الآية ١٤ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٤ من سورة الأنعام

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّۭا فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال لعبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ، الذي بعثه بالتوحيد العظيم والشرع القويم ، وأمره أن يدعو الناس إلى صراطه المستقيم : ( قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض ) كما قال ( قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ) [ الزمر : 64 ] ، والمعنى : لا أتخذ وليا إلا الله وحده لا شريك له ، فإنه فاطر السموات والأرض ، أي : خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق .

( وهو يطعم ولا يطعم ) أي : وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم ، كما قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ] ) [ الذاريات : 56 - 58 ] .

وقرأ بعضهم هاهنا : ( وهو يطعم ولا يطعم ) الآية أي : لا يأكل .

وفي حديث سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] قال : دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : فانطلقنا معه ، فلما طعم النبي - صلى الله عليه وسلم - وغسل يديه قال : الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم ، ومن علينا فهدانا ، وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا ، الحمد لله غير مودع ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغنى عنه ، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام ، وسقانا من الشراب ، وكسانا من العري ، وهدانا من الضلال ، وبصرنا من العمى ، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا الحمد لله رب العالمين " ( قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ) أي : من هذه الأمة

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لهؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثانَ والأصنامَ, والمنكرين عليك إخلاص التوحيد لربك, الداعين إلى عبادة الآلهة والأوثان: أشيئًا غيرَ الله تعالى ذكره: " أتخذ وليًّا "، أستنصره وأستعينه على النوائب والحوادث، (31) كما:- 13110 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " قل أغير الله أتخذ وليًّا " ، قال: أما " الولي"، فالذي يتولَّونه ويقرّون له بالربوبية .

* * * =" فاطر السماوات والأرض " ، يقول: أشيئًا غير الله فاطر السماوات والأرض أتخذ وليًّا؟

ف " فاطر السماوات "، من نعت " الله " وصفته، ولذلك خُفِض.

(32) ويعني بقوله: " فاطر السماوات والأرض " ، مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما، كالذي:- 13111 - حدثنا به ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان, عن سفيان, عن إبراهيم بن مهاجر, عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما " فاطر السماوات والأرض ", حتى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر, فقال أحدهما لصاحبه: " أنا فَطَرتها ", يقول: أنا ابتدأتها.

13112 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فاطر السماوات والأرض " ، قال: خالق السماوات والأرض.

13113 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فاطر السماوات والأرض " ، قال: خالق السماوات والأرض.

* * * يقال من ذلك: " فطرها الله يَفطُرُها وَيفطِرها فَطرًا وفطورًا " (33) = ومنه قوله: هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ [سورة الملك: 3 ] ، يعني: شقوقًا وصدوعًا.

يقال: " سيف فُطارٌ"، إذا كثر فيه التشقق, وهو عيب فيه، ومنه قول عنترة: وَسَــيْفِي كَالْعَقِيقَــةِ فَهْـوَ كِـمْعِي, سِـــلاحِي, لا أَفَــلَّ وَلا فُطَــارَا (34) ومنه يقال: " فَطَر ناب الجمل "، إذا تشقق اللحم فخرج، ومنه قوله: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ [سورة الشورى: 5] ، أي: يتشققن، ويتصدعن.

* * * وأما قوله: " وهو يطعم ولا يطعم " ، فإنه يعني : وهو يرزق خلقه ولا يرزق، كما:- 13114 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وهو يطعم ولا يطعم " ، قال: يَرْزق, ولا يُرزق.

* * * وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك: (35) (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يَطْعَمُ)، أي: أنه يُطعم خلقه, ولا يأكل هو = ولا معنى لذلك، لقلة القراءة به.

* * * القول في تأويل قوله : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، للذين يدعونك إلى اتخاذ الآلهة أولياء من دون الله، ويحثّونك على عبادتها: أغير الله فاطر السماوات والأرض, وهو يرزقني وغيري ولا يرزقه أحد, أتخذ وليًّا هو له عبد مملوك وخلق مخلوق؟

وقل لهم أيضًا: إني أمرني ربي: " أن أكون أول من أسلم " يقول: أوّل من خضع له بالعبودية، وتذلّل لأمره ونهيه، وانقاد له من أهل دهرِي وزماني =" ولا تكوننَّ من المشركين " ، يقول: وقل: وقيل لي: لا تكونن من المشركين بالله، الذين يجعلون الآلهة والأنداد شركاء.

= وجعل قوله: " أمرت " بدلا من: " قيل لي", لأن قوله " أمرت " معناه: " قيل لي".

فكأنه قيل: قل إني قيل لي: كن أول من أسلم, ولا تكونن من المشركين= فاجتزئ بذكر " الأمر " من ذكر " القول ", إذ كان " الأمر "، معلومًا أنه " قول " .

----------------- الهوامش : (31) انظر تفسير"الولي" فيما سلف 10: 424 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(32) انظر معاني القرآن للفراء 1: 328 ، 329.

(33) هذه العبارة عن معنى"فطر" ، فاسدة جدًا ، ولا شك عندي في أن الكلام قد سقط منه شيء ، فتركته على حاله ، مخافة أن يكون في نص أبي جعفر شيء لم تقيده كتب اللغة.

ومن شاء أن يستوفي ذلك ، فليراجع كتب اللغة.

(34) ديوانه ، في أشعار الستة الجاهلين: 384 ، وأمالي ابن الشجري 1: 19 ، واللسان (فطر) (عقق) (كمع) (فلل) ، من أبياته التي قالها وتهدد بها عمارة بن زياد العبسي ، وكان يحسد عنترة على شجاعته ، ويظهر تحقيره ، ويقول لقومه بني عبس: "إنكم قد أكثرتم من ذكره ، ولوددت أني لقيته خاليا حتى أريحكم منه ، وحتى أعلمكم أنه عبد"!

فقال عنترة: أحَـوْلِي تَنْفُــضُ اسْـتُكَ مِذْرَوَيهَـا لِتَقْتُلَنِــي? فَهَــا أنَــا ذَا، عُمَـارَا!

مَتَـى مـا تَلْقَنِـى خِـلْوَينَ، تَرْجُـفْ رَوَانِـــفُ ألْيَتَيْـــكَ وتُسْــتَطَارَا وَسَــيْفِي صَــارِمٌ قَبَضَـتْ عَلَيْـهِ أشَــاجِعُ لا تَــرَى فِيهَـا انْتِشَـارَا وسَـــيْفِي كالعَقِيقِـــة .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

و"العقيقة": شقة البرق ، وهو ما انعق منه ، أي: تشقق.

و"الكمع" و"الكميع" الضجيع.

و"الأفل": الذي قد أصابه الفل ، وهو الثلم في حده.

(35) في المطبوعة والمخطوطة: "أنه كان يقول ذلك" ، وهو خلط شديد ، صواب قراءته ما أثبت.

وهذه القراء التالية ، ذكرها ابن خالويه في شواذ القراءات: 36 ، ونسبها إلى الأعمش ، وذكرها أبو حيان في تفسيره 4: 85 ، 86 ، ونسبها أيضًا إلى مجاهد وابن جبير ، وأبي حيوة ، وعمرو بن عبيد ، وأبي عمرو ، في رواية عنه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل أغير الله أتخذ وليا مفعولان ; لما دعوه إلى عبادة الأصنام دين آبائه أنزل الله تعالى قل يا محمد : أغير الله أتخذ وليا أي : ربا ومعبودا وناصرا دون الله .

فاطر السماوات والأرض بالخفض على النعت لاسم الله ; وأجاز الأخفش الرفع على إضمار مبتدأ .

وقال الزجاج : ويجوز النصب على المدح .

أبو علي الفارسي : ويجوز نصبه على فعل مضمر كأنه قال : أترك فاطر السماوات والأرض ؟

لأن قوله : أغير الله أتخذ وليا يدل على ترك الولاية له ، وحسن إضماره لقوة هذه الدلالة .

وهو يطعم ولا يطعم كذا قراءة العامة ، أي : يرزق ولا يرزق ; دليله على قوله تعالى : ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد والأعمش : وهو يطعم ولا يطعم ، وهي قراءة حسنة ; أي : أنه يرزق عباده ، وهو سبحانه غير محتاج إلى ما يحتاج إليه المخلوقون من الغذاء .

وقرئ بضم الياء وكسر العين في الفعلين ، أي : إن الله يطعم عباده ويرزقهم والولي لا يطعم نفسه ولا من يتخذه .

وقرئ بفتح الياء والعين في الأول أي : الولي ( ولا يطعم ) بضم الياء وكسر العين .

وخص الإطعام بالذكر دون غيره من ضروب الإنعام ; لأن الحاجة إليه أمس لجميع الأنام .

قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم أي استسلم لأمر الله تعالى .

وقيل : أول من أخلص أي : من قومي وأمتي ; عن الحسن وغيره .

ولا تكونن من المشركين أي : وقيل لي : ولا تكونن من المشركين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قُلْ } لهؤلاء المشركين بالله: { أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا } من هؤلاء المخلوقات العاجزة يتولاني، وينصرني؟!.

فلا أتخذ من دونه تعالى وليا، لأنه فاطر السماوات والأرض، أي: خالقهما ومدبرهما.

{ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ } أي: وهو الرزاق لجميع الخلق، من غير حاجة منه تعالى إليهم، فكيف يليق أن أتخذ وليا غير الخالق الرزاق، الغني الحميد؟" { قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } لله بالتوحيد، وانقاد له بالطاعة، لأني أولى من غيري بامتثال أوامر ربي.

{ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } أي: ونهيت أيضا، عن أن أكون من المشركين، لا في اعتقادهم، ولا في مجالستهم، ولا في الاجتماع بهم، فهذا أفرض الفروض عليَّ، وأوجب الواجبات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( قل أغير الله أتخذ وليا ) ؟

وهذا حين دعا إلى دين آبائه ، فقال تعالى : قل يا محمد أغير الله أتخذ وليا ، [ ربا ومعبودا وناصرا ومعينا ] ؟

( فاطر السماوات والأرض ) أي : خالقهما ومبدعهما ومبتديهما ، ( وهو يطعم ولا يطعم ) أي : وهو يرزق ولا يرزق كما قال : ( ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) .

( قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ) يعني : من هذه الأمة ، والإسلام بمعنى الاستسلام لأمر الله ، وقيل : أسلم أخلص ، ( ولا تكونن ) يعني : وقيل لي ولا تكونن ، ( من المشركين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» لهم «أغير الله أتَّخذ وليّاً» أعبده «فاطر السماوات والأرض» مبدعهما «وهو يُطعم» يرزق «ولا يُطعم» يُرزق «قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم» لله من هذه الأمة «و» قيل لي «لا تكوننَّ من المشركين» به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين مع الله تعالى غيره: أغير الله تعالى أتخذ وليًّا ونصيرًا، وهو خالق السموات والأرض وما فيهن، وهو الذي يرزق خلقه ولا يرزقه أحد؟

قل -أيها الرسول-: إني أُمِرْتُ أن أكون أول مَن خضع وانقاد له بالعبودية من هذه الأمة، ونهيت أن أكون من المشركين معه غيره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستنكر ما عليه المشركون من كفر وإلحاد ، وأن ينفى عن نفسه بشدة ما تردوا فيه من جهالة وضلالة فقال :{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السماوات والأرض وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } .أى : قل لهم - يا محمد - موبخا وزاجرا ، بأى عقل أبحتم لأنفسكم الإشراك بالله ، واتخذتم من دونه معبودا سواه ، مع أنه - سبحانه - باعترافكم هو الخالق لكم وللسموات والأرض ولكل شىء؟وقد سلطت الهمزة على المفعول الأول لا على الفعل ، للإيذان بأن المستنكر إنما هو اتخاذ غير الله وليا لا اتخاذ الولى مطلقا ، ونظير هذه الآية قوله - تعالى - { قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون } ثم دلل - سبحانه - على أنه هو وحده المستحق للعبادة بأمرين .أولهما : قوله - تعالى - { فَاطِرِ السماوات والأرض } .أى خالقهما ومنشئهما على غير مثال سبق ، فالفطر - كما قال اللغويون - الإبداع والإيجاد من غير سبق مثال يحتذى .وثانيهما : قوله - تعالى - { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } .أى : أنه - سبحانه - هو الذى لا يحتاج إلى أحد وكل ما سواه محتاج إليه وهو الرازق لغيره ، والمنافع كلها من عنده .وقرأ أبو عمرو ( وهو يطعم ولا يطعم ) بفتح الياء فى الثانى .

أى : وهو يرزق غيره ويطعمه أما هو - سبحانه - فلا يتناول طعاما ولا شرابا .وهذه الجملة حالية مؤيدة لإنكار اتخاذ ولى سوى الله ، وفيها تعريض بمن اتخذوا أولياء من دونه من البشر بأنهم محتاجون إلى الطعام ، وأنه - سبحانه - هو الذى خلق لهم هذا الطعام فهم عاجزون عن البقاء بدونه .ثم أمره - سبحانه - بأن يصرح أمامهم بأنه برىء من شركهم ومن أفعلاهم القبيحة فقال - تعالى - { قُلْ إني أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } .أى : قل أيها الرسول الكريم بعد إيراد هذه الآيات والحج الدالة على وحدانية الله : إنى أمرت من خالقى أن أكون أول من يسلم له وجهه ويخصه بالعبادة ، كما أنى نهيت عن أن أكون من المشركين الذين يجعلون مع الله ألهة أخرى .وصح عطف الجملة الثانية الإنشائية على الأولى الخبرية لأن الأولى خبرية فى اللفظ ولكنها إنشائية فى المعنى فكانت فى قوة الجملة الطلبية والتقدير : كن أول من أسلم ولا تكونن من المشركين ، ويجوز عطفها على جملة { قُلْ إني أُمِرْتُ } وهى إنشائية فى اللفظ والمعنى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أحسن ما قيل في نظم هذه الآية ما ذكره أبو مسلم رحمه الله تعالى فقال: ذكر في الآية الأولى السماوات والأرض، إذ لا مكان سواهما.

وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار إذ لا زمان سواهما، فالزمان والمكان ظرفان للمحدثات، فأخبر سبحانه أنه مالك للمكان والمكانيات، ومالك للزمان والزمانيات، وهذا بيان في غاية الجلالة.

وأقول هاهنا دقيقة أخرى، وهو أن الابتداء وقع بذكر المكان والمكانيات، ثم ذكر عقيبه الزمان والزمانيات، وذلك لأن المكان والمكانيات أقرب إلى العقول والأفكار من الزمان والزمانيات، لدقائق مذكورة في العقليات الصرفة، والتعليم الكامل هو الذي يبدأ فيه بالأظهر فالأظهر مترقياً إلى الأخفى فالأخفى، فهذا ما يتعلق بوجه النظم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ يفيد الحصر والتقدير: هذه الأشياء له لا لغيره، وهذا هو الحق لأن كل موجود فهو إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، فالواجب لذاته ليس إلا الواحد.

وما سرى ذلك الواحد ممكن.

والممكن لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، وكل ما حصل بإيجاده وتكوينه كان ملكاً له، فثبت أن ما سوى ذلك الموجود الواجب لذاته فهو ملكه ومالكه فلهذا السبب قال: ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ .

المسألة الثالثة: في تفسير هذا السكون قولان: الأول: أن المراد منه الشيء الذي سكن بعد أن تحرك، فعلى هذا، المراد كل ما استقر في الليل والنهار من الدواب، وجملة الحيوانات في البر والبحر وعلى هذا التقدير: قالوا في الآية محذوف والتقدير: وله ما سكن وتحرك في الليل والنهار كقوله تعالى: ﴿ سَرَابِيل تقيكم الحر  ﴾ أراد الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر لأنه يعرف ذلك بالقرينة المذكورة، كذلك هنا حذف ذكر الحركة، لأن ذكر السكون يدل عليه.

والقول الثاني: أنه ليس المراد من هذا السكون ما هو ضد الحركة، بل المراد منه السكون بمعنى الحلول.

كما يقال: فلان يسكن بلد كذا إذا كان محله فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم  ﴾ وعلى هذا التقدير: كان المراد، وله كل ما حصل في الليل والنهار.

والتقدير: كل ما حصل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً، وهذا التفسير أولى وأكمل.

والسبب فيه أن كل ما دخل تحت الليل والنهار حصل في الزمان فقد صدق عليه أنه انقضى الماضي وسيجيء المستقبل، وذلك مشعر بالتغير وهو الحدوث، والحدوث ينافي الأزلية والدوام، فكل ما مرّ به الوقت ودخل تحت الزمان فهو محدث وكل حادث فلابد له من محدث، وفاعل ذلك الفعل يجب أن يكون متقدماً عليه والمتقدم على الزمان فهو محدث وكل حادث فلابد له من محدث، وفاعل ذلك الفعل يجب أن يكون متقدماً عليه والمتقدم على الزمان يجب أن يكون مقدماً على الوقت والزمان فلا تجري عليه الأوقات ولا تمر به الساعات ولا يصدق عليه أنه كان وسيكون.

وأعلم أنه تعالى لما بيّن فيما سبق أنه مالك للمكان وجملة المكانيات ومالك للزمان وجملة الزمانيات، بين أنه سميع عليم يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين.

والمقصود منه الرد على من يقول الإله تعالى موجب بالذات، فنبّه على أنه وإن كان مالكاً لكل المحدثات لكنه فاعل مختار يسمع ويرى ويعلم السر وأخفى، ولما قرر هذه المعاني قال: ﴿ قل أغير الله أتخذ ولياً ﴾ .

وأعلم أنه فرق بين أن يقال: ﴿ أغير الله أتخذ ولياً ﴾ وبين أن يقال: أتخذ غير الله ولياً لأن الانكار إنما حصل على اتخاذ غير الله ولياً، لا على اتخاذ الولي، وقد عرفت أنهم يقدمون الأهم فالأهم الذي هم بشأنه أعنى فكأن قوله: ﴿ قل أغير الله أتخذ ولياً ﴾ أولى من العبارة الثانية، ونظيره قوله تعالى: ﴿ أفغير الله تأمروني أعبد  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ الله أذن لكم  ﴾ .

ثم قال: ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ وقريء ﴿ فاطر السماوات ﴾ بالجر صفة الله وبالرفع على إضمار هو والنصب على المدح.

وقرأ الزهري ﴿ فطر السماوات ﴾ وعن ابن عباس: ما عرفت ﴿ فاطر السماوات ﴾ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها وقال ابن الأنباري: أصل الفطر شق الشيء عند ابتدائه، فقوله: ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ يريد خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضم الأشياء إلى بعض، فلما كان الأصل الشق جاز أن يكون في حال شق إصلاح وفي حال أخرى شق إفساد.

ففاطر السماوات من الاصلاح لا غير.

وقوله: ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ و ﴿ إذا السماء انفطرت  ﴾ من الافساد، وأصلهما واحد.

ثم قال تعالى: ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ أي وهو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد.

فإن قيل: كيف فسرت الاطعام بالرزق؟

وقد قال تعالى: ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون  ﴾ والعطف يوجب المغايرة.

قلنا لا شك في حصول المغايرة بينهما، إلا أنه قد يحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر لشدة ما بينهما من المقاربة والمقصود من الآية: أن المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع.

وقرئ ﴿ ولا يطعم ﴾ بفتح الياء، وروى ابن المأمون عن يعقوب ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ على بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل، وعلى هذا التقدير: فالضمير عائد إلى المذكور في قوله: ﴿ أغير الله ﴾ وقرأ الأشهب ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ على بنائهما للفاعل.

وفسر بأن معناه: وهو يطعم ولا يستطعم.

وحكى الأزهري: أطعمت بمعنى استطعمت.

ويجوز أن يكون المعنى: وهو يطعم تارة لا يطعم أخرى على حسب المصالح كقوله: وهو يعطي ويمنع، ويبسط ويقدر، ويغني ويفقر.

وأعلم أن المذكور في صدر الآية هو المنع من اتخاذ غير الله تعالى ولياً.

واحتج عليه بأنه فاطر السماوات والأرض وبأنه يطعم ولا يطعم.

ومتى كان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غيره ولياً.

أما بيان أنه فاطر السماوات والأرض، فلأنا بينا أن ما سوى الواحد ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يقع موجوداً إلا بإيجاد غيره، فنتج أن ما سوى الله فهو حاصل بإيجاده وتكوينه.

فثبت أنه سبحانه هو الفاطر لكل ما سواه من الموجودات.

وأما بيان أنه يطعم ولا يطعم فظاهره لأن الاطعام عبارة عن إيصال المنافع، وعدم الاستطعام عبارة عن عدم الانتفاع.

ولما كان هو المبديء تعالى وتقدس لكل ما سواه، كان لا محالة هو المبديء لحصول جميع المنافع.

ولما كان واجباً لذاته كان لا محالة غنياً ومتعالياً عن الانتفاع بشيء آخر فثبت بالبرهان صحة أنه تعالى فاطر السماوات والأرض، وصحة أنه يطعم ولا يطعم، وإذا ثبت هذا امتنع في العقل اتخاذ غيره ولياً لأن ما سواه محتاج في ذاته وفي جميع صفاته وفي جميع ما تحت يده.

والحق سبحانه هو الغني لذاته الجواد لذاته، وترك الغني الجواد، والذهاب إلى الفقير المحتاج ممنوع عنه في صريح العقل.

وإذا عرفت هذا فنقول: قد سبق في هذا الكتاب بيان أن الولي معناه الأصلي في اللغة: هو القريب.

وقد ذكرنا وجوه الاشتقاقات فيه.

فقوله: ﴿ قل أغير الله أتخذ ولياً ﴾ يمنع من القرب من غير الله تعالى.

فهذا يقتضي تنزيه القلب عن الالتفات إلى غير الله تعالى، وقطع العلائق عن كل ما سوى الله تعالى.

ثم قال تعالى: ﴿ قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ﴾ والسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق أمته في الإسلام لقوله: ﴿ وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين  ﴾ ولقول موسى ﴿ سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين  ﴾ .

ثم قال: ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ ومعناه أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك.

ثم إنه تعالى لما بيّن كون رسوله مأموراً بالإسلام ثم عقبه بكونه منهياً عن الشرك قال بعده ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ والمقصود أني إن خالفته في هذا الأمر والنهي صرت مستحقاً للعذاب العظيم.

فإن قيل: قوله: ﴿ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ يدل على أنه عليه السلام كان يخاف على نفسه من الكفر والعصيان، ولولا أن ذلك جائز عليه لما كان خائفاً.

والجواب أن الآية لا تدل على أنه خاف على نفسه، بل الآية تدل على أنه لو صدر عنه الكفر والمعصية فإنه يخاف.

وهذا القدر لا يدل على حصول الخوف، ومثاله قولنا: إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين، وهذا لا يدل على أن الخمسة زوج ولا على كونها منقسمة بمتساويين، وهذا لا يدل على أن الخمسة زوج ولا على كونها منقسمة بمتساويين والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿ إني أخاف ﴾ قرأ ابن كثير ونافع ﴿ أني ﴾ بفتح الياء.

وقرأ أبو عمرو والباقون بالإرسال.

﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ ﴾ في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه قرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي ﴿ يُصْرَفْ ﴾ بفتح الياء وكسر الراء.

وفاعل الصرف على هذه القراءة والضمير العائد إلى ربي من قوله: ﴿ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى ﴾ والتقدير: من يصرف هو عنه يومئذ العذاب.

وحجة هذه القراءة قوله: ﴿ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ فلما كان هذا فعلاً مسنداً إلى ضمير اسم الله تعالى وجب أن يكون الأمر في تلك اللفظة الأخرى على هذا الوجه ليتفق الفعلان، وعلى هذا التقدير: صرف العذاب مسنداً إلى الله تعالى، وتكون الرحمة بعد ذلك مسندة إلى الله تعالى، وأما الباقون فإنهم قرؤا ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ ﴾ على فعل ما لم يسم فاعله، والتقدير من يصرف عنه عذاب يومئذ وإنما حسن ذلك لأنه تعالى أضاف الغذاب إلى اليوم في قوله: ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ فلذلك أضاف الصرف إليه.

والتقدير: من يصرف عنه عذاب ذلك اليوم.

المسألة الثانية: ظاهر الآية يقتضي كون ذلك اليوم مصروفاً وذلك محال، بل المراد عذاب ذلك اليوم، وحسن هذا الحذف لكونه معلوماً.

المسألة الثالثة: دلّت الآية على أن الطاعة لا توجب الثواب، والمعصية لا توجب العقاب لأنه تعالى قال: ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ أي كل من صرف الله عنه العذاب في ذلك اليوم فقد رحمه.

وهذا إنما يحسن لو كان ذلك الصرف واقعاً على سبيل التفضل أما لو كان واجباً مستحقاً لم يحسن أن يقال فيه إنه رحمه ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب العبد، فإذا لم يضربه لا يقال إنه رحمه.

أما إذا حسن منه أن يضربه ولم يضربه فإنه يقال إنه رحمه، فهذه الآية تدل على أن كل عقاب انصرف وكل ثواب حصل، فهو ابتداء فضل وإحسان من الله تعالى وهو موافق لما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس أحد يدخل الجنة بعمله»، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» ووضع يده فوق رأسه، وطول بها صوته.

المسألة الرابعة: قال القاضي: الآية تدل على أن من لم يعاقب في الآخرة ممن يصرف عنه العقاب، فلابد من أن يثاب وذلك يبطل قول من يقول: إن فيمن يصرف عنه العقاب من المكلفين من لا يثاب، لكنه يتفضل عليه.

فإن قيل: أليس من لم يعاقبه الله تعالى ويتفضل عليه فقد حصل له الفوز المبين وذلك يبطل دلالة الآية على قولكم؟

قلنا: هذا الذي ذكرتموه مدفوع من وجوه: الأول: أن التفضل يكون كالابتداء من قبل الله تعالى، وليس يكون ذلك مطلوباً من الفعل والفوز هو الظفر بالمطلوب، فلابد وأن يفيد أمراً مطلوباً.

والثاني: أن الفوز المبين لا يجوز حمله على التفضل بل يجب حمله على ما يقتضي مبالغة في عظم النعمة، وذلك لا يكون إلا ثواباً.

والثالث: أن الآية معطوفة على قوله: ﴿ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ والمقابل للعذاب هو الثواب، فيجب حمل هذه الرحمة على الثواب.

واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف جداً وضعفه ظاهر فلا حاجة فيه إلى الاستقصاء والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أوَليّ ﴿ أَغَيْرَ الله ﴾ ؟

همزة الاستفهام دون الفعل الذي هو ﴿ اتخذ ﴾ لأن الإنكار في اتخاذ غير الله ولياً، لا في اتخاذ الولي، فكان أولى بالتقديم.

ونحوه ﴿ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون ﴾ [الزمر: 64] ﴿ ءَآللهُ أَذِنَ لَكُمْ ﴾ [يونس: 59] .

وقرئ ﴿ فَاطِرِ السماوات ﴾ بالجرّ صفة لله، وبالرفع على المدح.

وقرأ الزهري: ﴿ فَطَرَ ﴾ .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما عرفت ما فاطر السموات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدعتها ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ وهو يرزُق ولا يُرْزَق، كقوله: ﴿ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾ [الذاريات: 59] والمعنى: أن المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع.

وقرئ: ﴿ ولا يَطعم ﴾ ، بفتح الياء.

وروى ابن المأمون عن يعقوب: ﴿ وهو يُطْعَمُ ولا يُطْعِمُ ﴾ ، على بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل، والضمير لغير الله، وقرأ الأشهب: ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ ، على بنائهما للفاعل.

وفسر بأن معناه: وهو يطعم، ولا يستطعم.

وحكى الأزهري: أطعمت، بمعنى استطعمت، ونحوه أفدت.

ويجوز أن يكون المعنى: وهو يطعم تارة ولا يطعم أخرى على حسب المصالح، كقولك: وهو يعطي ويمنع، ويبسط، ويقدر، ويغني ويفقر ﴿ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ لأنّ النبي سابق أمته في الإسلام، كقوله ﴿ وبذلك أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين ﴾ [الأنعام: 163] وكقول موسى: ﴿ سبحانك تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين ﴾ [الأعراف: 143] ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ ﴾ وقيل لي لا تكونن ﴿ مِنَ المشركين ﴾ ومعناه: أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك.

و ﴿ مِنْ يُصْرَفْ عَنْهُ ﴾ العذاب ﴿ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ الله الرحمة العظمى وهي النجاة، كقولك: إن أطعمت زيداً من جوعه فقد أحسنت إليه؟

تريد: فقد أتممت الإحسان إليه أو، فقد أدخله الجنة، لأن من لم يعذب لم يكن له بدّ من الثواب.

وقرئ: ﴿ من يَصْرِفْ عنه ﴾ على البناء للفاعل، والمعنى: من يصرف الله عنه في ذلك اليوم فقد رحمه، بمعنى: من يدفع الله عنه.

ويحفظه، وقد علم من المدفوع عنه.

وترك ذكر المصروف؛ لكونه معلوماً أو مذكوراً قبله وهو العذاب.

ويجوز أن ينتصب يومئذ يصرف انتصاب المفعول به، أي من بيصرف الله عنه ذلك اليوم: أي هوله، فقد رحمه.

وينصر هذه القراءة قراءة أبيّ رضي الله عنه: من يصرف الله عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا ﴾ إنْكارٌ لِاتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا لا لِاتِّخاذِ الوَلِيِّ.

فَلِذَلِكَ قُدِّمَ وأوْلى الهَمْزَةَ والمُرادُ بِالوَلِيِّ المَعْبُودُ لِأنَّهُ رَدٌّ لِمَن دَعاهُ إلى الشِّرْكِ.

﴿ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مُبْدِعُهُما، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ما عَرَفْتُ مَعْنى الفاطِرِ حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ فَقالَ أحَدُهُما، أنا فَطَرْتُها أيِ ابْتَدَأْتُها.

وجَرَّهُ عَلى الصِّفَةِ لِلَّهِ فَإنَّهُ بِمَعْنى الماضِي ولِذَلِكَ قُرِئَ «فُطِرَ» وقُرِئَ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ عَلى المَدْحِ.

﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴾ يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ، وتَخْصِيصُ الطَّعامِ لِشِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ.

وقُرِئَ «وَلا يَطْعَمُ» بِفَتْحِ الياءِ وبِعَكْسِ الأوَّلِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِغَيْرِ اللَّهِ، والمَعْنى كَيْفَ أُشْرِكُ بِمَن هو فاطِرُ السَّمَواتِ والأرْضِ ما هو نازِلٌ عَنْ رُتْبَةِ الحَيَوانِيَّةِ، وبِبِنائِهِما لِفاعِلٍ عَلى أنَّ الثّانِي مِن أطْعَمَ بِمَعْنى اسْتَطْعَمَ، أوْ عَلى مَعْنى أنَّهُ يُطْعِمُ تارَةً ولا يُطْعِمُ أُخْرى كَقَوْلِهِ: ﴿ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ﴾ لِأنَّ النَّبِيَّ  سابِقٌ أُمَّتَهُ في الدِّينِ.

﴿ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ وقِيلَ لِي ولا تَكُونَنَّ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى قُلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً} ناصراً ومعبوداً وهو مفعول ثان لا تخذ والأول غَيْرَ وإنما أدخل همزة الاستفهام على مفعول اتخذ لا عليه لأن الإنكار في اتخاذ غير الله ولياً لا في اتخاذ الولي فكان أحق بالتقديم {فَاطِرَ السماوات والأرض} بالجر صفة لله أي مخترعهما وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما عرفت معنى الفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها أي ابتدأتها {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ}

وهو يرزق ولا يرزق أي المنافع كلها من عنده ولا يجوز عليه الانتفاع {قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} لأن النبي سابق أمته في الإسلام كقوله وبذلك امرت وانا أول المسلمين {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين} وقيل لي لا تكونن من المشركين ولو عطف على ماقبله لفظاً لقيل وأن لا أكون والمعنى أمرت أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ تَوْبِيخِهِمْ بِما سَبَقَ ﴿ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا ﴾ إنْكارًا لِاتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولِيًّا لا لِاتِّخاذِ الوَلِيِّ مُطْلَقًا، ولِذا قَدَّمَ المَفْعُولَ الأوَّلَ وأوْلى الهَمْزَةَ، ونَحْوُهُ ﴿ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ ﴾ والمُرادُ بِالوَلِيِّ هُنا المَعْبُودُ لِأنَّهُ رَدٌّ لِمَن دَعاهُ  فَقَدْ قِيلَ: إنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا مُحَمَّدُ تَرَكْتَ مِلَّةَ قَوْمِكَ وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَحْمِلُكَ عَلى ذَلِكَ إلّا الفَقْرُ فارْجِعْ فَإنّا نَجْمَعُ لَكَ مِن أمْوالِنا حَتّى تَكُونَ مِن أغْنانا فَنَزَلَتْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ المُشْرِكَ لَمْ يَخُصَّ عِبادَتَهُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى فالرَّدُّ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ لَوْ قِيلَ: أأتَّخِذُ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا؟، وأُجِيبُ بِأنَّ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ تَعالى غَيْرَهُ لَمْ يَتَّخِذِ اللَّهَ تَعالى مَعْبُودًا لِأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ عِبادَتُهُ سُبْحانَهُ مَعَ عِبادَةِ غَيْرِهِ كَما قِيلَ: إذا صافى صَدِيقُكَ مَن تُعادِي فَقَدْ عاداكَ وانْقَطَعَ الكَلامُ، وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى النّاصِرِ كَما هو أحَدُ مَعانِيهِ المَشْهُورَةِ، ويُعْلَمُ مِن إنْكارِ اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ناصِرًا أنَّهُ لا يَتَّخِذُهُ مَعْبُودًا مِن بابِ الأوْلى، ويَحْتَمِلُ الكَلامُ عَلى ما قِيلَ أنْ يَكُونَ مِنَ الإخْراجِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ قَصْدًا إلى إمْحاضِ النُّصْحِ لِيَكُونَ أعْوَنَ عَلى القَبُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ مُبْدِعُها كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: كُنْتُ لا أدْرِي ما فاطِرُ السَّمَواتِ والأرْضِ حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها يَقُولُ: أنا ابْتَدَأْتُها، وهو نَعْتٌ لِلْجَلالَةِ مُؤَكِّدٌ لِلْإنْكارِ، وصَحَّ وُقُوعُهُ نَعْتًا لِلْمَعْرِفَةِ لِأنَّهُ بِمَعْنى الماضِي سَواءً كانَ كَلامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً أوْ مَحْكِيًّا عَنِ الرَّسُولِ  إذِ المُعْتَبَرُ زَمانُ الحُكْمِ لا زَمانَ التَّكَلُّمِ ويَدُلُّ عَلى إرادَةِ المُضِيِّ أنَّهُ قَرَأ الزَّهْرِيُّ فَطَرَ، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالجُمْلَةِ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأجْنَبِيَّةٍ إذْ هي عامِلَةٌ في عامِلِ المَوْصُوفِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ ورَجَّحَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الفَصْلَ فِيهِ أسْهَلُ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ عَلى المَدْحِ أيْ هو فاطِرٌ أوْ أمْدَحُ فاطِرًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (ولِيًّا) لا الوَصْفِيَّةِ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ، نَعَمْ يَجُوزُ عَلى قِراءَةِ الزُّهْرِيِّ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ وصْفِيَّةً لَهُ ﴿ وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ ﴾ أيْ يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ السُّدِّيِّ، فالمُرادُ مِنَ المَطْعَمِ الرِّزْقُ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو كُلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ بِدَلِيلِ وُقُوعِهِ مُقابِلًا لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ وعُبِّرَ بِالخاصِّ عَنِ العامِّ مَجازًا لِأنَّهُ أعْظَمُهُ وأكْثَرُهُ لِشِدَّةِ الحاجَّةِ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ اكْتُفِيَ بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِهِ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ ما سِواهُ فَهو حَقِيقَةٌ، والجُمْلَةُ مَحَلُّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ وعَنْ أبِي عَمْرٍو والأعْمَشِ وعِكْرِمَةَ أنَّهم قَرَءُوا: ولا يَطْعَمُ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ أيْ ولا يَأْكُلُ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، ومِثْلُهُ قِراءَةُ عَبْلَةَ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِعَكْسِ القِراءَةِ الأُولى أعْنِي بِناءَ الأوَّلِ لِلْمَفْعُولِ والثّانِي لِلْفاعِلِ، والضَّمِيرُ حِينَئِذٍ في الفِعْلَيْنِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى أيْ أتَّخِذُ مَن هو مَرْزُوقٌ غَيْرَ رازِقٍ ولِيًّا، والكَلامُ وإنْ كانَ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ إلّا أنَّهُ نَظَرٌ إلى عُمُومِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى وتَغْلِيبِ أوْلى العُقُولِ كَعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ فِيهِ إنْكارَ أنْ يَصْلُحَ الأصْنامُ لِلْأُلُوهِيَّةِ مِن طَرِيقِ الأوْلى، وقَدْ يُقالُ: الكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا غَيْرَ خالِقٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ﴾ ويُحْمَلُ الفِعْلُ عَلى مَعْنى النَّفْعِ لا يَرُدُّ شَيْءٌ رَأْسًا، وقَرَأ الأشْهَبُ (وهُوَ يُطْعِمُ ولا يَطْعَمُ) بِبِنائِهِما لِلْفاعِلِ، ووُجِّهَتْ إمّا بِأنَّ أفْعَلَ بِمَعْنى اسْتَفْعَلَ كَما ذَكَرَهُ الأزْهَرِيُّ أيْ وهو يُطْعِمُ ولا يَسْتَطْعِمُ أيْ لا يَطْلُبُ طَعامًا ويَأْخُذُهُ مِن غَيْرِهِ أوْ بِأنَّ المَعْنى يُطْعِمُ تارَةً ولا يَطْعِمُ أُخْرى، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ ﴾ والضَّمِيرانِ لِلَّهِ تَعالى، ورُجُوعُ الضَّمِيرِ الثّانِي لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى تَكَلُّفٌ يَحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ، ﴿ قُلْ ﴾ بَعْدَ بَيانِ أنَّ اتِّخاذَ غَيْرِهِ تَعالى ولِيًّا مِمّا يَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَدِيهَةُ العُقُولِ ﴿ إنِّي أُمِرْتُ ﴾ مِن جَنابِ ولِيِّ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ﴾ وجْهَهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُخْلِصًا لَهُ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَأْمُورٌ بِما شَرَعَهُ إلّا ما كانَ مِن خَصائِصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو إمامُ أُمَّتِهِ ومُقْتَداهم ويَنْبَغِي لِكُلِّ آمِرٍ أنْ يَكُونَ هو العامِلَ أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ لِيَكُونَ أدْعى لِلِامْتِثالِ، ومِن ذَلِكَ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ ﴾ وقِيلَ: إنَّ ما ذُكِرَ لِلتَّحْرِيضِ كَما يَأْمُرُ المَلِكُ رَعِيَّتَهُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَقُولُ وأنا أوَّلُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَحْمِلَهم عَلى الِامْتِثالِ وإلّا فَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ  امْتِناعٌ عَنْ ذَلِكَ حَتّى يُؤْمَرَ بِهِ، وفِيهِ نَظَرٌ ﴿ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ 41 - أيْ في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وفي الكَلامِ قَوْلٌ مُقَدَّرٌ أيْ وقِيلَ لِي لا تَكُونَنَّ، قالُوا و(مِن) لِلْحِكايَةِ عاطِفَةٌ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ عَلى أُمِرْتُ، وحاصِلُ المَعْنى إنِّي أُمِرْتُ بِالإسْلامِ ونُهِيتُ عَنِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَقُولِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَهُ مَا سَكَنَ يعني: ما استقر فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من الدواب والطير في البر والبحر.

فمنها ما يستقر في الليل وينتشر بالنهار.

ومنها ما يستقر بالنهار وينتشر الليل.

ثم قال: وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يعني: السميع لمقالتهم، العليم بعقوبتهم.

ثم قال: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا وذلك أن المشركين قالوا للنبي  : إنّ آباءك كانوا على مذهبنا، وإنما تركت مذهبهم للحاجة فارجع إلى مذهب آبائك حتى نغنيك بالمال.

فنزلت قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا يعني: أعبد ربا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خالق السموات والأرض.

ويقال: مبتدئهما.

ومنه قول النبيّ  : «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» أي، على ابتداء الخلقة.

وهو الإقرار بالله حين أخذ عليهم العهد في أصلاب آباءهم.

وإنما صار فاطِرِ كسراً لأنه من صفة الله تعالى يعني: أغير الله فاطر السموات والأرض.

وقال الزجاج: يجوز الضم على معنى هو فاطر السموات والأرض.

ويجوز النصب على معنى: اذكروا فاطر السموات، إلا أن الاختيار الكسر.

ثم قال: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ يعني: يرزق ويقال: وهو يرزق ولا يعان على رزق الخلق.

وقرأ بعضهم: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ بنصب الياء يعني: يرزق ولا يأكل.

ثم قال: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ من أهل مكة يعني: أول من أسلم من أهل مكة، واستقام على التوحيد وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يعني: وقال لي ربي: لا تكونن من المشركين بقولهم: ارجع إلى دين آبائك.

وقوله تعالى: قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي يعني: إني أعلم إن عصيت ربي فرجعت إلى آبائي، وعبدت غيره.

عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني: عذاباً شديداً في يوم القيامة.

مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ سوء العذاب يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ يعني: غفر له وعصمه.

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عامر وعاصم في رواية حفص مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ بضم الياء ونصب الراء على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: مَنْ يُصْرَفْ بنصب الياء ومعناه: من يصرف الله عنه.

ولأنه سبق ذكر قوله: رَبِّي فانصرف إليه.

ثم قال: وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ يعني: صرف العذاب: هو النجاة الوافرة.

وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله  أنه قال: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاعْلَمُوا أنَّهُ لا يَنْجُو أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قالوا: يا رسول الله ولا أنت؟

قال: «وَلا أنَا إلاَّ أنْ يَتَغَمَّدِني الله بِرَحْمَتِهِ» يعني: أن الخلق كلهم ينجون برحمة الله تعالى.

ثم خوّفه ليتمسك بدينه فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ويتضمن هذا الإخبار عن اللَّه- سبحانه- بأنه كتب الرَّحْمَةَ لتأنيس الكفار، ونفي يَأْسهم من رَحْمَةِ اللَّه إذا أَنَابُوا.

واللام في قوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ لام قَسَم، والكلام مستأنف، وهذا أظهر الأَقْوَالِ «١» وأصحها.

وقوله سبحانه: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ.

الَّذِينَ رفع بالابتداء، وخبره: فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.

وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)

وقوله تعالى: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية.

وَلَهُ عطف على قوله: لِلَّهِ، وسَكَنَ هي من السُّكْنَى، ونحوه أي: ما ثَبَتَ وتَقَرَّرَ.

قاله السدي «٢» ، وغيره.

وقالت فرقَةٌ: هو من السُّكُونِ، وهو ضعيف.

وقوله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية.

قال الطبري «٣» وغيره: أُمِرَ- عليه السلام- أن يَقُولَ هذه المَقَالَةَ لِلْكَفَرَةِ الذين دعوه إلى عبادة أوثانهم، فَتَجِيءُ الآية على هذا جَوَاباً لكلامهم.

قال ع «٤» : وهذا يَحْتَاجُ إلى سَنَدٍ، والفصيح أنه لما قَرَّرَ معهم أن اللَّه- تعالى- له ما في السَّمَوَاتِ والأرض، وله ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنهار، أُمِرَ أن يقول لهم على جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتوقيف: أغَيْرَ اللَّه الذي هذه أَفْعالُهُ أتخذ وليًّا، بمعنى: أن هذا خَطَأٌ بَيِّنٌ/ ممن يفعله.

والولي لفظ عام لمَعْبُودٍ وغير ذلك.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا ﴾ ذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها، «أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألا تَرْجِعَ إلى دِينِ آَبائِكَ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: لا أتَّخِذُ ولِيًّا غَيْرَ اللَّهِ أتَوَلّاهُ، وأعْبُدُهُ، وأسْتَعِينُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ الجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ راءِ "فاطِرِ" .

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِها قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفاطِرُ، مَعْناهُ: الخالِقُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ المُبْتَدِئُ.

« "وَمِنهُ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"» أيْ: عَلى ابْتِداءِ الخِلْقَةِ، وهو الإقْرارُ بِاللَّهِ حِينَ أخَذَ العَهْدَ عَلَيْهِمْ في أصْلابِ آَبائِهِمْ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنْتُ لا أدْرِي ما فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرِ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها، أيْ: أنا ابْتَدَأْتُها.

قالَ الزَّجّاجُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الفَطْرُ بِمَعْنى الخَلْقِ؟

والِانْفِطارُ: الِانْشِقاقُ في قَوْلُه تَعالى: ﴿ إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ فالجَوابُ إنَّما يَرْجِعانِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، لِأنَّ مَعْنى" فَطَرَهُما" خَلْقَهُما خَلْقًا قاطِعًا.

والِانْفِطارُ، والفُطُورُ، تَقَطُّعٌ وتَشَقُّقٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الياءِ مِنَ الثّانِي، ومَعْناهُ وهو يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ، لِأنَّ بَعْضَ العَبِيدِ يَرْزُقُ مَوْلاهُ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ والأعْمَشُ ولا "يَطَعَمُ" بِفَتْحِ الياءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا الِاخْتِيارُ عِنْدَ البُصَراءِ بِالعَرَبِيَّةِ، ومَعْناهُ: وهو يَرْزُقُ ويُطْعِمُ ولا يَأْكُلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ﴾ أيْ: أوَّلُ مُسْلِمٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، ﴿ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ: وقِيلَ لِي: لا تَكُونُنَّ، فَصارَتْ: أمَرَتْ، بَدَلًا مِن ذَلِكَ، لِأنَّهُ حِينَ قالَ: أمَرَتْ قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مَن المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ مَن يُصْرَفْ عنهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ أوثانِهِمْ؛ فَتَجِيءُ الآيَةُ - عَلى هَذا - جَوابًا لِكَلامِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ في أنَّ هَذا نَزَلَ جَوابًا؛ وإلّا فَظاهِرُ الآيَةِ لا يَتَضَمَّنُهُ؛ والفَصِيحُ هو أنَّهُ لَمّا قَرَّرَ مَعَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ؛ ولَهُ ما سَكَنَ في اللَيْلِ والنَهارِ؛ وأنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ؛ أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ؛ والتَوْقِيفِ -: أغَيْرَ هَذا الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ أتَّخِذُ ولِيًّا؟

بِمَعْنى أنَّ هَذا خَطَأٌ؛ لَوْ فَعَلْتُهُ؛ بَيِّنٌ؛ وتُعْطِي قُوَّةُ الكَلامِ أنَّ مَن فَعَلَهُ مِن سائِرِ الناسِ بَيِّنُ الخَطَإ؛ و"أتَّخِذُ"؛ عامِلٌ في قَوْلِهِ: "أغَيْرَ"؛ وفي قَوْلِهِ: "وَلِيًّا"؛ تَقَدَّمَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ.

والوَلِيُّ: لَفْظٌ عامٌّ لِمَعْبُودٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الواصِلَةِ بَيْنَ العَبْدِ؛ ورَبِّهِ تَعالى ؛ ثُمَّ أخَذَ في صِفاتِ اللهِ تَعالى ؛ فَقالَ: "فاطِرِ"؛ بِخَفْضِ الراءِ؛ نَعْتٌ لِلَّهِ تَعالى ؛ و"فَطَرَ"؛ مَعْناهُ: اِبْتَدَعَ؛ وخَلَقَ؛ وأنْشَأ؛ و"فَطَرَ" - أيْضًا في اللُغَةِ -: شَقَّ؛ ومِنهُ: ﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ  ﴾ ؛ أيْ: مِن شُقُوقٍ؛ ومِن هَذا انْفِطارُ السَماءِ؛ وفي هَذِهِ الجِهَةِ يَتَمَكَّنُ قَوْلُهُمْ: "فَطَرَ نابُ البَعِيرِ"؛ إذا خَرَجَ؛ لِأنَّهُ يَشُقُّ اللِثَةَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى: ﴿ فاطِرِ السَماواتِ ﴾ ؛ حَتّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ؛ فَقالَ أحَدُهُما: "أنا فَطَرْتُها"؛ أيْ: اِخْتَرَعْتُها؛ وأنْشَأْتُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَحَمَلَهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى هَذِهِ الجِهَةِ؛ ويَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى الجِهَةِ الأُخْرى؛ أنَّهُ شَقَّ الأرْضَ؛ والبِئْرَ؛ حِينَ احْتَفَرَها.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فاطِرُ"؛ بِرَفْعِ الراءِ؛ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ أو عَلى الِابْتِداءِ.

﴿ يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ ﴾ : اَلْمَقْصُودُ بِهِ: يَرْزُقُ؛ ولا يُرْزَقُ؛ وخَصَّ الإطْعامَ مِن أنْواعِ الرِزْقِ؛ لِمَسِّ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ وشُهْرَتِهِ؛ واخْتِصاصِهِ بِالإنْسانِ؛ وقَرَأ يَمانُ العَمّانِيُّ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُطْعِمُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وكَسْرِ العَيْنِ؛ في الثانِي مِثْلَ الأوَّلِ؛ يَعْنِي الوَثَنَ أنَّهُ لا يُطْعِمُ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ؛ وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ - في رِوايَةٍ عنهُ - في الثانِي: "وَلا يَطْعَمُ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ عَلى مُسْتَقْبَلِ "طَعِمَ"؛ فَهي صِفَةٌ تَتَضَمَّنُ التَبْرِيَةَ؛ أيْ: لا يَأْكُلُ؛ ولا يُشْبِهُ المَخْلُوقِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ ﴾ ؛ إلى ﴿ عَظِيمٍ ﴾ ؛ قالَ المُفَسِّرُونَ: اَلْمَعْنى: "أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وبِهَذِهِ الشَرِيعَةِ"؛ ولا يَتَضَمَّنُ الكَلامُ إلّا ذَلِكَ؛ قالَ طائِفَةٌ: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَقِيلَ لِي: ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وَتَلْخِيصُ هَذا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أُمِرَ؛ فَقِيلَ لَهُ: "كُنْ أوَّلَ مَن أسْلَمَ؛ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ"؛ فَلَمّا أُمِرَ في الآيَةِ أنْ يَقُولَ ما أُمِرَ بِهِ؛ جاءَ بَعْضُ ذَلِكَ عَلى المَعْنى؛ وبَعْضُهُ بِاللَفْظِ بِعَيْنِهِ.

ولَفْظَةُ "عَصَيْتُ"؛ عامَّةٌ في أنْواعِ المَعاصِي؛ ولَكِنَّها هَهُنا إنَّما تُشِيرُ إلى الشِرْكِ الَّذِي نُهِيَ عنهُ؛ واليَوْمُ العَظِيمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ: "مَن يُصْرَفْ عنهُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ الراءِ؛ والمَفْعُولُ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ هو الضَمِيرُ العائِدُ عَلى العَذابِ؛ فَهو مُقَدَّرٌ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ - أيْضًا -: "مَن يَصْرِفْ عنهُ"؛ فَيُسْنِدُ الفِعْلَ إلى الضَمِيرِ العائِدِ إلى "رَبِّي"؛ ويَعْمَلُ في ضَمِيرِ العَذابِ المَذْكُورِ آنِفًا؛ لَكِنَّهُ مَفْعُولٌ مَحْذُوفٌ؛ وحُكِيَ أنَّهُ ظَهَرَ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ ؛ وهِيَ: "مَن يَصْرِفْهُ عنهُ يَوْمَئِذٍ"؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مَن يَصْرِفْهُ اللهُ عنهُ"؛ وقِيلَ: إنَّها "مَن يَصْرِفِ اللهُ عنهُ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَذْفُ هَذا الضَمِيرِ لا يَحْسُنُ؛ كَما يَحْسُنُ حَذْفُ الضَمِيرِ مِنَ الصِلَةِ؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا  ﴾ ؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى  ﴾ ؛ مَعْناهُ: "بَعَثَهُ"؛ و"اِصْطَفاهُمْ"؛ فَحَسُنَ هَذا لِلطُّولِ؛ كَما عَلَّلَهُ سِيبَوَيْهِ ؛ ولا يَحْسُنُ هَذا لِعَدَمِ الصِلَةِ؛ قالَ بَعْضُ الناسِ: اَلْقِراءَةُ بِفَتْحِ الياءِ "مَن يَصْرِفْ"؛ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ يُناسِبُ: ﴿ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ ؛ وكانَ الأولى - عَلى القِراءَةِ الأُخْرى - "فَقَدْ رُحِمَ"؛ لِيَتَناسَبَ الفِعْلانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَوْجِيهٌ لَفْظِيٌّ تَعَلُّقُهُ خَفِيفٌ؛ وأمّا بِالمَعْنى فالقِراءَتانِ واحِدٌ؛ ورَجَّحَ قَوْمٌ قِراءَةَ ضَمِّ الياءِ؛ لِأنَّها أقَلُّ إضْمارًا؛ وأشارَ أبُو عَلِيٍّ إلى تَحْسِينِ القِراءَةِ بِفَتْحِ الياءِ بِما ذَكَرْناهُ؛ وأما مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَحِمَهُ اللهُ - فَتَخَبَّطَ في كِتابِ "اَلْهِدايَةُ"؛ في تَرْجِيحِ القِراءَةِ بِفَتْحِ الياءِ؛ ومَثَّلَ في احْتِجاجِهِ بِأمْثِلَةٍ فاسِدَةٍ؛ واللهُ تَعالى ولِيُّ التَوْفِيقِ.

وَ"رَحِمَ"؛ عامِلٌ في الضَمِيرِ المُتَّصِلِ؛ وهو ضَمِيرُ "مَن"؛ ومُسْتَنِدٌ إلى الضَمِيرِ العائِدِ إلى "رَبِّي"؛ وقَوْلُهُ: "وَذَلِكَ"؛ إشارَةٌ إلى صَرْفِ العَذابِ؛ وإلى الرَحْمَةِ؛ والفَوْزِ؛ والنَجاةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف آخر ناشئ عن جملة: ﴿ قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله ﴾ [الأنعام: 12].

وأعيد الأمر بالقول اهتماماً بهذا المقول، لأنّه غرض آخر غير الذي أمر فيه بالقول قبله، فإنّه لمّا تقرّر بالقول، السابق عبودية ما في السماوات والأرض لله وأنّ مصير كلّ ذلك إليه انتقل إلى تقرير وجوب إفراده بالعبادة، لأنّ ذلك نتيجة لازمة لكونه مالكاً لجميع ما احتوته السماوات والأرض، فكان هذا التقرير جارياً على طريقة التعريض إذ أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالتبرّئ من أن يعبد غير الله.

والمقصود الإنكار على الذين عبدوا غيره واتّخذوهم أولياء، كما يقول القائل بمحضر المجادل المكابر (لا أجحد الحقّ) لدلالة المقام على أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصدر منه ذلك، كيف وقد علموا أنّه دعاهم إلى توحيد الله من أول بعثته، وهذه السورة ما نزلت إلاّ بعد البعثة بسنين كثيرة، كما استخلصناه ممّا تقدّم في صدر السورة.

وقد ذكر ابن عطية عن بعض المفسّرين أنّ هذا القول أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم ليجيب المشركين الذين دعوه إلى عبادة أصنامهم، أي هو مثل ما في قوله تعالى: ﴿ قل أفغير الله تأمروني أعبد أيّها الجاهلون ﴾ [الزمر: 64]، وهو لعمري ممّا يشعر به أسلوب الكلام وإن قال ابن عطية: إنّ ظاهر الآية لا يتضمّنه كيف ولا بدّ للاستئناف من نكتة.

والاستفهام للإنكار.

وقدّم المفعول الأول ل ﴿ أتّخذ ﴾ على الفعل وفاعله ليكون موالياً للاستفهام لأنّه هو المقصود بالإنكار لا مطلق اتّخاذ الوليّ.

وشأن همزة الاستفهام بجميع استعمالاته أن يليها جزء الجملة المستفهم عنه كالمنكر هنا، فالتقديم للاهتمام به، وهو من جزئيات العناية التي قال فيها عبد القاهر أن لا بدّ من بيان وجه العناية، وليس مفيداً للتخصيص في مثل هذا لظهور أنّ داعي التقديم هو تعيين المراد بالاستفهام فلا يتعيّن أن يكون لغرض غير ذلك.

فمن جعل التقديم هنا مفيداً للاختصاص، أي انحصار إنكار اتّخاذ الولي في غير الله كما مال إليه بعض شرّاح «الكشاف» فقد تكلّف ما يشهد الاستعمال والذوق بخلافه، وكلام «الكشاف» بريء منه بل الحقّ أنّ التقديم هنا ليس إلاّ للاهتمام بشأن المقدّم ليليَ أداة الاستفهام فيعلم أن محلّ الإنكار هو اتّخاذ غير الله وليّاً، وأما مّا زاد على ذلك فلا التفات إليه من المتكلم.

ولعلّ الذي حداهم إلى ذلك أنّ المفعول في هذه الآية ونظائرها مثل ﴿ أفغير الله تأمروني أعبد ﴾ [الزمر: 64] ﴿ أغير الله تدعون ﴾ [الأنعام: 40] هو كلمة ﴿ غير ﴾ المضافة إلى اسم الجلالة، وهي عامّة في كلّ ما عدا الله، فكان الله ملحوظاً من لفظ المفعول فكان إنكار اتّخاذ الله وليّاً لأنّ إنكار اتّخاذ غيره وليّاً مستلزماً عدم إنكار اتّخاذ الله وليّاً، لأنّ إنكار اتّخاذ غير الله لا يبقى معه إلاّ اتّخاذ الله وليّاً؛ فكان هذا التركيب مستلزماً معنى القصر وآئلاً إليه وليس هو بدالّ على القصر مطابقة، ولا مفيداً لما يفيده القصر الإضافي من قلب اعتقاد أو إفراد أو تعيين، ألا ترى أنّه لو كان المفعول خلاف كلمة (غير) لما صحّ اعتبار القصر، كما لو قلت: أزيداً أتتّخذ صديقاً، لم يكن مفيداً إلاّ إنكار اتّخاذ زيد صديقاً من غير التفات إلى اتّخاذ غيره، وإنّما ذلك لأنّك تراه ليس أهلاً للصداقة فلا فرق بينه وبين قولك: أتتّخذ زيداً صديقاً، إلاّ أنّك أردت توجّه الإنكار للمتّخذ لا للاتّخاذ اهتماماً به.

والفرق بينهما دقيق فأجد فيه نظرك.

ثم إن كان المشركون قد سألوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتّخذ أصنامهم أولياء كان لتقديم المفعول نكتة اهتمام ثانية وهي كونه جواباً لكلام هو المقصود منه كما في قوله: ﴿ أفغير الله تَأمُرُونيَ أعْبُدُ أيّها الجاهلون ﴾ [الزمر: 64] وقوله: ﴿ قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة إلى قوله قال أغير الله أبغيكم إلهاً ﴾ [الأعراف: 12].

وأشار صاحب «الكشاف» في قوله: ﴿ أغير الله أبغي ربّاً ﴾ الآتي في آخر السورة إلى أنّ تقديم ﴿ غير الله ﴾ على ﴿ أبغي ﴾ لكونه جواباً عن ندائهم له إلى عبادة آلهتهم.

قال الطيبي: لأنّ كل تقديم إمّا للاهتمام أو لجواب إنكار.

والوليّ: الناصر المدبّر، ففيه معنى العلم والقدرة.

يقال: تولّى فلاناً، أي اتّخذه ناصراً.

وسمّي الحليف وليّاً لأنّ المقصود من الحلف النصرة.

ولمّا كان الإله هو الذي يرجع إليه عابده سمّي وليّاً لذلك.

ومن أسمائه تعالى الولي.

والفاطر: المبدع والخالقُ.

وأصله من الفطر وهو الشقّ.

وعن ابن عباس: ما عرفت معنى الفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيات في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتُها.

وإجراء هذا الوصف على اسم الجلالة دون وصف آخر استدلال على عدم جدارة غيره لأن يتّخذ وليّاً، فهو ناظر إلى قوله: في أول السورة ﴿ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون ﴾ [الأنعام: 1].

وليس يغني عنه قوله قبله ﴿ قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله ﴾ [الأنعام: 12] لأنّ ذلك استدلال عليهم بالعبودية لله وهذا استدلال بالافتقار إلى الله في أسبَاب بقائهم إلى أجل.

وقوله: ﴿ وهو يُطعم ﴾ جملة في موضع الحال، أي يُعطي الناس ما يأكلونه ممّا أخرج لهم من الأرض: من حبوب وثمار وكلأ وصيد.

وهذا استدلال على المشركين بما هو مسلّم عندهم، لأنّهم يعترفون بأنّ الرازق هو الله وهو خالق المخلوقات وإنّما جعلوا الآلهة الأخرى شركاء في استحقاق العبادة.

وقد كثر الاحتجاج على المشركين في القرآن بمثل هذا كقوله تعالى: ﴿ أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ﴾ [الواقعة: 63،] 64.

وأمّا قوله: ﴿ ولا يُطْعَمْ ﴾ بضم الياء وفتح العين فتكميل دالّ على الغنى المطلق كقوله تعالى: ﴿ وما أريد أن يطعِمونِ ﴾ [الذاريات: 57].

ولا أثر له في الاستدلال إذ ليس في آلهة العرب ما كانوا يطعمونه الطعام.

ويجوز أن يراد التعريض بهم فيما يقدّمونه إلى أصنامهم من القرابين وما يهرقون عليها من الدماء، إذ لا يخلو فعلهم من اعتقاد أنّ الأصنام تنعم بذلك.

﴿ قُلْ إنى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين ﴾ .

استئناف مكرّر لأسلوب الاستئناف الذي قبله.

ومثار الاستئنافين واحد ولكن الغرض منهما مختلف، لأنّ ما قبله يحوم حول الاستدلال بدلالة العقل على إبطال الشرك، وهذا استدلال بدلالة الوحي الذي فيه الأمر باتّباع دين الإسلام وما بني عليه اسم الإسلام من صرف الوجه إلى الله، كما قال في الآية الأخرى ﴿ فقل أسلمت وجهي لله ﴾ [آل عمران: 20]، فهذا إبطال لطعنهم في الدين الذي جاء به المسمّى بالإسلام، وشعاره كلمة التوحيد المبطلة للإشراك.

وبني فعل ﴿ أمرت ﴾ للمفعول، لأنّ فاعل هذا الأمر معلوم بما تكرّر من إسناد الوحي إلى الله.

ومعنى ﴿ أوّل من أسلم ﴾ أنّه أول من يتّصف بالإسلام الذي بعثه الله به، فهو الإسلام الخاصّ الذي جاء به القرآن، وهو زائد على ما آمن به الرسل من قبل، بما فيه من وضوح البيان والسماحة، فلا ينافي أنّ بعض الرسل وصفوا بأنّهم مسلمون، كما في قوله تعالى: حكاية عن إبراهيم ويعقوب ﴿ يا بنيّ إنّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون ﴾ وقد تقدّم بيان ذلك عند ذكر تلك الآية في سورة [البقرة: 132].

ويجوز أن يكون المراد أول من أسلم ممّن دعوا إلى الإسلام.

ويجوز أن يكون الأول كناية عن الأقوى والأمكن في الإسلام، لأنّ الأول في كلّ عمل هو الأحرص عليه والأعلق به، فالأوليّة تستلزم الحرص والقوة في العمل، كما حكى الله تعالى عن موسى قوله: ﴿ وأنا أول المؤمنين ﴾ [الأعراف: 143].

فإنّ كونه أوّلهم معلوم وإنّما أراد: أنّي الآن بعد الصعقة أقوى الناس إيماناً.

وفي الحديث: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة» وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾ في سورة [البقرة: 41].

والمقصود من هذا على جميع الوجوه تأييس المشركين من عوده إلى دينهم لأنّهم ربّما كانوا إذا رأوا منه رحمة بهم وليناً في القول طمعوا في رجوعه إلى دينهم وقالوا إنّه دين آبائه.

وقوله: ولا تكوننّ من المشركين } عطف على قوله: ﴿ قل ﴾ ، أي قل لهم ذلك لييْأسوا.

والكلام نهي من الله لرسوله مقصود منه تأكيد الأمر بالإسلام، لأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، فذكر النهي عن الضدّ بعد ذلك تأكيد له، وهذا التأكيد لتقطع جرثومة الشرك من هذا الدين.

و ﴿ من ﴾ تبعيضية، فمعنى ﴿ من المشركين ﴾ أي من جملة الذين يشركون، ويحتمل أنّ النهي عن الانتماء إلى المشركين، أي هو أمر بالبراءة منهم فتكون ﴿ من ﴾ اتّصالية ويكون ﴿ المشركين ﴾ بالمعنى اللقبي، أي الذي اشتهروا بهذا الاسم، أي لا يكن منك شيء فيه صلة بالمشركين، كقول النّابغة : ***.

فإنِّي لَسْتُ منك ولست منّي والتأييس على هذا الوجه أشدّ وأقوى.

وقد يؤخذ من هذه الآية استدلال للمأثور عن الأشعري: أنّ الإيمان بالله وحده ليس ممّا يجب بدليل العقل بل تتوقّف المؤاخذة به على بعثة الرسول، لأنّ الله أمر نبيّه صلى الله عليه وسلم أن ينكر أن يتّخذ غير الله وليّاً لأنّه فاطر السماوات والأرض، ثم أمره أن يقول ﴿ إنّي أمرت أن أكون أول من أسلم ﴾ ثم أمره بما يدلّ على المؤاخذة بقوله: ﴿ إنّي أخاف إن عصيت ربّي إلى قوله فقد رحمه ﴾ [الأنعام: 15، 16].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ مِن أجْسامِ الحَيَوانِ، لِأنَّ مِنَ الحَيَوانِ ما يَسْكُنُ لَيْلًا، ومِنهُ ما يَسْكُنُ نَهارًا.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ ﴿ ما سَكَنَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ ما تَحَرَّكَ؟

قِيلَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ما يَعُمُّهُ السُّكُونُ أكْثَرُ مِمّا يَعُمُّهُ الحَرَكَةُ.

والثّانِي: لِأنَّ كُلَّ مُتَحَرِّكٍ لا بُدَّ أنْ تَنْحَلَّ حَرَكَتُهُ سُكُونًا، فَصارَ كُلُّ مُتَحَرِّكٍ ساكِنًا، وقَدْ قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْناهُ ولَهُ ما اسْتَقَرَّ في اللَّيْلِ والنَّهارِ، وهُما الزَّمانُ كُلُّهُ، لِأنَّهُ لا زَمانَ إلّا لَيْلٌ أوْ نَهارٌ، ولا فَصْلَ بَيْنَهُما يَخْرُجُ عَنْ واحِدٍ مِنهُما.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا ﴾ يَعْنِي إلَهًا يَتَوَلّانِي.

﴿ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ ومُبْتَدِئُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنْتُ لا أدْرِي ما فاطِرُ حَتّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أنا فَطَرْتُها، أيِ ابْتَدَأْتُها، وأصْلُ الفَطْرِ الشَّقُّ، ومِنهُ ﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ  ﴾ أيْ شُقُوقٍ.

﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴾ مَعْناهُ يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ، قَرَأ بَعْضُهم ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴾ مَعْناهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: وهو يُطْعِمُ خَلْقَهُ ولا يَأْكُلُ.

﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ﴾ يَعْنِي مِن أُمَّتِهِ، وفي إسْلامِهِ هَذا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: اسْتِسْلامُهُ لِأمْرِ اللَّهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: طالَ النَّهارُ عَلى مَن لا لِقاحَ لَهُ إلّا الهَدِيَّةُ أوْ تَرْكٌ بِإسْلامٍ أيْ بِاسْتِسْلامٍ.

والثّانِي: هو دُخُولُهُ في سِلْمِ اللَّهِ وخُرُوجِهِ مِن عَداوَتِهِ.

والثّالِثُ: دُخُولُهُ في دِينِ إبْراهِيمَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ  ﴾ ويَكُونُ المُرادُ بِهِ أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: مِن أهْلِ مَكَّةَ.

﴿ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا خِطابًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ يَنْهاهُ بِهِ عَنِ الشِّرْكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، وإنْ تَوَجَّهَ الخِطابُ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ يقول: ما استقر في الليل والنهار.

وفي قوله: ﴿ قل أغير الله أتخذ ولياً ﴾ قال: أما الولي فالذي يتولاه ويقر له بالربوبية.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ قال: بديع السموات والأرض.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن جرير وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال، أحداهما: أنا فطرتها.

يقول: أنا ابتدأتها.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ قال: خالق السموات والأرض.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وهو يطعِم ولا يطعَم ﴾ قال: يرزق ولا يُرزق.

وأخرج النسائي وابن السني والحاكم والبيهقي في الشعب وابن مردويه عن أبي هريرة قال: دعا رجل من الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقنا معه، فلما طعَم النبي صلى الله عليه وسلم وغسل يده قال: «الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم ومنَّ علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغني عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العرى، وهدانا من الضلال، وبصرنا من العمى، وفضلنا على كثير من خلقه تفصيلاً، الحمد لله رب العالمين» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ من يصرف عنه يومئذ ﴾ قال: من يصرف عنه العذاب.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق بشر بن حاتم من طريق بشر بن السري عن هارون النحوي قال: في قراءة أبي ﴿ من يصرفه الله ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وإن يمسسك بخير ﴾ يقول: بعافية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي: خالقهما، ابتدأ على غير مثال سبق، والفطرة ابتداء الخلقة.

قال ابن عباس: (كنت ما أدري ما فاطر السموات حتى احتكم إلى أعرابيان في بئر، قال أحدهما: أنا فطرتها، وأنا ابتدأت حفرها) (١) وقرأت على أبي الفضل العروض -رحمه الله (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ يريد: خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يكون فيه الشق والتأليف عند ضم بعض الأشياء إلى بعض، فلما كان الأصل للشق جاز أن يكون في حال شق إصلاح وفي حال أخرى شق إفساد، ففاطر السموات من الإصلاح لا غير، وقوله: ﴿ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ  ﴾ ، و ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ  ﴾ من الإفساد، وأصلهما واحد (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ﴾ قال السدي: وهو يرزق ولا يُرْزَق.

(٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ أي: وقيل لي ذلك وصارت ﴿ أُمِرْتُ ﴾ (٩) ﴿ أُمِرْتُ ﴾ أخبر أنه قيل له ذلك، فقوله: ﴿ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ معطوف على ما قبله في المعنى؛ لأن معنى ﴿ أُمِرْتُ ﴾ : قيل لي (١٠) (١١) (١) أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 206، وفي "غريب الحديث" 2/ 388، والطبري في "تفسيره" 7/ 159، قال ابن حجر في "الكافي الشافي" ص 61، والمناوي في "الفتح السماوي" 2/ 602: إسناده حسن ليس فيه إلا إبراهيم بن مهاجر.

ا.

هـ.

وإبراهيم بن مهاجر البجلي الكوفي مختلف فيه، قال ابن حجر في "التقريب" (254): صدوق لين الحفظ.

ا.

هـ.

وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص 44 من طريق آخر ضعيف، ومن طريق إبراهيم بن مهاجر أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1269 عن ابن عباس قال: فاطر السموات والأرض، == أي: بديع السماوت والأرض.

ا.

هـ وذكر الأول أكثرهم.

انظر: "الجمهرة" 2/ 755، و"الصحاح" 2/ 781، (فطر)، و"تفسير الثعلبي" ص 176/ أ، و"تفسير الماوردي" 2/ 97، و"تفسير ابن عطية" 5/ 141، و"تفسير ابن الجوزي" 3/ 11، والرازي في "تفسيره" 12/ 168.

(٢) أبو الفضل العروضي: أحمد بن محمد بن عبد الله الصفار، إمام تقدمت ترجمته.

(٣) المنذري: محمد بن أبي جعفر المنذري، أبو الفضل الهروي، تقدمت ترجمته.

(٤) "تهذيب اللغة" 13/ 326 (فطر).

(٥) ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 168.

(٦) أهل اللغة والتفسير على أن الفطر بمعنى الشق والخلق والإنشاء.

انظر: "مجاز القرآن" 1/ 187، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 134، و"الجمهرة" 2/ 755، و"المجمل" 3/ 723، و"مقاييس اللغة" 4/ 510، و"اللسان" 6/ 3432 (فطر).

وقال السمين في "الدر" 4/ 556: (الفطر: الشق مطلقًا، وقيده الواحدي بشق الشيء عند ابتدائه) ا.

هـ.

وأكثرهم قيده بذلك.

انظر: "العين" 7/ 417، و"تفسير غريب القرآن" ص 1/ 151، والطبري في "تفسيره" 1/ 159، و"نزهة القلوب" ص 352، و"الصحاح" 2/ 781، (فطر) "تفسير الماوردى" 2/ 98، و"النهاية" لابن الأثير 3/ 357.

(٧) ذكر نحوه الزجاج في "معانيه" 2/ 233، والراغب في "المفردات" ص 640، والرازي في "تفسيره" 12/ 169.

(٨) أخرجه الطبري 7/ 159، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1270 بسند جيد.

(٩) (أمرت) ساقط من: (ش).

(١٠) هذا قول الأخفش في "معانيه" 2/ 270، والطبري في "تفسيره" 4/ 159، وذكره أكثر أهل التفسير.

انظر: "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 354، والزمخشري في "تفسيره" 2/ 8، والبغوي في "تفسيره" 3/ 132، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 143، و"زاد المسير" 3/ 11، و"التبيان" للعكبري 1/ 326، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 397، و"البحر المحيط" 4/ 86، و"الدر المصون" 4/ 558.

(١١) هذا معنى قول الزجاج في "معانيه" 2/ 233.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار ﴾ عطف على قوله قل: لله، ومعنى سكن: حل، فهو من السكنى، وقيل: هو من السكون وهو ضعيف لأن الأشياء منها ساكنة ومتحركة فلا يعم، والمقصود عموم ملكه تعالى لكل شيء ﴿ قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً ﴾ إقامة حجة على الكفار، وردٌ عليهم بصفات الله الكريم التي لا يشاركه غيره فيها ﴿ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ أي من هذه الأمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم سابقُ أمته إلى الإسلام ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ ﴾ في الكلام حذف تقديره وقيل لي: ولا تكونن من المشركين، أو يكون معطوفاً على معنى أمرت فلا حذف وتقديره أمرت بالإسلام، ونهيت عن الإشراك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أمرت ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: هما وابن كثير وأبو عمرو.

الباقون: بالسكون.

﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.

الباقون: مبنياً للمفعول ﴿ أئنكم ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة ﴿ أينكم ﴾ بالياء بعد الهمزة: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينكم ﴾ بالمد والياء: أبو عمرو ويزيد.

وقالون ﴿ بريء ﴾ بغير همز حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف ﴿ يحشرهم ثم يقول ﴾ بياء الغيبة فيهما: يعقوب.

الباقون: بالنون ﴿ ثم لم تكن ﴾ بتاء التأنيث: حمزة وعلي وحماد والمفضل وسهل ويعقوب الباقون: بالياء ﴿ فتنتهم ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر وحفص والمفضل.

الباقون: بالنصب ﴿ والله ربنا ﴾ بالنصب على النداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: بالجر على البدل أو البيان.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل لله ﴾ ط ﴿ الرحمة ﴾ ط لأن قوله ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب قسم محذوف.

وقيل: لا وقف و ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب معنى القسم في ﴿ كتب ﴾ وفيه نظر لأن ﴿ كتب ﴾ وعد ناجز و ﴿ ليجمعنكم ﴾ وعد منتظر.

﴿ لا ريب فيه ﴾ ط بناء على أن الذين مبتدأ فيه معنى الشرط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ولا يطعم ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمه ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ شهادة ﴾ ط ﴿ ومن بلغ ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لانتهاء الاستخبار إلى الإخبار.

﴿ قل لا أشهد ﴾ ج لاتساق الكلام بلا عطف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ أبناءهم ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده وصف ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ يزعمون ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما برهن على إثبات الصانع وتحقيق النبوّات وتقرير المعاد، وانجر الكلام إلى الأمر باعتبار أحوال الغابرين، عاد إلى إثبات هذه المطالب بطريق الإلزام وأخذ الاعتراف، وذلك أن آثار الحدوث وسمات الإمكان لائحة على صفحات السمويات والأرضيات حتى بلغ في ظهوره إلى حيث لا يقدر منكر على إنكاره، فكان في السؤال تبكيت وإفحام، وفي الجواب تقرير وإلزام، أي هو لله بلا مراء وشقاق ولن يتم الملك إلا إذا كان قادراً على الإعادة كما هو قادر على الإبداء، ولن تحصل حكمة الإعادة إلا بثواب المطيعين وعقاب العاصين، ولن يحسن إيصال الثواب والعقاب إلا بعد نصب الدلائل وإرسال الرسل فلأجل ذلك قال ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ أي بنصب الأدلة وإزاحة العلة إيجاب الفضل والكرم.

وقيل: هذه الرحمة هي أنه يمهلهم مدّة عمرهم ولا يعاجلهم بالاستئصال، أو فرض على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدّقهم وقبل شريعتهم، أو تلك الرحمة هي أنه يجمعهم إلى يوم القيامة فإنه لولا هذا التهديد لحصل الهرج والمرج وارتفع الضبط وكثر الخبط كأنه قيل: لما علمتم أن كل ما في السموات والأرض لله  ، وأنه مالك الكل فاعلموا أن الله الملك الحكيم لا يهمل أمور عبيده، ولا يجوز في حكمته التسوية بين المطيع والعاصي والعامل والساهي.

ومعنى ﴿ ليجمعنكم ﴾ ليضمنكم.

وقيل: فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة فإن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان.

وقيل: ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرناً بعد قرنإلى يوم القيامة.

قال الأخفش: ﴿ الذين خسروا ﴾ بدل من ضمير المخاطبين في ﴿ ليجمعنكم ﴾ .

وقال الزجاج: إنه مبتدأ خبره ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وذلك لتضمنه معنى الشرط فكأنه قيل: ما للمشركين مع وضوح الدلائل الباهرة لا يؤمنون؟

فأجيب ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ أي في علم الله وسابق قضائه فهم لا يؤمنون في طرف الأبد، فكان امتناعهم الآن عن الإيمان مسبباً عن سبق القضاء عليهم بالخسران والخذلان.

وقال في الكشاف ﴿ الذين خسروا ﴾ نصب أو رفع على الذم بمعنى أريد الذين، أو أنتم الذين.

ثم لما بيّن أن له المكان والمكانيات ارتقى في البيان كما هو شأن الترتيب التعليمي إلى ما هو أخفى من ذلك عند الحس وهو الزمان والزمانيات فقال ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ عن ابن عباس أن كفار مكة أتوا رسول الله  فقالوا: يا محمد إنا قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة فنحن نجعل لك نصيباً من أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلاً وترجع عما أنت عليه فنزل ﴿ وله ما سكن ﴾ الآية.

قيل: اشتقاقه من السكون والتقدير كل ما سكن وتحرك كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ أي تقيكم الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر للقرينة.

والأصوب أن يقال: اشتقاقه من السكنى كما يقال: فلان سكن ببلد كذا أي حل فيه.

والمراد كل ما حل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً، وذلك أن الدخول تحت الزمان يستلزم التغير والحدوث فلا بد له من محدث يتقدم عليه وعلى نفس الزمان ﴿ وهو السميع العليم ﴾ الذي يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين فيوصل كل ممكن إلى كمال يليق به ويستعدّ له.

ثم لما كان لزاعم أن يزعم أن الذي يتعالى عن المكان وعن الزمان قد يكون ممكناً في نفسه كالمفارقات التي يثبتها الفلاسفة فلا جرم قال ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ منكر الاتخاذ غير الله ﴿ ولياً ﴾ ولذلك قدم المفعول لكونه أهم، ولو كان حرف الاستفهام داخلاً على الفعل توجه الإنكار أوّلاً إلى نفس اتخاذ الولي وأنه غير مهم ﴿ فاطر السموات ﴾ عطف بيان من ﴿ الله ﴾ أو بدل.

وقرىء بالرفع على إضمار هو، وبالنصب على المدح.

وعن ابن عباس: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها.

وقال ابن الأنباري: أصل الفطر الشق وقد يكون شق إصلاح كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض  ﴾ أي خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضمه بعض الأشياء إلى بعض.

وقد يكون شق إفساد ومنه قوله  ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ ﴿ إذا السماء انفطرت  ﴾ ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد.

والرزق والإطعام وإن كانا متغايرين وإلا لم يحسن العطف في قوله ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون  ﴾ إلا أنهما متقاربان فحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر.

وقرىء ﴿ وهو يطعم ﴾ مبنياً للمفعول على أن الضمير لغير الله وقرىء ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ كلاهما للفاعل.

والمعنى هو يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله ﴿ وإنه يقبض ويبسط  ﴾ أو الثاني بمعنى لا يستطعم.

وحاصل الآية أنه يجب شغل القلب كله بالله وقطع العلائق بالكلية عما سواه لأنه الجواد المطلق الذي يهب لا لعوضٍ ولا انتفاع.

ثم بيّن أن النبي أيضاً داخل في تكليف المعرفة بل هو أسبق قدماً في ذلك فقال ﴿ قل إني أمرت أن أكون أوّل من أسلم ﴾ وقيل لي ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ وفيه أن الواعظ يجب أن يتعظ أوّلاً بما يقوله، فالمريض لا يتصور منه العلاج.

ثم ذكر أن النبي  مع جلالة قدره بصدد المؤاخذة على تقدير المخالفة فقال ﴿ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ ولا يلزم من هذا جواز المعصية عنه لأن الفرض قد يتعلق بالمستحيل كقولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.

من قرأ ﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل فالضمير فيه عائد إلى الله والمفعول وهو العذاب محذوف لكونه معلوماً أو مذكوراً قبله.

قال في الكشاف: ويجوز أن تنصب يومئذ على أنه مفعول به لـ ﴿ يصرف ﴾ أي من يصرف الله عنه ذلك اليوم أي هو له، ومن قرأ على بناء المفعول فهو مسند إلى ضمير العذاب، ولم يسم الفاعل وهو الله  للعلم به ﴿ فقد رحمه ﴾ أي الله الرحمة العظمى كقولك: إن أطعمت زيداً من جوعه فقد أحسنت إليه يعني كمال الإحسان.

أو المراد فقد أدخله الجنة فإن من لم يعذب لم يكن له بد من الثواب تفضلاً أو استيجاباً.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن إيصال الثواب على الطاعة غير واجب وإنما هو ابتداء فضل وإحسان وإلا لم يحسن ذكر الرحمة ههنا، ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب زيداً فإذا لم يضربه لا يقال أنه رحمه؟

﴿ وذلك ﴾ أي صرف العذاب وإيصال الثواب على سبيل التفضل أو الاستيجاب ﴿ الفوز المبين ﴾ لأنه المطلب الأعلى والمقصد الأسنى لكل مكلف.

ثم أكد المعنى المذكور وهو أنه لا يجوز للعاقل أن يرغب في اتخاذ ولي غير الله بقوله ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ من مرض أو فقر أو غير ذلك من البليات ﴿ فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير ﴾ من غنى أو صحة ﴿ فهو على كل شيء قدير ﴾ عمم الحكم لندرج تحته كل خير والحاصل أن اندفاع جميع المضار بقدرته، وكذا حصول جميع الخيرات لأن كل ما عداه فإنما هو تحت قهره وتسخيره وقد حصل بإيجاده وتكوينه، فإن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ورأس المضارّ هو الكفر، وسنام الخيرات هو الإيمان، ولن يحصل نفرة الكفر وداعية الإيمان إلا بتوفيقه  .

وكل ما يتصور أنه قد نفع أو ضر من الجمادات أو المختارات فإن ذلك ينتهي إلى تخليق الله وجعله ذلك الشيء واسطة لذلك النفع أو الضر، فلا ضارّ ولا نافع بالحقيقة إلا هو  .

ثم زاد لهذا المعنى بياناً فقال ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ وهو إشارة إلى كمال القدرة ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ وإنه إشارة إلى كمال العلم.

فالحكمة أعم من العلم لأنها عمل وعلم، وكونه خبيراً أخص من العلم لأنه العلم ببواطن الأمور وخباياها، فإذا اجتمعت هذه المعاني حصل العلم بكماله وغايته، وقد استدل بظاهر الآية من أثبت الفوقية لله  وعورض بوجوه منها: أنه لو كان فوق العالم فإن كان في الصغر بحيث لا يتميز منه جانب من جانب كالجوهر الفرد مثلاً فذلك لا يقوله عاقل، وإن كان ذاهباً في الأقطار كلها كان متجزئاً.

والجواب أنه لم لا يجوز أن يكون نوراً قائماً بذاته غير متناه لا متجزئاً ولا متبعضاً قاهراً لجميع الأنوار غالباً على جميع الأشياء.

فلا غاية لجوده ولا نهاية لوجوده.

وأما إنه كيف يتصور نور بلا نهاية مع أنه لا ينقسم يتبعض فمجرد استبعاد فلا يصلح حجة وإدراك شيء من هذا النور محتاج إلى النور ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ ومنها أنه لو كان غير متناه من كل الجهات لزم اختلاطه بالقاذورات.

والجواب أن هذا كلام مخيل فلا يستعمل في البرهان.

ومنها أنه لو لم يكن خارج العالم خلاء ولا ملاء لم يمكن حصول ذات الله  فيه، وإن كان خلاء فحصوله في جزء من أجزاء ذلك الخلاء دون سائر أجزائه محتاج إلى مخصص، فيكون الواجب مفتقراً فيكون محدثاً هذا خلف.

والجواب أنا ذكرنا أن نور الأنوار لا يتناهى وأنه وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى فيسقط هذا الاعتراض.

ومنها أنه  موجود قبل الخلاء والحيز والجهة، فلا يكون بعد حصول هذه الأشياء موجوداً فيها وإلا لزم التغير في ذاته.

والجواب بالفرق بين المعية وبين الافتقار.

ومنها أن العالم كرة فإما أن يكون الله  فوق أقوام بأعيانهم وحينئذ يلزم أن يكون تحت أقدام من يقابلهم وإما أن يكون فوق الكل فيكون فلكاً محيطاً بسائر الأفلاك وهذا لا يقوله مسلم.

والجواب الإلزامي بعد تسليم كون العالم كرة أنا نختار القسم الأول، ولا يلزم التحتية لأن التحت من جميع الجوانب هو ما يلي المركز، والفوق ما يلي السماء.

أو القسم الثاني ولا يلزم من إحاطته بجميع الأشياء كونه فلكاً كسائر الأفلاك، وأما التحقيق فقد مر.

ومنها أن لفظ الفوق في الآية مسبوق بالقهر ويراد به القدرة والمكنة وملحوق بلفظ عباده، وأنه مشعر بالمملوكية والمقدورية.

فالمناسب أن يراد بالفوق أيضاً فوقية القدرة ولا يلزم التكرار لأن المراد أن القهر والقدرة عام في حق الكل.

والجواب أن حمل الوسط على الطرفين أولى من العكس، بل لا نزاع في مفهوم العباد وإنما النزاع في مفهومي القاهرية والفوقية، وليس حمل أحدهما على الآخر أولى من غيره، ومنها أن الآية سيقت رداً على من اتخذ غير الله ولياً وهذا إنما يحسن لو كان المراد بالفوقية القدرة لا الجهة.

والجواب أن الفوقية بالوجه الذي قررناه في جواب الاعتراض الأول يفيد الاستعلاء المطلق وذلك يوجب أن يكون التعويل عليه في كل الأمور إذ لا وجود ولا ظهور لشيء من الأشياء إلا بفيضه ونوره.

وقد يلوح للمتأمل في هذه الأجوبة بعد التنزية عن التشبيه والتجسيم والحلول والاتحاد أسرار غامضة شريفة إن كان أهلاً لها "وكل ميسر لما خلق له" قال الكلبي: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد ما نرى أحداً يصدقك بما تقول من أمر الرسالة.

ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم فنزلت ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة ﴾ الآية.

قال العلماء: إنها دلت على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله.

ثم بيَّن أن شهادة الله حاصلة إلا أنها لم تدل على أن تلك الشهادة لإثبات أيّ المطالب فقيل: إنها لإثبات نبوة محمد  لما ذكرنا من سبب النزول.

والمعنى قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة حتى يعترفوا بأن أكبر الأشياء شهادة هو الله  ، فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهد لي بالنبوة بأن أظهر على وفق دعواي معجزاً هو القرآن الذي عجزتم معاشر الفصحاء والبلغاء عن معارضته.

وقيل: إن حصول هذه الشهادة في وحدانية الله  وذلك أن الوحدانية ليست مما يتوقف صحته على صحة السمع فلا يمتنع إثباتها بالسمع والمعنى ﴿ قل الله شهيد بيني وبينكم ﴾ في إثبات الوحدانية والبراءة عن الأضداد والأنداد والأمثال والأشباه ﴿ وأوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ﴾ وأبلغكم أن الدين هو التوحيد والشرك مردود.

واستدل الجمهور بالآية على أنه يصح إطلاق الشيء على الله  وخالف جهم محتجاً بقوله  ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ إذ لا يمكن دعوى التخصيص فيه، فإن التخصيص إنما يجوز في صورة شاذة لا يلتفت إليها لقلة اعتبارها فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيهاً على أن البقية جارية مجرى العدم.

فلو كان الباري  شيئاً لكان أعظم الأشياء وأشرفها فيكون إخراجه من هذا العموم محض الكذب.

وأيضاً احتج بأن الشيء يطلق على المعدوم لقوله  ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله  ﴾ والشيء الذي سيفعله غداً معدوم في الحال، فالشيء لا يفيد صفة مدح فلا يطلق عليه.

والجواب عن الأول أن إخراجالأكثر من العموم جائز عندنا.

ولو سلم فإنه  واحد من الأشياء، والمخرج بهذا الاعتبار أقل عدداً من الباقي.

وعن الثاني أن لفظ الشيء أعم الألفاظ، ومتى صدق الخاص كالذات، والحقيقة صدق العلم بالضرورة.

قال جهم ﴿ قل الله شهيد ﴾ جملة مستقلة بنفسهالا تعلق لها بما قبلها فلا يصح استدلالكم.

قلنا ﴿ قل أي شيء ﴾ سؤال ولا بد له من جواب.

وهو إما مذكور رأي قل الله أكبر الأشياء شهادة ثم ابتدىء فقيل شهيد أي وهو شهيد بيني وبينكم، أو محذوف والمعنى قل هو الله والله شهيد بيني وبينكم.

وحسن الحذف لأنه إذا سأل عن أكبر الأشياء شهادة وذكر بعد ذلك أن الله شهيد علم جزماً أن أكبر الأشياء شهادة هو الله أما قوله ﴿ ومن بلغ ﴾ فمعطوف على ضمير المخاطبين والعائد إلى من محذوف أي لأنذركم يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم.

وقيل: من الثقلين.

وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة.

وعن سعيد بن جبير من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً  ، وقيل: ومن بلغ أي من احتلم وبلغ أوان التكليف، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار العائد.

ثم استفهم مبكتاً فقال ﴿ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ﴾ وصف الجمع بصفة الواحدة كما يقال: الرجال فعلت.

ثم دل على إيجاب التوحيد بثلاث جمل: أولاها ﴿ قل لا أشهد ﴾ أي بما تذكرونه من إثبات الشركاء، وثانيتها ﴿ قل إنما هو إله واحد ﴾ وكلمة "إنما" تفيد الحصر.

وثالثتها ﴿ وإنني بريء مما تشركون ﴾ ومن هنا قالت العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويضم إليهما التبري عن كل دين سوى دين الإسلام.

ولما زعم مشركو مكة أنهم سألوا اليهود والنصارى عن نعت محمد صلى الله عليه وآله فقالوا: ليس عندنا ذكره كذّبهم الله  بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ﴾ أي يعرفون رسول الله بنعوته وحلاه الثابتة في الكتابين ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ بالنعوت والحلي لا يخفون عليهم ولا يشتبهون بغير أبنائهم.

﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ إما بدل أو بيان من "الذين" الأولى، ويكون المقصود وعيد المعاندين منهم والجاحدين.

وإما مبتدأ والكلام جملة مستأنفة شاملة لجميع الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين.

والمراد بخسران النفس الهلاك الدائم الذي يحصل لهم بسبب الكفر.

وقيل: ما من أحد إلا وله منزلة في الجنة إلا أن من كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورّث منزلته غيره.

ثم بيَّن سبب خسرانهم مستفهماً على سبيل الإنكار فقال ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم جمعوا بين أمرين متنافيين: إثبات الباطل وهو الافتراء على الله، وجحد الحق وهو التكذيب بآيات الله، فمن الأول أن المشركين كانوا يقولون للأصنام إنهم شركاء الله والله أمرهم بذلك، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، واليهود والنصارى كانوا يزعمون أن التوراة والإنجيل ناطقان بعدم النسخ.

وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة إلى غير ذلك من مفترياتهم.

ومن الثاني قدحهم في القرآن وفي صحة نبوة محمد  ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه الباطل مكان الحق والحق بإزاء الباطل.

ثم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ وناصبه محذوف أي ويوم كذا كان كيت وكيت فترك ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في الوعيد.

ويحتمل أن يكون مفعول "واذكر" أو معطوفاً على محذوف أي لا يفلح الظالمون في الدنيا ويوم الحشر.

﴿ أين شركاؤكم ﴾ آلهتكم التي جعلتموهم شركاء ﴿ الذين كنتم تزعمون ﴾ هم شركاء فحذف المفعولان.

والمقصود من هذا الاستفهام التقريع والتبكيت، ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حيث لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم، ويجوز أن يحال بينهم وبين آلهتهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فتزداد حسرتهم، ويحتمل أن يقال: أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم؟

والغرض من جميع الوجوه أن يتقرر في نفوسهم أن الذي يظنونه مأيوس منه فيصير ذلك تنبيهاً لهم في الدنيا على فساد هذه الطريقة ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ من قرأ بالرفع على أنه اسم كان فالخبر ﴿ إلا أن قالوا ﴾ والتقدير شيئاً إلا أن قالوا ومن قرأ بالنصب مع تذكير يكن فبعكس ما قلنا.

والتقدير شيء إلا أن قالوا.

وأما مع تأنيث يكن فلوقوع الخبر مؤنثاً كقولهم: من كانت أمك.

أو بتأويل مقالتهم.

قال الواحدي: الاختيار قراءة من قرأ بالنصب لأن "أن" إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر.

وكما أن المضمر والمظهر إذا اجتمعا كقولك: إن كنت القائم.

كان جعل المضمر اسماً أولى من جعله خبراً فكذلك ههنا.

قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من وقف على معاني كلام العرب، وذلك أنه تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه، فذكر أن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به وقالوا إنه دين آبائنا لم تكن إلا الجحود والتبرؤ منه والحلف على عدم التدين به.

ومثاله أن ترى إنساناً يحب شخصاً مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه فيقال له: ما كانت محبتك أي عاقبة محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وتركته.

فعلى هذا فتنتهم في شركهم في الدنيا كما فسرها ابن عباس.

ولكن لا بد من تقدير مضاف وهو العاقبة، ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا: فسمي فتنة لأنه كذب، قال القاضيان: الجبائي وأبو بكر: إن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب لأنهم يعرفون الله  بالاضطرار فيكونون ملجئين إلى ترك القبيح وكيف لا وإنهم يعلمون أن ذلك لا يروج منهم حينئذ ولا يستفيدون بذلك إلا زيادة المقت والغضب من الله  عليهم؟

ولا يجوز أن يقال: إنهم لما عاينوا القيامة اختلت عقولهم واضطربت فلهذا قالوا الكذب، أو أنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا لأنه لا يليق بحكمته  أن يوبخهم ثم يحكى عنهم ما يجري مجرى الاعتذار عند اختلال عقولهم.

ولأن تجويز نسيان أمر كان عليه الشخص مدة عمره نوع من السفسطة.

وأيضاً إنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على نوعين من القبيح فإن عوقبوا على ذلك صارتالآخرة دار التكليف وإن لم يعاقبوا كان إذناً من الله  في ارتكاب الذنوب وكلاهما محال.

فإذا الوجه في الآية أن يقال: إن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم وظنونهم أنهم موحدون فأجابوا بقولهم ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ أي في اعتقادنا وظنوننا، وعلى هذا فيكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم كانوا غير مشركين عند أنفسهم فيجيب تأويل قوله تعالى ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ بأن المراد كذبهم في دار الدنيا كقولهم إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك وإن آلهتهم شفعاؤهم عند الله فلهذا قال ﴿ وضل عنهم ﴾ أي وانظر كيف غاب عنهم في الآخرة ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ أي يفتعلون إلهيته وشفاعته.

والحاصل أن الآية سيقت لبيان تضاد حاليهم في الدنيا وفي الآخرة بالكذب وبالصدق ولكن حيث لا ينفعهم الصدق لأن الصدق في الآخرة إنما يعتبر إذا كان مقروناً بالصدق في الدنيا، هذا جملة كلام القاضيين.

قال جمهور المفسرين: إن قول القائل المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا، وكيف كذبوا على أنفسهم في الدنيا مخالفة الظاهر وإن الكفار قد يكذبون في القيامة لقوله  ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون  ﴾ إلى قوله ﴿ ألا إنهم هم الكاذبون  ﴾ ولو سلم أنهم لا يكذبون تعمداً إلا أن الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه حيرة ودهشاً، ألا تراهم يقولون ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 107\] وقد أيقنوا بالخلود؟

﴿ وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك  ﴾ وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.

واختلال عقولهم حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع كمال عقلهم في سائر الأوقات.

التأويل: ما في الكون سوى الله، لا داع ولا مجيب فلهذا يسأل ويجيب ﴿ قل لمن ما في السموات والأرض قل لله ﴾ وله ما سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، وفي نهار الروحانية إلى المواهب الربانية، ﴿ وهو السميع ﴾ أنين من سكن إليه ﴿ العليم ﴾ بحنين من اشتاق إليه ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ اليوم ﴿ ولياً ﴾ وقد اتخذني الله في الأزل حبيباً ﴿ فاطر ﴾ سموات القلوب على محبته وفاطر أرض النفوس على عبوديته ﴿ وهو يطعم ﴾ أرواح العارفين طعام المشاهدات ويسقيهم كؤوس المكاشفات ﴿ ولا يطعم ﴾ لأنه لا يحتاج إلى قبول الفيض من غيره فالأنوار عنده كالذرّات ﴿ أول من أسلم ﴾ لأني خلصت من حبس الوجود بالكلية وحدي ولهذا يقول الأنبياء نفسي نفسي وأقول: أمتي أمتي ﴿ إن عصيت ربي ﴾ برؤية الغير يوم قدّر الشرك لاقوام والتوحيد لاقوام ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ إن دائرة أزليته متصلة بدائرة أبديته، وكل نقطة من الدائرة تصلح للبداية والنهاية، فكل ما صدر منه فلن ينتهي إلا به ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ قهر الكفار بموت القلوب فضلوا في ظلمات الطبيعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة فخرجوا من ظلمات الطبيعة، وقهر قلوب المحبين بلذعات الأشواق إلى يوم التلاق، وقهر أرواح الصديقين بسطوات الجلال في أوقات الوصال.

﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما يقهره فلا يخلو من حكمة ﴿ الخبير ﴾ بمن يتسأهل كل صنف من قهره فيقهره به ﴿ الله أكبر شهادة ﴾ لأنه محيط بحقائق الأشياء ولا يحيط به شيء من الأشياء ﴿ ومن بلغ ﴾ القرآن ووقف على حقائقه.

ويقول للمشركين ﴿ أئنكم لتشهدون ﴾ ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ يعني العلماء بالقرآن يعرفون الله أو النبي.

وفيه إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله مصدر جميع الأشياء ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ ويوم يحشرهم جميعا ﴾ يعني أهل المعرفة والنكرة ﴿ أين شركاؤكم ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ كذبوا على أنفسهم ﴾ في القيامة لأنهم كذبوا في الدنيا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ﴾ وفي حرف ابن مسعود -  -: (ربّاً)؛ كأن هذا صلة قوله: ﴿ قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ  ﴾ فإذا أقررتم أن ذلك كله لله فكيف تتخذون له شركاء فتعبدون غير الله وهو فاطر السماوات والأرض ومنشئهما ومنشئ ما فيهما، كيف صرفتم العبادة إلى غير الله؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ .

قال أهل التأويل: هو يرزق ولا يرزق، ليس كمن له عبيد في الشاهد يرزق بعضهم بعضاً، الموالي من العبيد، والعبيد من السادات، ينتفع بعضهم من بعض، فأما الله -  وتعالى - خلق الخلق لا لمنفعة نفسه؛ لأنه غني بذاته، والخلق فقراء إليه؛ كقوله -  -: ﴿ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ .

قال الحسن: أول من أسلم من قومه، وأصله: ﴿ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ أي: أمرت أن أسلم وأخضع أنا أولا، ثم آمركم بذلك.

واحتج بعض الناس بظاهر هذه الآية أن الإسلام لا يلزم إلا بالأمر والدعاء إليه، وقالوا: إن من مات قبل أن يؤمر به، وقبل أن يدعي إليه - فإنه لا شيء عليه، وعلى ذلك من مات في وقت الفترة وانقطاع الرسل والوحي؛ لأنّه قال: ﴿ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ أخبر أنه أمر بذلك، وإذا لم يكن ثَمَّ أمر لم يلزم، لكن الوجه في الآية ما ذكرنا، أي: أمرت أن أسلم وأخضع أولا ثم آمر غيري، فإذا كان التأويل هذا بطل أن يكون في ذلك حجة لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

قال ابن عباس -  -: قل يا محمد لكفار أهل مكة: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ ﴾ ، أي: أعلم ﴿ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ فعبدت غيره، ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

هذا التأويل صحيح إن كان ما ذكر من سؤالهم رسول الله  وعرضهم المال عليه ليعود ويرجع إلى دينهم، فيخرج هذا على الجواب لهم.

وقال بعضهم: قوله -  -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ على الخوف، لكن لقائل أن يقول: كيف خاف عذاب يوم عظيم وقد أخبر أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟!

وكيف قال: ﴿ إِنْ عَصَيْتُ ﴾ وقد أخبر أنه عصمه وغفر له؟

قيل: يحتمل أن تكون المغفرة له على شرط الخوف، غفر له ليخاف عذابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ قال بعض المعتزلة: الرحمة هاهنا: الجنة؛ لأن الله -  - جعل في الآخرة دارين؛ إحداهما: النار، سماها سخطاً.

والأخرى: الجنة، سماها رحمة.

وإنما حملهم على هذا أنهم لا يصفون الله بالرحمة في الأزل، فعلى قولهم يكون قول رسول الله  : "إلا أن يتغمدني الله برحمته" ، أي: يثيبني الجنة.

ولكن سميت الجنة رحمة عندنا لما برحمته يدخلون الجنة، لا بأعمالهم؛ لما روينا عن رسول الله  حيث قال: "لا يدخل أحد الجنة بعمله قيل: ولا أنت يا رسول الله؟

قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وعلى قول المعتزلة فيكون الله بالملائكة رحيماً لأنه [.....] ولا ثواب، ولكن الوجه فيه ما ذكرنا أنها سميت رحمة لما برحمته يدخل فيها.

وعلى هذا يخرج ما سمي المطر رحمة لما برحمته ينزل، وكذلك كل ما سمي رحمة في الشاهد يخرج على ما ذكرنا، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ ﴾ .

قيل: من يصرف عنه العذاب يومئذ فقد رحمه، وكذلك روي في حرف حفصة: (من يصرف عنه العذاب فقد رحمه)، وفي حرف ابن مسعود: (من يصرف عنه شر ذلك اليوم فقد رحمه).

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾ صلة قوله: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

وكذلك روي عن ابن عباس -  - قال في قوله -  -: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ ﴾ : قل لكفار أهل مكة حين دعوه إلى دينهم، على ما ذكر في بعض القصة: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

وذلك الصرف - يعني: صرف العذاب - الفوز المبين، وإنما ذكره - والله أعلم - فوزاً مبيناً؛ لأنه فوز دائم، لا زوال له، وليس كفوز هذه الدنيا يكون في وقت ثم يزول عن قريب، ولا كذلك فوز الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ﴾ .

فيه إخبار أن ما يصيب العبد من الضرّ والخير إنما يصيب به، ثم الضر المذكور في الآية لا يخلو من أن يراد [به] سقم النفس، أو ضيق العيش، أو شدة وظلم يكون من العباد لا يخلو من هذه الأوجه الثلاثة، فإذا كان كذلك فدل إضافة ذلك إلى الله -  - على أن لله فيه فعلا، وهو أن خلق فعل ذلك منهم، فهو على كل شيء قدير من كشف الضر له، والصرف عنه، وإصابة الخير لا يملك ذلك غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ .

في هذه الآية والآية الأولى ذكر أهل التوحيد؛ لأنه أخبر أن ما يصيب العباد من الضر والشدة لا كاشف لذلك إلا هو، ولا يدفع ذلك عنهم ولا يصرفه إلا الله، وأن ما يصيبهم من الخير إنما يصيبهم بذلك الله، وأخبر أنه على كل شيء قدير.

وفي قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ إخبار أنه قاهر يقهر الخلق، عزيز، قادر، وله سلطان عليهم، وأنهم أذلاء تحت سلطانه.

وفي قوله: ﴿ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ إخبار بالعلوية، والعظمة، وبالتعالي عن أشباه الخلق.

﴿ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : يضع كل شيء موضعه.

﴿ ٱلْخَبِيرُ ﴾ : بما يسرون وما يعلنون، إخبار ألاَّ يخفى عليه شيء، وأنه يملك وضع كل شيء موضعه، وأن ما يصيبهم من الضر والشدة إنما يكون به، لا يملك أحد صرفه، وأن [ما] ضر أحد أحداً في الشاهد، أو نفع أحد أحداً إنما يكون ذلك بالله في الحقيقة.

وفي هذه الأحرف: إخبار عن أصل التوحيد وما يحتاج إليه لما ذكرنا من الوصف له بالقدرة والقهر، والوصف له بالعلو والعظمة، والتعالي عن أشباه الخلق، والوصف له بالحكمة في جميع أفعاله، والعلم بكل ما كان ويكون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ .

كأن في الآية إضماراً - والله أعلم - أي ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ، فيقولون: الله؛ لأنهم كانوا يقرون أنه خالق السماوات والأرض، وأنه أعظم من كل شيء؛ لكنهم يشركون غيره في عبادته، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وإلا كانوا يقرون بالعظمة له والجلال، فإذا سئلوا: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ، فيقولون: الله.

ويحتمل - أيضاً - أن يقول لنبيّه  إنهم إذا سألوا: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ؟

قل: الله، فإنك إذا قلت لهم ذلك يقولون هم أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ .

في كل اختلاف بيننا وبينكم في التوحيد، والبعث بعد الموت، ونحوه.

ويحتمل: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ في كل حجة وبرهان أتاهم الرسول به.

وفي قوله: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ ﴾ دلالة أنه يقال له شيء؛ لأنه لو لم يجز أن يقال له شيء لم يستثن الشيء منه، وكذلك في قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ أنه شيء؛ لأن "لا شيء" في الشاهد، إنما يقال إما للنفي أو للتصغير، ولا يجوز في الغائب النفي ولا التصغير؛ فدل أنه إنما يراد بـ "الشيء" الإثبات لا غير وبالله العصمة.

ذكر في بعض القصّة في قوله: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ أن رؤساء مكة أتوا رسول الله، فقالوا: يا محمد، أما وجد الله رسولا يرسله غيرك، ما ترى أحداً يصدقك بما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، ولا صفة، ولا مبعث، فأرنا من شهد لك أنك رسول الله [كما تزعم].

فقال الله -  -: يا محمد، قل لهم: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ، يقول: أعظم شهادة؛ يعني: البرهان، محمد حجة وبرهان، فإن أجابوك فقالوا: الله، وإلا فقل لهم: الله أكبر شهادة من خلقه أني رسوله، والله شهيد بيني وبينكم في كل اختلاف بيننا وبينكم، في التوحيد، وإثبات الرسالة، والبعث، وكل شيء.

وذكر في هذه القصة أنهم لما قالوا: من يشهد أن الله أرسلك رسولا، قالوا: فهلا أنزل إليك ملك.

فقال الله لنبيّه: [قل لهم: ﴿ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً ﴾ ؟

فقالوا: الله أكبر شهادة من غيره، فقال الله:] قل لهم يا محمد: الله شهيد بيني وبينكم أني رسول الله، وأنه أوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به، ومن بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.

ثم قال لهم: ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ﴾ ، قالوا: نعم، نشهد.

فقال الله لنبيّه: قل لهم: لا أشهد بما شهدتهم، ولكن أشهد أنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾ .

كأنه قال: أوحي إليَّ هذا القرآن الذي تعرفون أنه من عند الله جاء؛ لأنه قال لهم: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  ﴾ فعجزوا عن إتيان مثله، فدل عجزهم عن إتيان مثله أنهم عرفوا أنه جاء من عند الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾ : لا ينذر بالقرآن ولكن ينذر بما في القرآن؛ لأنه فيه أنباء ما حل بأشياعهم بتكذيبهم الرسل، وما يحل بهم من العذاب في الآخرة بتكذيبهم الرسل، وإلا فظاهر القرآن ليس مما ينذر به، ﴿ وَمَن بَلَغَ ﴾ كأنه قال: وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به، وأنذر من بلغه القرآن، صار رسول الله نذيراً ببلوغ القرآن لمن بلغه، فإذا [صار] نذيراً به لمن بلغه وإن كان هو في أقصى الدنيا يصير هو نذيراً في أقصى الزمان، في كل زمان، وهو - والله أعلم - كقوله -  -: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  ﴾ ، ورسول الله هاد لقومه إلى يوم القيامة.

وفي الآية دلالة أن البشارة والنذارة يكونان ببعث آخر يبشر أو ينذر، وهو دليل لقول أصحابنا: إن من حلف: أيُّ عبدٍ من عبيدي بَشَّرَنِي بكذا فهو حرّ، فبشره [برسول، أو بكتاب] يكون بشارة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ﴾ فهذا في الظاهر استفهام، ولكنه في الحقيقة إيجاب أنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى، بعد ما ظهر عندكم آيات وحدانيته، وحجج ربوبيته لما عرفتم أنه خالقكم وخالق السماوات والأرض، به تعيشون وبه تحيون، وبه تموتون، مع ما ظهر لكم هذا أشركتم مع الله آلهة أخرى، وليس ذلك لكم مما تشركون في عبادته وألوهيته، وأنا لا أشهد، وإنما أشهد أنه إله واحد وإنني بريء مما تشركون [في ألوهيته وربوبيته].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- للمشركين الذين يعبدون مع الله غيره من الأصنام وغيرها: أَيُعْقل أن أتخذ غير الله ناصرًا أواليه وأستنصره؟!

وهو الذي خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق، فلم يُسْبَقْ إلى خلقهما، وهو الذي يرزق من يشاء من عباده، ولا أحد من عباده يرزقه، فهو الغني عن عباده، وعباده مفتقرون إليه، قل -أيها الرسول-: إني أمرني ربي سبحانه أن أكون أول من انقاد لله وخضع له من هذه الأمة، ونهاني أن أكون من الذين يشركون معه غيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.Qg5WL"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل