الآية ١٢٤ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٢٤ من سورة الأنعام

وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ ١٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 127 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٤ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٤ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) أي : إذا جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة ، قالوا : ( لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) أي : حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة ، كما تأتي إلى الرسل ، كقوله ، جل وعلا ( وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ) [ الفرقان : 21 ] .

وقوله : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) أي : هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه ، كما قال تعالى : ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك ) الآية [ الزخرف : 31 ، 32 ] يعنون : لولا نزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير مبجل في أعينهم ( من القريتين ) أي : مكة والطائف .

وذلك لأنهم - قبحهم الله - كانوا يزدرون بالرسول ، صلوات الله وسلامه عليه ، بغيا وحسدا ، وعنادا واستكبارا ، كما قال تعالى مخبرا عنهم : ( وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون ) [ الأنبياء : 36 ] ، وقال تعالى : ( وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا ) [ الفرقان : 41 ] ، وقال تعالى : ( ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ) [ الأنعام : 10 ] .

هذا وهم يعترفون بفضله وشرفه ونسبه .

وطهارة بيته ومرباه ومنشئه ، حتى أنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه : " الأمين " ، وقد اعترف بذلك رئيس الكفار " أبو سفيان " حين سأله " هرقل " ملك الروم : كيف نسبه فيكم؟

قال : هو فينا ذو نسب .

قال : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

قال : لا .

الحديث بطوله الذي استدل به ملك الروم بطهارة صفاته ، عليه السلام ، على صدقه ونبوته وصحة ما جاء به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن مصعب ، حدثنا الأوزاعي ، عن شداد أبي عمار ، عن واثلة بن الأسقع ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة ، واصطفى من بني كنانة قريشا ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم " انفرد بإخراجه مسلم من حديث الأوزاعي - وهو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام - به نحوه .

وفي صحيح البخاري ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا ، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه " وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو نعيم ، عن سفيان ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن المطلب بن أبي وداعة قال : قال العباس : بلغه صلى الله عليه وسلم بعض ما يقول الناس ، فصعد المنبر فقال : " من أنا؟

" قالوا : أنت رسول الله .

قال : " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه ، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة ، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة .

وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا ، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا " صدق صلوات الله وسلامه عليه .

وفي الحديث أيضا المروي عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال لي جبريل : قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد ، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم " رواه الحاكم والبيهقي .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو بكر ، حدثنا عاصم ، عن زر بن حبيش ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : إن الله نظر في قلوب العباد ، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد ، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته .

ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد ، فجعلهم وزراء نبيه ، يقاتلون على دينه ، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ .

وقال أحمد : حدثنا شجاع بن الوليد قال : ذكر قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن سلمان قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا سلمان ، لا تبغضني فتفارق دينك " قلت : يا رسول الله ، كيف أبغضك وبك هدانا الله؟

قال : " تبغض العرب فتبغضني " وذكر ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية : ذكر عن محمد بن منصور الجواز ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي حسين قال : أبصر رجل ابن عباس وهو يدخل من باب المسجد فلما نظر إليه راعه ، فقال : من هذا؟

قالوا : ابن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) .

وقوله تعالى : ( سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون ) هذا وعيد شديد من الله وتهديد أكيد ، لمن تكبر عن اتباع رسله والانقياد لهم فيما جاءوا به ، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله ) صغار ) وهو الذلة الدائمة ، لما أنهم استكبروا أعقبهم ذلك ذلا كما قال تعالى : ( إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) [ غافر : 60 ] أي : صاغرين ذليلين حقيرين .

وقوله : ( وعذاب شديد بما كانوا يمكرون ) لما كان المكر غالبا إنما يكون خفيا ، وهو التلطف في التحيل والخديعة ، قوبلوا بالعذاب الشديد جزاء وفاقا ، ( ولا يظلم ربك أحدا ) [ الكهف : 49 ] ، كما قال تعالى : ( يوم تبلى السرائر ) [ الطارق : 9 ] أي : تظهر المستترات والمكنونات والضمائر .

وجاء في الصحيحين ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة ، فيقال : هذه غدرة فلان ابن فلان " والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه الناس ، فيوم القيامة يصير علما منشورا على صاحبه بما فعل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا جاءت هؤلاء المشركين الذين يجادلون المؤمنين بزخرف القول فيما حرم الله عليهم، ليصدّوا عن سبيل الله =(آية)، يعني: حجة من الله على صحة ما جاءهم به محمد من عند الله وحقيقته (43) = قالوا لنبي الله وأصحابه: =(لن نؤمن)، يقول: يقولون: لن نصدق بما دعانا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من الإيمان به, وبما جاء به من تحريم ما ذكر أنّ الله حرّمه علينا=(حتى نؤتى)، يعنون: حتى يعطيهم الله من المعجزات مثل الذي أعطى موسى من فلق البحر, وعيسى من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص .

(44) يقول تعالى ذكره: (الله أعلم حيث يجعل رسالته)، يعني بذلك جل ثناؤه: أن آيات الأنبياء والرسل لن يُعطاها من البشر إلا رسول مرسل, (45) وليس العادلون بربهم الأوثان والأصنام منهم فيعطوها .

يقول جل ثناؤه: فأنا أعلم بمواضع رسالاتي، ومن هو لها أهل, فليس لكم أيها المشركون أن تتخيَّروا ذلك عليّ أنتم, لأن تخيُّر الرسول إلى المرسِلِ دون المرسَل إليه, والله أعلم إذا أرسل رسالةً بموضع رسالاته .

* * * القول في تأويل قوله : سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم, معلِّمَه ما هو صانع بهؤلاء المتمردين عليه: " سيصيب "، يا محمد، (46) الذين اكتسبوا الإثم بشركهم بالله وعبادتهم غيره =(صغار)، يعني: ذلة وهوان ، كما:- 13851- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله)، قال: " الصغار "، الذلة .

* * * وهو مصدر من قول القائل: " صَغِرَ يصغَرُ صَغارًا وصَغَرًا ", وهو أشدّ الذلّ .

* * * وأما قوله: (صغار عند الله)، فإن معناه: سيصيبهم صغارٌ من عند الله, كقول القائل: " سيأتيني رزقي عند الله ", بمعنى: من عند الله, يراد بذلك: سيأتيني الذي لي عند الله .

وغير جائز لمن قال: " سيصيبهم صغار عند الله "، أن يقول: " جئت عند عبد الله "، بمعنى: جئت من عند عبد الله, لأن معنى " سيصيبهم صغارٌ عند الله "، سيصيبهم الذي عند الله من الذل، بتكذيبهم رسوله.

فليس ذلك بنظير: " جئت من عند عبد الله " .

(47) .

* * * وقوله: (وعذاب شديد بما كانوا يمكرون)، يقول: يصيب هؤلاء المكذبين بالله ورسوله، المستحلين ما حرَّم الله عليهم من الميتة، مع الصغار عذابٌ شديد، بما كانوا يكيدون للإسلام وأهله بالجدال بالباطل، والزخرف من القول، غرورًا لأهل دين الله وطاعته .

(48) ---------------------- الهوامش : (43) انظر تفسير (( آية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) .

(44) انظر تفسير (( الإيتاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أتى ) .

(45) في المطبوعة : (( لم يعطها )) ، وفي المخطوطة : ما أثبت ، وهو صواب محض .

(46) انظر تفسير (( الإصابة )) فيما سلف : 11 : 170 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .

(47) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 253 = تفسير (( عند )) فيما سلف 2 : 501/7 : 490/8 : 555 .

(48) انظر تفسير (( المكر )) فيما سلف قريبًا ص : 95

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون [ ص: 73 ] قوله تعالى : وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن بين شيئا آخر من جهلهم ، وهو أنهم قالوا لن نؤمن حتى نكون أنبياء ، فنؤتى مثل ما أوتي موسى وعيسى من الآيات ; ونظيره بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة .

والكناية في جاءتهم ترجع إلى الأكابر الذين جرى ذكرهم .

قال الوليد بن المغيرة : لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك ; لأني أكبر منك سنا ، وأكثر منك مالا .

وقال أبو جهل : والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا ، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ; فنزلت الآية .

وقيل : لم يطلبوا النبوة ولكن قالوا لا نصدقك حتى يأتينا جبريل والملائكة يخبروننا بصدقك .

والأول أصح ; لأن الله تعالى قال : الله أعلم حيث يجعل رسالته أي بمن هو مأمون عليها وموضع لها .

و حيث ليس ظرفا هنا ، بل هو اسم نصب نصب المفعول به على الاتساع ; أي الله أعلم أهل الرسالة .

وكان الأصل الله أعلم بمواضع رسالته ، ثم حذف الحرف ، ولا يجوز أن يعمل " أعلم " في " حيث " ويكون ظرفا ، لأن المعنى يكون على ذلك : الله أعلم ، في هذا الموضع ، وذلك لا يجوز أن يوصف به الباري تعالى ، وإنما موضعها نصب بفعل مضمر دل عليه " أعلم " .

وهي اسم كما ذكرنا .

والصغار : الضيم والذل والهوان ، وكذلك الصغر " بالضم " .

والمصدر الصغر " بالتحريك " .

وأصله من الصغر دون الكبر ; فكأن الذل يصغر إلى المرء نفسه ، وقيل : أصله من الصغر وهو الرضا بالذل ; يقال منه : صغر يصغر بفتح الغين في الماضي وضمها في المستقبل .

وصغر بالكسر يصغر بالفتح لغتان ، صغرا وصغارا ، واسم الفاعل صاغر وصغير .

والصاغر : الراضي بالضيم .

والمصغوراء الصغار .

وأرض مصغرة : نبتها لم يطل ; عن ابن السكيت .عند الله أي من عند الله ، فحذف .

وقيل : فيه تقديم وتأخير ، أي سيصيب الذين أجرموا عند الله صغار .

الفراء : سيصيب الذين أجرموا صغار من الله .

وقيل : المعنى سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت عند الله .

قال النحاس : وهذا أحسن الأقوال ; لأن عند في موضعها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وكذلك يجعل الله كبار أئمة الهدى وأفاضلهم، يناضلون هؤلاء المجرمين، ويردون عليهم أقوالهم ويجاهدونهم في سبيل الله، ويسلكون بذلك السبل الموصلة إلى ذلك، ويعينهم الله ويسدد رأيهم، ويثبت أقدامهم، ويداول الأيام بينهم وبين أعدائهم، حتى يدول الأمر في عاقبته بنصرهم وظهورهم، والعاقبة للمتقين.

وإنما ثبت أكابر المجرمين على باطلهم، وقاموا برد الحق الذي جاءت به الرسل، حسدا منهم وبغيا، فقالوا: { لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ } من النبوة والرسالة.

وفي هذا اعتراض منهم على الله، وعجب بأنفسهم، وتكبر على الحق الذي أنزله على أيدي رسله، وتحجر على فضل الله وإحسانه.

فرد الله عليهم اعتراضهم الفاسد، وأخبر أنهم لا يصلحون للخير، ولا فيهم ما يوجب أن يكونوا من عباد الله الصالحين، فضلا أن يكونوا من النبيين والمرسلين، فقال: { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } فيمن علمه يصلح لها، ويقوم بأعبائها، وهو متصف بكل خلق جميل، ومتبرئ من كل خلق دنيء، أعطاه الله ما تقتضيه حكمته أصلا وتبعا، ومن لم يكن كذلك، لم يضع أفضل مواهبه، عند من لا يستأهله، ولا يزكو عنده.

وفي هذه الآية، دليل على كمال حكمة الله تعالى، لأنه، وإن كان تعالى رحيما واسع الجود، كثير الإحسان، فإنه حكيم لا يضع جوده إلا عند أهله، ثم توعد المجرمين فقال: { سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ } أي: إهانة وذل، كما تكبروا على الحق، أذلهم الله.

{ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ } أي: بسبب مكرهم، لا ظلما منه تعالى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) يعني : مثل ما أوتي رسل الله من النبوة ، وذلك أن الوليد بن المغيرة قال : لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك ، لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا فأنزل الله تعالى هذه الآية .

وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل ، وذلك أنه قال : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إنا صرنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يوحى إليه ، والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ، فأنزل الله عز وجل : ( وإذا جاءتهم ) حجة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : يعني أبا جهل ، ( لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم .

ثم قال الله تعالى : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) قرأ ابن كثير وحفص رسالته على التوحيد ، وقرأ الآخرون رسالاته بالجمع ، يعني : " الله أعلم بمن هو أحق بالرسالة " .

( سيصيب الذين أجرموا صغار ) ذل وهوان ( عند الله ) أي : من عند الله ، ( وعذاب شديد بما كانوا يمكرون ) قيل : صغار في الدنيا وعذاب شديد في الآخرة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا جاءتهم» أي أهل مكة «آية» على صدق النبي صلى الله عليه وسلم «قالوا لن نؤمن» به «حتى نؤتى مثل ما أوتي رسلُ الله» من الرسالة والوحي إلينا لأنا أكثر مالا وأكبر سنّا قال تعالى: «الله أعلم حيث يجعل رِسَالاَتِهِ» بالجمع والإفراد وحيث مفعول به لفعل دل عليه أعلم: أي يعلم الموضع الصالح لوضعها فيه فيضعها وهؤلاء ليسوا أهلا لها «سيصيب الذين أجرموا» بقولهم ذلك «صغار» ذلٌ «عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون» أي بسبب مكرهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا جاءت هؤلاء المشركين من أهل "مكة" حجة ظاهرة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، قال بعض كبرائهم: لن نصدِّق بنبوته حتى يعطينا الله من النبوة والمعجزات مثل ما أعطى رسله السابقين.

فردَّ الله تعالى عليهم بقوله: الله أعلم حيث يجعل رسالته أي: بالذين هم أهل لحمل رسالته وتبليغها إلى الناس.

سينال هؤلاء الطغاة الذل، ولهم عذاب موجع في نار جهنم؛ بسبب كيدهم للإسلام وأهله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن لوناً من ألوان مكرهم فقال : { وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ الله } .أى : وإذا جاءت أولئك المشركين الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم " لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها " حجة قاطعة تشهد بصدقك يا محمد فيما تبلغه عن ربك ، قالوا حسدا لك ، لن نؤمن لك يا محمد حتى تعطى من الوحى والرسالة مثلما أعطى رسل الله ، وأضافوا الإيتاء إلى رسل الله ، لأنهم لا يعترفون بما أوتيه صلى الله عليه وسلم من الوحى والرسالة .روى أن الوليد بن المغيرة قال للنبى صلى الله عليه وسلم : لو كانت النبوة حقا لكنت أنا أولى بها منك لأنى أكبر منك سناً وأكثر مالا فأنزل الله هذه الآية " .وقال مقاتل : نزلت فى أبى جهل وذلك أنه قال : زاحمنا بنو عبد المطلب فى الشرف حتى إذا صرنا كفرسى رهان قالوا : منا نبى يوحى إليه ، والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحى كما يأتيه ، فأنزل الله هذه الآية " .وقد رد الله - تعالى - على هؤلاء الحاسدين ردا حاسما فقال : { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } أى : أن للرسالة موضوعا مخصوصا لا يصلح وضعها إلا فيه ، فمن كان مخصوصاً موصوفا بتلك الصفات لأجلها يصلح وضع الرسالة فيه كان رسولا وإلا فلا ، والعالم بتلك الصفات ليس إلا الله - تعالى - ثم قال : وفى هذه الجملة الكريمة تنبيه على دقيقة أخرى وهى أن أقل ما لا بد منه فى حصول النبوة والرسالة والبراءة عن المكر والغدر والغل والحسد ، وقوله { لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ الله } عين المكر والغدر والغل والحسد ، فكيف يعقل حصول النبوة والرسالة مع هذه الصفات " .وهذه الجملة حجة لأهل الحق على أن الرسالة هبة من الله يختص بها من يشاء من عباده ، ولا ينالها أحد بكسبه ولا بذكائه ولا بنسبه .ولذا قال الإمام الآلوسى : وجملة { الله أَعْلَمُ } .

.

.

الخ .

استئناف بيانى ، والمعنى : أن منصب الرسالة ليس مما ينال بما يزعمونه من كثرة المال والولد ، وتعاضد الأسباب والعدد ، وإنما ينال بفضائل نفسانية ، ونفس قدسية أفاضها الله - تعالى - بمحض الكرم والجود على من كمل استعداده " .هذا .

وقد وردت أحاديث كثيرة تحدث النبى صلى الله عليه وسلم فيها عن اصطفاء الله له وفضله عليه ، ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم عن وائلة ابن الأسقع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله - عز وجل - اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، واصطفى من بنى إسماعيل بنى كنانة ، واصطفى من بنى كنانة قريشا ، واصطفى من قريش بنى هاشم ، واصطفى من بنى هاشم محمدا صلى الله عليه وسلم " .وروى الإمام أحمد عن المطلب عن أبى وداعة عن العباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله خلق الخلق فجعلنى فى خير خلقه ، وجعلهم فريقين ، فجعلنى فى خير فرقة ، وخلق القبائل فجعلنى فى خير قبيلة ، وجعلهم بيوتا ، فجعلنى فى خيرهم بيتا ، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا " .ثم بين - سبحانه - عاقبة أولئك الماكرين الحاسدين للنبى - صلى الله عليه وسلم - على ما آتاه الله من فضله فقال : { سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ الله وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ } .قال القرطبى ما ملخصه : الصغار : الضيم والذل والهوان .

والمصدر الصغر بالتحريك - وأصله من الصغر دون الكبر فكأن الذل يصغر إلى المرء نفسه وقيل : أصله من الصغر وهو الرضا بالذل .

والصاغر : الراضى بالذل .

وأرض مصغرة : نبتها صغير لم يطل .

ويقال : صغر - بالكسر - يصغر صغراً وصغاراً فهو صاغر إذا ذل وهان " .والمعنى : سيصيب الذين أجرموا بعد تكبرهم وغرورهم وتطاولهم ذل عظيم وهوان شديد ثابت لهم عند الله فى الدنيا والآخرة ، وبسبب مكرهم المستمر ، وعدائهم الدائم لرسل الله وأوليائه .والجملة الكريمة استئناف آخر ناع على أولئك الماكرين ما سيلقونه من ألوان العقوبات بعد ما نعى عليهم حرمانهم مما أنكره من إيتائهم مثل ما أوتى رسل الله ، والسين للتأكيد .والعندية فى قوله " عند الله " مجاز عن حشرهم يوم القيامة ، أو عن حكمه سبحانه - وقضائه فيهم بذلك ، كقولهم : ثبت عند فلان القاضى كذا أى : فى حكمه ، ولذا قدم الصغار على العذاب لأنه يصيبهم فى الدنيا .قال ابن كثير : ولما كان المرك غالبا إنما يكون خفيا ، وهو التلطف فى التحيل والخديعة ، قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة جزاء وفاقا ولا يظلم ربك أحداً .

وجاء فى الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ينصب لكل غادر لواء عند إسته يوم القيامة فيقال : هذه غدرة فلان بن فلان " والحكمة فى ذلك أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه الناس ، فيوم القيامة يصير علما منشوراً على صاحبه بما فعل " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى حكى عن مكر هؤلاء الكفار وحسدهم أنهم متى ظهرت لهم معجزة قاهرة تدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: لن نؤمن حتى يحصل لنا مثل هذا المنصب من عند الله، وهذا يدل على نهاية حسدهم، وأنهم إنما بقوا مصرين على الكفر لا لطلب الحجة والدلائل، بل لنهاية الحسد.

قال المفسرون: قال الوليد بن المغيرة: والله لو كانت النبوة حقاً لكنت أنا أحق بها من محمد، فإني أكثر منه مالاً وولداً، فنزلت هذه الآية.

وقال الضحاك: أراد كل واحد منهم أن يخص بالوحي والرسالة، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرئ مّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً  ﴾ فظاهر الآية التي نحن في تفسيرها يدل على ذلك أيضاً لأنه تعالى قال: ﴿ وَإِذَا جَاءتْهُمْ ءايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ الله ﴾ وهذا يدل على أن جماعة منهم كانوا يقولون هذا الكلام.

وأيضاً فما قبل هذه الآية يدل على ذلك أيضاً، وهو قوله: ﴿ وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ ثم ذكر عقيب تلك الآية أنهم قالوا: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ الله ﴾ وظاهره يدل على أن المكر المذكور في الآية الأولى هو هذا الكلام الخبيث.

وأما قوله تعالى: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ الله ﴾ ففيه قولان: القول الأول: وهو المشهور، أراد القوم أن تحصل لهم النبوة والرسالة، كما حصلت لمحمد عليه الصلاة والسلام، وأن يكونوا متبوعين لا تابعين، ومخدومين لا خادمين.

والقول الثاني: وهو قول الحسن، ومنقول عن ابن عباس: أن المعنى، وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع النبي.

قالوا: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ حتى نُؤْتِى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ الله ﴾ وهو قول مشركي العرب ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا ﴾ إلى قوله: ﴿ وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلْأَرْضِ يَنۢبُوعًا  أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلْأَنْهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفْجِيرًا  أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا  أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَٰبًا نَّقْرَؤُهُۥ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا  ﴾ من الله إلى أبي جهل، وإلى فلان وفلان كتاباً على حدة، وعلى هذا التقدير: فالقوم ما طلبوا النبوة، وإنما طلبوا أن تأتيهم آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين كي تدل على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام.

قال المحققون: والقول الأول أقوى وأولى، لأن قوله: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ لا يليق إلا بالقول الأول، ولمن ينصر القول الثاني أن يقول: إنهم لما اقترحوا تلك الآيات القاهرة، فلو أجابهم الله إليها وأظهر تلك المعجزات على وفق التماسهم، لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة، وحينئذ يصلح أن يكون قوله: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ جواباً على هذا الكلام.

وأما قوله: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ فالمعنى أن للرسالة موضعاً مخصوصاً لا يصلح وضعها إلا فيه، فمن كان مخصوصاً موصوفاً بتلك الصفات التي لأجلها يصلح وضع الرسالة فيه كان رسولاً وإلا فلا، والعالم بتلك الصفات ليس إلا الله تعالى.

واعلم أن الناس اختلفوا في هذه المسألة، فقال بعضهم: النفوس والأرواح متساوية في تمام الماهية، فحصول النبوة والرسالة لبعضها دون البعض تشريف من الله وإحسان وتفضل.

وقال آخرون: بل النفوس البشرية مختلفة بجواهرها وماهياتها، فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة.

وبعضها خسيسة كدرة محبة للجسمانيات، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول، لم تصلح لقبول الوحي والرسالة.

ثم إن القسم الأول يقع الاختلاف فيه بالزيادة والنقصان والقوة والضعف إلى مراتب لا نهاية لها، فلا جرم كانت مراتب الرسل مختلفة، فمنهم من حصلت له المعجزات القوية والتبع القليل، ومنهم من حصلت له معجزة واحدة أو اثنتان وحصل له تبع عظيم، ومنهم من كان الرفق غالباً عليه، ومنهم من كان التشديد غالباً عليه، وهذا النوع من البحث فيه استقصاء، ولا يليق ذكره بهذا الموضع وقوله تعالى: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ فيه تنبيه على دقيقة أخرى.

وهي: أن أقل ما لابد منه في حصول النبوة والرسالة البراءة عن المكر والغدر، والغل والحسد.

وقوله: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ الله ﴾ عين المكر والغدر والحسد، فكيف يعقل حصول النبوة والرسالة مع هذه الصفات؟

ثم بين تعالى أنهم لكونهم موصوفين بهذه الصفات الذميمة سيُصيبهم صَغار عند الله وعذاب شديد وتقريره أن الثواب لا يتم إلا بأمرين، التعظيم والمنفعة، والعقاب أيضاً إنما يتم بأمرين: الإهانة والضرر.

والله تعالى توعدهم بمجموع هذين الأمرين، في هذه الآية، أما الإهابة فقوله: ﴿ سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ الله وَعَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ وإنما قدم ذكر الصغار على ذكر الضرر، لأن القوم إنما تمردوا عن طاعة محمد عليه الصلاة والسلام طلباً للعز والكرامة، فالله تعالى بين أنه يقابلهم بضد مطلوبهم، فأول ما يوصل إليهم إنما يوصل الصغار والذل والهوان، وفي قوله: ﴿ صَغَارٌ عِندَ الله ﴾ وجوه: الأول: أن يكون المراد أن هذا الصغار إنما يحصل في الآخرة، حيث لا حاكم ينفذ حكمه سواه.

والثاني: أنهم يصيبهم صغار بحكم الله وإيجابه في دار الدنيا، فلما كان ذلك الصغار هذا حاله، جاز أن يضاف إلى عند الله.

الثالث: أن يكون المراد ﴿ سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ ﴾ ثم استأنف.

وقال: ﴿ عَندَ الله ﴾ أي معدلهم ذلك، والمقصود منه التأكيد.

الرابع: أن يكون المراد صغار من عند الله، وعلى هذا التقدير: فلابد من إضمار كلمة من وأما بيان الضرر والعذاب، فهو قوله: ﴿ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ فحصل بهذا الكلام أنه تعالى أعد لهم الخزي العظيم والعذاب الشديد، ثم بين أن ذلك إنما يصيبهم لأجل مكرهم وكذبهم وحسدهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الله أَعْلَمُ ﴾ كلام مستأنف للإنكار عليهم، وأن لا يصطفى للنبوة إلاّ من علم أنه يصلح لها وهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه منهم ﴿ سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ ﴾ من أكابرها ﴿ صَغَارٌ ﴾ وقماءة بعد كبرهم وعظمتهم ﴿ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ في الدارين من الأسر والقتل وعذاب النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ لِما رُوِيَ: «أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ زاحَمْنا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ في الشَّرَفِ حَتّى إذا صِرْنا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ، واللَّهِ لا نَرْضى بِهِ إلّا أنْ يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيِهِ، فَنَزَلَتِ: ﴿ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ﴾ » اسْتِئْنافٌ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ النُّبُوَّةَ لَيْسَتْ بِالنَّسَبِ والمالِ وإنَّما هي بِفَضائِلَ نَفْسانِيَّةٍ يَخُصُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَيَجْتَبِي لِرِسالاتِهِ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَصْلُحُ لَها، وهو أعْلَمُ بِالمَكانِ الَّذِي يَضَعُها فِيهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ رِسالَتَهُ ﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ ﴾ ذُلٌّ وحَقارَةٌ بَعْدَ كِبْرِهِمْ.

﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ تَقْدِيرُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

﴿ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ﴾ بِسَبَبِ مَكْرِهِمْ أوْ جَزاءً عَلى مَكْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ولما قال أبو جهل زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحي إليه والله لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه نزل {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ} أي الأكابر {آية} معجزة أو آية من القرآن تأمرهم بالإيمان {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ الله} أي نعطي من الآيات مثل ما أعطي الأنبياء فأعلم الله تعالى أنه أعلم بمن يصلح للنبوة فقال تعالى {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} مكي وحفص رسالاته غيرها حَيْثُ مفعول به والعامل محذوف والتقدير يعلم موضع رسالته {سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ} من أكابرها {صغار} ذل وهوان {عَندَ الله} في القيامة {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} في الدارين من القتل والأسر وعذاب النار {بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ} في الدنيا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا جاءَتْهم آيَةٌ ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ حالِ مُجْرِمِي أهْلِ مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ بِطْرِيقِ التَّسْلِيَةِ حالَ غَيْرِهِمْ فَإنَّ العَظِيمَةَ المَنقُولَةَ إنَّما صَدَرَتْ عَنْهم لا عَنْ سائِرِ المُجْرِمِينَ أيْ وإذا جاءَتْهم آيَةٌ بِواسِطَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ﴾ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حَتّى يُوحى إلَيْنا ويَأْتِيَنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُخْبِرَنا أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صادِقٌ كَما قالُوا ﴿ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴾ وعَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ مِثْلُهُ وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ ماعُلِّقَ بِإيتاءِ ما أُوتِيَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هو إيمانُهم بِرَسُولِ اللَّهِ  وبِما أُنْزِلَ إلَيْهِ إيمانًا حَقِيقِيًّا كَما هو المُتَبادَرُ مِنهُ عِنْدَ الإطْلاقِ خَلا أنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يُحْمَلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ عَلى مُطْلَقِ الوَحْيِ ومُخاطَبَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُمْلَةِ وأنْ يُصْرَفَ الرِّسالَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ﴾ عَنْ ظاهِرِها وتُحْمَلَ عَلى رِسالَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَجْهِ المَذْكُورِ ويُرادُ بِجَعْلِها تَبْلِيغُها إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ لا وضْعُها في مَوْضِعِها الَّذِي هو الرَّسُولُ لِيَتَأتّى كَوْنُهُ جَوابًا عَنِ اقْتِراحِهِمْ ورَدًّا لَهُ بِأنَّ كَوْنَ مَعْنى الِاقْتِراحِ لَنْ نُؤْمِنَ بِكَوْنِ تِلْكَ الآيَةِ نازِلَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى يَأْتِيَنا جِبْرِيلُ بِالذّاتِ عَيانًا كَما يَأْتِي الرُّسُلَ فَيُخْبِرُنا بِذَلِكَ ومَعْنى الرَّدِّ اللَّهُ أعْلَمُ بِمَن يَلِيقُ بِإرْسالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إيذانًا بِأنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ التَّشْرِيفِ وفِيهِ مِنَ التَّمَحُّلِ ما لا يَخْفى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَمَحُّلَ في حَمْلِ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ عَلى مُطْلَقِ الوَحْيِ بَلْ في العُدُولِ عَنْ قَوْلٍ لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نَجْعَلَ رُسُلًا مَثَلًا إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ نَوْعَ تَأْيِيدٍ لِهَذا الحَمْلِ نَعَمْ صَرْفُ الرِّسالَةِ عَنْ ظاهِرِها وحَمْلُ الجَعْلِ عَلى التَّبْلِيغِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ ولَعَلَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّ مُطْلَقَ الوَحْيِ ومُخاطَبَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُمْلَةِ وإنْ لَمْ يَسْتَدْعِ تِلْكَ الرِّسالَةَ إلّا أنَّهُ قَرِيبٌ مِن مَنصِبِها فَيَصْلُحُ ما ذَكَرَ جَوابًا بِدُونِ حاجَةٍ إلى الصَّرْفِ والحَمْلِ المَذْكُورَيْنِ وفِيهِ ما فِيهِ وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ: زاحَمَنا بَنِي مَنافٍ في الشَّرَفِ حَتّى إذا صِرْنا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ واللَّهِ لا نَرْضى بِهِ ولا نَتَّبِعُهُ أبَدًا حَتّى يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ وقالَ الضَّحّاكُ: سَألَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القَوْمِ أنْ يُخَصَّ بِالرِّسالَةِ والوَحْيِ كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴾ قالَ الشَّيْخُ: ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ وإنْ كانَ مُناسِبًا لِلرَّدِّ المَذْكُورِ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُرادَ بِالإيمانِ المُعَلَّقِ بِإيتاءِ مِثْلِ ما أُوتِيَ الرُّسُلُ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِهِمْ بِرِسالَتِهِ  في الجُمْلَةِ مِن غَيْرِ شُمُولٍ لِكافَّةِ النّاسِ وأنْ يَكُونَ كَلِمَةُ حَتّى في قَوْلِ اللَّعِينِ حَتّى يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ ..

إلَخْ.

غايَةً لِعَدَمِ الرِّضى لا لِعَدَمِ الِاتِّباعِ فَإنَّهُ مُقَرَّرٌ عَلى تَقْدِيرَيْ إتْيانِ الوَحْيِ وعَدَمِهِ فالمَعْنى لَنْ نُؤْمِنَ بِرِسالَتِهِ أصْلًا حَتّى نُؤْتى نَحْنُ النُّبُوَّةَ مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ أوْ إيتاءً مِثْلَ إيتاءِ رُسُلِ اللَّهِ ولا يَخْفى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في كَلامِ اللَّعِينِ غايَةٌ أيْضًا عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ مُجَرَّدُ المُوافَقَةِ وفِعْلِ مِثْلِ ما يَفْعَلُهُ  مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ لا قَفْوُ الأثَرِ بِالِائْتِمارِ عَلى أنَّ اللَّعِينَ إنَّما طَلَبَ إتْيانَ وحْيٍ كَما يَأْتِي النَّبِيَّ  ولَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا في طَلَبِ الِاسْتِقْلالِ المُنافِي لِلِاتِّباعِ.

ولَعَلَّ مُرادَهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ المُشارَكَةُ في الشَّرَفِ بِحَيْثُ لا يَنْحَطُّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالكُلِّيَّةِ ويُمْكِنُ أنْ يَدَّعِيَ أيْضًا أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنهم أبا جَهْلٍ بِما يَقْتَضِيهِ مَنصِبُ الرِّسالَةِ لا يَأْبَوْنَ كَوْنَ الرَّسُولَيْنِ يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ ويَلْزَمُ أحْدُهُما امْتِثالُ أمْرِ الآخَرِ واتِّباعُهُ وإنْكانَ مُشارِكًا لَهُ في أصْلِ الرِّسالَةِ فَلْيُفْهَمْ وقِيلَ: إنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَوْ كانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا لَكُنْتُ أوْلى بِها مِنكَ لِأنِّي أكْبَرُ مِنكَ سِنًّا وأكْثَرُ مالًا ووَلَدًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وتَعَقَّبَهُ الشَّيْخُ قَدَّسَ سِرَّهُ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِكَلامِهِمُ المَرْدُودِ إلّا أنْ يُرادَ بِالإيمانِ المُعَلَّقِ بِما ذُكِرَ مُجَرَّدُ الإيمانِ بِكَوْنِ الآيَةِ النّازِلَةِ وحْيًا صادِقًا لا الإيمانَ بِكَوْنِها نازِلَةً إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيَكُونُ المَعْنى وإذا جاءَتْهم آيَةٌ نازِلَةٌ إلى الرَّسُولِ قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ بِنُزُولِها مِن عِنْدِ اللَّهِ حَتّى يَكُونَ نُزُولُها إلَيْنا لا إلَيْهِ لِأنّا نَحْنُ المُسْتَحِقُّونَ دُونَهُ فَإنَّ مُلَخَّصَ مَعْنى قَوْلِهِ: لَوْ كانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا ..

إلَخْ.

لَوْ كانَ ماتَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ حَقًّا لَكُنْتُ أنا النَّبِيُّ لا أنْتَ وإذا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَيْسَتْ بِحَقٍّ ومَآلُهُ تَعْلِيقُ الإيمانِ بِحَقِّيَّةِ النُّبُوَّةِ بِكَوْنِ نَفْسِهِ نَبِيًّا.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إطْلاقَ النُّبُوَّةِ وقَوْلَهم ﴿ رُسُلُ اللَّهِ ﴾ لَيْسَ بَيْنَهُما كَمالُ المُلاءَمَةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى فالحَقُّ سُقُوطُ هَذا القَوْلِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ وإنَّ رُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنَيْ جُرَيْجٍ لِما في تَطْبِيقِهِ عَلى ما في الآيَةِ مِن مَزِيدِ العِنايَةِ.

و ﴿ مِثْلَ ما أُوتِيَ ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ حَتّى نُؤْتاهاإيتاءً مِثْلَ إيتاءِ رُسُلِ اللَّهِ وإضافَةُ الإيتاءِ إلَيْهِمْ مُنْكِرُونَ لِإيتائِه ِعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحَيْثُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ يَعْلَمُ وقَدْ خَرَجَتْ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِتَصَرُّفِها ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَهُ والجُمْلَةُ بَعْدَها كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ في كِتابِ الشِّعْرِ صِفَةٌ لَها وإضافَتُها إلى ما بَعْدَها حَيْثُ اسْتُعْمِلَتْ ظَرْفًا وقالَ الرَّضِيُّ: الأوْلى أنَّ حَيْثُ مُضافَةٌ ولا مانِعَ مِن إضافَتِها وهي اسْمٌ إلى الجُمْلَةِ وبُحِثَ فِيهِ ولا يَجُوزُ فِيها هُنا عِنْدَ الكَثِيرِ أنْ تَكُونَ مَجْرُورَةً بِالإضافَةِ لِأنَّ أفْعَلَ بَعْضُ ما يُضافُ إلَيْهِ ولا مَنصُوبَةً بِأفْعَلَ نَصْبَ الظَّرْفِ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالظَّرْفِ ومِمَّنْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ ابْنُ الصّائِغِ وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الثّانِيَ ورَدَّ ما عُلِّلَ بِهِ المَنعُ مِنهُ بَأنْ يَجُوزَ جَعْلُ تَقْيِيدِ عِلْمِهِ تَعالى بِالظَّرْفِ مَجازِيًّا بِاعْتِبارِ ما تَعَلَّقَ بِهِ بَلْ ذَلِكَ أوْلى مِن إخْراجِ حَيْثُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ فَإنَّهُ إمّا نادِرٌ أوْ مُمْتَنِعٌ.

وجُمْلَةُ ﴿ اللَّهُ أعْلَمُ ﴾ ..

إلَخْ.

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ والمَعْنى أنَّ مَنصِبَ الرِّسالَةِ لَيْسَ مِمّا يُنالُ بِما يَزْعُمُونَهُ مِن كَثْرَةِ المالِ وتَعاضُدِ الأسْبابِ والعَدَدِ وإنَّما يُنالُ بِفَضائِلَ نَفْسانِيَّةٍ ونَفْسٍ قُدْسِيَّةٍ أفاضَها اللَّهُ تَعالى بِمَحْضِ الكَرَمِ والجُودِ عَلى مَن كَمُلَ اسْتِعْدادُهُ ونَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ تابِعٌ لِلِاسْتِعْدادِ الذّاتِيِّ وهو لا يَسْتَلْزِمُ الإيجابَ الَّذِي يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إنْ شاءَ أعْطى ذَلِكَ وإنْ شاءَ أمْسَكَ وإنِ اسْتَعَدَّ المَحَلُّ وما في المَواقِفِ مِن أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في الإرْسالِ الِاسْتِعْدادُ الذّاتِيُّ بَلِ اللَّهُ تَعالى يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِعْدادِ الذّاتِيِّ المُوجِبِ فَقَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى أنْ يَبْعَثَ مِن كُلِّ قَوْمٍ أشْرَفَهم وأطْهَرَهم جِبِلَّةً وتَمامُ البَحْثِ في مَوْضِعِهِ.

وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( رِسالاتِهِ ) بِالجَمْعِ وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ يُسَنُّ الوَقْفُ عَلى رُسُلِ اللَّهِ وأنَّهُ يُسْتَجابُ الدُّعاءُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ولَمْ أرَ في ذَلِكَ ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ ناعٍ عَلَيْهِمْ ما سَيَلْقَوْنَهُ مِن فُنُونِ الشَّرِّ بَعْدَ ما نَعى عَلَيْهِمْ حِرْمانَهم مِمّا أمَلُوهُ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ التَّشْنِيعِ وقِيلَ: إشْعارًا بِعَلِيَّةِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ أيْ يُصِيبُهُمُ البَتَّةَ مَكانَ ما تَمَنَّوْهُ وعَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ مِن عِزِّ النُّبُوَّةِ وشَرَفِ الرِّسالَةِ ﴿ صَغارٌ ﴾ أيْ ذُلٌّ عَظِيمٌ وهَوانٌ بَعْدَ كِبْرِهِمْ ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقِيلَ: مِن عِنْدِ اللَّهِ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ كَما قالَ الفَرّاءُ واعْتَرَضَهُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ أنْ تَقُولَ جِئْتُ عِنْدَ زَيْدٍ وأنْتَ تُرِيدُ مِن عِنْدِ زَيْدٍ وقِيلَ: المُرادُ أنَّ ذَلِكَ في ضَمانِهِ سُبْحانَهُ أوْ ذَخِيرَةٌ لَهم عِنْدَهُ وهو جارٍ مَجْرى التَّهَكُّمِ كَما لا يَخْفى ﴿ وعَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا ﴿ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ﴾ (124) أيْ بِسَبَبِ مَكْرِهِمُ المُسْتَمِرِّ أوْ بِمُقابَلَتِهِ وحَيْثُ كانَ هَذا مِن أعْظَمِ مَوادِّ إجْرامِهِمْ صَرَّحَ بِسَبَبِهِ ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ ﴾ أيْ يُعَرِّفَهُ طَرِيقَ الحَقِّ ويُوَفِّقَهُ لِلْإيمانِ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ المُرادُ بِهَدْيِهِ إلى الثَّوابِ أوْ إلى الجَنَّةِ أوْ يُثِيبُهُ عَلى الهُدى أوْ يَزِيدُهُ ذَلِكَ ﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ فَيَتَّسِعُ لَهُ ويَنْفَسِحُ وهو مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِ النَّفْسِ مُهَيَّأةً لِحُلُولِ الحَقِّ فِيها مَصَفّاةً عَمّا يَمْنَعُهُ ويُنافِيهِ كَما أشارَ إلَيْهِ  حِينَ «قِيلَ لَهُ: كَيْفَ الشَّرْحُ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: نُورٌ يُقْذَفُ في الصَّدْرِ فَيَنْشَرِحُ لَهُ ويَنْفَسِحُ فَقِيلَ: هَلْ لِذَلِكَ مِن آيَةٍ يُعْرَفُ بِها يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقاءِ المَوْتِ».

﴿ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ ﴾ أيْ يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَةَ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ وقِيلَ: المُرادُ يُضِلُّهُ عَنِ الثَّوابِ أوْ عَنِ الجَنَّةِ أوْ عَنْ زِيادَةِ الإيمانِ أوْ يَخْذُلُهُ ويُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُرِيدُهُ ﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾ بِحَيْثُ يَنْبُو عَنْ قَبُولِ الحَقِّ فَلا يَكادُ يَكُونُ فِيهِ لِلْخَيْرِ مَنفَذٌ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ضِيقًا بِالتَّخْفِيفِ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( حَرِجًا ) بِكَسْرِ الرّاءِ أيْ شَدِيدُ الضِّيقِ والباقُونَ بِفَتْحِها وصْفًا بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ وأصْلُ مَعْنى الحَرَجِ كَما قالَ الرّاغِبُ مُجْتَمَعُ الشَّيْءِ ومِنهُ قِيلَ لِلضِّيقِ حَرَجٌ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: أصْلُ مَعْناهُ شِدَّةُ الضِّيقِ فَإنَّ الحَرَجَةَ غَيْضَةٌ أشْجارُها مُلْتَفَّةٌ بِحَيْثُ يَصْعُبُ دُخُولُها.

وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَرَأ ( حَرَجًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ وقَرَأ بَعْضُ ما عِنْدَهُ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ حَرَجًا ﴾ بِكَسْرِها فَقالَ عُمَرُ: أبْغُونِي رَجُلًا مِن كِنانَةَ واجْعَلُوهُ راعِيًا ولْيَكُنْ مُدْلِجِيًّا فَأتَوْهُ بِهِ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا فَتى ما الحَرَجَةُ فِيكم قالَ: الحَرَجَةُ فِينا الشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الأشْجارِ الَّتِي لا تَصِلُ إلَيْها راعِيَةٌ ولا وحْشِيَّةٌ ولا شَيْءَ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَذَلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ ﴿ كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الوَصْفِ أوْ وصْفٌ آخَرُ والمُرادُ المُبالَغَةُ في ضِيقِ صَدْرِهِ حَيْثُ شُبِّهَ بِمَن يُزاوِلُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما هو خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ الِاسْتِطاعَةِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإيمانَ يَمْتَنِعُ مِنهُ كَما يَمْتَنِعُ مِنهُ الصُّعُودُ والِامْتِناعُ في ذَلِكَ عادِيٌّ وعَنِ الزَّجّاجِ مَعْناهُ كَأنَّما يَتَصاعَدُ إلى السَّماءِ نَبْوًا عَنِ الحَقِّ وتَباعُدًا في الهَرَبِ مِنهُ وأصْلُ يَصَّعَّدُ يَتَصَعَّدُ وقَدْ قُرِئَ بِهِ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( يَصْعَدُ ) وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( يَصّاعَدُ ) وأصْلُهُ أيْضًا يَتَصاعَدُ فَفُعِلَ بِهِ ما تَقَدَّمَ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ عَلى ما مَرَّ تَحْقِيقُهُ أوْ إشارَةٌ إلى الجَعْلِ السّابِقِ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَعْلِ أيْ جَعْلُ الصَّدْرِ حَرَجًا عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ ﴿ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ ﴾ أيِ العَذابَ أوِ الخِذْلانَ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الرِّجْسُ ما لا خَيْرَ فِيهِ وقالَ الرّاغِبُ: الرِّجْسُ الشَّيْءُ القَذِرُ وقالَ الزَّجّاجُ: هو اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ وأصْلُهُ عَلى ما قِيلَ مِنَ الِارْتِجاسِ وهو الِاضْطِرابُ ﴿ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ (125) أيْ عَلَيْهِمْ ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمِرِ لِلتَّعْلِيلِ ﴿ وهَذا ﴾ أيْ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أوِ الإسْلامُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ ما سَبَقَ مِنَ التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ كَما قِيلَ ﴿ صِراطُ رَبِّكَ ﴾ أيْ طَرِيقُهُ الَّذِي ارْتَضاهُ أوْ عادَتُهُ وطَرِيقَتُهُ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَتُهُ ولا يَخْفى ما في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ مِنَ اللُّطْفِ ﴿ مُسْتَقِيمًا ﴾ لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا زَيْغَ أوْ عادِلًا مُطَّرِدًا وهو إمّا حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِصاحِبِها وعامِلُها مَحْذُوفٌ وُجُوبًا مِثْلَ هَذا أبُوكَ عَطُوفًا أوْ مُؤَسِّسَةٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ أوْ ها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ ﴿ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ ﴾ بَيَّنّاها مُفَصَّلَةً ﴿ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ (126) أيْ يَتَذَكَّرُونَ ما في تَضاعِيفِها فَيَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ الحَوادِثِ بِقَضائِهِ سُبْحانَهُ وقَدَرِهِ وأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ حَكِيمٌ عادِلٌ في جَمِيعِ أفْعالِهِ وتَخْصِيصُ هَؤُلاءِ القَوْمِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ التَّفْصِيلِ ﴿ لَهُمْ ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ ﴿ دارُ السَّلامِ ﴾ أيِ الجَنَّةُ كَما قالَ قَتادَةُ والسَّلامُ هو اللَّهُ تَعالى كَما قالَ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ والسُّدِّيُّ وإضافَةُ الدّارِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِلتَّشْرِيفِ وقالَ الزَّجّاجُ والجُبّائِيُّ: ( السَّلامُ ) بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ دارُ السَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ والبَلايا وسائِرِ المَكارِهِ الَّتِي يَتَلَقّاها أهْلُ النّارِ وقِيلَ هو بِمَعْنى التَّسْلِيمِ أيْ دارٌ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ في ضَمانِهِ وتَكَفُّلِهِ التَّفَضُّلِيِّ أوْ ذَخِيرَةٌ لَهم عِنْدَهُ لا يَعْلَمُ كُنْهَ ذَلِكَ غَيْرُهُ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وقِيلَ صِفَةٌ لِقَوْمٍ ﴿ وهُوَ ولِيُّهُمْ ﴾ أيْ مُحِبُّهم أوْ ناصِرُهم ﴿ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (127) أيْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ أوْ مُتَوَلِّيهِمْ بِجَزائِها بِأنْ يَتَوَلّى إيصالَ الثَّوابِ إلَيْهِمْ.

* * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ﴾ لِتَفاوُتِ مَراتِبِ أرْواحِهِمْ في الصَّفاءِ والكُدُورَةِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والقُرْبِ والبُعْدِ ومِن هُنا قِيلَ والجاهِلُونَ لِأهْلِ العِلْمِ أعْداءٌ وكُلَّما اشْتَدَّ التَّفاوُتُ اشْتَدَّتِ العَداوَةُ وزادَ الإيذاءُ النّاشِئُ مِنها ولِهَذا ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ ما أُوذِيتُ وتُسَبِّبُ هَذِهِ العَداوَةُ مَزِيدَ التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ والإعْراضِ عَنِ المَلاذِّ والحِرْصِ عَلى الفَضِيلَةِ الَّتِي يُقْهَرُ بِها العَدُوُّ والِاحْتِرازِ عَمّا يُوشِكُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلطَّعْنِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ ولِتَصْغى ﴾ أيْ تَمِيلُ إلَيْهِ ﴿ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ لِوُجُودِ المُناسَبَةِ ﴿ ولِيَرْضَوْهُ ﴾ بِمَحَبَّتِهِمْ إيّاهُ ﴿ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ ﴾ مِنَ اسْمِ التَّعاضُدِ والتَّظاهُرِ ﴿ أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا ﴾ بَيْنِي وبَيْنَكم ﴿ وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ ﴾ المُعْجِزَ الجامِعَ مُفَصِّلًا فِيهِ الحَقَّ والباطِلَ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَهُ مَقالٌ لِقائِلٍ فَطَلَبُ ما سِواهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِعاقِلٍ ولا يَمِيلُ إلَيْهِ إلّا جاهِلٌ ﴿ وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾ أيْ تَمَّ قَضاؤُهُ في الأزَلِ بِما قَضى وقَدَّرَ ﴿ صِدْقًا ﴾ مُطابِقًا لِما يَقَعُ ﴿ وعَدْلا ﴾ مُناسِبًا لِلِاسْتِعْدادِ قِيلَ: صِدْقًا فِيما وعَدَ وعَدْلًا فِيما أوْعَدَ ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ لِأنَّها عَلى طُرُزِ ما ثَبَتَ في عِلْمِهِ والِانْقِلابُ مُحالٌ ﴿ وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ بِالرُّكُونِ إلى الدُّنْيا وعالَمِ النَّفْسِ والطَّبِيعَةِ ﴿ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّهم لا يَدْعُونَ إلّا لِلشَّهَواتِ المُبْعِدَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى ﴿ إنْ يَتَّبِعُونَ ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ لِكَوْنِهِمْ مَحْجُوبِينَ في مَقامِ النَّفْسِ بِالأوْهامِ والخَيالاتِ ﴿ إلا الظَّنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ ﴾ بِقِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ ﴿ وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ ﴾ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الظّاهِرَةِ عَلى الجَوارِحِ ﴿ وباطِنَهُ ﴾ مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والعَزائِمِ الباطِلَةِ.

وقالَ سَهْلٌ ظاهِرُ الإثْمِ المَعاصِي كَيْفَ كانَتْ وباطِنُهُ حُبُّها وقالَ الشِّبْلِيُّ ظاهِرُ الإثْمِ الغَفْلَةُ وباطِنُهُ نِسْيانُ مُطالَعَةِ السَّوابِقِ وقالَ بَعْضُهم ظاهِرُ الإثْمِ طَلَبُ الدُّنْيا وباطِنُهُ طَلَبُ الجَنَّةِ لِأنَّ الأمْرَيْنِ يَشْغَلانِ عَنِ الحَقِّ وكُلُّ ما يَشْغَلُ عَنْهُ سُبْحانَهُ فَهو إثْمٌ وقِيلَ: ظاهِرُ الإثْمِ حُظُوظُ النَّفْسِ وباطِنُهُ حُظُوظُ القَلْبِ وقِيلَ: ظاهِرُ الإثْمِ حَبُّ الدُّنْيا وباطِنُهُ حُبُّ الجاهِ وقِيلَ: ظاهِرُ الإثْمِ رُؤْيَةُ الأعْمالِ وباطِنُهُ سُكُونُ القَلْبِ إلى الأحْوالِ.

﴿ وإنَّ الشَّياطِينَ ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ بِالظّاهِرِ عَنِ الباطِنِ ﴿ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ ﴾ أيْ مِن يُوالِيهِمْ مِنَ المُنْكِرِينَ ﴿ لِيُجادِلُوكُمْ ﴾ بِما يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ الشُّبَهِ ﴿ وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ ﴾ وتَرَكْتُمْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ ﴾ مِثْلُهم ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا ﴾ بِالجَهْلِ وهَوى النَّفْسِ أوِ الِاحْتِجابِ بِصِفاتِها ﴿ فَأحْيَيْناهُ ﴾ بِالعِلْمِ ومَحَبَّةِ الحَقِّ أوْ كَشْفِ حُجُبِ صِفاتِهِ ﴿ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا ﴾ مِن هِدايَتِنا وعِلْمِنا أوْ نُورًا مِن صِفاتِنا أوْ مَن كانَ مَيْتًا بِالمُجاهَداتِ فَأحْيَيْناهُ بِرُوحِ المُشاهَداتِ أوْ مَيْتًا بِشَهَواتِ النَّفْسِ فَأحْيَيْناهُ بِصَفاءِ القَلْبِ أوْ مَيْتًا بِرُؤْيَةِ الثَّوابِ فَأحْيَيْناهُ بِرُؤْيَةِ المَآبِ إلى الوَهّابِ وجَعَلْنا لَهُ نُورَ الفِراسَةِ أوِ الإرْشادِ وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: المَعْنى أوَمَن كانَ مَيْتًا عَنّا فَأحْيَيْناهُ بِنا وجَعَلْناهُ إمامًا يَهْدِي بِنُورِ الإجابَةِ ويَرْجِعُ إلَيْهِ الضَّلالُ وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: أوَمَن كانَ مَيْتًا بِحَياةِ نَفْسِهِ ومَوْتِ قَلْبِهِ فَأحْيَيْناهُ بِإماتَةِ نَفْسِهِ وحَياةِ قَلْبِهِ وسَهَّلْنا عَلَيْهِ سُبُلَ التَّوْفِيقِ وكَحَّلْناهُ بِأنْوارِ القُرْبِ فَلا يَرى غَيْرَنا ولا يَلْتَفِتُ إلى سِوانا ﴿ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ ﴾ أيْ ظُلُماتِ نَفْسِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ ﴿ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها ﴾ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ﴾ المَحْجُوبِينَ ﴿ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ فاحْتَجَبُوا بِهِ ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ﴾ ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ كَمالِ العارِفِينَ حَسْبَما تَقَدَّمَ في جَعْلِ الأعْداءِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما في الأنْفُسِ أيْ وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ وُجُودَ الإنْسانِ الَّتِي هي البَدَنُ ﴿ أكابِرَ مُجْرِمِيها ﴾ مِن قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ لِيَمْكُرُوا فِيها بِإضْلالِ القَلْبِ ﴿ وما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ ﴾ لِأنَّ عاقِبَةَ مَكْرِهِمْ راجِعٌ إلَيْهِمْ آفاقًا وأنْفُسًا ﴿ وإذا جاءَتْهُمْ ﴾ عَلى يَدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ﴾ مِنَ الرِّسالَةِ إلَيْهِمُ ﴿ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ﴾ وذَلِكَ حَيْثُ خَزِينَةُ الِاسْتِعْدادِ عامِرَةٌ والنَّفْسُ قُدْسِيَّةٌ ﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا ﴾ بِاحْتِجابٍ عَنِ الحَقِّ ﴿ صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ ذُلٌّ بِذَهابِ قَدْرِهِمْ حِينَ خَرابِأبْدانِهِمْ ﴿ وعَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ بِحِرْمانِهِمُ المُلائِمِ ووُصُولِ النّافِي إلَيْهِمْ في المَعادِ الجُسْمانِيِّ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ يعني: الأكابر الذين سبق ذكرهم.

ويقال: كفار مكة إذا جاءتهم علامة مثل انشقاق القمر وغيره قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ يعني: لن نصدقك ولن نؤمن بالآية حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ مَا أُوتِيَ أي مثل ما أعطي رُسُلُ اللَّهِ يعني محمدا  من الآيات والعلامات.

ويقال: لم نصدقك حتى يوحى إلينا كما أوحي إلى الرسل، وذلك أن الوليد بن المغيرة وأبا مسعود الثقفي قالا: لو أراد الله تعالى أن ينزل الوحي لأنزل علينا.

قال بعضهم: أرادوا به محمداً  وقال بعضهم: أرادوا به جميع الرسل فقال الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ومن يصلح للنبوة ومن لا يصلح فخصّ بها محمدا  سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا يعني: أشركوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ يعني: مَذَلَّة وهوان عند الله أي من عند الله العذاب بالمستهزئين وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ يعني: يكذبون بالرسل قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ بلفظ الوحدان وقرأ الباقون رِسالاتِهِ بلفظ الجماعة.

قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يعني: من يرد الله أن يوفقه للإسلام ويهديه لدينه يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ يقول يوسع قلبه ويلينه لقبول الإسلام، ويدخل فيه نور الإسلام وحلاوته.

وقال القتبي: يَشْرَحْ صَدْرَهُ يعني: يفتحه.

قال الفقيه: قال: حدّثنا الخليل بن أحمد حدّثنا الديبلي قال: حدّثنا أبو عبيد الله عن سفيان عن خالد بن أبي كريمة عن عبد الله بن المسور أن رسول الله  قال: لما نزلت هذه الآية فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ قالوا: يا رسول الله: فكيف ذلك؟

إذا دَخَلَ النُّورُ فِي القلب انشرح وانفسح قالوا: وهل لذلك من علامة يعرف به؟

قال: «نَعَمْ التَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ وَالإنَابَةُ إلى دَارِ الخُلُودِ وَالاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» .

ثم قال تعالى: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ عن الإسلام فلا يقبله ويتركه بغير نور يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً عن الإسلام يعني: غير موسع حَرَجاً يعني: شاكاً.

وقال ابن عباس: كالشجرة الملتفة بعضها في بعض لا يجد النور منفذاً ومجازاً قرأ ابن كثير ضَيِّقاً بتخفيف الياء وجزمها.

وقرأ الباقون بالتشديد.

وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر حَرَجاً بكسر الراء.

وقرأ الباقون بالنصب.

فمن قرأ بالنصب فهو المصدر.

ومن قرأ بالكسر فهو النعت.

ثم قال: كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ يعني: مثله كمثل الذي يتكلف الصعود إلى السماء وهو لا يستطيع، فكذلك قلب الكافر لا يستطيع قبول الإسلام.

قرأ ابن كثير يَصَّعَّدُ بجزم الصاد ونصب العين بغير تشديد من صَعَد يَصْعَد.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر يَصَّاعد بالألف مع تشديد الصاد وتخفيف العين لأن أصله يتصاعد فأدغم التاء في الصاد.

وقرأ الباقون: يَصَّعَّدُ بتشديد الصاد والعين بغير ألف لأن أصله يتصعد فأدغم التاء في الصاد ثم قال: كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ يعني: العذاب عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بترك حلاوة الإيمان على الذين لا يرغبون في الإيمان ويقال الرجس في اللغة: هو اللعنة والعذاب.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فَارِس «١» ، وذلك أنهم كانوا يوالُونَ قُرَيْشاً على عداوة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ من قريش لِيُجادِلُوكُمْ بقولهم: تأكلون ما قَتَلْتُمْ ولا تأكلون ما قَتَلَ اللَّه فذلك من مخاطبتهمْ هو الوحْيُ، والأولياء هم قريشٌ، وقال ابن زَيْد وعبد اللَّه بن كثير: بل الشياطينِ الجِنُّ، واللفظة على وجْهها، وأولياؤهم: كَفَرة قريش، ووحْيُهم بالوسوسة، وعلى ألسنة الكُهَّان.

ثم نهى سبحانه عن طاعتهم بلفظ يتضمَّن الوعيدَ وعرض أصعب مثالٍ في أن يشبه المؤمن بالمُشْرك، قال ابن العربيِّ «٢» : قوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ، سمَّى اللَّه تعالى ما يقع في القلوبِ من الإلهام وحياً/، وهذا مما يطلقه شيوخُ المتصوِّفة، وينكره جُهَّال المتوسِّمين بالعلْمِ، ولم يعلموا أن الوحْيَ على ثمانيةِ أقسامٍ، وأن إطلاقه في جميعها جائزٌ في دِينِ اللَّه.

انتهى من «أحكام القرآن» .

وقوله سبحانه: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ، لما تقدَّم ذكْر المؤمنين، وذكْر الكافرين، مثَّل سبحانه في الطائفتين بأنْ شَبَّه الذين آمنوا بَعْد كفرهم بأمواتٍ أُحْيُوا، هذا معنى قول ابن عباس «٣» ومجاهد وغيرهما، وشَبَّه الكافرين وحَيْرَةَ جهلهم بقَوْمٍ في ظلمات يتردَّدون فيها، ولا يمكنهم الخروجُ منها ليبيِّن عزَّ وجلَّ الفرق بيْنَ الطائفتَيْن، والبَوْن «٤» بين المنزلتين، ونُوراً أمكن ما يعني به الإيمان، قيل: ويحتمل أن يراد به النُّور الذي يُؤْتَاهُ المؤمن يوم القيامة، وجَعَلْنا في هذه الآية: بمعنى صيّرنا، فهي تتعدّى إلى

مفعولَيْن، الأول: مُجْرِمِيها، والثاني: أَكابِرَ، وفي الكلام على هذا: تقديمٌ وتأخير، وتقديره: وكذلك جعلنا في كلِّ قريةٍ مجرميها أَكَابِرَ، وقدَّم الأهمَّ إذ لعلَّة كِبْرهم أجرموا، ويصح أن يكون المفعولُ الأول: «أكابر» ، و «مجرميها» «١» مضافٌ، والمفعولُ الثاني: في قوله: فِي كُلِّ قَرْيَةٍ، ولِيَمْكُرُوا: نصب بلامِ الصيرورةِ والأكابر: جمع أكْبَر كما الأفاضلُ جمع أفْضَل، قال الفَخْر «٢» : وإنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: زاحَمَتْنا بَنُو عَبْدِ مُنافٍ في الشَّرَفِ، حَتّى إذا صِرْنا كَفَرَسَيْ رِهانٍ، قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ.

واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَتْبَعُهُ أوْ أنَّ يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ والمِيمُ تَعُودُ عَلى الأكابِرِ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُهم.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: تَعُودُ عَلى المُجادِلِينَ في تَحْرِيمِ المَيْتَةِ.

قالَ مُقاتِلٌ: والآَيَةُ: انْشِقاقُ القَمَرِ، والدُّخانُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ﴾ قالَ: حَتّى يُوحى إلَيْنا، ويَأْتِيَنا جِبْرِيلُ فَيُخْبِرُنا أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ.

قالَ الضَّحّاكُ: سَألَ كُلٌّ واحِدٌ مِنهم أنْ يَخْتَصَّ بِالرِّسالَةِ والوَحْيِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( الله أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ ) وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "رِسالَتَهُ" بِنَصْبِ التّاءِ عَلى التَّوْحِيدِ؛ والمَعْنى: أنَّهم لَيْسُوا لَها بِأهْلٍ، وذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةَ قالَ: واللَّهِ لَوْ كانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا لَكُنْتُ أوْلى بِها مِنكَ، لَأنِّي أكْبَرُ مِنكَ سِنًّا، وأكْثَرُ مِنكَ مالًا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ( الله أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ ) وقالَ أهْلُ المَعانِي: الأبْلَغُ في تَصْدِيقِ الرُّسُلِ أنْ لا يَكُونُوا قَبْلَ مَبْعَثِهِمْ مُطاعِينَ في قَوْمِهِمْ، لِأنَّ الطَّعْنَ كانَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ، فَيُقالُ: إنَّما كانُوا رُؤُوسًا فاتُّبِعُوا، فَكانَ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ جَعَلَ الرِّسالَةَ لَيَتِيمِ أبِي طالِبٍ، دُونَ أبِي جَهْلٍ، والوَلِيدِ، وأكابِرَ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّغارُ: أشَدُّ الذُّلِّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هم، وإنْ كانُوا أكابِرَ في الدُّنْيا، فَسَيُصِيبُهم صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ: صَغارٌ ثابِتٍ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.

وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَيُصِيبُهم عِنْدَ اللَّهِ صَغارٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: صَغارٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَحُذِفَتْ "مِن" .

وقالَ أبُو رَوْقٍ: صَغارٌ في الدُّنْيا، وعَذابٌ شَدِيدٌ في الآَخِرَةِ، <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهِ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ﴾ ﴿ فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدِ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلْ اللهُ الرِجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ آيَةُ ذَمٍّ لِلْكُفّارِ؛ وتَوَعُّدٍ لَهُمْ؛ يَقُولُ: "وَإذا جاءَتْهم عَلامَةٌ ودَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ الشَرْعِ تَشَطَّطُوا؛ وتَسَحَّبُوا؛ وقالُوا: إنَّما يُفْلَقُ لَنا البَحْرُ؛ إنَّما يُحْيى لَنا المَوْتى"؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَرَدَّ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ اللهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ﴾ ؛ أيْ: فِيمَنِ اصْطَفاهُ؛ وانْتَخَبَهُ؛ لا فِيمَن كَفَرَ؛ وجَعَلَ يَتَشَطَّطُ عَلى اللهِ تَعالى ؛ قالَ الزَجّاجُ: قالَ بَعْضُهُمْ: اَلْأبْلَغُ في تَصْدِيقِ الرُسُلِ ألّا يَكُونُوا قَبْلَ المَبْعَثِ مُطاعِينَ في قَوْمِهِمْ؛ و"أعْلَمُ"؛ مُعَلَّقُ العَمَلِ؛ والعامِلُ في "حَيْثُ"؛ فِعْلٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَعْلَمُ حَيْثُ...".

ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى بِأنَّ هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ الأكابِرَ في الدُنْيا سَيُصِيبُهم عِنْدَ اللهِ تَعالى صَغارٌ؛ وذِلَّةٌ؛ و"عِنْدَ اللهِ"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "سَيُصِيبُ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ "صَغارٌ"؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ؛ قالَ الزَجّاجُ: اَلتَّقْدِيرُ: صَغارٌ ثابِتٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ "صَغارٌ"؛ دُونَ تَقْدِيرِ: "ثابِتٌ"؛ ولا شَيْءٍ غَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ "وَمَن": أداةُ شَرْطٍ؛ و"يَشْرَحْ"؛ جَوابُ الشَرْطِ؛ والآيَةُ نَصٌّ في أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُرِيدُ هُدى المُؤْمِنِ؛ وضَلالَ الكافِرِ؛ وهَذا عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ السُنَّةِ بِالإرادَةِ القَدِيمَةِ؛ الَّتِي هي صِفَةُ ذاتِهِ - تَبارَكَ وتَعالى.

و"اَلْهُدى"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ هو خَلْقُ الإيمانِ في القَلْبِ؛ واخْتِراعُهُ؛ وشَرْحُ الصَدْرِ هو تَسْهِيلُ الإيمانِ؛ وتَحْبِيبُهُ؛ وإعْدادُ القَلْبِ لِقَبُولِهِ؛ وتَحْصِيلِهِ؛ و"اَلْهُدى"؛ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ؛ تَأْتِي بِمَعْنى: "اَلدُّعاءُ"؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ  ﴾ ؛ وتَأْتِي بِمَعْنى إرْشادِ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ؛ والطُرُقِ والأعْمالِ المُفْضِيَةِ إلَيْها؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ  ﴾ ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ  ﴾ ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ إلّا أنَّها في هَذِهِ الآيَةِ؛ وفي قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ  ﴾ ؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ  ﴾ ؛ ونَحْوِها؛ لا يُتَّجَهُ حَمْلُها إلّا عَلى خَلْقِ الإيمانِ واخْتِراعِهِ؛ إذِ الوُجُوهُ مِنَ الهُدى تَدْفَعُها قَرائِنُ الكَلامِ مِمّا قَبْلُ؛ وبَعْدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ ﴾ ؛ ألْفاظٌ مُسْتَعارَةٌ هَهُنا؛ إذِ الشَرْحُ: اَلتَّوْسِعَةُ؛ والبَسْطُ في الأجْسامِ؛ وإذا كانَ الجِرْمُ مَشْرُوحًا مُوَسَّعًا؛ كانَ مُعَدًّا لِيُحَلَّ فِيهِ؛ فَشَبَّهَ تَوْطِئَةَ القَلْبِ وتَنْوِيرَهُ؛ وإعْدادَهُ لِلْقَبُولِ؛ بِالشَرْحِ؛ والتَوْسِيعِ؛ وشَبَّهَ قَبُولَهُ وتَحْصِيلَهُ لِلْإيمانِ بِالحُلُولِ في الجِرْمِ المَشْرُوحِ؛ والصَدْرُ عِبارَةٌ عَنِ القَلْبِ؛ وهو المَقْصُودُ؛ إذِ الإيمانُ مِن خِصالِهِ؛ وكَذَلِكَ الإسْلامُ عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ؛ إذِ الإسْلامُ أعَمُّ مِنهُ؛ وإنَّما المَقْصُودُ هُنا الإيمانُ فَقَطْ؛ بِدَلِيلِ قَرِينَةِ الشَرْحِ والهُدى؛ ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالإسْلامِ؛ إذْ هو أعَمُّ؛ وأدْنى الهُدى حُبُّ الأعْمالِ؛ وامْتِثالُ العِباداتِ؛ وفي "يَشْرَحْ"؛ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الهُدى؛ قالَ: وعَوْدُهُ عَلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أبْيَنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والقَوْلُ بِأنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى المَهْدِيِّ قَوْلٌ يَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ مَذْهَبُ القَدَرِيَّةِ؛ في خَلْقِ الأفْعالِ؛ ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ ضَعْفُهُ؛ وأنَّ الضَمِيرَ إنَّما هو عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَإنَّ هَذا يُعَضِّدُهُ اللَفْظُ والمَعْنى: ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ يُشْرَحُ الصَدْرُ؟

قالَ: "إذا نَزَلَ النُورُ في القَلْبِ انْشَرَحَ لَهُ الصَدْرُ؛ وانْفَسَحَ"؛ قالُوا: وهَلْ لِذَلِكَ عَلامَةٌ يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "نَعَمٌ؛ الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ؛ والتَجافِي عن دارِ الغُرُورِ؛ والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الفَوْتِ".» والقَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَمَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ ﴾ ؛ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾ ؛ ألْفاظٌ مُسْتَعارَةٌ تُضادُّ شَرْحَ الصَدْرِ لِلْإسْلامِ؛ و"يَجْعَلْ" - في هَذا المَوْضِعِ - تَكُونُ بِمَعْنى: "يَحْكم لَهُ بِهَذا الحُكْمِ"؛ كَما تَقُولُ: "هَذا يَجْعَلُ البَصْرَةَ مِصْرًا"؛ أيْ: يَحْكُمُ لَها بِحُكْمِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا المَعْنى يَقْرُبُ مِن: "صَيَّرَ"؛ وحَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ؛ وقالَ أيْضًا: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "جَعَلَ"؛ بِمَعْنى "سَمّى"؛ كَما قالَ تَعالى ﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَحْمَنِ إناثًا  ﴾ ؛ أيْ: "سَمَّوْهُمْ"؛ قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا المَعْنى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الوَجْهُ يَضْعُفُ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ؛ والسَبْعَةُ - سِوى ابْنِ كَثِيرٍ -: "ضَيِّقًا"؛ بِكَسْرِ الياءِ؛ وتَشْدِيدِها؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "ضَيْقًا"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ في "اَلْفُرْقانِ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهُما بِمَنزِلَةِ: "اَلْمَيِّتُ"؛ و"اَلْمَيْتُ"؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وبِمَنزِلَةِ: "اَلْهَيِّنُ"؛ و"اَللَّيِّنُ"؛ و"اَلْهَيْنُ"؛ و"اَللَّيْنُ"؛ قالَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "اَلضَّيْقُ"؛ مَصْدَرًا؛ مِن قَوْلِكَ: "ضاقَ الأمْرُ؛ يَضِيقُ؛ ضَيْقًا؛ وضِيقًا"؛ وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: "اَلضِّيقُ"؛ بِشَدِّ الضادِ؛ وكَسْرِها: في الأجْرامِ؛ والمَعاشِ؛ و"اَلضَّيْقُ"؛ بِفَتْحِ الضادِ: في الأُمُورِ والمَعانِي.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "حَرَجًا"؛ بِفَتْحِ الراءِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "حَرِجًا"؛ بِكَسْرِها؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَمَن فَتَحَ الراءَ كانَ وصْفًا بِالمَصْدَرِ؛ كَما تَقُولُ: "رَجُلٌ قَمَنٌ بِكَذا"؛ و"حَرَيٌ بِكَذا"؛ و"دَنَفٌ"؛ ومَن كَسَرَ الراءَ فَهو كَـ "دَنِفٌ"؛ و"قَمِنٌ"؛ و"فَرِقٌ"؛ ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قَرَأها يَوْمًا بِفَتْحِ الراءِ؛ فَقَرَأها لَهُ بَعْضُ الصَحابَةِ بِكَسْرِ الراءِ؛ فَقالَ: "اُبْغُونِي رَجُلًا مِن كِنانَةَ ؛ ولْيَكُنْ راعِيًا مِن بَنِي مُدْلِجٍ"؛ فَلَمّا جاءَهُ قالَ لَهُ: "يا فَتى؛ ما الحَرَجَةُ عِنْدَكُمْ؟"؛ قالَ: اَلشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الأشْجارِ لا تَصِلُ إلَيْها راعِيَةٌ؛ ولا وحْشِيَّةٌ؛ قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "كَذَلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ؛ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَماءِ ﴾ ؛ أيْ: كَأنَّ هَذا الضَيِّقَ الصَدْرِ يُحاوِلُ الصُعُودَ في السَماءِ مَتى حاوَلَ الإيمانَ؛ أو فَكَّرَ فِيهِ؛ ويَجِدُ صُعُوبَتَهُ عَلَيْهِ كَصُعُوبَةِ الصُعُودِ في السَماءِ؛ قالَ بِهَذا التَأْوِيلِ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: اَلْمَعْنى: لا يَجِدُ مَسْلَكًا إلّا صَعَدًا مِن شِدَّةِ التَضايُقِ.

وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَصَّعَّدُ"؛ بِإدْغامِ التاءِ؛ مِن "يَتَصَعَّدُ"؛ في الصادِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "يَصّاعَدُ"؛ بِإدْغامِ التاءِ؛ مِن "يَتَصاعَدُ في السَماءِ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "يَصْعَدُ"؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ وابْنُ مُصَرِّفٍ: "يَتَصَعَّدُ"؛ بِزِيادَةِ تاءٍ.

و"فِي السَماءِ"؛ يُرِيدُ: مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ في الهَواءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُرِدِ السَماءَ المُظِلَّةَ بِعَيْنِها؛ وإنَّما هو كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: "والقَيْدُودُ: اَلطَّوِيلُ في غَيْرِ سَماءٍ"؛ يُرِيدُ: في غَيْرِ ارْتِفاعٍ صَعَدًا؛ قالَ: ومِن هَذا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَماءِ  ﴾ ؛ أيْ في جِهاتِ الجَوِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى غَيْرِ مَن تَأوَّلَ "تَقَلُّبَ الوَجْهِ"؛ أنَّهُ الدُعاءُ إلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ في الهِدايَةِ إلى قِبْلَةٍ؛ فَإنَّ مَعَ الدُعاءِ يَسْتَقِيمُ أنْ يُقَلِّبَ وجْهَهُ في السَماءِ المُظِلَّةِ؛ حَسَبَ عادَةِ الداعِينَ؛ إذْ قَدْ ألِفُوا مَجِيءَ النِعَمِ والآلاءِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ التَشْبِيهُ بِالصاعِدِ في عَقَبَةٍ كَؤُودٍ؛ كَأنَّهُ يَصْعَدُ بِها الهَواءَ؛ و"يَصْعَدُ"؛ مَعْناهُ: يَعْلُو؛ و"يَصَّعَّدُ"؛ مَعْناهُ: يَتَكَلَّفُ مِن ذَلِكَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ كَما تَصَعَّدَنِي خِطْبَةُ النِكاحِ"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ؛ و"يَصّاعَدُ"؛ في المَعْنى؛ مِثْلُ "يَصَّعَّدُ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ ﴾ ؛ أيْ: وكَما كانَ هَذا كُلُّهُ مِنَ الهُدى والضَلالِ بِإرادَةِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومَشِيئَتِهِ؛ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ؛ قالَ أهْلُ اللُغَةِ: اَلرِّجْسَ يَأْتِي بِمَعْنى العَذابِ؛ ويَأْتِي بِمَعْنى النَجَسِ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: اَلرِّجْسَ كُلُّ ما لا خَيْرَ فِيهِ؛ وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: اَلرِّجْسُ والنَجَسُ لُغَتانِ بِمَعْنًى؛ و"يَجْعَلْ" - في هَذا المَوْضِعِ - يَحْسُنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "يُلْقِي"؛ كَما تَقُولُ: "جَعَلْتُ مَتاعَكَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ"؛ وكَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا المَعْنى في "جَعَلَ"؛ حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ؛ ويَحْسُنُ أنَّ تَكُونَ "يَجْعَلْ" - في هَذِهِ الآيَةِ - بِمَعْنى: "يُصَيِّرْ"؛ ويَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي في ضِمْنِ ﴿ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ كَأنَّهُ قالَ - سُبْحانَهُ -: "قَرِينَ الَّذِينَ"؛ أو: "لَزِيمَ الَّذِينَ"؛ ونَحْوَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ الله ﴾ .

عطف على جملة: ﴿ جعلنا في كلّ قرية أكابر مجرميها ﴾ [الأنعام: 123] لأنّ هذا حديث عن شيء من أحوال أكابر مجرمي مكّة، وهم المقصود من التّشبيه في قوله: ﴿ وكذلك جعلنا في كلّ قرية أكابر مجرميها.

ومكّة هي المقصود من عموم كلّ قرية كما تقدّم، فالضّمير المنصوب في قوله: جاءتهم ﴾ عائدٌ إلى ﴿ أكابر مجرميها ﴾ [الأنعام: 123]، باعتبار الخاصّ المقصود من العموم، إذ ليس قولُ: ﴿ لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله ﴾ بمنسوب إلى جميع أكابر المجرمين من جميع القرى.

والمعنى: إذا جاءتهم آية من آيات القرآن، أي تُليت عليهم آية فيها دعوتهم إلى الإيمان.

فعبّر بالمجيء عن الإعلام بالآية أو تلاوتها تشبيها للإعلام بمجيء الدّاعي أو المرسل.

والمراد أنَّهم غير مقتنعين بمعجزة القرآن، وأنَّهم يطْلبون معجزات عَيْنية مثل معجزة موسى ومعجزة عيسى، وهذا في معنى قولهم: ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأوّلون ﴾ [الأنبياء: 5] لجهلهم بالحكمة الإلهيّة في تصريف المعجزات بما يناسب حال المرسل إليهم، كما حكى الله تعالى: ﴿ وقَالوا لولا أنزل عليه آيات من ربّه قل إنَّما الآيات عند الله وإنَّما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إنّ في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ﴾ [العنكبوت: 50، 51]؛ وقال النّبيء صلى الله عليه وسلم «ما من الأنبياء نبيء إلاّ أعطي من الآيات ما مِثْلُه آمنَ عليه البشر، وإنَّما كان الّذي أوتيتُ وحياً أوحى الله إليّ» الحديث.

وأطلق على إظهار المعجزة لديهم بالإيتاء في حكاية كلامهم إذ قيل: ﴿ حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله ﴾ لأنّ المعجزة لمّا كانت لإقناعهم بصدق الرّسول عليه الصّلاة والسلام أشبهت الشّيء المعطى لهم.

ومعنى: ﴿ مثل ما أوتى رسل الله ﴾ مثل ما أتَى اللَّهُ الرّسلَ من المعجزات الّتي أظهروها لأقوامهم.

فمرادهم الرّسل الّذين بَلغتهم أخبارهم.

وقيل: قائل ذلك فريق من كبراء المشركين بمكّة، قال الله تعالى: ﴿ بل يريد كل امرئ منهم أن يُؤتى صحفاً مُنَشَّرة ﴾ [المدثر: 52].

روي أنّ الوليد بن المغيرة، قال للنّبيء صلى الله عليه وسلم لو كانت النّبوءةُ لكنتُ أولى بها منكَ لأنّي أكبرُ منك سِنّا وأكثر مالاً وولداً؛ وأنّ أبا جهل قال: زاحمَنا (يعني بني مخزوم) بنو عبد مناف في الشّرف، حتّى إذا صرنا كفَرسَيْ رِهاننٍ قالوا: مِنّا نبيء يُوحى إليه، والله لا نرضى به ولا نتّبعه أبداً إلاّ أن يأتينا وحي كما يأتيه.

فكانت هذه الآية مشيرة إلى ما صدر من هذين، وعلى هذا يكون المراد حتّى يأتينا وَحْي كما يأتي الرّسلَ.

أو يكون المراد برسل الله جميع الرّسل، فعدلوا عن أن يقولوا مثل ما أوتي محمّد صلى الله عليه وسلم لأنّهم لا يؤمنون بأنّه يأتيه وحي.

ومعنى ﴿ نؤتى ﴾ على هذا الوجه نعطى مثل ما أعطي الرّسل، وهو الوحي.

أو أرادوا برسل الله محمّداً صلى الله عليه وسلم فعبّروا عنه بصيغة الجمع تعريضاً، كما يقال: إنّ ناساً يقولون كذا، والمراد شخص معيّن، ومنه قوله تعالى: ﴿ كذبت قوم نوح المرسلين ﴾ [الشعراء: 105] ونحوه، ويكون إطلاقهم عليه: ﴿ رسل الله ﴾ تهكّماً به صلى الله عليه وسلم كما حكاه الله عنهم في قوله: ﴿ وقالوا يأيُّها الذي نُزِّل عليه الذكر إنَّك لمجنون ﴾ [الحجر: 6] وقوله: ﴿ إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ [الشعراء: 27].

﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ .

اعتراض للردّ على قولهم: ﴿ حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله ﴾ على كلا الاحتمالين في تفسير قولهم ذلك.

فعلى الوَجه الأوّل: في معنى قولهم: ﴿ حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله ﴾ يكون قوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ ردّاً بأنّ الله أعلم بالمعجزات اللائقة بالقوم المرسَل إليهم؛ فتكون ﴿ حيث ﴾ مجازاً في المكان الاعتباري للمعجزة، وهم القوم الذين يُظهرها أحد منهم، جُعلوا كأنَّهم مكان لظهور المعجزة.

والرّسالات مطلقة على المعجزات لأنَّها شبيهة برسالة يرسلها الله إلى النّاس، وقريب من هذا قول علماء الكلام: وجهُ دلالة المعجزة على صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم أنّ المعجزة قائمة مقام قول الله: «صدق هذا الرسولُ فيما أخبر به عني» بأمارةِ أنِّي أخرق العادة دليلاً على تصديقه.

وعلى الوجه الثّاني: في معنى قولهم: ﴿ حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله ﴾ ، يكون قوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ ردّاً عليهم بأنّ الرّسالة لا تُعطى بسؤال سائِلها، مع التّعريض بأنّ أمثالهم ليسوا بأهل لها، فما صْدَقُ ﴿ حيث ﴾ الشّخصُ الّذي اصطفاه الله لرسالته.

و ﴿ حيث ﴾ هنا اسم دالّ على المكان مستعارة للمبعوث بالرّسالة، بناء على تشبيه الرّسالة بالوديعة الموضوعة بمكان أمانة، على طريقة الاستعارة المكنيّة.

وإثباتُ المكان تخييل، وهو استعارة أخرى مصرّحة بتشبيه الرّسل بمكان إقامة الرّسالة.

وليست ﴿ حيث ﴾ هنا ظرفاً بل هي اسم للمكان مجرّد عن الظرفية، لأنّ ﴿ حيث ﴾ ظرف متصرّف، على رأي المحقّقين من النّحاة، فهي هنا في محلّ نصب بنزع الخافض وهو الباء، لأن ﴿ أعلم ﴾ اسم تفضيل لا ينصب المفعول، وذلك كقوله تعالى: ﴿ إنّ ربّك هو أعلم من يضلّ عن سبيله ﴾ [الأنعام: 117] كما تقدّم آنفاً.

وجملة ﴿ يجعل رسالته ﴾ صفة ل ﴿ حيث ﴾ إذا كانت ﴿ حيث ﴾ مجرّدة عن الظرفية.

ويتعيّن أن يكون رابط جملة الصّفة بالموصوف محذوفاً، والتّقدير: حيث يجعل فيه رسالاته.

وقد أفادت الآية: أنّ الرّسالة ليست ممّا يُنال بالأماني ولا بالتشهّي، ولكن الله يعلم مَن يصلح لها ومن لا يصلح، ولو علم من يصلح لها وأراد إرساله لأرسله، فإنّ النّفوس متفاوتة في قبول الفيض الإلهي والاستعداد له والطّاقة على الاضطلاع بحمله، فلا تصلح للرّسالة إلاّ نفس خُلقت قريبة من النّفوس الملكيّة، بعيدة عن رذائل الحيوانية، سليمة من الأدواء القلبية.

فالآية دالّة على أنّ الرّسول يُخلق خِلقة مناسبة لمراد الله من إرساله، والله حين خلقه عالم بأنّه سَيرسله، وقد يخلق الله نفوساً صالحة للرّسالة ولا تكون حكمةٌ في إرسال أربابها، فالاستعداد مهيِّيء لاصطفاء الله تعالى، وليس موجِبا له، وذلك معنى قول بعض المتكلّمين: إنّ الاستعداد الذّاتي ليس بموجب للرّسالة خلافاً للفلاسفة، ولعلّ مراد الفلاسفة لا يبعد عن مراد المتكلّمين.

وقد أشار ابنُ سينا في «الإشارات» إلى شيء من هذا في النّمط التّاسع.

وفي قوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ بيان لعظيم مقدار النبي صلى الله عليه وسلم وتنبيه لانحطاط نفوس سادة المشركين عن نوال مرتبة النّبوءة وانعدام استعدادهم، كما قيل في المثل «ليس بعُشِّككِ فادْرُجي».

وقرأ الجمهور: ﴿ رسالاته ﴾ بالجمع وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم بالإفراد ولمّا كان المراد الجنس استوى الجمع والمفرد.

﴿ سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ الله وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ ﴾ .

استئناف ناشئ عن قوله: ﴿ ليمكروا فيها ﴾ [الأنعام: 123] وهو وعيد لهم على مكرهم وقولهم: ﴿ لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله ﴾ .

فالمراد بالّذين أجرموا أكابر المجرمين من المشركين بمكّة بقرينة قوله: ﴿ بما كانوا يمكرون ﴾ فإنّ صفة المكر أثبتت لأكابر المجرمين في الآية السّابقة، وذكرهم ب ﴿ الّذين أجرموا ﴾ إظهار في مقام الإضمار لأنّ مقتضى الظاهر أنّ يقال: سيصيبهم صغار، وإنَّما خولف مقتضى الظاهر للإتيان بالموصول حتّى يوميء إلى علّة بناء الخبر على الصّلة، أي إنَّما أصابهم صغار وعذاب لإجرامهم.

والصّغَار بفتح الصّاد الذلّ، وهو مشتقّ من الصِّغَر، وهو القماءة ونقصان الشيء عن مقدار أمثاله.

وقد جعل الله عقابهم ذلاّ وعذاباً: ليناسب كِبْرهم وعُتُوّهم وعصيانهم الله تعالى.

والصّغار والعذاب يحصلان لهم في الدّنيا بالهزيمة وزوال السّيادة وعذاب القتل والأسر والخوف، قال تعالى: ﴿ قُل هل تربصون بنا إلاّ إحدى الحسنيين ونحن نتربّص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ﴾ [التوبة: 52] وقد حصل الأمران يوم بدر ويوم أحُد، فهلكت سادة المشركين، وفي الآخرة بإهانتهم بين أهل المحشر، وعذابهم في جهنم.

ومعنى ﴿ عند الله ﴾ أنَّه صغار مقدّر عند الله، فهو صغار ثابت محقّق، لأنّ الشّيء الّذي يجعله الله تعالى يحصل أثره عند النّاس كلّهم، لأنَّه تكوين لا يفارق صاحبه، كما ورد في الحديث: " إنّ الله إذا أحبّ عبداً أمر جبريل فأحبّه ثمّ أمر الملائكة فأحبّوه ثمّ يوضع له القبول عند أهل الأرض " فلا حاجة إلى تقدير (مِنْ) في قوله: ﴿ عند الله ﴾ ، ولا إلى جعل العندية بمعنى الحصول في الآخرة كما درج عليه كثير من المفسّرين.

والباء في: ﴿ بما كانوا يمكرون ﴾ سببيّة.

و(ما) مصدريّة: أي بسبب مكرهم، أي فعلهم المكر، أو موصولة: أي بسبب الّذي كانوا يمكرونه، على أنّ المراد بالمكر الاسم، فيقدر عائدٌ منصوبٌ هو مفعول به محذوف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ ﴾ يَعْنِي عَلامَةً تَدُلُّ عَلى صِدْقِ النَّبِيِّ  وصِحَّةِ رِسالَتِهِ.

﴿ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَنْ نُؤْمِنَ بِالآيَةِ.

والثّانِي: لَنْ نُؤْمِنَ بِالنَّبِيِّ  .

﴿ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ مِنَ الكَرامَةِ.

الثّانِي: مِثْلَ ما أُوتُوا مِنَ النُّبُوَّةِ.

﴿ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ﴾ قَصَدَ بِذَلِكَ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: تَفَرُّدُ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِ المَصْلَحَةِ فِيمَن يَسْتَحِقُّ الرِّسالَةَ.

والثّانِي: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في سُؤالِ ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ، والمَنعُ مِمّا لا يَجُوزُ أنْ يَسْألُوهُ.

﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ الصَّغارُ: الذُّلُّ سُمِّيَ صَغارًا لِأنَّهُ يَصْغُرُ إلى الإنْسانِ نَفْسَهُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَحَذَفَ (مِن) إيجازًا.

والثّانِي: أنَّ أنَفَتَهم مِنِ اتِّباعِ الحَقِّ صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وذُلٌّ إنْ كانَ عِنْدَهم تَكَبُّرًا وعِزًّا، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: صَغارٌ في الآخِرَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج ﴿ وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتيَ رسل الله ﴾ وذلك أنهم قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه من الحق: لو كان هذا حقاً لكان فينا من هو أحق أن يأتي به من محمد ﴿ وقالوا: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [ الزخرف: 31] .

أما قوله تعالى: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته ﴾ .

أخرج أحمد عن ابن مسعود قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي حسن قال: أبصر رجل ابن عباس وهو يدخل من باب المسجد، فلما نظر إليه راعه فقال: من هذا؟

قالوا: ابن عباس ابن عم رسول الله.

قال: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ سيصيب الذين أجرموا ﴾ قال: أشركوا ﴿ صغار ﴾ قال: هوان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ صغار ﴾ قال: ذلة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ بما كانوا يمكرون ﴾ قال: بدين الله ونبيه وعباده المؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ﴾ الآية، قد ذكرنا قول مقاتل في سبب نزول هذه الآية، وقال غيره من المفسرين: (إن الوليد بن المغيرة قال: والله لو كانت النبوة حقًّا، لكنت أولى بها منك؛ لأني أكبر منك سنًا وأكثر منك مالاً، فأنزل الله هذه الآية) (١) ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً  ﴾ (٢) ﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ﴾ تعود على الأكابر (٣)  .

وقال ابن عباس: ( ﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ ﴾ يريد: من علم الغيب الذي أطلع الله نبيه عليه مما يخبرهم به ﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ ﴾ لن نصدق ﴿ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ﴾ يريد: حتى يوحي إلينا ويأتينا جبريل فنصدق) (٤) ﴿ أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا  ﴾ ، وكما قالوا: ﴿ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ  ﴾ .

والأول أقوى (٥) ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ يعني: أنهم ليسوا لها بأهل، وعلى قول ابن عباس يتوجه هذا على أن (٦) ومعنى قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ هو أعلم بمن يختص بالرسالة، قال أبو علي: (لا يجوز أن يكون العامل في ﴿ حَيْثُ ﴾ ﴿ أَعْلَمُ ﴾ هذه الظاهرة، ولا يجوز أن يكون ﴿ حَيْثُ ﴾ ظرفًا؛ لأنه يصير التقدير: الله أعلم في هذا الموضع، ولا يوصف الله سبحانه بأنه أعلم في مواضع أو أوقات؛ لأنه علمه لا يختلف بالزمان والمكان، فإذا كان كذلك كان العامل في ﴿ حَيْثُ ﴾ فعلًا يدل عليه ﴿ أَعْلَمُ ﴾ و ﴿ حَيْثُ ﴾ لا يكون ظرفاً بل يكون اسمًا، ويكون انتصابه انتصاب المفعول به [على الاتساع، ومثل ذلك في انتصاب ﴿ حَيْثُ ﴾ على المفعول به] (٧) وَحَلأها (٨) (٩) فحيث مفعول به؛ لأنه ليس يريد: أنه يرمي شيئًا حيث (١٠) (١١) وقال الحكماء: (الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل مبعثهم مطاعين في قومهم؛ لأن الطعن كان يتسع عليهم، فيقال: إنما كانوا أكابر رؤساء فاتبعوا، فكان الله تعالى أعلم حيث جعل الرسالة ليتيم أبي طالب دون أبي جهل والوليد بن المغيرة، وأكابر مكة) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ، الصغار (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) [قال أبو إسحاق] (١٨) ﴿ عِنْدَ ﴾ متصلة بـ ﴿ سَيُصِيبُ ﴾ ، المعنى: سيصيبهم عند الله صغار، قال وجائز أن يكون ﴿ عِنْدَ ﴾ متصلة بصغار فيكون المعنى: سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت عند الله لهم) (١٩) قال أبو علي: (يحتمل أن يكون ﴿ عِندَ ﴾ متصلة بـ ﴿ سَيُصِيبُ ﴾ ومعمولًا له، كما قال (٢٠) (٢١) ﴿ عِندَ ﴾ معمولًا لصغار، والعامل فيه صغار نفسه؛ لأنه مصدر فلا يحتاج إلى تقدير محذوف في الكلام كما قدّره أبو إسحاق في قوله: صغار ثابت عند الله، لكن نفس المصدر يتناوله ويعمل فيه، والدليل على أن الصغار مصدر قوله: وإذا تكُونُ (٢٢) هَذَا لَعَمْرِكُمْ الضغَارُ بَعَيْنِهِ ...

لا أُمَّ لي إِنْ كَانَ ذاكَ ولا أبُ (٢٣) (٢٤) (٢٥) ﴿ دُعَاءِ الْخَيْرِ  ﴾ و ﴿بِسُؤَالِ (٢٦) ﴿ عِندَ ﴾ معمولًا لصغارِ ولكن يكون متعلقَّا بمحذوف، ولابد على هذا من تقدير ثابت ونحوه مما يكون صفة ثم حذف وأقيم الظرف مقامه للدلالة عليه، وهذا كقولك وأنت تريد الصفة: هذا رجل خلفك، فالمعنى: رجل ثابت أو مستقر خلفك، وكلا الوجهين جائز، ولا يجوز على واحد منهما تقديم ﴿ عِندَ ﴾ على ﴿ صَغَارٌ ﴾ كما جاز تقدير تقديمه إذا كان معمولًا لسيصيب، إلا أن الوجه الأول من هذين الوجهين أعجب إليّ، وإن كان الثاني حسنًا؛ لأن صغارًا مصدر، والمصادر تعمل أعمال الفعل وتقوم مقامه، فإذا أعملت عمل الفعل وقامت مقامه، لم يحسن وصفه كما لا يحسن وصف الفعل) (٢٧) (١) ذكره أكثرهم.

انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 588، والسمرقندي 1/ 511 ، والثعلبى 183 ب، والبغوي 3/ 185، والرازي 13/ 175، والقرطبي 7/ 80.

(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 113 ، وابن الجوزي في "تفسيره" 13/ 175.= والرازي 13/ 143.

(٣) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 288 - 289، و"تفسير الرازي" 13/ 175.

(٤) "تنوير المقباس" 2/ 58، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 114، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 118، والرازي 13/ 175، والخازن 2/ 180.

(٥) وهو اختيار القرطبي في "تفسيره" 7/ 80، وقال الرازي في "تفسيره" 13/ 176: (القول الأول هو المشهور، وقال المحققون: هو أقوى وأولى) اهـ.

ملخصًا.

(٦) لفظ: (أن) ساقط من (أ).

(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

(٨) في النسخ: (وجلاهما)، وهو خلاف ما في المراجع الآتية.

(٩) "ديوانه" ص 65، و"المعاني الكبير" 2/ 783، و"جمهرة أشعار العرب" 2/ 828، و"البحر" 4/ 216، و"الدر المصون" 5/ 137.

وحلأها، أي: منع الحُمر من الماء.

انظر: "اللسان" 2/ 382 (حلا).

وذو الأراكة: اسم مكان، وهو نخل وماء باليمامة.

انظر: "معجم البلدان" 1/ 135.

وعامر أخو الخضر، اسم وكنية لرام من أمهر الرماة وقانص مشهور يقال له: الرامي.

والخضر: بضم الخاء وسكون الضاد هم ولد مالك بن مطرف المحاربي، سموا بذلك لشدة سمرتهم.

انظر: "الإصابة" 2/ 261.

والنواحز: الإبل المصابة بالنحاز، وهو داء من عوارضه سعال شديد، وعلاجه الكي في الرقاب والأجناب.

انظر: "اللسان" 7/ 4366 (نحز).

(١٠) في (أ): (حيث يكون تكوى)، وهو تحريف.

(١١) انظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 35، 3/ 244، و"كتاب الشعر" 1/ 178، و"التبيان" 357، و"الفريد" 2/ 225، و"الدر المصون" 5/ 137.

(١٢) هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 289، وحكاه الواحدي في "الوسيط" 1/ 114، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 118، و"الخازن" 2/ 180، عن أهل المعاني.

(١٣) انظر: "الجمهرة" 2/ 739، و"البارع" ص 293، و"الصحاح" 2/ 713، و"المجمل" 2/ 534، و"المفردات" ص 485 (صغر).

(١٤) صَغُر: بفتح الصاد، وضم الغين، يَصْغُر: بضم الغين.

صِغَرًا: بكسر الصاد، وفتح العين.

انظر: "العين" 4/ 372.

(١٥) صَغِر: بفتح الصاد وكسر الغين.

يَصْغَر: بفتح الغَين.

وصَغِر: بفتح الصاد وكسر الغين.

يصغرُ: بضم الغين.

صُغْرًا: بالفتح.

وصغارًا: بالفتح.

(١٦) يقال: صغر يصغر: بضم الغين.

صغرًا: بضم الصاد وسكون الغين، ويقال: صَغر يصغَر: بفتح الغين.

صِغْرًا: بكسر الصاد، وسكون الغين.

ويقال: صَغُر: بضم الغين وفتحها، من الذل.

انظر: "اللسان" 4/ 2453 (صغر)، و"الدر السمين" 5/ 140.

(١٧) "تهذيب اللغة" 8/ 23 - 24، وفيه قال الليث: (يقال: صَغر يَصْغَر صَغَرًا وصَغَارًا، فهو صاغر، إذا رضي بالضيم وأقرَّ به.

ويقال: من الصغر ضد الكبر.

صَغُر يَصْغُر صِغَرًا، وأما الصَّغَار فهو مصدر الصغير في القدر) اهـ.

(١٨) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(١٩) "معاني الزجاج" 2/ 289.

(٢٠) قوله: (كما قال) يريد الزجاج، في تقديره السابق.

(٢١) لفظ: (كأنه) ساقط من (ش).

(٢٢) في (ش): (يكون).

(٢٣) البيتان مختلف في نسبتهما وهما في: "اللسان" 2/ 1069.

(حيس) لهنى بن أحمر الكناني أو لزرافة الباهلي أو لغيرهما كما في "شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 921، وهما بلا نسبة في "معاني الفراء" 1/ 121 - 122، والأول في "الأضداد" لابن الأنباري ص 120.

والشاهد في: البيت الأخير وهو: لرجل من بني مذحج في "الكتاب" 2/ 291 - 292، و"الأصول" 1/ 386، ولهنى الكناني في "الكتاب" 1/ 319، وبلا نسبة في: "معاني الأخفش" 1/ 25، و"المقتضب" 4/ 371، و"الجمل" للزجاجي ص 239، و"الحجة" لأبي علي 1/ 190، و"معاني الحروف" للرماني ص 82، و"اللمع" ص 99، و"رصف المباني" ص 338، و"المغني" 2/ 593.

والحَيْسُ، بفتح الحاء وسكون الياء: الأقط يخلط بالتمر والسمن.

(٢٤) في (أ): (لأن الفعل يعمل نفسه يعمل فيه)، وهو تحريف.

(٢٥) في (أ): (عمروًا).

(٢٦) في النسخ: (وسؤال)، وهو تحريف.

(٢٧) "الإغفال" ص 965 - 698، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 353، و"معاني النحاس" 2/ 484، و"الفريد" 2/ 225، و"الدر المصون" 5/ 140.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

[الإسراء: 90] الآية: قائل هذه المقالة أبو جهل، وقيل الوليد بن المغيره، لأنه قال: أنا أولى بالنبوة من محمد ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ رد عليهم فيما طلبوه، والمعنى أن الله علم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رد عليهم فيما طلبوه، والمعنى أن الله علم أن محمداً صلى الله عليه وسلم أهل للرسالة، فخصه بها، وعلم أنهم ليسوا بأهل لها فحرمهم إياها، وفي الآية من أدوات البيان الترديد لكونه ختم كلامهم باسم الله ثم رده في أول كلامه ﴿ صَغَارٌ ﴾ أي ذلة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ رسالته ﴾ بالنصب والتوحيد: ابن كثير وحفص والمفضل.

الباقون: ﴿ رسالاته ﴾ على الجمع وبالكسر في موضع النصب ﴿ ضيقا ﴾ وبابه بالتخفيف: ابن كثير ﴿ حرجاً ﴾ بكسر الراء: أبو جعفر ونافع وسهل وأبو بكر وحماد.

الباقون: بالفتح ﴿ يصعد ﴾ من الصعود: ابن كثير ﴿ يصاعد ﴾ من التصاعد بإدغام التاء في الصاد: أبو بكر وحماد.

الباقون: ﴿ يصعد ﴾ بالإدغام من التصعيد.

﴿ يحشرهم ﴾ بياء الغيبة: حفص.

الآخرون بالنون.

الوقوف: ﴿ بخارج منها ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ رسل الله ﴾ ط ﴿ رسالاته ﴾ ط ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ للإسلام ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف.

﴿ في السماء ﴾ ج ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مستقيماً ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ج للحذف أي يحشرهم ويقول لهم مع اتحاد المقصود ﴿ من الإنس ﴾ الأول ج لتبدل القائل مع اتفاق الجملتين ﴿ أجلت لنا ﴾ ط قال النار يغلظ الصوت على النار إشارة إلى أن النار مبتدأ بعد القول وليست فاعله ﴿ يشاء الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يومكم هذا ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد أن ذكر أن المشركين يجادلون المؤمنين ضرب مثلاً للفريقين فبيّن أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتاً فجعله الله حياً وأعطاه نوراً يهتدي به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في الظلمات منغمس فيها لا خلاص له منها فيكون متحيراً على الدوام، وهل هما خاصان أو عامان فيه قولان: الأول قال ابن عباس: يريد حمزة بن عبد المطلب وأبا جهل؛ وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وآله بفرث وحمزة ولم يؤمن بعد، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه ويقول: يا أبا يعلي أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا؟

فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله فنزلت الآية.

وعن مقاتل: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وأبي جهل؛ وذلك أنه قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه.

والله لا نؤمن به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت، وعن عكرمة أنها في عمار بن ياسر وأبي جهل، وعن الضحاك هي في عمر بن الخطاب وأبي جهل.

والقول الثاني أنها عامة في كل مؤمن وكافر لحصول المعنى في الكل.

وإنما جعل الكفر موتاً لأنه جهل والجهل يوجب الحيرة والوقفة فهو كالموت الذي يوجب السكون.

وأيضاً الميت لا يهتدي إلى شيء وكذلك الجاهل، والهدى علم وبصيرة وهما يوجبان الفوز بالمطالب كالحياة والنور، قال بعض العلماء: قوله: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ إشارة إلى أول مراتب النفس الإنسانية وهي الاستعداد المحض المسماة بالعقل الهيولاني عند الحكيم.

وقوله: ﴿ فأحييناه ﴾ إشارة إلى ثانية مراتبها المسماة بالعقل بالملكة وهي أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية.

وقوله ﴿ وجعلنا له نوراً ﴾ إشارة إلى ثالثة المراتب وهي التي قد حصلت لها المعقولات المكتسبة ولكنها لا تكون حاضرة بالفعل بل تكون بحيث متى شاء صاحبها استرجاعها واستحضارها قدر عليه ولهذا يسمى عقلاً بالفعل أي الفعل القريب، وقوله: ﴿ يمشي به في الناس ﴾ إشارة إلى رابعة المراتب وهي النهاية المسماة بالعقل المستفاد، وقد حصلت المعارف القدسية والجلايا الروحانية للنفس حاضرة بالفعل وصار جوهر الروح مشرقاً بتلك المعارف مستضيئاً بها.ويمكن أن يقال: الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح، والنور عبارة عن اتصال نور الوحي والتنزيل فإنه لا بد في الإبصار من أمرين: سلامة الحاسة والنور الخارجي من الشمس والسراج، فكذلك البصيرة لا بد لها في الإدراك من سلامة حاسة العقل ومن طلوع نور الوحي فلهذا قال جمع من المفسرين: المراد بهذا النور القرآن، ومنهم من قال: نور الدين أو نور الحكمة.

والأقوال متقاربة، وأما مثل الكافر فهو ﴿ كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ﴾ وفيه أن ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت كالصفة اللازمة له لا تكاد تزول عنه فيبقى متحيراً خائفاً فزعاً نعوذ بالله من هذه الحالة.

ومعنى المثل ههنا الصفة الغريبة أي كمن صفته هذه والمراد كمن هو في الظلمات.

ثم قال: ﴿ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ﴾ والمزين هو الله بالتحقيق عند الأشاعرة.

والشيطان بالحقيقة أو الله مجازاً عند المعتزلة، والإضافة إلى الله بالحقيقة أو المجاز أولى بدليل قوله: ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها كذلك جعلنا، أو وكما زينا للكافرين أعمالهم كذلك جعلنا ﴿ في كل قرية أكابر ﴾ وهي جمع الأكبر و ﴿ مجرميها ﴾ مضاف إليه والظرف مفعول ثانٍ قدم ليعود الضمير إلى القرية.

وقيل: التقدير جعلنا مجرميها أكابر.

قال الزجاج: إنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم، ولأن كثرة المال وقوّة الجاه تحمل الناس على المبالغة في حفظهما وذلك لا يتم إلا باستعمال بعض الأخلاق الذميمة من المكر والغدر والكذب والغيبة والنميمة والشح والأيمان الكاذبة وكفى بهذه الأمور دليلاً على خساسة المال والجاه.

واللام في ﴿ ليمكروا ﴾ على أصله عند الأشاعرة، واستدلوا به على أن الشر بإرادة الله  .

وحمله المعتزلة على لام العاقبة مجازاً حملوا الجعل في قوله: ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ على التخلية والخذلان.

ثم قال في معرض التهديد ﴿ وما يمكرون إلا بأنفسهم ﴾ لأن وباله يعود عليهم ﴿ وما يشعرون ﴾ وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتقديم موعد بالنصرة، ثم إنه  حكى قول أبي جهل وأضرابه "زاحمنا بني عبد مناف في الشرف إلى آخره" وقول الوليد بن المغيرة "لو كانت النبوّة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً" فقال: ﴿ وإذا جاءتهم آية ﴾ أي معجزة قاهرة أو وحي.

﴿ قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ﴾ قال الضحاك: أراد كل واحد منهم ذلك كما في الآية الأخرى.

﴿ بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة  ﴾ ويشبه أن يكون هذا الكلام الخبيث هو المراد بالمكر المذكور في الآية المتقدمة، وللمفسرين في مقترحهم قولان: أحدهما - وهو الأشهر - أنهم أرادوا أن تحصل لهم النبوُّة والرسالة كما حصلت للنبي  وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ومخدومين لا خادمين.

وثانيهما عن ابن عباس والحسن أن المعنى وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وآله ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ إلى قوله: ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه  ﴾ من الله  إلى أبي جهل وفلان وفلان فالقوم ما طلبوا النبوّة وإنما طلبوا آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين تدل على صحة نبوّة محمد  .

فقوله  في جوابهم على سبيل الاستئناف ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ على القول الأول ظاهر، وأما على القول الثاني فوجهه أن القوم إذا اقترحوا تلك الآيات فلو أظهر الله  تلك المعجزات على وفق التماسهم لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة.

قال بعض العقلاء: الأرواح متساوية في تمام الماهية فحصول النبوّة والرسالة لبعضها دون بعض تشريف من الله  وإحسان وتفضل.

وقال آخرون: بل النفوس مختلفة بجواهرها وماهياتها فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة، وبعضها خبيثة كدرة محبة للجسمانيات، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول لم تصلح لقبول الوحي والرسالة.

ومراتب الرسل مختلفة فمنهم ذو معجزة واحدة وذو معجزتين أو أكثر، ومنهم من له تبع قليل ومنهم من آمن به جم غفير، ومنهم من كان الرفق غالباً عليه ومنهم من كان مدار أمره على التغليظ والتشديد.

وفي الآية تعريض بأن حصول النبوّة والرسالة لا بد فيه من قلب سليم، والمقترحون فيهم من المكر والحسد ما فيهم فكيف يعقل حصول الرسالة لهم وإنما يحصل لهم ما يناسب أخلاقهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى: ﴿ سيصيب الذين أجرموا صغار ﴾ ذل وهوان ﴿ عند الله ﴾ أي في الآخرة أو في الدنيا بحكم الله وإيجابه من الأسر والقتل.

أو المراد من عند الله فحذف "من".

أو قوله: ﴿ عند الله ﴾ مستأنف أي معدّ لهم ذلك، واعلم أن كمال العقاب لا بد فيه من أمرين: الضرر، والإهانة.

ثم إن القوم لما تردوا عن طاعة محمد صلى الله عليه وآله طلباً للعز والكرامة فالله  بيّن أنه يقابلهم بضد مقصودهم، فأول ما يوصل إليهم الذل والهوان وبعده عذاب شديد جميع ذلك بسبب مكرهم ونكرهم ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ﴾ يقال: شرح فلان أمره، إذا أظهره وأوضحه ومنه شرح المسأله إذا بينها.

وقال الليث: شرح الله صدره فانشرح أي وسعه لقبول ذلك الأثر.

ولا شك أن توسيع الصدر غير ممكن على سبيل الحقيقة ولكن ههنا معنى وهو أنه إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح مال طبعه إلي وقوي طلبه ورغبته في حصوله وظهر في القلب استعداد شديد لتحصيله فسميت هذه الحالة سعة الصدر، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن يكون ذلك العمل مشتملاً على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى تركه وحصل في النفس نبوّة عن قبوله فيقال لهذه الحال ضيق الصدر، لأن المكان إذا كان ضيقاً لم يتمكن الداخل من الدخول فيه، وإذا كان واسعاً قدر على الدخول فيه.

وأكثر استعمال شرح الصدر في جانب الحق والإسلام وقد ورد في الكفر أيضاً قال  : ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً  ﴾ قال المفسرون: "لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله  فقيل له: كيف يشرح الله صدره؟

فقال صلى الله عليه وآله: يقذف الله  فيه نوراً حتى ينفسخ وينشرح، فقيل له: وهل لذلك من أمارة يعرف بها؟

فقال  : الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله " وهذا البيان مناسب لما ذكرنا فإن الإنابة إلى دار الخلود لا بد أن تترتب على اعتقاد أن عمل الآخرة زائد النفع والخير، والتجافي عن دار الغرور إنما ينبعث عن اعتقاد كون عمل الدنيا زائد الضر والضير، والاستعداد للموت قبل نزوله نتيجة مجموع الأمرين الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة.

أما قوله: ﴿ حرجاً ﴾ فمن قرأ بكسر الراء فعلى النعت، ومن قرأ بالفتح فعلى الوصف بالمصدر للمبالغة.

قال الزجاج: الحرج في اللغة أضيق الضيق.

وقيل: الحرج بالفتح جمع حرجة وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية.

حكى الواحدي بإسناده عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وقال: هل ههنا أحد من بني بكر؟

قال رجل: نعم.

قال: ما الحرجة فيكم؟

قال: الوادي الكثير الأشجار المشتبك الذي لا طريق فيه.

فقال: كذلك قلب الكافر.

ومعنى: ﴿ يصعد في السماء ﴾ كأنما يزاول أمراً غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد عن الاستطاعة فكأن الكافر في نفوره من الإسلام وثقله عليه بمنزلة من يتكلف الصعود إلى السماء.

وقيل: المراد أن قلبه يتباعد عن الإسلام وقبوله تباعد ما بين الأرض والسماء.

﴿ كذلك يجعل ﴾ أي كما جعل ضيق الصدر في قلوبهم كذلك يجعل الرجس عليهم.

وقال الزجاج: أي مثل ما قصصنا عليك يجعل الله الرجس.

عن ابن عباس هو الشيطان يسلطه الله عليهم.

وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه.

وعن عطاء: الرجس هو العذاب.

وقال الزجاج: هو اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الهداية والضلال من الله  ؛ بيانه أن العبد قادرعلى الإيمان وعلى الكفر وقدرته بالنسبة إلى الأمرين سواء ولا يترجح إلا لداعية، ولا معنى للداعية إلى علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملاً على مصلحة زائدة، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل، ولا بد أن تنتهي تلك الداعية إلى تخليق الله وتكوينه دفعاً للتسلسل فإذا خلق الله  في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة - وهو المراد بشرح الصدر - مال القلب إليه، وإذا خلق في قلبه اعتقاد أن الإيمان بمحمد سبب للمفسدة الدينية والدنيوية نبا طبعه عنه وبقي على الكفر.

فحاصل الآية أن من أراد الله منه الإيمان قوى دواعيه إليه، ومن أراد منه الكفر قوى صوارفه عن الإيمان.

وقالت المعتزلة: إنه لا دلالة في الآية على قولكم لأنه ليس فيها أكثر من أنه إذا أراد أن يهدي إنساناً أو يضله فعل به كيت وكيت، وليس فيها أنه أراد ذلك أو لم يرده نظيره قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا  ﴾ فبيّن أنه كيف يفعل اللهو لو أراده، ثمّ إنه لم يرد ذلك بالاتفاق وأيضاً لم قلتم إنه أراد ومن يرد أن يضله عن الإيمان بل المراد من يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة يشرح صدره للإسلام حتى يثبت عليه، وتفسير الشرح هو أنه يفعل به ألطافاً تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه.

ومن يرد أن يضله عن طريق الجنة فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج لا في كل الأوقات بل في بعضها كيلا يمكن دفعه وخصوصاً عند ظهور نصرة المؤمنين وبدوّ الذل والصغار في الكافرين.

وأيضاً لم لا يجوز أن يقال: المعنى فمن يرد الله أن يهديه إلى الجنة يشرح صدره للإسلام في ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة لما رأى من فوائد الإيمان ونتائجه من الدرجات العالية والمراتب الشريفة فتزداد رغبته فيه، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق الجنة ففي ذلك الوقت يضيق صدره للحزن الشديد الذي ناله عند الحرمان من الجنّة والدخول في النار؟

وقال في الكشاف: ﴿ فمن يرد الله أن يهديه ﴾ أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف ﴿ يشرح صدره ﴾ للإسلام يلطف به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ أي يخذله ويخليه وشأنه وهو الذي لا لطف له ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ يمنعه ألطافه حتى يقسو قلبه وينبو عن قبول الحق وينسد فلا يدخله الإيمان.

وأجيب عن قولهم "ليس في الآية أنه أراد ذلك أو لم يرده" بأن قوله في آخر الآية: ﴿ كذلك يجعل الله الرجس ﴾ تصريح بأنه فعل به ذلك الإضلال لأن الكاف للتشبيه والتقدير: كما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره كذلك يجعل.

وفيه أيضاً دلالة على أن المراد من قوله: ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ هو أنه يضله عن الدين، وتفسير الضيق والحرج باستيلاء الغم والحزن على قلب الكافر بعيد لأن أكثر من يعتريه الحزن في الدنيا هو المؤمن ولهذا قال صلى الله عليه وعلى آله: "خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل" ولو خص ذلك بالآخرة كان من إيضاح الواضحات.

فمن المعلوم لكل أحد أن من يضله الله عن طريق الجنة فإنه يضيق قلبه في ذلك الوقت.

والجواب على قول صاحب الكشاف مما مر من أن فعل الإيمان يتوقف على أن تحصل في القلب داعية جازمة إلى الإيمان، وفاعل تلك الداعية هو الله  وكذا القول في جانب الكفر، فإن سمى الداعيتين أحد باللطف والخذلان فلا مشاحة في الأسامي.

قال القاضي في تفسيره: روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: تذاكرنا أمر القدرية عند ابن عمر فقال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ وقد جمع الناس بحيث يسمع الكل أين خصماء الله؟

فتقوم القدرية.

قال: ولا يخفى أنهم الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله قضاءً وقدراً وخلقاً لأنهم يقولون الذنب لله فأي ذنب لنا حتى تعاقبنا أنت الذي خلقته فينا وأردته منا وقضيته علينا ولم تخلقنا إلا له ولا يسرت لنا غيره، فهؤلاء لا بد أن يكونوا خصماء الله.

أما الذين قالوا إن الله  مكن وأزاح العلة وإنما أتى العبد من قبل نفسه فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة، فهؤلاء منقادون لله  لا خصماؤه.

هذا كلام القاضي وتعجب منه الأشاعرة فقالوا: كيف يكون خصم الله من يقول ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه وإن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب وليس للعبد على ربه اعتراض ولا مناظرة وكل ما يصل منه إلى عباده حتى الملائكة والأنبياء فهو تفضل منه وإحسان، لكن الخصم من يدعي عليه وجوب الثواب والعوض ويقول لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولاً عن الربوبية وكنت من السفهاء وأن من واظب على الكفر سبعين سنة ثم إنه في آخر زمن حياته قال لا إله إلا الله محمد رسول الله عن القلب ثم مات، فإن رب العالمين أعطاه النعم الفائقة سنين غير محصورة، ثم إنه لو ترك لحظة واحدة قال العبد له إنك معزول عن الإلهية، يحكى أن الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله، عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن أبا علي عقد مجلس التذكير وحضر عنده جم غفير، فذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس مختفياً عن الجبائي وقال لبعض من حضر هناك من العجائز: إني أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ.

قولي له كان لي ثلاثة من البنين واحد في غاية الزهد، وآخر في غاية الفسق، الثالث كان صبياً لم يبلغ فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم.

فقال الجبائي: أما الزاهد ففي درجات الجنة، وأما الكافر ففي دركات النار، وأما الصبي فمن أهل السلامة.

فقال: قولي له إن الصبي لوأراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه الزاهد فهل يمكن منه؟

قال الجبائي: لا لأن الله  يقول له إنما أخوك وصل إلى تلك الدرجات لأنه أتعب نفسه في العلم والعمل وأنت فليس معك ذلك.

فقال أبو الحسن: قولي له لو أن الصبي يقول: يا رب العالمين ليس الذنب لي لأنك أمتني قبل بلوغي، ولو أبلغتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد، فقال الجبائي: يقول الله  له علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوجب النار فراعيت مصلحتك.

فقال لها أبو الحسن.

قولي له لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار وقال: يا رب العالمين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم الراحمين، لم راعيت حال الأخ الصغير وما راعيت حالي ومصلحتي؟

قال الراوي: فانقطع الجبائي فنظر فرأى أبا الحسن فعلم أن المسألة منه لا من العجوز.

ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار وأكثر مجيباً عن الجبائي قائلاً: نحن لا نرضى بهذا الجواب وإنما نقول: الجواب مبني على مسألة اختلف شيوخنا فيها، وهي أنه هل يجب على الله  أن يكلف العبد أم لا؟

فقال البصريون: إنه غير واجب ولكنه تفضل وإحسان.

وقال البغداديون: إنه واجب وعلى الأول لله  أن يقول لذلك الصبي إني طولت عمر الأخ الزاهد وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلاً على أحد بشيء أن أتفضل على غيره بمثله، وعلى قول البغداديين فله أن يقول: إن إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف في حقه لم يستلزم مفسدة الغير فلا جرم فعلته، أما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك فكان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك فلهذا ما فعلته وظهر الفرق.

وأورد على القسم الأول أنه  لما أوصل التفضل إلى أحدهما فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح منه عقلاً لأنه ليس فعلاً شاقاً عليه ولا ينقص بذلك شيء من ملكه، والصبي محتاج إلى الإحسان إليه ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد كمن منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجواد لعامة الناس.

فإن كان حكم العقل في التحسين والتقبيح مقبولاً فليكن ههنا أيضاً مقبولاً وإلا فلا يقبل في شيء من الصور وتبطل كلية مذهبكم.

وأورد على الشق الثاني أن قولنا: "تكليفه يتضمن مفسدة" ليس معناه أن ذات التكليف تتضمن المفسدة وإلا لم ينفك تكليف عن المفسدة وأنه باطل بالاتفاق، فمعناه إذاً أنه  علم أنه إذا كلف هذا الشخص فإن إنساناً آخر يختار من قبل نفسه فعلاً قبيحاً، فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله  تكليفه وجب أن يقبح تكليف كل من علم الله من حاله أنه يكفر وإلا لزم محض التحكم.

هذا تمام مناظرة الفريقين، ولعلك قد عرفت التحقيق هنا فيما سلف فتذكر.

ثم قال: ﴿ وهذا صراط ربك ﴾ في المشار إليه وجوه منها: أنه المذكور في الآية المتقدمة.

أما على مذهب الأشاعرة وهو أن الفعل يتوقف على الداعي وحصول تلك الداعية من الله  فيكون الفعل من الله، ويلزم استناد الكل إلى قضائه وقدره.

وأما على مذهب المعتزلة فالمراد هذا الذي قررنا طريقته التي اقتضتها الحكمة وعادته الجارية في عباده من التوفيق والخذلان.

ومعنى ﴿ مستقيماً ﴾ عادلاً مطرداً.

وانتصابه على الحال المؤكدة والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل.

أو هو محذوف أي أحقه.

وعن ابن عباس: يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك.

وقال ابن مسعود: يعني القرآن: ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ ذكرناها فصلاً فصلاً بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر.

قال في التفسير الكبير: قد بيّن الله تعالى صحة القول بالقضاء والقدر في آيات من هذه السورة متوالية متعاقبة بطرق كثيرة ووجوه مختلفة.

وختم الآية بقوله: ﴿ لقوم يذكرون ﴾ لأنه تقرر في عقل كل واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجح عن الآخر إلا لمرجح فكأنه يقول للمعتزلي: تذكر ما تقرر في عقلك أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا لمرجح حتى تزول الشبهة عن قلبك فإن حصول الفعل عن القادر لو لم يتوقف على الداعي مع تساوي طرفيه وجب أن يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات والمحدثات وحينئذٍ يلزم نفس الصانع وإبطال القول والفعل والفاعل والتأثير والمؤثر.

ثم لما بيّن عظمة نعمته في الصراط المستقيم بيّن ما أعد وهيىء للمتذكرين فقال: ﴿ لهم دار السلام ﴾ أي دار الله يعني الجنة، والإضافة للتشريف والتعظيم كما قيل: الكعبة بيت الله: أو دار السلامة من كل آفة وكرب والسلام والسلامة مثل: الضلال والضلالة والرضاع والرضاعة كلاهما مصدر.

وقيل: السلام جمع السلامة لأن أنواع السلامة حاصلة في الجنة.

ومعنى ﴿ عند ربهم ﴾ أنها معدة عنده وفي ضمانه كما يقال لفلان عندي حق لا ينسى وذلك نهاية في بيان وصولهم إليها وكونهم على ثقة من حصولها ﴿ وهو وليهم ﴾ أي قريب منهم بالرحمة والرضوان أو مواليهم ومحبهم أو ناصرهم على أعدائهم، وذلك أن القوم قد عرفوا أن المدبر والمقدر ليس إلا هو  ، وأن النافع والضار ليس إلا هو  ، فانقطعوا عن كل ما سواه فما كان رجوعهم إلا إليه، وما كان توكلهم إلا عليه، ولم يكن أنسهم إلا به، فلما صاروا بالكلية له لا جرم قال  : ﴿ وهو وليهم ﴾ على أنه متكفل لجميع مصالحهم ديناً ودنيا.

ثم قال: ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ أي بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون لئلا يقطعوا العمل ولا يتكلوا، وذلك أن بين النفس والبدن تعلقاً شديداً وكما أن الهيآت النفسانية قد تؤثر في البدن كحمرة الخجل وصفرة الوجل فالهيآت البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس، فإذا واظب الإنسان على أعمال الخير ظهرت الآثار المناسبة لها في جوهر النفس فلا بد للسالك من العمل بعد كمال العلم والمعرفة.

ثم لما بين حال من تمسك بالصراط المستقيم أردفها بذكر من تعلق بضده فقال: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ والمراد واذكر يوم كذا، أو يوم نحشرهم قلنا، أو متعلقة محذوف والتقدير: ويوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن كان ما لا يوصف لفظاعته، والضمير إما أن يعود إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله: ﴿ شياطين الإنس والجن ﴾ أو يعود إلى جميع المكلفين الذين علموا أن الله  يبعثهم من الثقلين وغيرهم، ويكون القائل على تقدير حذف القول هو الله  كما أنه الحاشر لجميعهم.

وهذا القول منه  بعد الحشر لا يكون إلا للتبكيت وإنهم وإن تمردوا في الدنيا انتهى حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد والاعتراف.

وقال الزجاج: التقدير فيقال لهم: ﴿ يا معشر الجن ﴾ لأنه يبعد أن يتكلم الله  بنفسه مع الكفار لقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله  ﴾ ﴿ قد استكثرتم من الإنس ﴾ لا بد فيه من إضمار لأن الجن أي الشياطين لا يقدرون على الاستكثار من نفس الإنس، فالمراد قد استكثرتم من إضلال الإنس واستتباعهم فحشر معكم منهم الجم الغفير كما يقال: استكثر الأمير من الجنود.

أما قوله: ﴿ وقال أولياؤهم من الإنس ﴾ فالأقرب عند بعضهم أن فيه حذفاً فكما قال للجن تبكيتاً ناسب أن يقول للإنس أيضاً مثل ذلك توبيخاً لأنه حصل من الجن الدعاء ومن الإنس القبول.

ولما بكت الله كلا الفريقين حكى جواب الإنس وهو قوله: ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن وعلى هذا ففي الاستمتاع وجهان: أحدهما أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض منفرداً وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.

فيبيت آمناً في نفسه.

فهذا استمتاع الإنس بالجن، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني كان ذلك تعظيماً منهم للجن؛ وذلك الجني يقول: قد سدت الجن والإنس لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه.

وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج ويعضده قوله  : ﴿ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن  ﴾ وثاني الوجهين أن الإنس كانوا ينقادون للجن ويطيعون حكمهم فصار الجن كالرؤساء والإنس كالأتباع فانتفعوا بالإنس انتفاع الرئيس بالخادم، وأما انتفاع الإنس بالجن فهو أن دلوهم على الشهوات واللذات إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي أيقنوا أنه يسوء عاقبتهم وهذا اختيار الزجاج.

والقول الثاني أن البعضين كليهما من الإنس لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر ﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ أي ذلك الاستمتاع كان حاصلاً إلى وقت محدود ثم جاءت الحسرة والندامة من حيث لا ينفع.

وما ذلك الإجل؟

قيل: هو وقت الموت وعلى هذا فكل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله لأنهم أقروا بأنهم بلغوا أجلهم وفيهم المقتول وغير المقتول.

وقيل: هو وقت التخلية والتمكين وقيل: وقت المحاسبة في القيامة ﴿ قال ﴾ الله  في جوابهم ﴿ النار مثواكم ﴾ مقامكم ومقرّكم من ثوى بالمكان يثوي ثوياً إذا أقام به.

قال أبو علي الفارسي: المثوى اسم للمصدر دون المكان لأن قوله  : ﴿ خالدين فيها ﴾ حال واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل فالمعنى النار أهل أن يقيموا فيها خالدين.

﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قيل: المراد منه أوقات المحاسبة ووقت كونهم في المحشر كأنه قيل: خالدين فيها منذ يبعثون إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم.

وقال ابن عباس: استثنى الله قوماً سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وآله.

وعلى هذا يلزم أن يكون "ما" بمعنى "من" وفيه خلل آخر وهو أن الاستثناء إنما هو من يوم القيامة الذي يحشرون فيه، وقيل: المراد الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير.

روي أنهم يدخلون وادياً فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد الشديد إلى حر الجحيم.

وقال في الكشاف: أو يكون هذا من قول الموتور الذي ظفر بواتره ولم يزل يحرق عليه أنيابه وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه أهلكني الله، إن نفست عنك إلا إذا شئت، فيكون قوله: "إلا إذا شئت" من أشد الوعيد مع تهكم لأن إطماع محض ويأس كلي.

وقال أبو مسلم: هذا الاستثناء غير راجع إلى الخلود وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم كأنهم قالوا: وبلغنا أجلنا الذي سميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى يعني الآجال الاخترامية ﴿ إن ربك حكيم ﴾ فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة.

﴿ عليم ﴾ بما يستأهله كل طائفة فكأنه  يقول: إنما حكمت لهؤلاء بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون ذلك.

ثم لما حكى عن الجن أن بعضهم يتولى بعضاً بين أن ذلك إنما حصل بتقديره وقضائه فقال: ﴿ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً ﴾ وذلك أن القدرة صالحة للعداوة والصداقة فترجيح أحد الجانبين لا يكون إلا بداعية خلقها الله قطعاً للتسلسل، وأيضاً لما بين أنه  ولي أهل الجنة بقوله: ﴿ هو وليهم ﴾ ذكر أن أولياء أهل النار من يشبههم في الظلم والخزي والنكال وأشار إليه بقوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ أي بسبب كون ذلك البعض مكتسباً للظلم وهذه في مناسبة في غاية اللطف لأن الجنسية علة الضم فالطيبات للطيبين والخبيثات للخبيثين.

وفي الآية دلالة على أن الرعية متى كانوا ظلمة فإن الله  يسلط عليهم ظالماً مثلهم، فإن أرادوا الخلاص منه فليتركوا الظلم وعن مالك بن دينار قال: جاء في بعض الكتب السموية "أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليهم رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليهم نقمة، لا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك لكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم".

ثم بيّن أن كفار الثقلين لا يكون لهم إلى الجحود يوم القيامة سبيل وأنهم لا يعذبون إلا بالحجة فقال: ﴿ يا معشر الجن والإنس ﴾ قال أهل اللغة: المعشر كل جماعة مختلطة يجمعهم أمير واحد ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ استفهام على سبيل التقدير فلا جرم استدل الضحاك بالآية ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير  ﴾ على أن من الجن رسلاً كالإنس، ولأن استئناس الجنس بالجنس أكمل ولهذا قال  : ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً  ﴾ والأكثرون على أنه ما كان من الجن رسول ألبتة إنما كانت الرسل من بني آدم وزعموا أن ذلك مجمع عليه.

ورد بأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف؟

واستدل بعضهم على المطلوب بقوله  : ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين  ﴾ والمراد بالاصطفاء ههنا النبوّة بالإجماع.

وأجيب عن قول الضحاك بأن الآية تقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضاً من أبعاض هذا المجموع فكان هذا القدر كافياً في حمل اللفظ على ظاهره فلا يلزم إثبات رسول من الجن.

وأيضاً لا يبعد أن يقال: إن الرسل كانوا من الإنس، ثم كان من الجن نفر يستمعون من رسول الإنس وينذرون قومهم بذلك قال: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن  ﴾ الآية.

وقد يسمى رسول الرسول رسولاً كما أنه  سمى رسل عيسى رسل نفسه فقال: ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين  ﴾ ثم إنه  يكون قد بكت كفار الثقلين بهذه الآية لأنه أزال العذر وأزاح العلة بسبب أنه أرسل الرسل إليهم فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق فقد حصل المقصود.

وقال الواحدي: أراد رسل من أحدكم وهو الإنس كقوله: ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ  ﴾ أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب.

وعن الكلبي كانت الرسل قبل أن يبعث محمد يبعثون إلى الإنس ورسول الله صلى الله عليه وآله بعث إلى الجن والإنس.

أما قوله: ﴿ يقصون عليكم آياتي ﴾ فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتأويل وبالتلاوة ﴿ وينذرونكم لقاء يومكم هذا ﴾ يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا بداً من الاعتراف فلذلك ﴿ قالوا شهدنا على أنفسنا ﴾ والسبب في أنهم أقروا في هذه الآية وجحدوا في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ هو أنهم مختلفو الأحوال في يوم القيامة مضطربون؛ فتارة يقرّون وأخرى يجحدون.

ومنهم من حمل هذه الشهادة على شهادة الجوارح عليهم.

ثم أخبر الله  عن حالهم في الدنيا بقوله: ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ وعن حالهم في الآخرة بقوله: ﴿ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ﴾ والمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجر أمثالهم في الدنيا عن الكفر والمعصية.

وقد يستدل بالآية على أن لا وجوب قبل ورود الشرع وإلا لم يكن لهذا التوبيخ والتبكيت فائدة.

التأويل: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ في حالة العدم ﴿ فأحييناه ﴾ بالحياة الحقيقية أي بالحي الذي لا يموت ﴿ وجعلنا له ﴾ نور الوجود الحقيقي الذي ﴿ يمشي به في الناس ﴾ وبه يسمع وبه يبصر ﴿ كمن هو ﴾ محبوس ﴿ في ظلمات ﴾ الطبيعة ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية ﴾ أي كل قالب ﴿ أكابر مجرميها ﴾ من النفس والهوى والشيطان ﴿ ليمكروا فيها ﴾ بمخالفات الشرع وموافقات الطبع.

﴿ ما أوتي رسل الله ﴾ من القلب والسر والروح.

﴿ يشرح صدره ﴾ أي ينظر إلى قلبه بنظر العناية فينوّره بنور جماله وهو نور الإيمان، فيشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام.

وهذا النور يقبل الزيادة والاشتداد إلى أن يصير الإيمان إيقاناً والإيقان عياناً والعيان عيناً.

﴿ ضيقاً ﴾ لتزاحم ظلمات صفات البشرية ﴿ حرجاً ﴾ لتعلقاته بالدنيا وشهواتها ﴿ كأنما يصعد في السماء ﴾ لأنه سفلي بالطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر.

﴿ وهذا ﴾ الذي بينا من الهداية والضلالة ﴿ صراط ربك ﴾ باللطف والقهر فبجذبات اللطف يهدي السعيد وبسطوات القهر يضل الشقي.

﴿ لهم دار السلام ﴾ أي السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج عن ظلمات الاثنينية.

﴿ ويوم يحشرهم ﴾ في موقف القالب البشري بالحكمة البالغة والقدرة الكاملة ﴿ يا معشر الجن ﴾ أي الصفات الشيطانية ﴿ قد استكثرتم من الإنس ﴾ أي غلبتم على الصفات الإنسانية ﴿ وقال أولياؤهم من الإنس ﴾ يعني النفس الأمارة ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ واستمتاع النفس الأمارة بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره على تحصيل شهواتها ولذاتها العاجلة وحظوظها، واستمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائها كما استعان بحواء على إغواء آدم.

﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ يعني أن مدة الاستمتاع وما جرى بيننا إنما كان بمقتضى قضائك وقدرك فأجابهم بأن الثوى في النار أيضاً بقضاء الله ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فيتوب عليهم ﴿ إن ربك حكيم ﴾ في تقدير الاستمتاع ﴿ عليم ﴾ بأهل الجنة وبأهل النار، ﴿ وكذلك ﴾ أي كما جعلنا مردة الجن والإنس بعضهم أولياء بعض فكذلك نجعل بعض الظالمين أولياء بعض بما كانوا يكسبون من إفساد الاستعداد الفطري ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ يعني الإلهامات الربانية.

وشهدوا على أنفسهم أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا صدأ مرآة قلوبهم ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى  ﴾ وما التوفيق إلا منه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ﴾ .

يشبه [أن يكون المثل الذي ضرب الله للمؤمن والكافر في الآية أن من كان في ظلمات البطن لا يبصر ولا يسمع ولا يعقل شيئاً]، ثم أخرج من ذلك؛ فأبصر وسمع وعقل كمن ترك في تلك الظلمات ولم يخرج منها لا يبصر، ولا [يسمع] ولا يعقل، يقول - والله أعلم -: لا يستوي من أخرج من ظلمات البطن بعد ما كان لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل، ولا يفهم، ثم أبصر وسمع وعقل - والذي ترك في تلك الظلمات على الحال التي كان كما هو: لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل؛ فعلى ذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق ويسمع ويعقل كل خير ويعلمه، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس [بنوره] وله أصحاب يدعون الناس إلى الهدى والخير - والكافر: الذي لا يبصر الخير ولا يسمع ولا يعقل، وليس له أصحاب يدعونه إلى الهدى والخيرات، أي: ليس هذا الذي يبصر ويسمع ويعقل كالذي لا يبصر ولا يسمع ولا يعقل.

وجائز أن يكون المثل الذي ضرب [الله]: أن يكون المؤمن والكافر جميعاً حيين في الجوهر، لكن المؤمن اكتسب ما به يحيا أبداً من العلم، والقرآن، والإيمان.

والكافر لم يكتسب من ذلك شيئاً؛ فهو كالميت الذي لا يبصر ولا يسمع الحق ولا يعقل.

ويحتمل هذا المثل وجهاً آخر، وهو أن المؤمن يكتسب في الدنيا الخيرات، والأعمال الصالحة، ويكون له نور في الآخرة بالأعمال التي اكتسب في الدنيا، ويمشي بنور ذلك فيما بين الناس في الآخرة، وأما الكافر فإنه لم يكتسب من ذلك شيئاً؛ فيبقى في الظلمات، كقوله: ﴿ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ ﴾ : والمعتزلة يقولون: [هم] جعلوا لأنفسهم نوراً يمشون [به] في الناس، وقد أخبر أنه هو الذي يجعل لهم ذلك النور؛ فذلك تحريف منهم ظاهر للقرآن.

وكذلك قوله: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ : وهم يقولون: هو قدير على بعض الأشياء.

وقال: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ : وهم يقولون: [هو] خالق بعض الأشياء.

وقال: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ  ﴾ وهم يقولون: يشاء ألا يفعلوا ما فعلوا، ولكن فعلوا غير ما شاء الله.

وكذلك [قوله]: ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً  ﴾ : وهم يقولون: لم يجعل لكل نبي عدوّا وهم جعلوا أنفسهم لهم أعداء.

وكذلك قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ : وهم يقولون: جعل الأكابر فيها؛ لئلا يمكروا فيها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

اختلف [فيه]: قال بعضهم: كما زينا للمؤمنين عبادة الله كذلك زينا للكافرين عبادة الله، لكنهم عاندوا وصرفوا العبادة إلى غير الله، وهو تأويل المعتزلة.

وقال قائلون: زين لهم أعمالهم التي يعملونها.

ثم اختلف في الذي زينها: قال الحسن: زين الشيطان أعمالهم [لهم].

وقال غيره: زينها الأكابر على الأصاغر.

وقال قائلون: زينها الله، ولكن ما أضيف إلى الشيطان من التزيين والإضلال إنما يضاف إلى ما يدعوهم ويحثهم على ذلك ويوحي إليهم، وما يضاف إلى الأكابر: القول والدعاء إلى ذلك، وما يضاف إلى الله من: التزيين، والإضلال، والإزاغة، وغير ذلك يضاف للخلق، أي: خلق منهم: فعل الضلال، وفعل التزيين، وفعل الزيغ، يضاف إلى الله خلقاً، وإلى الشيطان والأكابر: دعاء ووحياً وإلقاء، على هذا يخرج جميع الإضافات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا ﴾ .

أي: جعل في كل قرية من أهل الكفر أكابر مجرميها، وعظماءها، كما جعل في قريتك أكابر مجرميها؛ يصبر رسوله  على ذلك ليعلم أنه ليس بمخصوص هو بهذا دون غيره من الأنبياء.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا ﴾ ، وقد ذكرنا أقاويلهم في قوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً  ﴾ ، ثم قوله: ﴿ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ .

قالت المعتزلة: لم يجعل الأكابر فيها ليمكروا فيها؛ ولكن لما وسع الدنيا وبسطها عليهم مكروا فيها، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ  ﴾ : لا يجوز أن يخلقهم [لجهنم]؛ [ولكن لما عملوا أعمال الكفر والضلال صاروا لجهنم].

وقالوا: هو على الإضمار؛ كأنه قال: كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها لئلا يمكروا [فيها]، لكنهم مكروا فيها لما ذكرنا.

لكن قوله: ﴿ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ ليكون أدعى وأظهر للحجج؛ لأنه لو كان بعث الرسل أكابر لكان الناس يتبعون الأكابر وإن لم يأتوا بالحجج وغيرهم لا يتبعون إلا بالحجج والآيات.

ومنهم من يقطع قوله: ﴿ لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ عن قوله: ﴿ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ ﴾ ، يقول: معناه: وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، ثم قال: ﴿ لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ ، أي: ما جعل ذلك لهم ليمكروا.

ومنهم من يقول: هو إخبار [عمَّا] إليه صار أمرهم؛ كقوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ : وهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزناً؛ إنما التقطوه ليكون لهم وليّاً، لكنه لما صار في العاقبة عدوا لهم أخبر عما آل إليه أمره؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ : أخبر عما إليه صاروا في المكر.

وعندنا: لا يخلو هذا إما أن يقال: إنه يخلقهم لغير المكر والضلال، وهو يعلم [أنهم] لا يكونون لما يخلقهم؛ فذلك ليس فعل حكيم: أن يعمل عملا يعلم أنه لا يكون، نحو: من يبني بناء يعلم أنه لا يسكن، أو يقصد قصد موضع يعلم أنه لا يصل إليه؛ فهو بالقصد عابث ليس بحكيم؛ فعلى ذلك الله -  - لا يجوز أن يخلقهم للهدى والعبادة له مع علمه أنهم لا يكونون لما يخلقهم، أو أن يخلقهم لذلك وهو لا يعلم أنهم يكونون كذلك؛ فهو جهل بالعواقب؛ فالله يتعالى عن ذلك؛ فدل أنه خلقهم ليكونوا على ما علم أنهم يكونون ويختارون ذلك.

وقوله: ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ : كان عند الله أنهم يلتقطونه ليكون لهم عدوّاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .

أي: ما يشعرون أن عاقبة مكرهم ترجع إليهم أو واقع فيهم.

وأصله أن الله -  - جعلهم وخلقهم على ما علم منهم أنهم يختارون ويكون منهم ذلك.

وقوله: ﴿ وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ ﴾ .

يخبر - عز وجل - عن غاية سفههم وتعنتهم وأنهم على علم يعاندون ويتكبرون على رسول الله [لأنهم علموا أن ما نزل على رسول الله آية، وأنه رسول حيث قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله وعلموا أن الرسالة لا تجعل إلا في المعظم عند الله والمفضل لديه حيث تمنوا أنهم لا يؤمنون حتى يؤتوا من الآيات مثل ما أوتي رسل الله] ولو لم يكن كذلك لم يكونوا يتمنون إيتاء ما أوتي الرسل، وعلموا أن هذا القرآن الذي أنزل على محمد  آية وحجة، وأنه من عند الله نزل؛ حيث قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ، وعلموا - أيضاً - أن الرسالة لا تجعل إلا في عظماء من البشر وكبرائهم؛ حيث قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ لكنهم ظنوا أنها إنما تجعل في العظماء الذين هم عند الخلق عظماء؛ فقال الله -  -: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ فتناقضت أقاويلهم وحجاجهم بما ذكرنا من إقرارهم بالرسل والآيات، وتفضيلهم على غيرهم من البشر ثم قال: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ .

جملة جواب ما قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ على أن يقال: إنكم عرفتم أن الله عالم قادر؛ فهو أعلم حيث يجعل رسالته.

ثم اختلف في قوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ : قال بعضهم: جعل الرسالة في أوساط الناس أظهر للحجج وأبين من جعلها في أكابر الناس وعظمائهم في الدنياوية؛ لأن الناس مجبولون على اتباع الأكابر والأعاظم؛ فلو جعلت الرسالة فيهم لكانت الحجج لا تظهر؛ لأنهم جبلوا على اتباعهم، وأما أوساط الناس في الدنياوية: إذا جعلت فيهم الرسالة لظهرت الحجج والبراهين؛ لأنهم لم يجبلوا على اتباع الأوساط من الناس؛ فكان اتباعهم للحجج والبراهين.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ \[أي لا تجعل الرسالة فيمن يضيِّع وليس هو بأهل لها ولا موضعها؛ لأنه لو جعل لكان في ذلك تضييع الرسالة\].

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

أخبر أن من تكبر على رسول الله وعانده لم يكن له عند الله: صغار، ومذلة، وعذاب شديد؛ بصنيعهم الذي صنعوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ ﴾ .

قيل: "سئل رسول الله  عن هذه الآية؛ فقال: نورٌ يُقذف فيه؛ فقالوا: وهل لذلك [من] علامة قال: نعم، إذا دخل النورُ في القلب انشرحَ وانفسح؛ قالوا يا رسول الله، وهل لذلك [من] علامة يعرف بها؟

قال: نعم، الإنابةٌ إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعدادُ للموت قبل نزول الموت" ؛ فلو ثبت هذا عن رسول الله  وكان هذا انشراح الصدر للإسلام فقليلا ما يوجد على هذا الوصف، إلا أن يريد به: الاعتقاد واليقين بما ذكر.

ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: الإرادة صفة [فعل] كل فاعل يفعل على الاختيار؛ كأنه قال: فمن يهد الله يشرح صدره للإسلام، ومن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجا.

وقال فريق من المعتزلة من نحو جعفر بن حرب والكعبي وهؤلاء: تأويله: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ ﴾ ، أي: من قَبِلَ هداية الله في الابتداء شرح الله صدره بعد ذلك بخيرات؛ ثواباً لما قبل من الهداية، ومن ترك قبول هداية الله في الابتداء عاقبه الله بضيق صدره؛ عقوبة له في ترك قبول الهداية؛ إذ لله أن يهدي الخلق كلهم وأن يشرح صدرهم للإسلام، لكنهم لم يهتدوا.

وقال فريق منهم: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ ﴾ طريق الجنة في الآخرة شرح صدره في الدنيا للإسلام، ومن يرد الله أن يضله طريق الجنة في الآخرة جعل صدره في الدنيا ضيقاً حرجاً؛ فيقال لهم: كذلك هو - كما يقولون - قد قلتم: إنه أراد أن يضلهم، ثم يقال لهم: تقولون إنه أراد أن يهدي الخلق كلهم ويشرح صدرهم للإسلام، ثم تقولون: إنه يضل طريق الجنة في الآخرة؛ فهذا على زعمكم جور؛ لأنه أراد في الدنيا أن يهديهم ويريد في الآخرة - أيضاً - لهم أن يضلهم عن طريق الجنة لأولئك بعينهم فذا جور على قولكم.

وظاهر الآية يرد قولهم وينقض مذهبهم؛ لأنه قال: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ...

﴾ جعلهم على صنفين: صنف أراد منهم أن يهديهم، وصنف أراد أن يضلهم: من علم منه أنه يختار الهدى ويقبله أراد أن يهديه ويشرح صدره للإسلام، ومن علم منه أنه يختار الضلال أراد أن يضله ويجعل صدره ضيقاً حرجاً، ولا يجوز أن يريد هو ممن يعلم منه أنه يختار الضلال وعداوته الولاية منه؛ لأن ذلك من الضعف: من أراد عداوته وهو يريد ولايته، أو يريد منه غير الذي علم كونه منه واختاره.

والمعتزلة يقولون: قد أراد أن يهدي الكل لكنهم أرادوا ألا يهتدوا فلم يهتدوا، غلبت إرادتهم إرادة الله -  - فذلك وحش من القول سمج؛ فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الحق، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ضَيِّقاً حَرَجاً ﴾ .

قيل: الحرج ضيق الضيق، وهو شدة الضيق: وصف قلب المؤمن بالسعة والفسح، ووصف [قلب] الكافر بالضيق والحرج، وليس قلب هذا في رأي العين أوسع من قلب الآخر، لكنه - والله أعلم - وصف قلب المؤمن بالسعة؛ لما انتفع بقلبه في الدنيا والآخرة، والكافر لم ينتفع بقلبه؛ فوصفه بالضيق والحرج، وهو كما وصف الكافر بالصمم والبكم والخرس؛ لما لم ينتفع بهذه الحواس، وكذلك سماه ميتاً؛ لما لم ينتفع بحياته، وسمى المؤمن حيّاً؛ لما انتفع بحياته؛ فعلى ذلك هذا: وصف الكافر بضيق الصدر؛ لما لم ينتفع به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قيل: كالمتكلف للصعود إلى السماء لا يقدر عليه.

وقيل: ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ : كأنما يشق عليه الصعود.

وروي عن عمر -  - أنه قال: ما تصعد في شيء ما تصعده في الخطبة، أي ما يشق عليَّ شيء ما شق عليَّ الخطبة.

وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

اختلف في الرجس قيل: الرجس: الإثم، أي: كما جعل قلوبهم ضيقة حرجة بكفرهم كذلك يجعل في قلوبهم الإثم.

وقيل: الرجس: اللعن والغضب، أي: جعل في قلوبهم اللعن والغضب؛ دليله قوله: ﴿ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا جاءت كُبراءَ الكفار آيةٌ من الآيات التي ينزلها الله على نبيه، قالوا: لن نؤمن حتى يعطينا الله مثل ما أعطى الأنبياء من النبوة والرسالة، فردَّ الله عليهم بأنه أعلم بمن هو صالح للرسالة والقيام بأعبائها، فيختصه بالنبوة والرسالة.

سينال هؤلاء الطغاة ذلٌّ وإهانة لتكبُّرهم عن الحق، وعذاب شديد بسبب مكرهم.

من فوائد الآيات الأصل في الأشياء والأطعمة الإباحة، وأنه إذا لم يرد الشرع بتحريم شيء منها فإنه باق على الإباحة.

كل من تكلم في الدين بما لا يعلمه، أو دعا الناس إلى شيء لا يعلم أنه حق أو باطل، فهو معتدٍ ظالم لنفسه وللناس، وكذلك كل من أفتى وليس هو بكفء للإفتاء.

منفعة المؤمن ليست مقتصرة على نفسه، بل مُتَعدِّية لغيره من الناس.

<div class="verse-tafsir" id="91.rJeda"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر