الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٢٩ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 80 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢٩ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال سعيد ، عن قتادة في تفسيرها : وإنما يولي الله الناس بأعمالهم ، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان ، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان ، ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي .
واختاره ابن جرير .
وقال معمر ، عن قتادة في تفسيرها : ( نولي بعض الظالمين بعضا ) في النار ، يتبع بعضهم بعضا .
وقال مالك بن دينار : قرأت في الزبور : إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين ، ثم أنتقم من المنافقين جميعا ، وذلك في كتاب الله قوله تعالى ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ) .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ) قال : ظالمي الجن وظالمي الإنس ، وقرأ : ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ) [ الزخرف : 36 ] ، قال : ونسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس .
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الباقي بن أحمد ، من طريق سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي ، عن حماد بن سلمة ، عن عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود مرفوعا : " من أعان ظالما سلطه الله عليه " وهذا حديث غريب ، وقال بعض الشعراء : وما من يد إلا يد الله فوقها ولا ظالم إلا سيبلى بظالم ومعنى الآية الكريمة : كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن ، كذلك نفعل بالظالمين ، نسلط بعضهم على بعض ، ونهلك بعضهم ببعض ، وننتقم من بعضهم ببعض ، جزاء على ظلمهم وبغيهم .
القول في تأويل قوله : وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل (نُوَلّي).
فقال بعضهم: معناه: نحمل بعضهم لبعض وليًّا، على الكفر بالله .
* ذكر من قال ذلك: 13893- حدثنا يونس قال، حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون)، وإنما يولي الله بين الناس بأعمالهم ، فالمؤمن وليُّ المؤمن أين كان وحيث كان, والكافر وليُّ الكافر أينما كان وحيثما كان .
ليس الإيمان بالتَمنِّي ولا بالتحَلِّي .
* * * وقال آخرون: معناه: نُتْبع بعضهم بعضًا في النار= من " الموالاة ", وهو المتابعة بين الشيء والشيء, من قول القائل: " واليت بين كذا وكذا "، إذا تابعت بينهما .
* ذكر من قال ذلك: 13894- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا)، في النار، يتبع بعضهم بعضًا .
(39) * * * وقال آخرون: معنى ذلك، نسلط بعض الظلمة على بعض .
* ذكر من قال ذلك: 13895- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا)، قال: ظالمي الجن وظالمي الإنس .
وقرأ: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ، [سورة الزخرف: 36].
قال: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس .
* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب, قولُ من قال: معناه: وكذلك نجعل بعض الظالمين لبعضٍ أولياء .
لأن الله ذكر قبل هذه الآية ما كان من قول المشركين, فقال جل ثناؤه: وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ , وأخبر جل ثناؤه: أنّ بعضهم أولياء بعض, ثم عقب خبره ذلك بخبره عن أن ولاية بعضهم بعضًا بتوليته إياهم, فقال: وكما جعلنا بعض هؤلاء المشركين من الجن والإنس أولياء بعض يستمتع بعضهم ببعض, كذلك نجعل بعضَهم أولياء بعض في كل الأمور =" بما كانوا يكسبون "، من معاصي الله ويعملونه .
(40) --------------- الهوامش : (39) انظر تفسير (( ولي )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .
(40) انظر تفسير (( الكسب )) فيما سلف : 11 : 448 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون قوله تعالى : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا المعنى وكما فعلنا بهؤلاء مما وصفته لكم من استمتاع بعضهم ببعض أجعل بعض الظالمين أولياء بعض ، ثم يتبرأ بعضهم من بعض غدا .
ومعنى نولي على هذا نجعل وليا .
قال ابن زيد : نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس .
وعنه أيضا : نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله .
وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالما آخر .
ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الرعية ، أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم .
وقال فضيل بن عياض : إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجبا .
وقال ابن عباس : إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم ، وإذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم .
وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : من أعان ظالما سلطه الله عليه .
وقيل : المعنى نكل بعضهم إلى بعض فيما يختارونه من [ ص: 78 ] الكفر ، كما نكلهم غدا إلى رؤسائهم الذين لا يقدرون على تخليصهم من العذاب أي كما نفعل بهم ذلك في الآخرة كذلك نفعل بهم في الدنيا .
وقد قيل في قوله تعالى : نوله ما تولى : نكله إلى ما وكل إليه نفسه .
قال ابن عباس : تفسيرها هو أن الله إذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم .
يدل عليه قوله تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم .
{ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } أي: وكما ولَّيْنَا الجن المردة وسلطناهم على إضلال أوليائهم من الإنس وعقدنا بينهم عقد الموالاة والموافقة، بسبب كسبهم وسعيهم بذلك.
كذلك من سنتنا أن نولي كل ظالم ظالما مثله، يؤزه إلى الشر ويحثه عليه، ويزهده في الخير وينفره عنه، وذلك من عقوبات الله العظيمة الشنيع أثرها، البليغ خطرها.
والذنب ذنب الظالم، فهو الذي أدخل الضرر على نفسه، وعلى نفسه جنى { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } ومن ذلك، أن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم، ومنْعهم الحقوق الواجبة، ولَّى عليهم ظلمة، يسومونهم سوء العذاب، ويأخذون منهم بالظلم والجور أضعاف ما منعوا من حقوق الله، وحقوق عباده، على وجه غير مأجورين فيه ولا محتسبين.
كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا، أصلح الله رعاتهم، وجعلهم أئمة عدل وإنصاف، لا ولاة ظلم واعتساف.
( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) [ قيل : أي ] كما خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ببعض نولي بعض الظالمين بعضا ، أي : نسلط بعضهم على بعض ، فنأخذ من الظالم بالظالم ، كما جاء : " من أعان ظالما سلطه الله عليه " .
وقال قتادة : نجعل بعضهم أولياء بعض ، فالمؤمن ولي المؤمن [ أين كان ] والكافر ولي الكافر حيث كان .
وروي عن معمر عن قتادة : نتبع بعضهم بعضا في النار ، من الموالاة ، وقيل : معناه نولي ظلمة الإنس ظلمة الجن ، ونولي ظلمة الجن ظلمة الإنس ، أي : نكل بعضهم إلى بعض ، كقوله تعالى : ( نوله ما تولى ) ( النساء ، 115 ) ، وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها هو : أن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولى أمرهم خيارهم ، وإذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم .
18
«وكذلك» كما متَّعنا عُصاة الإنس والجن بعضهم ببعض «نولي» من الولاية «بعض الظالمين بعضا» أي على بعض «بما كانوا يكسبون» من المعاصي.
وكما سلَّطْنا شياطين الجن على كفار الإنس، فكانوا أولياء لهم، نسلِّط الظالمين من الإنس بعضهم على بعض في الدنيا؛ بسبب ما يعملونه من المعاصي.
ثم يعقب القرآن على هذا الاستمتاع المتبادل بين الضالين والمضلين من الجن والإنس فيقول : { وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } .ونولى : من الولاية بمعنى القرابة ، والنصرة ، والمحالفة وما إلى ذلك من أنواع الاتصال .أى : ومثل ما سبق من تمكين الجن من إغواء الإنس وإضلالهم لما بينهم من التناسب والمشاكلة ، نولى بعض الظالمين من الإنس بعضا آخر منهم بأن نجعلهم يزينون لهم السيئات ، ويؤثرون فيهم بالإغواء .
بسبب ما كانوا مستمرين عى اكتسابه من الكفر والمعاصي .قال الإمام الرازى : " لأن الجنسية علة الضم " فالأرواح الخبيثة تنضم إلى ما يشاكلها فى الخبث .
وكذا القول فى الأرواح الطاهرة ، فكل أحد يهتم بشأن من يشاكله فى النصرة والمعونة والتقوية .ثم قال : والآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين فالله - تعالى - يسلط عليهم ظالما مثلهم .
فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم " .وقال ابن كثير : معنى الآية الكريمة : كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التى أغوتهم من الجن ، كذلك نفعل بالظالمين ، نسلط بعضهم على بعض ، ونهلك بعضهم ببعض ، وننتقم من بعضهم ببعض جزاء على ظلمهم وبغيهم " .وقال الفضيل بن عياض : إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم .
فقف وانظر فيه متعجبا .فالآية الكريمة تصور لنا مشهدا واقعا فى حياة الأمم ، وهو أن الظالمين من الناس يوالى بعضهم بعضا ، ويناصر بعضهم بعضا ، بسبب ما بينهم من صلات فى المشارب والأهداف والطباع وأن الأمة التى لا تتمسك بمبدأ العدالة بل تسودها روح الظلم والاعتداء يكون حكامها عادة على شاكلتها لأن الحاكم الظالم لا يستطيع البقاء عادة فى مجتمع أفراده تسودهم العدالة والشجاعة فى الحق .
المسألة الأولى: في الآية فوائد: الفائدة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عن الجن والإنس أن بعضهم يتولى بعضاً بين أن ذلك إنما يحصل بتقديره وقضائه، فقال: ﴿ وكذلك نُوَلّى بَعْضَ الظالمين بَعْضاً ﴾ والدليل على أن الأمر كذلك أن القدرة صالحة للطرفين أعني العداوة والصداقة، فلولا حصول الداعية إلى الصداقة لما حصلت الصداقة، وتلك الداعية لا تحصل إلا بخلق الله تعالى قطعاً للتسلسل.
فثبت بهذا البرهان أنه تعالى هو الذي يولي بعض الظالمين بعضاً.
وبهذا التقرير تصير هذه الآية دليلاً لنا في مسألة الجبر والقدر.
الفائدة الثانية: أنه تعالى لما بين في أهل الجنة أن لهم دار السلام، بين أنه تعالى وليهم بمعنى الحفظ والحراسة والمعونة والنصرة، فكذلك لما بين حال أهل النار ذكر أن مقرهم ومثواهم النار، ثم بين أن أولياءهم من يشبههم في الظلم والخزي والنكال وهذه مناسبة حسنة لطيفة.
الفائدة الثالثة: كاف التشبيه في قوله: ﴿ وكذلك نُوَلّى ﴾ تقتضي شيئا تقدم ذكره، والتقدير: كأنه قال كما أنزلت بالجن والإنس الذين تقدم ذكرهم العذاب الأليم الدائم الذي لا مخلص منه ﴿ كذلك نُوَلّى بَعْضَ الظالمين بَعْضاً ﴾ .
الفائدة الرابعة: ﴿ وكذلك نُوَلّى بَعْضَ الظالمين بَعْضاً ﴾ لأن الجنسية علة الضم، فالأرواح الخبيثة تنضم إلى ما يشاكلها في الخبث، وكذا القول في الأرواح الطاهرة، فكل أحد يهتم بشأن من يشاكله في النصرة والمعونة والتقوية.
والله أعلم.
المسألة الثانية: الآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين، فالله تعالى يسلط عليهم ظالماً مثلهم فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم وأيضاً الآية تدل على أنه لابد في الخلق من أمير وحاكم، لأنه تعالى إذا كان لا يخلي أهل الظلم من أمير ظالم، فبأن لا يخلي أهل الصلاح من أمير يحملهم على زيادة الصلاح كان أولى.
قال علي رضي الله عنه: لا يصلح للناس إلا أمير عادل أو جائر، فأنكروا قوله: أو جائر فقال: نعم يؤمن السبيل، ويمكن من إقامة الصلوات، وحج البيت.
وروي أن أبا ذر سأل الرسول صلى الله عليه وسلم الإمارة، فقال له: إنك ضعيف وإنها أمانة وهي في القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها وعن مالك بن دينار: جاء في بعض كتب الله تعالى أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك ونواصيها بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة لا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك لكن توبوا إلى أعطفهم عليكم.
أما قوله: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ فالمعنى نولي بعض الظالمين بعضاً بسبب كون ذلك البعض مكتسباً للظلم، والمراد منه ما بينا أن الجنسية علة للضم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ نُوَلّى بَعْضَ الظالمين بَعْضاً ﴾ نخليهم حتى يتولى بعضهم بعضاً كما فعل الشياطين وغواة الإنس، أو نجعل بعضهم أولياء بعض يوم القيامة وقرناءهم كما كانوا في الدنيا ﴿ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا ﴾ نَكِلُ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ، أوْ نَجْعَلُ بَعْضَهم يَتَوَلّى بَعْضًا فَيُغْوِيهِمْ أوِ أوْلِياءَ بَعْضٍ وقُرَناءَهم في العَذابِ كَما كانُوا في الدُّنْيا.
﴿ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ ﴾ ، الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً، لَكِنْ لَمّا جُمِعُوا مَعَ الجِنِّ في الخِطابِ صَحَّ ذَلِكَ ونَظِيرُهُ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ والمَرْجانُ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ وتَعَلَّقَ بِظاهِرِهِ قَوْمٌ وقالُوا بُعِثَ إلى كُلٍّ مِنَ الثَّقَلَيْنِ رُسُلٌ مِن جِنْسِهِمْ.
وقِيلَ الرُّسُلُ مِنَ الجِنِّ رُسُلُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ.
﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ قالُوا ﴾ جَوابًا.
﴿ شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا ﴾ بِالجُرْمِ والعِصْيانِ وهو اعْتِرافٌ مِنهم بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ.
﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ ﴾ ذَمٌّ لَهم عَلى سُوءِ نَظَرِهِمْ وخَطَأِ رَأْيِهِمْ، فَإنَّهُمُ اغْتَرُّوا بِالحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ واللَّذّاتِ المُخْدِجَةِ، وأعْرَضُوا عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى كانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ أنِ اضْطُرُّوا إلى الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والِاسْتِسْلامِ لِلْعَذابِ المُخَلَّدِ تَحْذِيرًا لِلسّامِعِينَ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{وكذلك نُوَلّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً} نتبع بعضهم بعض في النار أو نسلط بعضهم على بعض أو نجعل بعضهم أولياء بعض {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي ثم يقال لهم يوم القيامة على جهة التوبيخ
﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ما سَبَقَ مِن تَمْكِينِ الجِنِّ مِنإغْواءِ الإنْسِ وإضْلالِهِمْ أوْ مِثْلُ ما سَبَقَ ﴿ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ ﴾ مِنَ الإنْسِ ﴿ بَعْضًا ﴾ آخَرَ مِنهم أيْ نَجْعَلُهم بِحَيْثُ يَتَوَلَّوْنَهم ويَتَصَرَّفُونَ فِيهِمْ في الدُّنْيا بِالإغْواءِ والإضْلالِ وغَيْرِ ذَلِكَ واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الرَّعِيَّةَ إذا كانُوا ظالِمِينَ فاللَّهُ تَعالى يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ ظالِمًا مِثْلَهم وفي الحَدِيثِ «كَما تَكُونُوا يُوَلّى عَلَيْكم» أوِ المَعْنى نَجْعَلُ بَعْضَهم قُرَناءَ بَعْضٍ في العَذابِ كَما كانُوا كَذَلِكَ في الدُّنْيا عِنْدَ اقْتِرافِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ كَما قِيلَ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ ﴿ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ (129) أيْ بِسَبَبِ ما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى كَسْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي <div class="verse-tafsir"
وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً يعني: هذا التوحيد دين ربك مستقيماً يعني: قائماً برضاه قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ يعني: قد بيّنا العلامات وبيّنا الآيات في أمر القلوب والهدى والضلالة لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ يعني: يتعظون ويتفكرون في توحيد الله تعالى.
ويقال: معناه لا عذر لأحد في التخلّف عن الإيمان لأن الله تعالى قد بيّن طريق الهدى، وقد بيّن العلامات في ذلك لمن كان له عقل وتمييز.
ثم ذكر ما أعد الله للمؤمنين في الآخرة فقال: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهي الجنة وهي دار السلام من الأمراض والآفات والخوف والهرم وغير ذلك.
ويقال: لَهُمْ دارُ السَّلامِ فالله السلام والجنة داره يعني: دار رب العزة التي أعد لأوليائه بالثواب وَهُوَ وَلِيُّهُمْ أي الله تعالى حافظهم وناصرهم في الدنيا.
ويقال: هو وليهم في الآخرة بالثواب بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا.
قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يقول: واذكر يوم يجمعهم الله جَمِيعاً يعني: الجن والإنس.
قرأ عاصم في رواية حفص يَحْشُرُهُمْ بالياء يعني: أن الله يحشرهم وقرأ الباقون نحشرهم بالنون يا مَعْشَرَ الْجِنِّ يقول لهم يا معشر الجن قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ يعني: قد أضللتم كثيراً من الإنس وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ الذين أضلوهم رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ يعني: انتفع بعضنا ببعض وكان استمتاع الإنس بالجن في الدنيا أن أهل الجاهلية كانوا إذا سافر واحد منهم فأدركه المساء بأرض قفر وخاف بالليل فقال: أعوذ بسيد أهل هذا الوادي من سفهاء قومه، فأمن، ولبث في جوارهم حتى يصبح.
وكان استمتاع الجن بالإنس أن قالوا: لقد سوّدنا الإنس والجن فيزيدون شرفاً في قومهم يعني: فيما بين الجن والإنس.
وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا يعني: الموت الذي جعلته أجلنا في هذه الدنيا وهذا قول الكلبي.
وقال الضحاك: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ يعني: خدع بعضنا بعضاً عن دينك يعني: أن الجن قد خدعنا وأضَلَّنَا وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا يعني: ما كتبت علينا من الشقاوة قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ يعني: منزلكم وهم الجن والإنس خالِدِينَ فِيها مقيمين في النار إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ قال الكلبي: مشيئة الله من كل شيء، ويقال: إلا ما شاء الله البرزخ والقيامة قد شاء الله لهم الخلود فيها.
ويقال إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ يخرج منها من أهل التوحيد إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ثم قال: وَكَذلِكَ نُوَلِّي يعني: نسلط بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً يعني: كفار الجن على كفار الإنس.
ويقال: نسلط بعض الظالمين بعضا فيهلكه ويذله.
وهذا كلام لتهديد الظالم لكي يمتنع عن ظلمه.
لأنه لو لم يمتنع يسلط الله عليه ظالماً آخر.
ويدخل في الآية جميع من يظلم ومن ظلم في رعيته أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم.
وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجباً.
وقال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولّى أمرهم خيارهم.
وإذا سخط الله على قوم ولّى أمرهم شرارهم بما كانوا يكسبون، ثم تلا قوله وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً.
وعن مالك بن دينار قال: قرأت في بعض الكتب المنزلة إن الله تعالى يقول: إني أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك بيدي ونواصيها بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أجعلهم عليكم رحمة.
ثم قال: بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: يسلط بعضهم على بعض بأعمالهم الخبيثة.
ثم يقول لهم: <div class="verse-tafsir"
رياستهم أقْدَرُ على الغَدْرِ والمَكْرِ ورُكُوبِ الباطلِ من غيرهم ولأن كثرة المال والجاه يَحْمِلاَنِ الإنسان على المبالغةِ في حِفْظهما وذلك الحِفْظُ لا يتمُّ إلا بجميع الأخلاق الذميمةِ كالغَدْر والمَكْر والكَذِب والغِيبة والنَّميمة والأَيْمَان الكاذبة ولو لم يكن للمالِ والجاهِ سوى أنَّ اللَّه تعالى حَكَم بأنه إنما وصفَ بهذه الأوصافِ الذميمةِ مَنْ كان له مالٌ وجاه، لكفى ذلك دليلاً على خَسَاسة المالِ والجَاهِ.
انتهى، وما ذكره من المال والجاه هو الأغلَبُ.
وَما يَشْعُرُونَ، أي: ما يعلمون.
وقوله سبحانه: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ، أي: علامةٌ ودليلٌ على صحَّة الشرع، تشطَّطوا، وقالوا: لَنْ نؤمن حتَّى يُفْلَقَ لنا البَحْرُ، ويحيى لنا الموتى، ونحْوَ ذلك، فردَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ فيمن اصطفاه، وانتخبه، لا فيمن كَفَرَ، وجعل يتشطَّط على اللَّه سبحانه، قال الفَخْر «١» : قال المفسِّرون: قال الوليدُ بْنُ المُغِيرَةِ «٢» :
لو كانتِ النبوَّة حقًّا، لكنْتُ أولى بها، قال الضَّحَّاك: أراد كلُّ واحد من هؤلاء الكفرة أنْ يُخَصَّ بالوحْيِ والرسالةِ كما أخبر عنهم سبحانه: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً [المدثر: ٥٢] انتهى.
ثم توعَّد سبحانه بأن هؤلاء المجرمين الأكابر في الدنيا سيصيبهم عند اللَّه صَغَارٌ وذلَّة.
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)
وقوله سبحانه: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ...
الآية: مَنْ:
شرط، ويَشْرَحْ جوابُ الشرط.
والآيةُ نصٌّ في أن اللَّه تعالى يريدُ هدى المؤمن، وضلالَ الكافر، وهذا عند جميعِ أهْل السنَّة بالإرادةِ القديمةِ التي هي صفةُ ذاته تبارك وتعالى، والهدى هنا: هو خَلْق الإيمان في القَلْبِ، وشَرْحُ الصدرِ: هو تسهيلُ الإيمان، وتحبيبُه، وإعدادُ القَلْبِ لقبولِهِ وتحصيلِهِ، والصَّدْر: عبارةٌ عن القلب، وفي يَشْرَحْ ضمير يعود على اسم اللَّهِ عزَّ وجلَّ/ يَعْضُدُهُ اللفظ والمعنى، ولا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، والقولُ بأنه عائدٌ على «المَهْدِيِّ» - قولٌ يتركَّب عليه مذهب القَدَريَّة في خَلْق الأعمال، ويجبُ أن يُعتقد ضَعْفُهُ، والحَذَرُ منه، ورُوِيَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم «أنه لَمَّا نزلَتْ هذه الآية، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُشْرَحُ الصَّدْرُ؟
قَالَ: إذَا نَزَلَ النُّورُ فِي القَلْبِ، انشرح لَهُ الصَّدْرُ، وانفسح، قَالُوا: وَهَلْ لِذَلِكَ عَلاَمَةٌ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: نَعَمِ، الإنَابَةُ إلَى دَارِ الخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ، قَبْلَ المَوْتِ» ، والقول «١» في قوله: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ كالقول في قوله: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ، وقرأ حمزة وغيره: «حَرَجاً» - بفتح الراء-، وروي أن عمر بن الخطاب (رضي اللَّه عنه) قرأها يوماً بفتح الراء، فقرأها له بعضُ الصَّحابة بكَسْر الراء، فقال: ابغوني رجُلاً من كِنَانَةَ، وليكنْ رَاعياً، وليكُنْ من بني مدلج، فلما جاء، قال له: يَا فتى، مَا الحَرِجَةُ عنْدَكُمْ؟
قال الشَّجَرَةُ تكُونُ بَيْن الأشجار لا تَصِلُ إليها راعيَةٌ ولا وَحْشِيَّة، قال عمر: كذلِكَ قَلْبُ المنافق لا يَصِلُ إليه شَيْءٌ من الخير «٢» .
وقوله سبحانه: كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ، أي: كأنَّ هذا الضّيّق الصّدر متى حاول
الإيمان أو فكَّر فيه، يجد صعوبته عليه، والعياذُ باللَّه، كصعوبةِ الصُّعود في السماء، قاله ابن جريج وغيره «١» ، وفِي السَّماءِ، يريد: مِنْ سفل إلى علوٍ، وتحتمل الآية أنْ يكون التشبيهُ بالصاعدِ في عَقَبَةٍ كَئُود كأنه يَصْعَدُ بها في الهواء، ويَصْعَدُ: معناه: يعلو، ويَصَّعَّدُ:
معناه: يتكلَّف من ذلك ما يشقُّ عليه.
وقوله: كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ، أي: وكما كان الهدى كله من اللَّه، والضلال بإرادته تعالى ومشيئته كذلك يجعل اللَّه الرجْسَ، قال أهل اللغة: الرجْسُ يأتي بمعنى العَذَابِ، ويأتي بمعنى النَّجَس.
وقوله تعالى: وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً ...
الآية: هذا إشارة إلى القرآن والشرْعِ الذي جاء به نبيُّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم قاله ابن عباس، وفَصَّلْنَا، معناه: بيَّنا وأوضحنا «٢» .
وقوله سبحانه: لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، أي: للمؤمنين، والضمير في قوله: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عائد عليهم، والسَّلام: يتجه أن يكون اسما من أسماء اللَّه عزَّ وجلَّ، ويتجه أن يكون مصدراً بمعنى السلامة.
وقوله تعالى: عِنْدَ رَبِّهِمْ يريد في الآخرة بعد الحشر، ووليّهم، أي: وليّ الإنعام عليهم، وبِما كانُوا يَعْمَلُونَ، أي: بسَبَبِ ما كانوا يُقَدِّمون من الخير، ويفعلون من الطاعة والبر.
وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ، والمعنى: واذكر يَوْمَ، وفي الكلامِ حذفٌ، تقديره: نقول: يا معشر الجنِّ، وقوله: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ: معناه: أفرطتم، ومِنَ الْإِنْسِ: يريد: في إضلالهم وأغوائهم قاله ابن عباس وغيره «٣» ، وقال الكُفَّار من الإنْس، وهم أولياء الجنِّ الموبَّخين على جهة الاعتذار عن الجنِّ: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، أي: انتفع وذلك كاستعاذتهم بالجنِّ إذ كان العربيُّ إذا نزل وادياً، ينادي: يا رَبَّ الوادِي، إنِّي أستجيرُ بك في هذه الليلة، ثم يرى سلامته إنما هي بحفْظِ جَنِّيِّ ذلك الوادِي، ونحو ذلك، وبلوغ الأجل المؤجّل: هو
الموتُ، وقيل: هو الحشر.
وقوله تعالى: قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ ...
الآية: إخبارٌ من اللَّه تعالى/ عما يقولُ لهم يوم القيامة إثْرَ كلامهم المتقدّم، ومَثْواكُمْ، أي: موضع ثوائكم كَمُقَامِكُمُ الذي هو مَوْضِعُ الإقامة قاله الزَّجَّاج، والاستثناءُ في قوله: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ قالتْ فرقة: «مَا» بمعنى «مَنْ» ، فالمراد: إلا مَنْ شاء اللَّه مِمَّنْ آمن في الدنيا بعد، إن كان مِنْ هؤلاء الكَفَرة، وقال الطبريُّ «١» : إن المستثنى هي المُدَّة التي بَيْنَ حشرهم إلى دخولهم النار، وقال الطبريُّ «٢» ، عن ابن عباس: إنه كان يتأوَّل في هذا الاستثناء أنه مبلغ حالِ هؤلاء في علْمِ اللَّه «٣» ، ثم أسند إليه أنه قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحَدٍ أنْ يحكم على اللَّه في خَلْقه لا يُنْزِلُهم جنَّةً ولا ناراً.
قال ع «٤» : والإجماع على التخليد الأبديِّ في الكُفَّار، ولا يصحُّ هذا عن ابن عباس (رضي اللَّه عنه) .
قال ص: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ: قيل: استثناء منقطعٌ، أي: لكِنْ ما شاء اللَّه مِنَ العذابِ الزائِدِ على النَّار، وقيل: متصلٌ، واختلفوا في تقديره، فقيل: هو استثناء مِنَ الأشخاصِ، وهم مَنْ آمن في الدنيا، ورُدَّ بأنه يختلف زمان المستثنى والمستثنى منه، فيكون منقطعاً لا متصلاً لأنَّ مِنْ شرط المتصل اتحاد زمانَيِ المُخْرَجِ والمُخْرَجِ منه.
انتهى، وقيل غير هذا.
وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً، قال قتادة «٥» : معناه: نجعل بعضهم وليَّ بعض في الكفر والظلم، وقال أيضاً: المعنى نجعلُ بعضهم يَلِي بعضاً في دخول النار، وقال ابن زيد: معناه: نسلِّط بعض الظالمين على بعض، ونجعلهم أولياء النقمة «٦» منهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا ﴾ في مَعْناهُ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: نَجْعَلُ بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ.
والثّانِي: نُتْبِعُ بَعْضَهم بَعْضًا في النّارِ بِأعْمالِهِمْ مِنَ المُوالاةِ، وهي المُتابَعَةُ، رَواهُ مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: نُسَلَّطُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: نَكِلُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا نُعِينُهم، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ أيْ: مِنَ المَعاصِي.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أولِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ "وَيَوْمَ"؛ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ يَوْمَ..."؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ: "وَلِيُّهُمْ"؛ والعَطْفُ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "بِما كانُوا"؛ والضَمِيرُ في "يَحْشُرُهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ: اَلَّذِينَ يَجْعَلُ اللهُ تَعالى الرِجْسَ عَلَيْهِمْ؛ وهم جَمِيعُ الكُفّارِ؛ جِنًّا؛ وإنْسًا؛ والَّذِينَ لَهم دارُ السَلامِ؛ جِنًّا؛ وإنْسًا؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَأْكِيدُ العامُّ بِقَوْلِهِ تَعالى "جَمِيعًا".
وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "يَحْشُرُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالنُونِ؛ وكُلٌّ مُتَّجَهٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - ما يُقالُ لِلْجِنِّ الكَفَرَةِ؛ وفي الكَلامِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ؛ تَقْدِيرُهُ: "نَقُولُ يا مَعْشَرَ الجِنِّ..."؛ وقَوْلُهُ تَعالى "قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ"؛ مَعْناهُ: "فَرَّطْتُمْ"؛ و"مِنَ الإنْسِ"؛ يُرِيدُ في إغْوائِهِمْ؛ وإضْلالِهِمْ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وقالَ الكُفّارُ مِنَ الإنْسِ؛ وهم أولِياءُ الجِنِّ المُوَبَّخِينَ؛ عَلى جِهَةِ الِاعْتِذارِ عَنِ الجِنِّ: ﴿ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ﴾ ؛ أيْ: اِنْتَفَعَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ في وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: حَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ الإنْسَ كانَتْ تَسْتَعِيذُ بِالجِنِّ في الأودِيَةِ؛ ومَواضِعِ الخَوْفِ؛ وكانَتِ الجِنُّ تَتَعَظَّمُ عَلى الإنْسِ؛ وتَسُودُها؛ كَما يَفْعَلُ العَرَبِيُّ بِالكاهِنِ؛ والمُجِيرُ بِالمُسْتَجِيرِ؛ إذْ كانَ العَرَبِيُّ إذا نَزَلَ وادِيًا يُنادِي: "يا رَبَّ الوادِي؛ إنِّي أسْتَجِيرُ بِكَ هَذِهِ اللَيْلَةَ"؛ ثُمَّ يَرى أنَّ سَلامَتَهُ إنَّما هي بِحِفْظِ جِنِّيِّي ذَلِكَ الوادِي؛ فَهَذا اسْتِمْتاعُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِثالٌ في الِاسْتِمْتاعِ؛ ولَوْ تُتُبِّعَ لَتَبَيَّنَتْ لَهُ وُجُوهٌ أُخَرُ؛ كُلُّها دُنْيَوِيَّةٌ.
وبُلُوغُ الأجَلِ المُؤَجَّلِ؛ قالَ السُدِّيُّ: هو المَوْتُ الَّذِي انْتَهى الكُلُّ مِنهم إلَيْهِ؛ وقِيلَ: هو الحَشْرُ؛ وقِيلَ: هو الغايَةُ الَّتِي انْتَهى جَمِيعُهم إلَيْها مِنَ الِاسْتِمْتاعِ؛ كَأنَّهم أشارُوا إلى أنَّ ذَلِكَ بِقَدَرِكَ وقَضائِكَ؛ إذْ لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "وَبَلِّغْنا أجَلَنا"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ مُشَدَّدَةً.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قالَ النارُ مَثْواكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا يَقُولُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ إثْرَ كَلامِهِمُ المُتَقَدِّمِ؛ وجاءَ الفِعْلُ بِلَفْظِ الماضِي - وهو في الحَقِيقَةِ مُسْتَقْبَلٌ - لِصِحَّةِ وُقُوعِهِ؛ وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ؛ وفَصِيحِ الكَلامِ؛ و"مَثْواكُمْ"؛ أيْ مَوْضِعُ ثَوابِكُمْ؛ كَمُقامِكُمُ؛ الَّذِي هو مَوْضِعُ الإقامَةِ؛ هَذا قَوْلُ الزَجّاجِ وغَيْرِهِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْإغْفالُ": اَلْمَثْوى عِنْدِي: مَصْدَرٌ لا مَوْضِعَ لَهُ؛ وذَلِكَ لِعَمَلِهِ في الحالِ الَّتِي هي "خالِدِينَ"؛ والمَوْضِعِ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى فِعْلٍ؛ فَيَكُونُ عامِلًا؛ والتَقْدِيرُ: "اَلنّارُ ذاتُ ثُوائِكُمْ"؛ والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إلا ما شاءَ اللهُ ﴾ ؛ قالَتْ فِرْقَةٌ: "ما"؛ بِمَعْنى "مَن"؛ فالمُرادُ: "إلّا مَن شاءَ تَعالى ؛ مِمَّنْ آمَنَ في الدُنْيا؛ بَعْدَ أنْ آمَنَ؛ مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ صِنْفًا؛ ساغَتْ في العِبارَةِ عنهم "ما"؛ وقالَ الفَرّاءُ: "إلّا"؛ بِمَعْنى "سِوى"؛ والمُرادُ: "سِوى ما يَشاءُ تَعالى ؛ مِن زِيادَةٍ في العَذابِ"؛ ونَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: إنَّ المُسْتَثْنى هي المُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ حَشْرِهِمْ؛ إلى دُخُولِهِمُ النارَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وساغَ هَذا مِن حَيْثُ العِبارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ النارُ مَثْواكُمْ ﴾ ؛ لا تَخُصُّ بِصِيغَتِها مُسْتَقْبَلَ الزَمانِ دُونَ غَيْرِهِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ كانَ يَتَناوَلُ في هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ مَبْلَغُ حالِ هَؤُلاءِ في عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ ثُمَّ أُسْنِدَ إلَيْهِ أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ آيَةٌ لا يَنْبَغِي [بِها] لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ عَلى اللهِ تَعالى في خَلْقِهِ؛ لا يُنْزِلَهم جَنَّةً؛ ولا نارًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والإجْماعُ عَلى التَخْلِيدِ الأبَدِيِّ في الكُفّارِ؛ ولا يَصِحُّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَّجَهُ عِنْدِي في هَذا الِاسْتِثْناءِ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتِهِ؛ ولَيْسَ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ والمُسْتَثْنى هو مَن كانَ مِنَ الكَفَرَةِ يَوْمَئِذٍ يُؤْمِنُ في عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ كَأنَّهُ لَمّا أخْبَرَهم أنَّهُ قالَ لِلْكُفّارِ: ﴿ النارُ مَثْواكُمْ ﴾ ؛ اِسْتَثْنى لَهم مَن يُمْكِنُ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم.
و ﴿ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ ؛ صِفَتانِ مُناسِبَتانِ لِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ تَخْلِيدَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في النارِ فِعْلٌ صادِرٌ عن حُكْمٍ وعِلْمٍ بِمَواقِعِ الأشْياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي ﴾ ؛ قالَ قَتادَةُ: "نُوَلِّي"؛ مَعْناهُ: "نَجْعَلُ بَعْضَهم ولِيَّ بَعْضٍ في الكُفْرِ والظُلْمِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يُؤَيِّدُهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الجِنِّ؛ والإنْسِ؛ واسْتِمْتاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛ وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: مَعْنى: "نُوَلِّي": "نُتْبِعُ بَعْضَهم بَعْضًا في دُخُولِ النارِ"؛ أيْ: "نَجْعَلُ بَعْضَهم يَلِي بَعْضًا"؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: "نُسَلِّطُ بَعْضَ الظالِمِينَ عَلى بَعْضٍ؛ ونَجْعَلُهم أولِياءَ النَقَمَةِ مِنهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ لا تُؤَيِّدُهُ ألْفاظُ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةُ؛ أما إنَّهُ حُفِظَ في اسْتِعْمالِ الصَحابَةِ والتابِعِينَ؛ مِن ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُبَيْرِ لَمّا بَلَغَهُ أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ قَتَلَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ الأشْدَقَ؛ صَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: "إنَّ فَمَ الذِبّانِ قَتَلَ لَطِيمَ الشَيْطانِ"؛ و ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وهو من تمام الاعتراض، أو من تمام التذييل، على ما تقدّم من الاحتمالين، الواو للحال: اعتراضيّة، كما تقدّم، أو للعطف على قوله: ﴿ إنّ ربَّك حكيم عليم ﴾ [الأنعام: 128].
والإشارة إلى التولية المأخوذة من: ﴿ نولى ﴾ ، وجاء اسم الإشارة بالتّذكير لأنّ تأنيث التولية لفظي لا حقيقي، فيجوز في إشارته مَا جاز في فِعله الرافع للظّاهر، والمعنى: وكما ولّينا ما بين هؤلاء المشركين وبين أوليائهم نُولّي بين الظّالمين كلّهم بعضِهم مع بعض.
والتولية يجيء من الولاء ومن الوِلاية، لأنّ كليهما يقال في فعله المتعدّي: ولَّى، بمعنى جعل ولياً، فهو من باب أعطى يتعدّى إلى مفعولين، كذا فسّروه، وظاهر كلامهم أنّه يقال: ولّيت ضَبَّة تميماً إذا حالفتَ بينهم، وذلك أنَّه يقال: تَولَّتْ ضبةُ تميماً بمعنى حالفْتهم، فإذا عدّي الفعل بالتضعيف قيل: ولَّيت ضَبة تميماً، فهو من قبيل قوله: ﴿ نُولِّه ما تولّى ﴾ [النساء: 115] أي نلزمه ما ألزم نفسه فيكون معنى: ﴿ نولى بعض الظالمين بعضاً ﴾ نجعل بعضهم أولياء بعض، ويكون ناظراً إلى قوله: ﴿ وقال أولياؤهم من الإنس ﴾ [الأنعام: 128].
وجعَل الفريقين ظالمين لأنّ الذي يتولّى قوماً يصير منهم، فإذا جعل الله فريقاً أولياء للظّالمين فقد جعلهم ظالمين بالأخارة، قال تعالى: ﴿ ولا تَركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النّار ﴾ [هود: 113] وقال: ﴿ بعضهم أولياء بعض ومَن يتولَّهم منكم فإنَّه منهم إنّ الله لا يهدي القوم الظّالمين ﴾ [المائدة: 51].
ويقال: ولَّى، بمعنى جعل والياً، فيتعدّى إلى مفعولين من باب أعطى أيضاً، يقال: وَلَّى عُمَرُ أبا عبيدة الشّام، كما يقال: أولاه، لأنَّه يقال: وَلِي أبو عبيدة الشّامَ، ولذلك قال المفسّرون: يجوز أن يكون معنى: ﴿ نولى بعض الظالمين بعضاً ﴾ نجعل بعضَهم ولاة على بعض، أي نسلّط بعضهم على بعض، والمعنى أنّه جعل الجنّ وهم ظالمون مسلّطين على المشركين، والمشركون ظالمون، فكلّ يظلِم بمقدار سلطانه.
والمراد: ب ﴿ الظالمين ﴾ في الآية المشركون، كما هو مقتضى التّشبيه في قوله: ﴿ وكذلك ﴾ .
وقد تشمل الآية بطريق الإشارة كلّ ظالم، فتدلّ على أنّ الله سلّط على الظالممِ من يظلمه، وقد تأوّلها على ذلك عبد الله بن الزُبير أيَّام دَعوته بمكّة فإنَّه لمَّا بلغه أنّ عبد الملك بن مروان قَتَل عَمْراً بنَ سعيد الأشدقَ بعد أن خرج عَمرو عليه، صَعِد المنبر فقال: «ألاَ إنّ ابن الزّرقاء يعني عبدَ الملك بن مروان؛ لأنّ مروان كان يلقّب بالأزرق وبالزرقاء لأنّه أزرق العينين قد قَتل لَطِيم الشّيطان ﴿ وكذلك نولى بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون ﴾ .
ومن أجل ذلك قيل: إنْ لم يُقلع الظّالم عن ظلمه سُلّط عليه ظالم آخر.
قال الفخر: إنْ أراد الرّعيّةُ أن يتخلّصوا من أمير ظالم؛ فليتركوا الظّلم.
وقد قيل: ومَا ظَالمٌ إلاّ سَيُبْلَى بظَالِم *** وقوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ الباء للسببية، أي جزاء على استمرار شركهم.
والمقصود من الآية الاعتبار والموعظة، والتّحذير مع الاغترار بولاية الظّالمين.
وتوخي الأتباععِ صلاحَ المتبوعين.
وبيانُ سنّة من سنن الله في العالَمين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ وكَذَلِكَ نَكِلُ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ، فَلا نُعِينُهم، ومَن سُلِبَ مَعُونَةَ اللَّهِ كانَ هالِكًا.
والثّانِي: وكَذَلِكَ نَجْعَلُ بَعْضَهم لِبَعْضٍ ولِيًّا عَلى الكُفْرِ.
والثّالِثُ: وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَهم عَذابَ بَعْضٍ في النّارِ.
والرّابِعُ مَعْناهُ أنَّ بَعْضَهم يَتْبَعُ بَعْضًا في النّارِ مِنَ المُوالاةِ وهي المُتابَعَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: تَسْلِيطُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِالظُّلْمِ والتَّعَدِّي، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً ﴾ قال: ظالمي الجن وظالمي الإِنس، وقرأ ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين ﴾ [ الزخرف: 36] قال: ونسلط ظلمة الجن على ظلمة الإِنس.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً ﴾ قال: يولي الله بعض الظالمين بعضاً في الدنيا، يتبع بعضهم بعضاً في النار.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً ﴾ قال: إنما يولي الله بين الناس بأعمالهم فالمؤمن ولي المؤمن من أين كان وحيثما كان، والكافر ولي الكافر من أين كان وحيثما كان، ليس الإيمان بالله بالتمني ولا بالتحلي، ولعمري لو عملت بطاعة الله ولم تعرف أهل طاعة الله ما ضرك ذلك، ولو عملت بمعصية الله وتوليت أهل طاعة الله ما نفعك ذلك شيئاً.
وأخرج أبو الشيخ عن منصور بن أبي الأسود قال: سألت الأعمش عن قوله: ﴿ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً ﴾ ، ما سمعتهم يقولون فيه؟
قال: سمعتهم يقولون إذا فسد الناس أُمِّرَ عليهم شرارهم.
وأخرج ابن أبي حاتم أبو الشيخ من مالك بن دينار قال: قرأت في الزبور: إني أنتقم من المنافق بالمنافق، ثم أنتقم من المنافقين جميعاً، وذلك في كتاب الله قول الله: ﴿ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون ﴾ .
وأخرج الحاكم في التاريخ والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق يحيى بن هاشم، ثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كما تكونون كذلك يؤمر عليكم» قال البيهقي: هذا منقطع ويحيى ضعيف.
وأخرج البيهقي عن كعب الأحبار قال: إن لكل زمان ملكاً يبعثه الله على نحو قلوب أهله، فإذا أراد صلاحهم بعث عليهم مصلحاً، وإذا أراد هلكتهم بعث عليهم مترفهم.
وأخرج البيهقي عن الحسن أن بني إسرائيل سألوا موسى فقالوا: سل لنا ربك يبين لنا علم رضاه عنا وعلم سخطه، فسأله فقال: يا موسى أنبئهم إن رضاي عنهم أن استعمل عليهم خيارهم، وأن سخطي عليهم أن استعمل عليهم شرارهم.
وأخرج البيهقي من طريق عبد الملك بن قريب الأصمعي، ثنا مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: حدثت أن موسى أو عيسى قال: يا رب ما علامة رضاك عن خلقك؟
قال: أن أنزل عليهم الغيث إبان زرعهم وأحبسه إبان حصادهم، واجعل أمورهم إلى حلمائهم، وفيئهم في أيدي سمحائهم.
قال: يا رب فما علامة السخط؟
قال: أن أنزل عليهم الغيث إبان حصادهم وأحبسه إبان زرعهم، واجعل أمورهم إلى سفهائهم، وفيئهم في أيدي بخلائهم.
والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا ﴾ .
قال المفسرون: (يقول: كما خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ببعض، كذلك نكل بعضهم إلى بعض في النصرة والمعونة، ونسلط بعضهم على بعض، فيتولى بعضهم القيام بأمر بعض) (١) (٢) (٣) (٤) (١) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 35، والسمرقندي 1/ 513، والماوردي 2/ 169، والبغوي 3/ 189.
(٢) في (ش): (بالإضلال).
(٣) في (أ): (الاسترسال)، وهو تحريف.
(٤) لم أقف على من ذكره فيما لدي من مراجع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ ﴾ العامل في يوم محذوف تقديره اذكر، وتقديره: قلنا، ويكون على هذا عاملاً في يوم وفي ﴿ يامعشر الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس ﴾ اي أضللتم منهم كثيراً، وجعلتموهم أتباعكم كما تقول: استكثر الأمير من الجيش ﴿ استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾ استمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم واستمتاع الإنس بالجن كقوله: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن ﴾ [الجن: 6]، فإن الرجل كان إذا نزل وادياً قال: أعوذ بصاحب هذا الوادي يعني كبير الجن ﴿ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ﴾ هو الموت وقيل: الحشر ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ الله ﴾ قيل: الاستثناء من الكاف والميم في مثواكم فما بمعنى من، لأنها وقعت على صنف من الجن والإنس والمستثنى على هذا: من آمن منهم، وقيل: الاستثناء من مدّة الخلود، وهو الزمان الذي بين حشرهم إلى دخول النار، وقيل: الاستثناء من النار، وهو دخولهم الزمهرير، وقيل: ليس المراد هنا بالاستثناء الإخراج، وإنما هو على وجه الأدب مع الله، وإسناد الأمور إليه ﴿ نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين ﴾ أي نجعل بعضهم ولياً لبعض، وقيل: يتبع بعضهم بعضاً في دخول النار، وقيل: نسلط بعضهم على بعض.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ رسالته ﴾ بالنصب والتوحيد: ابن كثير وحفص والمفضل.
الباقون: ﴿ رسالاته ﴾ على الجمع وبالكسر في موضع النصب ﴿ ضيقا ﴾ وبابه بالتخفيف: ابن كثير ﴿ حرجاً ﴾ بكسر الراء: أبو جعفر ونافع وسهل وأبو بكر وحماد.
الباقون: بالفتح ﴿ يصعد ﴾ من الصعود: ابن كثير ﴿ يصاعد ﴾ من التصاعد بإدغام التاء في الصاد: أبو بكر وحماد.
الباقون: ﴿ يصعد ﴾ بالإدغام من التصعيد.
﴿ يحشرهم ﴾ بياء الغيبة: حفص.
الآخرون بالنون.
الوقوف: ﴿ بخارج منها ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ رسل الله ﴾ ط ﴿ رسالاته ﴾ ط ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ للإسلام ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف.
﴿ في السماء ﴾ ج ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مستقيماً ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ج للحذف أي يحشرهم ويقول لهم مع اتحاد المقصود ﴿ من الإنس ﴾ الأول ج لتبدل القائل مع اتفاق الجملتين ﴿ أجلت لنا ﴾ ط قال النار يغلظ الصوت على النار إشارة إلى أن النار مبتدأ بعد القول وليست فاعله ﴿ يشاء الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يومكم هذا ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه.
التفسير: إنه بعد أن ذكر أن المشركين يجادلون المؤمنين ضرب مثلاً للفريقين فبيّن أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتاً فجعله الله حياً وأعطاه نوراً يهتدي به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في الظلمات منغمس فيها لا خلاص له منها فيكون متحيراً على الدوام، وهل هما خاصان أو عامان فيه قولان: الأول قال ابن عباس: يريد حمزة بن عبد المطلب وأبا جهل؛ وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وآله بفرث وحمزة ولم يؤمن بعد، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه ويقول: يا أبا يعلي أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا؟
فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله فنزلت الآية.
وعن مقاتل: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وأبي جهل؛ وذلك أنه قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه.
والله لا نؤمن به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت، وعن عكرمة أنها في عمار بن ياسر وأبي جهل، وعن الضحاك هي في عمر بن الخطاب وأبي جهل.
والقول الثاني أنها عامة في كل مؤمن وكافر لحصول المعنى في الكل.
وإنما جعل الكفر موتاً لأنه جهل والجهل يوجب الحيرة والوقفة فهو كالموت الذي يوجب السكون.
وأيضاً الميت لا يهتدي إلى شيء وكذلك الجاهل، والهدى علم وبصيرة وهما يوجبان الفوز بالمطالب كالحياة والنور، قال بعض العلماء: قوله: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ إشارة إلى أول مراتب النفس الإنسانية وهي الاستعداد المحض المسماة بالعقل الهيولاني عند الحكيم.
وقوله: ﴿ فأحييناه ﴾ إشارة إلى ثانية مراتبها المسماة بالعقل بالملكة وهي أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية.
وقوله ﴿ وجعلنا له نوراً ﴾ إشارة إلى ثالثة المراتب وهي التي قد حصلت لها المعقولات المكتسبة ولكنها لا تكون حاضرة بالفعل بل تكون بحيث متى شاء صاحبها استرجاعها واستحضارها قدر عليه ولهذا يسمى عقلاً بالفعل أي الفعل القريب، وقوله: ﴿ يمشي به في الناس ﴾ إشارة إلى رابعة المراتب وهي النهاية المسماة بالعقل المستفاد، وقد حصلت المعارف القدسية والجلايا الروحانية للنفس حاضرة بالفعل وصار جوهر الروح مشرقاً بتلك المعارف مستضيئاً بها.ويمكن أن يقال: الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح، والنور عبارة عن اتصال نور الوحي والتنزيل فإنه لا بد في الإبصار من أمرين: سلامة الحاسة والنور الخارجي من الشمس والسراج، فكذلك البصيرة لا بد لها في الإدراك من سلامة حاسة العقل ومن طلوع نور الوحي فلهذا قال جمع من المفسرين: المراد بهذا النور القرآن، ومنهم من قال: نور الدين أو نور الحكمة.
والأقوال متقاربة، وأما مثل الكافر فهو ﴿ كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ﴾ وفيه أن ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت كالصفة اللازمة له لا تكاد تزول عنه فيبقى متحيراً خائفاً فزعاً نعوذ بالله من هذه الحالة.
ومعنى المثل ههنا الصفة الغريبة أي كمن صفته هذه والمراد كمن هو في الظلمات.
ثم قال: ﴿ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ﴾ والمزين هو الله بالتحقيق عند الأشاعرة.
والشيطان بالحقيقة أو الله مجازاً عند المعتزلة، والإضافة إلى الله بالحقيقة أو المجاز أولى بدليل قوله: ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها كذلك جعلنا، أو وكما زينا للكافرين أعمالهم كذلك جعلنا ﴿ في كل قرية أكابر ﴾ وهي جمع الأكبر و ﴿ مجرميها ﴾ مضاف إليه والظرف مفعول ثانٍ قدم ليعود الضمير إلى القرية.
وقيل: التقدير جعلنا مجرميها أكابر.
قال الزجاج: إنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم، ولأن كثرة المال وقوّة الجاه تحمل الناس على المبالغة في حفظهما وذلك لا يتم إلا باستعمال بعض الأخلاق الذميمة من المكر والغدر والكذب والغيبة والنميمة والشح والأيمان الكاذبة وكفى بهذه الأمور دليلاً على خساسة المال والجاه.
واللام في ﴿ ليمكروا ﴾ على أصله عند الأشاعرة، واستدلوا به على أن الشر بإرادة الله .
وحمله المعتزلة على لام العاقبة مجازاً حملوا الجعل في قوله: ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ على التخلية والخذلان.
ثم قال في معرض التهديد ﴿ وما يمكرون إلا بأنفسهم ﴾ لأن وباله يعود عليهم ﴿ وما يشعرون ﴾ وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتقديم موعد بالنصرة، ثم إنه حكى قول أبي جهل وأضرابه "زاحمنا بني عبد مناف في الشرف إلى آخره" وقول الوليد بن المغيرة "لو كانت النبوّة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً" فقال: ﴿ وإذا جاءتهم آية ﴾ أي معجزة قاهرة أو وحي.
﴿ قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ﴾ قال الضحاك: أراد كل واحد منهم ذلك كما في الآية الأخرى.
﴿ بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة ﴾ ويشبه أن يكون هذا الكلام الخبيث هو المراد بالمكر المذكور في الآية المتقدمة، وللمفسرين في مقترحهم قولان: أحدهما - وهو الأشهر - أنهم أرادوا أن تحصل لهم النبوُّة والرسالة كما حصلت للنبي وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ومخدومين لا خادمين.
وثانيهما عن ابن عباس والحسن أن المعنى وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وآله ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى قوله: ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه ﴾ من الله إلى أبي جهل وفلان وفلان فالقوم ما طلبوا النبوّة وإنما طلبوا آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين تدل على صحة نبوّة محمد .
فقوله في جوابهم على سبيل الاستئناف ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ على القول الأول ظاهر، وأما على القول الثاني فوجهه أن القوم إذا اقترحوا تلك الآيات فلو أظهر الله تلك المعجزات على وفق التماسهم لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة.
قال بعض العقلاء: الأرواح متساوية في تمام الماهية فحصول النبوّة والرسالة لبعضها دون بعض تشريف من الله وإحسان وتفضل.
وقال آخرون: بل النفوس مختلفة بجواهرها وماهياتها فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة، وبعضها خبيثة كدرة محبة للجسمانيات، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول لم تصلح لقبول الوحي والرسالة.
ومراتب الرسل مختلفة فمنهم ذو معجزة واحدة وذو معجزتين أو أكثر، ومنهم من له تبع قليل ومنهم من آمن به جم غفير، ومنهم من كان الرفق غالباً عليه ومنهم من كان مدار أمره على التغليظ والتشديد.
وفي الآية تعريض بأن حصول النبوّة والرسالة لا بد فيه من قلب سليم، والمقترحون فيهم من المكر والحسد ما فيهم فكيف يعقل حصول الرسالة لهم وإنما يحصل لهم ما يناسب أخلاقهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى: ﴿ سيصيب الذين أجرموا صغار ﴾ ذل وهوان ﴿ عند الله ﴾ أي في الآخرة أو في الدنيا بحكم الله وإيجابه من الأسر والقتل.
أو المراد من عند الله فحذف "من".
أو قوله: ﴿ عند الله ﴾ مستأنف أي معدّ لهم ذلك، واعلم أن كمال العقاب لا بد فيه من أمرين: الضرر، والإهانة.
ثم إن القوم لما تردوا عن طاعة محمد صلى الله عليه وآله طلباً للعز والكرامة فالله بيّن أنه يقابلهم بضد مقصودهم، فأول ما يوصل إليهم الذل والهوان وبعده عذاب شديد جميع ذلك بسبب مكرهم ونكرهم ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ﴾ يقال: شرح فلان أمره، إذا أظهره وأوضحه ومنه شرح المسأله إذا بينها.
وقال الليث: شرح الله صدره فانشرح أي وسعه لقبول ذلك الأثر.
ولا شك أن توسيع الصدر غير ممكن على سبيل الحقيقة ولكن ههنا معنى وهو أنه إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح مال طبعه إلي وقوي طلبه ورغبته في حصوله وظهر في القلب استعداد شديد لتحصيله فسميت هذه الحالة سعة الصدر، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن يكون ذلك العمل مشتملاً على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى تركه وحصل في النفس نبوّة عن قبوله فيقال لهذه الحال ضيق الصدر، لأن المكان إذا كان ضيقاً لم يتمكن الداخل من الدخول فيه، وإذا كان واسعاً قدر على الدخول فيه.
وأكثر استعمال شرح الصدر في جانب الحق والإسلام وقد ورد في الكفر أيضاً قال : ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ قال المفسرون: "لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله فقيل له: كيف يشرح الله صدره؟
فقال صلى الله عليه وآله: يقذف الله فيه نوراً حتى ينفسخ وينشرح، فقيل له: وهل لذلك من أمارة يعرف بها؟
فقال : الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله " وهذا البيان مناسب لما ذكرنا فإن الإنابة إلى دار الخلود لا بد أن تترتب على اعتقاد أن عمل الآخرة زائد النفع والخير، والتجافي عن دار الغرور إنما ينبعث عن اعتقاد كون عمل الدنيا زائد الضر والضير، والاستعداد للموت قبل نزوله نتيجة مجموع الأمرين الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة.
أما قوله: ﴿ حرجاً ﴾ فمن قرأ بكسر الراء فعلى النعت، ومن قرأ بالفتح فعلى الوصف بالمصدر للمبالغة.
قال الزجاج: الحرج في اللغة أضيق الضيق.
وقيل: الحرج بالفتح جمع حرجة وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية.
حكى الواحدي بإسناده عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وقال: هل ههنا أحد من بني بكر؟
قال رجل: نعم.
قال: ما الحرجة فيكم؟
قال: الوادي الكثير الأشجار المشتبك الذي لا طريق فيه.
فقال: كذلك قلب الكافر.
ومعنى: ﴿ يصعد في السماء ﴾ كأنما يزاول أمراً غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد عن الاستطاعة فكأن الكافر في نفوره من الإسلام وثقله عليه بمنزلة من يتكلف الصعود إلى السماء.
وقيل: المراد أن قلبه يتباعد عن الإسلام وقبوله تباعد ما بين الأرض والسماء.
﴿ كذلك يجعل ﴾ أي كما جعل ضيق الصدر في قلوبهم كذلك يجعل الرجس عليهم.
وقال الزجاج: أي مثل ما قصصنا عليك يجعل الله الرجس.
عن ابن عباس هو الشيطان يسلطه الله عليهم.
وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه.
وعن عطاء: الرجس هو العذاب.
وقال الزجاج: هو اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الهداية والضلال من الله ؛ بيانه أن العبد قادرعلى الإيمان وعلى الكفر وقدرته بالنسبة إلى الأمرين سواء ولا يترجح إلا لداعية، ولا معنى للداعية إلى علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملاً على مصلحة زائدة، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل، ولا بد أن تنتهي تلك الداعية إلى تخليق الله وتكوينه دفعاً للتسلسل فإذا خلق الله في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة - وهو المراد بشرح الصدر - مال القلب إليه، وإذا خلق في قلبه اعتقاد أن الإيمان بمحمد سبب للمفسدة الدينية والدنيوية نبا طبعه عنه وبقي على الكفر.
فحاصل الآية أن من أراد الله منه الإيمان قوى دواعيه إليه، ومن أراد منه الكفر قوى صوارفه عن الإيمان.
وقالت المعتزلة: إنه لا دلالة في الآية على قولكم لأنه ليس فيها أكثر من أنه إذا أراد أن يهدي إنساناً أو يضله فعل به كيت وكيت، وليس فيها أنه أراد ذلك أو لم يرده نظيره قوله: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا ﴾ فبيّن أنه كيف يفعل اللهو لو أراده، ثمّ إنه لم يرد ذلك بالاتفاق وأيضاً لم قلتم إنه أراد ومن يرد أن يضله عن الإيمان بل المراد من يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة يشرح صدره للإسلام حتى يثبت عليه، وتفسير الشرح هو أنه يفعل به ألطافاً تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه.
ومن يرد أن يضله عن طريق الجنة فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج لا في كل الأوقات بل في بعضها كيلا يمكن دفعه وخصوصاً عند ظهور نصرة المؤمنين وبدوّ الذل والصغار في الكافرين.
وأيضاً لم لا يجوز أن يقال: المعنى فمن يرد الله أن يهديه إلى الجنة يشرح صدره للإسلام في ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة لما رأى من فوائد الإيمان ونتائجه من الدرجات العالية والمراتب الشريفة فتزداد رغبته فيه، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق الجنة ففي ذلك الوقت يضيق صدره للحزن الشديد الذي ناله عند الحرمان من الجنّة والدخول في النار؟
وقال في الكشاف: ﴿ فمن يرد الله أن يهديه ﴾ أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف ﴿ يشرح صدره ﴾ للإسلام يلطف به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ أي يخذله ويخليه وشأنه وهو الذي لا لطف له ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ يمنعه ألطافه حتى يقسو قلبه وينبو عن قبول الحق وينسد فلا يدخله الإيمان.
وأجيب عن قولهم "ليس في الآية أنه أراد ذلك أو لم يرده" بأن قوله في آخر الآية: ﴿ كذلك يجعل الله الرجس ﴾ تصريح بأنه فعل به ذلك الإضلال لأن الكاف للتشبيه والتقدير: كما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره كذلك يجعل.
وفيه أيضاً دلالة على أن المراد من قوله: ﴿ ومن يرد أن يضله ﴾ هو أنه يضله عن الدين، وتفسير الضيق والحرج باستيلاء الغم والحزن على قلب الكافر بعيد لأن أكثر من يعتريه الحزن في الدنيا هو المؤمن ولهذا قال صلى الله عليه وعلى آله: "خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل" ولو خص ذلك بالآخرة كان من إيضاح الواضحات.
فمن المعلوم لكل أحد أن من يضله الله عن طريق الجنة فإنه يضيق قلبه في ذلك الوقت.
والجواب على قول صاحب الكشاف مما مر من أن فعل الإيمان يتوقف على أن تحصل في القلب داعية جازمة إلى الإيمان، وفاعل تلك الداعية هو الله وكذا القول في جانب الكفر، فإن سمى الداعيتين أحد باللطف والخذلان فلا مشاحة في الأسامي.
قال القاضي في تفسيره: روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: تذاكرنا أمر القدرية عند ابن عمر فقال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ وقد جمع الناس بحيث يسمع الكل أين خصماء الله؟
فتقوم القدرية.
قال: ولا يخفى أنهم الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله قضاءً وقدراً وخلقاً لأنهم يقولون الذنب لله فأي ذنب لنا حتى تعاقبنا أنت الذي خلقته فينا وأردته منا وقضيته علينا ولم تخلقنا إلا له ولا يسرت لنا غيره، فهؤلاء لا بد أن يكونوا خصماء الله.
أما الذين قالوا إن الله مكن وأزاح العلة وإنما أتى العبد من قبل نفسه فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة، فهؤلاء منقادون لله لا خصماؤه.
هذا كلام القاضي وتعجب منه الأشاعرة فقالوا: كيف يكون خصم الله من يقول ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه وإن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب وليس للعبد على ربه اعتراض ولا مناظرة وكل ما يصل منه إلى عباده حتى الملائكة والأنبياء فهو تفضل منه وإحسان، لكن الخصم من يدعي عليه وجوب الثواب والعوض ويقول لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولاً عن الربوبية وكنت من السفهاء وأن من واظب على الكفر سبعين سنة ثم إنه في آخر زمن حياته قال لا إله إلا الله محمد رسول الله عن القلب ثم مات، فإن رب العالمين أعطاه النعم الفائقة سنين غير محصورة، ثم إنه لو ترك لحظة واحدة قال العبد له إنك معزول عن الإلهية، يحكى أن الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله، عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن أبا علي عقد مجلس التذكير وحضر عنده جم غفير، فذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس مختفياً عن الجبائي وقال لبعض من حضر هناك من العجائز: إني أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ.
قولي له كان لي ثلاثة من البنين واحد في غاية الزهد، وآخر في غاية الفسق، الثالث كان صبياً لم يبلغ فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم.
فقال الجبائي: أما الزاهد ففي درجات الجنة، وأما الكافر ففي دركات النار، وأما الصبي فمن أهل السلامة.
فقال: قولي له إن الصبي لوأراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه الزاهد فهل يمكن منه؟
قال الجبائي: لا لأن الله يقول له إنما أخوك وصل إلى تلك الدرجات لأنه أتعب نفسه في العلم والعمل وأنت فليس معك ذلك.
فقال أبو الحسن: قولي له لو أن الصبي يقول: يا رب العالمين ليس الذنب لي لأنك أمتني قبل بلوغي، ولو أبلغتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد، فقال الجبائي: يقول الله له علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوجب النار فراعيت مصلحتك.
فقال لها أبو الحسن.
قولي له لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار وقال: يا رب العالمين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم الراحمين، لم راعيت حال الأخ الصغير وما راعيت حالي ومصلحتي؟
قال الراوي: فانقطع الجبائي فنظر فرأى أبا الحسن فعلم أن المسألة منه لا من العجوز.
ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار وأكثر مجيباً عن الجبائي قائلاً: نحن لا نرضى بهذا الجواب وإنما نقول: الجواب مبني على مسألة اختلف شيوخنا فيها، وهي أنه هل يجب على الله أن يكلف العبد أم لا؟
فقال البصريون: إنه غير واجب ولكنه تفضل وإحسان.
وقال البغداديون: إنه واجب وعلى الأول لله أن يقول لذلك الصبي إني طولت عمر الأخ الزاهد وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلاً على أحد بشيء أن أتفضل على غيره بمثله، وعلى قول البغداديين فله أن يقول: إن إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف في حقه لم يستلزم مفسدة الغير فلا جرم فعلته، أما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك فكان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك فلهذا ما فعلته وظهر الفرق.
وأورد على القسم الأول أنه لما أوصل التفضل إلى أحدهما فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح منه عقلاً لأنه ليس فعلاً شاقاً عليه ولا ينقص بذلك شيء من ملكه، والصبي محتاج إلى الإحسان إليه ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد كمن منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجواد لعامة الناس.
فإن كان حكم العقل في التحسين والتقبيح مقبولاً فليكن ههنا أيضاً مقبولاً وإلا فلا يقبل في شيء من الصور وتبطل كلية مذهبكم.
وأورد على الشق الثاني أن قولنا: "تكليفه يتضمن مفسدة" ليس معناه أن ذات التكليف تتضمن المفسدة وإلا لم ينفك تكليف عن المفسدة وأنه باطل بالاتفاق، فمعناه إذاً أنه علم أنه إذا كلف هذا الشخص فإن إنساناً آخر يختار من قبل نفسه فعلاً قبيحاً، فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله تكليفه وجب أن يقبح تكليف كل من علم الله من حاله أنه يكفر وإلا لزم محض التحكم.
هذا تمام مناظرة الفريقين، ولعلك قد عرفت التحقيق هنا فيما سلف فتذكر.
ثم قال: ﴿ وهذا صراط ربك ﴾ في المشار إليه وجوه منها: أنه المذكور في الآية المتقدمة.
أما على مذهب الأشاعرة وهو أن الفعل يتوقف على الداعي وحصول تلك الداعية من الله فيكون الفعل من الله، ويلزم استناد الكل إلى قضائه وقدره.
وأما على مذهب المعتزلة فالمراد هذا الذي قررنا طريقته التي اقتضتها الحكمة وعادته الجارية في عباده من التوفيق والخذلان.
ومعنى ﴿ مستقيماً ﴾ عادلاً مطرداً.
وانتصابه على الحال المؤكدة والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل.
أو هو محذوف أي أحقه.
وعن ابن عباس: يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك.
وقال ابن مسعود: يعني القرآن: ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ ذكرناها فصلاً فصلاً بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر.
قال في التفسير الكبير: قد بيّن الله تعالى صحة القول بالقضاء والقدر في آيات من هذه السورة متوالية متعاقبة بطرق كثيرة ووجوه مختلفة.
وختم الآية بقوله: ﴿ لقوم يذكرون ﴾ لأنه تقرر في عقل كل واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجح عن الآخر إلا لمرجح فكأنه يقول للمعتزلي: تذكر ما تقرر في عقلك أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا لمرجح حتى تزول الشبهة عن قلبك فإن حصول الفعل عن القادر لو لم يتوقف على الداعي مع تساوي طرفيه وجب أن يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات والمحدثات وحينئذٍ يلزم نفس الصانع وإبطال القول والفعل والفاعل والتأثير والمؤثر.
ثم لما بيّن عظمة نعمته في الصراط المستقيم بيّن ما أعد وهيىء للمتذكرين فقال: ﴿ لهم دار السلام ﴾ أي دار الله يعني الجنة، والإضافة للتشريف والتعظيم كما قيل: الكعبة بيت الله: أو دار السلامة من كل آفة وكرب والسلام والسلامة مثل: الضلال والضلالة والرضاع والرضاعة كلاهما مصدر.
وقيل: السلام جمع السلامة لأن أنواع السلامة حاصلة في الجنة.
ومعنى ﴿ عند ربهم ﴾ أنها معدة عنده وفي ضمانه كما يقال لفلان عندي حق لا ينسى وذلك نهاية في بيان وصولهم إليها وكونهم على ثقة من حصولها ﴿ وهو وليهم ﴾ أي قريب منهم بالرحمة والرضوان أو مواليهم ومحبهم أو ناصرهم على أعدائهم، وذلك أن القوم قد عرفوا أن المدبر والمقدر ليس إلا هو ، وأن النافع والضار ليس إلا هو ، فانقطعوا عن كل ما سواه فما كان رجوعهم إلا إليه، وما كان توكلهم إلا عليه، ولم يكن أنسهم إلا به، فلما صاروا بالكلية له لا جرم قال : ﴿ وهو وليهم ﴾ على أنه متكفل لجميع مصالحهم ديناً ودنيا.
ثم قال: ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ أي بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون لئلا يقطعوا العمل ولا يتكلوا، وذلك أن بين النفس والبدن تعلقاً شديداً وكما أن الهيآت النفسانية قد تؤثر في البدن كحمرة الخجل وصفرة الوجل فالهيآت البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس، فإذا واظب الإنسان على أعمال الخير ظهرت الآثار المناسبة لها في جوهر النفس فلا بد للسالك من العمل بعد كمال العلم والمعرفة.
ثم لما بين حال من تمسك بالصراط المستقيم أردفها بذكر من تعلق بضده فقال: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ والمراد واذكر يوم كذا، أو يوم نحشرهم قلنا، أو متعلقة محذوف والتقدير: ويوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن كان ما لا يوصف لفظاعته، والضمير إما أن يعود إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله: ﴿ شياطين الإنس والجن ﴾ أو يعود إلى جميع المكلفين الذين علموا أن الله يبعثهم من الثقلين وغيرهم، ويكون القائل على تقدير حذف القول هو الله كما أنه الحاشر لجميعهم.
وهذا القول منه بعد الحشر لا يكون إلا للتبكيت وإنهم وإن تمردوا في الدنيا انتهى حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد والاعتراف.
وقال الزجاج: التقدير فيقال لهم: ﴿ يا معشر الجن ﴾ لأنه يبعد أن يتكلم الله بنفسه مع الكفار لقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله ﴾ ﴿ قد استكثرتم من الإنس ﴾ لا بد فيه من إضمار لأن الجن أي الشياطين لا يقدرون على الاستكثار من نفس الإنس، فالمراد قد استكثرتم من إضلال الإنس واستتباعهم فحشر معكم منهم الجم الغفير كما يقال: استكثر الأمير من الجنود.
أما قوله: ﴿ وقال أولياؤهم من الإنس ﴾ فالأقرب عند بعضهم أن فيه حذفاً فكما قال للجن تبكيتاً ناسب أن يقول للإنس أيضاً مثل ذلك توبيخاً لأنه حصل من الجن الدعاء ومن الإنس القبول.
ولما بكت الله كلا الفريقين حكى جواب الإنس وهو قوله: ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن وعلى هذا ففي الاستمتاع وجهان: أحدهما أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض منفرداً وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.
فيبيت آمناً في نفسه.
فهذا استمتاع الإنس بالجن، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني كان ذلك تعظيماً منهم للجن؛ وذلك الجني يقول: قد سدت الجن والإنس لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه.
وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج ويعضده قوله : ﴿ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ﴾ وثاني الوجهين أن الإنس كانوا ينقادون للجن ويطيعون حكمهم فصار الجن كالرؤساء والإنس كالأتباع فانتفعوا بالإنس انتفاع الرئيس بالخادم، وأما انتفاع الإنس بالجن فهو أن دلوهم على الشهوات واللذات إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي أيقنوا أنه يسوء عاقبتهم وهذا اختيار الزجاج.
والقول الثاني أن البعضين كليهما من الإنس لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر ﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ أي ذلك الاستمتاع كان حاصلاً إلى وقت محدود ثم جاءت الحسرة والندامة من حيث لا ينفع.
وما ذلك الإجل؟
قيل: هو وقت الموت وعلى هذا فكل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله لأنهم أقروا بأنهم بلغوا أجلهم وفيهم المقتول وغير المقتول.
وقيل: هو وقت التخلية والتمكين وقيل: وقت المحاسبة في القيامة ﴿ قال ﴾ الله في جوابهم ﴿ النار مثواكم ﴾ مقامكم ومقرّكم من ثوى بالمكان يثوي ثوياً إذا أقام به.
قال أبو علي الفارسي: المثوى اسم للمصدر دون المكان لأن قوله : ﴿ خالدين فيها ﴾ حال واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل فالمعنى النار أهل أن يقيموا فيها خالدين.
﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قيل: المراد منه أوقات المحاسبة ووقت كونهم في المحشر كأنه قيل: خالدين فيها منذ يبعثون إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم.
وقال ابن عباس: استثنى الله قوماً سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وآله.
وعلى هذا يلزم أن يكون "ما" بمعنى "من" وفيه خلل آخر وهو أن الاستثناء إنما هو من يوم القيامة الذي يحشرون فيه، وقيل: المراد الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير.
روي أنهم يدخلون وادياً فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد الشديد إلى حر الجحيم.
وقال في الكشاف: أو يكون هذا من قول الموتور الذي ظفر بواتره ولم يزل يحرق عليه أنيابه وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه أهلكني الله، إن نفست عنك إلا إذا شئت، فيكون قوله: "إلا إذا شئت" من أشد الوعيد مع تهكم لأن إطماع محض ويأس كلي.
وقال أبو مسلم: هذا الاستثناء غير راجع إلى الخلود وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم كأنهم قالوا: وبلغنا أجلنا الذي سميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى يعني الآجال الاخترامية ﴿ إن ربك حكيم ﴾ فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة.
﴿ عليم ﴾ بما يستأهله كل طائفة فكأنه يقول: إنما حكمت لهؤلاء بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون ذلك.
ثم لما حكى عن الجن أن بعضهم يتولى بعضاً بين أن ذلك إنما حصل بتقديره وقضائه فقال: ﴿ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً ﴾ وذلك أن القدرة صالحة للعداوة والصداقة فترجيح أحد الجانبين لا يكون إلا بداعية خلقها الله قطعاً للتسلسل، وأيضاً لما بين أنه ولي أهل الجنة بقوله: ﴿ هو وليهم ﴾ ذكر أن أولياء أهل النار من يشبههم في الظلم والخزي والنكال وأشار إليه بقوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ أي بسبب كون ذلك البعض مكتسباً للظلم وهذه في مناسبة في غاية اللطف لأن الجنسية علة الضم فالطيبات للطيبين والخبيثات للخبيثين.
وفي الآية دلالة على أن الرعية متى كانوا ظلمة فإن الله يسلط عليهم ظالماً مثلهم، فإن أرادوا الخلاص منه فليتركوا الظلم وعن مالك بن دينار قال: جاء في بعض الكتب السموية "أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليهم رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليهم نقمة، لا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك لكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم".
ثم بيّن أن كفار الثقلين لا يكون لهم إلى الجحود يوم القيامة سبيل وأنهم لا يعذبون إلا بالحجة فقال: ﴿ يا معشر الجن والإنس ﴾ قال أهل اللغة: المعشر كل جماعة مختلطة يجمعهم أمير واحد ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ استفهام على سبيل التقدير فلا جرم استدل الضحاك بالآية ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ﴾ على أن من الجن رسلاً كالإنس، ولأن استئناس الجنس بالجنس أكمل ولهذا قال : ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ والأكثرون على أنه ما كان من الجن رسول ألبتة إنما كانت الرسل من بني آدم وزعموا أن ذلك مجمع عليه.
ورد بأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف؟
واستدل بعضهم على المطلوب بقوله : ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ﴾ والمراد بالاصطفاء ههنا النبوّة بالإجماع.
وأجيب عن قول الضحاك بأن الآية تقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضاً من أبعاض هذا المجموع فكان هذا القدر كافياً في حمل اللفظ على ظاهره فلا يلزم إثبات رسول من الجن.
وأيضاً لا يبعد أن يقال: إن الرسل كانوا من الإنس، ثم كان من الجن نفر يستمعون من رسول الإنس وينذرون قومهم بذلك قال: ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ الآية.
وقد يسمى رسول الرسول رسولاً كما أنه سمى رسل عيسى رسل نفسه فقال: ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين ﴾ ثم إنه يكون قد بكت كفار الثقلين بهذه الآية لأنه أزال العذر وأزاح العلة بسبب أنه أرسل الرسل إليهم فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق فقد حصل المقصود.
وقال الواحدي: أراد رسل من أحدكم وهو الإنس كقوله: ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ ﴾ أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب.
وعن الكلبي كانت الرسل قبل أن يبعث محمد يبعثون إلى الإنس ورسول الله صلى الله عليه وآله بعث إلى الجن والإنس.
أما قوله: ﴿ يقصون عليكم آياتي ﴾ فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتأويل وبالتلاوة ﴿ وينذرونكم لقاء يومكم هذا ﴾ يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا بداً من الاعتراف فلذلك ﴿ قالوا شهدنا على أنفسنا ﴾ والسبب في أنهم أقروا في هذه الآية وجحدوا في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ هو أنهم مختلفو الأحوال في يوم القيامة مضطربون؛ فتارة يقرّون وأخرى يجحدون.
ومنهم من حمل هذه الشهادة على شهادة الجوارح عليهم.
ثم أخبر الله عن حالهم في الدنيا بقوله: ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ وعن حالهم في الآخرة بقوله: ﴿ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ﴾ والمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجر أمثالهم في الدنيا عن الكفر والمعصية.
وقد يستدل بالآية على أن لا وجوب قبل ورود الشرع وإلا لم يكن لهذا التوبيخ والتبكيت فائدة.
التأويل: ﴿ أو من كان ميتاً ﴾ في حالة العدم ﴿ فأحييناه ﴾ بالحياة الحقيقية أي بالحي الذي لا يموت ﴿ وجعلنا له ﴾ نور الوجود الحقيقي الذي ﴿ يمشي به في الناس ﴾ وبه يسمع وبه يبصر ﴿ كمن هو ﴾ محبوس ﴿ في ظلمات ﴾ الطبيعة ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية ﴾ أي كل قالب ﴿ أكابر مجرميها ﴾ من النفس والهوى والشيطان ﴿ ليمكروا فيها ﴾ بمخالفات الشرع وموافقات الطبع.
﴿ ما أوتي رسل الله ﴾ من القلب والسر والروح.
﴿ يشرح صدره ﴾ أي ينظر إلى قلبه بنظر العناية فينوّره بنور جماله وهو نور الإيمان، فيشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام.
وهذا النور يقبل الزيادة والاشتداد إلى أن يصير الإيمان إيقاناً والإيقان عياناً والعيان عيناً.
﴿ ضيقاً ﴾ لتزاحم ظلمات صفات البشرية ﴿ حرجاً ﴾ لتعلقاته بالدنيا وشهواتها ﴿ كأنما يصعد في السماء ﴾ لأنه سفلي بالطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر.
﴿ وهذا ﴾ الذي بينا من الهداية والضلالة ﴿ صراط ربك ﴾ باللطف والقهر فبجذبات اللطف يهدي السعيد وبسطوات القهر يضل الشقي.
﴿ لهم دار السلام ﴾ أي السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج عن ظلمات الاثنينية.
﴿ ويوم يحشرهم ﴾ في موقف القالب البشري بالحكمة البالغة والقدرة الكاملة ﴿ يا معشر الجن ﴾ أي الصفات الشيطانية ﴿ قد استكثرتم من الإنس ﴾ أي غلبتم على الصفات الإنسانية ﴿ وقال أولياؤهم من الإنس ﴾ يعني النفس الأمارة ﴿ ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾ واستمتاع النفس الأمارة بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره على تحصيل شهواتها ولذاتها العاجلة وحظوظها، واستمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائها كما استعان بحواء على إغواء آدم.
﴿ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ يعني أن مدة الاستمتاع وما جرى بيننا إنما كان بمقتضى قضائك وقدرك فأجابهم بأن الثوى في النار أيضاً بقضاء الله ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فيتوب عليهم ﴿ إن ربك حكيم ﴾ في تقدير الاستمتاع ﴿ عليم ﴾ بأهل الجنة وبأهل النار، ﴿ وكذلك ﴾ أي كما جعلنا مردة الجن والإنس بعضهم أولياء بعض فكذلك نجعل بعض الظالمين أولياء بعض بما كانوا يكسبون من إفساد الاستعداد الفطري ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ يعني الإلهامات الربانية.
وشهدوا على أنفسهم أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا صدأ مرآة قلوبهم ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ﴾ وما التوفيق إلا منه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ .
يعني: من تقدم ذكره من الجن، والإنس، أو نحشر الأولين والآخرين.
﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ ﴾ .
هو على الإضمار؛ كأنه قال: يوم نحشرهم جميعاً [يا معشر] الجن والإنس، ثم نقول للجن: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ ، كقوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، أي: يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى؛ فكذلك هذا هو على الإضمار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ .
قال أهل التأويل في قوله: ﴿ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ : [أي: أضللتم كثيراً من الإنس] وهم قد استكثروا من الأتباع من الإنس: في عبادة غير الله، ومخالفة أمر الله وتوحيده أو: قد استكثرتم عبادا من الإنس.
﴿ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: تعاون بعضنا ببعض في معصية الله ومخالفة أمره: هؤلاء بالدعاء وأولئك بالإجابة.
وقال قائلون: ربنا استمتع بعضنا ببعض أي: انتفع بعضنا ببعض بأنواع المنافع: ما ذكر - في بعض القصة - أن الرجل من الإنس إذا سافر فأدركه المساء بأرض القفر خاف؛ فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه؛ فيأمن في ذلك بالتعوذ إلى سيدهم؛ فذلك استمتاع الإنس بالجن؛ فذلك [قوله]: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ ﴾ الآية [الجن: 6].
وأمّا استمتاع الجن بالإنس [فهو] ما يزداد لهم الذكر والشرف في قومهم، يقولون: لقد سودتنا الإنس.
ويحتمل استمتاع الجن بالإنس ما ذكر - إن ثبت - أنه جعل طعامهم العظام التي يستعملها الإنسان، ويكون ذلك غذاءهم، وعلف دوابهم أرواث دواب الإنس.
وقال الحسن: ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت الإنس، فعلمت ذكر جواب الإنس لهم، ولم يذكر جواب الجن لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا ﴾ .
قيل: الموت.
وقيل: البعث يوم القيامة؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث؛ فأقروا عند ذلك: بأنا قد بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا وكنا كذبناه، أقروا بما كانوا ينكرون.
﴿ قَالَ ﴾ \[أي\] الله: ﴿ ٱلنَّارُ مَثْوَٰكُمْ ﴾ \[أي مقامكم\].
﴿ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .
اختلف فيه: قال الحسن: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ : وقد شاء [الله] أن يخلدهم في النار.
وقال غيره: الاستثناء من وقت البعث إلى وقت الخلود، وهو وقت الحساب [ووقت الحساب] هو وقت الثنيا، ﴿ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ما داموا في الحساب.
وقيل: الاستثناء للمؤمنين [الذين] اتبعوهم في فعل المعاصي والجرم ولم يتبعوهم في الاعتقاد؛ ففيه دليل إدخال المؤمنين النار بالمعاصي، والعقوبة لهم بقدر معصيتهم، ودليل إخراجهم منها، إن ثبت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ يحتمل وجوهاً ثلاثة: أحدها: أن خلود الآخرة أكبر من خلود الدنيا؛ لأن خلود الدنيا على الانقضاء، وخلود الآخرة لا على الانقضاء.
والثاني: وقع الثنيا قبل دخولهم [في] النار.
والثالث: لمن لم يتبعهم في الكفر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ ﴾ .
أي: حكيم بما حكم ووضع كل شيء موضعه، عليم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .
الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأن الولاية [إنما تكون بأفعالهم ثم أضاف الولاية إلى نفسه دل أنه من الله في ذلك صنع، وهو أن خلق سبب الولاية] منهم، ثم ذكر أن المؤمنين بعض أولياء بعض بقوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ وذكر أن الكافرين بعضهم أولياء بعض بقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: لم يكن من الجن رسل إنما كان الرسل من الإنس، لكنه أضاف إلى الفريقين جميعاً؛ كقوله: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ ، وإنما يخرج من أحدهما، وكقوله: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ﴾ : وإنما جعل في واحدة منهن، وكقول الناس: في سبع قبائل مسجد واحد: وإنما يكون في واحد منها، وقد يضاف الشيء إلى جماعة والمراد [منه] واحد؛ فعلى ذلك ما ذكر من إضافة الرسل إلى الإنس والجن.
وقال بعضهم: كان من الفريقين جميعاً: الرسول من الجن جني، ومن الإنس إنسي؛ لأن الجن يسترون من الإنس، فإنما يرسل إلى الإنس رسلا يظهرون لهم؛ فبعث إلى كل فريق الرسول من جوهرهم.
وقال بعضهم: كان الرسل من الإنس إلى الفريقين جميعاً، وكان [من] الجن نذير؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ...
﴾ الآية [الأحقاف: 29] ذكر النذر منهم ولم يذكر الرسل، ومرتبة النذر دون مرتبة الرسل، كرتبة الأنبياء من الرسل، ولكن يجوز أن يقوي الرسل - وإن كان من الإنس - على الإظهار لهم، وليس فيما يسترون عنهم منع بعث الرسل إليهم من الإنس، وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة؛ إنما الحاجة إلى معرفة الآيات والحجج التي يأتي [بها] الرسل، وقد عجز الخلائق جميعاً عن إتيان مثل هذا القرآن؛ لقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ : فقد أعجز الجن والإنس عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وإن كان الجن أقوى على الأشياء من الإنس؛ فدل أنه آية ودل عجز الجن عن ذلك وإن كانوا أقوى على أن غيرهم أعجز.
ألا ترى: أنه أنزل هذا القرآن على لسان العرب ثم عجزوا هم عن إتيان مثله؛ فدل عجزهم عن ذلك على أن العجم له أعجز.
وجائز أن يكون الرسل إن كانوا من الإنس فإن الجن يستمعون من الرسل؛ فيلزمهم الحجة والعمل بذلك والتبليغ إلى قومهم، من غير أن يعلم الرسل بذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ﴾ .
يحتمل يتلون عليكم آياتي، ويحتمل: ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ﴾ يبينون لكم [ما في آيات وحدانيته وألوهيته] وآيات البعث الذي تنكرون.
﴿ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ ، أي: لقاء يومكم الذي تلقون ودل قوله: ﴿ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ على أن ذلك إنما يقال لهم في الآخرة.
﴿ قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا ﴾ .
هذا منهم إقرار لما كان منهم من التكذيب؛ كقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ ﴾ ، أي شهدنا على أنفسنا بأنا كنا كذبنا الرسل في الدنيا بما قالوا وأخبروا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
إن للدنيا معنيين: ظاهراً وباطناً، فيكون للظاهر غرور من كان نظره [إلى الظاهر] يغره، ولها باطن ومن نظر إلى ذلك الباطن يعظه.
أما ظاهرها: من تزيينها، وزخرفها فالكافر نظر إلى ظاهرها فاغتر بها.
وأما باطنها: فهو انتقالها من حال إلى حال وزوالها وفناؤها فمن نظر إلى ذلك اتعظ به ويعلم معناها ويعرف أنه لم يخلق لهذه ولكن لعاقبة تتأمل.
ثم إضافة الغرور إليها، أي: يكون منها ما لو كان ذلك من ذي عقل وذهن كان ذلك غرور.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ ﴾ .
هذا اعتراف بما كان منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ ما تقدم من قوله: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ ، ونحوهما من الآيات التي ذكر فيها العذاب.
ويحتمل ذلك إشارة إلى الهلاك الذي كان بالأمم الخالية: أن لم يكن يهلك القرى بظلم ظلموا أنفسهم إهلاك تعذيب واستئصال إلا بعد [ما] يقدم الوعيد لهم في ذلك وسؤال كان منهم بالعذاب، ولا يهلك - أيضاً - وهم غافلون عن الظلم والعصيان، لا أنه لا يسعه؛ ولكن سنة فيهم ألا يهلك إلا بعد تقدم ما ذكرنا؛ لئلا يحتجوا فيقولوا: ﴿ لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، وإن لم يكن لهم الاحتجاج بذلك لما مكن لهم وركب فيهم ما به يعرفون أنه لم يخلقهم ليتركهم سدى؛ ولكن خلقهم لعاقبة، لكن سنته قد مضت في الأمم الماضية: [أنه] لا يهلك قوماً إهلاك تعذيب واستئصال إلا بعد ما يسبق منه وعيد وإنذار، والعلم لهم بالظلم، وظهور العناد منهم والمكابرة، والسؤال بالعذاب سؤال تعنت، وذلك منه فضل ورحمة، لا أنه لا يسعه ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾ .
استدل بعض الناس بظاهر هذه الآية أن الجن لهم ثواب بالطاعات وعقاب بالمعاصي؛ لأنه أخبر أن لكل [منهم] درجات مما عملوا، وإنما تقدم ذكر الفريقين جميعاً بقوله: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ \[وقوله\] ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ : ذكر ما كان من الفريقين جميعاً من المعاصي والجرم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ ﴾ : راجع إلى الفريقين جميعاً، لكل درجات منهم: إن عملوا خيرا فخير، وإن [عملوا] شرا فشر [وبه] قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - واحتجوا لأبي حنيفة - رحمه الله - أن قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ ﴾ إنما ذكر على أثر آيات كان الخطاب بها للكفرة دون المؤمنين؛ فعلى قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾ يكون لهم هذا الوعيد خاصة، ويكون قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ ﴾ ، أي: دركات ومراتب من العذاب والعقاب؛ مما عملوا من المعاصي والتكذيب للرسل، ولأن الثواب لزومه لزوم فضل ومنَّة، والعذاب توجبه الحكمة؛ لأن في الحكمة أن يعاقب من عصاه وخالف أمره وأمّا الثواب فوجوبه الفضل؛ لأنه كان من الله إلى الخلق من النعم والإحسان [ما لو حمدوا كل حمدهم] ما قدروا على أن يؤدوا شكر واحد من ذلك، فتكون طاعتهم شكراً لما أنعم عليهم، فإذا كان كذلك لا يكون لأعمالهم ثواب إلا بالبيان من الله، كما لا يقال للملائكة: إن لهم ثواباً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ ، يحتمل وجهين: وما ربك بغافل عن أعمالهم التي يعملونها في معصية الله - - ولكن يؤخر تعذيبهم؛ رحمة منه، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ...
﴾ الآية [إبراهيم: 42].
والثاني: عن علم بأعمالهم، وصنيعهم خلقهم، لا عن جهل، لكن خلقهم على علم بذلك؛ لما كان ضرر أعمالهم ومنافعها ترجع إليهم لا إليه.
<div class="verse-tafsir"
وكما وَلَّينا المَرَدَة من الجن، وسَلَّطناهم على بعض الناس ليضلوهم، نولي كل ظالم ظالمًا يحثه على الشر ويحضه عليه، وينفِّره عن الخير، ويزهِّده فيه؛ جزاءً لهم على ما كانوا يكسبون من المعاصي.
<div class="verse-tafsir" id="91.8kQGX"