الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٤٥ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 160 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤٥ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى آمرا عبده ورسوله محمدا ، صلوات الله وسلامه عليه : قل لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله افتراء على الله : ( لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ) أي : آكل يأكله .
قيل : معناه : لا أجد شيئا مما حرمتم حراما سوى هذه .
وقيل : معناه : لا أجد من الحيوانات شيئا حراما سوى هذه .
فعلى هذا يكون ما ورد من التحريمات بعد هذا في سورة " المائدة " ، وفي الأحاديث الواردة ، رافعا لمفهوم هذه الآية .
ومن الناس من يسمي ذلك نسخا ، والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه نسخا; لأنه من باب رفع مباح الأصل ، والله أعلم .
قال العوفي ، عن ابن عباس : ( أو دما مسفوحا ) يعني : المهراق .
قال عكرمة في قوله : ( أو دما مسفوحا ) لولا هذه الآية لتتبع الناس ما في العروق ، كما تتبعه اليهود .
وقال حماد ، عن عمران بن حدير قال : سألت أبا مجلز عن الدم ، وما يتلطخ من الذبح من الرأس ، وعن القدر يرى فيها الحمرة ، فقال : إنما نهى الله عن الدم المسفوح .
وقال قتادة : حرم من الدماء ما كان مسفوحا ، فأما لحم خالطه دم فلا بأس به .
وقال ابن جرير : حدثنا المثنى ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا حماد ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم ، عن عائشة : أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأسا ، والحمرة والدم يكونان على القدر بأسا ، وقرأت هذه الآية .
صحيح غريب .
وقال الحميدي : حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو بن دينار قال : قلت لجابر بن عبد الله : إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر ، فقال : قد كان يقول ذلك " الحكم بن عمرو " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن أبى ذلك الحبر - يعني ابن عباس - وقرأ : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ) الآية .
وهكذا رواه البخاري عن علي بن المديني ، عن سفيان ، به .
وأخرجه أبو داود من حديث ابن جريج ، عن عمرو بن دينار .
ورواه الحاكم في مستدركه مع أنه في صحيح البخاري ، كما رأيت .
وقال أبو بكر بن مردويه والحاكم في مستدركه : حدثنا محمد بن علي بن دحيم ، حدثنا أحمد بن حازم ، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، حدثنا محمد بن شريك ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا ، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه ، وأحل حلاله وحرم حرامه ، فما أحل فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، وتلا هذه الآية : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ) إلى آخر الآية .
وهذا لفظ ابن مردويه .
ورواه أبو داود منفردا به ، عن محمد بن داود بن صبيح ، عن أبي نعيم به .
وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ماتت شاة لسودة بنت زمعة ، فقالت : يا رسول الله ، ماتت فلانة - تعني الشاة - قال : " فلم لا أخذتم مسكها؟
" قالت : نأخذ مسك شاة قد ماتت؟
!
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما قال الله : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ) وإنكم لا تطعمونه ، أن تدبغوه فتنتفعوا به " فأرسلت فسلخت مسكها فدبغته ، فاتخذت منه قربة ، حتى تخرقت عندها .
ورواه البخاري والنسائي ، من حديث الشعبي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن سودة بنت زمعة ، بذلك أو نحوه .
وقال سعيد بن منصور : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن عيسى بن نميلة الفزاري ، عن أبيه قال : كنت عند ابن عمر ، فسأله رجل عن أكل القنفذ ، فقرأ عليه : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ) الآية ، فقال شيخ عنده : سمعت أبا هريرة يقول : ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " خبيث من الخبائث " فقال ابن عمر : إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو كما قال .
ورواه أبو داود ، عن أبي ثور ، عن سعيد بن منصور ، به .
وقوله تعالى : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد ) أي : فمن اضطر إلى أكل شيء مما حرم في هذه الآية الكريمة ، وهو غير متلبس ببغي ولا عدوان ، ( فإن ربك غفور رحيم ) أي : غفور له ، رحيم به .
وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية .
والمقصود من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه ، من تحريم المحرمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك ، فأمر الله رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم ، وإنما حرم ما ذكر في هذه الآية ، من الميتة ، والدم المسفوح ، ولحم الخنزير ، وما أهل لغير الله به .
وما عدا ذلك فلم يحرم ، وإنما هو عفو مسكوت عنه ، فكيف تزعمون أنتم أنه حرام ، ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله ؟
وعلى هذا فلا يبقى تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا ، كما جاء النهي عن لحوم الحمر ولحوم السباع ، وكل ذي مخلب من الطير ، على المشهور من مذاهب العلماء .
القول في تأويل قوله : قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء الذين جعلوا لله ممّا ذَرأ من الحرث والأنعام نصيبًا، ولشركائهم من الآلهة والأنداد مثله = والقائلين هذه أنعام وحرث حجرٌ لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم= والمحرّمين من أنعام أُخَر ظهورَها= والتاركين ذكر اسم الله على أُخَر منها= والمحرِّمين بعض ما في بطون بعض أنعامهم على إناثهم وأزواجهم، ومحلِّيه لذكورهم, المحرّمين ما رزقهم الله افتراءً على الله, وإضافةً منهم ما يحرمون من ذلك إلى أنَّ الله هو الذي حرّمه عليهم=: أجاءكم من الله رسولٌ بتحريمه ذلك عليكم, فأنبئونا به, أم وصَّاكم الله بتحريمه مشاهدةً منكم له، فسمعتم منه تحريمه ذلك عليكم فحرمتموه؟
فإنكم كذبة إن ادعيتم ذلك، ولا يمكنكم دعواه, لأنكم إذا ادّعيتموه علم الناس كذبكم= فإني لا أجد فيما أوحي إليّ من كتابه وآي تنـزيله، (11) شيئًا محرَّمًا على آكل يأكله مما تذكرون أنه حرمه من هذه الأنعام التي تصفون تحريمَ ما حَرّم عليكم منها بزعمكم (12) =" إلا أن يكون ميتة "، قد ماتت بغير تذكية =" أو دمًا مسفوحًا "، وهو المُنْصَبّ = أو إلا أن يكون لحم خنـزير =(فإنه رجس أو فسقًا)، يقول: أو إلا أن يكون فسقًا، يعني بذلك: أو إلا أن يكون مذبوحًا ذبحه ذابحٌ من المشركين من عبدة الأوثان لصنمه وآلهته، فذكر عليه اسم وثنه, فإن ذلك الذبح فسقٌ نهى الله عنه وحرّمه, ونهى من آمن به عن أكل ما ذبح كذلك, لأنه ميتة .
* * * وهذا إعلام من الله جل ثناؤه للمشركين الذين جادلوا نبيَّ الله وأصحابه في تحريم الميتة بما جادَلوهم به، أن الذي جادلوهم فيه من ذلك هو الحرام الذي حرّمه الله, وأن الذي زعموا أنّ الله حرمه حلالٌ قد أحلَّه الله, وأنهم كذبة في إضافتهم تحريمه إلى الله .
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: 14079- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه في قوله: (قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرمًا) قال: كان أهل الجاهلية يحرِّمون أشياء ويحلِّون أشياء, فقال: قل لا أجد مما كنتم تحرمون وتستحلُّون إلا هذا: (إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنـزير فإنه رجس أو فسقًا أهل لغير الله به) .
14080- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه في قوله: (قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرَّمًا) الآية, قال: كان أهل الجاهلية يستحلّون أشياء ويحرّمون أشياء, فقال الله لنبيه: قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا مما كنتم تستحلون إلا هذا = وكانت أشياء يحرِّمونها، فهي حرام الآن .
14081- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن ابن طاوس, عن أبيه: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه)، قال: ما يؤكل .
قلت: في الجاهلية؟
قال: نعم !
وكذلك كان يقول: (إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا) = قال ابن جريج: وأخبرني إبراهيم بن أبي بكر, عن مجاهد: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا)، قال: مما كان في الجاهلية يأكلون, لا أجد محرمًا من ذلك على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا .
* * * وأما قوله: (أو دمًا مسفوحًا)، فإن معناه: أو دمًا مُسَالا مُهَرَاقًا.
يقال منه: " سفحت دمه "، إذا أرقته, أسفحه سَفْحًا, فهو دم مسفوح كما قال طرفة بن العبد: إِنِّــي وَجــدِّكَ مَـا هَجَـوْتُكَ وَالْ أَنْصَـــابِ يَسْـــفَحُ فَــوْقَهُنَّ دَمُ (13) وكما قال عَبِيد بن الأبرص: إذَا مَـــا عَــادَهُ مِنْهَــا نِسَــاءٌ سَــفَحْنَ الـدَّمْعَ مِـنْ بَعْـدِ الـرَّنِينِ (14) يعني: صببن, وأسلنَ الدمع .
* * * وفي اشتراطه جل ثناؤه في الدم عند إعلامه عبادَه تحريمه إياه، المسفوحَ منه دون غيره, الدليلُ الواضح أنَّ ما لم يكن منه مسفوحًا، فحلال غير نجس .
(15) وذلك كالذي:- 14082- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن عكرمة: (أو دما مسفوحًا)، قال: لولا هذه الآية لتتبَّع المسلمون من العروق ما تتبعتِ اليهود .
14083- حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن عكرمة بنحوه = إلا أنه قال: لاتَّبَع المسلمون .
14084- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن عكرمة، بنحوه .
14085- حدثنا أبو كريب قال، أخبرنا وكيع, عن عمران بن حدير, عن أبي مجلز, في القِدْر يعلوها الحمرة من الدم.
قال: إنما حرم الله الدمَ المسفوحَ .
14086- حدثنا المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن عمران بن حدير, عن أبي مجلز قال: سألته عن الدم وما يتلطَّخ بالمذْبح من الرأس, وعن القدر يرى فيها الحُمرة؟
قال: إنما نهى الله عن الدم المسفوح .
14087- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (أو دمًا مسفوحًا)، قال: حُرِّم الدم ما كان مسفوحًا; وأما لحم خالطه دم، فلا بأس به .
14088- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا)، يعني: مُهَراقًا .
14089- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, أخبرني ابن دينار, عن عكرمة: (أو دمًا مسفوحًا)، قال: لولا هذه الآية لتتبع المسلمون عروق اللحم كما تتبعها اليهود .
14090- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن يحيى بن سعيد, عن القاسم بن محمد, عن عائشة: أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأسًا, والحمرةِ والدم يكونان على القدر بأسًا ، وقرأت هذه الآية: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه) ...
الآية.
(16) 14091- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن يحيى بن سعيد, قال حدثني القاسم بن محمد, عن عائشة قالت, وذكرت هذه الآية: (أو دمًا مسفوحًا)، قلت: وإن البرمة ليرى في مائها [من] الصفرة .
(17) * * * وقد بينا معنى " الرجس "، فيما مضى من كتابنا هذا, وأنه النجس والنتن, وما يُعْصى الله به, بشواهده, فأغنى عن إعادته في هذا الموضع .
(18) وكذلك القول في معنى " الفسق " = وفي قوله: (أهل لغير الله به)، قد مضى ذلك كله بشواهده الكافية من وفِّق لفهمه، عن تكراره وإعادته .
(19) * * * قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: (إلا أنْ يكون ميتة).
فقرأ ذلك بعض قرأة أهل المدينة والكوفة والبصرة: ( إِلا أَنْ يَكُونَ )، بالياء (مَيْتَةً) مخففة الياء منصوبة، = على أن في" يكون " مجهولا و " الميتة " فعل له، (20) فنصبت على أنها فعل " يكون ", وذكروا " يكون "، لتذكير المضمر في" يكون " .
* * * وقرأ ذلك بعض قرأة أهل مكة والكوفة: " إلا أَنْ تَكُونَ"، بالتاء " مَيْتَةً"، بتخفيف الياء من " الميتة " ونصبها = وكأن معنى نصبهم " الميتة " معنى الأولين, وأنثوا " تكون " لتأنيث الميتة, كما يقال: " إنها قائمة جَارِيتُك ", و " إنه قائم جاريتك ", فيذكر المجهول مرة ويؤنث أخرى، لتأنيث الاسم الذي بعده .
* * * وقرأ ذلك بعض المدنيين: " إلا أَنْ تَكُونَ مَيِّتَةٌ"، بالتاء في" تكون ", وتشديد الياء من " ميتة " ورفعها= فجعل " الميتة " اسم " تكون ", وأنث " تكون " لتأنيث " الميتة ", وجعل " تكون " مكتفية بالاسم دون الفعل, لأن قوله: " إلا أن تكون ميتة " استثناء, والعرب تكتفي في الاستثناء بالأسماء عن الأفعال, فيقولون: " قام الناس إلا أن يكون أخاك ", و " إلا أن يكون أخوك ", فلا تأتي لـ" يكون "، بفعل, وتجعلها مستغنية بالاسم, كما يقال: " قام القوم إلا أخاك " و " إلا أخوك ", (21) فلا يفتقد الاسم الذي بعد حرف الاستثناء فعلا .
(22) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي: ( إِلا أَنْ يَكُونَ ) بـ" الياء "(مَيْتَةً)، بتخفيف الياء ونصب " الميتة ", لأن الذي في" يكون " من المكنى من ذكر المذكر (23) = وإنما هو: قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ذلك ميتةً أو دمًا مسفوحًا .
* * * فأما قراءة " ميتة " بالرفع, فإنه، وإن كان في العربية غير خطأ، فإنه في القراءة في هذا الموضع غيرُ صواب.
لأن الله يقول: (أو دمًا مسفوحًا)، فلا خلاف بين الجميع في قراءة " الدم " بالنصب, وكذلك هو في مصاحف المسلمين, وهو عطف على " الميتة " .
فإذ كان ذلك كذلك, فمعلوم أن " الميتة " لو كانت مرفوعة، لكان " الدم "، وقوله " أو فسقًا "، مرفوعين, ولكنها منصوبة، فيعطف بهما عليها بالنصب .
* * * القول في تأويل قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) قال أبو جعفر: وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويل قوله: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد) ، والصواب من القول فيه عندنا فيما مضى من كتابنا هذا، في" سورة " البقرة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (24) = وأن معناه: فمن اضطر إلى أكلِ ما حرَّم الله من أكل الميتة والدم المسفوح أو لحم الخنـزير, أو ما أهل لغير الله به, غير باغ في أكله إيّاه تلذذًا, لا لضرورة حالة من الجوع, ولا عادٍ في أكله بتجاوزه ما حدَّه الله وأباحه له من أكله, وذلك أن يأكل منه ما يدفع عنه الخوف على نفسه بترك أكله من الهلاك، لم يتجاوز ذلك إلى أكثر منه, فلا حرج عليه في أكله ما أكل من ذلك =(فإنّ الله غفور)، فيما فعل من ذلك, فساتر عليه بتركه عقوبته عليه, ولو شاء عاقبه عليه =(رحيم)، بإباحته إياه أكل ذلك عند حاجته إليه, ولو شاء حرَّمه عليه ومنعه منه .
------------------ الهوامش : (11) انظر تفسير (( الوحي ) فيما سلف من فهارس اللغة ( وحي ) .
(12) انظر تفسير (( طعم )) فيما سلف 5 : 342 / 10 : 576 .
(13) ديوان الستة الجاهليين : 347 ، من ثلاثة أبيات يعتذر بها إلى عمرو بن هند ، حين بلغه أنه هجاه ، فتوعده ، يقول بعده : وَلَقَــدْ هَمَمْـتُ بِـذَاكَ ، إِذْ حُبِسَـتْ وَأُمِـــرَّ دُونَ عَبِيـــدةَ الـــوَذَمُ أَخْشَــى عِقَـابَكَ إِنْ قَـدَرْتَ ، وَلَـمْ أَغْـــدِرْ فَيُؤْثَــرَ بَيْنَنَــا الكــلِمُ (14) ديوانه : 45 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة : (( منا نساء )) ، وهو خطأ لا شك فيه ، صوابه ما في الديوان ، وهو من قصيدته التي لام فيها امرأته لما أعرضت عنه لما كبر وشاب ، ومطت له حاجبيها استهزاء به ، فذكرها به ، فذكرها بما كان من ماضيه في اللهو والصبا والحرب ، فكان مما ذكرها به من ذلك شأنه في الحرب ، فقال : وَأَسْــمَرَ قـد نَصَبْـتُ لِـذي سَـناءِ يَــرَى مِنّــي مُخَالَطَــةَ اليَقِيــنِ يُحَــاوِلُ أَنْ يَقُــومَ ، وقَـدْ مَضَتْـهُ مغابنــةٌ بِــذِي خُــرْصٍ قَتِيــنِ إذَا مَـــا عَــادَهُ مِنْهَــا نِسَــاءٌ سَــفَحْنَ الـدَّمْعَ مـن بعـد الـرَّنِينِ (( أسمر )) يعني رمحًا ، طعن به فارسًا ذا سناء وشرف ، فخالطه به مخالطة اليقين .
فلما طعنه حاول أن يقوم ، وقد (( مضته )) ، أي : نفذت فيه طعنة (( مغابنة )) ، تخيط لحمه وتغبنه كما يغبن الثوب ، برمح (( ذي خرص )) أي سنان ، (( قتين )) ، أي : محدد الرأس .
فإذا عاده النساء من هذه الطعنة ، صحن صياح الحزن ، وذلك هو (( الرنين )) ، من هول ما رأين من أثر الطعنة ، ثم سفحن الدمع لما يئسن ومن شفائه .
(15) السياق : (( وفي اشتراطه ...
المسفوح منه ...
الدليل الواضح )) .
(16) الأثر : 14090 - قال ابن كثير في تفسيره 3 : 415 ، وذكر هذا الأثر ، (( صحيح غريب )) .
(17) الأثر : 14091 - هذا أثر مبتور لا شك في ذلك ، يبينه الذي قبله ، فهو إسناد آخر له .
وكان في المطبوعة : (( ليرى في مائها الصفرة )) ، حذف (( ما )) التي قبل (( في مائها )) ، وهي ثابتة في المخطوطة ، وزدت ما بين القوسين ، لتستقيم العبارة .
ولم أجد الخبر في مكان آخر بلفظه هذا .
(18) انظر تفسير (( الرجس )) فيما سلف 10 : 564 ، 565 / 12 : 110 - 112 .
(19) انظر تفسير (( الفسق )) فيما سلف ص : 76 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
= وتفسير (( أهل لغير الله به )) فيما سلف 3 : 319 - 321 / 9 : 493 .
(20) (( الفعل )) هنا ، خبر المبتدأ ، وهو اصطلاح قديم كما ترى ، وتفسيره أن خبر المبتدأ كأنه فعل له .
تقول : (( محمد قائم )) ، تفسيره أن محمدا فعل القيام ، وهو اصطلاح كوفي .
(21) انظر معاني القرآن 1 : 360 - 363 ، وقد استوفى هذا الباب هناك .
(22) في المطبوعة والمخطوطة : (( فلا يعتد الاسم الذي بعد حرف الاستثناء نفلا )) و (( نفلا )) في المخطوطة غير منقوطة ، وهذه عبارة لا معنى لها ، صوابها إن شاء الله ما أثبت .
(( افتقد الشيء )) تطلبه وقوله : (( فعلا )) هو (( خبر المبتدأ )) ، كما فسرته في التعليق السالف صلى الله عليه وسلم : 195 ، تعليق 2 ، واستظهرت صواب قراءتها كذلك من كلام الفراء إذ يقول في معاني القرآن 1 : 361 : (( ومن رفع ( الميتة ) جعل ( يكون ) فعلا لها ، اكتفى بيكون بلا فعل .
وكذلك ( يكون ) في كل الاستثناء لا تحتاج إلى فعل ...
)) فقوله : (( لا تحتاج إلى فعل )) ، هو معنى ما أثبته (( لا يفتقد الاسم الذي بعد حرف الاستثناء فعلا )) .
(23) انظر تفسير (( الميتة )) فيما سلف ، وتخفيف يائها وتشديدها فيما سلف 3 : 318 ، 319 / 6 : 310 / 9 : 492 .
(24) انظر تفسير ذلك فيما سلف 3 : 321 - 327 ، وتفسير ألفاظ الآية فيما سلف من فهارس اللغة .
قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما أعلم الله عز وجل في هذه الآية بما حرم .
والمعنى : قل يا محمد لا أجد فيما أوحي إلي محرما إلا هذه الأشياء ، لا ما تحرمونه بشهوتكم .
والآية مكية .
ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء ، ثم نزلت سورة " المائدة " بالمدينة .
وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة والخمر وغير ذلك .
وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير .[ ص: 105 ] وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية وتأويلها على أقوال : الأول : ما أشرنا إليه من أن هذه الآية مكية ، وكل محرم حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جاء في الكتاب مضموم إليها ; فهو زيادة حكم من الله عز وجل على لسان نبيه عليه السلام .
على هذا أكثر أهل العلم من أهل النظر ، والفقه والأثر .
ونظيره نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قوله : وأحل لكم ما وراء ذلكم وكحكمه باليمين مع الشاهد مع قوله : فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان .
وقد تقدم .وقد قيل : إنها منسوخة بقوله عليه السلام أكل كل ذي ناب من السباع حرام أخرجه مالك ، وهو حديث صحيح .
وقيل : الآية محكمة ولا يحرم إلا ما فيها وهو قول يروى عن ابن عباس وابن عمر وعائشة ، وروي عنهم خلافه .
قال مالك : لا حرام بين إلا ما ذكر في هذه الآية .
وقال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية تحليل كل شيء من الحيوان وغيره إلا ما استثني في الآية من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير .
ولهذا قلنا : إن لحوم السباع وسائر الحيوان ما سوى الإنسان والخنزير مباح .
وقال إلكيا الطبري : وعليها بنى الشافعي تحليل كل مسكوت عنه ; أخذا من هذه الآية ، إلا ما دل عليه الدليل .
وقيل : إن الآية جواب لمن سأل عن شيء بعينه فوقع الجواب مخصوصا .
وهذا مذهب الشافعي .
وقد روى الشافعي عن سعيد بن جبير أنه قال : في هذه الآية أشياء سألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء .
وقيل : أي لا أجد فيما أوحي إلي أي في هذه الحال حال الوحي ووقت نزوله ، ثم لا يمتنع حدوث وحي بعد ذلك بتحريم أشياء أخر .
وزعم ابن العربي أن هذه الآية مدنية وهي مكية في قول الأكثرين ، نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم نزل عليه اليوم أكملت لكم دينكم ولم ينزل بعدها ناسخ فهي محكمة ، فلا محرم إلا ما فيها ، وإليه أميل.
قلت : وهذا ما رأيته قاله غيره .
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الإجماع في أن سورة " الأنعام " مكية إلا قوله تعالى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم الثلاث الآيات ، وقد نزل [ ص: 106 ] بعدها قرآن كثير وسنن جمة .
فنزل تحريم الخمر بالمدينة في " المائدة " .
وأجمعوا على أن نهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب من السباع إنما كان منه بالمدينة .
قال إسماعيل بن إسحاق : وهذا كله يدل على أنه أمر كان بالمدينة بعد نزول قوله : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما لأن ذلك مكي .
قلت : وهذا هو مثار الخلاف بين العلماء .
فعدل جماعة عن ظاهر الأحاديث الواردة بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ; لأنها متأخرة عنها والحصر فيها ظاهر فالأخذ بها أولى ; لأنها إما ناسخة لما تقدمها أو راجحة على تلك الأحاديث .
وأما القائلون بالتحريم فظهر لهم وثبت عندهم أن سورة " الأنعام " مكية ; نزلت قبل الهجرة ، وأن هذه الآية قصد بها الرد على الجاهلية في تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ، ثم بعد ذلك حرم أمورا كثيرة كالحمر الإنسية ولحوم البغال وغيرها ، وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير .
قال أبو عمر : ويلزم على قول من قال : " لا محرم إلا ما فيها " ألا يحرم ما لم يذكر اسم الله عليه عمدا ، وتستحل الخمر المحرمة عند جماعة المسلمين .
وفي إجماع المسلمين على تحريم خمر العنب دليل واضح على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجد فيما أوحي إليه محرما غير ما في سورة " الأنعام " مما قد نزل بعدها من القرآن .
وقد اختلفت الرواية عن مالك في لحوم السباع والحمير والبغال فقال مرة : هي محرمة ; لما ورد من نهيه عليه السلام عن ذلك ، وهو الصحيح من قوله على ما في الموطأ .
وقال مرة : هي مكروهة ، وهو ظاهر المدونة ; لظاهر الآية ولما روي عن ابن عباس وابن عمر وعائشة من إباحة أكلها ، وهو قول الأوزاعي .
روى البخاري من رواية عمرو بن دينار قال : قلت لجابر بن زيد إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية ؟
فقال : قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ; ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس ، وقرأ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما .
وروي عن ابن عمر أنه سئل عن لحوم السباع فقال : لا بأس بها .
فقيل له : حديث أبي ثعلبة الخشني فقال : لا ندع كتاب الله ربنا لحديث أعرابي يبول على ساقيه .
وسئل الشعبي عن لحم الفيل والأسد فتلا هذه الآية .
وقال القاسم : كانت عائشة تقول لما سمعت الناس يقولون حرم كل ذي ناب من [ ص: 107 ] السباع : ذلك حلال ، وتتلو هذه الآية قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ثم قالت : إن كانت البرمة ليكون ماؤها أصفر من الدم ثم يراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحرمها .
والصحيح في هذا الباب ما بدأنا بذكره ، وأن ما ورد من المحرمات بعد الآية مضموم إليها معطوف عليها .
وقد أشار القاضي أبو بكر بن العربي إلى هذا في قبسه خلاف ما ذكر في أحكامه قال : روي عن ابن عباس أن هذه الآية من آخر ما نزل ; فقال البغداديون من أصحابنا : إن كل ما عداها حلال ، لكنه يكره أكل السباع .
وعند فقهاء الأمصار ، منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة وعبد الملك أن أكل كل ذي ناب من السباع حرام ، وليس يمتنع أن تقع الزيادة بعد قوله : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما بما يرد من الدليل فيها ; كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث فذكر الكفر والزنى والقتل .
ثم قال علماؤنا : إن أسباب القتل عشرة بما ورد من الأدلة ، إذ النبي صلى الله عليه وسلم إنما يخبر بما وصل إليه من العلم عن الباري تعالى ; وهو يمحو ما يشاء ويثبت وينسخ ويقدر .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أكل كل ذي ناب من السباع حرام وقد روي أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير .
وروى مسلم عن معن عن مالك : نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطير والأول أصح وتحريم كل ذي ناب من السباع هو صريح المذهب وبه ترجم مالك في الموطأ حين قال : تحريم أكل كل ذي ناب من السباع .
ثم ذكر الحديث وعقبه بعد ذلك بأن قال : وهو الأمر عندنا .
فأخبر أن العمل اطرد مع الأثر .
قال القشيري : فقول مالك " هذه الآية من أواخر ما نزل " لا يمنعنا من أن نقول : ثبت تحريم بعض هذه الأشياء بعد هذه الآية ، وقد أحل الله الطيبات وحرم الخبائث ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ، وعن أكل كل ذي مخلب من الطير ، ونهى عن لحوم الحمر الأهلية عام خيبر .
والذي يدل على صحة هذا التأويل الإجماع على تحريم العذرة والبول والحشرات المستقذرة والحمر مما ليس مذكورا في هذه الآية .[ ص: 108 ] الثانية : قوله تعالى : محرما قال ابن عطية : لفظة التحريم إذا وردت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء المذكور غاية الحظر والمنع ، وصالحة أيضا بحسب اللغة أن تقف دون الغاية في حيز الكراهة ونحوها ; فما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة المتأولين وأجمع الكل منهم ولم تضطرب فيه ألفاظ الأحاديث وجب بالشرع أن يكون تحريمه قد وصل الغاية من الحظر والمنع ، ولحق بالخنزير والميتة والدم ، وهذه صفة تحريم الخمر .
وما اقترنت به قرينة اضطراب ألفاظ الأحاديث واختلفت الأئمة فيه مع علمهم بالأحاديث كقوله عليه السلام : أكل كل ذي ناب من السباع حرام .
وقد ورد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ، ثم اختلفت الصحابة ومن بعدهم في تحريم ذلك ، فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أن يحمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهة ونحوها .
وما اقترنت به قرينة التأويل كتحريمه عليه السلام لحوم الحمر الإنسية فتأول بعض الصحابة الحاضرين ذلك لأنه نجس ، وتأول بعضهم ذلك لئلا تفنى حمولة الناس ، وتأول بعضهم التحريم المحض .
وثبت في الأمة الاختلاف في تحريم لحمها ; فجائز لمن ينظر من العلماء أن يحمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهة ونحوها بحسب اجتهاده وقياسه .قلت : وهذا عقد حسن في هذا الباب وفي سبب الخلاف على ما تقدم .
وقد قيل : إن الحمار لا يؤكل لأنه أبدى جوهره الخبيث حيث نزا على ذكر وتلوط ; فسمي رجسا .
قال محمد بن سيرين : ليس شيء من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار ; ذكره الترمذي في نوادر الأصول .الثالثة : روى عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء ، فبعث الله نبيه عليه السلام وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه ; فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو ، وتلا هذه الآية قل لا أجد الآية .
يعني ما لم يبين تحريمه فهو مباح بظاهر هذه الآية .
وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس أنه قرأ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما قال : إنما حرم من الميتة أكلها ، ما يؤكل منها وهو اللحم ; فأما الجلد والعظم والصوف والشعر فحلال .
وروى أبو داود عن ملقام بن تلب عن أبيه قال : صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أسمع لحشرة الأرض تحريما .
الحشرة : صغار دواب الأرض كاليرابيع والضباب والقنافذ .
ونحوها ; قال الشاعر : [ ص: 109 ]أكلنا الربى يا أم عمرو ومن يكن غريبا لديكم يأكل الحشراتأي ما دب ودرج .
والربى جمع ربية وهي الفأرة .
قال الخطابي : وليس في قوله " لم أسمع لها تحريما " دليل على أنها مباحة ; لجواز أن يكون غيره قد سمعه .
وقد اختلف الناس في اليربوع والوبر والجمع وبار ونحوهما من الحشرات ; فرخص في اليربوع عروة وعطاء والشافعي وأبو ثور .
قال الشافعي : لا بأس بالوبر وكرهه ابن سيرين والحكم وحماد وأصحاب الرأي .
وكره أصحاب الرأي القنفذ .
وسئل عنه مالك بن أنس فقال : لا أدري .
وحكى أبو عمرو : وقال مالك لا بأس بأكل القنفذ .
وكان أبو ثور لا يرى به بأسا ; وحكاه عن الشافعي .
وسئل عنه ابن عمر فتلا قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما الآية ; فقال شيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول : ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : خبيثة من الخبائث .
فقال ابن عمر : إن كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فهو كما قال .
ذكره أبو داود .
وقال مالك : لا بأس بأكل الضب واليربوع والورل .
وجائز عنده أكل الحيات إذا ذكيت ; وهو قول ابن أبي ليلى والأوزاعي .
وكذلك الأفاعي والعقارب والفأر والعظاية والقنفذ والضفدع .
وقال ابن القاسم : ولا بأس بأكل خشاش الأرض وعقاربها ودودها في قول مالك ; لأنه قال : موته في الماء لا يفسده .
وقال مالك : لا بأس بأكل فراخ النحل ودود الجبن والتمر ونحوه .
والحجة له حديث ملقام بن تلب ، وقول ابن عباس وأبي الدرداء : ما أحل الله فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو .
وقالت عائشة في الفأرة : ما هي بحرام ، وقرأت قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما .
ومن علماء أهل المدينة جماعة لا يجيزون أكل كل شيء من خشاش الأرض وهوامها ; مثل الحيات والأوزاغ والفأر وما أشبهه .
وكل ما يجوز قتله فلا يجوز عند هؤلاء أكله ، ولا تعمل الذكاة عندهم فيه .
وهو قول ابن شهاب وعروة والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم .
ولا يؤكل عند مالك وأصحابه شيء من سباع الوحش كلها ، ولا الهر الأهلي ولا الوحشي لأنه سبع .
وقال : ولا يؤكل الضبع ولا الثعلب ، ولا بأس بأكل سباع الطير كلها : الرخم والنسور والعقبان وغيرها ، ما أكل الجيف منها وما لم يأكل .
وقال الأوزاعي الطير كله [ ص: 110 ] حلال ، إلا أنهم يكرهون الرخم .
وحجة مالك أنه لم يجد أحدا من أهل العلم يكره أكل سباع الطير ، وأنكر الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطير .
وروي عن أشهب أنه قال : لا بأس بأكل الفيل إذا ذكي ; وهو قول الشعبي ، ومنع منه الشافعي .
وكره النعمان وأصحابه أكل الضبع والثعلب .
ورخص في ذلك الشافعي ، وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يأكل الضباع .
وحجة مالك عموم النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ، ولم يخص سبعا من سبع .
وليس حديث الضبع الذي خرجه النسائي في إباحة أكلها مما يعارض به حديث النهي ; لأنه حديث انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار ، وليس مشهورا بنقل العلم ، ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه .
قال أبو عمر : وقد روي النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع من طرق متواترة .
وروى ذلك جماعة من الأئمة الثقات الأثبات ، ومحال أن يعارضوا بمثل حديث ابن أبي عمار .
قال أبو عمر : أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أكل القرد لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله ، ولا يجوز بيعه لأنه لا منفعة فيه .
قال : وما علمت أحدا رخص في أكله إلا ما ذكره عبد الرزاق عن معمر عن أيوب .
سئل مجاهد عن أكل القرد فقال : ليس من بهيمة الأنعام .قلت : ذكر ابن المنذر أنه قال : روينا عن عطاء أنه سئل عن القرد يقتل في الحرم فقال : يحكم به ذوا عدل .
قال : فعلى مذهب عطاء يجوز أكل لحمه ; لأن الجزاء لا يجب على من قتل غير الصيد .
وفي " بحر المذهب " للروياني على مذهب الإمام الشافعي : وقال الشافعي يجوز بيع القرد لأنه يعلم وينتفع به لحفظ المتاع .
وحكى الكشفلي عن ابن شريح يجوز بيعه لأنه ينتفع به .
فقيل له : وما وجه الانتفاع به ؟
قال تفرح به الصبيان .
قال أبو عمر : والكلب والفيل وذو الناب كله عندي مثل القرد .
والحجة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في قول غيره .
وقد [ ص: 111 ] زعم ناس أنه لم يكن في العرب من يأكل لحم الكلب إلا قوم من فقعس .
وروى أبو داود عن ابن عمر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها .
في رواية : عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها .
قال الحليمي أبو عبد الله : فأما الجلالة فهي التي تأكل العذرة من الدواب والدجاج المخلاة .
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحومها .
وقال العلماء : كل ما ظهر منها ريح العذرة في لحمه أو طعمه فهو حرام ، وما لم يظهر فهو حلال .
وقال الخطابي : هذا نهي تنزه وتنظف ، وذلك أنها إذا اغتذت الجلة وهي العذرة وجد نتن رائحتها في لحومها ، وهذا إذا كان غالب علفها منها ; فأما إذا رعت الكلأ واعتلفت الحب وكانت تنال مع ذلك شيئا من الجلة فليست بجلالة ; وإنما هي كالدجاج المخلاة ، ونحوها من الحيوان الذي ربما نال الشيء منها وغالب غذائه وعلفه من غيره فلا يكره أكلها .
وقال أصحاب الرأي والشافعي وأحمد : لا تؤكل حتى تحبس أياما وتعلف علفا غيرها ; فإذا طاب لحمها أكلت .
وقد روي في الحديث أن البقر تعلف أربعين يوما ثم يؤكل لحمها .
وكان ابن عمر يحبس الدجاج ثلاثا ثم يذبحه .
وقال إسحاق : لا بأس بأكلها بعد أن يغسل لحمها غسلا جيدا .
وكان الحسن لا يرى بأسا بأكل لحم الجلالة ; وكذلك مالك بن أنس .
ومن هذا الباب نهي أن تلقى في الأرض العذرة .
روي عن بعضهم قال : كنا نكري أرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشترط على من يكريها ألا يلقي فيها العذرة .
وعن ابن عمر أنه كان يكري أرضه ويشترط ألا تدمن بالعذرة .
وروي أن رجلا كان يزرع أرضه بالعذرة فقال له عمر : أنت الذي تطعم الناس ما يخرج منهم .
واختلفوا في أكل الخيل ; فأباحها الشافعي ، وهو الصحيح ، وكرهها مالك .
وأما البغل فهو متولد من بين الحمار والفرس ، وأحدهما مأكول أو مكروه وهو الفرس ، والآخر محرم وهو الحمار ; فغلب حكم التحريم ; لأن التحليل والتحريم إذا اجتمعا في عين واحدة غلب حكم التحريم .
وسيأتي بيان هذه المسألة في " النحل " إن شاء الله بأوعب من هذا .
وسيأتي حكم الجراد في " الأعراف " .
والجمهور من الخلف والسلف على جواز أكل الأرنب .
وقد حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص تحريمه .
وعن ابن أبي ليلى كراهته .
قال عبد الله بن عمرو : [ ص: 112 ] جيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس فلم يأكلها ولم ينه عن أكلها .
وزعم أنها تحيض .
ذكره أبو داود .
وروى النسائي مرسلا عن موسى بن طلحة قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها رجل وقال : يا رسول الله ، إني رأيت بها دما ; فتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأكلها ، وقال لمن عنده : كلوا فإني لو اشتهيتها أكلتها .
قلت : وليس في هذا ما يدل على تحريمه ، وإنما هو نحو من قوله عليه السلام : إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه .
وقد روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال : مررنا بمر الظهران فاستنفجنا أرنبا فسعوا عليه فلغبوا .
قال : فسعيت حتى أدركتها ، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها ، فبعث بوركها وفخذها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله .الرابعة قوله تعالى على طاعم يطعمه أي آكل يأكله .
وروي عن ابن عامر أنه قرأ ( أوحى ) بفتح الهمزة .
وقرأ علي بن أبي طالب ( يطعمه ) مثقل الطاء ، أراد يتطعمه فأدغم .
وقرأت عائشة ومحمد ابن الحنفية ( على طاعم طعمه ) بفعل ماضإلا أن يكون ميتة قرئ بالياء والتاء ; أي إلا أن تكون العين أو الجثة أو النفس ميتة .
وقرئ يكون بالياء ( ميتة ) بالرفع بمعنى تقع وتحدث ميتة .
والمسفوح : الجاري الذي يسيل وهو المحرم .
وغيره معفو عنه .
وحكى الماوردي أن الدم غير المسفوح أنه إن كان ذا عروق يجمد عليها كالكبد والطحال فهو حلال ; لقوله عليه السلام : أحلت لنا ميتتان ودمان الحديث .
وإن كان غير ذي عروق [ ص: 113 ] يجمد عليها ، وإنما هو مع اللحم ، ففي تحريمه قولان : أحدهما أنه حرام ; لأنه من جملة المسفوح أو بعضه .
وإنما ذكر المسفوح لاستثناء الكبد والطحال منه .
والثاني أنه لا يحرم ; لتخصيص التحريم بالمسفوح .
قلت : وهو الصحيح .قال عمران بن حدير : سألت أبا مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم ، وعن القدر تعلوها الحمرة من الدم فقال : لا بأس به ، إنما حرم الله المسفوح .
وقالت نحوه عائشة وغيرها ، وعليه إجماع العلماء .
وقال عكرمة : لولا هذه الآية لاتبع المسلمون من العروق ما تتبع اليهود .
وقال إبراهيم النخعي : لا بأس بالدم في عرق أو مخ .
وقد تقدم هذا وحكم المضطر في " البقرة " والله أعلم .
لما ذكر تعالى ذم المشركين على ما حرموا من الحلال ونسبوه إلى الله، وأبطل قولهم.
أمر تعالى رسوله أن يبين للناس ما حرمه الله عليهم، ليعلموا أن ما عدا ذلك حلال، مَنْ نسب تحريمه إلى الله فهو كاذب مبطل، لأن التحريم لا يكون إلا من عند الله على لسان رسوله، وقد قال لرسوله: { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ } أي: محرما أكله، بقطع النظر عن تحريم الانتفاع بغير الأكل وعدمه.
{ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً } والميتة: ما مات بغير ذكاة شرعية، فإن ذلك لا يحل.
كما قال تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ } { أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } وهو الدم الذي يخرج من الذبيحة عند ذكاتها، فإنه الدم الذي يضر احتباسه في البدن، فإذا خرج من البدن زال الضرر بأكل اللحم، ومفهوم هذا اللفظ، أن الدم الذي يبقى في اللحم والعروق بعد الذبح، أنه حلال طاهر.
{ أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ } أي: فإن هذه الأشياء الثلاثة، رجس، أي: خبث نجس مضر، حرمه الله لطفا بكم، ونزاهة لكم عن مقاربة الخبائث.
{ أَوْ } إلا أن يكون { فسقا أهل لغير الله به } أي: إلا أن تكون الذبيحة مذبوحة لغير الله، من الأوثان والآلهة التي يعبدها المشركون، فإن هذا من الفسق الذي هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته، أي: ومع هذا، فهذه الأشياء المحرمات، من اضطر إليها، أي: حملته الحاجة والضرورة إلى أكل شيء منها، بأن لم يكن عنده شيء وخاف على نفسه التلف.
{ غَيْرَ بَاغٍ ولا عاد } أي: { غَيْرَ بَاغٍ } أي: مريدٍ لأكلها من غير اضطرار وَلَا متعد، أي: متجاوز للحد، بأن يأكل زيادة عن حاجته.
{ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي: فالله قد سامح من كان بهذه الحال.
واختلف العلماء رحمهم الله في هذا الحصر المذكور في هذه الآية، مع أن ثَمَّ محرمات لم تذكر فيها، كالسباع وكل ذي مخلب من الطير ونحو ذلك، فقال بعضهم: إن هذه الآية نازلة قبل تحريم ما زاد على ما ذكر فيها، فلا ينافي هذا الحصر المذكور فيها التحريم المتأخر بعد ذلك؛ لأنه لم يجده فيما أوحي إليه في ذلك الوقت، وقال بعضهم: إن هذه الآية مشتملة على سائر المحرمات، بعضها صريحا، وبعضها يؤخذ من المعنى وعموم العلة.
فإن قوله تعالى في تعليل الميتة والدم ولحم الخنزير، أو الأخير منها فقط: { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } وصف شامل لكل محرم، فإن المحرمات كلها رجس وخبث، وهي من الخبائث المستقذرة التي حرمها الله على عباده، صيانة لهم، وتكرمة عن مباشرة الخبيث الرجس.
ويؤخذ تفاصيل الرجس المحرم من السُنَّة، فإنها تفسر القرآن، وتبين المقصود منه، فإذا كان الله تعالى لم يحرم من المطاعم إلا ما ذكر، والتحريم لا يكون مصدره، إلا شرع الله -دل ذلك على أن المشركين، الذين حرموا ما رزقهم الله مفترون على الله، متقولون عليه ما لم يقل.
وفي الآية احتمال قوي، لولا أن الله ذكر فيها الخنزير، وهو: أن السياق في نقض أقوال المشركين المتقدمة، في تحريمهم لما أحله الله وخوضهم بذلك، بحسب ما سولت لهم أنفسهم، وذلك في بهيمة الأنعام خاصة، وليس منها محرم إلا ما ذكر في الآية: الميتة منها، وما أهل لغير الله به، وما سوى ذلك فحلال.
ولعل مناسبة ذكر الخنزير هنا على هذا الاحتمال، أن بعض الجهال قد يدخله في بهيمة الأنعام، وأنه نوع من أنواع الغنم، كما قد يتوهمه جهلة النصارى وأشباههم، فينمونها كما ينمون المواشي، ويستحلونها، ولا يفرقون بينها وبين الأنعام، فهذا المحرم على هذه الأمة كله من باب التنزيه لهم والصيانة.
ثم بين أن التحريم والتحليل يكون بالوحي والتنزيل ، فقال : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ) وروي أنهم قالوا : فما المحرم إذا فنزل : ( قل ) يا محمد ( لا أجد في ما أوحي إلي محرما ) أي : شيئا محرما ، ( على طاعم يطعمه ) آكل يأكله ، ( إلا أن يكون ميتة ) قرأ ابن عامر وأبو جعفر " تكون " بالتاء ، ( ميتة ) رفع أي : إلا أن تقع ميتة ، وقرأ ابن كثير وحمزة " تكون " بالتاء ، ( ميتة ) نصب على تقدير اسم مؤنث ، أي : إلا أن تكون النفس ، أو : الجثة ميتة ، وقرأ الباقون " يكون " بالياء " ميتة " نصب ، يعني إلا أن يكون المطعوم ميتة ، ( أو دما مسفوحا ) أي : مهراقا سائلا قال ابن عباس : يريد ما خرج من الحيوان ، وهن أحياء وما خرج من الأرواح وما يخرج من الأوداج عند الذبح ، ولا يدخل فيه الكبد والطحال ، لأنهما جامدان ، وقد جاء الشرع بإباحتهما ، ولا ما اختلط باللحم من الدم ، لأنه غير سائل .
قال عمران بن حدير : سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من الدم ، وعن القدر يرى فيها حمرة الدم؟
فقال : لا بأس به ، إنما نهى عن الدم المسفوح .
وقال إبراهيم : لا بأس بالدم في عرق أو مخ ، إلا المسفوح الذي تعمد ذلك ، وقال عكرمة : لولا هذه الآية لاتبع المسلمون من العروق ما يتبع اليهود .
( أو لحم خنزير فإنه رجس ) حرام ، ( أو فسقا أهل لغير الله به ) وهو ما ذبح على غير اسم الله تعالى .
فذهب بعض أهل العلم إلى أن التحريم مقصور على هذه الأشياء .
يروى ذلك عن عائشة وابن عباس قالوا : ويدخل في الميتة : المنخنقة والموقوذة ، وما ذكر في أول سورة المائدة .
وأكثر العلماء على أن التحريم لا يختص بهذه الأشياء ، والمحرم بنص الكتاب ما ذكر هنا .
ذلك معنى قوله تعالى : " قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما " ، وقد حرمت السنة أشياء يجب القول بها .
منها : ما أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ثنا عبد الغافر بن محمد بن عيسى الجلودي ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج ، قال ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري أخبرنا أبي أنا شعبة عن الحكم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير " .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ثنا زاهر بن أحمد ثنا أبو إسحاق الهاشمي ثنا أبو مصعب عن مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " .
والأصل عند الشافعي : أن ما لم يرد فيه نص تحريم أو تحليل ، فإن كان مما أمر الشرع بقتله - كما قال : " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم " أو نهى عن قتله ، كما روي أنه نهى عن قتل النحلة والنملة - فهو حرام ، وما سوى ذلك فالمرجع فيه إلى الأغلب من عادات العرب ، فما يأكله الأغلب منهم فهو حلال ، وما لا يأكله الأغلب منهم فهو حرام ، لأن الله تعالى خاطبهم بقوله : ( قل أحل لكم الطيبات ) ، فثبت أن ما استطابوه فهو حلال .
( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ) أباح أكل هذه المحرمات عند الاضطرار في غير العدوان .
«قل لا أجد فيما أوحي إليَّ» شيئا «محرَّما على طاعم يطعمه إلا أن يكون» بالياء والتاء «ميتة» بالنصب وفي قراءة بالرفع مع التحتانية «أو دما مسفوحا» سائلا بخلاف غيره كالكبد والطحال «أو لحم خنزير فإنه رجس» حرام «أو» إلا أن يكون «فسقا أهل لغير الله به» أي ذبح على اسم غيره «فمن اضطرَّ» إلى شيء مما ذكر فأكله «غير باغ ولا عاد فإن ربَّك غفور» له ما أكل «رحيم» به ويلحق بما ذكر بالسنة كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير.
قل -أيها الرسول-: إني لا أجد فيما أوحى الله إليَّ شيئًا محرمًا على من يأكله مما تذكرون أنه حُرِّم من الأنعام، إلا أن يكون قد مات بغير تذكية، أو يكون دمًا مراقًا، أو يكون لحم خنزير فإنه نجس، أو الذي كانت ذكاته خروجًا عن طاعة الله تعالى؛ كما إذا كان المذبوح قد ذكر عليه اسم غير الله عند الذبح.
فمن اضطر إلى الأكل من هذه المحرمات بسبب الجوع الشديد غير طالب بأكله منها تلذذًا، ولا متجاوز حد الضرورة، فإن الله تعالى غفور له، رحيم به.
وقد ثبت - فيما بعد - بالسنة تحريم كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، والحمر الأهلية، والكلاب.
ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بعد إلزام المشركين وتبكيتهم ، وبيان أن ما يتقولونه فى أمر التحريم افتراء محض - بعد كل ذكل أمره بأن يبين لهم ما حمره الله عليهم فقال : { قُل لاَّ أَجِدُ فِي .
.
.
.
} .أى : { قُل } يا محمد لهؤلاء المفترين على الله الكذب فى أمر التحليل والتحريم وغيرهما { لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } .أى : لا أجد فيما أوحاه الله إلى من القرآن طعاما محرما على أكل يريد أن يأكله من ذكر أو أنثى رداً على قولهم { مُحَرَّمٌ على أَزْوَاجِنَا } والجملة الكريمة تفيد أن طريق التحريم والتحليل إنما هو الوحى وليس مجرد الهوى والتشهى ، وأن الأصل فى الأشياء الحل إلا أن يرد نص بالتحريم .و { مُحَرَّماً } صفة لموصوف محذوف ، أى : شيئاً محرما ، أو طعاما محرما ، وهو المفعول الأول لأجد ، أما المفعول الثانى فهو { فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ } قدم للاهتمام به .وقوله { يَطْعَمُهُ } فى موضع الصفة لطاعم جىء به قطعا للمجاز كما فى قوله { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } ثم بين - سبحانه - ما حرمه فقال : { إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } .أى : لا أجد فيما أوحاه الله إلى الآن شيئاً محرما من المطاعم إلا أن يكون هذا الشىء أو ذلك الطعام { مَيْتَةً } أى : بهيمة ماتت حتف أنفها .{ أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً } أى : دما مصبوبا سائلا كالدم الذى يخرج من المذبوح عند ذبحه ، لا الدم الجامد كالكبد والطحال ، والسفح : الصب والسيلان .{ أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ } أى اللحم لأنه المحدث عنه ، أو الخنزير لأنه الأقرب أو جميع ما ذكر من الميتة والدم ولحم الخنزير .{ رِجْسٌ } أى : قذر خبيث تعافه الطباع السليمة وضار بالأبدان { أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } أى : خروجا عن الدين ، لكونه عند ذبحه قد ذكر عليه غير اسمه - تعالى - من صنم أو وثن أو طاغون أو نحو ذلك .والإهلال : رفع الصوت عند رؤية الهلال ، ثم استعمل لرفع الصوت مطلقا ، ومنه إهلال الصبى ، والإهلال بالحج ، وكانوا فى الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم سموا عليها أسماءها - كاللات والعزى - ورفعوا بها أصواتهم ، وسمى ذلك إهلالا .وإنما سمى { مَاأُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } فسقا ، لتوغله فى باب الفسق ، والخروج عن الشريعة الصحيحة ، ومنه قوله - تعالى - ( وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) .ثم بين - سبحانه - حكم المضطر فقال : { فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } .أى : فمن أصابته ضرورة قاهرة ألجأته إلى الأكل من هذه الأشياء المحرمة حالة كونه غير باغ فى أكله ، أى غير طالب للمحرم وهو يجد غيره .
أو غير طالب له للذته ، أو على جهة الاستئثار به على مضطر آخر بأن ينفرد بتناوله فيها عن الآخر .أو حالة كونه - أيضاً - غير عاد فيما يأكل ، أى : غير متجاوز سد الجوعة فلا إثم عليه فى هذه الأحوال .وباغ : مأخوذ من البغاء وهو الطلب تقول : بغيته بغاء وبغى بغية وبغية أى : طلبته .وعاد : اسم فاعل بمعنى متعد ، تقول : فلان عدا طوره إذا تجاوز حده وتعداه إلى غيره فهو عاد ، ومنه قوله - تعالى - { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } وقوله { فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أى : فإن ربك واسع المغفرة والرحمة لا يؤاخذ المضطرين ، ولا يكلف الناس بما فوق طاقتهم ، وإنما هو رءوف رحيم بهم يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر .والجملة الكريمة جواب الشرط باعتبار لازم المعنى وهو عدم المؤاخذة .
وقيل جواب الشرط محذوف : أى فمن اضطر ، فلا مؤاخذة عليه وهذه الجملة تعليل له .هذا ، والآية الكريمة ليس المقصود منها حصر المحرمات فى هذه الأربعة وإنما المقصود منها الرد على مزاعم المشركين فيما حرموه بغير علم من البحائر والسوائب وغيرها .قال ابن كثير : الغرض من سياق هذه الآية الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك .
فأمر - تعالى - رسوله أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم ، وأن الذى حرمه هو الميتة وما ذكر معها وما عدا ذلك فلم يحرم ، وإنما هو عفو مسكوت عنه .
فكيف تزعمون أنه حرام؟!
ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله - تعالى -؟!
وعلى هذا فلا ينفى تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا .
كما جاء النهى عن الحمر الأهلية ولحوم السباع وكل ذى مخلب من الطير " .وقال القرطبى : والآية مكية ، ولم يكن فى الشريعة فى ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء ، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد فى المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وغير ذلك ، وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أكل كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير ، وقد اختلف العلماء فى حكم هذه الآية وتأويلها على أقوال :الأول : ما أشرنا إليه من أن هذه الآية مكية وكل محرم حرمه رسول الله أو جاء فى الكتاب مضموم إليها ، فهو زيادة حكم من الله على لسان نبيه .
على هذا أكثر أهل العلم من أهل النظر والفقه والأثر " .والخلاصة : أن الآية الكريمة ليس المقصود منها حصر المحرمات فى هذه الأربعة وإنما المقصود منها الرد على مزاعم المشركين ، وذلك أن الكفار .
كما قال الإمام الشافعى - لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرمه الله وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم ، فكأنه قال - سبحانه - لا حلال إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه ، نازلا منزلة من يقول : لا تأكل اليوم حلاوة .فتقول : لا أكل اليوم إلا الحلاوة ، والغرض المضادة لا للنفى والإثبات على الحقيقة .فهو - تعالى - لم يقصد ما وراء الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل .قال إمام الحرمين : وهذا فى غاية الحسن ، ولولا سبق الشافعى إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك - رضى الله عنه - فى حصر المحرمات فيما ذكرته الآية " .وفى حكم هذه الآية وتأويلها أقوال أخرى بسطها العلماء فارجع إليها إذا شئت .
اعلم أنه تعالى لما بين فساد طريقة أهل الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في هذا الباب، فقال: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحمزة ﴿ إِلا أَن تَكُونَ ﴾ بالتاء ﴿ مَيْتَةً ﴾ بالنصب على تقدير: إلا أن تكون العين أو النفس أو الجثة ميتة.
وقرأ ابن عامر إلا أن تكون بالتاء ﴿ مَيْتَةً ﴾ بالرفع على معنى إلا أن تقع ميتة أو تحدث ميتة والباقون ﴿ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً ﴾ أي إلا أن يكون المأكول ميتة، أو إلا أن يكون الموجود ميتة.
المسألة الثانية: لما بين الله تعالى أن التحريم والتحليل لا يثبت إلا بالوحي قال: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إليَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ أي على آكل يأكله، وذكر هذا ليظهر أن المراد منه هو بيان ما يحل ويحرم من المأكولات.
ثم ذكر أموراً أربعة.
أولها: الميتة.
وثانيها: الدم المسفوح.
وثالثها: لحم الخنزير فإنه رجس.
ورابعها: الفسق وهو الذي أهل به لغير الله، فقوله تعالى: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ﴾ إلا هذه الأربعة مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة وذلك لأنه لما ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرمات والمحللات إلا بالوحي، وثبت أنه لا وحي من الله تعالى إلا إلى محمد عليه الصلاة والسلام، وثبت أنه تعالى يأمره أن يقول: إني لا أجد فيما أوحي إلي محرماً من المحرمات إلا هذه الأربعة كان هذا مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة.
واعلم أن هذه السورة مكية، فبين تعالى في هذه السورة المكية أنه لا محرم إلا هذه الأربعة ثم أكد ذلك بأن قال في سورة النحل: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ الله غَفورٌ رَحيم ﴾ وكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر فقد حصلت لنا آيتان مكيتان يدلان على حصر المحرمات في هذه الأربعة، فبين في سورة البقرة وهي مدنية أيضاً أنه لا محرم إلا هذه الأربعة فقال: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله ﴾ وكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة لتلك الآية المكية لأن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر، فكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ في الآية المدنية مطابقة لقوله: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا ﴾ إلا كذا وكذا في الآية المكية، ثم ذكر تعالى في سورة المائدة قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله: ﴿ إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ هو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل، وهو قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَا أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ وكل هذه الأشياء أقسام الميتة وأنه تعالى إنما أعادها بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل، فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها كانت مستقرة على هذا الحكم وعلى هذا الحصر.
فإن قال قائل: فيلزمكم في التزام هذا الحصر تحليل النجاسات والمستقذرات، ويلزم عليه أيضاً تحليل الخمر، وأيضا فيلزمكم تحليل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة مع أن الله تعالى حكم بتحريمها.
قلنا: هذا لا يلزمنا من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في هذه الآية: ﴿ أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ ومعناه أنه تعالى إنما حرم لحم الخنزير لكونه نجساً، فهذا يقتضي أن النجاسة علة لتحريم الأكل فوجب أن يكون كل نجس يحرم أكله، وإذا كان هذا مذكوراً في الآية كان السؤال ساقطاً.
والثاني: أنه تعالى قال في آية أخرى: ﴿ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث ﴾ وذلك يقتضي تحريم كل الخبائث، والنجاسات خبائث، فوجب القول بتحريمها.
الثالث: أن الأمة مجمعة على حرمة تناول النجاسات، فهب أنا التزمنا تخصيص هذه السورة بدلالة النقل المتواتر من دين محمد في باب النجاسات فوجب أن يبقى ما سواها على وفق الأصل تمسكاً بعموم كتاب الله في الآية المكية والآية المدنية، فهذا أصل مقرر كامل في باب ما يحل وما يحرم من المطعومات، وأما الخمر فالجواب عنه: أنها نجسة فيكون من الرجس فيدخل تحت قوله: ﴿ رِجْسٌ ﴾ وتحت قوله: ﴿ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث ﴾ وأيضاً ثبت تخصيصه بالنقل المتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم في تحريمه، وبقوله تعالى: ﴿ فاجتنبوه ﴾ وبقوله: ﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾ والعام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، فتبقى هذه الآية فيما عداها حجة.
وأما قوله ويلزم تحليل الموقوذة والمتردية والنطحية، فالجواب عنه من وجوه: أولها: أنها ميتات فكانت داخلة تحت هذه الآية.
وثانيها: أنا نخص عموم هذه الآية بتلك الآية.
وثالثها: أن نقول إنها إن كانت ميتة دخلت تحت هذه الآية، وإن لم تكن ميتة فنخصصها بتلك الآية.
فإن قال قائل: المحرمات من المطعومات أكثر مما ذكر في هذه الآية فما وجهها؟
أجابوا عنه من وجوه: أحدها: أن المعنى لا أجد محرماً مما كان أهل الجاهلية يحرمه من البحائر والسوائب وغيرها إلا ما ذكر في هذه الآية.
وثانيها: أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن تحريم غير ما نص عليه في هذه الآية ثم وجدت محرمات أخرى بعد ذلك.
وثالثها: هب أن اللفظ عام إلا أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز فنحن نخصص هذا العموم بأخبار الآحاد.
ورابعها: أن مقتضى هذه الآية أن نقول إنه لا يجد في القرآن، ويجوز أن يحرم الله تعالى ما سوى هذه الأربعة على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام.
ولقائل أن يقول: هذه الأجوبة ضعيفة.
أما الجواب الأول: فضعيف لوجوه: أحدها: لا يجوز أن يكون المراد من قوله: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا ﴾ ما كان يحرمه أهل الجاهلية من السوائب والبحائر وغيرها إذ لو كان المراد ذلك لما كانت الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب داخلة تحته، ولو لم تكن هذه الأشياء داخلة تحت قوله: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا ﴾ لما حسن استثناؤها، ولما رأينا أن هذه الأشياء مستثناة عن تلك الكلمة، علمنا أنه ليس المراد من تلك الكلمة ما ذكروه.
وثانيها: أنه تعالى حكم بفساد قولهم في تحريم تلك الأشياء، ثم إنه تعالى في هذه الآية خصص المحرمات في هذه الأربعة وتحليل تلك الأشياء التي حرمها أهل الجاهلية لا يمنع من تحليل غيرها، فوجب إبقاء هذه الآية على عمومها لأن تخصيصها يوجب ترك العمل بعمومها من غير دليل.
وثالثها: أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ﴾ وذكر هذه الأشياء الأربعة، وكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر وهذه الآية في سورة البقرة غير مسبوقة بحكاية أقوال أهل الجاهلية في تحريم البحائر والسوائب فسقط هذا العذر.
وأما جوابهم الثاني: وهو أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرماً إلا هذه الأربعة.
فجوابه من وجوه: أولها: أن قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله ﴾ آية مدنية نزلت بعد استقرار الشريعة، وكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر فدل هاتان الآيتان على أن الحكم الثابت في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام من أولها إلى آخرها ليس إلا حصر المحرمات في هذه الأشياء.
وثانيها: أنه لما ثبت بمقضتى هاتين الآيتين حصر المحرمات في هذه الاْربعة كان هذا اعترافاً بحل ما سواها، فالقول بتحريم شيء خامس يكون نسخاً، ولا شك أن مدار الشريعة على أن الأصل عدم النسخ، لأنه لو كان احتمال طريان الناسخ معادلاً لاحتمال بقاء الحكم على ما كان، فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في إثبات شيء من الأحكام لاحتمال أن يقال: إنه وإن كان ثابتاً إلا أنه زال، ولما اتفق الكل على أن الأصل عدم النسخ، وأن القائل به والذاهب إليه هو المحتاج إلى الدليل علمنا فساد هذا السؤال.
وأما جوابهم الثالث: وهو أنا نخصص عموم القرآن بخبر الواحد.
فنقول: ليس هذا من باب التخصيص، بل هو صريح النسخ، لأن قوله تعالى: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ مبالغة في أنه لا يحرم سوى هذه الأربعة، وقوله في سورة البقرة: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ وكذا وكذا، تصريح بحصر المحرمات في هذه الأربعة، لأن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر، فالقول بأنه ليس الأمر كذلك يكون دفعاً لهذا الذي ثبت بمقتضى هاتين الآيتين أنه كان ثابتاً في أول الشريعة بمكة، وفي آخرها بالمدينة، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز.
وأما جوابهم الرابع: فضعيف أيضاً، لأن قوله تعالى: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيْكَ ﴾ يتناول كل ما كان وحياً، سواء كان ذلك الوحي قرآناً أو غيره، وأيضاً فقوله في سورة البقرة: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ يزيل هذا الاحتمال.
فثبت بالتقرير الذي ذكرنا قوة هذا الكلام، وصحة هذا المذهب، وهو الذي كان يقول به مالك بن أنس رحمه الله، ومن السؤالات الضعيفة أن كثيراً من الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه عليه الصلاة والسلام قال: ما استخبثه العرب فهو حرام وقد علم أن الذي يستخبثه العرب فهو غير مضبوط، فسيد العرب بل سيد العالمين محمد صلوات الله عليه، لما رآهم يأكلون الضب قال: يعافه طبعي ثم إن هذا الاستقذار ما صار سبباً لتحريم الضب.
وأما سائر العرب فمنهم من لا يستقذر شيئاً، وقد يختلفون في بعض الأشياء، فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون، فعلمنا أن أمر الاستقذار غير مضبوط، بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم؟
المسألة الثالثة: اعلم أنا قد ذكرنا المسائل المتعلقة بهذه الأشياء الأربعة في سورة البقرة على سبيل الاستقصاء، فلا فائدة في الإعادة.
فأولها: الميتة، ودخلها التخصيص في قوله عليه الصلاة والسلام: «أحلت لنا ميتتان السمك والجراد».
وثانيها: الدم المسفوح، والسفح الصب يقال: سفح الدم سفحاً، وسفح هو سفوحاً إذا سال وأنشد أبو عبيدة لكثير: أقول ودمعي واكف عند رسمها *** عليك سلام الله والدمع يسفح قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذبح، وعلى هذا التقدير: فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، ولا ما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل، وسئل ابن مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم.
وعن القدر: يرى فيها حمرة الدم، فقال لا بأس به، إنما نهي عن الدم المسفوح.
وثالثها: لحم الخنزير فإنه رجس.
ورابعها: قوله: ﴿ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ ﴾ وهو منسوق على قوله: ﴿ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا ﴾ فسمى ما أهل لغير الله به فسقاً لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود إذا كان كاملاً فيهما، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ .
وأما قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فالمعنى أنه لما بين في هذه الأربعة أنها محرمة، بين أن عند الاضطرار يزول ذلك التحريم، وهذه الآية قد استقصينا تفسيرها في سورة البقرة.
وقوله عقيب ذلك: ﴿ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يدل على حصول الرخصة، ثم بين تعالى أنه حرم على اليهود أشياء أخرى سوى هذه الأربعة، وهي نوعان: الأول: أنه تعالى حرم عليهم كل ذي ظفر.
وفيه مباحث: البحث الأول: قال الواحدي: في الظفر لغات ظفر بضم الفاء، وهو أعلاها وظفر بسكون الفاء، وظفر بكسر الظاء وسكون الفاء، وهي قراءة الحسن وظفر بكسرهما وهي قراءة أبي السمال.
البحث الثاني: قال الواحدي: اختلفوا في كل ذي ظفر الذي حرمه الله تعالى على اليهود روي عن ابن عباس: أنه الإبل فقط وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أنه الإبل والنعامة، وهو قول مجاهد.
وقال عبد الله بن مسلم: إنه كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب.
ثم قال: ﴿ كذلك ﴾ قال المفسرون وقال: وسمى الحافر ظفراً على الاستعارة.
وأقول: أماحمل الظفر على الحافر فبعيد من وجهين: الأول: أن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً.
والثاني: أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال إنه تعالى حرم عليهم كل حيوان له حافر، وذلك باطل لأن الآية تدل على أن الغنم والبقر مباحان لهم من حصول الحافر لهما.
وإذا ثبت هذا فنقول: وجب حمل الظفر على المخالب والبراثن لأن المخالب آلات الجوارح في الاصطياد والبراثن آلات السباع في الاصطياد، وعلى هذا التقدير: يدخل فيه أنواع السباع والكلاب والسنانير، ويدخل فيه الطيور التي تصطاد لأن هذه الصفة تعم هذه الأجناس.
إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ﴾ يفيد تخصيص هذه الحرمة بهم من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا ﴾ كذا وكذا يفيد الحصر في اللغة.
والثاني: أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة في حق الكل لم يبق لقوله، ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا ﴾ فائدة فثبت أن تحريم السباع وذوي المخالب من الطير مختص باليهود، فوجب أن لا تكون محرمة على المسلمين، فصارت هذه الآية دالة على هذه الحيوانات على المسلمين، وعند هذا نقول: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم حرم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور ضعيف لأنه خبر واحد على خلاف كتاب الله تعالى، فوجب أن لا يكون مقبولاً، وعلى هذا التقدير: يقوى قول مالك في هذه المسألة.
النوع الثاني: من الأشياء التي حرمها الله تعالى على اليهود خاصة، قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا ﴾ فبين تعالى أنه حرم على اليهود شحوم البقر والغنم، ثم في الآية قولان: الأول: إنه تعالى استثنى عن هذا التحريم ثلاثة أنواع: أولها: قوله: ﴿ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم، فإني لم أحرمه وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها، وأقول ليس على الظهر والجنب شحم إلا اللحم الأبيض السمين الملتصق باللحم الأحمر على هذا التقدير: فذلك اللحم السمين الملتصق مسمم بالشحم، وبهذا التقدير: لو حلف لا يأكل الشحم، وجب أن يحنث بأكل ذلك اللحم السمين.
والاستثناء الثاني: قوله تعالى: ﴿ أَوِ الحوايا ﴾ قال الواحدي: وهي المباعر والمصارين، واحدتها حاوية وحوية.
قال ابن الأعرابي: هي الحوية أو الحاوية، وهي الدوارة التي في بطن الشاة.
وقال ابن السكيت: يقال حاوية وحوايا، مثل رواية وروايا.
إذا عرفت هذا: فالمراد أن الشحوم الملتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة.
والاستثناء الثالث: قوله: ﴿ وَمَا اختلط بِعَظْمٍ ﴾ قالوا: إنه شحم الإلية في قول جميع المفسرين.
وقال ابن جريج: كل شحم في القائم والجنب والرأس، وفي العينين والأذنيين يقول: إنه اختلط بعظم فهو حلال لهم، وعلى هذا التقدير: فالشحم الذي حرمه الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية.
القول الثاني: في الآية أن قوله: ﴿ أَوِ الحوايا ﴾ غير معطوف على المستثنى، بل على المستثنى منه والتقدير: حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم قالوا: ودخلت كلمة أو كدخولها في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً ﴾ والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى، فاعص هذا واعص هذا، فكذا هاهنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا.
ثم قال تعالى: ﴿ ذلك جزيناهم بِبَغْيِهِمْ ﴾ والمعنى: أنا إنما خصصناهم بهذا التحريم جزاء على بغيهم، وهو قتلهم الأنبياء، وأخذهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وِإِنَّا لصادقون ﴾ أي في الإخبار عن بغيهم وفي الإخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم بسبب بغيهم.
قال القاضي: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم، لأن التكليف تعريض للثواب، والتعريض للثواب إحسان فلم يجز أن يكون التكليف جزاء على الجرم المتقدم.
فالجواب: أن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد استحقاق الثواب، ويمكن أيضاً أن يكون للجرم المتقدم، وكل واحد منهما غير مستبعد.
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ ﴾ يعني إن كذبوك في ادعاء النبوة والرسالة، وكذبوك في تبليغ هذه الأحكام ﴿ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسعة ﴾ فلذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ ﴾ أي عذابه إذا جاء الوقت ﴿ عَنِ القوم المجرمين ﴾ يعني الذين كذبوك فيما تقول، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: كيف فصل بين بعض المعدود وبعضه ولم يوال بينه؟
قلت: قد وقع الفاصل بينهما اعتراضاً غير أجنبي من المعدود.
وذلك أنّ الله عزّ وجلّ منّ على عباده بإنشاء الأنعام لمنافعهم وإباحتها لهم، فاعترض بالاحتجاج على من حرّمها، والاحتجاج على من حرّمها تأكيد وتسديد للتحليل، والاعتراضات في الكلام لا تساق إلاّ للتوكيد ﴿ فِي مَا أُوحِىَ إِلَىَّ ﴾ تنبيه على أنّ التحريم إنما يثبت بوحي الله تعالى وشرعه، لا بهوى الأنفس ﴿ مُحَرَّمًا ﴾ طعاماً محرّماً من المطاعم التي حرّمتموها ﴿ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً ﴾ إلاّ أن يكون الشيء المحرّم ميتة ﴿ أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا ﴾ أي: مصبوباً سائلاً كالدم في العروق، لا كالكبد والطحال.
وقد رخّص في دم العروق بعد الذبح ﴿ أَوْ فِسْقًا ﴾ عطف على المنصوب قبله.
سمى ما أهلّ به لغير الله فسقاً لتوغله في باب الفسق.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ [الأنعام: 121] وأهل: صفة له منصوبة المحل.
ويجوز أن يكون مفعولاً له من أهلّ، أي أهلّ لغير الله به فسقاً.
فإن قلت: فعلام تعطف ﴿ أُهِلَّ ﴾ ؟
وإلام يرجع الضمير في ﴿ بِهِ ﴾ على هذا القول؟
قلت: يعطف على يكون، ويرجع الضمير إلى ما يرجع إليه المستكنّ في يكون ﴿ فَمَنِ اضطر ﴾ فمن دعته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرّمات ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ على مضطر مثله تارك لمواساته ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ متجاوز قدر حاجته من تناوله ﴿ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لا يؤاخذه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ ﴾ أيْ في القُرْآنِ، أوْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ مُطْلَقًا، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما يُعْلَمُ بِالوَحْيِ لا بِالهَوى.
﴿ مُحَرَّمًا ﴾ طَعامًا مُحَرَّمًا.
﴿ عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً ﴾ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ مَيْتَةً، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ تَكُونُ بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالياءِ، ورَفَعَ مَيْتَةً عَلى أنَّ كانَ هي التّامَّةُ وقَوْلُهُ: ﴿ أوْ دَمًا مَسْفُوحًا ﴾ عَطْفٌ عَلى أنَّ مَعَ ما في حَيِّزِهِ أيْ: إلّا وُجُودَ مَيْتَةٍ أوْ دَمًا مَسْفُوحًا، أيْ مَصْبُوبًا كالدَّمِ في العُرُوقِ لا كالكَبِدِ والطِّحالِ.
﴿ أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ ﴾ فَإنَّ الخِنْزِيرَ أوْ لَحْمَهُ قَذِرٌ لِتَعَوُّدِهِ أكْلَ النَّجاسَةِ أوْ خَبِيثٌ مُخْبِثٌ ﴿ أوْ فِسْقًا ﴾ عُطِفَ عَلى لَحْمَ خِنْزِيرٍ.
وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِلتَّعْلِيلِ.
﴿ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُوَضِّحَةٌ وإنَّما سُمِّيَ ما ذُبِحَ عَلى اسْمِ الصَّنَمِ فِسْقًا لِتَوَغُّلِهِ في الفِسْقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِسْقًا مَفْعُولًا لَهُ مِن أُهِلَّ وهو عَطْفٌ عَلى يَكُونُ والمُسْتَكِنُّ فِيهِ راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ المُسْتَكِنُّ في يَكُونُ.
﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ فَمَن دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ.
إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿ غَيْرَ باغٍ ﴾ عَلى مُضْطَرٍّ مِثْلِهِ ﴿ وَلا عادٍ ﴾ قَدْرَ الضَّرُورَةِ ﴿ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لا يُؤاخِذُهُ، والآيَةُ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلى تِلْكَ الغايَةِ مُحَرَّمًا غَيْرَ هَذِهِ، وذَلِكَ لا يُنافِي وُرُودَ التَّحْرِيمِ في شَيْءٍ آخَرَ فَلا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى نَسْخِ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ ولا عَلى حِلِّ الأشْياءِ غَيْرَها إلّا مَعَ الِاسْتِصْحابِ.
<div class="verse-tafsir"
{قل لا أجد فيما أُوْحِيَ إِلَيَّ} أي في ذلك الوقت أو في وحي القرآن لأن وحي السنة قد حرم غيره أو من الأنعام لأن الآية في رد البحيرة وأخواتها وأما الموقوذة والمتردية والنطيحة فمن الميتة وفيه تنبيه على أن التحريم إنما يثبت بوحي الله وشرعه لا بهوى الأنفس {مُحَرَّمًا} حيواناً حرم أكله {على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} على آكل يأكله {إِلا أَن يَكُونَ ميتة} إلا أن يكون الشئ المحرم ميتة أَن تَكُونَ مكي وشامي وحمزة مَيْتَةً شامي {أَوْ دَمًا
مَّسْفُوحًا} مصبوباً سائلاً فلا يحرم الدم الذي في اللحم والكبد والطحال {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} نجس {أَوْ فِسْقًا} عطف على المنصوب قبله وقوله {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه {أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ} منصوب المحل صفة لفسقا أي رفع الصوت على ذبحه باسم غير الله وسمي بالفسق لتوغله في باب الفسق {فَمَنِ اضطر} فمن دعته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات {غَيْرَ بَاغٍ} على مضطر مثله تارك لمواساته {وَلاَ عَادٍ} متجاوز قدر حاجته من تناوله {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لا يؤاخذه
﴿ قُلْ ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ إلْزامِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ وبَيانِ أنَّ ما يَتَقَوَّلُونَهُ في أمْرِ التَّحْرِيمِ افْتِراءٌ بَحْتٌ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا ﴾ ..
إلَخْ.
كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الوُجُودِ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ طَرِيقَ التَّحْرِيمِ لَيْسَ إلّا التَّنْصِيصُ مِنَ اللَّهِ تَعالى دُونَ التَّشَهِّي والهَوى وتَنْبِيهٌ كَما قِيلَ عَلى أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الحِلُّ و ﴿ مُحَرَّمًا ﴾ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ وقَدْ قامَ مَقامَهُ بَعْدَ حَذْفِهِ فَهو مَفْعُولٌ أوَّلُ لِأجِدُ ومَفْعُولُهُ الثّانِي ﴿ فِي ما أُوحِيَ ﴾ قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ لا لِأنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ نَكِرَةٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ عامَّةٌ بِالنَّفْيِ فَلا يَجِبُ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ بِالظَّرْفِ ولَيْسَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا أيْ لا أجِدُ رَيْثَما تَصَفَّحْتُ ما أُوحِيَ إلَيَّ قُرْآنًا وغَيْرَهُ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ العُدُولُ عَنْ أُنْزِلَ إلَيَّ ( أُوحِيَ ) أوْ ما أُوحِيَ إلَيَّ مِنَ القُرْآنِ طَعامًا مُحَرَّمًا مِنَ المَطاعِمِ الَّتِي حَرَّمْتُمُوها ﴿ عَلى طاعِمٍ ﴾ أيِّ طاعِمٍ كانَ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ: ”( مُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا )“ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَطْعَمُهُ ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِطاعِمٍ جِيءَ بِهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ طائِرٍ يَطِيرُ ﴾ قَطْعًا لِلْمَجازِ وقُرِئَ ( يُطَعِّمُهُ ) بِالتَّشْدِيدِ وكَسْرِ العَيْنِ والأصْلُ يَطَتَعَمَّهُ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ طاءً وأُدْغِمَتْ فِيها الأوْلى والمُرادُ بِالطَّعْمِ تَناوُلُ الغِذاءِ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ طَعَمَ في الشَّرابِ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ في الكَلامِ عَلَيْهِ والمُتَبادَرُ هُنا الأوَّلُ وقَدْ يُرادُ بِهِ مُطْلَقُ النَّفْعِ ومِنهُ ما في حَدِيثِ بَدْرٍ ما قَتَلْنا أحَدًا بِهِ طَعْمٌ ما قَتَلْنا الأعْجازَ صَلَعًا أيْ قَتَلْنا مَن لا مَنفَعَةَ لَهُ ولا اعْتِدادَ بِهِ وإرادَةُ هَذا المَعْنى هُنا بَعِيدٌ جِدًّا ولَمْ أرَ مَن قالَ بِهِ نَعَمْ قِيلَ: المُرادُ سائِرُ أنْواعِ التَّناوُلاتِ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ ولَعَلَّ إرادَةَ غَيْرِ الأكْلِ فِيهِ بِطَرِيقِ القِياسِ وكَذا حُمِلَ الطّاعِمُ عَلى الواجِدِ مِن قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ طاعِمٌ أيْ حَسَنُ الحالِ مَرْزُوقٌ وإبْقاءُ ( يَطْعَمُهُ ) عَلى ظاهِرِهِ أيْ عَلى واجِدٍ يَأْكُلُهُ فَلا يَكُونُ الوَصْفُ حِينَئِذٍ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ.
﴿ إلا أنْ يَكُونَ ﴾ ذَلِكَ الطَّعامُ أوِ الشَّيْءُ المُحَرَّمُ ﴿ مَيْتَةً ﴾ المُرادُ بِها ما لَمْ يُذْبَحْ ذَبْحًا شَرْعِيًّا فَيَتَناوَلُ المُنْخَنِقَةَ ونَحْوَها وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ ( تَكُونَ ) بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ﴿ يَكُونَ مَيْتَةً ﴾ بِالياءِ ورَفْعِ مَيْتَةٍ وأبُو جَعْفَرٍ يُشَدِّدُ أيْضًا عَلى أنَّ كانَ هي التّامَّةُ ﴿ أوْ دَمًا ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ مَيْتَةً ﴾ أوْ عَلى ما في حَيِّزِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَسْفُوحًا ﴾ أيْ مَصْبُوبًا سائِلًا كالدَّمِ في العُرُوقِ صِفَةٌ لَهُ خَرَجَ بِهِ الدَّمُ الجامِدُ كالكَبِدِ والطِّحالِ وفي الحَدِيثِ «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ السَّمَكُ والجَرادُ ودَمانِ الكَبِدُ والطِّحالُ» وقَدْ رُخِّصَ في دَمِ العُرُوقِ بَعْدَ الذَّبْحِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: لَوْلا هَذا القَيْدُ لاتَّبَعَ المُسْلِمُونَ مِنَ العُرُوقِ ما اتَّبَعَ اليَهُودُ.
﴿ أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ ﴾ أيِ اللَّحْمُ كَما قِيلَ لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ أوِ الخِنْزِيرُ لِأنَّهُ الأقْرَبُ ذِكْرًا وذُكِرَ اللَّحْمُ لِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنهُ فَإذا حَرُمَ فَغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الأوْلى وقِيلَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ: الضَّمِيرُ لِكُلٍّ مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ عَلى مَعْنى فَإنَّ المَذْكُورَ ﴿ رِجْسٌ ﴾ أيْ قَذِرٌ أوْ خَبِيثٌ مُخْبَثٌ ﴿ أوْ فِسْقًا ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ﴾ عَلى ما اخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُعْرِبِينَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِلْحُرْمَةِ ﴿ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُوَضِّحَةٌ وأصْلُ الإهْلالِ رَفْعُ الصَّوْتِ والمُرادُ الذَّبْحُ عَلى اسْمِ الأصْنامِ وإنَّما سُمِّيَ ذَلِكَ فِسْقًا لِتَوَغُّلِهِ في الفِسْقِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( فِسْقًا ) مَفْعُولًا لَهُ لِأُهِلَّ وهو عُطِفَ عَلى ( يَكُونَ ) و( بِهِ ) قائِمٌ مَقامَ الفاعِلِ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ المُسْتَكِنُ في ( يَكُونَ ) .
قالَ أبُو حَيّانَ: وهَذا إعْرابٌ مُتَكَلَّفٌ جِدًّا والنَّظْمُ عَلَيْهِ خارِجٌ عَنِ الفَصاحَةِ وغَيْرُ جائِزٍ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ( إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةٌ ) بِالرَّفْعِ لِأنَّ ضَمِيرَ ( بِهِ ) لَيْسَ لَهُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ ولا يَجُوزُ أنْ يُتَكَلَّفَ لَهُ مَوْصُوفٌ مَحْذُوفٌ يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ أيْ شَيْءٌ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في ضَرُورَةِ الشُّعَراءِ.
اهـ.
وعَنى بِذَلِكَ كَما قالَ الحَلَبِيُّ إنَّهُ لا يُحْذَفُ المَوْصُوفُ والصِّفَةُ جُمْلَةً إلّا إذا كانَ في الكَلامِ مِنِ التَّبْعِيضِيَّةُ نَحْوَ مِنّا أقامَ ومِنّا ظَعَنَ أيْ فَرِيقٌ أقامَ وفَرِيقٌ ظَعَنَ فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن كانَ ضَرُورَةً كَقَوْلِهِ.
تَرْمِي بِكَفِّي كانَ مِن أرَمى البَشَرِ أرادَ بِكَفَّيْ رَجُلٍ كانَ ..
إلَخْ.
وهَذا كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ رَأْيُ بَعْضٍ وأمّا غَيْرُهُ فَيَقُولُ: مَتى دَلَّ دَلِيلٌ عَلى المَوْصُوفِ حُذِفَ مُطْلَقًا فَيَجُوزُ أنْ يَرى المُجَوِّزُ هَذا الرَّأْيَ ومَنَعَهُ مِن حَيْثُ رَفْعِ المَيْتَةِ كَما قالَ السَّفاقِسِيُّ فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى ما يَعُودُ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ النَّصْبِ والرَّفْعُ لا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ نَعَمِ الإعْرابُ الأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ أيْ أصابَتْهُ الضَّرُورَةُ الدّاعِيَةُ إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿ غَيْرَ باغٍ ﴾ أيْ طالِبٍ ما لَيْسَ لَهُ طَلَبُهُ بِأنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِن مُضْطَرٍّ آخَرَ مِثْلِهِ وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: أيْ غَيْرُ مُتَناوِلٍ لِلَّذَّةِ وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ غَيْرَ باغٍ ﴾ عَلى إمامٍ ﴿ ولا عادٍ ﴾ أيْ مُتَجاوِزٌ قَدْرَ الضَّرُورَةِ ﴿ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (145) مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لا يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ وهَذا جَزاءُ الشَّرْطِ لَكِنْ بِاعْتِبارِ لازِمِ مَعْناهُ وهو عَدَمُ المُؤاخَذَةِ وبَعْضُهم قالَ بِتَقْدِيرِ جَزاءٍ يَكُونُ هَذا تَعْلِيلًا لَهُ ولا حاجَةَ إلَيْهِ.
ونُصِبَ ( غَيْرَ ) عَلى أنَّهُ حالٌ وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ ولَيْسَ التَّقْيِيدُ بِالحالِ الأُولى لِبَيانِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدِ القَيْدُ بِالمَعْنى السّابِقِ لَتَحَقَّقَتِ الحُرْمَةُ المَبْحُوثُ عَنْها بَلْ لِلتَّحْذِيرِ مِن حَرامٍ آخَرَ وهو أخْذُهُ حَقَّ مُضْطَرٍّ آخَرَ فَإنَّ مَن أخَذَ لَحْمَ مَيْتَةٍ مَثَلًا مِن مُضْطَرٍّ آخَرَ فَأكَلَهُ فَإنَّ حُرْمَتَهُ لَيْسَتْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ لَحْمَ المَيْتَةِ بَلْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ حَقًّا لِلْمُضْطَرِّ الآخَرِ وأمّا الحالُ الثّانِيَةُ فَلِتَحْقِيقِ زَوالِ الحُرْمَةِ المَبْحُوثِ عَنْها قَطْعًا فَإنَّ التَّجاوُزَ عَنِ القَدْرِ الَّذِي يَسُدُّ بِهِ الرَّمَقَ حَرامٌ مِن حَيْثُ أنَّهُ لَحْمُ المَيْتَةِ.
وفِي التَّعَرُّضِ لِوَصْفَيِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إيذانٌ بِأنَّ المَعْصِيَةَ باقِيَةٌ لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لَهُ ويَرْحَمُهُ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ولا تَغْفُلْ واسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّها حَصَرَتِ المُحَرَّماتِ مِنَ المَطْعُوَماتِ في أرْبَعَةٍ المَيْتَةِ والدَّمِ المَسْفُوحِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ والفِسْقِ الَّذِي أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِ ولا شَكَّ أنَّها أكْثَرُ مِن ذَلِكَ وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى لا أجِدُ مُحَرَّمًا مِمّا كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَهُ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ اسْتِثْناءُ الأرْبَعَةِ مِنهُ مُنْقَطِعًا أيْ لا أجِدُ ما حَرَّمُوهُ لَكِنْ أجِدُ الأرْبَعَةَ مُحَرَّمَةً وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الحَصْرِ والِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ لَيْسَ كالمُتَّصِلِ في الحَصْرِ كَما نَبَّهُوا عَلَيْهِ وهو مِمّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ.
فَإنْ قُلْتَ: المُسْتَثْنى لَيْسَ مَيْتَةً بَلْ كَوْنُهُ مَيْتَةً وذَلِكَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الطَّعامِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا لا مَحالَةَ فَلا حاجَةَ إلى ذَلِكَ التَّقْيِيدِ قالَ القُطْبُ: نَعَمْ كَذَلِكَ إلّا أنَّ المَقْصُودَ إخْراجُ المَيْتَةِ مِنَ الطَّعامِ المُحَرَّمِ يَعْنِي لا أجِدُ مُحَرَّمًا إلّا المَيْتَةَ فَلَوْلا التَّقْيِيدُ كانَ في الحَقِيقَةِ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا ووَرَدَ الإشْكالُ وضَعُفَ ذَلِكَ الجَوابُ بِأوْجُهٍ مِنها أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ وإنَّما تُفِيدُ الحَصْرَ وقالَ سُبْحانَهُ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ وأمّا المُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ وغَيْرُهُما فَهي أقْسامُ المَيْتَةِ وإنَّما أُعِيدَتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم كانُوا يَحْكُمُونَ عَلَيْها بِالتَّحْلِيلِ فالآيَتانِ تَدُلّانِ عَلى أنْ لا مُحَرَّمَ إلّا لِأرْبَعَةٍ وحِينَئِذٍ يَجِبُ القَوْلُ بِدَلالَةِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها عَلى الحَصْرِ لِتُطابِقَ ذَلِكَ وأنْ لا تَقْيِيدَ مَعَ أنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّقْيِيدِ.
وأُجِيبَ عَنِ الإشْكالِ بِأنَّ الآيَةَ إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ إلى تِلْكَ الغايَةِ مُحَرَّمًا غَيْرَ ما نُصَّ عَلَيْهِ فِيها وذَلِكَ لا يُنافِي وُرُودَ التَّحْرِيمِ في شَيْءٍ آخَرَ قِيلَ: وحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ أوْ أعَمِّ الأحْوالِ مُفَرَّغًا بِمَعْنى لا أجِدُ شَيْئًا مِنَ المَطاعِمِ مُحَرَّمًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أوْ حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في وقْتِ أوْ حالِ كَوْنِ الطَّعامِ أحَدَ الأرْبَعَةِ فَإنِّي أجِدُ حِينَئِذٍ مُحَرَّمًا فالمَصْدَرُ المُتَحَصَّلُ مِن أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ أوِ الهَيْئَةِ واعْتَرَضَ الإمامُ هَذا الجَوابَ بِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ مِنَ الآياتِ نَزَلَ بَعْدَ اسْتِقْرارِ الشَّرِيعَةِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ الثّابِتَ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها لَيْسَ إلّا حَصْرَ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأشْياءِ وبِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِمُقْتَضى ذَلِكَ حَصْرُ المُحَرَّماتِ في الأرْبَعَةِ كانَ هَذا اعْتِرافًا بِحِلِّ ما سِواها والقَوْلُ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ خامِسٍ يَكُونُ نَسْخًا ولا شَكَّ أنَّ مَدارَ الشَّرِيعَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ احْتِمالُ طَرِيّانِ النَّسْخِ مُعادِلًا لِاحْتِمالِ بَقاءِ الحُكْمِ عَلى ما كانَ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنَ النُّصُوصِ في إثْباتِ شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وإنْ كانَ ثابِتًا إلّا أنَّهُ زالَ وما قِيلَ في الِاسْتِثْناءِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ مِن أنْ والفِعْلِ لا يُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولا يَقَعُ حالًا لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ وبَعْضُهم قالَ لِاتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ: إنَّ التَّقْدِيرَ إلّا المَوْصُوفَ بِأنْ يَكُونَ أحَدَ الأرْبَعَةِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿ مُحَرَّمًا ﴾ وفِيهِ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ وقِيلَ التَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ إلّا وُجُودَ مَيْتَةٍ والإضافَةُ فِيهِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيْ مَيْتَةٌ مَوْجُودَةٌ.
وأُجِيبَ أيْضًا عَنِ الإشْكالِ بِأنَّ الآيَةَ وإنْ دَلَّتْ عَلى الحَصْرِ إلّا أنّا نُخَصِّصُها بِالإخْبارِ وتَعَقَّبَهُ الإمامُ أيْضًا بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن بابِ التَّخْصِيصِ بَلْ هو صَرِيحُ النَّسْخِ لِأنَّها لَمّا كانَ مَعْناها أنْ لا مُحَرَّمَ سِوى الأرْبَعَةِ فِإثْباتُ مُحَرَّمٍ آخَرَ قَوْلٌ بِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ وهو رَفْعٌ لِلْحَصْرِ ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ غَيْرُ جائِزٍ وأجابَ ذَلِكَ عَنِ القُطْبِ الرّازِيِّ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْحَصْرِ ها هُنا إلّا أنَّ الأرْبَعَةَ مُحَرَّمَةٌ وما عَداها لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وهَذا عامٌّ فَإثْباتُ مُحَرَّمٍ آخَرَ تَخْصِيصٌ لِهَذا العامِّ وتَخْصِيصُ العامِّ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ وقَدِ احْتَجَّ بِظاهِرِ الآيَةِ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ فَأباحُوا ما عَدا المَذْكُورَ فِيها فَمِن ذَلِكَ الحُمُرُ الأهْلِيَّةُ أخْرَجَ البُخارِيُّ «عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: إنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ فَقالَ: قَدْ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولَكِنْ أبى ذَلِكَ البَحْرُ يَعْنِي ابْنَ عَبّاسٍ وقَرَأ ﴿ قُلْ لا أجِدُ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ ﴾ الآيَةَ».
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ سُئِلَ عَنْ أكْلِ القُنْفُذِ فَقَرَأ الآيَةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها كانَتْ إذا سُئِلَتْ عَنْ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ ومِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ قالَتْ ﴿ قُلْ لا أجِدُ ﴾ ..
إلَخْ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ لَيْسَ مِنَ الدَّوابِّ شَيْءٌ حَرامٌ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ﴿ قُلْ لا أجِدُ ﴾ الآيَةَ وقَوّى الإمامُ الرّازِيُّ القَوْلَ بِالظّاهِرِ فَإنَّهُ قالَ بَعْدَ كَلامٍ فَثَبَتَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ قُوَّةُ هَذا الكَلامِ وصِحَّةُ هَذا المَذْهَبِ وهو الَّذِي كانَ يَقُولُ بِهِ مالِكُ بْنُ أنَسٍ ثُمَّ قالَ ومِنَ السُّؤالاتِ الصَّعْبَةِ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الفُقَهاءِ خَصُّوا عُمُومَ هَذِهِ الآيَةِ بِما نُقِلَ أنَّهُ قالَ: «ما اسْتَخْبَثَتْهُ العَرَبُ فَهو حَرامٌ» وقَدْ عُلِمَ أنَّ الَّذِي تَسْتَخْبِثُهُ غَيْرُ مَضْبُوطٍ فَسَيِّدُ العَرَبِ بَلْ سَيِّدُ العالِمِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لَمّا رَآهم يَأْكُلُونَ الضَّبَّ قالَ: يَعافُهُ طَبْعِي» ولَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِتَحْرِيمِهِ وأمّا سائِرُ العَرَبِ فَفِيهِمْ مَن لا يَسْتَقْذِرُ شَيْئًا وقَدْ يَخْتَلِفُونَ في بَعْضِ الأشْياءِ فَيَسْتَقْذِرُها قَوْمٌ ويَسْتَطِيبُها آخَرُونَ فَعُلِمَ أنَّ أمْرَ الِاسْتِقْذارِ غَيْرُ مَضْبُوطٍ بَلْ هو مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ والأحْوالِ فَكَيْفَ يَجُوزُ نَسْخُ هَذا النَّصِّ القاطِعِ بِذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ضابِطٌ مُعَيَّنٌ ولا قانُونٌ مَعْلُومٌ.
انْتَهى.
ولا يَخْفى ما فِيهِ.
واسْتَدَلَّ النَّبِيُّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ عَلى أنَّهُ إنَّما حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ أكْلُها وأنَّ جِلْدَها يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ أخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «ماتَتْ شاةٌ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ لَوْ أخَذْتُمْ مَسْكَها فَقالَتْ نَأْخُذُ مَسْكَ شاةٍ قَدْ ماتَتْ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ قُلْ لا أجِدُ فِي ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً ﴾ وإنَّكم لا تَطْعَمُونَهُ أنْ تَدْبُغُوهُ تَنْتَفِعُوا بِهِ» .
واسْتَدَلَّ الشّافِعِيَّةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنَّهُ رِجْسٌ ﴾ عَلى نَجاسَةِ الخِنْزِيرِ بِناءً عَلى عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى خِنْزِيرٍ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ <div class="verse-tafsir"
قُلْ لا أَجِدُ فِي مآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً يعني: لا أجد فيما أنزل علي من القرآن شيئاً محرماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ.
يعني: على آكل إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً.
قرأ ابن عامر إلا أَن تَكُون مَيْتَةً بالتاء على لفظ التأنيث لأن الميتة مؤنث وقرأ مَيْتَةً بالضم لأنه اسم كان.
وقرأ حمزة وابن كثير إِلا أَن تَكُونَ بالتاء بلفظ التأنيث مَيْتَةً بالنصب فجعل الميتة خبراً لكان، والاسم فيه مضمر.
وقرأ الباقون إِلَّا أَنْ يَكُونَ بلفظ التذكير الميتة بالنصب، وإن جعلوه مذكراً لأنه انصرف إلى المعنى ومعناه إلا أن يكون المأكول ميتة أَوْ دَماً مَسْفُوحاً يعني: سائلاً جارياً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أي: حرام أَوْ فِسْقاً يعني: معصية أُهِلَّ يعني: ذبح لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ يعني: لغير اسم الله وقال بعضهم: في الآية تقديم.
ومعناه: إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير أو فسقا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فإنه رجس أي حرام.
يعني: جميع ما ذكر في الآية هو رجس.
ويقال: الرجس هو نعت للحم الخنزير خاصة.
وروى عمر بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا هذه الآية قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ الآية يعني: ما لم يبيّن تحريمه فهو مباح بظاهر هذه الآية.
وروى أبو بكر الهذلي عن الحسن أنه قال: الله لولا حديث سلمة بن المحبق ما لبسنا خفافكم، ولا نعالكم، ولا فراكم، حتى نعلم ما هي.
قال أبو بكر: فذكرت ذلك للزهري، فقال: صدق الحسن ذلك عندي أوسع من هذا.
حدثني عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس أنه قرأ قُلْ لا أَجِدُ فِي مآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً الآية.
قال: إنما حرم من الميتة أكلها وما يؤكل منها، وهو اللحم، أما الجلد والعظم والشَّعر والصوف فحلال.
قال: وقد احتج بعض الناس بهذه الآية، على أن ما سوى هذه الأشياء التي ذكر في الآية مباح.
ولكن نحن نقول قد حرم أشياء سوى ما ذكر في الآية.
وقد بيّن على لسان رسول الله من ذلك كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.
وقد قال تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] .
ثم قال: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقد ذكرنا تأويل هذه الآية.
ثم قال: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا يعني: أن هذه الأشياء التي ذكرنا في الآية كانت حراماً في الأصل وقد حرّم الله أشياء كانت حلالاً في الأصل على اليهود بمعصيتهم.
كُلَّ ذِي ظُفُرٍ يعني: الإبل والنعامة والبط والأوز.
وكل شيء له خفّ وقال القتبي: كُلَّ ذِي ظُفُرٍ يعني: كل ذي مخلب من الطيور، وكل ذي حافر من الدواب، وسمي ظفراً على الاستعارة.
وقال الكلبي: كُلَّ ذِي ظُفُرٍ يعني: ليس بمنشق ولا مجتر فهو حرام عليهم وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما يعني: شحوم البطون.
ثم استثنى فقال: إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما وقال الضحاك: إلا ما كان على اللحوم من الشحوم.
وقال الكلبي: يعني: ما تعلق بالظهر من الشحم من الكليتين.
ويقال: حرم عليهم الثروب وأحلّ ما سواها.
وواحد الثروب ثرب وهو الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش أَوِ الْحَوايا وهو المباعر واحدتها حاوية أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ مثل الإلية.
وروى جويبر عن الضحاك قال: ما التزق بالعظم.
ويقال: هو المخ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ يعني: ذلك التحريم عاقبناهم بشركهم وظلمهم وَإِنَّا لَصادِقُونَ أن هذه الأشياء كانت حلالاً في الأصل، وحرمناها على اليهود بمعصيتهم، لأن اليهود كانوا يقولون: أن هذه الأشياء كانت حراماً في الأصل.
ثم قال: فَإِنْ كَذَّبُوكَ يعني: فيما تقول من التحريم والتحليل فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ يعني: رحمته وسعت كل شيء لا يعجل عليهم بالعقوبة وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ يعني: عذابه عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقالتْ طائفة: هذا حكم صدَقَاتِ المسلمين حتى نزلَت الزكاةُ المفروضةُ، فنسخَتْها.
قال ع «١» : والنسخ غَيْرُ مترتِّب في هذه الآية، ولا تَعَارُضَ بينها وبيْن آية الزكاة، بل تَنْبَنِي هذه على النَّدْبِ، وتلك على الفرض.
وقوله سبحانه: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ النهْيُ عن الإسراف: إما للناس عن التمنُّع عن أدائها لأن ذلك إسراف من الفعْلِ، وإما للولاة عن التشطُّط على الناسِ والإذاءة لهم، وكلٌّ قد قيلَ به في تأويل الآية.
وقوله سبحانه: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً حَمُولَةً: عطْفٌ على جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ.
التقدير: وأنشأنا من الأنعامِ حمولةً، والحَمُولَةُ: ما تحمل الأثقال مِنَ الإبل والبقر عنْدَ مَنْ عادته أنْ يحمل عليها، والفَرْش: ما لا يحمل ثقلاً كالغنم وصِغَار البَقَر والإبل، وهذا هو المرويُّ عن ابْنِ مسعود وابن عباس والحَسَن «٢» وغيرهم، ولا مَدْخَل في الآية لغَيْر الأنعام، وقوله: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ: نصُّ إباحةٍ، وإزالةُ مَا سَنَّه الكفرة من البَحِيرَة والسَّائبة وغير ذلك، ثم تابع النهْيَ عن تلك السُّنَن/ الآفكة بقوله سبحانه: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وهي جمع خُطْوَة، أي: لا تَمْشُوا في طريقه، قُلْتُ: ولفظ البخاريِّ: خُطُواتِ من الخَطْو، والمعنى: آثاره.
انتهى.
ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤) قُلْ لآ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)
وقوله سبحانه: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ، واختلف في نَصْبِها فقيل: على البدل من «مَا» في قوله: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، وقيل: على الحال، وقيل: على البدل من قوله: حَمُولَةً وَفَرْشاً، وهذا أصوب الأقوال، وأجراها على «١» معنى الآيةِ، والزَّوْج: الذكر، والزَّوْج الأنثى، فكل واحدٍ منهما زَوْجُ صاحبِهِ، وهي أربعة أنواعٍ فتجيء ثمانية أزواجٍ، والضَّأْن:
جمع ضَائِنَة وضَائِن.
وقوله سبحانه: قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ، هذا تقسيمٌ على الكفَّار حتى يتبيَّن كذبهم على اللَّه، أي: لا بد أن يكون حَرَّم الذكَرَيْن فيلزمكم تحريمُ جميعِ الذُّكور، أو الأنثيين فيلزمكم تحريمُ جميع الإناث، أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ، فيلزمكم تحريمُ الجميعِ، وأنتم لم تلتزموا شيئاً يوجبه هذا التقسيمُ، وفي هذه السؤالاتِ تقريعٌ وتوبيخٌ، ثم أتْبَعَ تقريعَهُم بقوله: نَبِّئُونِي، أي: أخبروني بِعِلْمٍ، أي: من جهة نبوَّة أو كتابٍ من كتب الله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، وإِنْ شرطٌ، وجوابه في نَبِّئُونِي.
وقوله سبحانه: وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ ...
الآية:
القولُ في هذه الآية في المعنى وترتيبِ التقسيمِ كما تقدَّم، فكأنه قال: أنتم الذين تدَّعون أن اللَّه حرم خصائصَ مِنْ هذه الأنعام لا يَخْلُو تحريمه مِنْ أن يكون في الذَّكَرَيْن أو في الأُنْثَيَيْن، أو فيما اشتملت عليه أرحامُ الأنثيين، لكنه لم يُحَرِّم لا هذا ولا هذا ولا هذا فلم يَبْقَ إلا أنه لم يَقَعْ تحريمٌ، قال الفَخْر «٢» : والصحيحُ عندي أن هذه الآية لم ترد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم، بل هي استفهام على سبيل الإنكار، وحاصلُ الكلام: أنكم لا تعترفُون بنبوَّة أحد من الأنبياء، فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة.
انتهى.
وقوله سبحانه: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا: استفهامٌ على سبيل التوبيخ، وشُهَداءَ: جمعُ شهيدٍ، وباقي الآية بيِّن.
وقوله تعالى: قُلْ لآ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ...
الآية: هذه الآيةُ نزلَتْ بمكَّة، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقْتِ شيء محرّم
غير هذه الأشياء، ثم نزلَت، سورة المائدة بالمدينة، وزيدَ في المحرَّمات كالخمر، وكأكل كل ذي نابٍ من السباعِ ممَّا وردَتْ به السُّنَّة.
قال ع «١» : ولفظة التحريمِ، إذا وردَتْ على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنَّها صالحةٌ أن تنتهي بالشيء المذكور غَايَةَ المنْعِ والحظرِ، وصالحةٌ بحسب اللغة أنْ تقف دون الغاية في حَيِّز الكراهية ونحوها، فما اقترنت به قرينةُ التسليمِ من الصحابة المتأوِّلينِ، وأجمع عليه الكلُّ منهم، ولم تَضْطَرِبْ فيه ألفاظ الأحاديث، وأمضاه الناسُ- وجب بالشَّرْعِ أنْ يكون تحريمه قَدْ وصَل الغايةَ من الحَظْر والمَنْع، ولحق بالخنزير والميتة، وهذه صفة تحريم الخمر، وما اقترنت به قرينةُ اضطراب ألفاظ الحديثِ، واختلف الأمة فيه، مع علمهم بالأحاديث كقوله- عليه السلام-: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السّباع حرام» «٢» ، وقد روي عنه
«نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ» «١» ، ثم اختلفتِ الصحابة ومَنْ بعدهم في تحريمِ ذلك، فجاز لهذه الوجوه لِمَنْ ينظر أَنْ يحمل لفظ التحريم على المَنْع الذي هو على الكراهية ونحوها، وما اقترنت به/ قرينةُ التأويل كتحريمه- عليه السلام-
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ نَبِّهْهم بِهَذا عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ، إنَّما يَثْبُتُ بِالوَحْيِ.
وقالَ طاوُسٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى الآَيَةِ: لا أجِدُ مُحَرَّمًا مِمّا كُنْتُمْ تَسْتَحِلُّونَ في الجاهِلِيَّةِ إلّا هَذا.
والمُرادُ بِالطّاعِمِ: الآَكِلِ.
﴿ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً ﴾ أيْ: إلّا أنْ يَكُونَ المَأْكُولُ مَيْتَةً.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ: "إلّا أنْ يَكُونَ" بِالياءِ، "مَيْتَةً" نَصْبًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "إلّا أنْ تَكُونَ" بِالتّاءِ، "مَيْتَةٌ" بِالرَّفْعِ؛ عَلى مَعْنى: إلّا أنْ تَقَعَ مَيْتَةٌ، أوْ تَحْدُثَ مَيْتَةٌ.
"أوْ دَمًا مَسْفُوحًا" قالَ قَتادَةُ: إنَّما حُرِّمَ المَسْفُوحُ، فَأمّا اللَّحْمُ إذا خالَطَهُ دَمٌ، فَلا بَأْسَ بِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَسْفُوحُ: المَصْبُوبُ.
وكانُوا إذا ذَكُّوا يَأْكُلُونَ الدَّمَ كَما يَأْكُلُونَ اللَّحْمَ.
والرِّجْسُ: اسْمٌ لِما يُسْتَقْذَرُ، ولِلْعَذابِ أوْ فِسْقًا المَعْنى: أوْ أنْ يَكُونَ المَأْكُولُ فِسْقًا.
﴿ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ أيْ: رُفِعَ الصَّوْتُ عَلى ذَبْحِهِ بِاسْمٍ غَيْرِ اللَّهِ، فَسَمّى ما ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ فِسْقًا؛ والفِسْقُ: الخُرُوجُ مِنَ الدِّينِ.
* فَصْلٌ اخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآَيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها مُحْكَمَةٌ.
ولِأرْبابِ هَذا القَوْلِ في سَبَبِ إحْكامِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها خَبَرٌ، والخَبَرُ لا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ.
والثّانِي: أنَّها جاءَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ سَألُوهُ؛ فَكانَ الجَوابُ بِقَدْرِ السُّؤالِ، ثُمَّ حَرَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ ما حَرَّمَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَيْسَ في الحَيَوانِ مُحَرَّمٌ إلّا ما ذُكِرَ فِيها.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِما ذُكِرَ في [المائِدَةِ] مِنَ المُنْخَنِقَةِ والمَوْقُوذَةِ، وفي السُّنَّةِ مِن تَحْرِيمِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وكُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، ومِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وقِيلَ: إنَّ آَيَةَ [المائِدَةِ] داخِلَةٌ في هَذِهِ الآَيَةِ، لِأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ كُلَّها مَيْتَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أو دَمًا مَسْفُوحًا أو لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أو فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنْ يَشْرَعَ لِلنّاسِ جَمِيعًا؛ ويُبَيِّنَ عَنِ اللهِ تَعالى ما أُوحِيَ إلَيْهِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْبِمَكَّةَ؛ ولَمْ يَكُنْ في الشَرِيعَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ شَيْءٌ مُحَرَّمٌ غَيْرُ هَذِهِ الأشْياءِ؛ ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ "اَلْمائِدَةِ" بِالمَدِينَةِ؛ وزِيدَ في المُحَرَّماتِ؛ كالمُنْخَنِقَةِ؛ والمَوْقُوذَةِ؛ والمُتَرَدِّيَةِ؛ والنَطِيحَةِ؛ فَإنَّ هَذِهِ - وإنْ كانَتْ في حُكْمِ المَيْتَةِ - فَكانَ في النَظَرِ احْتِمالٌ أنْ تُلْحَقَ بِالمُذَكَّياتِ؛ لِأنَّها بِأسْبابٍ؛ ولَيْسَتْ حَتْفَ الأنْفِ؛ فَلَمّا بَيَّنَ النَصُّ إلْحاقَها بِالمَيْتَةِ؛ كانَتْ زِيادَةً في المُحَرَّماتِ؛ ثُمَّ نَزَلَ النَصُّ عَلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في تَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ بِوَحْيٍ غَيْرِ مُعْجِزٍ؛ وبِتَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِباعِ؛ فَهَذِهِ كُلُّها زِياداتٌ في التَحْرِيمِ؛ ولَفْظَةُ التَحْرِيمِ إذا ورَدَتْ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّها صالِحَةٌ أنْ تَنْتَهِيَ بِالشَيْءِ المَذْكُورِ إلى غايَةِ المَنعِ والحَظْرِ؛ وصالِحَةٌ - بِحَسَبِ اللُغَةِ - أنْ تَقِفَ دُونَ الغايَةِ في حَيِّزِ الكَراهِيَةِ؛ ونَحْوِها؛ فَما اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةُ التَسْلِيمِ مِنَ الصَحابَةِ المُتَأوِّلِينَ؛ وأجْمَعَ عَلَيْهِ الكُلُّ مِنهُمْ؛ ولَمْ يَضْطَرِبْ فِيهِ ألْفاظُ الأحادِيثِ؛ وأمْضاهُ الناسُ عَلى أذْلالِهِ؛ وجَبَ بِالشَرْعِ أنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهُ قَدْ وصَلَ الغايَةَ مِنَ الحَظْرِ؛ والمَنعِ؛ ولَحِقَ بِالخِنْزِيرِ؛ والمَيْتَةِ؛ وهَذِهِ صِفَةُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ وما اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةُ ألْفاظِ الحَدِيثِ؛ واخْتَلَفَتِ الأُمَّةُ فِيهِ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالأحادِيثِ؛ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِباعِ حَرامٌ"؛» وقَدْ رُوِيَ «نَهْيُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عن أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِباعِ؛» ثُمَّ اخْتَلَفَ الصَحابَةُ؛ ومَن بَعْدَهُمْ؛ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ؛ فَجازَ - لِهَذِهِ الوُجُوهِ - لِمَن يَنْظُرُ أنْ يُجْمِلَ لَفْظَ التَحْرِيمِ عَلى المَنعِ؛ الَّذِي هو الكَراهِيَةُ؛ ونَحْوُها؛ وما اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةُ التَأْوِيلِ كَتَحْرِيمِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لُحُومَ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ؛ فَتَأوَّلَ بَعْضُ الصَحابَةِ الحاضِرِينَ ذَلِكَ لِأنَّها نَجَسٌ؛ وتَأوَّلَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ لِئَلّا تَفْنى حَمُولَةُ الناسِ؛ وتَأوَّلَ بَعْضُهُمُ التَحْرِيمَ المَحْضَ؛ وثَبَتَ في الأُمَّةِ الِاخْتِلافُ في تَحْرِيمِ لَحْمِها؛ فَجائِزٌ لِمَن يَنْظُرُ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَحْمِلَ لَفْظَ التَحْرِيمِ - بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ وقِياسِهِ - عَلى كَراهِيَةٍ؛ أو نَحْوِها.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ: "فِيما أوحى إلَيَّ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ والحاءِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَطْعَمُهُ"؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ؛ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: "يَطَّعِمُهُ"؛ بِتَشْدِيدِ الطاءِ؛ وكَسْرِ العَيْنِ؛ وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ ؛ وعائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "طَعِمَهُ"؛ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ: "إلّا أنْ يَكُونَ"؛ بِالياءِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "إلّا أنْ يَكُونَ المَطْعُومُ..."؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ وأبُو عَمْرٍو أيْضًا: "إلّا أنْ تَكُونَ"؛ بِالتاءِ؛ مِن فَوْقُ؛ "مَيْتَةً"؛ عَلى تَقْدِيرِ: "إلّا أنْ تَكُونَ المَطْعُومَةُ..."؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ - وذَكَرَها مَكِّيٌّ عن أبِي جَعْفَرٍ -: "إلّا أنْ تَكُونَ"؛ بِالتاءِ؛ "مَيْتَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى أنْ تُجْعَلَ "تَكُونَ"؛ بِمَعْنى "تَقَعَ"؛ ويُحْتاجُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يُعْطَفَ "دَمًا"؛ عَلى مَوْضِعِ "أنْ تَكُونَ"؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ؛ و"اَلْمَسْفُوحُ": اَلْجارِي؛ الَّذِي يَسِيلُ؛ وجَعَلَ اللهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هَذا فارِقًا بَيْنَ القَلِيلِ؛ والكَثِيرِ؛ و"اَلْمَسْفُوحُ": اَلسّائِلُ مِنَ الدَمِ؛ ونَحْوِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ - وهو طَرَفَةُ -: إذا ما عادَهُ مِنّا نِساءٌ ∗∗∗ سَفَحْنَ الدَمْعَ مِن بَعْدِ الرَنِينِ وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وإنَّ شِفائِي عَبْرَةٌ إنْ سَفَحْتُها ∗∗∗ ∗∗∗ وهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دارِسٍ مِن مُعَوَّلِ فالدَمُ المُخْتَلِطُ بِاللَحْمِ؛ والدَمُ الخارِجُ مِن مَرَقِ اللَحْمِ؛ وما شاكَلَ هَذا؛ حَلالٌ؛ والدَمُ غَيْرُ المَسْفُوحِ هو هَذا؛ وهو مَعْفُوٌّ عنهُ؛ وقِيلَ لِأبِي مِجْلَزٍ - في القِدْرِ تَعْلُوها الحُمْرَةُ مِنَ الدَمِ - قالَ: إنَّما حَرَّمَ اللهُ المَسْفُوحُ؛ وقالَتْ نَحْوَهُ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها - وغَيْرُها؛ وعَلَيْهِ إجْماعُ العُلَماءِ؛ وقِيلَ: اَلدَّمُ حَرامٌ؛ لِأنَّهُ إذا زايَلَ فَقَدِ انْسَفَحَ.
وَ"اَلرِّجْسُ": اَلنَّتِنُ؛ والحَرامُ؛ يُوصَفُ بِذَلِكَ الأجْرامُ؛ والمَعانِي؛ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ"؛» اَلْحَدِيثَ؛ فَكَذَلِكَ قِيلَ في الأزْلامِ: "رِجْسٌ"؛ و"اَلرِّجْسُ"؛ أيْضًا: اَلْعَذابُ؛ لُغَةً بِمَعْنى "اَلرِّجْزُ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "أو فِسْقًا"؛ ﴾ يُرِيدُ ذَبائِحَهُمُ الَّتِي يَخْتَصُّونَ بِها أصْنامَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أباحَ اللهُ تَعالى فِيها - مَعَ الضَرُورَةِ - رُكُوبَ المَحْظُورِ؛ دُونَ بَغْيٍ؛ واخْتَلَفَ الناسُ: فِيمَ ذا؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: دُونَ أنْ يَبْغِيَ الإنْسانُ في أكْلِهِ؛ فَيَأْكُلَ فَوْقَ ما يُقِيمُ رَمَقَهُ؛ ويَنْتَهِيَ إلى حَدِّ الشَبَعِ؛ وفَوْقَهُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ دُونَ أنْ يَبْغِيَ في أنْ يَكُونَ سَفَرُهُ في قَطْعِ طَرِيقٍ؛ أو قَتْلِ نَفْسٍ؛ أو يَكُونَ تَصَرُّفُهُ في مَعْصِيَةٍ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا رُخْصَةَ لَهُ؛ وأمّا مَن لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الأحْوالِ فاضْطُرَّ؛ فَلَهُ أنْ يَشْبَعَ؛ ويَتَزَوَّدَ؛ وهَذا مَشْهُورُ قَوْلِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وقالَ بِالأوَّلِ؛ الَّذِي هو الِاقْتِصارُ عَلى سَدِّ الرَمَقِ؛ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ - رَحِمَهُ اللهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ إباحَةٌ تُعْطِيها قُوَّةُ اللَفْظِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف بياني نشأ عن إبطال تحريم ما حرّمه المشركون، إذ يتوجّه سؤال سائل من المسلمين عن المحرّمات الثابتة، إذْ أبطلت المحرّمات الباطلة، فلذلك خوطب الرّسول صلى الله عليه وسلم ببيان المحرّمات في شريعة الإسلام بعد أن خوطب ببيان ما ليس بمحرّم ممّا حرّمه المشركون في قوله: ﴿ قل ءآلذّكرين حرم أم الأنثيين ﴾ [الأنعام: 144] الآيات.
وافتُتح الكلام المأمورُ بأن يقوله بقوله: ﴿ لا أجد ﴾ إدماجاً للردّ على المشركين في خلال بيان ما حُرّم على المسلمين، وهذا الردّ جار على طريقة كناية الإيماء بأن لم يُنْفَ تحريم ما ادّعوا تحريمه صريحاً، ولكنّه يقول لا أجده فيما أوحي إليّ ويستفاد من ذلك أنَّه ليس تحريمه من الله في شرعه، لأنَّه لا طريق إلى تحريم شيء ممّا يتناوله النّاس إلاّ بإعلام من الله تعالى، لأنّ الله هو الّذي يُحلّ ما شاء ويحرّم ما شاء على وفق علمه وحكمته، وذلك الإعلام لا يكون إلاّ بطريق الوحي أو ما يُستنبط منه، فإذا كان حكم غير موجود في الوحي ولا في فروعه فهو حكم غير حقّ، فاستفيد بطلان تحريم ما زعموه بطريقة الإيماء، وهي طريقة استدلالية لأنّ فيها نفي الشّيء بنفي ملزومه.
و ﴿ أجد ﴾ بمعنى: أظفر، وهو الّذي مصدره الوَجد والوجدانُ، وهو هنا مجاز في حصول الشّيء وبلوغه، يقال: وجَدْت فلاناً ناصراً، أي حصلت عليه، فشبّه التّحصيل للشّيء بالظفَر وإلْفاءِ المطلوب، وهو متعدّ إلى مفعول واحد.
والمراد، ب ﴿ ما أوحي ﴾ ما أعلمه الله رسوله صلى الله عليه وسلم بوحي غير القرآن لأنّ القرآن النّازل قبل هذه الآية ليس فيه تحريم الميتة والدّم ولحم الخنزير وإنَّما نزل القرآن بتحريم ما ذكر في هذه الآية ثمّ في سورة المائدة.
والطاعم: الآكِلُ، يقال: طَعِم كَعَلِم، إذا أكل الطَّعام، ولا يقال ذلك للشَّارب، وأمَّا طَعِم بمعنى ذاق فيستعمل في ذوق المطعومات والمشروبات، وأكثر استعماله في النّفي، وتقدّم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ ومن لم يطعَمْه فإنَّه منّي ﴾ في سورة البقرة (249)، وبذلك تكون الآية قاصرة على بيان محرّم المأكولات.
وقوله: يطعمه } صفة لطاعم وهي صفة مؤكّدة مثل قوله: ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ [الأنعام: 38].
والاستثناء من عموم الأكوان الّتي دلّ عليها وقوع النّكرة في سياق النّفي.
أي لا أجد كائناً محرّماً إلاّ كونه ميتة إلخ أي: إلاّ الكائن ميتة إلخ، فالاستثناء متّصل.
والحصر المستفاد من النّفي والاستثناء حقيقي بحسب وقت نزول هذه الآية.
فلم يكن يومئذ من محرّمات الأكل غير هذه المذكورات لأنّ الآية مكّيّة ثمّ نزلت سورة المائدة بالمدينة فزيد في المحرمات كما يأتي قريباً.
والمسفوح: المصبوب السائل، وهو ما يخرج من المذبح والمَنْحَر.
أو من الفصد في بعض عروق الأعضاء فيسيل.
وقد كان العرب يأكلون الدّم الّذي يسيل من أوداج الذّبيحة أو من منحَر المنحورة ويجمعونه في مَصير أو جِلد ويجفّفونه ثمّ يشْوونه، وربّما فصدوا من قوائم الإبل مَفصدا فأخذوا ما يحتاجون من الدّم بدون أن يهلك البعير، وربَّما خلطوا الدّم بالوَبَر ويسمّونه (العِلْهِز)، وذلك في المجاعات.
وتقييد الدّم بالمسفوح للتّنبيه على العفو عن الدمّ الّذي ينزّ من عروق اللّحم عند طبخه فإنَّه لا يمكن الاحتراز عنه.
وقوله: ﴿ فإنه رجس ﴾ جملة معترضة بين المعطوفات، والضّمير قيل: عائد إلى لحم الخنزير، والأظهر أن يعود إلى جميع ما قبله، وأنّ افراد الضّمير على تأويله بالمذكور، أي فإنّ المذكور رجس، كما يفرد اسم الإشارة مثل قوله: ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ [الفرقان: 68].
والرّجس: الخبيث والقَذر.
وقد مضى بيانه عند قوله تعالى: ﴿ كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ﴾ في هذه السورة (125).
فإن كان الضّمير عائداً إلى لحم الخنزير خاصّة فوصفه برجس تنبيه على ذمّه.
وهو ذمّ زائد على التّحريم، فوَصفه به تحذير من تناوله.
وتأنيس للمسلمين بتحريمه، لأنّ معظم العرب كانوا يأكلون لحم الخنزير بخلاف الميتة والدّم فما يأكلونها إلاّ في الخصاصة.
وخباثة الخنزير علمها الله تعالى الّذي خلَقه.
وتبيّن أخيراً أنّ لحمه يشتمل على ذرّات حيوانية مضرّة لآكِله أثبتها علم الحيوان وعلم الطبّ.
وقيل: أريد أنَّه نجس لأنَّه يأكل النّجاسات وهذا لا يستقيم لأنّ بعض الدّواب تأكل النّجاسة وتُسمّى الجلاّلة وليست محرّمة الأكللِ في صحيح أقوال العلماء.
وإن كان الضّمير عائداً إلى الثلاثة بتأويل المذكور كان قوله: فإنه رجس} تنبيهاً على علّة التّحريم وأنَّها لدفع مفسدة تحصل من أكل هذه الأشياء.
وهي مفسدة بدنيّة.
فأمَّا الميتة فلما يتحوّل إليه جسم الحيوان بعد الموت من التعفّن، ولأنّ المرض الّذي كان سبب موته قد يَنتقل إلى آكله.
وأمَّا الدّم فلأنّ فيه أجزاء مضرّة.
ولأنّ شُربه يورث ضراوة.
والفسق: الخروج عن شَيْء.
وهو حقيقة شرعية في الخروج عن الإيمان، أو عن الطّاعة الشّرعية، فلذلك يوصف به الفعل الحرام باعتبار كونه سبباً لفسق صاحبه عن الطّاعة.
وقد سمّى القرآن ما أهلّ به لغير الله فسقاً في الآية السالفة وفي هذه الآية، فصار وصفاً مشهوراً لِمّا أهلّ به لغير الله، ولذلك أتبعه بقوله: ﴿ أهل لغير الله به ﴾ .
فتكون جملة: ﴿ أهل لغير الله به ﴾ صفة أو بياناً ل ﴿ فسقاً ﴾ ، وفي هذا تنبيه على أنّ تحريم ما أهلّ لغير الله به ليس لأنّ لحمه مضرّ بل لأنّ ذلك كفر بالله.
وقد دلّت الآية على انحصار المحرّمات من الحيوان في هذه الأربعة، وذلك الانحصار بحسب ما كان مُحرّماً يوم نزول هذه الآية، فإنَّه لم يحرّم بمكّة غيرها من لحم الحيوان الّذي يأكلونه، وهذه السّورة مكّيّة كلّها على الصّحيح، ثمّ حرّم بالمدينة أشياء أخرى، وهي: المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وأكيلة السّبع بآية سورة العقود (3).
وحُرّم لحم الحُمر الإنسيّة بأمر النّبيء صلى الله عليه وسلم على اختلاف بين العلماء في أنّ تحريمه لذاته كالخنزير، أو لكونها يومئذ حَمولة جيش خيبر، وفي أنّ تحريمه عند القائلين بأنّه لذاته مستمرّ أو منسوخ، والمسألة ليست من غرض التّفسير فلا حاجه بنا إلى ما تكلّفوه من تأويل حصر هذه الآية المحرّمات في الأربعة.
وكذلك مسألة تحريم لحم كلّ ذي ناب من السّباع ولحم سباع الطّير وقد بسطها القرطبي وتقدّم معنى: ﴿ أهِلّ لغير الله به ﴾ في تفسير سورة المائدة (3).
وقرأ الجمهور: إلاّ أن يكون } بياء تحتيّة ونصب ﴿ ميتة ﴾ وما عطف عليها وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وحمزة بتاء فوقيّة ونصب ﴿ ميتة ﴾ وما عطف عليه عند من عَدا ابن عامر.
وقرأه ابن عامر وأبو جعفر بتاء فوقيّة ورفع ﴿ ميتةٌ ﴾ ويشكل على هذه القراءة أنّ المعطوف على ميتة منصوبات وهي: ﴿ أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به ﴾ .
ولم يعرّج عليها صاحب «الكشاف»، وقد خُرّجت هذه القراءة على أن يكون: ﴿ أو دماً مسفوحاً ﴾ عطفاً على ﴿ أنْ ﴾ وصلتها لأنَّه محلّ نصب بالاستثناء فالتّقدير: إلاّ وجود ميتة، فلمّا عبّر عن الوجود بفعل ﴿ يكون ﴾ التّامّ ارتفع ما كان مضافاً إليه.
وقوله: ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد ﴾ تقدّم القول في نظيره في سورة البقرة (173) في قوله: ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه.
﴾ وإنَّما جاء المسند إليه في جملة الجزاء وهو ربك } معرّفاً بالإضافة دون العلميّة كما في آية سورة البقرة (192): ﴿ فإنّ الله غفور رحيم ﴾ لما يؤذن به لفظ الربّ من الرأفة واللّطف بالمربوب والولاية، تنبيها على أنّ الله جعل هذه الرّخصة للمسلمين الّذين عبدوه ولم يشركوا به، وأنَّه أعرض عن المشركين الّذين أشركوا معه غيره لأنّ الإضافة تشعر بالاختصاص، لأنَّها على تقدير لام الاختصاص، فلمّا عبر عن الغفور تعالى بأنَّه ربّ النّبيء عليه الصّلاة والسّلاة علم أنَّه ربّ الَّذين اتَّبعوه، وأنَّه ليس ربّ المشركين باعتبار ما في معنى الربّ من الولاية، فهو في معنى قوله تعالى: ﴿ ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم ﴾ } [محمد: 11] أي لا مولى يعاملهم بآثار الولاية وشعارها، ذلك لأنّ هذه الآية وقعت في سياق حجاج المشركين بخلاف آية البقرة (172) فإنَّها مفتتحة بقوله: ﴿ يأيّها الذين آمنوا كلوا من طيّبات ما رزقناكم.
﴾ والإخبار بأنَّه غفور رحيم، مع كون ذلك معلوماً من مواضع كثيرة، هو هنا كناية عن الإذن في تناول تلك المحرّمات عند الاضطرار ورفع حرج التّحريم عنها حينئذ فهو في معنى قوله في سورة البقرة (182): ﴿ فلا إثم عليه إنّ الله غفور رحيم.
﴾ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً ﴾ يَعْنِي أنَّ ما حَرَّمُوهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ تَعالى ولا أوْحى إلَيَّ بِتَحْرِيمِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ المُحَرَّمَ عَلى وجْهِ الِاسْتِثْناءِ لِأنَّ نَفْيَ التَّحْرِيمِ خَرَجَ مَخْرَجَ العُمُومِ، فَقالَ: ﴿ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً ﴾ وهي الَّتِي خَرَجَتْ رُوحُها بِغَيْرِ ذَكاةٍ.
﴿ أوْ دَمًا مَسْفُوحًا ﴾ يَعْنِي مِهْراقًا مَصْبُوبًا ومِنهُ سُمِّيَ الزِّنا سِفاحًا لِصَبِّ الماءِ فِيهِ ضائِعًا، وقالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ إنِّي وجَدُّكَ ما هَجَوْتُكَ والأنْ صابُ يُسْفَحُ فَوْقَهُنَّ دَمٌ فَأمّا الدَّمُ غَيْرُ مَسْفُوحٍ فَإنْ كانَ ذا عُرُوقٍ يَجْمُدُ عَلَيْها كالكَبِدِ والطُّحالِ فَهو حَلالٌ لِقَوْلِهِ : «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، فالمَيْتَتانِ: الحُوتُ والجَرادُ، والدَّمانِ: الكَبِدُ والطُّحالُ» .
وإنْ كانَ غَيْرَ ذِي عُرُوقٍ يَجْمُدُ عَلَيْها وإنَّما هو مَعَ اللَّحْمِ وفِيهِ، فَفي تَحْرِيمِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَحْرُمُ لِتَخْصِيصِ التَّحْرِيمِ بِالمَسْفُوحِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، قالَ عِكْرِمَةُ: لَوْلا هَذِهِ الآيَةُ لَتَتَبَّعَ المُسْلِمُونَ عُرُوقَ اللَّحْمِ كَما تَتَبَّعَها اليَهُودُ.
والثّانِي: أنَّهُ حَرامٌ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ المَسْفُوحِ وبَعْضُهُ، وإنَّما ذُكِرَ المَسْفُوحُ لِاسْتِثْناءِ الكَبِدِ والطُّحالِ مِنهُ.
﴿ أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ ﴾ يَعْنِي نَجَسًا حَرامًا.
﴿ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ يَعْنِي ما ذُبِحَ لِلْأوْثانِ والأصْنامِ، سَمّاهُ فِسْقًا لِخُرُوجِهِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ اقْتَصَرَ هُنا عَلى تَحْرِيمِ هَذِهِ الأرْبَعَةِ وقَدْ ذَكَرَ في المائِدَةِ غَيْرَها مِنَ المُنْخَنِقَةِ والمَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ؟
قِيلَ: لِأنَّ هَذا كُلَّهُ مِن جُمْلَةِ المَيْتَةِ فَذَكَرَهُ هُناكَ مُفَصَّلًا وها هُنا في الجُمْلَةِ.
وَفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى جَمِيعِ المُحَرَّماتِ فَلا يَحْرُمُ مِنَ الحَيَوانِ ما عَدا هَذا المَذْكُورَ فِيها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ.
والثّانِي: أنَّها تَشْتَمِلُ عَلى تَحْرِيمِ ما تَضَمَّنَها ولَيْسَتْ مُسْتَوْعِبَةً لِجَمِيعِ المُحَرَّماتِ لِما جاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِن تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ وذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد عن طاوس قال: إن أهل الجاهلية كانوا يحرمون أشياء ويستحلون أشياء، فنزلت ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو منه، ثم تلا هذه الآية ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ﴾ فقال: ما خلا هذا فهو حلال.
وأخرج البخاري وأبو داود وابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ عن عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر؟
فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وقرأ ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلى...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ليس من الدواب شيء حرام إلا ما حرم الله في كتابه ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً...
﴾ الآية.
وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر.
أنه سئل عن أكل القنفذ؟
فقرأ ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ﴾ الآية.
فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «خبيث من الخبائث.
فقال ابن عمر: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو كما قال» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن عائشة.
أنها كانت إذا سُئلت عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير تلت ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ﴾ الآية.
وأخرج أحمد والبخاري والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس.
أن شاة السودة بنت زمعة ماتت، فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة تعني الشاة قال: فلولا أخذتم مسكها؟
قالت: يا رسول الله أنأخذ مسك شاة قد ماتت...
!
فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم قل ﴿ لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ﴾ وإنكم لا تطعمونه، وإنما تدبغونه حتى تنتفعوا به، فأرسلت إليها فسلختها ثم دبغته، فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.
أنه قرأ هذه الآية ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ﴾ إلى آخر الآية.
وقال: إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها وهو اللحم، فاما الجلد، والقد، والسن، والعظم، والشعر، والصوف، فهو حلال.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا أودجوا الدابة، وأخذوا الدم فأكلوه، قالوا: هو دم مسفوح.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة قال: حرم الدم ما كان مسفوحاً، فأما لحم يخالطه الدم فلا بأس به.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: لولا هذه الآية ﴿ أو دماً مسفوحاً ﴾ لاتبع المسلمون من العروق ما تتبع منه اليهود.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ أو دماً مسفوحاً ﴾ قال: المسفوح الذي يهراق، ولا بأس بما كان في العروق منها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: آكل الطحال؟
قال: نعم.
قال: إن عامتها دم؟
قال: إنما حرم الله الدم المسفوح.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مجلز.
في الدم يكون في مذبح الشاة، أو الدم يكون على أعلى القدر؟
قال: لا بأس، إنما نهى عن الدم المسفوح.
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر وعائشة قالا: لا بأس بأكل كل ذي شيء إلا ما ذكر الله في هذه الآية ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ﴾ الآية.
وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي.
أنه سئل عن لحم الفيل والأسد، فتلا ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن ابن الحنفية.
أنه سئل عن أكل الجريت فقال: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً...
﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه سئل عن ثمن الكلب والذئب والهر وأشباه ذلك؟
فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم ﴾ [ المائدة: 101] كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون أشياء فلا يحرمونه، وأن الله أنزل كتاباً فأحل فيه حلالاً وحرم فيه حراماً، وأنزل في كتابه ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن ابن عمر قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي ثعلبة قالة «حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه جاءٍ فقال: أكلت الحمر، ثم جاءه جاء فقال: أفنيت الحمر؟
فأمر منادياً فنادى في الناس: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس، فاكفئت القدور وانها لتفور باللحم» .
وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي ثعلبة الخشي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع» .
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير» .
وأخرج أبو داود عن خالد بن الوليد قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، فأتوا اليهود فشكوا أن الناس قد أشرفوا إلى حظائرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، حرام عليكم حمير الأهلية وخيلها وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنة عن جابر قال: «حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر الحمر الإِنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير، والمجثمة، والحمار الإِنسي» .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع، وحرم المجثمة، والخلسة، والنهبة» .
وأخرج الترمذي عن العرباض ابن سارية «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن كل ذي ناب من السبع، وعن كل ذي مخلب من الطير، وعن لحم الحمر الأهلية» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن مكحول قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن الحبالى أن يقربن، وعن بيع المغانم يعني حتى تقسم وعن أكل كل ذي ناب من السباع» .
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق القاسم ومكحول عن أبي أمامة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن أكل الحمار الأهلي، وعن أكل كل ذي ناب من السباع، وأن توطأ الحبالى حتى تضعن، وعن أن تباع السهام حتى تقسم، وأن تباع التمرة حتى يبدو صلاحها، ولعن يومئذ الواصلة، والموصولة، والواشمة، والموشومة، والخامشة وجهها، والشاقة جيبها» .
وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة عن جابر بن عبد الله «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الهرة وأكل ثمنها» .
وأخرج أبو داود عن عبد الرحمن بن شبل «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الضب» .
وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الضب؟
فقال «لست آكله ولا أحرمه» .
وأخرج مالك والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة عن خالد بن الوليد «أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة، فأتى بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فقال: بعض النسوة أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريد أن يأكل، فقالوا: هو ضب يا رسول الله، فرفع يده فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟
قال: لا ولكن لم يكن بأرض قومي فاجدني أعافه.
قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ثابت بن وديعة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش فأصبنا ضباباً، فشويت منها ضباً فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته بين يديه، فأخذ عوداً فعد به أصابعه، ثم قال «إن أمة من بن إسرائيل مسخت دواب في الأرض، وإني لا أدري أي الدواب هي، فلم يأكل ولم ينه» .
وأخرج أبو داود عن خالد بن الحويرث «أن عبد الله بن عمرو كان بالصفاح، وأن رجلاً جاء بأرنب قد صادها فقال له: ما تقول؟
قال: قد جيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس فلم يأكلها ولم ينه عن أكلها، وزعم أنها تحيض» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس قال: انفجنا أرنباً ونحن بمر الظهران، فسعى القوم فلغبوا وأخذتها، فجئت بها إلى أبي طلحة فذبحها، فبعث بوركيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبلها.
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وضعفه وابن ماجة عن خزيمة بن جزيء السلمي قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الضبع فقال: ويأكل الضبع أحد؟
وسألته عن أكل الذئب قال: ويأكل الذئب أحد في خير؟
وفي لفظ لابن ماجة: قلت يا رسول الله جئتك لأسألك عن أجناس الأرض ما تقول في الثعلب؟
قال: ومن يأكل الثعلب؟
قلت: ما تقول في الضب؟
قال: لا آكله ولا أحرمه.
قلت: ولم يا رسول الله؟
قال: فقدت أمة من الأمم ورأيت خلقاً رابني.
قلت: يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟
قال: لا آكله ولا أحرمه.
قلت ولم يا رسول الله؟
قال: نبئت أنها تدمى» .
وأخرج ابن ماجة عن ابن عمر قال: من يأكل الغراب وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاسقاً والله ما هو من الطيبات.
وأخرج أبو داود والترمذي من طريق إبراهيم بن عمر بن سفينة عن أبيه عن جده قال: «أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حباري» .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي موسى قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل لحم دجاج» .
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه النسائي وابن ماجة عن عبد الرحمن بن أبي عمار قال: قلت لجابر: الضبع أصيد هي؟
قال: نعم قلت: آكلها؟
قال: نعم قلت: أقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ الآية، قال المفسرون: (بيّن الله تعالى أن المحرمات مما يُطعم ما ذكر في هذه الآية، لا ما حرموا هم على أنفسهم) (١) وقال أبو إسحاق: (أعلم الله تعالى أن التحريم والتحليل إنما ثبت بالوحي والتنزيل، فقال: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ﴾ ) (٢) (٣) ﴿ عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ : على آكل يأكله.
وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ﴾ أي: إلا أن يكون المأكول ميتة، أو إلا أن (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ﴾ قال ابن عباس: (مُهراقًا) (٧) (٨) (٩) (١٠) أَقولُ وَدَمْعي واكفٌ عِنْد رَسمها ...
عَلَيكِ سَلاَمُ الله والدمعُ يَسْفَحُ (١١) قال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: ما خرج من الأنعام وهي أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذبح) (١٢) قال أهل العلم: (فلا يدخل في هذا الكبد والطحال لجمودهما ولا ما يختلط باللحم [من الدم فإنه غير سائل والله تعالى حرّم السائل منه) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وهو قول عكرمة (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ نسق على (٢١) ﴿ أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: كل ما ذبح على النصب) (٢٢) قال الزجاج: (فسمى ما ذكر عليه غير اسم (٢٣) (٢٤) (٢٥) فإن (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقال الحسين بن الفضل: (وقت نزول هذه الآية لم يكن يحرم غير ما نص عليه في هذه الآية، ثم وجدت بعد محرمات سوى هذا) (٣٠) وقال عبد العزيز بن يحيى: (يعني: في وحي القرآن، فأما وحي السنة فقد حرّم أشياء كثيرة، وكل ما حرم النبي مما لم يوجد في القرآن فهو محرّم أيضًا بالوحي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ ) (٣١) وباقي الآية مفسر فيما مضى (٣٢) (١) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 69، والسمرقندي 1/ 520.
(٢) "معاني الزجاج" 2/ 300، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 507.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(٤) لفظ: (أن)، ساقط من (ش).
وانظر: "معاني الفراء" 1/ 360، و"إعراب القرآن" 1/ 588.
(٥) قرأ ابن عامر، وابن كثير وحمزة (إلا أن تكون) بالتاء، والباقون بالياء، وقرأ ابن عامر (ميتة) بالرفع، والباقون بالنصب.
انظر: "السبعة" ص 272، و"المبسوط" ص 176، و"التذكرة" 2/ 412، و"التيسير" ص 108، "النشر" 2/ 266.
(٦) هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 423 - 424، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 392 - 393، و"إعراب القراءات" 1/ 172، و"الحجة" لابن زنجله ص 276، == و"الكشف" 1/ 456 - 457.
(٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 71، وابن أبي حاتم 5/ 1406 بسند جيد.
(٨) لم أقف عليه بعد طول بحث، وهو قول اليزيدي في "غريب القرآن" ص 143، وابن قيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 162، ومكي في "تفسير المشكل" ص 81.
(٩) في (أ) (وسفح وهو سفوحًا)، وقاله الواحدي في "الوسيط" 1/ 132: (يقال: سفح الدم والدمع سفحا إذا صبه، وسفح هو سفوحًا إذا سأل) ا.
هـ وانظر: "العين" 3/ 147، و"الجمهرة" 1/ 532، و"تهذيب اللغة" 2/ 1699، و"الصحاح" 1/ 375، و"المجمل" 2/ 464، و"اللسان" 4/ 2023 مادة (سفح).
وقال السمين في "الدر" 5/ 198: (السفح: الصب، وقيل: السيلان، وهو قريب من الأول، وسفح يستعمل قاصرًا ومتعديًا، يقال: سفح زيد دمعه، ودمه، أي: أهراقه، وسفح هو، إلا أن الفرق بينهما وقع باختلاف المصدر، ففي المتعدي، يقال: سَفْح.
وفي اللازم يقال: سُفُوح) اهـ.
(١٠) لم يرد في "مجاز القرآن"، وذكره عن أبي عبيدة الرازي في "تفسيره" 13/ 122، والسمين في "الدر" 5/ 198، وقال ابن الأنباري في "شرح القصائد" ص 25 - 26، و"الزاهر" 2/ 166: (مسفوحًا، أي: مصبوبًا)، ثم أنشد الشاهد.
(١١) "ديوان كثير عزة"، و"تفسير الرازي" 13/ 122، و"الدر المصون" 5/ 198، وكف بالفتح أي: سأل، وفي الديوان: أقولُ ونِضْوِي وَاقِفٌ عند رمْسِها ...
عليك سلام الله والعين تنفح (١٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 132، والبغوي في "تفسيره" 3/ 198، والرازي 13/ 122.
(١٣) ذكره القرطبي في "تفسيره" 7/ 124، وقال: (وعليه إجماع العلماء) اهـ، وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 765، و"الفتاوى" 17/ 179، وروى عبد الله بن عمر ما، عن النبي قال: "أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 2/ 97، وابن ماجه رقم (3314)، والدارقطني في "سننه" 4/ 272، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" 8/ 164 (2526).
(١٤) أبو مجلز: لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري، إمام تابعي، ثقة مشهور بكنيته، توفي سنة تسع ومائة 109هـ، وقيل: قبل ذلك.
انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 124، و"تهذيب التهذيب" 4/ 335، و"تقريب التهذيب" (7490) ص 586.
(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(١٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 71، 72، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 97.
(١٧) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 220، والطبري 8/ 71، 72، وابن أبي هاشم 5/ 1407 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 97.
(١٨) قول إبراهيم النخعي، ذكره الثعلبي في "تفسيره" ص 185 ب، والبغوي 3/ 198، والقرطبي 7/ 124، والخازن 2/ 195.
(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(٢٠) "معاني الزجاج" 2/ 300.
(٢١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 588، و"المشكل" لمكي 1/ 276، وقال الزجاج في "معانيه" 2/ 300: (هو عطف على ﴿ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ﴾ المعنى: ﴿ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ﴾ المأكول ﴿ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ﴾ (أو فسقًا)) اهـ.
(٢٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 133، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 69، عند قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ بسند جيد، عن ابن عباس قال: (ما أهل به للطواغيت يعني: ما ذبح لغير الله من أهل الكفر غير اليهود والنصارى) اهـ.
(٢٣) في (ش): (فسمى ما ذكر عليه اسم غير الله فسق).
(٢٤) "معاني الزجاج" 2/ 300، وزاد فيه (أي: خروجًا عن الدين).
وقال ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 185: (الضمير في قوله (فإنه) دن كان عوده إلى الثلاثة المذكورة باعتبار لفظ المحرم، فإنه يترجح اختصاص لحم الخنزير به لثلاثة أوجه.
أحدها: قربه منه.
والثاني: تذكيره دون قوله: (فإنه رجس).
والثالث: أنه أتى بالفاء وإن تنبيها على علة التحريم لتزجر النفوس عنه، ويقابل هذه العلة ما في طباع بعض الناس من استلذاذه واستطابته، فنفى عنه ذلك، وأخبر أنه رجس، وهذا لا يحتاج إليه في الميتة والدم؛ لأن كونهما رجسًا أمر مستقر معلوم عندهم ..) اهـ.
(٢٥) انظر: "الدر المصون" 5/ 198.
(٢٦) في (ش): (قال قيل)، وهو تحريف.
(٢٧) لفظ: (من المطعومات) ساقط من (أ).
(٢٨) ذكره ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 335.
(٢٩) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 220، والطبري 8/ 69، وابن أبي حاتم 5/ 1405، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 96.
(٣٠) لم أقف عليه، وقد ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 220، بدون نسبة.
(٣١) لم أقف عليه وقال القرطبي 7/ 116 - 117، الصحيح أن هذه الآية مكية، وكل محرم حرمه رسول الله أو جاء في الكتاب مضموم إليها فهو زيادة حكم من الله عز وجل على لسان نبيه .
على هذا أكثر أهل العلم من أهل النظر والفقه والأثر) ا.
هـ، وهذا القول هو الظاهر -والله أعلم-.
وانظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 338، و"الناسخ والمنسوخ" لأبي منصور البغدادي ص 103، و"الإيضاح" لمكي ص 249، و"أحكام القرآن" للكيا الهراس 3/ 245، و"تفسير البغوي" 3/ 198، و"الناسخ والمنسوخ" لابن العربي 2/ 218، و"المصفى" لابن الجوزي ص 34، و"الفتاوى" لشيخ الإسلام 21/ 8.
(٣٢) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 105 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُل لاَّ أَجِدُ ﴾ الآية تقتضي حصر المحرمات فيما ذكر، وقد جاء في السنة تحريم أشياء لم تذكر هنا كلحوم الحمر الأهلية فذهب قوم إلى أن السنة نسخت هذا الحصر، وذهب آخرون إلى أن الآية وردت على سبب فلا تقتضي الحصر، وذهب آخرون إلى أن ما عدا ما ذكر إنما نهى عنه على وجه الكراهة، لا على وجه التحريم ﴿ أَوْ فِسْقاً ﴾ معطوف على المنصوبات قبله، وهو ما أُهِلَّ به لغير الله سماه فسقاً لتوغله في الفسق، وقد تقدم الكلام على هذه المحرمات في [البقرة: 173] ﴿ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ هو ما له أصبع من دابة وطائر قاله الزمخشري وقال ابن عطية: يراد به الإبل والأوز والنعام ونحوه؛ من الحيوان الذي هو غير منفرج الأصابع، أو له ظفر وقال الماوردي مثله، وحكى النقاش عن ثعلب: أن كل ما لا يصيد فهو ذو ظفر، وما يصيد فهو ذو مخلب، وهذا غير مطرد، لأن الأسد ذو ظفر ﴿ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ يعني ما في الظهور والجُنوب من الشحم ﴿ أَوِ الحوايآ ﴾ هي المباعر، وقيل: المصارين والحشوةونحوهما مما يتحوّى في البطن، وواحد حوايا على هذا فعائل كصحيفة وصحائف، وقيل: واحدها حاوية على وزن فاعله فحوايا على هذا فواعل: كضاربة وضوارب، وهو معطوف على ما في قوله: إلا ما حملت الظهور، فهو من المستثنى من التحريم، وقيل: عطف على الظهور، فالمعنى إلا ما حملت الظهور، أو حملت الحوايا، وقيل: عطف على الشحوم، فهو من المحرم ﴿ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ ﴾ يريد ما في جميع الجسد ﴿ وِإِنَّا لصادقون ﴾ أي فيما أخبرنا به من التحريم، وفي ذلك تعريض بكذب من حرم ما لم يحرم الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حصاده ﴾ بفتح الحاء: أبو عمرو وعاصم وابن عامر وسهل ويعقوب، الباقون: بالكسر وكلاهما مصدر ﴿ من الضان ﴾ بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية والأعشى والأصبهاني عن ورش ويزيد وحمزة في الوقف.
﴿ ومن المعز ﴾ ساكن العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وأبو جعفر وابن فليح وزمعة والخزاعي عن البزي والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل عنه، الباقون: بفتحها ﴿ إلا أن تكون ﴾ بتاء التأنيث: ابن كثير وابن عامر ويزيد وحمزة وعباس مَن طريق ابن رومي عنه.
﴿ ميتة ﴾ بالتخفيف والرفع: ابن عامر وزاد يزيد التشديد.
الباقون: بالياء وبالنصب.
﴿ الحوايا ﴾ ممالة: علي وحمزة وخلف.
﴿ فقل ربكم ﴾ وبابه مظهراً: الحلواني عن قالون والبرجمي.
الوقوف: ﴿ متشابه ﴾ ط.
﴿ ولا تسرفوا ﴾ ط ﴿ المسرفين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ حمولة ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ وفرشاً ﴾ ط ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن ﴿ ثمانية ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ جنات ﴾ ﴿ أزواج ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ المعز اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ صادقين ﴾ ه لا لأن ﴿ اثنين ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ أيضاً ﴿ ومن البقر اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لأن "أم" في قوله: ﴿ أم كنتم ﴾ بمعنى ألف استفهام توبيخ.
﴿ بهذا ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ولانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه.
﴿ لغير الله ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ظفر ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى.
﴿ بعظم ﴾ ط ﴿ ببغيهم ﴾ ز للابتداء بأن وإثبات وصف الصدق مطلقاً.
وللوصل وجه لأن المعنى وإنا لصادقون فيما أخبرنا عن التحريم ببغيهم.
﴿ واسعة ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ بأسنا ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ تخرصون ﴾ ه ﴿ البالغة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ حرم هذا ﴾ ج لذلك ﴿ معهم ﴾ ج لتناهي جزاء الشرط مع العطف ﴿ يعدلون ﴾ ه.
التفسير: إنه جعل مدار هذا الكتاب الكريم على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر وإنه بالغ في تقرير هذه الأصول وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة منكري البعث والقيامة، ثم أتبعه حكاية أقوالهم الركيكة تنبيهاً على ضعف عقولهم، فلما تمم هذه المقاصد عاد إلى ما هو المقصود الأصلي وهو إقامة الدلائل على إثبات ذاته ووجوب توحيده فقال: ﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ الآية نشأ الشيء ينشأ نشأ إذا ظهر وارتفع، وأنشأه الله ينشئه إنشاء أظهره ورفعه ﴿ جنات معروشات وغير معروشات ﴾ يقال: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القبضان.
وقيل: كلاهما الكرم فإن بعض الأعناب تعرش وبعضها يبقى على وجه الأرض منبسطاً كالقرع والبطيخ.
وقيل: المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عروش يحمل عليها فتمسكه وهو الكرم وما يجري مجراه، وغير معروشات هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وقوة ساقة عن التعريش.
وقيل: المعروشات ما في البساتين والعمارات مما غرسه الناس واهتموا به فعرشوه، وغير معروشات ما أنبته الله وحشياً في البراري والجبال فيبقى غير معروش.
﴿ والنخل والزرع ﴾ فسر ابن عباس الزرع بجميع الحبوب التي الذكر تقتات ﴿ مختلفاً أكله ﴾ والأكل كل ما يؤكل والمراد ههنا ثمر النخل والزرع فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما كقوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ أي إليهما.
والمراد أن لكل شيء منهما طعماً غير طعم الآخر و ﴿ مختلفاً ﴾ حال مقدّرة أي أنشأه مقدرّاً اختلاف أكله لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك ﴿ متشابهاً وغير متشابه ﴾ في القدر واللون والطعم.
ثم قال ﴿ كلوا من ثمره ﴾ وقد قال في الآية المتقدمة أعني نظير هذه الآية وذلك قوله: ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ الآية إلى قوله ﴿ انظروا إلى ثمره ﴾ تنبيهاً على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم متقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الأول سعادة روحانية أبدية، والحاصل من الانتفاع سعادة جسمانية زائلة.
وفائدة هذا الأمر الإباحة، وقدم إباحة الأكل على إخراج الحق كيلا يظن أنه يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المتشاركين فيه.
وفي الآية إشارة إلى أن خلق هذه النعم إما للأكل وإما للتصدق، والأول لكونه حق النفس مقدم على الثاني لأنه حق الغير.
وفيه أن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق لأن قوله: ﴿ كلوا ﴾ خطاب عام يتناول الكل، ويمكن أن يستدل به على أن الأصل عدم وجوب الصوم وأن من ادعى إيجابه فهو المحتاج إلى الدليل، وأن المجنون إذا أفاق في أثناء النهار لا يلزمه قضاء ما مضى، وأن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام.
قال علماء الأصول: من المعلوم من لغة العرب أن صيغة الأمر تفيد ترجيح جانب الفعل؛ فحملها على الإباحة أو الوجوب لا يصار إليه إلا بدليل منفصل، وفائدة قوله: ﴿ إذا أثمر ﴾ وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل منه هي أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت اطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع، أما قوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ فعن ابن عباس في رواية عطاء وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك.، أن الآية مدنية والحق هو الزكاة المفروضة وعلى هذا فكيف يؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل.
والجواب أن المراد فاعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد واهتموا به حتى لا تؤخروه عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء، وقال مجاهد: الآية مكية وإن هذا حق في المال سوى الزكاة وكان يقول: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، وكذا إذا دسته وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته وزيف بقوله صلى الله عليه وآله: "ليس في المال حق سوى الزكاة" وبأن قوله: ﴿ وآتوا حقه ﴾ إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوماً قبل ورود هذه الآية والإلزام الإجمال.
وعن سعيد بن جبير أن هذا كان قبل وجوب الزكاة فلما فرض العشر أو نصف العشر فيما سقي بالسواقي نسخ، والقول الأول أصح.
ثم إن أبا حنيفة احتج بالآية على وجوب الزكاة في الثمار لأنه قال: ﴿ وآتوا حقه ﴾ بعد ذكر الأنواع الخمسة وهي العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان.
واعترض عليه بأن لفظ الحصاد مخصوص بالزرع.
وأجيب بأن الحصد في اللغة عبارة عن القطع وذلك يتناول الكل.
واحتج هو أيضاً بها على أن العشر واجب في القليل والكثير للإطلاق.
والجواب أن بيانه في الحديث "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" .
ثم قال تعالى: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ولأهل اللغة فيه تفسيران: فعن ابن الأعرابي: السرف تجاوز ما حد لك.
فعلى هذا إذا أعطى الكل ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف كما جاء في الخبر "إبدأ بنفسك ثم بمن تعول" وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فخذها فقسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئاً فنزلت الآية ﴿ ولا تسرفوا ﴾ أي لا تعطوا كله وإذا منع الصدقة فقد أسرف وبه فسر الآية سعيد بن المسيب، فإن مجاوزة الحد تكون إلى طرف الإفراط وإلى طرف التفريط.
وقال عمر: سرف المال ما ذهب منه في غير منفعة.
وعلى هذا فقد قال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الأنعام والحرث.
وقالالزهري: ولا تنفقوا في معصية الله .
وعن مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهباً فأنفقه رجل في طاعة الله لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله كان مسرفاً، وهذا المعنى أراد حاتم الطائي حين قيل له لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ والمقصود منه الزجر فإن كل مكلف لا يحبه الله فإنه من أهل النار لأن محبة الله عبارة عن إرادة إيصال الثواب إليه.
قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ معطوف على جنات أي وأنشأ من الأنعام هذين الجنسين.
فالحمولة ما يحمل الأثقال "فعولة" بمعنى "فاعلة" والفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش مصدر بمعنى "مفعول".
وقيل: الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها مثل الفرش المفروش عليها.
﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ قالت المعتزلة.
أي مما أحلها لكم ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ لا تسلكوا طريقه الذي يدعوكم إليه في التحليل والتحريم من عن أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية ﴿ إنه لكم عدوّ مبين ﴾ بين العداوة.
وفي انتصاب ﴿ ثمانية أزواج ﴾ وجهان: قال الفراء: هو بدل من قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ .
وجوز غيره أن يكون مفعول ﴿ كلوا ﴾ والعرب تسمي الواحد فرداً إذا كان وحده فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجاً وهما زوجان، قال عز من قائل: ﴿ خلق الزوجين الذكر والأنثى ﴾ وقال: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿ من الضأن اثنين ﴾ أي زوجين اثنين ﴿ ومن المعز اثنين ﴾ وفي الآية الثانية: ﴿ ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ﴾ قال الجوهري: الضائن خلاف الماعز والجمع يعني اسم الجمع الضأن والمعز مثل راكب وركب وسافر وسفر.
وضأن أيضاً مثل حارس وحرس.
وقال في الكشاف: إنه قرىء بفتح العين.
والضأن ذوات الصوف من الغنم والمعز ذوات الشعر منها ﴿ قل ءالذكرين حرم الأنثيين ﴾ نصب بقوله: ﴿ حرم ﴾ والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله.
ويريد بالذكرين الذكر من الضأن وهو الكبش، والذكر من المعز وهو التيس، وبالأنثيين الأنثى من الضأن وهيالنعجة، والأنثى من المعز وهي العنز، وذلك على طريق الجنسية والمشاكلة.
ومعنى الاستفهام إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما يشتمل عليه أرحام الأنثيين أي مما يحمل إناث الجنسين، وكذلك الذكر من جنسي الإبل والبقر يعني الجمل والثور والأنثيان منهما الناقة والبقرة وما يحمل إناثهما وذلك أنهم كانوا يحرّمون ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى وأولادها كيفما كانت ذكوراً أو إناثاً، أو من خلط تارة وكانوا يقولون: قد حرمها الله فقيل لهم: إنكم لا تقرون بنبوّة نبي ولا شريعة شارع فكيف تحكمون بأن هذا يحل وهذا يحرم؟
وأكد ذلك بقوله: ﴿ نبؤني بعلم ﴾ أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في أن الله حرمه.
واعلم أنه منّ على عباده بإنشاء الأزواج الثمانية من الأنعام لمنافعهم وإباحتها لهم إلا أنه فصل بين بعض المعدود وبعضه بالاحتجاج على من حرمها وليس ذلك بأجنبي وإنما هي جملة معترضة جيء بها تأكيداً وتشديداً للتحليل، فالاعتراضات في الكلام لاتساق إلا للتوكيد، أما قوله: ﴿ أم كنتم شهداء ﴾ فـ"أم" منقطعة أي بل أكنتم شهداء ومعناه الإنكار وفحواه أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل وتقولون إن الله حرم هذا فلم يبق إلا المشاهدة فتهكم بهم بذلك وسجل عليهم وعلى مثالهم بالظلم بقوله: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، قال المفسرون: يريد عمرو بن لحي بن قمعة الذي غيَّر شريعة إسماعيل وبَحَّر البحائر وسَيَّب السوائب.
والأقرب أن للفظ عام فيتناول كل مفتر وإذا استحق هذا الوعيد على افتراء الكذب في تحريم مباح فكيف إذا كذب على الله في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والملائكة وفي النبوّات وفي المعاد؟!
قال القاضي: في الآية دلالة على أن الإضلال عن الدين مذموم فلا يجوز أن ينسب إلى الله .
وأجيب بأنه ليس كل ما كان مذموماً منا كان مذموماً من الله فإن تمكين العبيد من أسباب الفجور وتسليط الشهوة عليهم مذموم منّا دونه ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قال القاضي: لا يهديهم إلى ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها.
وقالت الأشاعرة: معناه أنه لا ينقل المشركين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم لما بيّن فساد طريقة الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطاعم أتبعه البيان الصحيح في الباب فقال: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ﴾ أي طعاماً محرماً ﴿ على طاعم يطعمه ﴾ على آكل يأكله ﴿ إلا أن يكون ﴾ ذلك المأكول أو الموجود أو الطعام ﴿ ميتة أو دماً مسفوحاً ﴾ مصبوباً سائلاً.
قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء وما خرج من الأوداج عند الذبح فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، وما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل.
وسئل أبو مجلز عما يتلطّخ باللحم من الدم وعن القدر التي سلف في أمثالها، وانتصاب ﴿ فسقاً ﴾ على أنه معطوف على المنصوبات قبله، و ﴿ أهل ﴾ صفة له منصوبة المحل سمي ما أهل به لغير الله فسقاً لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود.
وجوز أن يكون ﴿ فسقاً ﴾ مفعولاً له من ﴿ أهل ﴾ وعلى هذا فقد عطف ﴿ أهل ﴾ على ﴿ يكون ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما يرجع إليه المستكن في ﴿ يكون ﴾ قالت العلماء: إن هذه السورة مكية وقد بيّن في الآية أنه لم يجد فيما أوحي إليه قرآناً أو غيره محرماً سوى هذه الأربعة، وقد أكد هذا بما في النحل وفي البقرة مصدرة بكلمة "إنما" الدالة على الحصر فصارت المدنية مطابقة للمكية، والذي جاء في المائدة ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ﴾ من أقسام الميتة ولكنه خص بالذكر لأنهم كانوا يحكمون على تلك الأشياء بالتحليل فثبت أن الشريعة من أولها إلى اخرها كانت مستقرة على هذا الحكم.
وعلى هذا الحصر بقي الكلام في الخمر وفي سائر النجاسات والمستقذرات فنقول: إنه قد وصف الخمر بأنه رجس وههنا علل تحريم لحم الخنزير بكونه رجساً فعلمنا أن النجاسة علة لتحريم الأكل وكل نجس فإنه يحرم أكله، هذا بعد إجماع الأمة على تحريم الخبائث والنجاسات.
وإن جوزنا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد كما روي أنه صلى الله عليه وآله نهى عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور.
فلا إشكال.
وقيل: المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرم على اليهود وزيف بأن تحريم شيء خامس نسخ والأصل عدمه.
ثم بين أنه حرم على اليهود أشياء أخر سوى هذه الأربعة فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ وذلك نوعان: الأول أنه حرم عليهم ﴿ كل ذي ظفر ﴾ وفيه لغات: ضم الفاء والعين وهي الفصحى، وكسرهما وهي قراءة ابن السماك، والضم مع السكون والكسر مع السكون وهي قراءة الحسن، واختلف في ذي الظفر فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه الإبل فقط، وعنه في رواية أخرى وهو قول مجاهد أنه الإبل والنعام، وقيل: كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب، وسمي الحافر ظفراً على الاستعارة، وزيف بأن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً وبأن البقرة والغنم مباحان لهم كما يجيء مع أن لهما حافراً فإذن يجب حمل الظفر على المخلب والبراثن من الجوارح والسباع بل على كل ما له إصبع من دابة وطائر.
وكان بعض ذوات الظفر حلالاً لهم فلما ظلموا عمم التحريم.
فعموم التحريم خاص بهم ولهذا قدم الجار في قوله ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ فيستدل بذلك على حل بعض هذه الحيوانات على المسلمين وهو ما سوى ذات المخلب والناب فيكون الخبر مبيناً للآية لا مخالفاً كما ظن صاحب التفسير الكبير.
النوع الثاني قوله ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ﴾ قال في الكشاف: هو كقولك: "من زيد أخذت ماله" تريد بالإضافة يعني إضافة الأخذ إلى زيد بواسطة من زيادة الربط.
والمعنى أنه حرم عليهم من كل ذي ظفر كله ومن البقرة والغنم بعضهما وذلك شحومهما فقط، هذا أيضاً ليس على الإطلاق لقوله: ﴿ إلا ما حملت ظهورهما ﴾ قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم فإني لم أحرمه.
وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها.
وقيل: إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحفة وهي الشحمة التي على الظهر الملتزقة بالجلد فيما بين الكتفين إلى الوركين.
وهي بالحقيقة لحم سمين لأنه يحمر عند الهزال ولهذا لو حلف لا يأكل الشحم فأكل من ذلك اللحم السمين لم يحنث على الأصح.
والاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو الحوايا ﴾ قال الجوهري: الحوايا الأمعاء واحدها حوية وفي معناها حاوية البطن وحاوياء البطن.
وقال الواحدي: هي المباعر والمصارين والفحوى، أو ما اشتمل على الأمعاء يعني أن الشحوم المتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة، والاستثناء الثالث: ﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾ قال جمهور المفسرين: يعني شحم الآلية.
وقال ابن جريج: كل شحم في القوائم والجنب والرأس وفي العينين والأذنين فإنه مخلوط بعظم فهو حلال لهم.
والحاصل أن الشحم الذي حرم الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية.
وقيل: إن الحوايا غير معطوف على المستثنى وإنما هو معطوف على المستثنى منه والتقدير: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم.
ودخوله كلمة "أو" كدخولها في قوله : ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ﴾ والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا واعص هذا فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا ﴿ ذلك ﴾ الجزاء وهو تحريم الطيبات ﴿ جزيناهم ببغيهم ﴾ بسبب قتلهم الأنبياء وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل وغير ذلك من قبائح أفعالهم ﴿ وإنا لصادقون ﴾ في هذه الأخبار أو فيما يوعد به العصاة.
قال القاضي: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم لأن التكليف تعريض للثواب والتعريض للثواب إحسان.
وأجيب بأن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد الثواب ويمكن أن يكون بشؤم الجرم المتقدم ﴿ فإن كذبوك ﴾ في ادعاء النبوّة والرسالة أو في تبليغ الأحكام، وعلى أصول المعتزلة فإن كذبوك في إنجاز إيعاد العصاة وزعموا أن الله واسع الرحمة وأنه يخلف الوعيد جوداً وكرماً.
﴿ فقل ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ فلذلك لا يعجل بالعقوبة ﴿ ولا يردّ بأسه ﴾ إذا جاء وقت عذابه ﴿ عن القوم المجرمين ﴾ يعني المكذبين.
وعلى أصولهم رحمته واسعة لأهل طاعته ولا يرد بأسه مع ذلك عن الذين ارتكبوا الكبائر فماتوا قبل التوبة.
ثم حكى أعذار الكفار الواهية فقال: ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ﴾ وإنما جاز العطف عل الضمير المرفوع المتصل من غير أن أكد بالمنفصل لمكان الفصل بعد حرف العطف بلا الزائدة لتأكيد النفي.
أخبر الله بما سوف يقولونه ولما قالوه.
قال في سورة النحل: ﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ﴾ وإنما قال في سورة النحل بزيادة "نحن" و "من دونه" مرتين لأن الإشراك مستنكر مطلقاً.
فلفظ الإشراك يدل على إثبات شريك لا يجوز إثباته، وعلى تحليل أشياء وتحريم أشياء من دون الله فلم يحتج إلى لفظ من دونه، وأما العبادة فإنها غير مستنكرة على الإطلاق وإنما المستنكر عبادة شيء مع الله ، ولا تدل على تحريم شيء فلم يكن بد من تقييده بقوله: ﴿ من دونه ﴾ ولما حذف من الآية لفظة ﴿ من دونه ﴾ مرتين حذف معه ﴿ نحن ﴾ لتطرد الآية في حكم التخفيف.
أما تفسير الآية فزعمت المعتزلة أنها تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: الأول أن الذي حكى عن الكفار في معرض الذم والتقبيح وذلك قولهم: "لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك" هو صريح قول المجبرة فيكون هذا المذهب مذموماً.
الثاني قوله: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ فلم يذكر المكذب به تنبيهاً على أنهم جاؤا بالتكذيب المطلق لأن الله عز وعلا ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئته القبائح وإرادتها، والرسل أخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله ورسوله وكتبه ونبذ أدلة السمع والعقل وراء ظهره.
والحاصل أن هذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين منهم والمتأخرين في تكذيب الأنبياء وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم لأنهم يقولون الكل بمشيئة الله .
الثالث قوله: ﴿ حتى ذاقوا بأسنا ﴾ وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله في هذا المذهب.
الرابع قوله: ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ﴾ وإنه استفهام على سبيل الإنكار أي لا علم لهؤلاء القائلين ولا حجة.
الخامس: ﴿ إن تتبعون إلا الظن ﴾ السادس: ﴿ وإن أنتم إلا تخرصون ﴾ السابع: ﴿ قل فلَّله الحجة البالغة ﴾ لأنه أزال الأعذار بالتمكين والإقدار فلم يبق لكم على الله حجة وإنما الحجة البالغة له عليكم وذلك أنكم تقولون: لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله لزم أن يكون الإله عاجزاً مغلوباً.
وهذا الكلام غير لازم لأن الله قادر على أن يحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء إلا أن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف وهذا هو المراد من قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وبوجه آخر إن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فلَّله الحجة الكاملة عليكم فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته فتوالوا جميع أهل الأديان ولا تعادوهم.
أجابت الأشاعرة بأنا قد بينا بالدلائل القاطعة من أول القرآن إلى ههنا صحة مذهبنا فوجب تأويل هذه الآية دفعاً للتناقض فنقول: إن القوم كانوا يتمسكون بمشيئة الله في إبطال دعوة الأنبياء، وفي أن التكليف عبث فبين الله أن ذلك من تكاذيبهم وأكاذيبهم، وأن التشبث بهذا العذر لا يفيدهم لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه، شاء الكفر من الكافر ومع ذلك بعث الأنبياء وأمر بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر فجرى بما يكون إلى قيام الساعة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله "المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة" ثم إن ظاهر آخر الآية معناه وهو قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وحمل المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر تعسف والله أعلم.
ثم لما أبطل جميع حجج الكفار بين أنه ليس لهم على قولهم شهود فقال: ﴿ قل هلم ﴾ ومعناه إذا كان لازماً أقبل وإذا كان متعدياً أحضر.
قال الخليل: أصله "هالم" من قولهم لمَّ الله شعثه أي جمعه كأنه قال: لمَّ نفسك إلينا أي أقرب والهاء للتنبيه واستعطاف المأمور، ثم حذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسماً واحداً يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث في لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها "هلما هلموا هلمي هلممن" والأول أفصح وقد يوصل بإلى كقوله : ﴿ والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ﴾ وقال الفراء: أصلها "هل أم" أرادوا بهل حرف الاستفهام ومعنى أم اقصد.
وقيل: إن أصل استعماله أن قالوا هل لك في الطعام أم أي اقصد.
ثم شاع في الكل.
أمر الله نبيه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه.
وإنما لم يقل شهداء يشهدون لأنه ليس الغرض أحضار أناس يشهدون بالتحريم وإنما المراد إحضار شهدائهم الموسومين بالشهادة لهم المعروفين بنصرة مذهبهم ولهذا قال: ﴿ فإن شهدوا ﴾ أي فإن وقعت شهادتهم ﴿ فلا تشهد معهم ﴾ أي لا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأن شهادتهم محض الهوى والتعصب ولأجل ذلك قال أيضاً: ﴿ ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ﴾ فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالتكذيب وليرتب عليه باقي الآية فيعلم أن المتصف بهذه الصفات لا تكون شهادتهم عند العقلاء مقبولة.
التأويل: ﴿ وهو الذي أنشأ جنات ﴾ في القلوب ﴿ معروشات ﴾ من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان ﴿ وغير معروشات ﴾ هي الصفات الروحانية التي جبلت القلوب عليها كالسخاء والحياء والوفاء والمودة والفتوة والشفقة والعفة والعلم والحلم والعقل والشجاعة والقناعة ونخل الإيمان وزرع الأعمال الصالحة وزيتون الأخلاق الحميدة ورمان الإخلاص بالشواهد والأحوال ﴿ متشابهاً ﴾ أعمالها ﴿ وغير متشابه ﴾ أحوالها ﴿ كلوا من ثمره ﴾ انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والإخلاص بالشواهد والأحوال لا بالدعاوى والقيل والقال.
﴿ وآتوا حقه ﴾ وحقه دعوة الخلق وتربيتهم بالحكمة والمواعظة الحسنة و ﴿ يوم حصاده ﴾ أوان بلوغ السالك مبلغ الرجال البالغين عند إدراك ثمرة الكمال للواصلين دون السالك الذي يتردد بعد بين المنازل والمراحل.
﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالشروع في الكلام في غير وقته والحرص على الدعوة قبل أوانها.
﴿ ومن الأنعام ﴾ أي ومن الصفات الحيوانية التي هي مركوزة في الإنسان ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها ما هو مستعد للأكل والشرب لصلاح القالب وقيام البشرية.
﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ فرزق القلب هو التحقيق من حيثالبرهان، ورزق الروح هو المحبة بصدق التحرز عن الأكوان، ورزق السر هو شهود العرفان يلحظ العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق بقدر ما ينبغي.
﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾ يخرجكم بالتفريط والإفراط إلى ضد المقصود.
ثم إن الصفات الحيوانية ثمان بعضها ذكور وبعضها إناث يتولد منها صفات أخر كلها محمودة إذ استعملت في محالها، وبمقدار ما ينبغي ﴿ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ﴾ والضأن والمعز من جنس الفرشية كما أن الإبل والبقر من جنس الحمولية.
والذكر من الضأن والمعز هما صفة شهوة البطن والفرج والأنثى منهما صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها وصفة التسليم عند تحمل الأذى، والذكر من الإبل والبقر صفتا الظلومية والجهولية، وأنثاهما الحمولية والاستسلام للاستعمال.
فبهذه الصفات الإنسانية صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها وهن أيضاً حملة عرش القلب فافهم، وقد أحل الله استعمالها واستعمال المتولد منها على قانون الشرعية والطريقة، ومن زعم أنه يجب تركها وفصلها بالكلية فقد افترى ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ﴾ الكلام في نفسه حق وصدق إلا أنهم لما ذكروه في معرض الإلزام دفعاً للأذية والآلام كذبوا فيما قالوا والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ .
قوله: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: لا أجد مما تحرمون أنتم فيما أوحي إلي، وأما مما لا تحرمون فإنه يجد.
والثاني: لا أجد فيما أوحي محرما في وقت، ثم وجده في وقت آخر.
وأيهما كان فليس فيه دليل حل سوى ما ذكر في الآية على ما يقوله بشر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ .
مثل هذا الخطاب لا يكون إلا في معهود [أو] سؤال، وإلا مثل هذا الخطاب لا يستقيم على الابتداء.
فإن كان في معهود فهو يخرج جواب ما كانوا يحرمون من أشياء من الأنعام والحرث، وما ذكر في الآيات التي تقدم ذكرها، وما كانوا يحرمون من البحيرة والسائبة، والوصيلة، والحامي؛ فقال: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ﴾ : مما تحرمون أنتم، ﴿ عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً ﴾ .
أو كان جواب سؤال في نازلة؛ فقال: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ﴾ إلا فيما ذكر في الآية، أو لم يجده محرما في وقت إلا ما ذكر، ثم وجده في وقت آخر، ففي أيهما كان لم يكن لبشر علينا في ذلك حجة؛ حيث قال إن الأشياء كلها محللة مطلقة بهذه الآية: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ﴾ إلا ما ذكر: من الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، فقال: لا يحرم من الحيوان إلا ما ذكر.
ويقول: إن النهي الذي جاء عن رسول الله : "أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير" ، إنما هو خبر خاص من أخبار الآحاد، وخبر الواحد لا يعمل في نسخ الكتاب، وقد قال: ﴿ لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ﴾ .
[وبعد]: فإن ذلك الخبر من الأخبار المتواترة؛ لأنه عرفه الخاص والعام، وعملوا به وظهر العمل به حتى لا يكاد يوجد ذلك يباع في أسواق المسلمين؛ دل أنه [من] المتواتر.
قال الشيخ - -: وعندنا أن لفظة "التحريم" [على الإطلاق لا تقال إلا في النهايات من الحرمة، ونحن نقول: لا تطلق لفظة التحريم] في الحيوان إلا فيما ذكر في الآية من الميتة، والدم المسفوح، والخنزير، ولكن يقال: منهي عنه مكروه، ولا يقال: محرم مطلقا، ويقال: لا يؤكل ولا يطعم.
وبعد: فإن الآية لو كانت في غير الوجهين اللذين ذكرناهما، لم يكن فيها دليل حل ما عدا المذكور في الآية؛ لأنه قال: ﴿ لاَّ أَجِدُ ﴾ ، ولم يوجد في وقت، ثم وجد في وقت آخر، [و] هذا جائز.
وفي قوله: ﴿ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ دلالة أن الجلد يحرم بحق اللحمية؛ لأنه أمكن أن يشوى فيؤكل؛ فحرمته حرمة اللحم، فإذا دُبغ خرج من أن يؤكل؛ [فظل هو مخرج] عن قوله: ﴿ عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ...
﴾ ، والله أعلم.
ثم في قوله: ﴿ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ...
﴾ الآية دلالة أن الحرمة التي ذكر في قوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ...
﴾ إلى آخر ما ذكر حرمة الأكل والتناول منها؛ لأنه لم يبين في تلك الآية ما الذي حرم منها سوى ما ذكر حرمته تفسرها هذه الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً ﴾ .
دل هذا أن الحرمة في تلك الآية الأكل والتناول منها؛ وكذلك قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ : ذكر الحل، ولم يذكر الحكم، لماذا؟
ثم جاء التفسير في هذه الآية أنه للأكل، ثم الميتة التي ذكر أنها محرمة ليست هي التي ماتت حتف أنفها خاصة.
ألا ترى أنه ذكر: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ ﴾ ، ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ﴾ .
[و] قال: ﴿ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ ﴾ ، كل هذا الذي ذكر لم يمت حتف أنفه، ولكن بأسباب لم يؤمر بها؛ فصارت ميتة؛ فدل أن كل مذبوح أو مقتول بسبب لم يؤمر به فهو ميتة، لا يحل التناول منها إلا في حال الاضطرار.
وفي قوله: ﴿ أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً ﴾ .
دلالة أن المحرم من الدم هو المسفوح، والدم الذي يكون في اللحم ويخالط اللحم ليس بحرام، والدم المسفوحُ حرامٌ.
قال أبو عوسجة: المسفوح المصبوب؛ تقول: سفحت: صببت.
وقال القتبي: مسفوحاً، أي: سائلا.
وقال ابن عباس - -: المسفوح: هو الذي يراق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَحْمَ خِنزِيرٍ ﴾ .
ذكر اللحم وذكر حرمة الميتة؛ ليعلم أن الخنزير بجوهره حرام، والميتة حرمتها لا بجوهرها، لكن لما اعترض؛ لذلك قلنا: [إنه] لا بأس بالانتفاع بصوف الميتة ووبرها وعظمها، ولا يجوز من الخنزير شيء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ .
قيل: غير باغ: يستحله في دينه، ولا عاد، أي: ولا متعد بألم يضطر إليه فأكله.
وقد ذكرنا أقاويلهم والاختلاف في تأويله في صدر الكتاب.
﴿ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ ﴾ ، لأكله الحرام في حال الاضطرار، ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ ، حيث رخص الحرام في موضع الاضطرار، وهذا - أيضاً - قد مضى ذكره في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ .
قيل: مثل [هذا] النعامة والبعير.
وقيل: كل ذي ظفر: مثل الديك، والبط، والبعير، وكل ما لم يكن منفرج الأصابع والقوائم.
وقيل: حرمنا كل ذي حافر من نحو حمار الوحش والوز وغيره.
وقيل: ﴿ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ : كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع، ومن الدواب: كل ذي ظفر منشق؛ مثل: الأرنب والبعير وأشباههما، وهو قول ابن عباس - ما - والأشبه أن يكون ما ذكر [من تحريم كل ذي ظفر عليهم هو ما يحل أكله لا ما يحرم وهو ما ذكر بعضهم أنه البعير والغنم لأنه ذكر] في آية أخرى ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ...
﴾ الآية [النساء: 160].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ .
قيل: [تحرم] [شحوم] بطونهما، ومن الثروب، وشحم الكليتين.
﴿ أَوِ ٱلْحَوَايَآ ﴾ .
وهي المباعر والمصارين، أي: الشحم الذي عليهما.
﴿ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ﴾ .
قيل: الألية.
وقيل: قوله: ﴿ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ﴾ : هو سمن اللحم، قيل فيه أقاويل مختلفة في هذا، وفي الأول في قوله: ﴿ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ ، لكن ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ لأن تلك شريعة قد نسخت، والعمل بالمنسوخ حرام، فإذا لم يكن علينا العمل بذلك فليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة كان ذا أو ذا، وإنما علينا أن نعرف: لم كان ذلك التحريم عليهم؟
وبم كان تحريم هذه الأشياء عليهم؟
فهو - والله أعلم - ما ذكر في قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً...
﴾ الآية [النساء: 160] الآية، أخبر أن ما حرم عليهم من الطيبات؛ بظلمهم للذين ظلموا؛ ولذلك قال الله - -: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ﴾ .
أخبر أن ذلك جزاء بغيهم الذي بغوا.
والثاني: أنهم كانوا يدعون ويقولون: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ ، يقول: لو كنتم صادقين في زعمكم أنكم أبناء الله وأحباؤه، لكن لا أحد يعاقب ولده أو حبيبه بأدنى ظلم، ولا يحرم عليه الطيبات، فإذا كان الله حرم عليكم الطيبات، وجزاكم بتحريم أشياء؛ عقوبة لكم بظلمكم وبغيكم - ظهر أنكم كذبتم في دعاويكم، وافتريتم بذلك على الله.
وفيه دليل إثبات رسالة محمد ونبوته لأنهم كانوا يحرمون هذه الأشياء فيما بينهم، ولا يقولون: إنهم ظلمة، وإن ما حرم عليهم [كان] بظلم كان منهم وبغى، ثم أخبرهم النبي أن ما حرم عليهم من الطيبات إنما حرم بظلمهم وبغيهم؛ دل أنه إنما أخبر بذلك عن الله، وبه عرف ذلك؛ فدل أنه آية من آيات نبوته ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ﴾ .
أي: ذلك التحريم عقوبة لبغيهم وظلمهم.
﴿ وِإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ﴾ \[أي: إنا لصادقون\] بالإنباء أن ذلك كان بظلمهم وبغيهم، أو إنا لصادقون في كل ما أخبرنا وأنبأنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ﴾ .
قال الحسن: فإن كذبوك فيما تدعوهم إليه وتأمرهم به: من التصديق، والتوحيد له، والربوبية فقل: ربكم ذو رحمة [واسعة] إذا رجعتم عن التكذيب، وصدقتم وعرفتم أنه واحد لا شريك له، يغفر لكم ما كان منكم في حال الكفر، ويكفر عنكم سيئاتكم التي كانت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
كأنه على التقديم والتأخير، [كأنه] يقول: فإن كذبوك فقل: ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
ثم قل: ﴿ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ﴾ : يسع في رحمته العفو إذا تبتم.
وقال غيره من أهل التأويل: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ ﴾ يا محمد حين أنبأتهم بما حرم الله عليهم بظلمهم وبغيهم، ﴿ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ﴾ لا يهلك [أحداً] وقت ارتكابه المعصية، ولا يعذبه حالة ذلك، لكنه يؤخر، ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ ﴾ أي: عذابه إذا نزل بقوم مجرمين بجرمهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول- لا أجد فيما أوحاه الله إليَّ شيئًا محرمًا إلا ما مات دون ذكاة، أو كان دمًا سائلًا، أو كان لحم خنزير فإنه نجس حرام، أو كان مما ذُبح على غير اسم الله كالمذبوح لأصنامهم، فمن ألجأته الضرورة إلى الأكل من هذه المحرمات لشدة الجوع غير طالب تَلذُّذًا بأكلها، وغير متجاوز حد الضرورة فلا إثم عليه في ذلك، إن ربك -أيها الرسول- غفور للمضطر إن أكل منها، رحيم به.
<div class="verse-tafsir" id="91.2koGK"