؛ ولكن هم جعلوا أنفسهم أعداء لكل نبي.

وقلنا نحن: إن قوله: ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، أي: خلقنا لكل نبي عداوة كل عدو، والجعل من الله: هو الخلق؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً  ﴾ .

كل جعل أضيف إلى الله فهو خلق؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، أي: خلقنا لكل نبي عداوة كل عدو، ولو كان الحكم على ما قال الحسن، وما قال أولئك من التخلية لكان يجوز أن يضاف فعل الكفر وفعل الضلال إلى الله، وذلك بعيد.

والثاني: لم يوفق لهم فعل الولاية؛ لما علم منهم أنهم يختارون فعل العداوة على فعل الولاية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: الشياطين كلهم يكونون من الجن، ثم إنهم يوحون إلى الإنس؛ فيكونون هم الذين يدعون الخلق إلى معصية الله؛ فيكونُ من الجن وحياً إلى الإنس، ومن الإنس إلى الخلق قولا ودُعاء.

وقال بعضهم: يكونُ من الجن شياطين، [ومن الإنس شياطين] تدعو شياطين الجن - الجن إلى معصية الله [وهكذا من دعا آخر إلى معصيته والكفر به، ويدعو شياطين الإنسِ الإنسَ إلى ذلك، يدعو كل فريق قومه إلى معصية الله، وهكذا من دعا آخر إلى معصية الله] فهو شيطان، وكذلك كبراء الكفرة ورؤساؤهم الذين كانوا يدعون أتباعهم وسفلتهم إلى الكفر والضلال بالله؛ فهم شياطينهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ .

وقوله  : ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ  ﴾ .

[وقوله]: ﴿ قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ  ﴾ .

وغيره من الآيات؛ أن كلَّ من دعا غيره [إلى] معصية الله والكفر به، فهو شيطان.

والشيطان هو البعيدُ من رحمة الله؛ شطن أي: بَعُدَ.

وقيل: إن إبليس وكَّلَ [شياطين الإنس] يضلونهم ويدعونهم إلى معصية الله، ووكَّلَ شياطين بالجن يضلونهم.

وهو تأويل الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ﴾ \[أي: يزين بعضهم لبعض القول غرورا\] يغرون به.

قال القتبي - رحمه الله -: زخرف القول غرورا: ما زين به وحسن وموه.

وقال واصل: الزخرف: الذهب؛ ويقال: [زخرف الشيء، أي: حسنه].

قال أبو عوسجة: الوحي أن يحى بعينه أو بشفتيه، وهي إشارة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ قال بعضهم: [لو شاء] ربك خلقهم خلقا لم يركب فيهم الشهوات والحاجات حتى أطاعوه ولم يعصوا؛ كما خلق الملائكة لم يركب [فيهم] الشهوات والحاجات والأماني، فلم يعصوه.

وقالت المعتزلة: لو شاء ربك لأعجزهم وقهرهم؛ حتى لا يقدروا على معصية الله والكفر به فآمنوا واهتدوا.

[وعندنا] أنه لو شاء ربك لهداهم لاهتدوا، لكن لما علم منهم أنهم يختارون الضلال على الهدى شاء ألا يهديهم.

وقد ذكرنا قبح تأويلهم الآية في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ هذا يخرج على الوعيد لهم؛ كقوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ  ﴾ وكقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ  ﴾ أي: ذرهم وما يختارون؛ فإنك تراهم في العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ قيل: ولتميل قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة إلى زخرف القول الذي كان يوحي ويلقي شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ﴿ وَلِيَرْضَوْهُ ﴾ لما كان الذي أوحى وألقى بعضهم إلى بعض من زخرف القول الذي يوافق هواهم، وكل من ظفر بما يوافق هواه فإنه يرضى به؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا  ﴾ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة ولا يرجون لقاءه وكانت همتهم هذه الدنيا ورضوا بها واطمأنوا فيها.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ ﴾ أي: إلى الكتاب ﴿ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ ؛ أي: ليس ميل قبول منهم له، ولكن ميل طلب الطعن فيه، وهكذا كانت [همة] أولئك الكفرة، وعادتهم طلب الطعن فيه، والأول أشبه.

ثم إن كان زخرف القول الذي أوحى بعضهم إلى بعض من كبرائهم وعظمائهم، فقد أشرك -  - هؤلاء وأولئك في الكذب الذي كان منهم كان من الكبراء الدعاء إلى ذلك، ومن الأتباع الرضا والإجابة، وكان منهم التزيينُ والزخرفة، ومن الأتباع القبولُ والرضا به، فقد اشتركوا جميعاً في ذلك الكذب، والقول: الغرور.

وقوله: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴾ اختلف فيه: قال قائلون: قوله: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ يعني: هؤلاء الأتباع ﴿ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴾ أي: ليكتسبوا هؤلاء الأتباع من الكذب ما كان أولئك يكتسبون من الكذب.

وقيل: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ أولئك المتبوعون من الكذب ﴿ مَا هُم ﴾ يعني: هؤلاء الأتباع ﴿ مُّقْتَرِفُونَ ﴾ من القول الغرور والزخرف.

ثم اختلف في الاقتراف: قال بعضهم: الاكتسابُ؛ اكتسابُ كلِّ شيء.

وقال قائلون: الاقترافُ هو موافقة الذنب والإثم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولِتَميل إلى ما يوسوس به بعضهم لبعض، قلوبُ الذين لا يؤمنون بالآخرة، وليقبلوه لأنفسهم، ويرتضوه لها، وليكتسبوا ما هم مكتسبون من المعاصي والآثام.

<div class="verse-tafsir" id="91.wD7Kv"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله