الآية ١٥٠ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٥٠ من سورة الأنعام

قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١٥٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٠ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٠ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( قل هلم شهداءكم ) أي : أحضروا شهداءكم ( الذين يشهدون أن الله حرم هذا ) أي : هذا الذي حرمتموه وكذبتم وافتريتم على الله فيه ، ( فإن شهدوا فلا تشهد معهم ) أي : لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذبا وزورا ، ( ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ) أي : يشركون به ، ويجعلون له عديلا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء المفترين على ربهم من عبدة الأوثان, الزاعمين أنّ الله حرم عليهم ما هم محرموه من حروثهم وأنعامهم =(هلم شهداءكم)، يقول: هاتوا شهداءكم الذين يشهدون على الله أنه حرم عليكم ما تزعمون أنه حرمه عليكم .

(8) * * * وأهل العالية من تهامة توحِّد " هلم " في الواحد والاثنين والجميع, وتذكر في المؤنث والمذكر, فتقول للواحد: " هلم يا فلان "، وللاثنين والجميع كذلك, وللأنثى مثله، ومنه قول الأعشى: وَكَـــانَ دَعَــا قَوْمَــهُ دَعْــوَةً هَلُــمَّ إلَــى أَمْــرِكُمْ قَـدْ صُـرِمْ (9) ينشد: " هلم "، و " هلموا " .

وأما أهل السافلة من نجد، فإنهم يوحِّدون للواحد، ويثنُّون للاثنين، ويجمعون للجميع.

فيقال للواحد من الرجال: " هلم " وللواحدة من النساء: " هلمي", وللاثنين: " هلما ", وللجماعة من الرجال: " هلموا ", وللنساء: " هَلْمُمْنَ".

(10) * * * قال الله لنبيه: (فإن شهدوا)، يقول: يا محمد, فإن جاءوك بشهداء يشهدون أن الله حَرَّم ما يزعمون أن الله حرمه عليهم =(فلا تشهد معهم)، فإنهم كذبة وشهود زور في شهادتهم بما شهدوا به من ذلك على الله .

وخاطب بذلك جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم, والمراد به أصحابه والمؤمنون به =(ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا)، يقول: ولا تتابعهم على ما هم عليه من التكذيب بوحي الله وتنـزيله، في تحريم ما حرم، وتحليل ما أحل لهم, ولكن اتبع ما أوحي إليك من كتاب ربك الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه =(والذين لا يؤمنون بالآخرة)، يقول: ولا تتبع أهواء الذين لا يؤمنون بالآخرة, فتكذب بما هم به مكذبون من إحياء الله خلقه بعد مماتهم، ونشره إياهم بعد فنائهم =(وهم بربهم يعدلون)، يقول: وهم مع تكذيبهم بالبعث بعد الممات، وجحودهم قيام الساعة، بالله يعدلون الأوثانَ والأصنامَ, فيجعلونها له عِدْلا ويتخذونها له ندًّا يعبدونها من دونه .

(11) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 14133- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا)، يقول: قل أروني الذين يشهدون أن الله حرم هذا مما حرمت العرب, وقالوا: أمرنا الله به .

قال الله لرسوله: (فإن شهدوا فلا تشهد معهم) .

14134- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا)، قال: البحائر والسُّيَّب .

---------------------- الهوامش : (8) انظر تفسير (( الشهداء )) فيما سلف من فهارس اللغة (( شهد )) .

(9) ديوانه 34 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 208 ، من قصيدة طويلة مضت منها أبيات في مواضع متفرقة ، وهذا البيت داخل في قصة (( الحضر )) ، وما أصاب أهله ، تركت نقل أبياتها لطولها .

(10) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 208 ، فهذا نص كلامه .

(11) انظر تفسير (( العدل )) فيما سلف 11 : 251 - 254 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلونقوله تعالى قل هلم شهداءكم أي قل لهؤلاء المشركين أحضروا شهداءكم على أن الله حرم ما حرمتم .

و هلم كلمة دعوة إلى شيء ، ويستوي فيه الواحد والجماعة والذكر والأنثى عند أهل الحجاز ، إلا في لغة نجد فإنهم يقولون : هلما هلموا هلمي ، يأتون بالعلامة كما تكون في سائر الأفعال .

وعلى لغةأهل الحجاز جاء القرآن ، قال الله تعالى : والقائلين لإخوانهم هلم إلينا يقول : هلم أي احضر أو ادن .

وهلم الطعام ، أي هات الطعام .

والمعنى هاهنا : هاتوا شهداءكم ، وفتحت الميم لالتقاء الساكنين ; كما تقول : رد يا هذا ، ولا يجوز ضمها ولا كسرها .

والأصل عند الخليل " ها " ضمت إليها " لم " ثم حذفت الألف لكثرة الاستعمال .

وقال غيره .

الأصل " هل " زيدت عليها " لم " .

وقيل : هي على لفظها تدل على [ ص: 118 ] معنى هات .

وفي كتاب العين للخليل : أصلها هل أؤم ، أي هل أقصدك ، ثم كثر استعمالهم إياها حتى صار المقصود بقولها احضر كما أن تعال أصلها أن يقولها المتعالي للمتسافل ; فكثر استعمالهم إياها حتى صار المتسافل يقول للمتعالي تعال .قوله تعالى فإن شهدوا أي شهد بعضهم لبعض .فلا تشهد معهم أي فلا تصدق أداء الشهادة إلا من كتاب أو على لسان نبي ، وليس معهم شيء من ذلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قل لمن حرَّم ما أحل الله، ونسب ذلك إلى الله: أحْضِروا شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا، فإذا قيل لهم هذا الكلام، فهم بين أمرين: إما: أن لا يحضروا أحدا يشهد بهذا، فتكون دعواهم إذًا باطلة، خلية من الشهود والبرهان.

وإما: أن يحضروا أحدا يشهد لهم بذلك، ولا يمكن أن يشهد بهذا إلا كل أفاك أثيم غير مقبول الشهادة، وليس هذا من الأمور التي يصح أن يشهد بها العدول؛ ولهذا قال تعالى -ناهيا نبيه، وأتباعه عن هذه الشهادة-: { فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } أي: يسوون به غيره من الأنداد والأوثان.

فإذا كانوا كافرين باليوم الآخر غير موحدين لله، كانت أهويتهم مناسبة لعقيدتهم، وكانت دائرة بين الشرك والتكذيب بالحق، فحري بهوى هذا شأنه، أن ينهى الله خيار خلقه عن اتباعه، وعن الشهادة مع أربابه، وعلم حينئذ أن تحريمهم لما أحل الله صادر عن تلك الأهواء المضلة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل هلم ) يقال للواحد والاثنين والجمع ، ( شهداءكم الذين يشهدون ) أي : ائتوا بشهدائكم الذين يشهدون ، ( أن الله حرم هذا ) هذا راجع إلى ما تقدم من تحريمهم الأشياء على أنفسهم ودعواهم أن الله أمرهم به ، ( فإن شهدوا ) كاذبين ، ( فلا تشهد ) أنت ، ( معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ) أي : يشركون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل هلمَّ» أحضروا «شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرَّم هذا» الذي حرمتموه «فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون» يشركون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن الله تعالى هو الذي حرَّم ما حرَّمتم من الحرث والأنعام، فإن شهدوا -كذبًا وزورًا- فلا تصدقهم، ولا توافق الذين حكَّموا أهواءهم، فكذبوا بآيات الله فيما ذهبوا إليه من تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، ولا تتبع الذين لا يصدقون بالحياة الآخرة ولا يعملون لها، والذين هم بربهم يشركون فيعبدون معه غيره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يطالب المشركين بإحضار من يشهد لهم بأن الله قد حرم عليهم ما زعموا تحريمه من الحرث والأنعام وغيرها فقال :{ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا } .هلم : لفظ يقصد به الدعوة إلى الشىء ، وهى اسم فعل بمعنى أقبل إذا كان لازما ، وبمعنى أحضر وائت إذا كان متعديا كما هنا ، ويستوى فيه الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث فى لغة الحجازين .أى : أحضروا شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم عليكم هذا الذى زعمتم تحريمه ، وهم كبراؤهم الذين أسسوا ضلالهم .والمقصود من إحضارهم تفضيحهم وإلزامهم الحجة ، وإظهار أنه لا متمسك لهم كمقلدين ، ولذلك قيد الشهداء بالإضافة ، ووصفوا بما يدل على أنهم شهداء معروفون بالشهادة لهم وبنصر مذهبهم .ثم قال - سبحانه - { فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } أى : فإن فرض إحضار هؤلاء الشهود الذين عرفوا بضلالهم فلا تصدقهم ولا تقبل شهادتهم ولا تسلمها لهم بالسكوت عليها فإن السكوت عن الباطل فى مثل هذا المقام كالشهادة به وإنما عليك أن تبين لهم بطلان زعمهم بواسطة ما آتاك الله من حجج وبينات .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف أمره باستحضار شهدائهم الذين يشهدون أن الله حرم ما زعموه محرما ثم أمره بأن لا يشهد معهم؟

قلت : أمره باستحضارهم وهم شهداء بالباطل ليلزمهم الحجة ويلقمهم الحجر ، ويظهر للمشهود لهم بانقطاع الشهداء أنهم ليسوا على شىء لتساوى أقدام الشاهدين والمشهود لهم فى أنهم لا يرجعون إلى ما يصح التمسك به .

وقوله { فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } يعنى فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم ، لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهيد معهم مثل شهادتهم وكان واحدا منهم .ثم قال - سبحانه - { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا } أى : ولا تتبع أهواء هؤلاء الناس الذين كذبوا بآياتنا التى أنزلها الله عليك لتكون هداية ونورا لقوم يعقلون ، فإن شهادتهم - إن وقعت - فإنما هى صادرة عن هوى وضلال .ولم يقل - سبحانه - ولا تتبع أهواءهم بل قال : ولا تتبع أهواء الذين كذبوا ، فوضع الظاهر موضع الضمير لبيان أن المكذب بهذه الآيات والحجج الظاهرة إمعانا فى التمسك بتقاليده الباطلة ، إنما هو صاحب هوى وظن لا صاحب علم وحجة .وقوله { والذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } عطف على الموصوف قبله لتعدد صفاتهم القبيحة .أى : ولا تتبع أهواء الذين يجمعون بين تكذيب آيات الله ، وبني الكفر بالآخرة ، وبين جعلهم لله عديلا أى شريكا مع أنه - سبحانه - هو الخالق لكل شىء ، لأن هذه الصفات لا تؤهلهم لشهادة حق ، ولا للثقة بهم ، وإنما للاحتقار فى الدنيا ، ولسوء العذاب فى الآخرة .وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حكت فى بضع عشرة آية جانبا من رذائل المشركين وسخف تقاليدهم وعبث أهوائهم وفساد معاذيرهم وبطلان شبهاتهم وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويبطل حجتهم ، فيما أحلوه وحرموه فى شأن النذور والذبائح والمطاعم والمشارب وغير ذلك مما حكته الآيات الكريمة .ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى أفق أرحب وأوسع ، وإلى ميدان أفسح وأشمل فتناديهم بأسلوب مؤثر بليغ ليستمعوا إلى ما حرم الله عليهم فيجتنبوه وإلى ما كلفهم به فيعملوه ، تناديهم ليتدبروا فى الأصول الكلية التى تقوم عليها العقيدة السليمة ، ويسعد بها المجتمع ، ويحيا فى ظلها الأفراد والجماعات فى أمان واطمئنان .

تناديهم ليسمعوا البيان الصحيح الحق فيما أحل الله وحرم من الأفعال والأقوال ليسمعوه ممن له وحده الحق فى أن يقوله ، وفى أن يتلقى عنه تناديهم فتقول : { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ .

.

.

} .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أبطل على الكفار جميع أنواع حججهم بين أنه ليس لهم على قولهم شهود البتة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ﴿ هَلُمَّ ﴾ كلمة دعوة إلى الشيء، والمعنى: هاتوا شهداءكم، وفيه قولان: الأول: أنه يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، والذكر والأنثى قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدآءَكُمُ الذين يَشْهَدُونَ ﴾ وقال: ﴿ والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إِلَيْنَا  ﴾ واللغة الثانية يقال للاثنين: هلما، وللجمع: هلموا، وللمرأة: هلمي، وللاثنين: هلما، وللجمع: هلمن.

والأول أفصح.

المسألة الثانية: في أصل هذه الكلمة قولان: قال الخليل وسيبويه أنها ها ضمت إليها لم أي جمع، وتكون بمعنى؛ أدن يقال: لفلان لمة، أي دنو، ثم جعلتا كالكلمة الواحدة، والفائدة في قولنا: ها استعطاف المأمور واستدعاء إقباله على الأمر، إلا أنه لما كثر استعماله حذف عنه الألف على سبيل التخفيف كقولك: لم أبل، ولم أر، ولم تك، وقال الفراء: أصلها هل أم أرادوا بهل حرف الاستفهام.

وبقولنا: أم أي أقصد؟

والتقدير: هل قصد؟

والمقصود من هذا الاستفهام الأمر بالقصد، كأنك تقول: أقصد، وفيه وجه آخر، وهو أن يقال: كان الأصل أن قالوا: هل لك في الطعام، أم أي قصد؟

ثم شاع في الكل كما أن كلمة تعالى كانت مخصوصة بصورة معينة، ثم عمت.

المسألة الثالثة: أنه تعالى نبه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه، ومعنى ﴿ هَلُمَّ ﴾ أحضروا شهداءكم.

ثم قال: ﴿ فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ تنبيهاً على كونهم كاذبين، ثم بين تعالى أنه إن وقعت منهم تلك الشهادة فعن اتباع الهوى، فأمر نبيه أن لا يتبع أهواءهم، ثم زاد في تقبيح ذلك بأنهم لا يؤمنون بالآخرة، وكانوا ممن ينكرون البعث والنشور، وزاد في تقبيحهم بأنهم يعدلون بربهم فيجعلون له شركاء.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ هَلُمَّ ﴾ يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث عند الحجازيين.

وبنو تميم تؤنث وتجمع.

والمعنى: هاتوا شهداءكم وقرّبوهم.

فإن قلت: كيف أمره باستحضار شهدائهم الذين يشهدون أنّ الله حرم ما زعموه محرّماً، ثم أمره بأن لا يشهد معهم؟

قلت: أمره باستحضارهم وهم شهداء بالباطل، ليلزمهم الحجة ويلقمهم الحجر، ويظهر للمشهود لهم بانقطاع الشهداء أنهم ليسوا على شيء، لتساوي أقدام الشاهدين والمشهود لهم في أنهم لا يرجعون إلى ما يصحّ التمسك به.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ يعني فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم: لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم وكان واحداً منهم ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الذين كَذَّبُواْ بأياتنا ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنّ من كذب بآيات الله وعدل به غيره فهو متبع للهوى لا غير، لأنه لو اتبع الدليل لم يكن إلا مصدقاً بالآيات موحداً لله تعالى.

فإن قلت: هلاّ قيل: قل هلم شهداء يشهدون أنّ الله حرّم هذا؟

وأي فرق بينه وبين المنزل؟

قلت: المراد أن يحضروا شهداءهم الذين علم أنهم يشهدون لهم وينصرون قولهم، وكان المشهود لهم يقلدونهم ويثقون بهم ويعتضدون بشهادتهم، ليهدم ما يقومون به فيحق الحق ويبطل الباطل، فأضيفت الشهداء لذلك، وجيء بالذين للدلالة على أنهم شهداء معروفون موسومون بالشهادة لهم وبنصرة مذهبهم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ ولو قيل: هلم شهداء يشهدون لكان معناه هاتوا أناساً يشهدون بتحريم ذلك فكان الظاهر طلب شهداء بالحق وذلك ليس بالغرض.

ويناقضه قوله تعالى: ﴿ فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴾ البَيِّنَةُ الواضِحَةُ الَّتِي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والقُوَّةِ عَلى الإثْباتِ، أوْ بَلَغَ بِها صاحِبُها صِحَّةَ دَعْواهُ وهي مِنَ الحَجِّ بِمَعْنى القَصْدِ كَأنَّها تَقْصِدُ إثْباتَ الحُكْمِ وتَطْلُبُهُ.

﴿ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لَها والحَمْلِ عَلَيْها ولَكِنْ شاءَ هِدايَةَ قَوْمٍ وضَلالَ آخَرِينَ.

﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ ﴾ أحْضِرُوهُمْ، وهو اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَصَرَّفُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، وفِعْلٌ يُؤَنَّثُ ويُجْمَعُ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ وأصْلُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ: ها لِمَ مَن لَمْ إذا قُصِدَ حُذِفَتِ الألِفُ لِتَقْدِيرِ السُّكُونِ في اللّامِ فَإنَّهُ الأصْلُ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ هَلْ أمْ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ بِإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّ هَلْ لا تَدْخُلُ الأمْرَ ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا كَما في الآيَةِ ولازِمًا كَقَوْلِهِ هَلُمَّ إلَيْنا.

﴿ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا ﴾ يَعْنِي قُدْوَتَهم فِيهِ اسْتَحْضَرَهم لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ ويُظْهِرَ بِانْقِطاعِهِمْ ضَلالَتَهم وأنَّهُ لا مُتَمَسِّكَ لَهم كَمَن يُقَلِّدُهُمْ، ولِذَلِكَ قَيَّدَ الشُّهَداءَ بِالإضافَةِ ووَصَفَهم بِما يَقْتَضِي العَهْدُ بِهِمْ.

﴿ فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ فَلا تُصَدِّقْهم فِيهِ وبَيِّنْ لَهم فَسادَهُ فَإنَّ تَسْلِيمَهُ مُوافَقَةٌ لَهم في الشَّهادَةِ الباطِلَةِ.

﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُكَذِّبَ الآياتِ مُتَّبِعُ الهَوى لا غَيْرَ، وأنَّ مُتَّبِعَ الحُجَّةِ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا بِها.

﴿ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ كَعَبَدَةِ الأوْثانِ.

﴿ وَهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ} هاتوا شهداءكم وقربوهم ويستوي في هذه الكلمة الواحد والجمع والمذكر والمؤنث عند الحجازيين وبنوا تميم تؤنث

وتجمع {الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حرم هذا} أى زعموه محرما

الأنعام ١٤٤ ١٤٦ {فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم فكان واحداً منهم {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الذين كَذَّبُواْ بآياتنا} من وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أن من كذب بآيات الله فهومتبع للهوى إذ لو تبع الدليل لم يكن إلا مصدقاً بالآيات موحداً لله {والذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة} هم المشركون {وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} يسوون الأصنام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ ﴾ أيْ أحْضِرُوهم لِلشَّهادَةِ وهو اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَصَرَّفُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ وفِعْلٌ يُؤَنَّثُ ويُثَنّى ويُجْمَعُ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما اشْتُهِرَ مِن أنَّ ما ذُكِرَ مِن خَصائِصِ الأفْعالِ.

وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّ الضَّمائِرَ قَدْ تَتَّصِلُ بِالكَلِمَةِ وهي حَرْفٌ كَلَيْسَ أوِ اسْمُ فِعْلٍ كَهاتِ لِمُناسَبَتِها لِلْأفْعالِ وعَلى هَذا تَكُونُ ﴿ هَلُمَّ ﴾ اسْمَ فِعْلٍ مُطْلَقًا كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ وعَلَيْهِ الرَّضِيُّ حَيْثُ قالَ: وبَنُو تَمِيمٍ يَصْرِفُونَهُ فَيُذَكِّرُونَهُ ويُؤَنِّثُونَهُ ويَجْمَعُونَهُ نَظَرًا إلى أصْلِهِ وأصْلُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هالُمَّ مِن لَمَّ إذا قَصَدَ حُذِفَتِ الألِفُ لِتَقْدِيرِ السُّكُونِ في اللّامِ لِأنَّ أصْلَهُ ألْمَمَ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ هَلْ أُمَّ فَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ وحُذِفَتْ كَما هو القِياسُ واسْتُبْعِدَ بِأنَّ هَلْ لا تَدَخُلُ الأمْرَ ودُفِعَ بِما نَقَلَهُ الرَّضِيُّ عَنْهم مِن أنَّ أصْلَ هَلْ أُمَّ هَلّا أُمَّ وهَلّا كَلِمَةُ اسْتِعْجالٍ بِمَعْنى أسْرِعْ فَغُيِّرَ إلى هَلْ لِتَخْفِيفِ التَّرْكِيبِ ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنى أحْضِرْ وائْتِ ولازِمًا بِمَعْنى أقْبِلْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلُمَّ إلَيْنا ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا ﴾ وهَمَ كُبَراؤُهُمُ الَّذِينَ أسَّسُوا ضَلالَهم والمَقْصُودُ مِن إحْضارِهِمْ تَفْضِيحُهم وإلْزامُهم وإظْهارُ أنْ لا مُتَمَسَّكَ لَهم كَمُقَلِّدِيهِمْ ولِذَلِكَ قُيِّدَ الشُّهَداءُ بِالإضافَةِ ووُصِفُوا بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم شُهَداءُ مُعَرَّفُونَ بِالشَّهادَةِ لَهم وبِنْصِرِ مَذْهَبِهِمْ وهَذا إشارَةٌ إلى ما حَرَّمُوهُ مِنَ الأنْعامِ عَلى ما حَكَتْهُ الآياتُ السّابِقَةُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: إشارَةٌ إلى البَحائِرِ والسَّوائِبِ ﴿ فَإنْ شَهِدُوا ﴾ أيْ أُولَئِكَ الشُّهَداءُ المُعَرَّفُونَ بِالباطِلِ بَعْدَ ما حَضَرُوا بِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا ﴿ فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ أيْ فَلا تُصَدِّقْهم فَإنَّهُ كَذِبٌ بَحْتٌ وبَيَّنَ لَهم فَسادَهُ لِأنَّ تَسْلِيمَهُ مِنهم مُوافَقَةٌ لَهم في الشَّهادَةِ الباطِلَةِ والسُّكُوتُ قَدْ يُشْعِرُ بِالرِّضا وإرادَةُ هَذا المَعْنى مِن ( لا تَشْهَدْ ) إمّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ مِن ذِكْرِ اللّازِمِ وإرادَةِ المَلْزُومِ لِأنَّ الشَّهادَةَ مِن لَوازِمِ التَّسْلِيمِ أوِ الكِنايَةِ أوْ هو مِن بابِ المُشاكَلَةِ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ ضَمِيرَ ﴿ شَهِدُوا ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ أيْ فَإنْ لَمْ يَجِدُوا شاهِدًا يَشْهَدُ بِذَلِكَ فَشَهِدُوا بِأنْفُسِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فَلا تَشْهَدْ وهو في غايَةِ البُعْدِ وأبْعَدُ مِنهُ بَلْ هو لِلْفَسادِ أقْرَبُ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ هَلُمَّ شُهَداءَكم مِن غَيْرِكم فَإنْ لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ لِأنَّ غَيْرَ العَرَبِ لا يُحَرِّمُونَ ما ذُكِرَ وشَهِدُوا بِأنْفُسِهِمْ فَلا تَصْدِّقْهم ﴿ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ مُكَذِّبَ الآياتِ مُتَّبِعٌ الهَوى لا غَيْرَ وإنَّ مُتَّبِعَ الحُجَّةَ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا بِها والخِطابُ قِيلَ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ وقِيلَ: لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ والمُرادُ أُمَّتُهُ.

﴿ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ كَعَبَدَةِ الأوْثانِ عُطِفَ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ بِطَرِيقِ عَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الصِّفَةِ مَعَ اتِّحادِ المَوْصُوفِ فَإنَّ مَن يُكَذِّبُ بِآياتِهِ تَعالى لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ وبِالعَكْسِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الأوَّلِ المُكَذِّبُونَ مَعَ الإقْرارِ بِالآخِرَةِ كَأهْلِ الكِتابَيْنِ وبِالمَوْصُولِ الثّانِي المُكَذِّبُونَ مَعَ إنْكارِ الآخِرَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ (150) أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا أيْ شَرِيكًا فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ وقِيلَ: يَعْدِلُونَ بِأفْعالِهِ عَنْهُ سُبْحانَهُ ويَنْسُبُونَها إلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وقِيلَ: ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ بِعِبادَتِهِمْ عَنْهُ تَعالى والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ والمَعْنى لا تَتَّبِعِ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِالآياتِ والكُفْرِ بِالآخِرَةِ والإشْراكِ بِرَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ لَكِنْ لا عَلى أنَّ مَدارَ النَّهْيِ الجَمْعُ المَذْكُورُ بَلْ عَلى أنَّ أُولَئِكَ جامِعُونَ لَها مُتَّصِفُونَ بِها وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( لا يُؤْمِنُونَ ) <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا مع الله لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا يعني: ولا أشرك آباؤنا، ولكن شاء لنا ذلك وأمرنا به وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ أي: من هذه الأشياء.

ويقال: مذهبهم مذهب الجبرية.

قال الله تعالى: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: الأمم الخالية كذبوا رسلهم كما كذبك قومك.

وإنما كذبهم الله لأنهم قالوا ذلك على وجه السخرية لا على وجه التحقيق كما قال المنافقون: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله فكذبهم الله في مقالتهم، لأنهم قالوا على وجه السخرية.

ثم قال: حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا يعني: الأمم الخالية أتاهم عذابنا فهذا تهديد لهم ليعتبروا.

ثم قال: قُلْ يا محمد لهم قل: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ يعني: بيان من الله فَتُخْرِجُوهُ لَنا فبينوه لنا بتحريم هذه الأشياء التي كانوا يحرمونها، ثم بيّن الله أنهم قالوا ذلك بغير حجة وبيان فقال: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني: ما تقولون إلا بالظن من غير يقين وعلم وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ يعني: قل لهم ما أنتم إلا تكذبون على الله.

قوله تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ يعني: الحجة الوثيقة وهو محمد  والقرآن.

فبيّن لهم ما أحلّ لهم وما حرم عليهم فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ يعني: لو شاء لوفَّقكم لدينه، وأكرمكم بالهدى لو كنتم أهلاً للإسلام، ولكن لم يوفقهم لأنهم لم يجاهدوا فِى الله حَقَّ جهاده قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا عليكم فَإِنْ شَهِدُوا على تحريمه فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ فأخبر الله أنهم لو شهدوا، كانت شهادتهم باطلة، ولا يجوز قبول شهادتهم، لأنهم يقولون بأهوائهم.

ثم قال: وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: بمحمد  وبالقرآن وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني: البعث وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعني يشركون بالله.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لُحُومَ الحُمُرِ الأنْسِيَّةِ «١» ، فتأول بعض الصحابة الحاضِرِينَ ذلك لأنها لم تخمَّس، وتأوَّل بعضهم أن ذلك لئَلاَّ تفنى حمولةُ النَّاس، وتأول بعضهم التحريمَ المَحْضَ، وثبت في الأمة الاختلافُ في لَحْمها، فجائز لِمَنْ ينظر من العلماءِ أنْ يحمل لفظ التحريمِ بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها، وباقي الآية بيّن.

وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)

وقوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ...

الآية: هذا خبر مِنَ اللَّهِ سبحانه يتضمَّن تكذيبَ اليَهُودِ في قولهم: «إن اللَّه لم يحرِّم علينا شيئاً، وإنما حرمنا على أنفسنا ما حَرَّمه إسرائيل على نفسه» ، وكُلَّ ذِي ظُفُرٍ: يراد به الإبلُ، والنَّعَام، والإوَزُّ ونحوه من الحيوانِ الذي هو غير مُنْفَرِجِ الأصابع، وله ظُفُر، وأخبرنا سبحانه في هذه الآية بتحريمِ الشحومِ عليهم، وهي الثُّرُوب وشَحْمُ الكلى، ومَا كان شحماً خالصاً خارجاً عن الاستثناء الذي في الآية، واختلف في تحريم ذلك على المسلمين من ذبائحهم، فعن مالكٍ: كراهيةُ شحومهم من غير تحريمٍ.

وقوله تعالى: إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما، يريد: ما اختلط باللحْمِ في الظَّهْرِ والأجنابِ ونحوه، قال السُّدِّيُّ وأبو صالح: الأَلْيَاتُ ممَّا حملَتْ ظهورهما «٢» ، والحَوَايَا: ما تحوى في البَطْن، واستدار، وهي المَصَارِينُ والحُشْوة ونحوها، وقال ابن عباس وغيره:

هي المَبَاعِر «٣» ، وقوله: أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، يريد: في سائر الشخص.

وقوله سبحانه: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ يقتضي أنَّ هذا التحريم إنما كان عقوبةً لهم على بغيهم، واستعصائهم على أنبيائهم.

وقوله سبحانه: وَإِنَّا لَصادِقُونَ: إخبار يتضمَّن التعريضَ بكَذِبهم في قولهم: ما حرَّم اللَّهُ علينا شيئاً.

وقوله سبحانه: فَإِنْ كَذَّبُوكَ: أي: فيما أخبرْتَ به أنَّ اللَّه حرَّمه عليهم، فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ أي في إمهاله إذ لم يعاجلْكم بالعقوبةِ، مع شدَّة جُرْمِكم، ولكنْ لا تغترُّوا بسعة رحمته فإن له بَأْساً لا يُرَدُّ عن القوم المجْرِمِين، إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذه الآية وما جانَسَها من آياتِ مكَّة مرتفعٌ حكْمُها بآية القتالِ، ثم أخبر سبحانه نبيَّه- عليه السلام- بأن المشركين سيحتجُّون لتصويبِ ما هُمْ عليه من شركهم وتديُّنهم:

بتحريمِ تلك الأشياءِ بإمهال اللَّه تعالى لهم، وتقريرِهِ حالهم، وأنه لو شاء غَيْرَ ذلك، لما تَرَكَهم على تلْك الحال، ولا حُجَّة لهم فيما ذكَروه لأنه سبحانه شاء إشراكهم وأقدرهم على الاكتساب، ويلزمهم على احتجاجهم أنْ تكون كلُّ طريقةٍ وكلُّ نحلةٍ صواباً، إذْ كلها لو شاء اللَّه لَمْ تكُنْ، وفي الكلامِ حذفٌ يدلُّ عليه تناسُقُ الكلامِ كأنه قال: سيقول المشركون كذا وكذا، وليس في ذلك حُجَّة لهم، ولا شَيْء يقتضي تكذيبَكَ، ولكن، كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بنحو هذه الشبهة مِنْ ظَنِّهم أنَّ ترك اللَّه لهم دليلٌ على رضاه بحالهم، وفي قوله تعالى: حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا: وعيدٌ بيِّن.

وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ.

أي: مِنْ قِبَلِ اللَّه، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ، يريد البالغةَ غاية المَقْصِدِ في الأمر الذي يحتجُّ له، ثم أعلم سبحانه أنَّه لو شاء، لهدى العالم بأسره، وهَلُمَّ: معناها: هَاتِ وهي حينئذ متعدِّية، وقد تكون بمعنى:

«أَقْبِلْ» فلا تتعدى، وبعضُ العرب يجعلها اسم فعْلٍ ك «رُوَيْدَكَ» ، وبعضهم يجعلها فِعْلاً، ومعنى الآية: قل هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن اللَّه حرَّم ما زعمتم تحريمَهُ، فَإِنْ شَهِدُوا، أي: فإن افترى لهم أحدٌ أو زَوَّرَ شهادةً أو خبراً عن نبوَّة ونَحوَ ذلك، فجَنِّبْ أنْتَ ذلك، ولا تَشْهد معهم، قلْتُ: وهذه الآية/ والتي بعدها مِنْ نوعَ ما تقدّم من أن الخطاب له صلّى الله عليه وسلّم، والمراد غيره ممَّن يمكن ذلك منه، وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، أي: يجعلون لَهُ أنداداً يسوُّونهم به، تعالى الله عن قولهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ "هَلُمَّ" هاءٌ ضُمَّتْ إلَيْها "لَمَّ" وجُعِلَتا كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ؛ فَأكْثَرُ اللُّغاتِ أنْ يُقالَ: "هَلُمَّ": لَلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ؛ بِذَلِكَ جاءَ القُرْآَنُ.

ومِنَ العَرَبِ مَن يُثْنِّي ويَجْمَعُ ويُؤَنِّثُ، فَيَقُولُ لَلذَّكَرِ: "هَلُمَّ" ولِلْمَرْأةِ: "هَلُمِّي"، ولِلِاثْنَيْنِ: "هَلُمّا"، ولِلثِّنْتَيْنِ: "هَلُمّا"، ولِلْجَماعَةِ: "هَلُمُّوا" ولِلنِّسْوَةِ: "هَلْمُمْنَ" وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "هَلُمَّ" بِمَعْنى: "تَعالَ" .

وأهْلُ الحِجازِ لا يُثَنُّونَها ولا يَجْمَعُونَها.

وأهْلُ نَجَدٍ يَجْعَلُونَها مِن "هَلْمَمْتُ" فَيُثَنُّونَ ويَجْمَعُونَ ويُؤَنِّثُونَ؛ وتُوصَلُ بِاللّامِ، فَيُقالُ: "هَلُمَّ لَكَ"، "وَهَلُمَّ لَكُما" .

قالَ: وقالَ الخَلِيلُ: أصْلُها "لَمَّ" وزِيدَتِ الهاءُ في أوَّلِها.

وخالَفَهُ الفَرّاءُ، فَقالَ: أصْلُها "هَلْ" ضَمَّ إلَيْها "أمْ"، والرِّفْعَةُ الَّتِي في اللّامِ مِن هَمْزَةِ "أمْ" لَمّا تُرِكَتِ انْتَقَلَتْ إلى ما قَبْلَها؛ وكَذَلِكَ "اللَّهُمَّ" يَرى أصْلَها: "يا أللَّهُ أُمَّنا بِخَيْرٍ" فَكَثُرَتْ في الكَلامِ، فاخْتَلَطَتْ، وتَرَكَتِ الهَمْزَةَ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى: "هَلُمَّ": أقْبِلْ؛ وأصْلُهُ: "أُمَّ يا رَجُلُ" أيِ: "اقْصِدْ" فَضَمُّوا "هَلْ" إلى "أمْ" وجَعَلُوهُما حَرْفًا واحِدًا، وأزالُوا "أمْ" عَنَ التَّصَرُّفِ، وحَوَّلُوا ضَمَّةَ الهَمْزَةِ "أمْ" إلى اللّامِ، وأسْقَطُوا الهَمْزَةَ، فاتَّصَلَتِ المِيمُ بِاللّامِ.

وإذا قالَ الرَّجُلُ لَلرَّجُلِ: "هَلُمَّ" فَأرادَ أنْ يَقُولَ: لا أفْعَلُ، قالَ: "لا أهَلُمُّ" "وَلا أُهَلِمُّ" .

قالَ مُجاهِدٌ: هَذِهِ الآَيَةُ جَوابُ قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ البَحِيرَةَ، والسّائِبَةَ.

قالَ مُقاتِلٌ: الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا الحَرْثَ والأنْعامَ، فَإنْ "شَهِدُوا" أنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ ﴿ فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ أيْ: لا تُصَدِّقُ قَوْلَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهم ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ثُمَّ أعْقَبَ تَعالى أمْرَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِتَوْقِيفِ المُشْرِكِينَ عَلى مَوْضِعِ عَجْزِهِمْ؛ بِأمْرِهِ تَعالى إيّاهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ - مُبَيِّنًا؛ مُفْصِحًا -: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴾ ؛ يُرِيدُ: اَلْبالِغَةُ غايَةَ المَقْصِدِ في الأمْرِ الَّذِي يُحْتَجُّ فِيهِ؛ ثُمَّ اعْلَمْ بِأنَّهُ لَوْ شاءَ تَعالى لَهَدى العالَمَ بِأسْرِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ الهِدايَةَ والإيمانَ إنَّما هي مِنَ العَبْدِ؛ لا مِنَ اللهِ تَعالى ؛ فَإنْ قالُوا: مَعْنى "لَهَداكُمْ": لاضْطَرَّكم إلى الهُدى؛ فَسَدَ ذَلِكَ بِمُعْتَقَدِهِمْ أنَّ الإيمانَ الَّذِي يُرِيدُ اللهُ تَعالى مِن عِبادِهِ؛ ويُثِيبُ عَلَيْهِ؛ لَيْسَ الَّذِي يُضْطَرُّ إلَيْهِ العَبْدُ؛ وإنَّما هو عِنْدَهُمُ الَّذِي يَقَعُ مِنَ العَبْدِ وحْدَهُ.

و"هَلُمَّ"؛ مَعْناها: "هاتِ"؛ وهي حِينَئِذٍ مُتَعَدِّيَةٌ؛ وقَدْ تَكُونُ بِمَعْنى: "أقْبِلْ"؛ فَهي حِينَئِذٍ لا تَتَعَدّى؛ وبَعْضُ العَرَبِ يَجْعَلُها اسْمًا لِلْفِعْلِ؛ كَـ "رُوَيْدَكَ"؛ فَيُخاطِبُ بِها الواحِدَ؛ والجَمِيعَ؛ والمُذَكَّرَ؛ والمُؤَنَّثَ؛ عَلى حَدٍّ واحِدٍ؛ وبَعْضُ العَرَبِ يَجْعَلُها فِعْلًا؛ فَيُرَكِّبُ عَلَيْها الضَمائِرَ؛ فَيَقُولُ: "هَلُمَّ يا زَيْدُ"؛ و"هَلُمُّوا أيُّها الناسُ"؛ و"هَلُمِّي يا هِنْدُ"؛ ونَحْوَ هَذا؛ وذَكَرَ اللُغَتَيْنِ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْإغْفالُ"؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَللُّغَةُ الأُولى لِأهْلِ العالِيَةِ؛ واللُغَةُ الثانِيَةُ لِأهْلِ نَجْدٍ؛ وقالَ سِيبَوَيْهِ ؛ والخَلِيلُ: أصْلُها: "هالُمَّ"؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: أصْلُها "هالُمُمْ"؛ وحُذِفَتِ الألِفُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ؛ فَجاءَ "هَلُمْمَ"؛ فَحَذَفَ مَن قالَ: أصْلُها: "هالُمَّ"؛ وأدْغَمَ مَن قالَ: أصْلُها "هالُمُمْ"؛ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.

وَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: "قُلْ هاتُوا شُهَداءَكم عَلى تَحْرِيمِ اللهِ تَعالى ما زَعَمْتُمْ أنَّهُ حَرَّمَهُ"؛ ثُمَّ قالَ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "فَإنْ شَهِدُوا"؛ أيْ: "فَإنِ افْتَرى لَهم أحَدٌ؛ وزَوَّرَ شَهادَةً أو خَبَرًا عن نُبُوَّةٍ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَتَجَنَّبْ أنْتَ ذَلِكَ؛ ولا تَشْهَدُ مَعَهُمْ"؛ وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ ؛ قُوَّةُ وصْفِ شَهادَتِهِمْ بِنِهايَةِ الزُورِ؛ ﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ ﴾ ؛ يُرِيدُ: "لا تَنْحَطَّ في شَهَواتِ الكَفَرَةِ؛ وتُوافِقْهم أقْوالَهُمْ"؛ ﴿ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ عَطْفُ نَعْتٍ عَلى نَعْتٍ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ"؛ هَذا مَذْهَبُ مُعْظَمِ الناسِ؛ وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في الدَهْرِيَّةِ مِنَ الزَنادِقَةِ؛ ﴿ وَهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ؛ أنْدادًا؛ يُسَوُّونَهم بِهِ؛ وإنْ كانَتْ في الزَنادِقَةِ؛ فَعَدْلُهم غَيْرُ هَذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي: للانتقال من طريقة الجدل والمناظرة في إبطال زعمهم، إلى إبطاله بطريقة التّبيين، أي أحضروا من يشهدون أنّ الله حرّم هذا، تقصياً لإبطال قولهم من سائر جهاته.

ولذلك أعيد أمر الرّسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما يظهر كذب دعواهم.

وإعادة فعل ﴿ قل ﴾ بدون عطف لاسترعاء الأسماع ولوقوعه على طريقة المحاورة كما قدمناه آنفاً.

و ﴿ هلمّ ﴾ اسم فعللِ أمْرٍ للحُضور أو الإحضار، فهي تكون قاصرة كقوله تعالى: ﴿ هلمّ إلينا ﴾ [الأحزاب: 18] ومتعدية كما هنا، وهو في لغة أهل الحجاز يلزم حالة واحدة فلا تلحقه علامات مناسبة للمخاطب، فتقول: هلمّ يا زيدُ، وهلمّ يا هندُ، وهكذا، وفي لغة أهل العالية أعني بني تميم تلحقه علامات مناسبة، يقولون: هَلُمّي يا هند، وهلُمَّا، وهلُمّوا، وهلْمُمْنَ، وقد جاءَ في هذه الآية على الأفصح فقال: ﴿ هلم شهداءكم ﴾ .

والشّهداء: جمع شهيد بمعنى شاهد، والأمر للتّعجيز إذ لا يَلقون شهداء يشهدون أنّ الله حرّم ما نسبوا إليه تحريمه من شؤون دينهم المتقدّم ذكرها.

وأضيف الشّهداء إلى ضمير المخاطبين لزيادة تعجيزهم، لأنّ شأن المحقّ أن يكون له شهداء يعلمهم فيحضرهم إذا دُعي إلى إحقاق حقّه، كما يقال للرّجل: اركَب فرسك والْحَقْ فلاناً، لأنّ كلّ ذي بيت في العرب لا يَعدِم أن يكون له فرس، فيقول ذلك له من لا يعلم له فرساً خاصاً ولكن الشأن أن يكون له فرس ومنه قوله تعالى: ﴿ يدنين عليهن من جلابيبهن ﴾ [الأحزاب: 59] وقد لا يكون لإحداهن جلباب كما ورد في الحديث أنَّه سئل: إذا لم يكن لإحدانا جلباب، قال: لتُلْبِسْها أخْتُها من جلبابها.

ووصفُهم بالموصول لزيادة تقرير معنى إعداد أمثالهم للشّهادة، فالطّالب ينزّل نفسه منزلة من يظنّهم لا يخلُون عن شهداء بحقِّهم من شأنهم أن يشهدوا لهم وذلك تمهيد لتعجيزهم البين إذا لم يحضروهم، كما هو الموثوق به منهم ألا ترى قوله: ﴿ أم كنتم شهداء إذ وصّاكم الله بهذا ﴾ [الأنعام: 144] فهو يعلم أن ليس ثمة شهداء.

وإشارة ﴿ هذا ﴾ تشير إلى معلوم من السّياق، وهو ما كان الكلام عليه من أوّل الجدال من قوله: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ [الأنعام: 143] الآيات، وقد سبقت الإشارة إليه أيضاً بقوله: ﴿ أم كنتم شهداء إذ وصّاكم الله بهذا ﴾ [الأنعام: 144].

ثمّ فرع على فرض أن يحضروا شهداء يشهدون، قوله: ﴿ فإن شهدوا فلا تشهد معهم ﴾ ، أي إن فرض المستبعد فأحضروا لك شهداء يشهدون أنّ الله حرّم هذا الذي زعموه، فكذّبهم وأعلم بأنَّهم شهود زور، فقوله: ﴿ فلا تشهد معهم ﴾ كناية عن تكذيبهم لأنّ الذي يصدق أحداً يوافقه في قوله، فاستعمل النّهي عن موافقتهم في لازمه، وهو التّكذيب، وإلاّ فإنّ النَّهي عن الشّهادة معهم لمن يعلم أنَّه لا يشهد معهم لأنَّه لا يصدّق بذلك فضلاً على أن يكون شاهده من قبيل تحصيل الحاصل، فقرينة الكناية ظاهرة.

وعُطف على النّهي عن تصديقهم، النّهيُ عن اتّباع هواهم بقوله: ﴿ ولا تتبع أهواء الذين كذبوا ﴾ .

وأظهر في مقام الإضمار قوله: ﴿ الذين كذبوا بآياتنا ﴾ لأنّ في هذه الصّلة تذكيراً بأنّ المشركين يكذّبون بآيات الله، فهم ممّن يتجنّب اتَّباعهم، وقيل: أريد بالذين كذبوا اليهود بناء على ما تقدّم من احتمال أن يكونوا المراد من قوله: ﴿ فإن كذّبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ [الأنعام: 147] وسمَّى دينهم هوى لعدم استناده إلى مستند ولكنّه إرضاء للهوى.

والهوى غلب إطلاقه على محبّة الملائم العاجل الذي عاقبته ضرر.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم ﴾ في سورة البقرة (145).

وقوله: والذين لا يؤمنون بالآخرة } عطف على ﴿ الذين كذبوا ﴾ والمقصود عطف الصّلة على الصّلة لأنّ أصحاب الصّلتين متّحدون، وهم المشركون، فهذا كعطف الصّفات في قول القائل، أنشده الفراء: إلى الملك القرم وابن الهما *** م وليثثِ الكتيبة في المزدَحَم كان مقتضَى الظاهر أن لا يعاد اسم الموصول لأنّ حرف العطف مغن عنه، ولكن أجري الكلام على خلاف مقتصى الظاهر لزيادة التّشهير بهم، كما هو بعض نكت الإظهار في مقام الإضمار.

وقيل: أريد بالذين كذّبوا بالآيات: الذين كذّبوا الرّسول عليه الصّلاة والسّلام والقرَآن، وهم أهل الكتابين، وبالذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربِّهم يعدلون: المشركون، وقد تقدّم معنى: ﴿ بربهم يعدلون ﴾ عند قوله تعالى: ﴿ ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون ﴾ في أوّل هذه السورة (1).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ ﴾ وهَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ  ، أنْ يَدْعُوَ النّاسَ إلَيْهِ لِيَتْلُوَ عَلَيْهِمْ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وما أحَلَّهُ لَهم لِيُقْلِعُوا عَمّا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ عَلَيْهِ مِن تَحْرِيمِ المُباحِ وإباحَةِ الحَرامِ.

والتِّلاوَةُ: هي القِراءَةُ، والفَرْقُ بَيْنَ التِّلاوَةِ والمَتْلُوِّ، والقِراءَةِ والمَقْرُوءِ أنَّ التِّلاوَةَ والقِراءَةَ لِلْمَرَّةِ الأُولى، والمَتْلُوَّ والمَقْرُوءَ لِلثّانِيَةِ وما بَعْدَها، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى، والَّذِي أراهُ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما أنَّ التِّلاوَةَ والقِراءَةَ يَتَناوَلُ اللَّفْظَ، والمَتْلُوَّ والمَقْرُوءَ يَتَناوَلُ المَلْفُوظَ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أخَذَ فَيِما حَرَّمَ فَقالَ: ﴿ ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: ألّا تُشْرِكُوا بِعِبادَتِهِ عِبادَةَ غَيْرِهِ مِن شَيْطانٍ أوْ وثَنٍ.

والثّالِثُ: أنْ يَحْمِلَ الأمْرَيْنِ مَعًا.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ تَقْدِيرُهُ: وأُوصِيكم بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، والإحْسانُ تَأْدِيَةُ حُقُوقِهِما ومُجانَبَةُ عُقُوقِهِما والمُحافَظَةُ عَلى بَرِّهِما.

﴿ وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُونَ أوْلادَهم خَشْيَةَ الإمْلاقِ.

وَفي الإمْلاقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإفْلاسُ، ومِنهُ المَلْقُ لِأنَّهُ اجْتِهادُ المُفْلِسِ في التَّقْرِيبِ إلى الغِنى طَمَعًا في تَأْجِيلِهِ.

والثّانِي: أنَّ الإمْلاقَ ومَعْناهُما قَرِيبٌ وإنْ كانَ بَيْنَهُما فَرْقٌ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ في الإمْلاقِ بِأنْ قالَ: ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ ﴾ لِأنَّ رِزْقَ العِبادِ كُلِّهِمْ، مِن كَفِيلٍ ومَكْفُولٍ، عَلى خالِقِهِمْ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الفَواحِشِ سِرِّها وعَلانِيَتِها، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الزِّنى، ما ظَهَرَ مِنها: ذَواتُ الحَوانِيتِ، وما بَطَنَ: ذَواتُ الِاسْتِسْرارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: ما ظَهَرَ مِنها: نِكاحُ المُحَرَّماتِ، وما بَطَنَ: الزِّنى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّ ما ظَهَرَ مِنها: الخَمْرُ، وما بَطَنَ مِنها: الزِّنى، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَقَدْ ذَكَرْنا فِيهِ احْتِمالَ تَأْوِيلٍ خامِسٍ: أنَّ ما ظَهَرَ مِنها أفْعالُ الجَوارِحِ، وما بَطَنَ مِنها اعْتِقادُ القُلُوبِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ﴾ والنُّفُوسُ المُحَرَّمَةُ: نَفْسُ مُسْلِمٍ، أوْ مُعاهِدٍ، والحَقُّ الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ النَّفْسُ ما بَيَّنَهُ النَّبِيُّ  بِقَوْلِهِ: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، أوْ زِنًى بَعْدَ إحْصانٍ، أوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» .

ثُمَّ قالَ: ﴿ ذَلِكم وصّاكم بِهِ ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ وصّى عِبادَهُ بِذَلِكَ، ووَصِيَّةُ اللَّهِ واجِبَةٌ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَعْقِلُونَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَلَيْكم وتَعْلَمُونَهُ.

والثّانِي: تَعْمَلُونَ عَمَلَ مَن يَعْقِلُ وهو تَرْكُ ما أوْجَبَ العِقابَ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ قل هلم شهداءكم ﴾ قال: أروني شهداءكم.

وأخرج أبن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ الذين يشهدون أن الله حرم هذا ﴾ قال: البحائر والسوائب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ ﴾ الآية، قال الليث: (هَلُم كلمة دعوة إلى شيء، الواحد والاثنان والجميع والذكر والأنثى فيه سواء، إلا في لغة بني سعد (١) (٢) (٣) ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ  ﴾ وقال عز وجل: ﴿ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ  ﴾ ولغة أخرى يقال للاثنين: هَلُمَّا ، وللجميعِ: هَلُمُّوا، وللمرأة: هَلُمِّي، وللاثنين: هلُمَّا ، وللجميع: هَلُمْنَ، والأول أصح وإذا قال لك: هَلُمَّ إلى كذا، قلت: [إلاَمَ أَهَلُمُّ، وإذا قال لك: هَلمُّ كذا قلت: (٤) (٥) قال النحويون: (٦) (٧) (٨) (٩) وقال الفراء: (أصلها هل أُمَّ، أرادوا بهل: أقبل، وأُم، أي: اقصد) (١٠) (١١) وقال أبو إسحاق: (وفتحت هلم (١٢) (١٣) قال أبو علي الفارسي: (اعلم أن في قولنا: هلم، لغتين، إحداهما: وهو قول أهل الحجاز ولغة التنزيل: أن تكون في جميع الأحوال للواحد والواحدة والاثنين والثنتين، والجماعة من الرجال والنساء على لفظ واحد، لا يظهر فيه علامة تثنية ولا جمع، فيكون بمنزلة رُوَيْدَ وصَهْ ومَهْ ونحو ذلك من الأسماء التي سميت بها الأفعال، وتستعمل للواحد والجميع والتأنيث والتذكير على صورة واحدة، والأخرى: أن تكون بمنزلة رُدَّ في ظهور علامات الفاعلين على حسب ما يظهر في رُدّ وسائر ما أشبهها من الأفعال، فأما الهاء اللاحق بها أولاً فهي من هَاء التي للتنبيه لحقت أولًا؛ لأن لفظ الأمر قد يحتاج له إلى استعطاف المأمور واستدعاء إقباله على الأمر، فهو لذلك (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) فأما ما حُكي عن الفراء أنه قال في هلم: أن أصله هَلْ أُمّ، فالدليل على فساد هذا القول وفَسالته أن هل لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون بمعنى: قد، وهذا يدخل في الخبر، وإما أن يكون بمعنى: الاستفهام، وليس لواحد من الحرفين متعلق بهلم ولا له مدخل (٢١) (٢٢) وأما قول أبي إسحاق: فتحت؛ لأنها مدغمة كما فتحت رُدّ في الأمر لالتقاء الساكنين، فليس يخلو الفتح فيه من أن يكون لالتقاء الساكنين كما قال، أو من أن (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) فأما معنى ﴿ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ ﴾ فقال الزجاج: (هاتوا شهداءكم [وقربوا شهداءكم]) (٣٠) (٣١) ﴿ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا  ﴾ .

وقال في هذه الآية: ﴿ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ ﴾ ، فإذا كان بمعنى التعدية فاشتقاقه من اللم الذي هو الجمع، وإذا (٣٢) (٣٣) (١) بنو سعد: هم بنو سعد العشيرة، حي من كهلان من القحطانية، وهم بنو سعد العَشيرة ابن مالك، وهو مذحج بن أَدد بن يزيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان.

انظر: "الاشتقاق" ص 397، و"نهاية الأرب" ص 268.

(٢) "تهذيب اللغة" 4/ 3788، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 208.

(٣) في (أ): (انباء).

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

(٥) "إصلاح المنطق" ص 290، وبعضه في "تهذيب اللغة" 4/ 3788، وانظر: "تهذيب إصلاح المنطق" 2/ 120 - 121.

(٦) انظر: "معاني الأخفش" 2/ 290، و"تأويل مشكل القرآن" ص 557، و"المقتضب" 3/ 202 - 203، و"الأصول" 1/ 141 - 146، و"حروف المعاني" للزجاجي ص 73 - 74، و"الخصائص" 3/ 35 - 37، و"الصاحبي" ص 279، و"المشكل" 1/ 277، و"البيان" 1/ 348، و"التبيان" 1/ 363.

(٧) في (أ): (في الجواب لا أهلم أو أهلم).

وقد ضبط إلا أهلم بفتح الهاء، وضم اللام وأهَلِم: بكسر اللام.

(٨) في (ش): (والمجراة)، بالواو.

(٩) انظر: "الكتاب" 3/ 529 و3/ 332 و1/ 246.

(١٠) "معاني الفراء" 1/ 203.

وانظر: "الصاحبي" ص 279.

(١١) "جمهرة اللغة" 2/ 988.

(١٢) في (ش): (هل)، وهو تحريف.

(١٣) في "معاني الزجاج" 2/ 303: (كما يجوز في رد: الفتح والضم والكسر؛ لأنها لا تتصرف) ا.

هـ، وانظر: "إعراب النحاس" 2/ 105.

(١٤) في (ش): فهو كذلك.

(١٥) جاء في النسخ (أَلَا يَا اسْجُدُوا)، وقد قرأ الكسائي بتخفيف اللام ووقف (أَلاَ يَا) ثم ابتدأ (اسْجُدُوا) وقرأ الباقون: بتشديد اللام (ألَّا يَسْجُدُوا).

انظر: "السبعة" ص 480، و"المبسوط" ص 279، والاستشهاد هنا على تخفيف (ألا)، وأبو علي الفارسي يعتبر (يا) لمجرد التنبيه، انظر: "الحجة" لأبي علي 5/ 383، و"كتاب الشعر" 1/ 66.

(١٦) في (أ): (هذا الأمر)، وهو تحريف.

(١٧) في النسخ (يغير) بالياء، والأصح بالتاء كما في "الإغفال" ص 713.

(١٨) انظر "اللسان" 1/ 9 (١٩) في "الإغفال" ص 715 (أفعل)، وأشار المحقق في الهامش إلى ورود لفظ، الفعل في بعض النسخ.

(٢٠) في (ش): (لأن).

(٢١) قال أبو علي في "العضديات" ص 223: (لا يجوز أن يكون للاستفهام لاستحالة دخول الاستفهام على الأمر، ولا يجوز أيضًا أن يكون هل التي بمعنى قد التي تدخل على الخبر؛ لأن ذلك لا تدخل على الأمر، لا يجوز قد أذهب) اهـ.

(٢٢) في (ش): (هاهنا).

(٢٣) لفظ: (أن) ساقط من (ش)، وفي "الإغفال" ص 720: (أو يكون لأنه بني).

(٢٤) أي فتحت من أجل التركيب كما فتحت خمسة عشر وبابها.

انظر: "التبيان" 1/ 363.

(٢٥) في (ش): (الألف)، وفي "الإغفال" ص 720: (إذا لقيته الألف واللام) ا.

هـ.

(٢٦) لفظ: (وأن ذلك) ساقط من (أ)، وفي "الإغفال" ص 721: (فإن ذلك مطرد).

(٢٧) كذا في "النسخ"، وفي "الإغفال" ص 721 (جمعه)، وأشار المحقق في الهامش إلى ورود (جميعه).

(٢٨) "الكتاب" 3/ 534.

(٢٩) هذا ملخص ما ذكره أبو علي في "الإغفال" ص 711 - 721، ونحوه ذكر في "المسائل العضديات" ص 221، وانظر: "الدر المصون" 5/ 211 - 213.

(٣٠) لفظ: (وقربوا شهداءكم) ساقط من (ش).

(٣١) "معاني الزجاج" 2/ 303.

(٣٢) في (ش): (فإذا).

(٣٣) انظر: "الصحاح" 5/ 2060، و"المجمل" 4/ 907، و"المفردات" ص 844، و"اللسان" 8/ 4694 (هلم)، وقال السمين في "الدر" 5/ 213: (هلم تكون متعدية بمعنى أَحْضر، ولازمة بمعنى أقبل، فمن جعلها متعدية أخذها من اللمِّ وهو الجمع، ومن جعلها قاصرة أخذها من اللمَمِ وهو الدنو والقرب) اهـ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا ﴾ الآية: معناها أنهم يقولون: إن شركهم وتحريمهم لما حرموا كان بمشيئة الله ولو شاء الله أن لا يفعلوا ذلك ما فعلوه، فاحتجوا على ذلك فإرادة الله له، وتلك نزغة جبرية، ولا حجة لهم في ذلك، لأنهم مكلفونمأمورون ألا يشركوا بالله، ولا يحللوا ما حرم الله ولا يحرموا ما حلل الله، والإرادة خلاف التكليف، ويحتمل عندي أن يكون قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ الله ﴾ قولاً يقولونه في الآخرة؛ على وجه التمني أن ذلك لم يكن، كقولك إاذ ندمت على شيء: لو شاؤ الله ما كان هذا.

أي يتمنى أن ذلك لم يكن، ويؤيد هذا أنه حكى قولهم بأداة الاستقبال، وهي السين، فذلك دليل على أنهم يقولونه في المستقبل وهي الآخرة ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ ﴾ توقيف لهم وتعجيز ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة ﴾ لما أبطل حجتهم أثبت حجة الله ليظهر الحق ويبطل الباطل ﴿ هَلُمَّ ﴾ قيل: هي بمعنى هات فهي متعدية، وقيل: بمعنى أقبل فهي غير متعدية، وهي عند بعض العرب فعل يتصل به ضمير الاثنين والجماع والمؤنث، وعند بعضهم: اسم فعل فيخاطب بها الواجد والاثنان والجماعة والمؤنث على حد سواء، ومقصود الآية تعجيزهم عن إقامة الشهداء ﴿ فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ أي إن كذبوا في شهادتهم وزوروا فلا تشهد بمثل شهادتهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حصاده ﴾ بفتح الحاء: أبو عمرو وعاصم وابن عامر وسهل ويعقوب، الباقون: بالكسر وكلاهما مصدر ﴿ من الضان ﴾ بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية والأعشى والأصبهاني عن ورش ويزيد وحمزة في الوقف.

﴿ ومن المعز ﴾ ساكن العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وأبو جعفر وابن فليح وزمعة والخزاعي عن البزي والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل عنه، الباقون: بفتحها ﴿ إلا أن تكون ﴾ بتاء التأنيث: ابن كثير وابن عامر ويزيد وحمزة وعباس مَن طريق ابن رومي عنه.

﴿ ميتة ﴾ بالتخفيف والرفع: ابن عامر وزاد يزيد التشديد.

الباقون: بالياء وبالنصب.

﴿ الحوايا ﴾ ممالة: علي وحمزة وخلف.

﴿ فقل ربكم ﴾ وبابه مظهراً: الحلواني عن قالون والبرجمي.

الوقوف: ﴿ متشابه ﴾ ط.

﴿ ولا تسرفوا ﴾ ط ﴿ المسرفين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ حمولة ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ وفرشاً ﴾ ط ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن ﴿ ثمانية ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ ﴿ جنات ﴾ ﴿ أزواج ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ المعز اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ صادقين ﴾ ه لا لأن ﴿ اثنين ﴾ منصوب بـ ﴿ أنشأ ﴾ أيضاً ﴿ ومن البقر اثنين ﴾ ط ﴿ أرحام الأنثيين ﴾ ط لأن "أم" في قوله: ﴿ أم كنتم ﴾ بمعنى ألف استفهام توبيخ.

﴿ بهذا ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ولانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه.

﴿ لغير الله ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ظفر ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى.

﴿ بعظم ﴾ ط ﴿ ببغيهم ﴾ ز للابتداء بأن وإثبات وصف الصدق مطلقاً.

وللوصل وجه لأن المعنى وإنا لصادقون فيما أخبرنا عن التحريم ببغيهم.

﴿ واسعة ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ بأسنا ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ تخرصون ﴾ ه ﴿ البالغة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ حرم هذا ﴾ ج لذلك ﴿ معهم ﴾ ج لتناهي جزاء الشرط مع العطف ﴿ يعدلون ﴾ ه.

التفسير: إنه  جعل مدار هذا الكتاب الكريم على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر وإنه بالغ في تقرير هذه الأصول وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة منكري البعث والقيامة، ثم أتبعه حكاية أقوالهم الركيكة تنبيهاً على ضعف عقولهم، فلما تمم هذه المقاصد عاد إلى ما هو المقصود الأصلي وهو إقامة الدلائل على إثبات ذاته ووجوب توحيده فقال: ﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ الآية نشأ الشيء ينشأ نشأ إذا ظهر وارتفع، وأنشأه الله ينشئه إنشاء أظهره ورفعه ﴿ جنات معروشات وغير معروشات ﴾ يقال: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القبضان.

وقيل: كلاهما الكرم فإن بعض الأعناب تعرش وبعضها يبقى على وجه الأرض منبسطاً كالقرع والبطيخ.

وقيل: المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عروش يحمل عليها فتمسكه وهو الكرم وما يجري مجراه، وغير معروشات هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وقوة ساقة عن التعريش.

وقيل: المعروشات ما في البساتين والعمارات مما غرسه الناس واهتموا به فعرشوه، وغير معروشات ما أنبته الله وحشياً في البراري والجبال فيبقى غير معروش.

﴿ والنخل والزرع ﴾ فسر ابن عباس الزرع بجميع الحبوب التي الذكر تقتات ﴿ مختلفاً أكله ﴾ والأكل كل ما يؤكل والمراد ههنا ثمر النخل والزرع فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما كقوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها  ﴾ أي إليهما.

والمراد أن لكل شيء منهما طعماً غير طعم الآخر و ﴿ مختلفاً ﴾ حال مقدّرة أي أنشأه مقدرّاً اختلاف أكله لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك ﴿ متشابهاً وغير متشابه ﴾ في القدر واللون والطعم.

ثم قال ﴿ كلوا من ثمره ﴾ وقد قال في الآية المتقدمة أعني نظير هذه الآية وذلك قوله: ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ الآية إلى قوله ﴿ انظروا إلى ثمره  ﴾ تنبيهاً على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم متقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الأول سعادة روحانية أبدية، والحاصل من الانتفاع سعادة جسمانية زائلة.

وفائدة هذا الأمر الإباحة، وقدم إباحة الأكل على إخراج الحق كيلا يظن أنه يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المتشاركين فيه.

وفي الآية إشارة إلى أن خلق هذه النعم إما للأكل وإما للتصدق، والأول لكونه حق النفس مقدم على الثاني لأنه حق الغير.

وفيه أن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق لأن قوله: ﴿ كلوا ﴾ خطاب عام يتناول الكل، ويمكن أن يستدل به على أن الأصل عدم وجوب الصوم وأن من ادعى إيجابه فهو المحتاج إلى الدليل، وأن المجنون إذا أفاق في أثناء النهار لا يلزمه قضاء ما مضى، وأن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام.

قال علماء الأصول: من المعلوم من لغة العرب أن صيغة الأمر تفيد ترجيح جانب الفعل؛ فحملها على الإباحة أو الوجوب لا يصار إليه إلا بدليل منفصل، وفائدة قوله: ﴿ إذا أثمر ﴾ وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل منه هي أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت اطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع، أما قوله: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ فعن ابن عباس في رواية عطاء وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك.، أن الآية مدنية والحق هو الزكاة المفروضة وعلى هذا فكيف يؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل.

والجواب أن المراد فاعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد واهتموا به حتى لا تؤخروه عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء، وقال مجاهد: الآية مكية وإن هذا حق في المال سوى الزكاة وكان يقول: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، وكذا إذا دسته وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته وزيف بقوله صلى الله عليه وآله: "ليس في المال حق سوى الزكاة" وبأن قوله: ﴿ وآتوا حقه ﴾ إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوماً قبل ورود هذه الآية والإلزام الإجمال.

وعن سعيد بن جبير أن هذا كان قبل وجوب الزكاة فلما فرض العشر أو نصف العشر فيما سقي بالسواقي نسخ، والقول الأول أصح.

ثم إن أبا حنيفة احتج بالآية على وجوب الزكاة في الثمار لأنه قال: ﴿ وآتوا حقه ﴾ بعد ذكر الأنواع الخمسة وهي العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان.

واعترض عليه بأن لفظ الحصاد مخصوص بالزرع.

وأجيب بأن الحصد في اللغة عبارة عن القطع وذلك يتناول الكل.

واحتج هو أيضاً بها على أن العشر واجب في القليل والكثير للإطلاق.

والجواب أن بيانه في الحديث "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" .

ثم قال تعالى: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ولأهل اللغة فيه تفسيران: فعن ابن الأعرابي: السرف تجاوز ما حد لك.

فعلى هذا إذا أعطى الكل ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف كما جاء في الخبر "إبدأ بنفسك ثم بمن تعول" وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فخذها فقسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئاً فنزلت الآية ﴿ ولا تسرفوا ﴾ أي لا تعطوا كله وإذا منع الصدقة فقد أسرف وبه فسر الآية سعيد بن المسيب، فإن مجاوزة الحد تكون إلى طرف الإفراط وإلى طرف التفريط.

وقال عمر: سرف المال ما ذهب منه في غير منفعة.

وعلى هذا فقد قال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الأنعام والحرث.

وقالالزهري: ولا تنفقوا في معصية الله  .

وعن مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهباً فأنفقه رجل في طاعة الله  لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله كان مسرفاً، وهذا المعنى أراد حاتم الطائي حين قيل له لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ والمقصود منه الزجر فإن كل مكلف لا يحبه الله فإنه من أهل النار لأن محبة الله  عبارة عن إرادة إيصال الثواب إليه.

قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ معطوف على جنات أي وأنشأ من الأنعام هذين الجنسين.

فالحمولة ما يحمل الأثقال "فعولة" بمعنى "فاعلة" والفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش مصدر بمعنى "مفعول".

وقيل: الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها مثل الفرش المفروش عليها.

﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ قالت المعتزلة.

أي مما أحلها لكم ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ لا تسلكوا طريقه الذي يدعوكم إليه في التحليل والتحريم من عن أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية ﴿ إنه لكم عدوّ مبين ﴾ بين العداوة.

وفي انتصاب ﴿ ثمانية أزواج ﴾ وجهان: قال الفراء: هو بدل من قوله: ﴿ حمولة وفرشاً ﴾ .

وجوز غيره أن يكون مفعول ﴿ كلوا ﴾ والعرب تسمي الواحد فرداً إذا كان وحده فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجاً وهما زوجان، قال عز من قائل: ﴿ خلق الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ وقال: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿ من الضأن اثنين ﴾ أي زوجين اثنين ﴿ ومن المعز اثنين ﴾ وفي الآية الثانية: ﴿ ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ﴾ قال الجوهري: الضائن خلاف الماعز والجمع يعني اسم الجمع الضأن والمعز مثل راكب وركب وسافر وسفر.

وضأن أيضاً مثل حارس وحرس.

وقال في الكشاف: إنه قرىء بفتح العين.

والضأن ذوات الصوف من الغنم والمعز ذوات الشعر منها ﴿ قل ءالذكرين حرم الأنثيين ﴾ نصب بقوله: ﴿ حرم ﴾ والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله.

ويريد بالذكرين الذكر من الضأن وهو الكبش، والذكر من المعز وهو التيس، وبالأنثيين الأنثى من الضأن وهيالنعجة، والأنثى من المعز وهي العنز، وذلك على طريق الجنسية والمشاكلة.

ومعنى الاستفهام إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما يشتمل عليه أرحام الأنثيين أي مما يحمل إناث الجنسين، وكذلك الذكر من جنسي الإبل والبقر يعني الجمل والثور والأنثيان منهما الناقة والبقرة وما يحمل إناثهما وذلك أنهم كانوا يحرّمون ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى وأولادها كيفما كانت ذكوراً أو إناثاً، أو من خلط تارة وكانوا يقولون: قد حرمها الله فقيل لهم: إنكم لا تقرون بنبوّة نبي ولا شريعة شارع فكيف تحكمون بأن هذا يحل وهذا يحرم؟

وأكد ذلك بقوله: ﴿ نبؤني بعلم ﴾ أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في أن الله حرمه.

واعلم أنه  منّ على عباده بإنشاء الأزواج الثمانية من الأنعام لمنافعهم وإباحتها لهم إلا أنه فصل بين بعض المعدود وبعضه بالاحتجاج على من حرمها وليس ذلك بأجنبي وإنما هي جملة معترضة جيء بها تأكيداً وتشديداً للتحليل، فالاعتراضات في الكلام لاتساق إلا للتوكيد، أما قوله: ﴿ أم كنتم شهداء ﴾ فـ"أم" منقطعة أي بل أكنتم شهداء ومعناه الإنكار وفحواه أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل وتقولون إن الله حرم هذا فلم يبق إلا المشاهدة فتهكم بهم بذلك وسجل عليهم وعلى مثالهم بالظلم بقوله: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، قال المفسرون: يريد عمرو بن لحي بن قمعة الذي غيَّر شريعة إسماعيل  وبَحَّر البحائر وسَيَّب السوائب.

والأقرب أن للفظ عام فيتناول كل مفتر وإذا استحق هذا الوعيد على افتراء الكذب في تحريم مباح فكيف إذا كذب على الله  في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والملائكة وفي النبوّات وفي المعاد؟!

قال القاضي: في الآية دلالة على أن الإضلال عن الدين مذموم فلا يجوز أن ينسب إلى الله  .

وأجيب بأنه ليس كل ما كان مذموماً منا كان مذموماً من الله  فإن تمكين العبيد من أسباب الفجور وتسليط الشهوة عليهم مذموم منّا دونه ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قال القاضي: لا يهديهم إلى ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها.

وقالت الأشاعرة: معناه أنه لا ينقل المشركين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم لما بيّن فساد طريقة الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطاعم أتبعه البيان الصحيح في الباب فقال: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ﴾ أي طعاماً محرماً ﴿ على طاعم يطعمه ﴾ على آكل يأكله ﴿ إلا أن يكون ﴾ ذلك المأكول أو الموجود أو الطعام ﴿ ميتة أو دماً مسفوحاً ﴾ مصبوباً سائلاً.

قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء وما خرج من الأوداج عند الذبح فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، وما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل.

وسئل أبو مجلز عما يتلطّخ باللحم من الدم وعن القدر التي سلف في أمثالها، وانتصاب ﴿ فسقاً ﴾ على أنه معطوف على المنصوبات قبله، و ﴿ أهل ﴾ صفة له منصوبة المحل سمي ما أهل به لغير الله فسقاً لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود.

وجوز أن يكون ﴿ فسقاً ﴾ مفعولاً له من ﴿ أهل ﴾ وعلى هذا فقد عطف ﴿ أهل ﴾ على ﴿ يكون ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما يرجع إليه المستكن في ﴿ يكون ﴾ قالت العلماء: إن هذه السورة مكية وقد بيّن في الآية أنه لم يجد فيما أوحي إليه قرآناً أو غيره محرماً سوى هذه الأربعة، وقد أكد هذا بما في النحل وفي البقرة مصدرة بكلمة "إنما" الدالة على الحصر فصارت المدنية مطابقة للمكية، والذي جاء في المائدة ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم  ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع إلا ما ذكيتم  ﴾ من أقسام الميتة ولكنه خص بالذكر لأنهم كانوا يحكمون على تلك الأشياء بالتحليل فثبت أن الشريعة من أولها إلى اخرها كانت مستقرة على هذا الحكم.

وعلى هذا الحصر بقي الكلام في الخمر وفي سائر النجاسات والمستقذرات فنقول: إنه  قد وصف الخمر بأنه رجس وههنا علل تحريم لحم الخنزير بكونه رجساً فعلمنا أن النجاسة علة لتحريم الأكل وكل نجس فإنه يحرم أكله، هذا بعد إجماع الأمة على تحريم الخبائث والنجاسات.

وإن جوزنا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد كما روي أنه صلى الله عليه وآله نهى عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور.

فلا إشكال.

وقيل: المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرم على اليهود وزيف بأن تحريم شيء خامس نسخ والأصل عدمه.

ثم بين  أنه حرم على اليهود أشياء أخر سوى هذه الأربعة فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ وذلك نوعان: الأول أنه حرم عليهم ﴿ كل ذي ظفر ﴾ وفيه لغات: ضم الفاء والعين وهي الفصحى، وكسرهما وهي قراءة ابن السماك، والضم مع السكون والكسر مع السكون وهي قراءة الحسن، واختلف في ذي الظفر فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه الإبل فقط، وعنه في رواية أخرى وهو قول مجاهد أنه الإبل والنعام، وقيل: كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب، وسمي الحافر ظفراً على الاستعارة، وزيف بأن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً وبأن البقرة والغنم مباحان لهم كما يجيء مع أن لهما حافراً فإذن يجب حمل الظفر على المخلب والبراثن من الجوارح والسباع بل على كل ما له إصبع من دابة وطائر.

وكان بعض ذوات الظفر حلالاً لهم فلما ظلموا عمم التحريم.

فعموم التحريم خاص بهم ولهذا قدم الجار في قوله ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ فيستدل بذلك على حل بعض هذه الحيوانات على المسلمين وهو ما سوى ذات المخلب والناب فيكون الخبر مبيناً للآية لا مخالفاً كما ظن صاحب التفسير الكبير.

النوع الثاني قوله ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ﴾ قال في الكشاف: هو كقولك: "من زيد أخذت ماله" تريد بالإضافة يعني إضافة الأخذ إلى زيد بواسطة من زيادة الربط.

والمعنى أنه حرم عليهم من كل ذي ظفر كله ومن البقرة والغنم بعضهما وذلك شحومهما فقط، هذا أيضاً ليس على الإطلاق لقوله: ﴿ إلا ما حملت ظهورهما ﴾ قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم فإني لم أحرمه.

وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها.

وقيل: إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحفة وهي الشحمة التي على الظهر الملتزقة بالجلد فيما بين الكتفين إلى الوركين.

وهي بالحقيقة لحم سمين لأنه يحمر عند الهزال ولهذا لو حلف لا يأكل الشحم فأكل من ذلك اللحم السمين لم يحنث على الأصح.

والاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو الحوايا ﴾ قال الجوهري: الحوايا الأمعاء واحدها حوية وفي معناها حاوية البطن وحاوياء البطن.

وقال الواحدي: هي المباعر والمصارين والفحوى، أو ما اشتمل على الأمعاء يعني أن الشحوم المتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة، والاستثناء الثالث: ﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾ قال جمهور المفسرين: يعني شحم الآلية.

وقال ابن جريج: كل شحم في القوائم والجنب والرأس وفي العينين والأذنين فإنه مخلوط بعظم فهو حلال لهم.

والحاصل أن الشحم الذي حرم الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية.

وقيل: إن الحوايا غير معطوف على المستثنى وإنما هو معطوف على المستثنى منه والتقدير: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم.

ودخوله كلمة "أو" كدخولها في قوله  : ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً  ﴾ والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا واعص هذا فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا ﴿ ذلك ﴾ الجزاء وهو تحريم الطيبات ﴿ جزيناهم ببغيهم ﴾ بسبب قتلهم الأنبياء وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل وغير ذلك من قبائح أفعالهم ﴿ وإنا لصادقون ﴾ في هذه الأخبار أو فيما يوعد به العصاة.

قال القاضي: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم لأن التكليف تعريض للثواب والتعريض للثواب إحسان.

وأجيب بأن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد الثواب ويمكن أن يكون بشؤم الجرم المتقدم ﴿ فإن كذبوك ﴾ في ادعاء النبوّة والرسالة أو في تبليغ الأحكام، وعلى أصول المعتزلة فإن كذبوك في إنجاز إيعاد العصاة وزعموا أن الله واسع الرحمة وأنه يخلف الوعيد جوداً وكرماً.

﴿ فقل ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ فلذلك لا يعجل بالعقوبة ﴿ ولا يردّ بأسه ﴾ إذا جاء وقت عذابه ﴿ عن القوم المجرمين ﴾ يعني المكذبين.

وعلى أصولهم رحمته واسعة لأهل طاعته ولا يرد بأسه مع ذلك عن الذين ارتكبوا الكبائر فماتوا قبل التوبة.

ثم حكى أعذار الكفار الواهية فقال: ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ﴾ وإنما جاز العطف عل الضمير المرفوع المتصل من غير أن أكد بالمنفصل لمكان الفصل بعد حرف العطف بلا الزائدة لتأكيد النفي.

أخبر الله  بما سوف يقولونه ولما قالوه.

قال في سورة النحل: ﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء  ﴾ وإنما قال في سورة النحل بزيادة "نحن" و "من دونه" مرتين لأن الإشراك مستنكر مطلقاً.

فلفظ الإشراك يدل على إثبات شريك لا يجوز إثباته، وعلى تحليل أشياء وتحريم أشياء من دون الله فلم يحتج إلى لفظ من دونه، وأما العبادة فإنها غير مستنكرة على الإطلاق وإنما المستنكر عبادة شيء مع الله  ، ولا تدل على تحريم شيء فلم يكن بد من تقييده بقوله: ﴿ من دونه ﴾ ولما حذف من الآية لفظة ﴿ من دونه ﴾ مرتين حذف معه ﴿ نحن ﴾ لتطرد الآية في حكم التخفيف.

أما تفسير الآية فزعمت المعتزلة أنها تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: الأول أن الذي حكى عن الكفار في معرض الذم والتقبيح وذلك قولهم: "لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك" هو صريح قول المجبرة فيكون هذا المذهب مذموماً.

الثاني قوله: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ فلم يذكر المكذب به تنبيهاً على أنهم جاؤا بالتكذيب المطلق لأن الله عز وعلا ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئته القبائح وإرادتها، والرسل أخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله ورسوله وكتبه ونبذ أدلة السمع والعقل وراء ظهره.

والحاصل أن هذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين منهم والمتأخرين في تكذيب الأنبياء وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم لأنهم يقولون الكل بمشيئة الله  .

الثالث قوله: ﴿ حتى ذاقوا بأسنا ﴾ وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله  في هذا المذهب.

الرابع قوله: ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ﴾ وإنه استفهام على سبيل الإنكار أي لا علم لهؤلاء القائلين ولا حجة.

الخامس: ﴿ إن تتبعون إلا الظن ﴾ السادس: ﴿ وإن أنتم إلا تخرصون ﴾ السابع: ﴿ قل فلَّله الحجة البالغة ﴾ لأنه أزال الأعذار بالتمكين والإقدار فلم يبق لكم على الله حجة وإنما الحجة البالغة له عليكم وذلك أنكم تقولون: لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله لزم أن يكون الإله عاجزاً مغلوباً.

وهذا الكلام غير لازم لأن الله قادر على أن يحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء إلا أن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف وهذا هو المراد من قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وبوجه آخر إن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فلَّله الحجة الكاملة عليكم فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته فتوالوا جميع أهل الأديان ولا تعادوهم.

أجابت الأشاعرة بأنا قد بينا بالدلائل القاطعة من أول القرآن إلى ههنا صحة مذهبنا فوجب تأويل هذه الآية دفعاً للتناقض فنقول: إن القوم كانوا يتمسكون بمشيئة الله  في إبطال دعوة الأنبياء، وفي أن التكليف عبث فبين الله  أن ذلك من تكاذيبهم وأكاذيبهم، وأن التشبث بهذا العذر لا يفيدهم لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه، شاء الكفر من الكافر ومع ذلك بعث الأنبياء وأمر بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر فجرى بما يكون إلى قيام الساعة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله "المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة" ثم إن ظاهر آخر الآية معناه وهو قوله: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ وحمل المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر تعسف والله أعلم.

ثم لما أبطل جميع حجج الكفار بين أنه ليس لهم على قولهم شهود فقال: ﴿ قل هلم ﴾ ومعناه إذا كان لازماً أقبل وإذا كان متعدياً أحضر.

قال الخليل: أصله "هالم" من قولهم لمَّ الله شعثه أي جمعه كأنه قال: لمَّ نفسك إلينا أي أقرب والهاء للتنبيه واستعطاف المأمور، ثم حذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسماً واحداً يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث في لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها "هلما هلموا هلمي هلممن" والأول أفصح وقد يوصل بإلى كقوله  : ﴿ والقائلين لإخوانهم هلم إلينا  ﴾ وقال الفراء: أصلها "هل أم" أرادوا بهل حرف الاستفهام ومعنى أم اقصد.

وقيل: إن أصل استعماله أن قالوا هل لك في الطعام أم أي اقصد.

ثم شاع في الكل.

أمر الله  نبيه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه.

وإنما لم يقل شهداء يشهدون لأنه ليس الغرض أحضار أناس يشهدون بالتحريم وإنما المراد إحضار شهدائهم الموسومين بالشهادة لهم المعروفين بنصرة مذهبهم ولهذا قال: ﴿ فإن شهدوا ﴾ أي فإن وقعت شهادتهم ﴿ فلا تشهد معهم ﴾ أي لا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأن شهادتهم محض الهوى والتعصب ولأجل ذلك قال أيضاً: ﴿ ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ﴾ فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالتكذيب وليرتب عليه باقي الآية فيعلم أن المتصف بهذه الصفات لا تكون شهادتهم عند العقلاء مقبولة.

التأويل: ﴿ وهو الذي أنشأ جنات ﴾ في القلوب ﴿ معروشات ﴾ من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان ﴿ وغير معروشات ﴾ هي الصفات الروحانية التي جبلت القلوب عليها كالسخاء والحياء والوفاء والمودة والفتوة والشفقة والعفة والعلم والحلم والعقل والشجاعة والقناعة ونخل الإيمان وزرع الأعمال الصالحة وزيتون الأخلاق الحميدة ورمان الإخلاص بالشواهد والأحوال ﴿ متشابهاً ﴾ أعمالها ﴿ وغير متشابه ﴾ أحوالها ﴿ كلوا من ثمره ﴾ انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والإخلاص بالشواهد والأحوال لا بالدعاوى والقيل والقال.

﴿ وآتوا حقه ﴾ وحقه دعوة الخلق وتربيتهم بالحكمة والمواعظة الحسنة و ﴿ يوم حصاده ﴾ أوان بلوغ السالك مبلغ الرجال البالغين عند إدراك ثمرة الكمال للواصلين دون السالك الذي يتردد بعد بين المنازل والمراحل.

﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالشروع في الكلام في غير وقته والحرص على الدعوة قبل أوانها.

﴿ ومن الأنعام ﴾ أي ومن الصفات الحيوانية التي هي مركوزة في الإنسان ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها ما هو مستعد للأكل والشرب لصلاح القالب وقيام البشرية.

﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ فرزق القلب هو التحقيق من حيثالبرهان، ورزق الروح هو المحبة بصدق التحرز عن الأكوان، ورزق السر هو شهود العرفان يلحظ العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق بقدر ما ينبغي.

﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾ يخرجكم بالتفريط والإفراط إلى ضد المقصود.

ثم إن الصفات الحيوانية ثمان بعضها ذكور وبعضها إناث يتولد منها صفات أخر كلها محمودة إذ استعملت في محالها، وبمقدار ما ينبغي ﴿ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ﴾ والضأن والمعز من جنس الفرشية كما أن الإبل والبقر من جنس الحمولية.

والذكر من الضأن والمعز هما صفة شهوة البطن والفرج والأنثى منهما صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها وصفة التسليم عند تحمل الأذى، والذكر من الإبل والبقر صفتا الظلومية والجهولية، وأنثاهما الحمولية والاستسلام للاستعمال.

فبهذه الصفات الإنسانية صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها وهن أيضاً حملة عرش القلب فافهم، وقد أحل الله  استعمالها واستعمال المتولد منها على قانون الشرعية والطريقة، ومن زعم أنه يجب تركها وفصلها بالكلية فقد افترى ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ﴾ الكلام في نفسه حق وصدق إلا أنهم لما ذكروه في معرض الإلزام دفعاً للأذية والآلام كذبوا فيما قالوا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ  ﴾ .

قيل: الآية في مشركي العرب.

قالوا ذلك حين لزمتهم المناقضة، وانقطع حجاجهم في تحريمهم ما حرموا من الأشياء، وأضافوا ذلك إلى الله، وهو صلة قوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر [الأنعام: 143] إلى قوله: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا  ﴾ فلما لزمتهم المناقضة وانقطع حجاجهم فزعوا عند ذلك إلى هذا القول: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ﴾ ، فيقول الله لنبيه: ﴿ كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم ﴾ : من الأمم الخالية رسلهم كما كذبك هؤلاء، وكانوا يقولون لرسلهم ما قال لك هؤلاء: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا ﴾ \[إلى آخر ما ذكر\].

قال الحسن، والأصم: إن المشيئة - هاهنا -: الرضا؛ قالوا: رضي الله بفعلنا وصنيعنا، حيث فعل آباؤنا مثل ما فعلنا، وصنعوا مثل ما صنعنا، فلم يحل الله بينهم وبين ذلك، ولا أخذ على أيديهم، ولا منعهم عن ذلك، فلو لم يرض بذلك منهم لكان يحول ذلك عنهم ويمنعهم عنه.

وإنما استدلوا بالرضا من الله والإذن فيه بما كانوا يخوفون إياهم الهلاك والعذاب بصنيعهم الذي كانوا صنعوا، ثم رأوهم ماتوا على ذلك ولم يأتهم العذاب، فاستدلوا بتأخير نزول العذاب عليهم على أن الله رضي بذلك، والله أعلم.

وليس للمعتزلة في ظاهر هذه الآية [أدنى] تعلق؛ لأنهم يقولون: إن الله -  - قد ردّ ذلك القول الذي قالوا، وعاتبهم على ذلك القول بقوله: ﴿ كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا ﴾ ، وأوعدهم على ذلك وعيداً شديداً، فلو كان يجوز إضافة المشيئة إلى الله  في ذلك على ما تضيفون أنتم لم يكن يرد ذلك عنهم، ولا عاتبهم على ذلك، ولا أوعدهم وعيداً في ذلك؛ دل أنه لا يجوز أن يقال ذلك، ولا إضافة المشيئة إليه في ذلك.

فنقول - وبالله التوفيق -: إن المشيئة - هاهنا - تحتمل وجوهاً: أحدها: ما قال الحسن والأصم من الرضا؛ قالوا: إن الله رضي بذلك.

والثاني: الأمر والدعاء إلى ذلك؛ يقولون: إن الله أمرهم بذلك، ودعاهم إلى ذلك.

والثالث: كانوا يقولون ذلك على الاستهزاء والسخرية، لا على الحقيقة، وهكذا أمر المجوس أنهم إذا قيل لهم هذا: لم لا تؤمنون وتسلمون؟

يقولون ما قال هؤلاء: لو شاء الله لآمنا ولا أشركنا؛ فهذا العتاب الذي لحقهم والوعيد الذي أوعدهم إنما كان لما قالوا ذلك استهزاء منهم؛ أو لما ادعوا من الأمر والدعاء على الله وافتروا عليه، أو الرضا أنه رضي بذلك.

على هذه الوجوه الثلاثة تخرج المشيئة في هذا الموضع - والله أعلم - لا على ما قاله المعتزلة، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً  ﴾ هي كلمة حق، لكن قالها استهزاء وهزؤا، فلحقه العتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ﴾ أي: هل عندكم من بيان وحجة من الله [فتبينوه لنا وتظهروه على زعمكم أن الله أمركم بذلك ودعاكم إليه أو ترككم على ذلك لما رضي بذلك] دون أن أمهلكم ليعذبكم، أو ليس قد ترك من خالفكم في ذلك، ثم لم يدل تركه إياهم على أنه رضي بذلك، فقال الله: ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ ﴾ .

أي: ما تتبعون في ذلك إلا الظن.

﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ  ﴾ .

أي: ما هم إلا يخرصون ويكذبون في ذلك، ليست لهم حجة ولا بيان على ما يدعون من الأمر والدعاء إلى ذلك، والترك على ما هم عليه من الرضا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ ﴾ .

[قيل: الحجة البالغة]: التي إذا بلغت كل شبهة أزالتها، وكل غافل نائم نبهته وأيقظته.

وقل: الحجة البالغة: التامة القاهرة، الظاهرة على كل شيء، الغالبة عليه، لم تبلغ شيئاً إلا قهرته وغلبته.

وقال الحسن: الحجة البالغة في الآخرة: لا يعذب أحداً ولا يعاقبه إلا لحجة تلزم، لا يعاقب بهوى أو انتقام أو شهوة على ما يعاقب في الشاهد ولا غيره، ما من أحد من الخلائق إلا ولله عليه الحجة البالغة، أما الملك المقرب: فإن الله جبله على الطاعة فلا يعصيه، منّاً من الله عليه طولا وفضلا، فهو مقصر عن شكر نعمة الله عليه، وأما النبي المرسل والعبد الصالح: فلله عليهما السبيل والحجة من غير وجه.

ثم تحتمل الحجة البالغة وجوهاً: أحدها: هذا القرآن الذي أنزله على رسول الله  آية معجزة وحجة بالغة ما عجز الخلائق عن إتيان مثله، فدل عجزهم عن إتيان مثله على أنه آية من آيات الله، وحجة من حجج الله أرسلها إلى نبيه  .

والثاني: أنه جعل في كلية الخلائق والأشياء ما يشهد أن الخلائق والأشياء كلها له شهادة خلقه، وتدل كلية الأشياء على وحدانيته، فهو حجة بالغة.

والثالث: ألسن الرسل وأنباؤهم؛ [حيث لم يؤاخذوهم بكذب قط فيما بينهم، ولا جرى على لسانهم كذب قط، ولا فحش؛ عصمهم - عز وجل -] عن ذلك، فدل [ذلك] على أنهم إنما خصوا بذلك؛ لما أن الله جعلهم حججاً وآيات على وجه الأرض حجة بالغة، وبالله العصمة.

وقال بعضهم: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ ﴾ في تحريم الأشياء وتحليلها، ليس لهؤلاء الذين يحرمون أشياء لهم في تحريمهم حجة، إنما يحرمون ذلك بهوى أنفسهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

قال الحسن: المشيئة - هاهنا -: مشيئة القدرة، وقال: لو شاء قهرهم وأعجزهم حتى لم يقدروا على معصية قط؛ على ما جعل الملائكة جبلهم على الطاعة حتى لا يقدروا على معصية قط، ثم هو يفضل الملائكة على الرسل والأنبياء والبشر جميعاً، ويقول: هم مجبورون على الطاعة، فذلك تناقض في القول لا يجوز من كان مقهوراً مجبوراً على الطاعة يفضل على من يعمل بالاختيار مع تمكن الشهوات فيه، والحاجات التي تغلب صاحبها وتمنعه عن العمل بالطاعة، أو يقول: فضلهم بالجوهر والأصل، فلا يجوز أن يكون لأحد بالجوهر نفسه فضل على غير ذلك الجوهر؛ لأن الله -  - لم يذكر فضل شيء بالجوهر إلا مقروناً بالأعمال الصالحة الطيبة؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ  تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ  وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ  ﴾ وغيره، وقوله: ﴿ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ  ﴾ ونحوه، لم يفضل أحداً بالجوهر على أحد، ولكن إنما فضله بالأعمال الصالحة؛ لذلك قلنا: إن قوله يخرج على التناقض، وتأويل قوله: ﴿ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ عندنا ظاهر، لو شاء لهداهم جميعاً، ووفقهم للطاعة، وأرشدهم لذلك، وهو كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ...

﴾ الآية [الزخرف: 33] فإذا كان الميل إلى الكفر لمكان ما جعل لهم من الفضة والزينة، فإذا كان ذلك للمؤمنين آمنوا، ثم لم يجعل كذلك، دل هذا على أن قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا ﴾ هو الأمر والرضا، أو ذكروا على الاستهزاء؛ حيث قال: ﴿ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

والمعتزلة يقولون: المشيئة - هاهنا - مشيئة قسر وقهر، وقد ذكرنا ألا يكون في حال القهر إيمان، وإنما يكون في حال الاختيار، والمشيئة مشيئة الاختيار، ولا تحتمل مشيئة الخلقة؛ لأن كل واحد بمشيئة الخلقة مؤمن، فدل أن التأويل ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا  ﴾ الذي تحرمون أنتم من الوصيلة، والسائبة، والحامي، وما حرموا من الحرث والأنعام ﴿ فَإِن شَهِدُواْ ﴾ .

أن الله حرّمه ﴿ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ .

كيف قال: ﴿ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ .

دعاهم إلى أن يأتوا بالحجة، فإذا أقاموها لا تشهد معهم، لكن هذا - والله أعلم - أنهم يعلمون أن التحريم إلى الله، ليس إلى أحد من الخلائق، فإن شهدوا بأنه حرم، فلا تشهد معهم؛ فإنهم شهدوا بباطل.

ويحتمل: أن يكون أمره أن يسألهم شهداء من أهل الكتاب يشهدون لهم بأن الله حرم هذا؛ لأن هؤلاء كانوا أهل شرك، وعبدة الأوثان يسألون أهل الكتاب وأهل الرسل يشهدون لهم بذلك، فإن شهدوا فلا تشهد معهم أي: لا يشهدون لهم بذلك، فلا تشهد أنت - أيضاً - معهم؛ على الإخبار أنهم لا يشهدون؛ وهو كقوله: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ...

﴾ الآية [الحشر: 12]، أخبر عن المنافقين أنهم قالوا: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ...

 ﴾ ثم أخبر عنهم أنهم ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ...

 ﴾ الآية، لكنه أخبر أنهم لا يقاتلون رأساً، وإلا لو نصروهم لا يولون الأدبار؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ ؛ لأنهم لا يشهدون، والله أعلم.

ويشبه أن يسألوا حتى يأتوا بآبائهم حتى يشهدوا؛ لأنهم كانوا يقولون: إنا وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها، وإن الله رضي بصنيع آبائنا؛ حيث لم يهلكهم، وتركهم على ذلك، فيسألون أن يأتوا بأولئك حتى يكونوا هم الذين يشهدون على ذلك، فلن يجدوا إلى ذلك سبيلا أبداً؛ وهو كقوله: ﴿ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ  ﴾ فلا يجدون أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ .

دل أن ما كانوا يحرمون إنما يحرمون بهواهم، لا بحجة وبرهان.

﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ .

أي: يعدلون الأصنام في العبادة والألوهية بربهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما أحل الله، ويدَّعون أن الله هو الذي حرمه: أحضروا شهودكم الذين يشهدون أن الله حرم هذه الأشياء التي حرمتموها، فإن شهدوا بغير علم على أن الله حرمها فلا تصدقهم -أيها الرسول- في شهادتهم؛ لأنها شهادة زور، ولا تتبع أهواء الذين يُحكِّمون أهواءهم، فقد كذبوا بآياتنا حين حَرَّموا ما أحل الله لهم، ولا تتبع الذين لا يؤمنون بالآخرة، وهم بربهم يشركون فيساوون به غيره، وكيف يُتَّبَع من هذا مسلكه مع ربه؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.jdjz6"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر