الآية ١٢٣ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٢٣ من سورة الأنعام

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ١٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٣ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٣ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : وكما جعلنا في قريتك - يا محمد - أكابر من المجرمين ، ورؤساء ودعاة إلى الكفر والصد عن سبيل الله ، وإلى مخالفتك وعداوتك ، كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك ، ثم تكون لهم العاقبة ، كما قال تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا ) [ الفرقان : 31 ] ، وقال تعالى : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) [ الإسراء : 16 ] ، قيل : معناه : أمرناهم بالطاعات ، فخالفوا ، فدمرناهم .

وقيل : أمرناهم أمرا قدريا ، كما قال هاهنا : ( ليمكروا فيها ) .

وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس : ( أكابر مجرميها ) قال : سلطنا شرارها فعصوا فيها ، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب .

وقال مجاهد وقتادة : ( أكابر مجرميها ) قال عظماؤها .

قلت : وهذا كقوله تعالى : ( وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ) [ سبأ : 34 ، 35 ] ، وقال تعالى : ( وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) [ الزخرف : 23 ] .

والمراد بالمكر هاهنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال ، كما قال تعالى إخبارا عن قوم نوح : ( ومكروا مكرا كبارا ) [ نوح : 22 ] ، وقال تعالى : ( ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) [ سبأ : 31 - 33 ] .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان قال : كل مكر في القرآن فهو عمل .

وقوله : ( وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ) أي : وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم ، كم قال تعالى : ( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) [ العنكبوت : 13 ] ، وقال ( ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون ) [ النحل : 25 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون, كذلك جعلنا بكل قرية عظماءَها مجرميها= يعني أهل الشرك بالله والمعصية له=(ليمكروا فيها)، بغرور من القول أو بباطل من الفعل، بدين الله وأنبيائه =(وما يمكرون) : أي ما يحيق مكرهم ذلك, إلا بأنفسهم , لأن الله تعالى ذكره من وراء عقوبتهم على صدّهم عن سبيله =" وهم لا يشعرون ", يقول: لا يدرون ما قد أعدّ الله لهم من أليم عذابه, (40) فهم في غيِّهم وعتوِّهم على الله يتمادَوْن .

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13847- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (أكابر مجرميها)، قال: عظماءها .

13848- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

13849- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (أكابر مجرميها)، قال: عظماءها .

13850- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة: نـزلت في المستهزئين = قال ابن جريج، عن عمرو, عن عطاء, عن عكرمة: (أكابر مجرميها)، إلى قوله: بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ، بدين الله، وبنبيه عليه الصلاة والسلام وعباده المؤمنين .

* * * والأكابر: جمع " أكبر ", كما " الأفاضل " جمع " أفضل " .

ولو قيل: هو جمع " كبير ", فجمع " أكابر ", لأنه قد يقال: " أكبر ", كما قيل: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا ، [سورة الكهف: 103]، واحدهم " الخاسر "، لكان صوابًا .

وحكي عن العرب سماعًا " الأكابرة " و " الأصاغرة ", و " الأكابر "، و " الأصاغر "، بغير الهاء، على نية النعت, كما يقال: " هو أفضل منك " .

وكذلك تفعل العرب بما جاء من النعوت على " أفعل "، إذا أخرجوها إلى الأسماء, مثل جمعهم " الأحمر " و " الأسود "،" الأحامر " و " الأحامرة ", و " الأساود " و " الأساودة "، ومنه قول الشاعر: (41) إنَّ الأحَـــامِرَة الثَّلاثَــةَ أَهْلَكَــتْ مَــالِي, وكُـنْتُ بِهِـنّ قِدْمًـا مُولَعًـا الخَــمْرُ واللَّحْــمُ السِّــمِينُ إدَامُـهُ والزَّعْفَــرَانُ, فَلَــنْ أرُوحَ مُبَقَّعَــا (42) * * * وأما " المكر "، فإنه الخديعة والاحتيال للممكور به بالغدر، ليورِّطه الماكر به مكروهًا من الأمر .

---------------------- الهوامش : (40) انظر تفسير (( شعر )) فيما سلف : ص : 38 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(41) هو الأعشى .

(42) ديوانه 247 ، 248 ، وهي في نسختي المصورة من ديوان الأعشى رقم : 29 ، واللسان (حمر ) وهو أول الشعر .

وكان في المطبوعة هنا : (( السمين أديمه )) ، و (( فلن أزال مبقعا )) ، وأثبت ما في المخطوطة وفي مخطوطة الأعشى : (( السمين ، وأطلى بالزعفران وقد أروح مبقعًا )) .

وهكذا جاء في المخطوطة : (( السمين إدامه )) ، والإدام ما يؤتدم به مع الخبز ، أي شيء كان .

وعجيب إضافة الإدام إلى اللحم .

ويروى : (( أديمه )) ، ضبطه في اللسان بفتح الألف ، وهو غير مرتضى ، بل الصواب إن شاء الله (( أديمه )) من (( أدام الشيء )) ، إذا أطال زمانه واستمر به .

ورواية أبي جعفر هنا (( فلن أروح مبقعًا )) ، ورواية مخطوطة ديوانه : (( وقد أروح مبقعًا )) ، وهي أجودهما .

و (( المبقع )) الذي فيه لون يخالف لونه ، أو لون ما أصابه الماء أو الزعفران أو ما شابههما .

يعني أنه يكثر من الزعفران حتى يترك في بشرته لمعا .

وأكثر ما كانوا يستعملون الزعفران في أعراسهم ، إذا أعرس الرجل تزعفر .

فكني بذلك عن كثرة زواجه .

وفي البيت روايات أخرى ، راجعها في حواشي ديوانه ، في ذيل الديوان .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرونقوله تعالى وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها المعنى : وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا في كل قرية .

مجرميها مفعول أول ل " جعل " أكابر مفعول ثان على التقديم والتأخير .

وجعل بمعنى صير .

والأكابر جمع الأكبر .

قال مجاهد : يريد العظماء .

وقيل : الرؤساء والعظماء .

وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد .

والمكر : الحيلة في مخالفة الاستقامة ، وأصله الفتل ; فالماكر يفتل عن الاستقامة أي يصرف عنها .

قال مجاهد : كانوا يجلسون على كل عقبة أربعة ينفرون الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ; كما فعل من قبلهم من الأمم السالفة بأنبيائهم .وما يمكرون إلا بأنفسهم أي وبال مكرهم راجع إليهم .

وهو من الله عز وجل الجزاء على مكر الماكرين بالعذاب الأليم .وما يشعرون في الحال ; لفرط جهلهم أن وبال مكرهم عائد إليهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا } أي: الرؤساء الذين قد كبر جرمهم، واشتد طغيانهم { لِيَمْكُرُوا فِيهَا } بالخديعة والدعوة إلى سبيل الشيطان، ومحاربة الرسل وأتباعهم، بالقول والفعل، وإنما مكرهم وكيدهم يعود على أنفسهم، لأنهم يمكرون، ويمكر الله والله خير الماكرين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ) أي : كما أن فساق مكة أكابرها ، كذلك جعلنا فساق كل [ قرية ] أكابرها ، أي : عظماءها ، جمع أكبر ، مثل أفضل وأفاضل ، وأسود وأساود ، وذلك سنة الله تعالى أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم ، كما قال في قصة نوح عليه السلام : ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) ( الشعراء ، 111 ) ، وجعل فساقهم أكابرهم ، ( ليمكروا فيها ) وذلك أنهم أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، يقولون لكل من يقدم : إياك وهذا الرجل فإنه كاهن ساحر كذاب .

( وما يمكرون إلا بأنفسهم ) لأن وبال مكرهم يعود عليهم ( وما يشعرون ) أنه كذلك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكذلك» كما جعلنا فُسَّاق مكة أكابرها «جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها» بالصد عن الإيمان «وما يمكرون إلا بأنفسهم» لأن وباله عليهم «وما يشعرون» بذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومثل هذا الذي حصل مِن زعماء الكفار في "مكة" من الصدِّ عن دين الله تعالى، جعلنا في كل قرية مجرمين يتزعمهم أكابرهم؛ ليمكروا فيها بالصد عن دين الله، وما يكيدون إلا أنفسهم، وما يُحِسُّون بذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم سلى الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم ببيان أن المترفين فى كل زمان ومكان هم أعداء الإصلاح ، وأن ما لقيه صلى الله عليه وسلم من أكابر مكة ليس بدعا بل هو شىء رآه الأنبياء قبله على أيدى أمثال هؤلاء المترفين فقال - تعالى - : { وكذلك جَعَلْنَا .

.

.

} .أكابر : جمع أكبر ، وهم الرؤساء والعظماء فى الأمم .

والمجرمون : جمع مجرم ، من أجرم إذا اكتسب أمرا قبيحا ، ومنه الجرم والجريمة للذنب والإثم .والمعنى : وكما جعلنا فى قريتك مكة رؤساء دعاة إلى الكفر وإلى عداوتك جعلنا فى كل قرية من قرى الرسل من قبلك رؤساء من المجرمين مثلهم ليمكروا فيها ، ويتجبروا على الناس ، ثم كانت العاقبة للرسل ، فلا تبتئس يا محمد مما يصيبك من زعماء مكة فتلك طبيعة الحياة فى كل عصر ، أن يكون زعماء الأمم وكبراؤها أشد الناس عداوة للرسل والمصلحين .قال الجمل : وقوله : { أَكَابِرَ } مفعول أول لجعل ، وأكابر مضاف ومجرميها مضاف إليه ، و { فِي كُلِّ قَرْيَةٍ } المفعول الثانى لجعل ، ووجب تقديمه ليصح عود الضمير عليه ، فهو على حد قوله :كذا إذا عاد عليه مضمر ...

مما به عنه مبينا يخبرهذا أحسن الأعاريب وهناك أوجه أخرى للأعراب لا تخلو من مقال .وخص الأكابر بالمكر ، لأنهم هم الحاملون لغيرهم على الضلال ، وهم الذين يتبعهم الضعفاء فى كفرهم وفجورهم .قال ابن كثير : والمراد بالمكر هنا دعاؤهم غيرهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال كقوله - تعالى - إخباراً عن قوم نوح { وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً } وكقوله : { وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ القول يَقُولُ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الذين استكبروا لِلَّذِينَ استضعفوا أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ الهدى بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ وَقَالَ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا بَلْ مَكْرُ الليل والنهار إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً } الآية .

وقوله - سبحانه - { وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } .أى وما يمكر أولئك الأكابر المجرمون الذين يعادون الرسل والمصلحين فى كل وقت إلا بأنفسهم ، حيث يعود ضرره عليهم وحدهم فى الدنيا والآخرة ولكنهم لانطماس بصيرتهم ، لا يشعرون بأن مكرهم سيعود عليهم ضرره ، بل يتوهمون أنهم سينجون فى مكرهم بغيرهم من الأنبياء والمصلحين .فالجملة الكريمة بيان لسنة من سنن الله فى خلقه ، وهى أن المكر السىء لا يحيق إلا بأهله ، وفى ذلك تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم عما يصيبه منهم ، وبشارة له ، ولأصحابه بالنصر عليهم ، ووعيد لأولئك الماكرين بسوء المصير .وجملة { وَمَا يَشْعُرُونَ } حال من ضمير يمكرون ، وهى تسجل عليهم بلاهتهم وجهالتهم حيث فقدوا الشعور بما من شأنه أن يعترف به كل عاقل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: الكاف في قوله: ﴿ وكذلك ﴾ يوجب التشبيه، وفيه قولان: الأول: وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها.

الثاني: أنه معطوف على ماقبله، أي كما زينا للكافرين أعمالهم، كذلك جعلنا.

المسألة الثانية: الأكابر جمع الأكبر الذي هو اسم، والآية على التقديم والتأخير تقديره: جعلنا مجرميها أكابر، ولا يجوز أن يكون الأكابر مضافة، فإنه لا يتم المعنى، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل، لأنك إذا قلت: جعلت زيداً، وسكت، لم يفد الكلام حتى تقول رئيساً أو ذليلاً أو ما أشبه ذلك، لاقتضاء الجعل مفعولين، ولأنك إذا أضفت الأكابر، فقد أضفت الصفة إلى الموصوف، وذلك لا يجوز عند البصريين.

المسألة الثالثة: صار تقدير الآية: جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر ليمكروا فيها، وذلك يقتضي أنه تعالى إنما جعلهم بهذه الصفة، لأنه أراد منهم أن يمكروا بالناس، فهذا أيضاً يدل على أن الخير والشر بإرادة الله تعالى.

أجاب الجبائي عنه: بأن حمل هذه اللام على لام العاقبة.

وذكر غيره أنه تعالى لما لم يمنعهم عن المكر صار شبيهاً بما إذا أراد ذلك، فجاء الكلام على سبيل التشبيه، وهذا السؤال مع جوابه قد تكرر مراراً خارجة عن الحد والحصر.

المسألة الرابعة: قال الزجاج: إنما جعل المجرمين أكابر، لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم، ولأن كثرة المال وقوة الجاه تحمل الإنسان على المبالغة في حفظهما، وذلك الحفظ لا يتم إلا بجميع الأخلاق الذميمة من الغدر والمكر، والكذب، والغيبة، والنميمة، والأيمان الكاذبة، ولو لم يكن للمال والجاه عيب سوى أن الله تعالى حكم بأنه إنما وصف بهذه الصفات الذميمة من كان له مال وجاه، لكفى ذلك دليلاً على خساسة المال والجاه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ والمراد منه ما ذكره الله تعالى في آية أخرى، وهي قوله: ﴿ وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ  ﴾ وقد ذكرنا حقيقة ذلك في أول سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ  ﴾ قالت المعتزلة: لا شك أن قوله: ﴿ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ مذكور في معرض التهديد والزجر، فلو كان ما قبل هذه الآية يدل على أنه تعالى أراد منهم أن يمكروا بالناس، فكيف يليق بالرحيم الكريم الحكيم الحليم أن يريد منهم المكر، ويخلق فيهم المكر، ثم يهددهم عليه ويعاقبهم أشد العقاب عليه؟

واعلم أن معارضة هذا الكلام بالوجوه المشهورة قد ذكرناها مراراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

مثل الذي هداه الله بعد الضلالة ومنحه التوفيق لليقين الذي يميز به بين المحق والمبطل والمهتدي والضال، بمن كان ميتاً فأحياه الله وجعل له نوراً يمشي به في الناس مستضيئاً به، فيميز بعضهم من بعض، ويفصل بين حلاهم ومن بقي على الضلالة بالخابط في الظلمات لا ينفك منها ولا يتخلص ومعنى قوله: ﴿ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا ﴾ كمن صفته هذه وهي قوله: ﴿ فِى الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا ﴾ بمعنى: هو في الظلمات ليس بخارج منها، كقوله تعالى: ﴿ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون فِيهَا أَنْهَارٌ ﴾ [محمد: 15] أي صفتها هذه، وهي قوله: ﴿ فِيهَا أَنْهَارٌ ﴾ .

﴿ زُيّنَ للكافرين ﴾ أي زينه الشيطان، أو الله عزّ وعلا على قوله: ﴿ زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم ﴾ [النمل: 4] ويدل عليه قوله: ﴿ وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا ﴾ يعني: وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها لذلك.

ومعناه: خليناهم ليمكروا وما كففناهم عن المكر، وخصّ الأكابر لأنهم هم الحاملون على الضلال والماكرون بالناس، كقوله: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ [الإسراء: 16] وقرئ: ﴿ أكبر مجرميها ﴾ على قولك: هم أكبر قومهم، وأكابر قومهم ﴿ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ ﴾ لأنّ مكرهم يحيق بهم.

وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتقديم موعد بالنصرة عليهم.

روي أن الوليد بن المغيرة قال: لو كانت النبوة حقاً لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً.

وروي: أن أبا جهل قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف، حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبيّ يوحى إليه، والله لا نرضى به ولا نتبعه أبداً إلاّ أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت ونحوها قوله تعالى: ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرئ مّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُنَشَّرَة ﴾ [المدثر: 52] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ﴾ أيْ كَما جَعَلْنا في مَكَّةَ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها، وجَعَلْنا بِمَعْنى صَيَّرْنا ومَفْعُولاهُ أكابِرَ مُجْرِمِيها عَلى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي، أوْ في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ ومُجْرِمِيها بَدَلٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلَيْهِ إنْ فُسِّرَ الجَعْلُ بِالتَّمْكِينِ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ جازَ فِيهِ الإفْرادُ والمُطابَقَةُ ولِذَلِكَ قُرِئَ «أكْبَرَ مُجْرِمِيها»، وتَخْصِيصُ الأكابِرِ لِأنَّهم أقْوى عَلى اسْتِتْباعِ النّاسِ والمَكْرِ بِهِمْ.

﴿ وَما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ ﴾ لِأنَّ وبالَهُ يَحِيقُ بِهِمْ.

﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وكذلك} أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها

الأنعام (١٢٣ _ ١٢٦)

{جَعَلْنَا} صيرنا {فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} ليتجبروا على الناس فيها ويعملوا بالمعاصي واللام على ظاهرها عند أهل السنة وليست بلام العاقبة وخص الأكابر وهم الرؤساء لأن ما فيهم من الرياسة والسعة أدعى لهم إلى المكر والكفر من غيرهم دليله وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ثم سلى رسوله عليه السلام ووعد له النصرة بقوله {وَمَا

يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ} لأن مكرهم يحيق بهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} أنه يحيق بهم أكابر مفعول أول والثاني فِي كُلِّ قرية ومجرميها بدل من أكابر أو الأول مُجْرِمِيهَا والثاني أكبار والتقدير مجرميها أكابر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَذَلِكَ ﴾ قِيلَ أيْ كَما جَعَلْنا في مَكَّةَ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ﴿ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ ﴾ مِن سائِرِ القُرى ﴿ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ﴾ أوْ كَما جَعَلْنا أعْمالَ أهْلِ مَكَّةَ مُزَيَّنَةً لَهم جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ ..

إلَخْ.

وإلى الِاحْتِمالَيْنِ ذَهَبَ الإمامُ الرّازِيُّ وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ جَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ المُتَعَدِّيَةِ لِمَفْعُولَيْنِ واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِما فَقِيلَ: ﴿ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ و ﴿ أكابِرَ مُجْرِمِيها ﴾ بِالإضافَةِ هو الأوَّلُ وقِيلَ: ﴿ أكابِرَ ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ و ﴿ مُجْرِمِيها ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وقِيلَ: ﴿ أكابِرَ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ و ﴿ مُجْرِمِيها ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ فَيَتَعَيَّنُ أنَّهُ المُبْتَدَأُ بِحَسَبِ الأصْلِ والتَّقْدِيرُ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ مُجْرِمِيها أكابِرَ فَيَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورِ بِالفِعْلِ.

واعْتَرَضَ أبُو حَيّانَ كَوْنُ ﴿ مُجْرِمِيها ﴾ بَدَلًا مِن ﴿ أكابِرَ ﴾ أوْ مَفْعُولًا بِأنَّهُ خَطَأٌ وذُهُولٌ عَنْ قاعِدَةٍ نَحْوِيَّةٍ وهي أنْ أفْعَلَ التَّفْضِيلَ يَلْزَمُ إفْرادُهُ وتَذْكِيرُهُ إذا كانَ بِمَن ظاهِرَةً أوْ مُقَدَّرَةً أوْ مُضافًا إلى نَكِرَةٍ سَواءٌ كانَ لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أوْ لِغَيْرِهِ فَإنْ طابَقَ ما هو لَهُ تَأْنِيثًا وجَمْعًا وتَثْنِيَةً لَزِمَهُ أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا الألِفُ واللّامُ أوِ الإضافَةُ إلى مَعْرِفَةٍ و ﴿ أكابِرَ ﴾ في التَّخْرِيجَيْنِ باقٍ عَلى الجَمْعِيَّةِ وهو غَيْرُ مُعَرَّفٍ بِألْ ولا مُضافٍ لِمَعْرِفَةٍ وذَلِكَ لا يَجُوزُ وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ فَقالَ: إنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ أكابِرَ وأصاغِرَ أُجْرِيَ مَجْرى الأسْماءِ لِكَوْنِهِ بِمَعْنى الرُّؤَساءِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرّاغِبُ وما ذَكَرَهُ إنَّما هو إذا بَقِيَ عَلى مَعْناهُ الأصْلِيِّ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّهُ يُقالُ أكابِرَةُ كَما يُقالُ أحْمَرُ وأحامِرَةُ كَما قالَ: إنَّ الأحامِرَةَ الثَّلاثَ تَعَوَّلَتْ وإنْ رَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِن أهْلِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ أجازَ في جَمْعِ أفْضَلَ أفاضِلَةَ وفِيهِ نَظَرٌ وأمّا الجَوابُ بِأنَّهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ المَعْرِفَةِ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ أكابِرَ النّاسِ أوْ أكابِرَ أهْلِ القَرْيَةِ فَلا يَخْفى ضَعْفُهُ.

اهـ.

وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ الظَّرْفَ لَغْوٌ و ﴿ أكابِرَ ﴾ أوَّلُ المَفْعُولَيْنِ مُضافٌ لِمُجْرِمِيها و ﴿ لِيَمْكُرُوا ﴾ المَفْعُولُ الثّانِي.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ جَعَلَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ عَلى أنَّ المُرادَ بِالجَعْلِ التَّمْكِينُ بِمَعْنى الإقْرارِ في المَكانِ والإسْكانِ فِيهِ ومَفْعُولُهُ ﴿ أكابِرَ مُجْرِمِيها ﴾ بِالإضافَةِ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّ احْتِمال الإضافَةِ لا يَجْرِي إلّا عَلى تَفْسِيرِ جَعَلْناهم بِمَكَّنّاهم ولا يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ دَغْدَغَةٍ وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي بَعْدَ سَرْدِ عِدَّةٍ مِنَ الأقْوالِ: والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الصّائِبُ أنَّ في كُلِّ قَرْيَةٍ لَغْوٌ و ﴿ أكابِرَ مُجْرِمِيها ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ و ﴿ لِيَمْكُرُوا ﴾ هو الثّانِي ولا يَخْفى حُسْنُهُ بَيْدَ أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى جَعْلِ الإشارَةِ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ أُشِيرَ فِيما سَبَقَ إلَيْهِما وناقَشَ في ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ وادَّعى أنَّ الأقْرَبَ جَعَلَ المُشارَ إلَيْهِ الكَفَرَةَ المَعْهُودِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِصِفاتِهِمْ والإفْرادُ بِاعْتِبارِ الفَرِيقِ أوِ المَذْكُورِ ومَحَلِّ الكافِ والنَّصْبُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ ﴾ والأوَّلُ ﴿ أكابِرَ مُجْرِمِيها ﴾ والظَّرْفُ لَغْوٌ أيْ ومِثْلُ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ هم صَنادِيدُ مَكَّةَ ومُجْرِمِيها جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَها المُجْرِمِينَ أيْ جَعَلْناهم مُتَّصِفِينَ بِصِفاتِ المَذْكُورِينَ مُزَيَّنًا لَهم أعْمالُهم مُصِرِّينَ عَلى الباطِلِ مُجادِلِينَ بِهِ الحَقَّ لِيَمْكُرُوا فِيها أيْ لِيَفْعَلُوا المَكْرَ فِيها.

اهـ.

ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

وتَخْصِيصُ الأكابِرِ لِأنَّهم أقْوى عَلى اسْتِتْباعِ النّاسِ والمَكْرِ بِهِمْ وقُرِئَ ( أكْبَرَ مُجْرِمِيها ) وهَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ ﴾ اعْتِراضٌ عَلى سَبِيلِ الوَعْدِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ الماكِرِينَ أيْ وما يَحِيقُ غائِلَةُ مَكْرِهِمْ إلّا بِهِمْ ﴿ وما يَشْعُرُونَ ﴾ (123) حالٌ مِن ضَمِيرِ يَمْكُرُونَ أيِ إنَّما يَمْكُرُونَ بِأنْفُسِهِمْ والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ أصْلًا بَلْ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَمْكُرُونَ بِغَيْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ يعني: من كان ضالاً كافراً فهديناه إلى الإسلام والتوحيد وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ يعني: أكرمناه بالمعرفة.

ويقال: جعلنا له إيماناً يهتدي به سبيل الخيرات، والنجاة يمشي به فى الناس يعني: مع المؤمنين.

ويقال: أعطيناه نوراً يوم القيامة يمشي به على الصراط مع المؤمنين.

لا يكن حاله كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ يعني: كمن قدر عليه الكفر ونزل في الكفر مخذولاً لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها يعني: ليس براجع منها.

يعني: ليسا بسواء.

قال الكلبي: نزلت في عمار بن ياسر يعني ليس حاله بحال الكفار.

وقال مقاتل: يعني به النبيّ  ليس مثل أبي جهل بن هشام الذي بقي في الكفر.

ويقال: يعني جميع المؤمنين ليس حالهم كحال الكفار.

قرأ نافع أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد.

ثم قال: كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: هكذا نعاقب من اختار الكفر على الإيمان فنختم على قلبه مجازاة لكفره.

ثم قال: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها يعني جعلنا مجرميها أكابرها وجبابرتها كما جعلنا في أهل مكة وهذا معطوف على ما قبله أي مثل ذلك جعلنا في كل قرية كما زين للكافرين لِيَمْكُرُوا فِيها يعني: ليتكبروا فيها ويكذبوا رسلهم وَما يَمْكُرُونَ يعني: وما يصنعون ذلك إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ يعني: إلا على أنفسهم وَما يَشْعُرُونَ أن ذلك على أنفسهم.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فَارِس «١» ، وذلك أنهم كانوا يوالُونَ قُرَيْشاً على عداوة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ من قريش لِيُجادِلُوكُمْ بقولهم: تأكلون ما قَتَلْتُمْ ولا تأكلون ما قَتَلَ اللَّه فذلك من مخاطبتهمْ هو الوحْيُ، والأولياء هم قريشٌ، وقال ابن زَيْد وعبد اللَّه بن كثير: بل الشياطينِ الجِنُّ، واللفظة على وجْهها، وأولياؤهم: كَفَرة قريش، ووحْيُهم بالوسوسة، وعلى ألسنة الكُهَّان.

ثم نهى سبحانه عن طاعتهم بلفظ يتضمَّن الوعيدَ وعرض أصعب مثالٍ في أن يشبه المؤمن بالمُشْرك، قال ابن العربيِّ «٢» : قوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ، سمَّى اللَّه تعالى ما يقع في القلوبِ من الإلهام وحياً/، وهذا مما يطلقه شيوخُ المتصوِّفة، وينكره جُهَّال المتوسِّمين بالعلْمِ، ولم يعلموا أن الوحْيَ على ثمانيةِ أقسامٍ، وأن إطلاقه في جميعها جائزٌ في دِينِ اللَّه.

انتهى من «أحكام القرآن» .

وقوله سبحانه: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ، لما تقدَّم ذكْر المؤمنين، وذكْر الكافرين، مثَّل سبحانه في الطائفتين بأنْ شَبَّه الذين آمنوا بَعْد كفرهم بأمواتٍ أُحْيُوا، هذا معنى قول ابن عباس «٣» ومجاهد وغيرهما، وشَبَّه الكافرين وحَيْرَةَ جهلهم بقَوْمٍ في ظلمات يتردَّدون فيها، ولا يمكنهم الخروجُ منها ليبيِّن عزَّ وجلَّ الفرق بيْنَ الطائفتَيْن، والبَوْن «٤» بين المنزلتين، ونُوراً أمكن ما يعني به الإيمان، قيل: ويحتمل أن يراد به النُّور الذي يُؤْتَاهُ المؤمن يوم القيامة، وجَعَلْنا في هذه الآية: بمعنى صيّرنا، فهي تتعدّى إلى

مفعولَيْن، الأول: مُجْرِمِيها، والثاني: أَكابِرَ، وفي الكلام على هذا: تقديمٌ وتأخير، وتقديره: وكذلك جعلنا في كلِّ قريةٍ مجرميها أَكَابِرَ، وقدَّم الأهمَّ إذ لعلَّة كِبْرهم أجرموا، ويصح أن يكون المفعولُ الأول: «أكابر» ، و «مجرميها» «١» مضافٌ، والمفعولُ الثاني: في قوله: فِي كُلِّ قَرْيَةٍ، ولِيَمْكُرُوا: نصب بلامِ الصيرورةِ والأكابر: جمع أكْبَر كما الأفاضلُ جمع أفْضَل، قال الفَخْر «٢» : وإنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ ﴾ أيْ: وكَما زَيَّنّا لَلْكافِرِينَ عَمَلَهم، فَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةِ فُسّاقَ كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَها.

وإنَّما جُعِلَ الأكابِرُ فَسّاقَ كُلِّ قَرْيَةٍ، لِأنَّهم أقْرَبُ إلى الكُفْرِ بِما أعْطَوْا مِنَ الرِّياسَةِ والسِّعَةِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَقْدِيرُ الآَيَةِ: وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ مُجْرْمِيها أكابِرَ؛ "وَأكابِرَ" لا يَنْصَرِفُ، وهُمُ العُظَماءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَمْكُرُوا فِيها ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَكْرُ: والخَدِيعَةُ، والحِيلَةُ، والفُجُورُ، والغَدْرُ، والخِلافُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيَقُولُوا فِيها الكَذِبَ.

قالَ مُجاهِدٌ: أجْلَسُوا عَلى كُلِّ طَرِيقٍ مِن طُرُقِ مَكَّةَ أرْبَعَةً، لِيَصْرِفُوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ  ، يَقُولُونَ لَلنّاسِ: هَذا شاعِرٌ، وكاهِنٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ: ذَلِكَ المَكْرُ بِهِمْ يَحِيقُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في الناسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ ﴾ تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ السالِفَةِ ذِكْرُ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ أُمِرُوا بِتَرْكِ ظاهِرِ الإثْمِ وباطِنِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وذِكْرُ قَوْمٍ كافِرِينَ يَضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَمَثَّلَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - في الطائِفَتَيْنِ؛ بِأنْ شَبَّهَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ كُفْرِهِمْ بِأمْواتٍ أُحْيُوا؛ هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ ومُجاهِدٍ ؛ وغَيْرِهِما؛ وشَبَّهَ الكافِرِينَ وحَيْرَةَ جَهْلِهِمْ بِقَوْمٍ في ظُلُماتٍ يَتَرَدَّدُونَ فِيها ولا يُمْكِنُهُمُ الخُرُوجُ مِنها؛ لِيُبَيِّنَ - عَزَّ وجَلَّ - الفارِقَ بَيْنَ الطائِفَتَيْنِ؛ والبَوْنَ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أوَمَن"؛ بِفَتْحِ الواوِ؛ فَهي ألِفُ اسْتِفْهامٍ؛ دَخَلَتْ عَلى واوِ عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"مَن"؛ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أفَمَن"؛ بِالفاءِ؛ والمَعْنى قَرِيبٌ مِن مَعْنى الواوِ؛ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَأحْيَيْناهُ"؛ ﴾ عاطِفَةٌ؛ و ﴿ "نُورًا"؛ ﴾ أمْكَنُ ما يُعْنى بِهِ: اَلْإيمانُ؛ و ﴿ "يَمْشِي بِهِ"؛ ﴾ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ التَصَرُّفِ في الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ النُورُ الَّذِي يُؤْتاهُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ و ﴿ "فِي الناسِ"؛ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَمْشِي"؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "كانَ مَيْتًا"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "كَمَن مَثَلُهُ"؛ ﴾ بِمَنزِلَةِ: "كَمَن هُوَ"؛ والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ ﴾ ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ يَدُلُّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلَيْهِ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَما أحْيَيْنا المُؤْمِنِينَ وجَعَلْنا لَهم نُورًا؛ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ..."؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى "كَمَن مَثَلُهُ"؛ أيْ: "كَهَذِهِ الحالِ هو التَزْيِينُ".

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "مَيِّتًا"؛ بِكَسْرِ الياءِ؛ وشَدِّها؛ وقَرَأ الباقُونَ: "مَيْتًا"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: اَلتَّخْفِيفُ كالتَشْدِيدِ؛ والياءُ المَحْذُوفَةُ هي الثانِيَةُ المُنْقَلِبَةُ عن واوٍ؛ أُعِلَّتْ بِالحَذْفِ؛ كَما أُعِلَّتْ بِالقَلْبِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الَّتِي مُثِّلَ بِها؛ وإنْ كانَتْ تَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وكُلَّ كافِرٍ؛ فَإنَّما نَزَلَتْ في مَخْصُوصِينَ؛ فَقالَ الضَحّاكُ: اَلْمُؤْمِنُ الَّذِي كانَ مَيْتًا فَأُحْيِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وقالَ الزَجّاجُ: جاءَ في التَفْسِيرِ أنَّهُ يَعْنِي بِهِ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واتَّفَقُوا عَلى أنَّ الَّذِي في الظُلُماتِ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ ؛ وإلى حالِهِ وحالِ أمْثالِهِ هي الإشارَةُ؛ والتَشْبِيهُ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ ﴾ ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ إنْذارًا بِفَسادِ حالِ الكَفَرَةِ؛ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى حالِ مَن تَقَدَّمَهم مِن نَظائِرِهِمْ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُسْتَهْزِئِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يَعْنِي أنَّ التَمْثِيلَ لَهُمْ؛ و"جَعَلْنا"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ بِمَعْنى "صَيَّرْنا"؛ فَهي تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ فالمَفْعُولُ الأوَّلُ: ﴿ "مُجْرِمِيها"؛ ﴾ والثانِي: "أكابِرَ"؛ وفي الكَلامِ - عَلى هَذا - تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ مُجْرِمِيها أكابِرَ"؛ وقَدَّمَ الأهَمَّ؛ إذْ لِعِلَّةِ كِبَرِهِمْ أجْرَمُوا؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ: "أكابِرَ"؛ و"مُجْرِمِيها"؛ مُضافًا؛ والمَفْعُولُ الثانِي قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ ﴾ ؛ و"لِيَمْكُرُوا"؛ نُصِبَ بِلامِ الصَيْرُورَةِ.

والأكابِرُ جَمْعُ "أكْبَرُ"؛ كَما "اَلْأفاضِلُ"؛ جَمْعُ "أفْضَلُ"؛ ويُقالُ: "أكابِرَةٌ"؛ كَما يُقالُ: "أحْمَرُ"؛ و"أحامِرَةٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ الأحامِرَةَ الثَلاثَةَ أتْلَفَتْ ∗∗∗ مالِي وكُنْتُ بِهِنَّ قِدْمًا مُولَعا يُرِيدُ: اَلْخَمْرَ؛ واللَحْمَ؛ والزَعْفَرانَ؛ و"اَلْمَكْرُ": اَلتَّحَيُّلُ بِالباطِلِ؛ والخَدِيعَةُ؛ ونَحْوُهُما؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ ﴾ ؛ يُرِيدُ: لِرُجُوعِ وبالِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ "وَما يَشْعُرُونَ"؛ أيْ: ما يَعْلَمُونَ؛ وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشِعارِ؛ وهو الشَيْءُ الَّذِي يَلِي البَدَنَ؛ فَكَأنَّ الَّذِي لا يَشْعُرُ نُفِيَ عنهُ أنْ يَعْلَمَ عِلْمَ حِسٍّ؛ وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في صِفَةِ جَهْلِهِ؛ إذِ البَهائِمُ تَعْلَمُ عُلُومَ الحِسِّ؛ وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّما نُفِيَ فِيها الشُعُورُ في نازِلَةٍ مَخْصُوصَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ كذلك زيّن للكافرين ما كانوا يعملون ﴾ [الأنعام: 122] فلها حكم الاستئناف البياني، لبيان سبب آخر من أسباب استمرار المشركين على ضلالهم، وذلك هو مكر أكابر قريتهم بالرّسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين وصرفهم الحيل لصدّ الدهماء عن متابعة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشار إليه بقوله: ﴿ وكذلك ﴾ أولياء الشياطين بتأويل ﴿ كذلك ﴾ المذكور.

والمعنى: ومِثْل هذا الجعل الذي جعلناه لمشركي مكّة جعَلنا في كلّ قرية مضت أكابرَ يصدّون عن الخير، فشبّه أكابر المجرمين من أهل مكّة في الشرّك بأكابر المجرمين في أهل القرى في الأمَممِ الأخرى، أي أنّ أمر هؤلاء ليس ببدع ولا خاصّ بأعداء هذا الدّين، فإنَّه سنّة المجرمين مع الرسل الأوّلين.

فالجَعل: بمعنى الخلق ووضععِ السّنن الكونيّة، وهي سنن خلق أسباب الخير وأسباب الشرّ في كلّ مجتمع، وبخاصّة القُرى.

وفي هذا تنبيه على أنّ أهل البداوة أقرب إلى قبول الخير من أهل القرى، لأنَّهم لبساطة طباعهم من الفطرة السّليمة، فإذا سمعوا الخير تقبّلوه، بخلاف أهل القرى، فإنَّهم لتشبّثهم بعوائدهم وما ألفوه، ينفرون من كلّ ما يغيّره عليهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ وممنّ حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النّفاق ﴾ [التوبة: 101] فجعل النّفاق في الأعراب نفاقاً مجرّداً، والنّفاق في أهل المدينة نفاقاً مارداً.

وقد يكون الجَعل بمعنى التّصيير، وهو تصيير خَلْق على صفة مخصوصة أو تصيير مخلوق إلى صفة بعد أن كان في صفة أخرى، ثمّ إنّ تصارع الخير والشرّ يكون بمقدار غلبة أهل أحدهما على أهل الآخر، فإذا غلب أهل الخير انقبض دعاة الشرّ والفساد، وإذا انعكس الأمر انبسط دعاة الشرّ وكثروا.

ومن أجل ذلك لم يزل الحكماء الأقدمون يبذلون الجهد في إيجاد المدينة الفاضلة الّتي وصفها (أفلاطون) في «كتابه»، والّتي كادت أن تتحقّق صفاتها في مدينة (أثينة) في زمن جمهوريتها، ولكنّها ما تحقّقت بحقّ إلاّ في مدينة الرّسول صلى الله عليه وسلم في زمانه وزمان الخلفاء الرّاشدين فيها.

وقد نبّه إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ وإذَا أردْنا أن نهلك قرية أمَّرْنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمرناها تدميراً ﴾ [الإسراء: 16] على قراءة تشديد ميم: ﴿ أمَّرنا ﴾ .

والأظهر في نظم الآية: أنّ ﴿ جعلنا ﴾ بمعنى خلقنا وأوجدنا، وهو يتعدّى إلى مفعول واحد كقوله: ﴿ وجعل الظّلمات والنّور ﴾ [الأنعام: 1] فمفعوله: ﴿ أكابر مجرميها ﴾ .

وقوله: ﴿ في كل قرية ﴾ ظرف لغو متعلّق ب ﴿ جعلنا ﴾ وإنَّما قدّم على المفعول مع أنّه دونه في التعلّق بالفعل، لأنّ كون ذلك من شأن جميع القرى هو الأهمّ في هذا الخبر، ليَعلم أهل مكّة أنّ حالهم جرى على سُنن أهل القرى المرسل إليها.

وفي قوله: ﴿ أكبر مجرميها ﴾ إيجاز لأنَّه أغنى عن أن يقول جعلنا مُجرمين وأكابر لهم وأن أولياء الشياطين أكابر مجرمي أهل مكة، وقوله: ﴿ ليمكروا ﴾ متعلّق ب ﴿ جعلنا ﴾ أي ليحصُل المكر، وفيه على هذا الاحتمال تنبيه على أنّ مكرهم ليس بعظيم الشأن.

ويحتمل أن يكون ﴿ جعلنا ﴾ بمعنى صيّرنا فيتعدّى إلى مفعولين هما: ﴿ أكبر مجرميها ﴾ على أنّ ﴿ مجرميها ﴾ المفعول الأوّل، و ﴿ أكابر ﴾ مفعول ثان، أي جعلنا مجرميها أكابر، وقدم المفعول الثّاني للاهتمام به لغرابة شأنه، لأنّ مصير المجرمين أكابر وسادة أمر عجيب، إذ ليسوا بأهل للسؤدد، كما قال طفيل الغنوي: لا يصلح النّاس فَوضى لا سَراة لهم *** ولا سَراة إذا جُهَّالهم سادوا تُهدَى الأمورُ بأهل الرأي ما صَلُحت *** فإنْ تولَّتْ فبالأشرار تَنْقَادُ وتقديم قوله: ﴿ في كل قرية ﴾ للغرض المذكور في تقديمه للاحتمال الأوّل.

وفي هذا الاحتمال إيذان بغلبة الفساد عليهم، وتفاقم ضرّه، وإشعار بضرورة خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك القرية، وإيذان باقتراب زوال سيادة المشركين إذ تولاها المجرمون لأنّ بقاءهم على الشّرك صيّرهم مجرمين بين مَن أسلم منهم.

ولعلّ كلا الاحتمالين مراد من الكلام ليفرض السّامعون كليهما، وهذا من ضروب إعجاز القرآن كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنَّه منزل من ربّك بالحقّ فلا تكوننّ من الممترين ﴾ [الأنعام: 114].

واللاّم في ﴿ ليمكروا ﴾ لام التّعليل، فإنّ من جملة مراد الله تعالى من وضع نظام وجود الصّالح والفاسد، أن يعمل الصّالح للصلاح، وأن يعمل الفاسد للفساد، والمكرُ من جملة الفساد، ولام التّعليل لا تقتضي الحصر، فللّه تعالى في إيجاد أمثالهم حِكَم جمّة، منها هذه الحكمة، فيظهر بذلك شرف الحقّ والصّلاح ويسطع نوره، ويظهر انْدِحاض الباطل بين يديه بعد الصّراع الطّويل؛ ويجوز أن تكون اللام المسماةَ لام العاقبة، وهي في التحقيق استعارة اللام لمعنى فاء التفريع كالتي في قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً ﴾ [القصص: 8].

ودخلت مكّة في عموم: ﴿ كل قرية ﴾ وهي المقصود الأول، لأنَّها القرية الحاضرة الّتي مُكِر فيها، فالمقصود الخصوص.

والمعنى: وكذلك جعلنا في مكّة أكابر مجرميها ليمكروا فيها كما جعلنا في كلّ قرية مثلَهم، وإنَّما عُمّم الخبرُ لقصد تذكير المشركين في مكّة بما حلّ بالقرى من قبلها، مثل قرية: الحِجر، وسَبا، والرّس، كقوله: ﴿ تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبيّنات فما كانوا ليؤمنوا ﴾ [الأعراف: 101]، ولقصد تسلية الرّسول صلى الله عليه وسلم بأنَّه ليس ببدع من الرّسل في تكذيب قومه إيَّاه ومكرهم به ووعده بالنّصر.

وقوله: ﴿ أكبر مجرميها ﴾ أكابر جمع أكبر.

وأكبر اسم لعظيم القوم وسيّدهم، يقال: ورثوا المجد أكْبَر أكْبَر، فليست صيغة أفعل فيه مفيدة الزّيادة في الكبر لا في السِنّ ولا في الجسم، فصار بمنزلة الاسم غير المشتقّ، ولذلك جمع إذا أخبر به عن جمع أو وُصف به الجمع ولو كان معتبراً بمنزلة الاسم المشتقّ لكان حقّه أن يلزم الإفراد والتّذكير.

وجمع على أكابر، يقال: ملوك أكابر، فوزن أكابر في الجمع فَعالل مثل أفاضل جمع أفضل، وأيامِنَ وأشَائِمَ جمع أيَمن وأشأم للطّير السوانح في عرف أهل الزجر والعيافة.

وأعلم أنّ اصطلاح النّحاة في موازين الجموع في باب التّكسير وفي باب ما لا ينصرف أن ينظروا إلى صورة الكلمة من غير نظر إلى الحروف الأصليّة والزائدة بخلاف اصطلاح علماء الصّرف في باب المُجرّد والمزيد.

فهمزة أكبر تعتبر في الجمع كالأصلي وهي مزيدة.

وفي قوله: ﴿ أكبر مجرميها ﴾ إيجاز لأنّ المعنى جعلنا في كلّ قرية مجرمين وجعلنا لهم أكابر فلمّا كان وجود أكابر يقتضي وجود من دونهم استغنى بذكر أكابر المجرمين.

والمكر: إيقاع الضرّ بالغير خُفية وتحيُّلاً، وهو من الخداع ومن المذام، ولا يغتفر إلاّ في الحرب، ويغتفر في السّياسة إذا لم يمكن اتّقاء الضرّ إلاّ به، وأمّا إسناده إلى الله في قوله تعالى: ﴿ ومكرَ الله واللَّهُ خير الماكرين ﴾ [آل عمران: 54] فهو من المشاكلة لأنّ قبلهُ ﴿ ومكروا ﴾ [آل عمران: 54]، أي مكروا بأهل الله ورسله.

والمراد بالمكر هنا تحيّل زعماء المشركين على النّاس في صرفهم عن النّبيء صلى الله عليه وسلم وعن متابعة الإسلام، قال مجاهد: كانوا جلسوا على كلّ عقبة ينفّرون النّاس عن اتّباع النّبيء صلى الله عليه وسلم وقد حذف متعلِّق: ﴿ ليمكروا ﴾ لظهوره، أي ليمكروا بالنَّبيء عليه الصلاة والسلام ظنّاً منهم بأنّ صدّ النّاس عن متابعته يضرّه ويحزنه، وأنَّه لا يعلم بذلك، ولعلّ هذا العمل منهم كان لما كثُر المسلمون في آخر مدّة إقامتهم بمكّة قبيل الهجرة إلى المدينة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ وما يمكرون إلا بأنفسهم ﴾ ، فالواو للحال، أي هم في مكرهم ذلك إنَّما يضرّون أنفسهم، فأطلق المكر على مآله وهو الضرّ، على سبيل المجاز المرسل، فإنّ غاية المكر ومآله إضرار الممكور به، فلمّا كان الإضرار حاصلا للماكرين دون الممكور به أطلق المكر على الإضرار.

وجيء بصيغة القصر: لأنّ النّبيّء صلى الله عليه وسلم لا يلحقه أذى ولا ضرّ من صدّهم النّاس عن اتِّباعه، ويَلحق الضرّ الماكرين، في الدّنيا: بعذاب القتل والأسر، وفي الآخرة: بعذاب النّار، إنْ لم يؤمنوا فالضرّ انحصر فيهم على طريقة القصر الإضافي، وهو قصر قلب.

وقوله: ﴿ وما يشعرون ﴾ جملة حال ثانية، فهم في حالة مكرهم بالنّبيء متّصفون بأنَّهم ما يمكرون إلاّ بأنفسهم وبأنَّهم ما يشعرون بلحاق عاقبة مكرهم بهم، والشّعور: العلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ ﴾ يَعْنِي عَلامَةً تَدُلُّ عَلى صِدْقِ النَّبِيِّ  وصِحَّةِ رِسالَتِهِ.

﴿ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَنْ نُؤْمِنَ بِالآيَةِ.

والثّانِي: لَنْ نُؤْمِنَ بِالنَّبِيِّ  .

﴿ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ مِنَ الكَرامَةِ.

الثّانِي: مِثْلَ ما أُوتُوا مِنَ النُّبُوَّةِ.

﴿ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ﴾ قَصَدَ بِذَلِكَ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: تَفَرُّدُ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِ المَصْلَحَةِ فِيمَن يَسْتَحِقُّ الرِّسالَةَ.

والثّانِي: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في سُؤالِ ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ، والمَنعُ مِمّا لا يَجُوزُ أنْ يَسْألُوهُ.

﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ الصَّغارُ: الذُّلُّ سُمِّيَ صَغارًا لِأنَّهُ يَصْغُرُ إلى الإنْسانِ نَفْسَهُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَحَذَفَ (مِن) إيجازًا.

والثّانِي: أنَّ أنَفَتَهم مِنِ اتِّباعِ الحَقِّ صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وذُلٌّ إنْ كانَ عِنْدَهم تَكَبُّرًا وعِزًّا، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: صَغارٌ في الآخِرَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله: ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ﴾ قال: نزلت في المستهزئين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ﴾ قال: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ أكابر مجرميها ﴾ قال: عظماؤها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا ﴾ الآية، ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ عطف على ﴿ كَذَلِكَ ﴾ في الآية الآولى، أي: ومثل ذلك جعلنا في كل قرية، أي: كما زينا للكافرين أعمالهم كذلك (١) قال المفسرون (٢) قال ابن عباس: (أكابر مجرمي مكة المستهزئون المقتسمون عقاب (٣) (٤) قال الزجاج: (إنما جعل الأكابر المجرمين؛ لأنهم بما هم فيه من الرئاسة والسعة أدعى لهم المكر والكفر، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ  ﴾ ) (٥) والأكابر جمع الأكبر الذي هو اسم (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ لِيَمْكُرُوا فِيهَا ﴾ .

قال مجاهد: (هو أنهم أجلسوا على كل طريق أربعة، واقتسموا عقاب مكة، فذلك مكرهم) (٩) (١٠) ﴿ لِيَمْكُرُوا ﴾ بيان أنهم لم يمكروا مُعاداة لله، بل جعلهم أكابر ليمكروا تكذيبًا للقدرية في مسألة التعديل والتجوير (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: ما يحيق هذا المكر إلا بهم؛ لأنهم بمكرهم يعذبون) (١٢) ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ أنهم يمكرون بها (١٣) (١٤) (١) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 288، و"تفسير الطبري" 8/ 24.

(٢) انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 511، و"الثعلبى" 183 ب.

(٣) عقاب، بكسر العين: مرقى صعب من الجبال، وكل طريق بعضه خلف بعض، وعقب كل شيء: آخره.

انظر: "اللسان" 5/ 3029 (عقب).

(٤) "تنوير المقباس" 2/ 57، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 113.

(٥) "معاني الزجاج" 2/ 288، وزاد أيضًا قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ  ﴾ وانظر: "معاني النحاس" 2/ 484.

(٦) انظر: "معاني الأخفش" 2/ 287، و"الطبري" 8/ 24، و"الدر المصون" 5/ 136.

(٧) لفظ: (لأنه) ساقط من (ش).

(٨) ذكر نص كلام الواحدي الرازي في "تفسيره" 13/ 1740 بدون نسبة، وقال مكي في "المشكل" 1/ 268، وابن الأنباري في "البيان" 1/ 338، (مجرميها) مفعول أول لجعلنا، (أكابر) مفعول ثانٍ مقدم.

اهـ.

وقال السنن في "الدر" 5/ 134 - 136: (جعل تصيير به، فتتعدى لاثنين، واختلف في تقديرهما، والصحيح أن يكون (في كل قرية) مفعولا ثانيًا قدم على الأول، والأول (أكابر) مضافًا لمجرميها ..) اهـ.

ثم ذكر قول الواحدي، وقال: (هذان الوجهان اللذان رد بهما الواحدي ليسا بشيء، أما الأول فلا نسلم أنا نضمر المفعول الثاني، وأنه يصير الكلام غير مفيد، وأما ما أورده من الأمثلة فليس مطابقًا لأنا نقول: إن المفعول الثاني مذكور مصرح به، وهو الجار والمجرور السابق، وأما الثاني فلا نسلم أنه من باب إضافة الصفة لموصوفها؛ لأن المجرمين أكابر وأصاغر فأضاف للبيان لا لقصد الوصف، وانظر: "غرائب التفسير" 1/ 383، و"التبيان" 357، و"الفريد" 2/ 224.

(٩) الواحدي في "الوسيط" 1/ 113، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 118، والقرطبي 7/ 79، وذكره البغوي 3/ 185 بدون نسبة.

(١٠) هكذا العبارة في النسخ، وهي لا تستقيم، ولعل فيه سقطًا، أو الصواب: ومعنى (ليمكروا) جعلناهم ليمكروا، وفيه بيان أنهم لم يمكروا.

(١١) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 174.

(١٢) لم أقف عليه، وهو نص كلام الزجاج في معانيه 2/ 288.

(١٣) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 24، و"معاني النحاس" 2/ 484، و"تفسير السمرقندي" 1/ 511.

(١٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 113.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فأحييناه ﴾ الموت هنا عبارة عن الكفر، والإحياء عبارة عن الإيمان، والنور: نور الإيمان، والظلمات الكفر؛ فهي استعارات وفي قوله: ﴿ مَيْتاً فأحييناه ﴾ مطابقة وهي من أدوات البيان، ونزلت الآية في عمار بن ياسر، وقيل في عمر بن الخطاب والذي في الظلمات أبو جهل، ولفظها أعم من ذلك ﴿ كَمَن مَّثَلُهُ ﴾ مثل هنا بمعنى صفة، وقيل زائدة، والمعنى كمن هو ﴿ وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أكابر ﴾ أي كما جعلنا في مكة أكابرها ليمكروا فيها جعلنا في كل قرية، وإنما ذكر الأكابر، لأن غيرهم تبع لهم؛ والمقصود تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ مُجْرِمِيهَا ﴾ إعرابه مضاف إليه عند الفارسي وغيره؛ وقال ابن عطية وغيره: إن مفعول أول بجعلنا وأكابر مفعول ثان مقدم؛ وهذا جيد في المعنى ضعيف في العربية، لأن أكابر جمع أكبر وهو من أفعل فلا يستعمل إلا بمن أو بالإضافة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ رسالته ﴾ بالنصب والتوحيد: ابن كثير وحفص والمفضل.

الباقون: ﴿ رسالاته ﴾ على الجمع وبالكسر في موضع النصب ﴿ ضيقا ﴾ وبابه بالتخفيف: ابن كثير ﴿ حرجاً ﴾ بكسر الراء: أبو جعفر ونافع وسهل وأبو بكر وحماد.

الباقون: بالفتح ﴿ يصعد ﴾ من الصعود: ابن كثير ﴿ يصاعد ﴾ من التصاعد بإدغام التاء في الصاد: أبو بكر وحماد.

الباقون: ﴿ يصعد ﴾ بالإدغام من التصعيد.

﴿ يحشرهم ﴾ بياء الغيبة: حفص.

الآخرون بالنون.

الوقوف: ﴿ بخارج منها ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ رسل الله ﴾ ط ﴿ رسالاته ﴾ ط ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ للإسلام ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف.

﴿ في السماء ﴾ ج ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مستقيماً ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ج للحذف أي يحشرهم ويقول لهم مع اتحاد المقصود ﴿ من الإنس ﴾ الأول ج لتبدل القائل مع اتفاق الجملتين ﴿ أجلت لنا ﴾ ط قال النار يغلظ الصوت على النار إشارة إلى أن النار مبتدأ بعد القول وليست فاعله ﴿ يشاء الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يومكم هذا ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد أن ذكر أن المشركين يجادلون المؤمنين ضرب مثلاً للفريقين فبيّن أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتاً فجعله الله حياً وأعطاه نوراً يهتدي به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في الظلمات منغمس فيها لا خلاص له منها فيكون متحيراً على الدوام، وهل هما خاصان أو عامان فيه قولان: الأول قال ابن عباس: يريد حمزة بن عبد المطلب وأبا جهل؛ وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وآله بفرث وحمزة ولم يؤمن بعد، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه ويقول: يا أبا يعلي أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا؟

فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله فنزلت الآية.

وعن مقاتل: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وأبي جهل؛ وذلك أنه قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه.

والله لا نؤمن به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت، وعن عكرمة أنها في عمار بن ياسر وأبي جهل، وعن الضحاك هي في عمر بن الخطاب وأبي جهل.

والقول الثاني أنها عامة في كل مؤمن وكافر لحصول المعنى في الكل.

وإنما جعل الكفر موتاً لأنه جهل والجهل يوجب الحيرة والوقفة فهو كالموت الذي يوجب السكون.

وأيضاً الميت لا يهتدي إلى شيء وكذلك الجاهل، والهدى علم وبصيرة وهما يوجبان الفوز بالمطالب كالحياة والنور، قال بعض العلماء: قوله: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ إشارة إلى أول مراتب النفس الإنسانية وهي الاستعداد المحض المسماة بالعقل الهيولاني عند الحكيم.

وقوله: ﴿ فأحييناه ﴾ إشارة إلى ثانية مراتبها المسماة بالعقل بالملكة وهي أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية.

وقوله ﴿ وجعلنا له نوراً ﴾ إشارة إلى ثالثة المراتب وهي التي قد حصلت لها المعقولات المكتسبة ولكنها لا تكون حاضرة بالفعل بل تكون بحيث متى شاء صاحبها استرجاعها واستحضارها قدر عليه ولهذا يسمى عقلاً بالفعل أي الفعل القريب، وقوله: ﴿ يمشي به في الناس ﴾ إشارة إلى رابعة المراتب وهي النهاية المسماة بالعقل المستفاد، وقد حصلت المعارف القدسية والجلايا الروحانية للنفس حاضرة بالفعل وصار جوهر الروح مشرقاً بتلك المعارف مستضيئاً بها.ويمكن أن يقال: الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح، والنور عبارة عن اتصال نور الوحي والتنزيل فإنه لا بد في الإبصار من أمرين: سلامة الحاسة والنور الخارجي من الشمس والسراج، فكذلك البصيرة لا بد لها في الإدراك من سلامة حاسة العقل ومن طلوع نور الوحي فلهذا قال جمع من المفسرين: المراد بهذا النور القرآن، ومنهم من قال: نور الدين أو نور الحكمة.

والأقوال متقاربة، وأما مثل الكافر فهو ﴿ كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ﴾ وفيه أن ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت كالصفة اللازمة له لا تكاد تزول عنه فيبقى متحيراً خائفاً فزعاً نعوذ بالله من هذه الحالة.

ومعنى المثل ههنا الصفة الغريبة أي كمن صفته هذه والمراد كمن هو في الظلمات.

ثم قال: ﴿ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ﴾ والمزين هو الله بالتحقيق عند الأشاعرة.

والشيطان بالحقيقة أو الله مجازاً عند المعتزلة، والإضافة إلى الله بالحقيقة أو المجاز أولى بدليل قوله: ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها كذلك جعلنا، أو وكما زينا للكافرين أعمالهم كذلك جعلنا ﴿ في كل قرية أكابر ﴾ وهي جمع الأكبر و ﴿ مجرميها ﴾ مضاف إليه والظرف مفعول ثانٍ قدم ليعود الضمير إلى القرية.

وقيل: التقدير جعلنا مجرميها أكابر.

قال الزجاج: إنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم، ولأن كثرة المال وقوّة الجاه تحمل الناس على المبالغة في حفظهما وذلك لا يتم إلا باستعمال بعض الأخلاق الذميمة من المكر والغدر والكذب والغيبة والنميمة والشح والأيمان الكاذبة وكفى بهذه الأمور دليلاً على خساسة المال والجاه.

واللام في ﴿ ليمكروا ﴾ على أصله عند الأشاعرة، واستدلوا به على أن الشر بإرادة الله  .

وحمله المعتزلة على لام العاقبة مجازاً حملوا الجعل في قوله: ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ على التخلية والخذلان.

ثم قال في معرض التهديد ﴿ وما يمكرون إلا بأنفسهم ﴾ لأن وباله يعود عليهم ﴿ وما يشعرون ﴾ وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتقديم موعد بالنصرة، ثم إنه  حكى قول أبي جهل وأضرابه "زاحمنا بني عبد مناف في الشرف إلى آخره" وقول الوليد بن المغيرة "لو كانت النبوّة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً" فقال: ﴿ وإذا جاءتهم آية ﴾ أي معجزة قاهرة أو وحي.

﴿ قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ﴾ قال الضحاك: أراد كل واحد منهم ذلك كما في الآية الأخرى.

﴿ بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة  ﴾ ويشبه أن يكون هذا الكلام الخبيث هو المراد بالمكر المذكور في الآية المتقدمة، وللمفسرين في مقترحهم قولان: أحدهما - وهو الأشهر - أنهم أرادوا أن تحصل لهم النبوُّة والرسالة كما حصلت للنبي  وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ومخدومين لا خادمين.

وثانيهما عن ابن عباس والحسن أن المعنى وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وآله ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ إلى قوله: ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه  ﴾ من الله  إلى أبي جهل وفلان وفلان فالقوم ما طلبوا النبوّة وإنما طلبوا آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين تدل على صحة نبوّة محمد  .

فقوله  في جوابهم على سبيل الاستئناف ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ على القول الأول ظاهر، وأما على القول الثاني فوجهه أن القوم إذا اقترحوا تلك الآيات فلو أظهر الله  تلك المعجزات على وفق التماسهم لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة.

قال بعض العقلاء: الأرواح متساوية في تمام الماهية فحصول النبوّة والرسالة لبعضها دون بعض تشريف من الله  وإحسان وتفضل.

وقال آخرون: بل النفوس مختلفة بجواهرها وماهياتها فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة، وبعضها خبيثة كدرة محبة للجسمانيات، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول لم تصلح لقبول الوحي والرسالة.

ومراتب الرسل مختلفة فمنهم ذو معجزة واحدة وذو معجزتين أو أكثر، ومنهم من له تبع قليل ومنهم من آمن به جم غفير، ومنهم من كان الرفق غالباً عليه ومنهم من كان مدار أمره على التغليظ والتشديد.

وفي الآية تعريض بأن حصول النبوّة والرسالة لا بد فيه من قلب سليم، والمقترحون فيهم من المكر والحسد ما فيهم فكيف يعقل حصول الرسالة لهم وإنما يحصل لهم ما يناسب أخلاقهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى: ﴿ سيصيب الذين أجرموا صغار ﴾ ذل وهوان ﴿ عند الله ﴾ أي في الآخرة أو في الدنيا بحكم الله وإيجابه من الأسر والقتل.

أو المراد من عند الله فحذف "من".

أو قوله: ﴿ عند الله ﴾ مستأنف أي معدّ لهم ذلك، واعلم أن كمال العقاب لا بد فيه من أمرين: الضرر، والإهانة.

ثم إن القوم لما تردوا عن طاعة محمد صلى الله عليه وآله طلباً للعز والكرامة فالله  بيّن أنه يقابلهم بضد مقصودهم، فأول ما يوصل إليهم الذل والهوان وبعده عذاب شديد جميع ذلك بسبب مكرهم ونكرهم ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ﴾ يقال: شرح فلان أمره، إذا أظهره وأوضحه ومنه شرح المسأله إذا بينها.

وقال الليث: شرح الله صدره فانشرح أي وسعه لقبول ذلك الأثر.

ولا شك أن توسيع الصدر غير ممكن على سبيل الحقيقة ولكن ههنا معنى وهو أنه إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح مال طبعه إلي وقوي طلبه ورغبته في حصوله وظهر في القلب استعداد شديد لتحصيله فسميت هذه الحالة سعة الصدر، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن يكون ذلك العمل مشتملاً على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى تركه وحصل في النفس نبوّة عن قبوله فيقال لهذه الحال ضيق الصدر، لأن المكان إذا كان ضيقاً لم يتمكن الداخل من الدخول فيه، وإذا كان واسعاً قدر على الدخول فيه.

وأكثر استعمال شرح الصدر في جانب الحق والإسلام وقد ورد في الكفر أيضاً قال  : ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً  ﴾ قال المفسرون: "لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله  فقيل له: كيف يشرح الله صدره؟

فقال صلى الله عليه وآله: يقذف الله  فيه نوراً حتى ينفسخ وينشرح، فقيل له: وهل لذلك من أمارة يعرف بها؟

فقال  : الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله " وهذا البيان مناسب لما ذكرنا فإن الإنابة إلى دار الخلود لا بد أن تترتب على اعتقاد أن عمل الآخرة زائد النفع والخير، والتجافي عن دار الغرور إنما ينبعث عن اعتقاد كون عمل الدنيا زائد الضر والضير، والاستعداد للموت قبل نزوله نتيجة مجموع الأمرين الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة.

أما قوله: ﴿ حرجاً ﴾ فمن قرأ بكسر الراء فعلى النعت، ومن قرأ بالفتح فعلى الوصف بالمصدر للمبالغة.

قال الزجاج: الحرج في اللغة أضيق الضيق.

وقيل: الحرج بالفتح جمع حرجة وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية.

حكى الواحدي بإسناده عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وقال: هل ههنا أحد من بني بكر؟

قال رجل: نعم.

قال: ما الحرجة فيكم؟

قال: الوادي الكثير الأشجار المشتبك الذي لا طريق فيه.

فقال: كذلك قلب الكافر.

ومعنى: ﴿ يصعد في السماء ﴾ كأنما يزاول أمراً غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد عن الاستطاعة فكأن الكافر في نفوره من الإسلام وثقله عليه بمنزلة من يتكلف الصعود إلى السماء.

وقيل: المراد أن قلبه يتباعد عن الإسلام وقبوله تباعد ما بين الأرض والسماء.

﴿ كذلك يجعل ﴾ أي كما جعل ضيق الصدر في قلوبهم كذلك يجعل الرجس عليهم.

وقال الزجاج: أي مثل ما قصصنا عليك يجعل الله الرجس.

عن ابن عباس هو الشيطان يسلطه الله عليهم.

وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه.

وعن عطاء: الرجس هو العذاب.

وقال الزجاج: هو اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الهداية والضلال من الله  ؛ بيانه أن العبد قادرعلى الإيمان وعلى الكفر وقدرته بالنسبة إلى الأمرين سواء ولا يترجح إلا لداعية، ولا معنى للداعية إلى علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملاً على مصلحة زائدة، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل، ولا بد أن تنتهي تلك الداعية إلى تخليق الله وتكوينه دفعاً للتسلسل فإذا خلق الله  في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة - وهو المراد بشرح الصدر - مال القلب إليه، وإذا خلق في قلبه اعتقاد أن الإيمان بمحمد سبب للمفسدة الدينية والدنيوية نبا طبعه عنه وبقي على الكفر.

فحاصل الآية أن من أراد الله منه الإيمان قوى دواعيه إليه، ومن أراد منه الكفر قوى صوارفه عن الإيمان.

وقالت المعتزلة: إنه لا دلالة في الآية على قولكم لأنه ليس فيها أكثر من أنه إذا أراد أن يهدي إنساناً أو يضله فعل به كيت وكيت، وليس فيها أنه أراد ذلك أو لم يرده نظيره قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا  ﴾ فبيّن أنه كيف يفعل اللهو لو أراده، ثمّ إنه لم يرد ذلك بالاتفاق وأيضاً لم قلتم إنه أراد ومن يرد أن يضله عن الإيمان بل المراد من يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة يشرح صدره للإسلام حتى يثبت عليه، وتفسير الشرح هو أنه يفعل به ألطافاً تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه.

ومن يرد أن يضله عن طريق الجنة فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج لا في كل الأوقات بل في بعضها كيلا يمكن دفعه وخصوصاً عند ظهور نصرة المؤمنين وبدوّ الذل والصغار في الكافرين.

وأيضاً لم لا يجوز أن يقال: المعنى فمن يرد الله أن يهديه إلى الجنة يشرح صدره للإسلام في ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة لما رأى من فوائد الإيمان ونتائجه من الدرجات العالية والمراتب الشريفة فتزداد رغبته فيه، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق الجنة ففي ذلك الوقت يضيق صدره للحزن الشديد الذي ناله عند الحرمان من الجنّة والدخول في النار؟

وقال في الكشاف: ﴿ فمن يرد الله أن يهديه ﴾ أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف ﴿ يشرح صدره ﴾ للإسلام يلطف به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ أي يخذله ويخليه وشأنه وهو الذي لا لطف له ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ يمنعه ألطافه حتى يقسو قلبه وينبو عن قبول الحق وينسد فلا يدخله الإيمان.

وأجيب عن قولهم "ليس في الآية أنه أراد ذلك أو لم يرده" بأن قوله في آخر الآية: ﴿ كذلك يجعل الله الرجس ﴾ تصريح بأنه فعل به ذلك الإضلال لأن الكاف للتشبيه والتقدير: كما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره كذلك يجعل.

وفيه أيضاً دلالة على أن المراد من قوله: ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ هو أنه يضله عن الدين، وتفسير الضيق والحرج باستيلاء الغم والحزن على قلب الكافر بعيد لأن أكثر من يعتريه الحزن في الدنيا هو المؤمن ولهذا قال صلى الله عليه وعلى آله: "خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل" ولو خص ذلك بالآخرة كان من إيضاح الواضحات.

فمن المعلوم لكل أحد أن من يضله الله عن طريق الجنة فإنه يضيق قلبه في ذلك الوقت.

والجواب على قول صاحب الكشاف مما مر من أن فعل الإيمان يتوقف على أن تحصل في القلب داعية جازمة إلى الإيمان، وفاعل تلك الداعية هو الله  وكذا القول في جانب الكفر، فإن سمى الداعيتين أحد باللطف والخذلان فلا مشاحة في الأسامي.

قال القاضي في تفسيره: روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: تذاكرنا أمر القدرية عند ابن عمر فقال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ وقد جمع الناس بحيث يسمع الكل أين خصماء الله؟

فتقوم القدرية.

قال: ولا يخفى أنهم الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله قضاءً وقدراً وخلقاً لأنهم يقولون الذنب لله فأي ذنب لنا حتى تعاقبنا أنت الذي خلقته فينا وأردته منا وقضيته علينا ولم تخلقنا إلا له ولا يسرت لنا غيره، فهؤلاء لا بد أن يكونوا خصماء الله.

أما الذين قالوا إن الله  مكن وأزاح العلة وإنما أتى العبد من قبل نفسه فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة، فهؤلاء منقادون لله  لا خصماؤه.

هذا كلام القاضي وتعجب منه الأشاعرة فقالوا: كيف يكون خصم الله من يقول ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه وإن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب وليس للعبد على ربه اعتراض ولا مناظرة وكل ما يصل منه إلى عباده حتى الملائكة والأنبياء فهو تفضل منه وإحسان، لكن الخصم من يدعي عليه وجوب الثواب والعوض ويقول لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولاً عن الربوبية وكنت من السفهاء وأن من واظب على الكفر سبعين سنة ثم إنه في آخر زمن حياته قال لا إله إلا الله محمد رسول الله عن القلب ثم مات، فإن رب العالمين أعطاه النعم الفائقة سنين غير محصورة، ثم إنه لو ترك لحظة واحدة قال العبد له إنك معزول عن الإلهية، يحكى أن الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله، عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن أبا علي عقد مجلس التذكير وحضر عنده جم غفير، فذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس مختفياً عن الجبائي وقال لبعض من حضر هناك من العجائز: إني أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ.

قولي له كان لي ثلاثة من البنين واحد في غاية الزهد، وآخر في غاية الفسق، الثالث كان صبياً لم يبلغ فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم.

فقال الجبائي: أما الزاهد ففي درجات الجنة، وأما الكافر ففي دركات النار، وأما الصبي فمن أهل السلامة.

فقال: قولي له إن الصبي لوأراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه الزاهد فهل يمكن منه؟

قال الجبائي: لا لأن الله  يقول له إنما أخوك وصل إلى تلك الدرجات لأنه أتعب نفسه في العلم والعمل وأنت فليس معك ذلك.

فقال أبو الحسن: قولي له لو أن الصبي يقول: يا رب العالمين ليس الذنب لي لأنك أمتني قبل بلوغي، ولو أبلغتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد، فقال الجبائي: يقول الله  له علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوجب النار فراعيت مصلحتك.

فقال لها أبو الحسن.

قولي له لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار وقال: يا رب العالمين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم الراحمين، لم راعيت حال الأخ الصغير وما راعيت حالي ومصلحتي؟

قال الراوي: فانقطع الجبائي فنظر فرأى أبا الحسن فعلم أن المسألة منه لا من العجوز.

ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار وأكثر مجيباً عن الجبائي قائلاً: نحن لا نرضى بهذا الجواب وإنما نقول: الجواب مبني على مسألة اختلف شيوخنا فيها، وهي أنه هل يجب على الله  أن يكلف العبد أم لا؟

فقال البصريون: إنه غير واجب ولكنه تفضل وإحسان.

وقال البغداديون: إنه واجب وعلى الأول لله  أن يقول لذلك الصبي إني طولت عمر الأخ الزاهد وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلاً على أحد بشيء أن أتفضل على غيره بمثله، وعلى قول البغداديين فله أن يقول: إن إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف في حقه لم يستلزم مفسدة الغير فلا جرم فعلته، أما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك فكان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك فلهذا ما فعلته وظهر الفرق.

وأورد على القسم الأول أنه  لما أوصل التفضل إلى أحدهما فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح منه عقلاً لأنه ليس فعلاً شاقاً عليه ولا ينقص بذلك شيء من ملكه، والصبي محتاج إلى الإحسان إليه ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد كمن منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجواد لعامة الناس.

فإن كان حكم العقل في التحسين والتقبيح مقبولاً فليكن ههنا أيضاً مقبولاً وإلا فلا يقبل في شيء من الصور وتبطل كلية مذهبكم.

وأورد على الشق الثاني أن قولنا: "تكليفه يتضمن مفسدة" ليس معناه أن ذات التكليف تتضمن المفسدة وإلا لم ينفك تكليف عن المفسدة وأنه باطل بالاتفاق، فمعناه إذاً أنه  علم أنه إذا كلف هذا الشخص فإن إنساناً آخر يختار من قبل نفسه فعلاً قبيحاً، فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله  تكليفه وجب أن يقبح تكليف كل من علم الله من حاله أنه يكفر وإلا لزم محض التحكم.

هذا تمام مناظرة الفريقين، ولعلك قد عرفت التحقيق هنا فيما سلف فتذكر.

ثم قال: ﴿ وهذا صراط ربك ﴾ في المشار إليه وجوه منها: أنه المذكور في الآية المتقدمة.

أما على مذهب الأشاعرة وهو أن الفعل يتوقف على الداعي وحصول تلك الداعية من الله  فيكون الفعل من الله، ويلزم استناد الكل إلى قضائه وقدره.

وأما على مذهب المعتزلة فالمراد هذا الذي قررنا طريقته التي اقتضتها الحكمة وعادته الجارية في عباده من التوفيق والخذلان.

ومعنى ﴿ مستقيماً ﴾ عادلاً مطرداً.

وانتصابه على الحال المؤكدة والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل.

أو هو محذوف أي أحقه.

وعن ابن عباس: يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك.

وقال ابن مسعود: يعني القرآن: ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ ذكرناها فصلاً فصلاً بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر.

قال في التفسير الكبير: قد بيّن الله تعالى صحة القول بالقضاء والقدر في آيات من هذه السورة متوالية متعاقبة بطرق كثيرة ووجوه مختلفة.

وختم الآية بقوله: ﴿ لقوم يذكرون ﴾ لأنه تقرر في عقل كل واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجح عن الآخر إلا لمرجح فكأنه يقول للمعتزلي: تذكر ما تقرر في عقلك أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا لمرجح حتى تزول الشبهة عن قلبك فإن حصول الفعل عن القادر لو لم يتوقف على الداعي مع تساوي طرفيه وجب أن يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات والمحدثات وحينئذٍ يلزم نفس الصانع وإبطال القول والفعل والفاعل والتأثير والمؤثر.

ثم لما بيّن عظمة نعمته في الصراط المستقيم بيّن ما أعد وهيىء للمتذكرين فقال: ﴿ لهم دار السلام ﴾ أي دار الله يعني الجنة، والإضافة للتشريف والتعظيم كما قيل: الكعبة بيت الله: أو دار السلامة من كل آفة وكرب والسلام والسلامة مثل: الضلال والضلالة والرضاع والرضاعة كلاهما مصدر.

وقيل: السلام جمع السلامة لأن أنواع السلامة حاصلة في الجنة.

ومعنى ﴿ عند ربهم ﴾ أنها معدة عنده وفي ضمانه كما يقال لفلان عندي حق لا ينسى وذلك نهاية في بيان وصولهم إليها وكونهم على ثقة من حصولها ﴿ وهو وليهم ﴾ أي قريب منهم بالرحمة والرضوان أو مواليهم ومحبهم أو ناصرهم على أعدائهم، وذلك أن القوم قد عرفوا أن المدبر والمقدر ليس إلا هو  ، وأن النافع والضار ليس إلا هو  ، فانقطعوا عن كل ما سواه فما كان رجوعهم إلا إليه، وما كان توكلهم إلا عليه، ولم يكن أنسهم إلا به، فلما صاروا بالكلية له لا جرم قال  : ﴿ وهو وليهم ﴾ على أنه متكفل لجميع مصالحهم ديناً ودنيا.

ثم قال: ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ أي بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون لئلا يقطعوا العمل ولا يتكلوا، وذلك أن بين النفس والبدن تعلقاً شديداً وكما أن الهيآت النفسانية قد تؤثر في البدن كحمرة الخجل وصفرة الوجل فالهيآت البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس، فإذا واظب الإنسان على أعمال الخير ظهرت الآثار المناسبة لها في جوهر النفس فلا بد للسالك من العمل بعد كمال العلم والمعرفة.

ثم لما بين حال من تمسك بالصراط المستقيم أردفها بذكر من تعلق بضده فقال: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ والمراد واذكر يوم كذا، أو يوم نحشرهم قلنا، أو متعلقة محذوف والتقدير: ويوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن كان ما لا يوصف لفظاعته، والضمير إما أن يعود إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله: ﴿ شياطين الإنس والجن ﴾ أو يعود إلى جميع المكلفين الذين علموا أن الله  يبعثهم من الثقلين وغيرهم، ويكون القائل على تقدير حذف القول هو الله  كما أنه الحاشر لجميعهم.

وهذا القول منه  بعد الحشر لا يكون إلا للتبكيت وإنهم وإن تمردوا في الدنيا انتهى حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد والاعتراف.

وقال الزجاج: التقدير فيقال لهم: ﴿ يا معشر الجن ﴾ لأنه يبعد أن يتكلم الله  بنفسه مع الكفار لقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله  ﴾ ﴿ قد استكثرتم من الإنس ﴾ لا بد فيه من إضمار لأن الجن أي الشياطين لا يقدرون على الاستكثار من نفس الإنس، فالمراد قد استكثرتم من إضلال الإنس واستتباعهم فحشر معكم منهم الجم الغفير كما يقال: استكثر الأمير من الجنود.

أما قوله: ﴿ وقال أولياؤهم من الإنس ﴾ فالأقرب عند بعضهم أن فيه حذفاً فكما قال للجن تبكيتاً ناسب أن يقول للإنس أيضاً مثل ذلك توبيخاً لأنه حصل من الجن الدعاء ومن الإنس القبول.

ولما بكت الله كلا الفريقين حكى جواب الإنس وهو قوله: ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن وعلى هذا ففي الاستمتاع وجهان: أحدهما أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض منفرداً وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.

فيبيت آمناً في نفسه.

فهذا استمتاع الإنس بالجن، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني كان ذلك تعظيماً منهم للجن؛ وذلك الجني يقول: قد سدت الجن والإنس لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه.

وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج ويعضده قوله  : ﴿ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن  ﴾ وثاني الوجهين أن الإنس كانوا ينقادون للجن ويطيعون حكمهم فصار الجن كالرؤساء والإنس كالأتباع فانتفعوا بالإنس انتفاع الرئيس بالخادم، وأما انتفاع الإنس بالجن فهو أن دلوهم على الشهوات واللذات إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي أيقنوا أنه يسوء عاقبتهم وهذا اختيار الزجاج.

والقول الثاني أن البعضين كليهما من الإنس لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر ﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ أي ذلك الاستمتاع كان حاصلاً إلى وقت محدود ثم جاءت الحسرة والندامة من حيث لا ينفع.

وما ذلك الإجل؟

قيل: هو وقت الموت وعلى هذا فكل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله لأنهم أقروا بأنهم بلغوا أجلهم وفيهم المقتول وغير المقتول.

وقيل: هو وقت التخلية والتمكين وقيل: وقت المحاسبة في القيامة ﴿ قال ﴾ الله  في جوابهم ﴿ النار مثواكم ﴾ مقامكم ومقرّكم من ثوى بالمكان يثوي ثوياً إذا أقام به.

قال أبو علي الفارسي: المثوى اسم للمصدر دون المكان لأن قوله  : ﴿ خالدين فيها ﴾ حال واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل فالمعنى النار أهل أن يقيموا فيها خالدين.

﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قيل: المراد منه أوقات المحاسبة ووقت كونهم في المحشر كأنه قيل: خالدين فيها منذ يبعثون إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم.

وقال ابن عباس: استثنى الله قوماً سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وآله.

وعلى هذا يلزم أن يكون "ما" بمعنى "من" وفيه خلل آخر وهو أن الاستثناء إنما هو من يوم القيامة الذي يحشرون فيه، وقيل: المراد الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير.

روي أنهم يدخلون وادياً فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد الشديد إلى حر الجحيم.

وقال في الكشاف: أو يكون هذا من قول الموتور الذي ظفر بواتره ولم يزل يحرق عليه أنيابه وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه أهلكني الله، إن نفست عنك إلا إذا شئت، فيكون قوله: "إلا إذا شئت" من أشد الوعيد مع تهكم لأن إطماع محض ويأس كلي.

وقال أبو مسلم: هذا الاستثناء غير راجع إلى الخلود وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم كأنهم قالوا: وبلغنا أجلنا الذي سميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى يعني الآجال الاخترامية ﴿ إن ربك حكيم ﴾ فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة.

﴿ عليم ﴾ بما يستأهله كل طائفة فكأنه  يقول: إنما حكمت لهؤلاء بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون ذلك.

ثم لما حكى عن الجن أن بعضهم يتولى بعضاً بين أن ذلك إنما حصل بتقديره وقضائه فقال: ﴿ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً ﴾ وذلك أن القدرة صالحة للعداوة والصداقة فترجيح أحد الجانبين لا يكون إلا بداعية خلقها الله قطعاً للتسلسل، وأيضاً لما بين أنه  ولي أهل الجنة بقوله: ﴿ هو وليهم ﴾ ذكر أن أولياء أهل النار من يشبههم في الظلم والخزي والنكال وأشار إليه بقوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ أي بسبب كون ذلك البعض مكتسباً للظلم وهذه في مناسبة في غاية اللطف لأن الجنسية علة الضم فالطيبات للطيبين والخبيثات للخبيثين.

وفي الآية دلالة على أن الرعية متى كانوا ظلمة فإن الله  يسلط عليهم ظالماً مثلهم، فإن أرادوا الخلاص منه فليتركوا الظلم وعن مالك بن دينار قال: جاء في بعض الكتب السموية "أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليهم رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليهم نقمة، لا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك لكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم".

ثم بيّن أن كفار الثقلين لا يكون لهم إلى الجحود يوم القيامة سبيل وأنهم لا يعذبون إلا بالحجة فقال: ﴿ يا معشر الجن والإنس ﴾ قال أهل اللغة: المعشر كل جماعة مختلطة يجمعهم أمير واحد ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ استفهام على سبيل التقدير فلا جرم استدل الضحاك بالآية ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير  ﴾ على أن من الجن رسلاً كالإنس، ولأن استئناس الجنس بالجنس أكمل ولهذا قال  : ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً  ﴾ والأكثرون على أنه ما كان من الجن رسول ألبتة إنما كانت الرسل من بني آدم وزعموا أن ذلك مجمع عليه.

ورد بأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف؟

واستدل بعضهم على المطلوب بقوله  : ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين  ﴾ والمراد بالاصطفاء ههنا النبوّة بالإجماع.

وأجيب عن قول الضحاك بأن الآية تقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضاً من أبعاض هذا المجموع فكان هذا القدر كافياً في حمل اللفظ على ظاهره فلا يلزم إثبات رسول من الجن.

وأيضاً لا يبعد أن يقال: إن الرسل كانوا من الإنس، ثم كان من الجن نفر يستمعون من رسول الإنس وينذرون قومهم بذلك قال: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن  ﴾ الآية.

وقد يسمى رسول الرسول رسولاً كما أنه  سمى رسل عيسى رسل نفسه فقال: ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين  ﴾ ثم إنه  يكون قد بكت كفار الثقلين بهذه الآية لأنه أزال العذر وأزاح العلة بسبب أنه أرسل الرسل إليهم فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق فقد حصل المقصود.

وقال الواحدي: أراد رسل من أحدكم وهو الإنس كقوله: ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ  ﴾ أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب.

وعن الكلبي كانت الرسل قبل أن يبعث محمد يبعثون إلى الإنس ورسول الله صلى الله عليه وآله بعث إلى الجن والإنس.

أما قوله: ﴿ يقصون عليكم آياتي ﴾ فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتأويل وبالتلاوة ﴿ وينذرونكم لقاء يومكم هذا ﴾ يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا بداً من الاعتراف فلذلك ﴿ قالوا شهدنا على أنفسنا ﴾ والسبب في أنهم أقروا في هذه الآية وجحدوا في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ هو أنهم مختلفو الأحوال في يوم القيامة مضطربون؛ فتارة يقرّون وأخرى يجحدون.

ومنهم من حمل هذه الشهادة على شهادة الجوارح عليهم.

ثم أخبر الله  عن حالهم في الدنيا بقوله: ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ وعن حالهم في الآخرة بقوله: ﴿ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ﴾ والمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجر أمثالهم في الدنيا عن الكفر والمعصية.

وقد يستدل بالآية على أن لا وجوب قبل ورود الشرع وإلا لم يكن لهذا التوبيخ والتبكيت فائدة.

التأويل: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ في حالة العدم ﴿ فأحييناه ﴾ بالحياة الحقيقية أي بالحي الذي لا يموت ﴿ وجعلنا له ﴾ نور الوجود الحقيقي الذي ﴿ يمشي به في الناس ﴾ وبه يسمع وبه يبصر ﴿ كمن هو ﴾ محبوس ﴿ في ظلمات ﴾ الطبيعة ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية ﴾ أي كل قالب ﴿ أكابر مجرميها ﴾ من النفس والهوى والشيطان ﴿ ليمكروا فيها ﴾ بمخالفات الشرع وموافقات الطبع.

﴿ ما أوتي رسل الله ﴾ من القلب والسر والروح.

﴿ يشرح صدره ﴾ أي ينظر إلى قلبه بنظر العناية فينوّره بنور جماله وهو نور الإيمان، فيشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام.

وهذا النور يقبل الزيادة والاشتداد إلى أن يصير الإيمان إيقاناً والإيقان عياناً والعيان عيناً.

﴿ ضيقاً ﴾ لتزاحم ظلمات صفات البشرية ﴿ حرجاً ﴾ لتعلقاته بالدنيا وشهواتها ﴿ كأنما يصعد في السماء ﴾ لأنه سفلي بالطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر.

﴿ وهذا ﴾ الذي بينا من الهداية والضلالة ﴿ صراط ربك ﴾ باللطف والقهر فبجذبات اللطف يهدي السعيد وبسطوات القهر يضل الشقي.

﴿ لهم دار السلام ﴾ أي السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج عن ظلمات الاثنينية.

﴿ ويوم يحشرهم ﴾ في موقف القالب البشري بالحكمة البالغة والقدرة الكاملة ﴿ يا معشر الجن ﴾ أي الصفات الشيطانية ﴿ قد استكثرتم من الإنس ﴾ أي غلبتم على الصفات الإنسانية ﴿ وقال أولياؤهم من الإنس ﴾ يعني النفس الأمارة ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ واستمتاع النفس الأمارة بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره على تحصيل شهواتها ولذاتها العاجلة وحظوظها، واستمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائها كما استعان بحواء على إغواء آدم.

﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ يعني أن مدة الاستمتاع وما جرى بيننا إنما كان بمقتضى قضائك وقدرك فأجابهم بأن الثوى في النار أيضاً بقضاء الله ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فيتوب عليهم ﴿ إن ربك حكيم ﴾ في تقدير الاستمتاع ﴿ عليم ﴾ بأهل الجنة وبأهل النار، ﴿ وكذلك ﴾ أي كما جعلنا مردة الجن والإنس بعضهم أولياء بعض فكذلك نجعل بعض الظالمين أولياء بعض بما كانوا يكسبون من إفساد الاستعداد الفطري ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ يعني الإلهامات الربانية.

وشهدوا على أنفسهم أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا صدأ مرآة قلوبهم ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى  ﴾ وما التوفيق إلا منه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ﴾ .

يشبه [أن يكون المثل الذي ضرب الله للمؤمن والكافر في الآية أن من كان في ظلمات البطن لا يبصر ولا يسمع ولا يعقل شيئاً]، ثم أخرج من ذلك؛ فأبصر وسمع وعقل كمن ترك في تلك الظلمات ولم يخرج منها لا يبصر، ولا [يسمع] ولا يعقل، يقول - والله أعلم -: لا يستوي من أخرج من ظلمات البطن بعد ما كان لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل، ولا يفهم، ثم أبصر وسمع وعقل - والذي ترك في تلك الظلمات على الحال التي كان كما هو: لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل؛ فعلى ذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق ويسمع ويعقل كل خير ويعلمه، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس [بنوره] وله أصحاب يدعون الناس إلى الهدى والخير - والكافر: الذي لا يبصر الخير ولا يسمع ولا يعقل، وليس له أصحاب يدعونه إلى الهدى والخيرات، أي: ليس هذا الذي يبصر ويسمع ويعقل كالذي لا يبصر ولا يسمع ولا يعقل.

وجائز أن يكون المثل الذي ضرب [الله]: أن يكون المؤمن والكافر جميعاً حيين في الجوهر، لكن المؤمن اكتسب ما به يحيا أبداً من العلم، والقرآن، والإيمان.

والكافر لم يكتسب من ذلك شيئاً؛ فهو كالميت الذي لا يبصر ولا يسمع الحق ولا يعقل.

ويحتمل هذا المثل وجهاً آخر، وهو أن المؤمن يكتسب في الدنيا الخيرات، والأعمال الصالحة، ويكون له نور في الآخرة بالأعمال التي اكتسب في الدنيا، ويمشي بنور ذلك فيما بين الناس في الآخرة، وأما الكافر فإنه لم يكتسب من ذلك شيئاً؛ فيبقى في الظلمات، كقوله: ﴿ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ ﴾ : والمعتزلة يقولون: [هم] جعلوا لأنفسهم نوراً يمشون [به] في الناس، وقد أخبر أنه هو الذي يجعل لهم ذلك النور؛ فذلك تحريف منهم ظاهر للقرآن.

وكذلك قوله: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ : وهم يقولون: هو قدير على بعض الأشياء.

وقال: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ : وهم يقولون: [هو] خالق بعض الأشياء.

وقال: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ  ﴾ وهم يقولون: يشاء ألا يفعلوا ما فعلوا، ولكن فعلوا غير ما شاء الله.

وكذلك [قوله]: ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً  ﴾ : وهم يقولون: لم يجعل لكل نبي عدوّا وهم جعلوا أنفسهم لهم أعداء.

وكذلك قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ : وهم يقولون: جعل الأكابر فيها؛ لئلا يمكروا فيها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

اختلف [فيه]: قال بعضهم: كما زينا للمؤمنين عبادة الله كذلك زينا للكافرين عبادة الله، لكنهم عاندوا وصرفوا العبادة إلى غير الله، وهو تأويل المعتزلة.

وقال قائلون: زين لهم أعمالهم التي يعملونها.

ثم اختلف في الذي زينها: قال الحسن: زين الشيطان أعمالهم [لهم].

وقال غيره: زينها الأكابر على الأصاغر.

وقال قائلون: زينها الله، ولكن ما أضيف إلى الشيطان من التزيين والإضلال إنما يضاف إلى ما يدعوهم ويحثهم على ذلك ويوحي إليهم، وما يضاف إلى الأكابر: القول والدعاء إلى ذلك، وما يضاف إلى الله من: التزيين، والإضلال، والإزاغة، وغير ذلك يضاف للخلق، أي: خلق منهم: فعل الضلال، وفعل التزيين، وفعل الزيغ، يضاف إلى الله خلقاً، وإلى الشيطان والأكابر: دعاء ووحياً وإلقاء، على هذا يخرج جميع الإضافات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا ﴾ .

أي: جعل في كل قرية من أهل الكفر أكابر مجرميها، وعظماءها، كما جعل في قريتك أكابر مجرميها؛ يصبر رسوله  على ذلك ليعلم أنه ليس بمخصوص هو بهذا دون غيره من الأنبياء.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا ﴾ ، وقد ذكرنا أقاويلهم في قوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً  ﴾ ، ثم قوله: ﴿ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ .

قالت المعتزلة: لم يجعل الأكابر فيها ليمكروا فيها؛ ولكن لما وسع الدنيا وبسطها عليهم مكروا فيها، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ  ﴾ : لا يجوز أن يخلقهم [لجهنم]؛ [ولكن لما عملوا أعمال الكفر والضلال صاروا لجهنم].

وقالوا: هو على الإضمار؛ كأنه قال: كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها لئلا يمكروا [فيها]، لكنهم مكروا فيها لما ذكرنا.

لكن قوله: ﴿ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ ليكون أدعى وأظهر للحجج؛ لأنه لو كان بعث الرسل أكابر لكان الناس يتبعون الأكابر وإن لم يأتوا بالحجج وغيرهم لا يتبعون إلا بالحجج والآيات.

ومنهم من يقطع قوله: ﴿ لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ عن قوله: ﴿ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ ﴾ ، يقول: معناه: وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، ثم قال: ﴿ لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ ، أي: ما جعل ذلك لهم ليمكروا.

ومنهم من يقول: هو إخبار [عمَّا] إليه صار أمرهم؛ كقوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ : وهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزناً؛ إنما التقطوه ليكون لهم وليّاً، لكنه لما صار في العاقبة عدوا لهم أخبر عما آل إليه أمره؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ : أخبر عما إليه صاروا في المكر.

وعندنا: لا يخلو هذا إما أن يقال: إنه يخلقهم لغير المكر والضلال، وهو يعلم [أنهم] لا يكونون لما يخلقهم؛ فذلك ليس فعل حكيم: أن يعمل عملا يعلم أنه لا يكون، نحو: من يبني بناء يعلم أنه لا يسكن، أو يقصد قصد موضع يعلم أنه لا يصل إليه؛ فهو بالقصد عابث ليس بحكيم؛ فعلى ذلك الله -  - لا يجوز أن يخلقهم للهدى والعبادة له مع علمه أنهم لا يكونون لما يخلقهم، أو أن يخلقهم لذلك وهو لا يعلم أنهم يكونون كذلك؛ فهو جهل بالعواقب؛ فالله يتعالى عن ذلك؛ فدل أنه خلقهم ليكونوا على ما علم أنهم يكونون ويختارون ذلك.

وقوله: ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ : كان عند الله أنهم يلتقطونه ليكون لهم عدوّاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .

أي: ما يشعرون أن عاقبة مكرهم ترجع إليهم أو واقع فيهم.

وأصله أن الله -  - جعلهم وخلقهم على ما علم منهم أنهم يختارون ويكون منهم ذلك.

وقوله: ﴿ وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ ﴾ .

يخبر - عز وجل - عن غاية سفههم وتعنتهم وأنهم على علم يعاندون ويتكبرون على رسول الله [لأنهم علموا أن ما نزل على رسول الله آية، وأنه رسول حيث قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله وعلموا أن الرسالة لا تجعل إلا في المعظم عند الله والمفضل لديه حيث تمنوا أنهم لا يؤمنون حتى يؤتوا من الآيات مثل ما أوتي رسل الله] ولو لم يكن كذلك لم يكونوا يتمنون إيتاء ما أوتي الرسل، وعلموا أن هذا القرآن الذي أنزل على محمد  آية وحجة، وأنه من عند الله نزل؛ حيث قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ، وعلموا - أيضاً - أن الرسالة لا تجعل إلا في عظماء من البشر وكبرائهم؛ حيث قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ لكنهم ظنوا أنها إنما تجعل في العظماء الذين هم عند الخلق عظماء؛ فقال الله -  -: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ فتناقضت أقاويلهم وحجاجهم بما ذكرنا من إقرارهم بالرسل والآيات، وتفضيلهم على غيرهم من البشر ثم قال: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ .

جملة جواب ما قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ على أن يقال: إنكم عرفتم أن الله عالم قادر؛ فهو أعلم حيث يجعل رسالته.

ثم اختلف في قوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ : قال بعضهم: جعل الرسالة في أوساط الناس أظهر للحجج وأبين من جعلها في أكابر الناس وعظمائهم في الدنياوية؛ لأن الناس مجبولون على اتباع الأكابر والأعاظم؛ فلو جعلت الرسالة فيهم لكانت الحجج لا تظهر؛ لأنهم جبلوا على اتباعهم، وأما أوساط الناس في الدنياوية: إذا جعلت فيهم الرسالة لظهرت الحجج والبراهين؛ لأنهم لم يجبلوا على اتباع الأوساط من الناس؛ فكان اتباعهم للحجج والبراهين.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ \[أي لا تجعل الرسالة فيمن يضيِّع وليس هو بأهل لها ولا موضعها؛ لأنه لو جعل لكان في ذلك تضييع الرسالة\].

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

أخبر أن من تكبر على رسول الله وعانده لم يكن له عند الله: صغار، ومذلة، وعذاب شديد؛ بصنيعهم الذي صنعوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ ﴾ .

قيل: "سئل رسول الله  عن هذه الآية؛ فقال: نورٌ يُقذف فيه؛ فقالوا: وهل لذلك [من] علامة قال: نعم، إذا دخل النورُ في القلب انشرحَ وانفسح؛ قالوا يا رسول الله، وهل لذلك [من] علامة يعرف بها؟

قال: نعم، الإنابةٌ إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعدادُ للموت قبل نزول الموت" ؛ فلو ثبت هذا عن رسول الله  وكان هذا انشراح الصدر للإسلام فقليلا ما يوجد على هذا الوصف، إلا أن يريد به: الاعتقاد واليقين بما ذكر.

ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: الإرادة صفة [فعل] كل فاعل يفعل على الاختيار؛ كأنه قال: فمن يهد الله يشرح صدره للإسلام، ومن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجا.

وقال فريق من المعتزلة من نحو جعفر بن حرب والكعبي وهؤلاء: تأويله: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ ﴾ ، أي: من قَبِلَ هداية الله في الابتداء شرح الله صدره بعد ذلك بخيرات؛ ثواباً لما قبل من الهداية، ومن ترك قبول هداية الله في الابتداء عاقبه الله بضيق صدره؛ عقوبة له في ترك قبول الهداية؛ إذ لله أن يهدي الخلق كلهم وأن يشرح صدرهم للإسلام، لكنهم لم يهتدوا.

وقال فريق منهم: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ ﴾ طريق الجنة في الآخرة شرح صدره في الدنيا للإسلام، ومن يرد الله أن يضله طريق الجنة في الآخرة جعل صدره في الدنيا ضيقاً حرجاً؛ فيقال لهم: كذلك هو - كما يقولون - قد قلتم: إنه أراد أن يضلهم، ثم يقال لهم: تقولون إنه أراد أن يهدي الخلق كلهم ويشرح صدرهم للإسلام، ثم تقولون: إنه يضل طريق الجنة في الآخرة؛ فهذا على زعمكم جور؛ لأنه أراد في الدنيا أن يهديهم ويريد في الآخرة - أيضاً - لهم أن يضلهم عن طريق الجنة لأولئك بعينهم فذا جور على قولكم.

وظاهر الآية يرد قولهم وينقض مذهبهم؛ لأنه قال: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ...

﴾ جعلهم على صنفين: صنف أراد منهم أن يهديهم، وصنف أراد أن يضلهم: من علم منه أنه يختار الهدى ويقبله أراد أن يهديه ويشرح صدره للإسلام، ومن علم منه أنه يختار الضلال أراد أن يضله ويجعل صدره ضيقاً حرجاً، ولا يجوز أن يريد هو ممن يعلم منه أنه يختار الضلال وعداوته الولاية منه؛ لأن ذلك من الضعف: من أراد عداوته وهو يريد ولايته، أو يريد منه غير الذي علم كونه منه واختاره.

والمعتزلة يقولون: قد أراد أن يهدي الكل لكنهم أرادوا ألا يهتدوا فلم يهتدوا، غلبت إرادتهم إرادة الله -  - فذلك وحش من القول سمج؛ فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الحق، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ضَيِّقاً حَرَجاً ﴾ .

قيل: الحرج ضيق الضيق، وهو شدة الضيق: وصف قلب المؤمن بالسعة والفسح، ووصف [قلب] الكافر بالضيق والحرج، وليس قلب هذا في رأي العين أوسع من قلب الآخر، لكنه - والله أعلم - وصف قلب المؤمن بالسعة؛ لما انتفع بقلبه في الدنيا والآخرة، والكافر لم ينتفع بقلبه؛ فوصفه بالضيق والحرج، وهو كما وصف الكافر بالصمم والبكم والخرس؛ لما لم ينتفع بهذه الحواس، وكذلك سماه ميتاً؛ لما لم ينتفع بحياته، وسمى المؤمن حيّاً؛ لما انتفع بحياته؛ فعلى ذلك هذا: وصف الكافر بضيق الصدر؛ لما لم ينتفع به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قيل: كالمتكلف للصعود إلى السماء لا يقدر عليه.

وقيل: ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ : كأنما يشق عليه الصعود.

وروي عن عمر -  - أنه قال: ما تصعد في شيء ما تصعده في الخطبة، أي ما يشق عليَّ شيء ما شق عليَّ الخطبة.

وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

اختلف في الرجس قيل: الرجس: الإثم، أي: كما جعل قلوبهم ضيقة حرجة بكفرهم كذلك يجعل في قلوبهم الإثم.

وقيل: الرجس: اللعن والغضب، أي: جعل في قلوبهم اللعن والغضب؛ دليله قوله: ﴿ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومثل ما حصل من أكابر المشركين في مكة من صدٍّ عن سبيل الله، جعلنا في كل قرية رؤساء وعظماء يعملون حيلهم وكيدهم في الدعوة إلى سبيل الشيطان ومحاربة الرسل وأتباعهم، والواقع أن مكرهم وكيدهم إنما يعود عليهم، ولكنهم لا يحسون بذلك لجهلهم واتباع أهوائهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.p0Mk3"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده