الآية ١٣١ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٣١ من سورة الأنعام

ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ ١٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣١ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣١ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ) أي : إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، لئلا يعاقب أحد بظلمه ، وهو لم تبلغه دعوة ، ولكن أعذرنا إلى الأمم ، وما عذبنا أحدا إلا بعد إرسال الرسل إليهم ، كما قال تعالى : ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) [ فاطر : 24 ] ، وقال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [ النحل : 36 ] ، وقال تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [ الإسراء : 15 ] ، وقال تعالى : ( كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا ) [ الملك : 8 ، 9 ] والآيات في هذا كثيرة .

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : ويحتمل قوله تعالى : ( بظلم ) وجهين : أحدهما : ذلك من أجل أن ربك مهلك القرى بظلم أهلها بالشرك ونحوه ، وهم غافلون ، يقول : لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم من ينبههم على حجج الله عليهم ، وينذرهم عذاب الله يوم معادهم ، ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة فيقولوا : ( ما جاءنا من بشير ولا نذير ) [ المائدة : 19 ] .

والوجه الثاني : أن ( ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ) يقول : لم يكن ربك ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر ، فيظلمهم بذلك ، والله غير ظلام لعبيده .

ثم شرع يرجح الوجه الأول ، ولا شك أنه أقوى ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم) ، أي: إنما أرسلنا الرسل، يا محمد، إلى من وصفتُ أمرَه, وأعلمتك خبره من مشركي الإنس والجن، يقصون عليهم آياتي وينذرونهم لقاء معادهم إليَّ, من أجل أن ربَّك لم يكن مهلك القرى بظلم .

* * * وقد يتَّجه من التأويل في قوله: " بظلم "، وجهان: أحدهما: (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم) ، أي: بشرك مَنْ أشرك, وكفر مَنْ كفر من أهلها, كما قال لقمان: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ، [سورة لقمان: 13] =(وأهلها غافلون)، يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسلا تنبههم على حجج الله عليهم, وتنذرهم عذاب الله يوم معادهم إليه, ولم يكن بالذي يأخذهم غَفْلة فيقولوا: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ .

* * * والآخر: (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم)، يقول: لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرُّسل والآيات والعبر, فيظلمهم بذلك, والله غير ظلامٍ لعبيده .

(47) * * * قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب عندي، القولُ الأول: أن يكون معناه: أن لم يكن ليهلكهم بشركهم، دون إرسال الرسل إليهم، والإعذار بينه وبينهم.

وذلك أن قوله: (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم)، عقيب قوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ، فكان في ذلك الدليل الواضحُ على أن نصَّ قوله: (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم)، إنما هو: إنما فعلنا ذلك من أجل أنَّا لا نهلك القرى بغير تذكيرٍ وتنبيه .

(48) * * * وأما قوله: (ذلك)، فإنه يجوز أن يكون نصبًا, بمعنى: فعلنا ذلك = ويجوز أن يكون رفعًا، بمعنى الابتداء, كأنه قال: ذلك كذلك .

* * * وأما " أنْ"، فإنها في موضع نصب، بمعنى: فعلنا ذلك من أجل أنْ لم يكن ربك مهلك القرى= فإذا حذف ما كان يخفضها، تعلق بها الفعل فنصب .

(49) -------------------------- الهوامش : (47) في المطبوعة : (( للعبيد )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(48) انظر معاني القرآن 1 : 355 ، فهذا رد على الفراء ، وهو صاحب القول الثاني .

(49) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 355 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلونقوله تعالى : ذلك في موضع رفع عند سيبويه ; أي الأمر ذلك .

وأن مخففة من الثقيلة ; أي إنما فعلنا هذا بهم لأني لم أكن أهلك القرى بظلمهم ; أي بشركهم قبل إرسال الرسل إليهم فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير .

وقيل : لم أكن أهلك القرى بشرك من أشرك منهم ; فهو مثل ولا تزر وازرة وزر أخرى .

ولو أهلكهم قبل بعثة الرسل فله أن يفعل ما يريد .

وقد قال عيسى : إن تعذبهم فإنهم عبادك وقد تقدم .

وأجاز الفراء أن يكون ذلك في موضع نصب ، المعنى : فعل ذلك بهم ; لأنه لم يكن يهلك القرى بظلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم وبخ الله جميع من أعرض عن الحق ورده، من الجن والإنس، وبين خطأهم، فاعترفوا بذلك، فقال: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي } الواضحات البينات، التي فيها تفاصيل الأمر والنهي، والخير والشر، والوعد والوعيد.

{ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } ويعلمونكم أن النجاة فيه، والفوز إنما هو بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وأن الشقاء والخسران في تضييع ذلك، فأقروا بذلك واعترفوا، فـ { قالوا } بلى { شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } بزينتها وزخرفها، ونعيمها فاطمأنوا بها ورضوا، وألهتهم عن الآخرة، { وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ } فقامت عليهم حجة الله، وعلم حينئذ كل أحد، حتى هم بأنفسهم عدل الله فيهم، فقال لهم: حاكما عليهم بالعذاب الأليم: { ادْخُلُوا فِي } جملة { أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ } صنعوا كصنيعكم، واستمتعوا بخلاقهم كما استمعتم، وخاضوا بالباطل كما خضتم، إنهم كانوا خاسرين، أي: الأولون من هؤلاء والآخرون، وأي خسران أعظم من خسران جنات النعيم، وحرمان جوار أكرم الأكرمين؟!

ولكنهم وإن اشتركوا في الخسران، فإنهم يتفاوتون في مقداره تفاوتا عظيما.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ) أي : ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وعذاب من كذبهم ، لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ، أي : لم يكن مهلكهم بظلم أي : بشرك من أشرك ، ( وأهلها غافلون ) لم ينذروا حتى نبعث إليهم رسلا ينذرونهم .

وقال الكلبي : لم يهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم الرسل .

وقيل : معناه لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل فيكون قد ظلمهم ، وذلك أن الله تعالى أجرى السنة أن لا يأخذ أحدا إلا بعد وجود الذنب ، وإنما يكون مذنبا إذا أمر فلم يأتمر ونهي فلم ينته ، يكون ذلك بعد إنذار الرسل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلك» أي إرسال الرسل «أن» اللام مقدرة وهي مخففة أي لأنه «لم يكن ربَّك مهلك القرى بظلم» منها «وأهلها غافلون» لم يرسل إليهم رسول يبين لهم؟.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب، لئلا يؤاخَذَ أحد بظلمه، وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم، وما عذَّبنا أحدًا إلا بعد إرسال الرسل إليهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يحدثنا القرآن بعد ذلك عن عدالة الله فى أحكامه ، وعن سعة غناه ورحمته ، وعن حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء مصير الكافرين فيقول : { ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ .

.

.

.

} .قال الآلوسى : " ذلك " إشارة إلى إتيان الرسل ، أو السؤال المفهوم من { أَلَمْ يَأْتِكُمْ } أو ما قص من أمرهم ، أعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر وهو إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ مقدر أى : الأمر ذلك ، أو مبتدأ خبره مقدر ، أو خبره قوله - سبحانه - { أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى } بخلاف اللام على أن { أَن } مصدرية ، أو مخففة من أن وضمير الشأن اسمها .وإما منصوب على أنه مفعول به لفعل مقدر كخذ ذلك ، أو فعلنا ذلك .وفى قوله { بِظُلْمٍ } متعلق بمهلك أى : بسبب ظلم .

أو بمحذوف وقع حالا من القرى أى : ملتبسة بظلم .

.

.

" .والمعنى : ذلك الذى ذكرناه لك يا محمد من إتيان الرسل يقصون على الأمم آيات الله ، سببه أن ربك لم يكن من شأنه ولا من سننه فى تربية خلقه أن يهلك القرى من أجل أى ظلم فعلوه قبل أن ينبهوا على بطلانه ، وينهوا عنه بواسطة الأنبياء والمرسلين ، فربك لا يظلم ، ولا يعذب أحداً وهو غافل لم ينذر قال - تعالى - { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } وقال - تعالى - { وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } فالآية الكريمة صريحة فى أن - سبحانه - قد أعذر إلى الثقلين بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وتبيين الآيات ، وإلزام الحجة { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل }

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين أنه ما عذب الكفار إلا بعد أن بعث إليهم الأنبياء والرسل بين بهذه الآية أن هذا هو العدل والحق والواجب، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر ذلك.

وأما قوله: ﴿ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنه تعليل، والمعنى: الأمر ما قصصنا عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم، وكلمة أن هاهنا هي التي تنصب الأفعال.

وثانيها: يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، والمعنى لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم والضمير في قوله لأنه ضمير الشأن والحديث والتقدير، لأن الشأن والحديث لم يكن ربك مهلك القرى بظلم.

وثالثها: أن يجعل قوله: ﴿ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ ﴾ بدلاً من قوله: ﴿ ذلك ﴾ كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ ففيه وجهان: الأول: أن يكون المعنى، وما كان ربك مهلك القرى بسبب ظلم أقدموا عليه.

والثاني: أن يكون المراد وما كان ربك مهلك القرى ظلماً عليهم، وهو كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ  ﴾ في سورة هود.

فعلى الوجه الأول يكون الظلم فعلاً للكفار، وعلى الثاني يكون عائداً إلى فعل الله تعالى، والوجه الأول أليق بقولنا، لأن القول الثاني يوهم أنه تعالى لو أهلكهم قبل بعثة الرسل كان ظالماً، وليس الأمر عندنا كذلك، لأنه تعالى يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله.

وأما المعتزلة: فهذا القول الثاني مطابق لمذهبهم موافق لمعتقدهم.

وأما أصحابنا فمن فسر الآية بهذا الوجه الثاني قال: إنه تعالى لو فعل ذلك لم يكن ظالماً لكنه يكون في صورة الظالم فيما بينا، فوصف بكونه ظالماً مجازاً، وتمام الكلام في هذين القولين مذكور في سورة هود عند قوله: ﴿ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ .

وأما قوله: ﴿ وَأَهْلُهَا غافلون ﴾ فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به، بل معناها أن لا يبين الله لهم كيفية الحال، ولا أن يزيل عذرهم وعلتهم.

واعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في إثبات أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب البتة.

قالوا: لأنها تدل على أنه تعالى لا يعذب أحداً على أمر من الأمور إلا بعد البعثة للرسول.

والمعتزلة قالوا: إنها تدل من وجه آخر على أن الوجوب قد يتقرر قبل مجيء الشرع، لأنه تعالى قال: ﴿ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غافلون ﴾ فهذا الظلم إما أن يكون عائداً إلى العبد أو إلى الله تعالى، فإن كان الأول، فهذا يدل على إمكان أن يصدر منه الظلم قبل البعثة، وإنما يكون الفعل ظلماً قبل البعثة، لو كان قبيحاً وذنباً قبل بعثة الرسل، وذلك هو المطلوب، وإن كان الثاني فذلك يقتضي أن يكون هذا الفعل قبيحاً من الله تعالى، وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة، وهو خبر مبتدأ محذوف: أي الأمر ذلك.

و ﴿ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى ﴾ تعليل، أي الأمر ما قصصناه عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم، على أن (إن) هي التي تنصب الأفعال، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، على معنى: لأن الشأن والحديث لم يكن ربك مهلك القرى بظلم.

ولك أن تجعله بدلاً من ذلك، كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الامر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ ﴾ [الحجر: 66] ، ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ بسبب ظلم قدموا عليه.

أو ظالماً، على أنه لو أهلكهم وهم غافلون ولم ينبهوا برسول وكتاب، لكان ظلماً، وهو متعال عن الظلم وعن كل قبيح ﴿ وَلِكُلٍّ ﴾ من المكلفين ﴿ درجات ﴾ منازل ﴿ مّمَّا عَمِلُواْ ﴾ من جزاء أعمالهم ﴿ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ بساه عنه يخفى عليه مقاديره وأحواله وما يستحق عليه من الأجر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ.

﴿ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ أوْ لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ أهْلِ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمٍ فَعَلُوهُ، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِظُلْمٍ أوْ ظالِمًا وهم غافِلُونَ لَمْ يُنَبِّهُوا بِرَسُولٍ أوْ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ.

﴿ وَلِكُلٍّ ﴾ مِنَ المُكَلَّفِينَ.

﴿ دَرَجاتٌ ﴾ مَراتِبُ ﴿ مِمّا عَمِلُوا ﴾ مِن أعْمالِهِمْ أوْ مِن جَزائِها، أوْ مِن أجْلِها ﴿ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ ﴾ فَيَخْفى عَلَيْهِ عَمَلٌ أوْ قَدْرُ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالتّاءِ عَلى تَغْلِيبِ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذلك} إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك {أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غافلون} تعليل أي الأمر ما قصصنا عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم على أن أن مصدرية ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة والمعنى لأن الشأن والحديث لم يكن ربك مهلك القرى بظلم بسبب ظلم أقدموا عليه أو ظالماً على أنه لو أهلكهم وهم غافلون لم ينهوا برسول وكتاب لكان ظالماً وهو متعال عنه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى إتْيانِ الرُّسُلِ أوِ السُّؤالِ المَفْهُومِ مِن ﴿ ألَمْ يَأْتِكُمْ ﴾ أوْ ما قُصَّ مِن أمْرِهِمْ أعْنِي شَهادَتَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ واسْتِيجابَ العَذابِ وهو إمّا مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ أوْ خَبَرُهُقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى ﴾ بِحَذْفِ اللّامِ عَلى أنَّ أنْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها وإمّا مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ كَخُذْوَفَعَلْنا ونَحْوِ ذَلِكَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( أنْ لَمْ ) ..

إلَخْ.

بَدَلًا مِنَ اسْمِ الإشارَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِمُهْلِكٍ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمٍ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ القُرى أوْ مُتَلَبِّسَةً بِظُلْمٍ أوْ حالًا مِن رَبِّكَ أوْ مِن ضَمِيرِهِ في مُهْلِكَ والمُرادُ مُهْلِكَ أهْلِ القُرى إلّا أنَّهُ تَجَوَّزَ في النِّسْبَةِ أوْ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ولا يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأهْلُها غافِلُونَ ﴾ (131) لِأنَّ أصْلَهُ وهم غافِلُونَ فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ أُقِيمَ مَقامَ ضَمِيرِهِ.

واعْتَرَضَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى جَعْلِ بِظُلْمٍ حالًا مِن رَبِّكَ أوْ مِن ضَمِيرِهِ بِأنَّهُ يَأْباهُ أنَّ غَفْلَةَ أهْلِها مَأْخُوذَةٌ في مَعْنى الظُّلْمِ وحَقِيقَتِهِ لا مَحالَةَ فَلا يَحْسُنُ تَقْيِيدُهُ بِالجُمْلَةِ بَعْدُ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ قَدْ يُتَصَوَّرُ الظُّلْمُ مَعَ عَدَمِ الغَفْلَةِ بِأنْ يَكُونَ حالَ التَّيَقُّظِ ومُقارِنَةَ الِانْقِيادِوَإنْ كانَ المُرادُ ها هُنا هو الإهْلاكَ حالَ الغَفْلَةِ فَفائِدَةُ التَّقْيِيدِ تَعْيِينُ المُرادِ ولا يَخْفى حُسْنُهُ ولا يَخْفى ما فِيهِ واخْتارَ قَدَّسَ سِرَّهُ مِنَ احْتِمالاتِ المُشارِ إلَيْهِ وأوْجُهَإعْرابِ اسْمِ الإشارَةِ الثّالِثِ مِن كُلٍّ قالَ: والمَعْنى ذَلِكَ ثابِتٌ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ أوْ لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِسَبَبِ أيِّ ظُلْمٍ فَعَلَوْهُ مِن أفْرادِ الظُّلْمِ قَبْلَ أنْ يُنْهَوْا عَنْهُ ويُنَبَّهُوا عَلى بُطْلانِهِ بِرُسُلٍ وكِتابٍ وإنْقَضى بِهِ بَداهَةً العُقُولُ ويُنْذَرُوا عاقِبَةَ جِناياتِهِمْ أيْ لَوْلا انْتِفاءُ كَوْنِهِ تَعالى مُعَذِّبًا لَهم قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ لَما أمْكَنَ التَّوْبِيخُ بِما ذَكَرَ ولَما شَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ ولا اعْتَذَرُوا بِعَدَمِإتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى ﴾ وإنَّما عَلَّلَ ما ذَكَرَ بِانْتِفاءِ التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي هو إهْلاكُ القُرى قَبْلَ الإنْذارِ مَعَ أنَّ التَّقْرِيبَ في تَعْلِيلِهِ بِانْتِفاءِ مُطْلَقِ التَّعْذِيبِ مِن غَيْرِ بَعْثِ الرُّسُلِ أتَمُّ عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ عَلى ما اخْتارَهُ أهْلُ السُّنَّةِ في مَعْناهُ لِبَيانِ كَما نَزاهَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى كِلا التَّعْذِيبَيْنِ مِن غَيْرِإنْذارٍ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ.

ولا يَخْفى أنَّ لَمّا اخْتارَهُ وجْهًا وجِيهًا خَلا أنَّ قَوْلَهُ فِيما بَعْدُ: إنْ جَعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى إرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْذارِهِمْ وخَبَرَ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفًا كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ بِمَعْزِلٍ عَنْ مُقْتَضى المَقامِ مَمْنُوعٍ وعَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ الخِطابُ لِلرَّسُولِ  بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ والظّاهِرُ أنَّ انْتِفاءَ الإهْلاكِ قَبْلَ الإنْذارِ لا يَخْتَصُّ بِالإنْسِ بَلِ الجِنُّ أيْضًا لا يُهْلَكُونَ قَبْلَإنْذارِهِمْ وإنْلَمْ يَشِعْ إطْلاقُ أهْلِ القُرى عَلَيْهِمْ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَنا والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُعَذِّبَ قَبْلَ الإنْذارِ وقِيامِ الحُجَّةِ وبَنَوْهُ عَلى قاعِدَةِ الحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ وأئِمَّتُنا يُثْبِتُونَ ذَلِكَ لَكِنَّهم لا يَجْعَلُونَهُ مَناطَ الحُكْمِ كَما زَعَمَ المُعْتَزِلَةُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يعني: يقول لهم لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ قال مقاتل: بعث الله تعالى رسولاً من الجن إلى الجن ومن الإنس إلى الإنس.

ويقال رسل الجن السبعة الذين سمعوا القرآن من رسول الله  ورجعوا إلى قومهم منذرين.

وقالوا: يا قومنا أجيبوا داعي الله.

ويقال: لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يعني: من الإنس خاصة.

وقال ابن عباس: كانت الرسل تبعث إلى الإنس وأن محمدا  بعث إلى الجن والإنس.

ثم قال قُصُّونَ عَلَيْكُمْ يقول: يقرءون ويعرضون عليكم اتِي يعني: القرآن يُنْذِرُونَكُمْ يعني: يخوّفونكم قاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا يعني يقولون بلى أقررنا أنهم قد بلغوا وكفرنا بهم.

ثم قالت الرسل: وذلك بعد ما شهد عليهم سمعهم وأبصارهم يقول الله تعالى: غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا يعني: ما في الحياة الدنيا من زهرتها وزينتها شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ في الدنيا.

ويقول الله تعالى: النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها [الأنعام: 128] على وجه التقديم والتأخير.

قوله تعالى: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ يعني: ذلك السؤال والشهادة ويقال ذلِكَ يعني: إرسال الرسل إلى الجن والإنس ليعلم أن لم يكن الله مهلك القرى يعني: معذب أهل القرى بغير ذنب في الدنيا وَأَهْلُها غافِلُونَ عن الرسل.

ويقال: غافلون عن العذاب لأنه قد بيّن لهم وأخذ عليهم الحجة.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وقد حفظ هذا في استعمال الصحابة والتابعين كقول ابن الزُّبَيْر: أَلاَ إنَّ فم الذّبّان قتل لطيم الشّيطان «٢» وكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.

يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)

وقوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ ...

الآية: هذا الكلامُ داخلٌ في القول يَوْمَ الحشر.

قال الفَخْر «٣» : قال أهل اللغة: المَعْشَر: كلُّ جماعةٍ أَمْرهم واحدٌ، وتَحْصُلُ بينهم معاشرةٌ ومخالطةٌ، فالمَعْشَر: المُعَاشِر.

انتهى، ونْكُمْ

: يعني: مِنَ الإنس قاله ابن جُرَيْج «٤» وغيره، وقال ابن عباس: من الطائفَتَيْنِ «٥» ، ولكنْ رسلُ الجنّ هم رسل رسل الإنس، وهم النّذر، وقُصُّونَ

: من القصص، وقولهم: هِدْنا

: إقرار منهم بالكفر.

وقوله سبحانه: غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا

: التفاتة فصيحةٌ تضمَّنت أنَّ كفرهم كان بأذَمِّ الوجوه لهم، وهو الاغترار الذي لا يواقعه عاقل، ويحتمل رَّتْهُمُ

أن يكون بمعنى:

أشبعتهم وأطعمتهم بحَلْوَائها كما يقال: غَرَّ الطَّائِرُ فَرْخَهُ.

وقوله سبحانه: شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ

: الجمع بيْنَ هذه الآية وبَيْن الآي التي تقتضي إنكار المشركين الإشْرَاكَ هو إمَّا بأنها طوائفُ، وإما بأنها طائفةٌ واحدةٌ في مواطنَ شتى.

وقوله: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، أي: ذلك الأمر، والْقُرى: المدن، والمراد: أهل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن أمْرِ الرُّسُلِ، وأمْرِ عَذابِ مِن كَذَبَ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ، أيْ: لا يُهْلِكُكم حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "بِظُلْمٍ" أيْ: بِشِرْكٍ ﴿ وَأهْلُها غافِلُونَ ﴾ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ ﴾ ﴿ ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ ﴾ ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ ؛ داخِلٌ في القَوْلِ يَوْمَ الحَشْرِ؛ والضَمِيرُ في "مِنكُمْ"؛ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عُمِّمَ بِظاهِرِهِ الطائِفَتَيْنِ؛ والمُرادُ الواحِدَةُ تَجَوُّزًا؛ وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ  ﴾ ؛ وذَلِكَ إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ؛ وقالَ الضَحّاكُ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ؛ وفي الجِنِّ رُسُلٌ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ؛ ولَكِنَّ رُسُلَ الجِنِّ هم رُسُلُ الإنْسِ؛ فَهم رُسُلُ اللهِ تَعالى بِواسِطَةٍ؛ إذْ هم رُسُلُ رُسُلِهِ؛ وهُمُ النُذُرُ؛ و"يَقُصُّونَ"؛ مِن "اَلْقَصَصُ"؛ وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ الأعْرَجُ: "ألَمْ تَأْتِكُمْ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الرُسُلِ.

وقَوْلُهُمْ: "شَهِدْنا"؛ إقْرارٌ مِنهم بِالكُفْرِ؛ واعْتِرافٌ؛ أيْ: "شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا بِالتَقْصِيرِ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا ﴾ ؛ اِلْتِفاتَةٌ فَصِيحَةٌ تَضَمَّنَتْ أنَّ كُفْرَهم كانَ بِأذَمِّ الوُجُوهِ لَهُمْ؛ وهو الِاغْتِرارُ الَّذِي لا يُواقِعُهُ عاقِلٌ؛ ويَحْتَمِلُ "وَغَرَّتْهُمُ"؛ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "أشْبَعَتْهُمْ؛ وأطْعَمَتْهم بِحَلْوائِها"؛ كَما يُقالُ: "غَرَّ الطائِرُ فَرْخَهُ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ ﴾ ؛ تَظْهَرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في القُرْآنِ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَقْتَضِي إنْكارَ المُشْرِكِينَ الإشْراكَ؛ مُناقَضَةٌ؛ والجَمْعُ بَيْنَهُما هو إمّا طَوائِفُ؛ وإمّا طائِفَةٌ واحِدَةٌ في مَواطِنَ شَتّى؛ وإمّا أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ هَهُنا: ﴿ وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ ؛ شَهادَةَ الأيْدِي؛ والأرْجُلِ؛ والجُلُودِ؛ بَعْدَ إنْكارِهِمْ بِالألْسِنَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واللَفْظُ هَهُنا يَبْعُدُ مِن هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ "ذَلِكَ"؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "ذَلِكَ الأمْرُ..."؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ بِتَقْدِيرِ: "فَعَلْنا"؛ و"أنْ"؛ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ و"اَلْقُرى": اَلْمُدُنُ؛ والمُرادُ أهْلُ القُرى؛ و"بِظُلْمٍ"؛ يُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَ المُدُنَ دُونَ نَذارَةٍ؛ فَيَكُونَ ظُلْمًا لَهم إذا لَمْ يُنْذِرْهُمْ؛ واللهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ؛ والآخَرُ أنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمْ يُهْلِكْ أهْلَ القُرى بِظُلْمٍ؛ إذْ ظَلَمُوا؛ دُونَ أنْ يُنْذِرَهُمْ؛ وهَذا هو البَيِّنُ القَوِيُّ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - التَأْوِيلَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ عَلى دَرَجاتٍ مِنَ التَفاضُلِ؛ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ وتَفَضُّلِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ والمُشْرِكِينَ أيْضًا عَلى دَرَجاتٍ مِنَ العَذابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ قَدْ رَضِيَ بِما أُعْطِيَ غايَةَ الرِضا.

وقَرَأتِ الجَماعَةُ - سِوى ابْنِ عامِرٍ -: "يَعْمَلُونَ"؛ عَلى لَفْظِ "كُلٍّ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "تَعْمَلُونَ"؛ عَلى المُخاطَبَةِ بِالتاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي، تهديد وموعظة، وعبرة بتفريط أهل الضّلالة في فائدة دعوة الرّسل، وتنبيه لجدوى إرسال الرّسل إلى الأمم ليعيد المشركون نظراً في أمرهم، ما داموا في هذه الدار، قبل يوم الحشر، ويعلموا أنّ عاقبة الإعراض عن دعوة الرّسول صلى الله عليه وسلم خسرى، فيتداركوا أمرهم خشية الفوات، وإنذار باقتراب نزول العذاب بهم، وإيقاظٌ للمشركين بأنّ حالهم كحال المتحدّث عنهم إذا ماتوا على شركهم.

والإشارة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ إلى مذكور في الكلام السّابق، وهو أقرب مذكور، كما هو شأن الإشارة إلى غير مَحسوس، فالمشار إليه هو المذكور قبلُ، أو هو إتيان الرّسل الّذي جَرى الكلام عليه في حكاية تقرير المشركين في يوم الحشر عن إتيان رسلهم إليهم، وهو المصدر المأخوذ من قوله: ﴿ ألَم يَأتكم رسلٌ منكم ﴾ [الأنعام: 130] فإنَّه لمّا حكى ذلك القول للنّاس السّامعين، صار ذلك القول المحكي كالحاضر، فصحّ أن يشار إلى شيء يؤخذ منه.

واسم الإشارة إمّا مبتدأ أو خبر لمحذوف تقديره: ذلك الأمر أو الأمر ذلك، كما يدلّ عليه ضمير الشأن المقدّر بعد (أنْ).

و ﴿ أن ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، كما هو استعمالها عند التّخفيف، وذلك لأنّ هذا الخبر له شأن يجدر أن يُعرَف والجملة خبر ﴿ أن ﴾ ، وحذفت لام التّعليل الداخلة على ﴿ أن ﴾ : لأنّ حذف جارّ ﴿ أن ﴾ كثير شائع، والتّقدير: ذلك الأمر، أو الأمر ذلك، لأنَّه أي الشأن لم يكن ربّك مُهلك القرى.

وجملة: ﴿ لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ﴾ هو شأن عظيم من شؤون الله تعالى، وهو شأن عَدله ورحمته، ورضاه لعباده الخير والصّلاح، وكراهيته سوء أعمالهم، وإظهاره أثر ربوبيته إياهم بهدايتهم إلى سبل الخير، وعدم مباغتتهم بالهلاك قبل التقدّم إليهم بالإنذار والتنبيه.

وفي الكلام إيجاز إذ عُلم منه: أنّ الله يهلك القرى المسترسِلَ أهلُها على الشّرك إذا أعرضوا عن دعوة الرّسل، وأنّه لا يهلكهم إلاّ بعد أن يرسل إليهم رسلاً منذرين، وأنّه أراد حمل تَبعَة هلاكهم عليهم، حتى لا يبقى في نفوسهم أن يقولوا: لولا رحمنا ربّنا فانبأنا وأعذر إلينا، كما قال تعالى: ﴿ ولو أنَّا أهلكناهم بعذاب من قبله ﴾ (أي قبل محمّد صلى الله عليه وسلم أو قبل القرآن) ﴿ لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ﴾ [طه: 134] فاقتصر من هذا المعنى على معنى أنّ علّة الإرسال هي عدم إهلاك القرى على غفلة، فدلّ على المعنى المحذوف.

والإهلاك: إعدام ذات الموجود وإماتةُ الحيّ.

قال تعالى: ﴿ ليَهْلِك من هلك عن بيّنة ويَحْيَى من حَيِيَ عن بيّنة ﴾ [الأنفال: 42] فإهلاك القرى إبادة أهلها وتخريبها، وإحياؤها إعادةُ عُمرانها بالسكّان والبناء، قال تعالى: ﴿ أنَّى يحيي هذه (أي القريةَ) الله بعد موتها ﴾ [البقرة: 259].

وإهلاك النّاس: إبادتهم، وإحياؤهم إبقاؤهم، فمعنى إهلاك القرى هنا شامل لإبادة سكّانها.

لأنّ الإهلاك تعلّق بذات القرى، فلا حاجة إلى التمجّز في إطلاق القرى على أهل القرى كما في: و ﴿ اسأل القرية ﴾ [يوسف: 82] لصحّة الحقيقة هنا، ولأنَّه يمنع منه قوله: ﴿ وأهلُها غافلون ﴾ .

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمّرناها تدميراً ﴾ [الإسراء: 16] فجعل إهلاكها تدميرها، وإلى قوله: ﴿ ولقد أتَوْا على القرية التي أُمطرت مَطَر السَّوْء أفلم يكونوا يرونها ﴾ [الفرقان: 40].

والباء في: ﴿ بِظلم ﴾ للسّببيّة، والظلم: الشّرك، أي مهلكهم بسبب شرك يَقع فيها فيهلكها ويهلك أهلها الّذين أوقعوه، ولذلك لم يقل: بظلم أهلها، لأنَّه أريد أن وجود الظلم فيها سببُ هلاكها، وهلاكُ أهلها بالأحرى لأنَّهم المقصود بالهلاك.

وجملة: ﴿ وأهلها غافلون ﴾ حال من ﴿ القرى ﴾ .

وصرح هنا ب ﴿ أهلها ﴾ تنبيها على أنّ هلاك القُرى من جراء أفعال سكّانها، ﴿ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ﴾ [النمل: 52].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ مِنهُ ولَكِنْ بِحَقٍّ اسْتَوْجَبُوا بِهِ الهَلَكَةَ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمِ أهْلِها حَتّى يُقَدِّمَ إنْذارَهم ويَرْفَعَ أعْذارَهم ويَخْرُجُوا مِن حُكْمِ الغافِلِينَ فِيما يَنْزِلُ بِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ﴾ مَعْناهُ ولِكُلِّ عامِلٍ بِطاعَةِ اللَّهِ أوْ مَعْصِيَتِهِ دَرَجاتٌ، يَعْنِي مَنازِلَ، وإنَّما سُمِّيَتْ دَرَجاتٍ لِتَفاضُلِها كَتَفاضُلِ الدَّرَجِ في الِارْتِفاعِ والِانْحِطاطِ.

وَفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَقْصُودَ بِها الأعْمالُ المُتَفاضِلَةُ.

والثّانِي: أنَّ المَقْصُورَ بِها الجَزاءُ المُتَفاضِلُ.

وَيُحْتَمَلُ هَذا التَّفْضِيلُ بِالدَّرَجاتِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلِ النّارِ، لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَتَفاضَلُونَ في العِقابِ بِحَسَبِ تَفاضُلِهِمْ في السَّيِّئاتِ، كَما يَتَفاضَلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الثَّوابِ لِتَفاضُلِهِمْ في الحَسَناتِ، لَكِنْ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْ تَفاضُلِ أهْلِ الجَنَّةِ بِالدَّرَجِ، وعَنْ تَفاضُلِ أهْلِ النّارِ بِالدَّرَكِ، فَإذا جَمَعَ بَيْنَهُما بِالتَّفاضُلِ عَبَّرَ عَنْ تَفاضُلِهِما بِالدَّرَجِ تَغْلِيبًا لِصِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ يا معشر الجن والإِنس ألم يأتكم رسل منكم ﴾ قال: ليس في الجن رسل إنما الرسل في الإِنس والنذارة في الجن، وقرأ ﴿ فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ﴾ [ الأحقاف: 29] .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ رسل منكم ﴾ قال: رسل الرسل ﴿ ولوا إلى قومهم منذرين ﴾ [ الأحقاف: 29] .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك.

أنه سئل عن الجن هل كان فيهم نبي قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم؟

قال: ألم تسمع إلى قول الله: ﴿ يا معشر الجن والإِنس ألم يأتكم رسل منكم ﴾ يعني بذلك أن رسلاً من الإِنس ورسلاً من الجن ﴿ قالوا بلى ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ ﴾ الآية.

قال الزجاج: (ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وأمر عذاب من كذب بها؛ لأنه لم يكن مهلك القرى بظلم) (١) ﴿ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ  ﴾ وإلى إتيان الرسل في قوله: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ  ﴾ وموضع ﴿ ذَلِكَ ﴾ رفع الابتداء على معنى: ذلك الأمر، أي: العقوبة بعد تكذيب الرسل، ويجوز أن يكون موضع (ذلك) نصبًا على معنى: فعل ذلك، وهذا معنى قول الفراء (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ لَمْ يَكُنْ ﴾ (أن) هاهنا هي المخففة من الثقيلة ويقدر معها الخافض وإضمار الهاء على تقدير: لأنه لم يكن، وهي التي في قول الأعشى: في فِتْيِةٍ كَسْيوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ...

أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَينْتَعِلُ (٥) وقوله تعالى: ﴿ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ﴾ .

قال الكلبي: (يقول: لم يكن ليهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم رسلهم فينهاهم فإن رجعوا وإلا أتاهم العذاب) (٦) وقال الزجاج: (أي: لا يهلكهم حتى يبعث إليهم الرسل كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا  ﴾ (٧) (٨) وقال الفراء: (يجوز أن يكون المعنى: لم يكن ليهلكهم [بظلم منه وهم غافلون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ (٩) (١٠) وعلى هذا يوهم (١١) (١٢) ﴿ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ  ﴾ .

(١) "معاني الزجاج" 2/ 293.

(٢) "معاني الفراء" 2/ 355، ومثله ذكر الطبري في "تفسيره" 8/ 37.

(٣) لم أقف عليه في الكتاب، وقد ذكر الزجاج في "معانيه" 2/ 293، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 580: (عن سيبويه أنه في موضع رفع بمعنى: الأمر ذلك؛ لأن ربك لم يكن مهلك القرى بظلم)، ولم أجد من ذكر عنه وجه النصب.

(٤) "معاني الزجاج" 2/ 292 - 293.

(٥) "ديوان الأعشى" ص 284، و"الكتاب" 2/ 137، 3/ 74 - 164 - 454، و"المحتسب" 1/ 308، و"المنصف" 3/ 129، و"أمالي" ابن الشجري 2/ 177 - 178، و"الإنصاف" 167، وبدون نسبة في "المقتضب" 3/ 9، و"تفسير الطبري" 8/ 185، و"الخصائص" 2/ 441، و"رصف المباني" ص 196.

والشاهد إضمار اسم أن المخففة والتقدير: أنه هالك، وعجز البيت في الديوان: أَنْ لَيْسَ يَدْفَعُ عَنْ ذِي الحِيلَةِ الحِيلُ (٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 121، والبغوي في "تفسيره" 3/ 190، و"الخازن" 2/ 185.

(٧) "معاني الزجاج" 2/ 293.

(٨) انظر: الطبري 8/ 37، والسمرقندي 1/ 514، والماوردي 2/ 172، و"بدائع التفسير" 2/ 183 - 184.

(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ش) وملحق بالهامش.

(١٠) انظر: "معاني الفراء" 1/ 355، وفيه قال: (وقوله: ﴿ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ﴾ يقول: لم يكن ليهلكهم بظلمهم وهم غافلون لما يأتيهم رسول ولا == حجة، وقوله في هود: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ يقول: لم يكن ليهلكهم بظلمهم يقول: بشركهم ﴿ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ يتعاطون الحق فيما بينهم، هكذا جاء التفسير، وفيها وجه وهو أحب من ذا؛ لأن الشرك أعظم الذنوب، والمعنى -والله أعلم-: لم يكن ليهلكهم بظلم منه وهم مصلحون).

اهـ.

(١١) في (ش): (توهم).

(١٢) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 196 - 197.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ذلك ﴾ خبر ابتداء مضمر تقديره الأمر ذلك أو مفعول لفعل مضمر تقديره فعلنا ذلك، والإشارة إلى بعث الرسل ﴿ أَن لَّمْ يَكُنْ ﴾ تعليل لبعث الرسل، وهو في موضع مفعول من أجله، أو بدل من ذلك ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ فيه وجهان: أحدهما أن الله لم يكن ليهلك القرى دون بعث الرسل إليهم، فيكون إهلاكهم ظلماً إذ لم ينذرهم، فهو كقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ [الإسراء: 15]، والآخر: أن الله لا يهلك القرى بظلمهم إذا ظلموا، دون أن ينذرهم، ففاعل الظلم على هذا أهل القرى وغفلتهم عدم إنذارهم، حكى الوجهين ابن عطية والزمخشري:، والوجه الأول صحيح على مذهب المعتزلة، ولا يصح على مذهب أهل السنة، لأن الله لو أهلك عباده بغير ذنب: لم يكن ظالماً عندهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عما تعملون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ﴿ مكاناتكم ﴾ بالجمع حيث كان: أبو بكر وحماد.

الباقون ﴿ مكانتكم ﴾ على التوحيد.

﴿ من يكون ﴾ بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بتاء التأنيث.

﴿ بزعمهم ﴾ بضم الزاي علي وكذلك ما بعده الباقون: بالفتح ﴿ زين ﴾ على البناء للمفعول ﴿ قتل ﴾ بالرفع ﴿ أولادهم ﴾ بالنصب ﴿ شركائهم ﴾ بالجر ابن عامر.

الآخرون ﴿ زين ﴾ على البناء للفاعل ﴿ قتل ﴾ بالنصب ﴿ أولادهم ﴾ بالجر ﴿ شركاؤهم ﴾ بالرفع ﴿ وإن تكن ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد ﴿ ميتة ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر ويزيد، وقرأ ﴿ ميتة ﴾ بالتشديد ابن كثير وابن عامر: الباقون: بالتخفيف.

الوقوف: ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ مما عملوا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ذو الرحمة ﴾ ط ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ لآت ﴾ لا لأن الواو بعده للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التقرير مع فاء التعقيب ﴿ تعملون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول سواء كان من استفهامية أو موصولة ﴿ عاقبة الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ لشركائنا ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ إلى الله ﴾ ج للفصل بين المتضادين معنى مع الاتفاق حكماً ﴿ شركائهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ دينهم ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ افتراء عليه ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ أزواجنا ﴾ ج للشرط مع العطف.

﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ وصفهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه.

التفسير: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره ﴿ أن لم يكن ﴾ وهو للتعليل والمعنى الأمر ما قصصنا عليك، أو ذلك الذي ذكر لانتفاء كون ربك مهلك القرى و"أن" هي الناصبة للأفعال أو مخففة من الثقيلة، وعلى هذا يكون ضمير الشأن محذوفاً أي أن الحديث كذا، ويجوز أن يكون، ﴿ أن لم يكن ﴾ بدلاً من ﴿ ذلك ﴾ كقوله: ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ بظلم ﴾ أي بسبب ظلم أقدموا عليه وهذا أليق بأصول الأشاعرة.

أو المراد ظالماً لكم فيكون من فعل الله وهذا أنسب بأصول المعتزلة.

ومعناه أنه  لو أهلكهم قبل بعثة الرسل ولم ينبهوا برسول ولا كتاب كان ظالماً.

وعلى هذا التفسير يمكن للأشاعرة أن يقولوا إنه لو فعل ذلك لم يكن ظلماً ولكنه يكون في صورة الظلم فأطلق الظلم على نفسه مجازاً وإلا فهو  يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله.

وأما قوله: ﴿ وأهلها غافلون ﴾ فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به وإنما معناه أنه لا يبين لهم كيفية الحال وأن لا يزيل عذرهم وعلتهم.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب ألبتة لأنها تدل على أنه تعالى ما يعذب أحداً على أمر من الأمور قبل بعثة الرسل لكن بعدها.

والمعتزلة قالوا: إنها تدل من وجه آخر على تقرير الوجوب قبل الشرع لأن قوله: ﴿ بظلم ﴾ إن كان عائداً إلى العبد دل على أنه يمكن أن يصدر منه الظلم والقبيح قبل البعثة، وإن كان عائداً إلى الله  فقد تم الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه.

ثم لما شرح أحوال أهل الثواب والعقاب ذكر كلاماً كلياً فقال: ﴿ ولكل درجات ﴾ أي ولكل عامل في عمله درجات، وعلى حسب تلك الدرجات يكون الجزاء إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

ومعنى ﴿ مما عملوا ﴾ أي من جزاء أعمالهم.

وقيل: إن أول الآية مختصة بأهل الطاعات لأن لفظ الدرجة يليق بهم ولأهل المعصية تكون الدركات وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما ربك بغافل عما يعملون ﴾ قالت الأشاعرة: في الآية دليل على مسألة الجبر والقدر فإنه  حكم لكل واحد بدرجة معينة في وقت معين وبحسب فعل معين، وأثبت تلك الدرجة في اللوح المحفوظ وأشهد عليها الملائكة وخلاف علمه وإثباته وإِشهاده محال.

ثم بين أنه ليس يحتاج إلى طاعة المطيعين ولا يدخل عليه نقص بمعصية العاصين فقال: ﴿ وربك الغني ذو الرحمة ﴾ أما أنه غني في ذاته وصفاته وأفعاله وفي أحكامه عن كل ما سواه فلوجوب وجوده، وأن ما سواه ممكن لذاته مفتقر في الوجود وفي الأمور التابعة للوجود إليه فلا غنيّ إلا هو، وأما أنه ذو الرحمة فلأن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات من الروحانيات ومن الجسمانيات فهو من الحق وبإيجاده وتخليقه، والاستقراء دل على أن الخير غالب كالصحة والشبع والسمع والبصر وما ذلك إلا لرحمته الكاملة ورأفته الشاملة.

والذي يتصوّر من رحمة الوالدين وغيرهما فإنما ذلك بإيجاد داعية ذلك فيهم ومع ذلك فتمكن الشخص من الانتفاع بها ليس إلا منه  .

ومن هذا يعلم تنزهه  عن الظلم والسفه والكذب والعبث.

ومن رحمته تكليف الخلائق ليعرضهم للمنافع الباقيات الدائمات.

ثم لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة كان لظانّ أن يظن أن للرحمة معدناً مخصوصاً وموضعاً معيناً فبين  بقوله  : ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق وقادر على أن يخلق قوماً آخرين ويضع رحمته فيهم، وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم.

ومعنى الإذهاب الإهلاك وأن لا يبلغهم مبلغ التكليف ﴿ ويستخلف من بعدكم ﴾ أي: من بعد ذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون، إلا على طريق البدل من فائت، وقوله: ﴿ ما يشاء ﴾ أي خلق ثالث ورابع.

ثم اختلفوا فقال بعضهم: خلقاً آخرين من أمثال الجن والإنس لكن أطوع، وقال أبو مسلم: يعني خلقاً ثالثاً مخالفاً للثقلين ليكون أقوى في دلالة القدرة.

ثم بيّن سبب قدرته على ذلك فقال ﴿ كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ﴾ لأن من قدر على تصوير النطفة المتشابهة الأجزاء بهذه الصور المخصومة قدر على تصويرها بصور أخرى مخالفة لها.

وقال في الكشاف: المعنى كما أنشأكم من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح  ، ثم ذكر حال المعاد فقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ قال الحسن: أي من مجيء الساعة لأنهم كانوا ينكرون القيامة، ويحتمل أن يقال: ﴿ إنما توعدون لآت ﴾ إشارة إلى لطفه أي ما يتعلق بالوعد والثواب فهو آت لا محالة.

وقوله: ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ أي خارجين عن قدرتنا وحكمنا إشارة إلى قهره، يقال: أعجزه الشيء أي فاته.

فالجزم في جانب الوعد والتعريض في جانب الوعيد دليل على أن جانب الرحمة والإحسان أغلب.

ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله بتهديد منكري البعث فقال: ﴿ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ﴾ قال الواحدي: قراءة الإفراد أوجه لأن المصدر لا يجمع في أغلب الأحوال، وقال في الكشاف: المكانة تكون مصدراً.

يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكين.

وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة، فمعنى الآية اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها.

يقال للرجل: على مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه ﴿ إني عامل ﴾ على مكانتي التي أنا عليها.

والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، والغرض تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ ﴿ فسوف تعلمون ﴾ أينا تكون له العاقبة المحمودة، والفاء لتعقيب الجزاء ألا يعادي أي قل اعملوا فستجزون وهكذا في سورة الزمر بخلاف سورة هود حيث لم يقل هناك "قل" فصار استئنافاً ومحل "من" نصب إن كان بمعنى "الذي" أو رفع والجملة مفعول تعلمون إن كان بمعنى أيّ و ﴿ عاقبة الدار ﴾ العاقبة الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها وهي مصدر كالعافية.

وهذا طريق من الإنذار لطيف المسلك فيه إنصاف وأدب ووثوق بأن المنذر محق ولهذا قيل له فإن الكافر تكون العاقبة عليه لا له.

ثم حكى أنواعاً من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهاً على ضعف عقولهم وقلة محصولهم وتنفيراً للعقلاء عن الالتفات إلى أقوال أمثالكم فقال: ﴿ وجعلوا لله ﴾ قال الزجاج: وجعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً بدليل قوله: ﴿ فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ﴾ وجعل الأوثان شركاء لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونها عليها.

ثم قال: ﴿ فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ﴾ وفي تفسيره وجوه: قال ابن عباس: كان المشركون يجعلون لله  من حروثهم وأنعامهم نصيباً وللأوثان نصيباً، فما كان للصنم أنفقوه عليه وما كان لله أطعموه الضيفان والمساكين ولا يأكلون منه ألبتة.

ثم إن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا إن الله غنيّ عن هذا، وإن سقط شيء مما جعلوا للأوثان في نصيب الله  أخذوه وردّوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير.

وإنما ذلك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها.

وعن الحسن والسدي: كان إذا هلك لأوثانهم شيء أخذوا بدله مما لله ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله تعالى.

وقال مجاهد: إنه إذا انفجر من سقى ما جعلوه للشيطان في نصيب الله عز وجل سدوه وإن كان على ضد ذلك تركوه، وقال قتادة: إذا أصابهم شدة استعانوا بالله وإذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى شركائهم.

وقال مقاتل: إن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة.

وقالوا: لو شاء زكى نصيب نفسه.

وأما إن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة قالوا لا بدّ لآلهتنا من نفقة وأخذوا نصيب الإله  فأعطوه السدنة.

فمعنى ﴿ فلا يصل إلى الله ﴾ أنه لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين، ومعنى الوصول إلى شركائهم أنهم ينفقونه عليها بذبح نسائك عندها والأجراء على سدنتها ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ مما ذرأ ﴾ فيه أن الله  كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه أي خلقه.

ثم إنه  ذم فعلهم فقال: ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ وذكر العلماء فيه وجوهاً: الأول أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانبه وهو سفه.

الثاني جعلوا بعض الحرث لله وبعضه لغيره مع أنه  هو الخالق للجميع.

الثالث أن ذلك حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع وأشار إليه بقوله ﴿ بزعمهم ﴾ الرابع لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز نصيب لكل حجر ومدر.

الخامس لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ولا قدرة لها على الانتفاع بذلك النصيب، فإفراز النصيب لها عبث.

النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة قوله: ﴿ وكذلك زين ﴾ كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياءً خوفاً من الفقر أو من التزويج، وكان الرجل يحلف بالله إن ولد له كذا غلاماً لينحرن أحدهم كما فعل عبد المطلب على ابنه عبد الله، والشركاء على الوجه الأول الشياطين الذين أطاعوهم في معصية الله تعالى، وعلى الثاني هم السدنة والخدام، والأول قول مجاهد، والثاني للكلبي.

وتقدير الكلام ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله والآلهة، أو مثل ذلك التزيين البليغ الذي علم من الشياطين زين لهم شركاؤهم من الشياطين أو من سدنة الأصنام ﴿ قتل أولادهم ﴾ بالوأد أو بالنحر.

ثم إن وجه القراءة الأكثري ظاهر وليس فيها إلا تقديم المفعول وذلك لشدة الاعتناء به، وأما قراءة أبن عامر فخطأها الزمخشري من جهة الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف فإن ذلك قد جوز بالظرف كقوله: لله در اليوم من لامها *** وضعف بغير الظرف كقوله: فزججتها بمزجة *** زج القلوص أبي مزادة وحملوه على ضرورة الشعر مع الاستكراه، والحق عندي في هذا المقام أن القرآن حجة على غيره وليس غيره حجة عليه، والقراآت السبع كلها متواترة فكيف يمكن تخطئة بعضها؟

فإذا ورد في القرآن المعجز مثل هذا التركيب لزم القول بصحته وفصاحته وأن لا يلتفت إلى أنه هل ورد له نظير في أشعار العرب وتراكيبهم أم لا، وإن ورد فكثير أم لا؟

ومع ذلك فقد وجهه بعض الفضلاء بأن المضاف إليه من الأول محذوف على نحو قوله: بين ذراعي وجبهة الأسد *** والمضاف مضمر مع الثاني كقراءة من قرأ ﴿ والله يريد الآخرة  ﴾ بالجر على تقدير غرض الآخرة، فتقدير الآية: قتل شركائهم أولادهم قتل شركائهم.

ومعنى ﴿ ليردوهم ﴾ ليهلكوهم بالإغواء.

قال ابن عباس: ليردوهم في النار.

واللام محمول على العاقبة إن كان التزيين من السدنة، وعلى حقيقة التعليل إن كان من الشيطان ﴿ وليلبسوا عليهم دينهم ﴾ ليخلطوه عليهم ويشبهوه ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق.

وقيل: دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه، وقيل: وليوقعوهم في دين ملتبس ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ لما فعل المشركون ما زين لهم، أو لما فعل الشياطين والسدنة التزيين أو الإرداء أو اللبس أو جميع ما ذكر إن جعل الضمير جارياً مجرى اسم الإشارة.

والمعتزلة حملوا هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر.

ثم قال: ﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ على قانون قوله: ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ وفيه مع التهديد التسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر والشرك.

قيل: إنما قال في هذه الآية ﴿ ولو شاء الله ما فعلوه ﴾ ليكون مناسباً لقوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ وقال فيما قبل: ﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه  ﴾ لأنه وقع عقيب آيات فيها ذكر الرب كقوله: ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم  ﴾ الآيات.

النوع الثالث من أحكامهم الباطلة أنهم قسموا أنعامهم أقساماً فأوّلها أن قولوا ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ وحجر "فعل" بمعنى "مفعول" كالذبح والطحن ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وأصل الحجر المنع وسمي العقل الحجر لمنعه من القبائح، وفلان في حجر القاضي أي في منعه.

كانوا إذا عينوا شيئاً من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: ﴿ لا يطعمها إلا من نشاء ﴾ يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء ﴿ و ﴾ ثانيها أن قالوا: ﴿ هذه أنعام حرمت ظهورها ﴾ وهي البحائر والسوائب والحوامي وقد سبق في المائدة.

﴿ و ﴾ ثالثها: ﴿ أنعام لا يذكرون اسم الله عليها ﴾ في الذبح وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام.

وقيل: هي أنعام لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها وإنما فعلوا ذلك كله من غير حكم من الله وشرع منه بل ﴿ افتراء عليه ﴾ وانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء.

ثم قال: ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ والمقصود منه الوعيد، ﴿ و ﴾ النوع الرابع من قضاياهم الفاسدة أن ﴿ قالوا ما في بطون هذه الأنعام ﴾ يعنون أجنة البحائر والسوائب ﴿ خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ﴾ هذا إن ولد حياً ﴿ وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ﴾ أي اشترك فيه الذكور والإناث، من قرأ بنصب ميتة فتقديره وإن يكن ما في بطونها ميتة، ومن قرأ بالرفع فعلى أن "كان تامة"، أو لأن التقدير: وإن يكن لهم أو هناك ميتة.

وإنما جاز تذكير الفعل وتأنيثه لأن تأنيث الميتة غير حقيقي، أو لأن الميتة لكل ميت ذكر أو أنثى فكأنه قيل: ميت ولهذا جاز عود الضمير إليه مذكراً في قوله: ﴿ فهم فيه شركاء ﴾ وتذكير الضمير في قوله: ﴿ فهم ﴾ للتغليب ﴿ سيجزيهم وصفهم ﴾ أي جزاء وصفهم على الله الكذب في التحليل والتحريم ﴿ إنه حكيم عليم ﴾ ليكون الزجر واقعاً على حد الحكمة وبحسب الاستحقاق.

فإن قيل: كيف أنث ﴿ خالصة ﴾ وذكر ﴿ محرماً ﴾ ؟

قلنا: الأول حمل على المعنى لأن ما في بطون الأنعام في معنى الأجنة، والثاني حمل على اللفظ، وفي الأول وجهان آخران: أن تكون التاء للمبالغة مثل رواية الشعر وأن يكون مصدراً كالعاقبة أي ذو خالصة.

ثم إنه  جمع قبائح أحكامهم وأفعالهم وحكم عليهم بالخسران والسفاهة وعدم العلم والضلال وعدم الاهتداء فقال ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم ﴾ الآية.

وذلك أن الولد نعمة عظيمة من الله تبقي ذكره ونسله فالسعي في إبطال مثل هذه النعمة لضرر مظنون هو الفقر أو نحوه، أو لفائدة موهومة هي القربة إلى الأصنام دليل خفة العقل وعدم العلم وأنه موجب لخسران الدارين.

وكذا تحريم ما أحل الله من الطيبات بالهوى والتقليد بل لمحض الافتراء على الله وإن ذلك من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، ولهذا سجل عليهم آخراً بالضلال ثم بعدم الاهتداء ليحصل كلا الأمرين لهم بالمطابقة كما حصل بالتضمن والله أعلم.

التأويل: ﴿ مهلك القرى ﴾ أي قرى أشخاص الإنسان ﴿ بظلم ﴾ وهو صرف الاستعداد الفطري في استيفاء اللذات الفانية ﴿ وأهلها غافلون ﴾ لم يبلغوا مبلغ التكليف بعد.

﴿ وربك الغني ﴾ عن كل مخلوق عامة وعن الإنسان خاصة ﴿ ذو الرحمة ﴾ خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح عليهم.

﴿ واعملوا على مكانتكم ﴾ أي على ما جبلتم عليه ﴿ إني عامل ﴾ على ما جبلت عليه ﴿ قتل أولادهم شركاؤهم ﴾ من الشياطين والنفس والهوى والدنيا ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ لأنهم ذهبوا مذهب الطبع لا مذهب الشرع، والعمل بالطبع وإن كان فيه نوع مجاهدة النفس لا يكون له نور إذا لم يكن لامتثال الشرع ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم ﴾ لأن ذلك نتيجة انتزاع الرحمة عن قلوبهم وحرموا ما رزقهم الله صورة وهو ظاهر، ومعنى وهو استعداد حصول مراتب أهل القرب ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ لأن خشية الفقر حملتهم على قتل الأولاد.

وقال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ .

يعني: من تقدم ذكره من الجن، والإنس، أو نحشر الأولين والآخرين.

﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ ﴾ .

هو على الإضمار؛ كأنه قال: يوم نحشرهم جميعاً [يا معشر] الجن والإنس، ثم نقول للجن: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ ، كقوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، أي: يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى؛ فكذلك هذا هو على الإضمار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ .

قال أهل التأويل في قوله: ﴿ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ : [أي: أضللتم كثيراً من الإنس] وهم قد استكثروا من الأتباع من الإنس: في عبادة غير الله، ومخالفة أمر الله وتوحيده أو: قد استكثرتم عبادا من الإنس.

﴿ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: تعاون بعضنا ببعض في معصية الله ومخالفة أمره: هؤلاء بالدعاء وأولئك بالإجابة.

وقال قائلون: ربنا استمتع بعضنا ببعض أي: انتفع بعضنا ببعض بأنواع المنافع: ما ذكر - في بعض القصة - أن الرجل من الإنس إذا سافر فأدركه المساء بأرض القفر خاف؛ فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه؛ فيأمن في ذلك بالتعوذ إلى سيدهم؛ فذلك استمتاع الإنس بالجن؛ فذلك [قوله]: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ ﴾ الآية [الجن: 6].

وأمّا استمتاع الجن بالإنس [فهو] ما يزداد لهم الذكر والشرف في قومهم، يقولون: لقد سودتنا الإنس.

ويحتمل استمتاع الجن بالإنس ما ذكر - إن ثبت - أنه جعل طعامهم العظام التي يستعملها الإنسان، ويكون ذلك غذاءهم، وعلف دوابهم أرواث دواب الإنس.

وقال الحسن: ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت الإنس، فعلمت ذكر جواب الإنس لهم، ولم يذكر جواب الجن لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا ﴾ .

قيل: الموت.

وقيل: البعث يوم القيامة؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث؛ فأقروا عند ذلك: بأنا قد بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا وكنا كذبناه، أقروا بما كانوا ينكرون.

﴿ قَالَ ﴾ \[أي\] الله: ﴿ ٱلنَّارُ مَثْوَٰكُمْ ﴾ \[أي مقامكم\].

﴿ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .

اختلف فيه: قال الحسن: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ : وقد شاء [الله] أن يخلدهم في النار.

وقال غيره: الاستثناء من وقت البعث إلى وقت الخلود، وهو وقت الحساب [ووقت الحساب] هو وقت الثنيا، ﴿ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ما داموا في الحساب.

وقيل: الاستثناء للمؤمنين [الذين] اتبعوهم في فعل المعاصي والجرم ولم يتبعوهم في الاعتقاد؛ ففيه دليل إدخال المؤمنين النار بالمعاصي، والعقوبة لهم بقدر معصيتهم، ودليل إخراجهم منها، إن ثبت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ يحتمل وجوهاً ثلاثة: أحدها: أن خلود الآخرة أكبر من خلود الدنيا؛ لأن خلود الدنيا على الانقضاء، وخلود الآخرة لا على الانقضاء.

والثاني: وقع الثنيا قبل دخولهم [في] النار.

والثالث: لمن لم يتبعهم في الكفر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ ﴾ .

أي: حكيم بما حكم ووضع كل شيء موضعه، عليم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .

الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأن الولاية [إنما تكون بأفعالهم ثم أضاف الولاية إلى نفسه دل أنه من الله في ذلك صنع، وهو أن خلق سبب الولاية] منهم، ثم ذكر أن المؤمنين بعض أولياء بعض بقوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ وذكر أن الكافرين بعضهم أولياء بعض بقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: لم يكن من الجن رسل إنما كان الرسل من الإنس، لكنه أضاف إلى الفريقين جميعاً؛ كقوله: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ  ﴾ ، وإنما يخرج من أحدهما، وكقوله: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً  ﴾ : وإنما جعل في واحدة منهن، وكقول الناس: في سبع قبائل مسجد واحد: وإنما يكون في واحد منها، وقد يضاف الشيء إلى جماعة والمراد [منه] واحد؛ فعلى ذلك ما ذكر من إضافة الرسل إلى الإنس والجن.

وقال بعضهم: كان من الفريقين جميعاً: الرسول من الجن جني، ومن الإنس إنسي؛ لأن الجن يسترون من الإنس، فإنما يرسل إلى الإنس رسلا يظهرون لهم؛ فبعث إلى كل فريق الرسول من جوهرهم.

وقال بعضهم: كان الرسل من الإنس إلى الفريقين جميعاً، وكان [من] الجن نذير؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ...

﴾ الآية [الأحقاف: 29] ذكر النذر منهم ولم يذكر الرسل، ومرتبة النذر دون مرتبة الرسل، كرتبة الأنبياء من الرسل، ولكن يجوز أن يقوي الرسل - وإن كان من الإنس - على الإظهار لهم، وليس فيما يسترون عنهم منع بعث الرسل إليهم من الإنس، وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة؛ إنما الحاجة إلى معرفة الآيات والحجج التي يأتي [بها] الرسل، وقد عجز الخلائق جميعاً عن إتيان مثل هذا القرآن؛ لقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ  ﴾ : فقد أعجز الجن والإنس عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وإن كان الجن أقوى على الأشياء من الإنس؛ فدل أنه آية ودل عجز الجن عن ذلك وإن كانوا أقوى على أن غيرهم أعجز.

ألا ترى: أنه أنزل هذا القرآن على لسان العرب ثم عجزوا هم عن إتيان مثله؛ فدل عجزهم عن ذلك على أن العجم له أعجز.

وجائز أن يكون الرسل إن كانوا من الإنس فإن الجن يستمعون من الرسل؛ فيلزمهم الحجة والعمل بذلك والتبليغ إلى قومهم، من غير أن يعلم الرسل بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ﴾ .

يحتمل يتلون عليكم آياتي، ويحتمل: ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ﴾ يبينون لكم [ما في آيات وحدانيته وألوهيته] وآيات البعث الذي تنكرون.

﴿ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ ، أي: لقاء يومكم الذي تلقون ودل قوله: ﴿ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ على أن ذلك إنما يقال لهم في الآخرة.

﴿ قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا ﴾ .

هذا منهم إقرار لما كان منهم من التكذيب؛ كقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ  ﴾ ، أي شهدنا على أنفسنا بأنا كنا كذبنا الرسل في الدنيا بما قالوا وأخبروا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

إن للدنيا معنيين: ظاهراً وباطناً، فيكون للظاهر غرور من كان نظره [إلى الظاهر] يغره، ولها باطن ومن نظر إلى ذلك الباطن يعظه.

أما ظاهرها: من تزيينها، وزخرفها فالكافر نظر إلى ظاهرها فاغتر بها.

وأما باطنها: فهو انتقالها من حال إلى حال وزوالها وفناؤها فمن نظر إلى ذلك اتعظ به ويعلم معناها ويعرف أنه لم يخلق لهذه ولكن لعاقبة تتأمل.

ثم إضافة الغرور إليها، أي: يكون منها ما لو كان ذلك من ذي عقل وذهن كان ذلك غرور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ ﴾ .

هذا اعتراف بما كان منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ ما تقدم من قوله: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ ، ونحوهما من الآيات التي ذكر فيها العذاب.

ويحتمل ذلك إشارة إلى الهلاك الذي كان بالأمم الخالية: أن لم يكن يهلك القرى بظلم ظلموا أنفسهم إهلاك تعذيب واستئصال إلا بعد [ما] يقدم الوعيد لهم في ذلك وسؤال كان منهم بالعذاب، ولا يهلك - أيضاً - وهم غافلون عن الظلم والعصيان، لا أنه لا يسعه؛ ولكن سنة فيهم ألا يهلك إلا بعد تقدم ما ذكرنا؛ لئلا يحتجوا فيقولوا: ﴿ لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وإن لم يكن لهم الاحتجاج بذلك لما مكن لهم وركب فيهم ما به يعرفون أنه لم يخلقهم ليتركهم سدى؛ ولكن خلقهم لعاقبة، لكن سنته قد مضت في الأمم الماضية: [أنه] لا يهلك قوماً إهلاك تعذيب واستئصال إلا بعد ما يسبق منه وعيد وإنذار، والعلم لهم بالظلم، وظهور العناد منهم والمكابرة، والسؤال بالعذاب سؤال تعنت، وذلك منه فضل ورحمة، لا أنه لا يسعه ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾ .

استدل بعض الناس بظاهر هذه الآية أن الجن لهم ثواب بالطاعات وعقاب بالمعاصي؛ لأنه أخبر أن لكل [منهم] درجات مما عملوا، وإنما تقدم ذكر الفريقين جميعاً بقوله: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ \[وقوله\] ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ : ذكر ما كان من الفريقين جميعاً من المعاصي والجرم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ ﴾ : راجع إلى الفريقين جميعاً، لكل درجات منهم: إن عملوا خيرا فخير، وإن [عملوا] شرا فشر [وبه] قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - واحتجوا لأبي حنيفة - رحمه الله - أن قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ ﴾ إنما ذكر على أثر آيات كان الخطاب بها للكفرة دون المؤمنين؛ فعلى قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾ يكون لهم هذا الوعيد خاصة، ويكون قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ ﴾ ، أي: دركات ومراتب من العذاب والعقاب؛ مما عملوا من المعاصي والتكذيب للرسل، ولأن الثواب لزومه لزوم فضل ومنَّة، والعذاب توجبه الحكمة؛ لأن في الحكمة أن يعاقب من عصاه وخالف أمره وأمّا الثواب فوجوبه الفضل؛ لأنه كان من الله إلى الخلق من النعم والإحسان [ما لو حمدوا كل حمدهم] ما قدروا على أن يؤدوا شكر واحد من ذلك، فتكون طاعتهم شكراً لما أنعم عليهم، فإذا كان كذلك لا يكون لأعمالهم ثواب إلا بالبيان من الله، كما لا يقال للملائكة: إن لهم ثواباً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ ، يحتمل وجهين: وما ربك بغافل عن أعمالهم التي يعملونها في معصية الله -  - ولكن يؤخر تعذيبهم؛ رحمة منه، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ...

﴾ الآية [إبراهيم: 42].

والثاني: عن علم بأعمالهم، وصنيعهم خلقهم، لا عن جهل، لكن خلقهم على علم بذلك؛ لما كان ضرر أعمالهم ومنافعها ترجع إليهم لا إليه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلك الإعذار بإرسال الرسل إلى الإنس والجن لئلا يُعاقَب أحدٌ على ما جناه وهو لم يُرْسَل إليه رسول، ولم تبلغه دعوة، فلم نعذب أمة من الأمم إلا بعد إرسال الرسل إليهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.4Nzl5"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد