الآية ١٥١ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٥١ من سورة الأنعام

۞ قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًۭا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍۢ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ١٥١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 157 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥١ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥١ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال داود الأودي ، عن الشعبي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : من أراد أن يقرأ صحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه ، فليقرأ هؤلاء الآيات : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ) إلى قوله : ( لعلكم تتقون ) .

وقال الحاكم في مستدركه : حدثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو ، حدثنا عبد الصمد بن الفضل ، حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن خليفة قال : سمعت ابن عباس يقول : في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب ، ثم قرأ : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ) .

ثم قال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .

قلت : ورواه زهير وقيس بن الربيع كلاهما عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن قيس ، عن ابن عباس ، به .

والله أعلم .

وروى الحاكم أيضا في مستدركه من حديث يزيد بن هارون ، عن سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن أبي إدريس ، عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيكم يبايعني على ثلاث؟

" - ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) حتى فرغ من الآيات - فمن وفى فأجره على الله ، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله ، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه " ثم قال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .

وإنما اتفقا على حديث الزهري ، عن أبي إدريس ، عن عبادة : " بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا " الحديث .

وقد روى سفيان بن حسين كلا الحديثين ، فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم في أحد الحديثين إذا جمع بينهما ، والله أعلم .

وأما تفسيرها فيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد - لهؤلاء المشركين الذين أشركوا وعبدوا غير الله ، وحرموا ما رزقهم الله ، وقتلوا أولادهم وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم ، ( قل ) لهم ( تعالوا ) أي : هلموا وأقبلوا : ( أتل ما حرم ربكم عليكم ) أي : أقص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقا لا تخرصا ، ولا ظنا ، بل وحيا منه وأمرا من عنده : ( ألا تشركوا به شيئا ) وكأن في الكلام محذوفا دل عليه السياق ، وتقديره : وأوصاكم ( ألا تشركوا به شيئا ) ; ولهذا قال في آخر الآية : ( ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ) وكما قال الشاعر : حج وأوصى بسليمى الأعبدا أن لا ترى ولا تكلم أحدا ولا يزل شرابها مبردا وتقول العرب : أمرتك ألا تقوم .

وفي الصحيحين من حديث أبي ذر ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئا من أمتك ، دخل الجنة .

قلت : وإن زنا وإن سرق؟

قال : وإن زنا وإن سرق .

قلت : وإن زنا وإن سرق؟

قال : وإن زنا وإن سرق .

قلت : وإن زنا وإن سرق؟

قال : وإن زنا وإن سرق ، وإن شرب الخمر " : وفي بعض الروايات أن القائل ذلك إنما هو أبو ذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه عليه السلام قال في الثالثة : " وإن رغم أنف أبي ذر " فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث : وإن رغم أنف أبي ذر .

وفي بعض المسانيد والسنن عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى : يا ابن آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي ، ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئا ، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني ، غفرت لك " ولهذا شاهد في القرآن ، قال الله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [ النساء : 48 ، 116 ] .

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود : " من مات لا يشرك بالله شيئا ، دخل الجنة " والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا .

وروى ابن مردويه من حديث عبادة وأبي الدرداء : " لا تشركوا بالله شيئا ، وإن قطعتم أو صلبتم أو حرقتم " وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحمصي ، حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا نافع بن يزيد حدثني سيار بن عبد الرحمن ، عن يزيد بن قوذر ، عن سلمة بن شريح ، عن عبادة بن الصامت قال : أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع خصال : " ألا تشركوا بالله شيئا ، وإن حرقتم وقطعتم وصلبتم " وقوله تعالى : ( وبالوالدين إحسانا ) أي : وأوصاكم وأمركم بالوالدين إحسانا ، أي : أن تحسنوا إليهم ، كما قال تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) [ الإسراء : 23 ] .

وقرأ بعضهم : " ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " والله تعالى كثيرا ما يقرن بين طاعته وبر الوالدين ، كما قال : ( أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) [ لقمان : 14 ، 15 ] .

فأمر بالإحسان إليهما ، وإن كانا مشركين بحسبهما ، وقال تعالى : ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ) الآية .

[ البقرة : 83 ] .

والآيات في هذا كثيرة .

وفي الصحيحين عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله؟

قال : " الصلاة على وقتها " قلت : ثم أي ؟

قال : " بر الوالدين " قلت : ثم أي ؟

قال : " الجهاد في سبيل الله " قال ابن مسعود : حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني .

وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده عن أبي الدرداء ، وعن عبادة بن الصامت ، كل منهما يقول : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم : " أطع والديك ، وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا ، فافعل " ولكن في إسناديهما ضعف ، والله أعلم .

وقوله تعالى : ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ) لما أوصى تعالى ببر الآباء والأجداد ، عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد ، فقال تعالى : ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ) وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سولت لهم الشياطين ذلك ، فكانوا يئدون البنات خشية العار ، وربما قتلوا بعض الذكور خيفة الافتقار; ولهذا جاء في الصحيحين ، من حديث عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قلت : يا رسول الله ، أي الذنب أعظم؟

قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " قلت : ثم أي ؟

قال : " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " قلت : ثم أي؟

قال : " أن تزاني حليلة جارك " ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ) [ الفرقان : 68 ] .

وقوله : ( من إملاق ) قال ابن عباس ، وقتادة ، والسدي : هو الفقر ، أي : ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل ، وقال في سورة " سبحان " : ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ) [ الإسراء : 31 ] ، أي : خشية حصول فقر ، في الآجل; ولهذا قال هناك : ( نحن نرزقهم وإياكم ) فبدأ برزقهم للاهتمام بهم ، أي : لا تخافوا من فقركم بسببهم ، فرزقهم على الله .

وأما في هذه الآية فلما كان الفقر حاصلا قال : ( نحن نرزقكم وإياهم ) ; لأنه الأهم هاهنا ، والله أعلم .

وقوله تعالى : ( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) كقوله تعالى : ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) [ الأعراف : 33 ] .

وقد تقدم تفسيرها في قوله : ( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) [ الأنعام : 12 ] .

وفي الصحيحين ، عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا أحد أغير من الله ، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن " وقال عبد الملك بن عمير ، عن وراد ، عن مولاه المغيرة قال : قال سعد بن عبادة : لو رأيت مع امرأتي رجلا لضربته بالسيف غير مصفح .

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أتعجبون من غيرة سعد !

فوالله لأنا أغير من سعد ، والله أغير مني ، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن " أخرجاه .

وقال كامل أبو العلاء ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قيل : يا رسول الله ، إنا نغار .

قال : " والله إني لأغار ، والله أغير مني ، ومن غيرته نهى عن الفواحش " رواه ابن مردويه ، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، وهو على شرط الترمذي ، فقد روي بهذا السند : " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين " وقوله تعالى : ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) وهذا مما نص تبارك وتعالى على النهي عنه تأكيدا ، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، فقد جاء في الصحيحين ، عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " وفي لفظ لمسلم والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم .

.

" وذكره ، قال الأعمش : فحدثت به إبراهيم ، فحدثني عن الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها ، بمثله .

وروى أبو داود ، والنسائي ، عن عائشة ، رضي الله عنها; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال : زان محصن يرجم ، ورجل قتل رجلا متعمدا فيقتل ، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله ، فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض " وهذا لفظ النسائي .

وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، أنه قال وهو محصور : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل كفر بعد إسلامه ، أو زنا بعد إحصانه ، أو قتل نفسا بغير نفس " فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منه بعد إذ هداني الله ، ولا قتلت نفسا ، فبم تقتلونني .

رواه الإمام أحمد ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه .

وقال الترمذي : هذا حديث حسن .

وقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهد - وهو المستأمن من أهل الحرب - كما رواه البخاري ، عن عبد الله بن عمرو ، رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما " وعن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله ، فقد أخفر بذمة الله ، فلا يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا " رواه ابن ماجه ، والترمذي وقال : حسن صحيح .

وقوله : ( ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ) أي : هذا ما وصاكم به لعلكم تعقلون عنه أمره ونهيه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام, الزاعمين أن الله حرم عليهم ما هم محرِّموه من حروثهم وأنعامهم, على ما ذكرت لك في تنـزيلي عليك =: تعالوا، أيها القوم، (12) أقرأ عليكم ما حرم ربكم حقًا يقينًا, (13) لا الباطل تخرُّصًا، تخرُّصَكم على الله الكذبَ والفريةَ ظنًّا, (14) ولكن وحيًا من الله أوحاه إليّ, وتنـزيلا أنـزله عليّ: أن لا تشركوا بالله شيئًا من خلقه، ولا تعدلوا به الأوثان والأصنام، ولا تعبدوا شيئًا سواه =(وبالوالدين إحسانًا)، يقول: وأوصى بالوالدين إحسانًا = وحذف " أوصى " و " أمر "، لدلالة الكلام عليه ومعرفة السامع بمعناه.

(15) وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى من الكتاب .

(16) * * * وأما " أن " في قوله: (أن لا تشركوا به شيئًا)، فرفعٌ, لأن معنى الكلام: قل تعالوا أتلُ ما حرّم ربكم عليكم, هو أن لا تشركوا به شيئًا .

وإذا كان ذلك معناه, كان في قوله: (تشركوا)، وجهان: = الجزم بالنهي, وتوجيهه " لا " إلى معنى النهي .

= والنصب، على توجيه الكلام إلى الخبر, ونصب " تشركوا "، بـ" أن لا "، كما يقال: " أمرتك أن لا تقوم ".

وإن شئت جعلت " أن " في موضع نصبٍ، ردًّا على " ما " وبيانًا عنها, ويكون في قوله: (تشركوا)، أيضًا من وجهي الإعراب، نحو ما كان فيه منه.

و " أن " في موضع رفع.

ويكون تأويل الكلام حينئذ: قل: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم, أتلُ أن لا تشركوا به شيئًا .

* * * فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون قوله (تشركوا) نصبًا بـ" أن لا ", أم كيف يجوز توجيه قوله: " ألا تشركوا به ", على معنى الخبر, وقد عطف عليه بقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ ، وما بعد ذلك من جزم النهي؟

قيل: جاز ذلك، كما قال تعالى ذكره: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ، فجعل " أن أكون " خبرًا، و " أنْ" اسمًا, ثم عطف عليه وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، [سورة الأنعام: 14], (17) وكما قال الشاعر: (18) حَــجَّ وَأوْصَــى بِسُـلَيْمَى الأعْبُـدَا أَنْ لا تَـــرَى وَلا تُكَـــلِّمْ أَحَــدَا وَلا يَزَلْ شَرَابُهَا مُبَرَّدَا (19) فجعل قوله: " أن لا ترى " خبرًا, ثم عطف بالنهي فقال: " ولا تكلم "," ولا يزل " .

* * * القول في تأويل قوله : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق)، ولا تئدوا أولادكم فتقتلوهم من خشية الفقر على أنفسكم بنفقاتهم, فإن الله هو رازقكم وإياهم, ليس عليكم رزقهم, فتخافوا بحياتهم على أنفسكم العجزَ عن أرزاقهم وأقواتهم .

* * * و " الإملاق "، مصدر من قول القائل: " أملقت من الزاد, فأنا أملق إملاقًا ", وذلك إذا فني زاده، وذهب ماله، وأفلس .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 14135- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق)، الإملاق الفقر, قتلوا أولادهم خشية الفقر .

14136- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق)، أي خشية الفاقة.

14137- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق)، قال: " الإملاق "، الفقر .

14138- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: (من إملاق)، قال: شياطينهم، يأمرونهم أن يئِدوا أولادهم خيفة العَيْلة .

14139- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك في قوله: (من إملاق)، يعني: من خشية فقر .

* * * القول في تأويل قوله : وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولا تقربوا الظاهرَ من الأشياء المحرّمة عليكم، (20) التي هي علانية بينكم لا تناكرون ركوبها, والباطنَ منها الذي تأتونه سرًّا في خفاء لا تجاهرون به, فإن كل ذلك حرام .

(21) * * * وقد قيل : إنما قيل: لا تقربوا ما ظهر من الفواحش وما بطن, لأنهم كانوا يستقبحون من معاني الزنى بعضًا [دون بعض].

وليس ما قالوا من ذلك بمدفوع, غير أن دليل الظاهر من التنـزيل على النهي عن ظاهر كل فاحشة وباطنها, ولا خبر يقطع العذرَ، بأنه عنى به بعض دون جميع.

وغير جائز إحالة ظاهر كتاب الله إلى باطن، إلا بحجة يجب التسليم لها .

* * * * ذكر من قال ما ذكرنا من قول من قال: الآية خاصُّ المعنى: 14140- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، أما " ما ظهر منها "، فزواني الحوانيت, وأما " ما بطن "، فما خَفِي .

(22) 14141- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك قوله: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، كان أهل الجاهلية يستسرُّون بالزنى, ويرون ذلك حلالا ما كان سرًّا.

فحرّم الله السر منه والعلانية =(ما ظهر منها)، يعني: العلانية =(وما بطن)، يعني: السر .

(23) 14142- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنى بأسًا في السر، ويستقبحونه في العلانية, فحرَّم الله الزنى في السرّ والعلانية .

* * * وقال آخرون في ذلك بمثل الذي قلنا فيه .

* ذكر من قال ذلك: 14143- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، سرَّها وعلانيتها .

14144- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, نحوه .

* * * وقال آخرون: " ما ظهر "، نكاح الأمهات وحلائل الآباء =" وما بطن "، الزنى .

* ذكر من قال ذلك: 14145- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبيه, عن خصيف, عن مجاهد: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، قال: " ما ظهر "، جمعٌ بين الأختين, وتزويج الرجل امرأة أبيه من بعده =" وما بطن "، الزنى .

(24) * * * وقال آخرون في ذلك بما:- 14146- حدثني إسحاق بن زياد العطار النصري قال، حدثنا محمد بن إسحاق البلخي قال، حدثنا تميم بن شاكر الباهلي, عن عيسى بن أبي حفصة قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، قال: " ما ظهر "، الخمر =" وما بطن "، الزنى .

(25) * * * القول في تأويل قوله : وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)، يعني بالنفس التي حرم الله قتلها، نفسَ مؤمن أو مُعاهد = وقوله: (إلا بالحق)، يعني بما أباح قتلها به: من أن تقتل نفسًا فتقتل قَوَدًا بها, أو تزني وهي محصنة فترجم, أو ترتدَّ عن دينها الحقِّ فتقتل.

فذلك " الحق " الذي أباح الله جل ثناؤه قتل النفس التي حرم على المؤمنين قتلها به =(ذلكم)، يعني هذه الأمور التي عهد إلينا فيها ربُّنا أن لا نأتيه وأن لا ندعه, هي الأمور التي وصَّانا والكافرين بها أن نعمل جميعًا به =(لعلكم تعقلون)، يقول: وصاكم بذلك لتعقلوا ما وصاكم به ربكم .

(26) ------------------------ الهوامش : (12) انظر تفسير (( تعالوا )) فيما سلف 11 : 137 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(13) انظر تفسير (( تلا )) فيما سلف 10 : 201 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(14) في المطبوعة : (( كخرصكم على الله )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(15) انظر تفسير (( الإحسان )) فيما سلف 2 : 292 / 8 : 334 ، 514 / 9 : 283 / 10 : 512 ، 576 .

(16) انظر ما سلف 2 : 290 - 292 / 8 : 334 .

(17) قوله : (( ولا تكونن من المشركين )) ، ساقط في المطبوعة والمخطوطة ، واستظهرت زيادته من معاني القرآن للفراء 1 : 364 ، وهي زيادة يفسد الكلام بإسقاطها .

(18) لم أعرف قائله .

(19) معاني القرآن للفراء 1 : 364 ، وليس فيه البيت الثالث ، وفيه مكانه : * وَلا تَمْشِ بِفَضَـــاءٍ بَعَـــدَا * (20) انظر تفسير (( الفواحش )) فيما سلف 8 : 203 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(21) انظر تفسير (( ظهر )) ، و (( بطن )) فيما سلف ص 72 - 75 ، ثم انظر الأثر رقم : 9075 .

(22) (( زواني الحوانيت )) ، كانت البغايا تتخذ حانوتًا عليه راية ، إعلامًا بأنها بغى .

وانظر الأثر السالف رقم : 13801 .

(23) الأثر : 14141 - مضى هذا الخبر برقم : 13802 .

(24) الأثر : 14145 - مضى برقم : 13803 .

(25) الأثر : 14146 - ((إسحاق بن زياد العطار النصري )) ، لم أجد له ترجمة ، وفي المطبوعة (( البصري )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

و (( محمد بن إسحاق البلخي الجوهري )) ، لم أجد له غير ترجمة في ابن أبي حاتم 3 / 2 / 195 ، قال : (( روى عن مطرف بن مازن ، وأبي أمية بن يعلي ، وقيراط الحجام ، ومحمد بن حرب الأبرش ، وعيسى بن يونس .

كتب عنه أبي بالري )) .

وأما (( تميم بن شاكر الباهلي )) و (( عيسى بن أبي حفصة )) ، فلم أعثر لهما على ترجمة ولا ذكر .

(26) انظر تفسير (( وصى )) فيما سلف ص : 189 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلونفيه عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى قل تعالوا أتل أي تقدموا واقرءوا حقا يقينا كما أوحى إلي ربي ، لا ظنا ولا كذبا كما زعمتم .

ثم بين ذلك فقال ألا تشركوا به شيئا يقال للرجل : تعال ، أي تقدم ، وللمرأة تعالي ، وللاثنين والاثنتين تعاليا ، ولجماعة الرجال تعالوا ، ولجماعة النساء تعالين ; قال الله تعالى : فتعالين أمتعكن .

وجعلوا التقدم ضربا من التعالي والارتفاع ; لأن المأمور بالتقدم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعدا فقيل له تعال ، أي ارفع شخصك بالقيام وتقدم ; واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي ; قاله ابن الشجري .الثانية : قوله تعالى ما حرم الوجه في " ما " أن تكون خبرية في موضع نصب [ ص: 119 ] ب أتل والمعنى : تعالوا أتل الذي حرم ربكم عليكم ; فإن علقت عليكم ب حرم فهو الوجه ; لأنه الأقرب وهو اختيار البصريين .

وإن علقته ب أتل فجيد لأنه الأسبق ; وهو اختيار الكوفيين ; فالتقدير في هذا القول أتل عليكم الذي حرم ربكم .ألا تشركوا في موضع نصب بتقدير فعل من لفظ الأول ، أي أتل عليكم ألا تشركوا ; أي أتل عليكم تحريم الإشراك ، ويحتمل أن يكون منصوبا بما في عليكم من الإغراء ، وتكون عليكم منقطعة مما قبلها ; أي عليكم ترك الإشراك ، وعليكم إحسانا بالوالدين ، وألا تقتلوا أولادكم وألا تقربوا الفواحش .

كما تقول : عليك شأنك ; أي الزم شأنك .

وكما قال : عليكم أنفسكم قال جميعه ابن الشجري .

وقال النحاس : يجوز أن تكون " أن " في موضع نصب بدلا من " ما " أي أتل عليكم تحريم الإشراك .

واختار الفراء أن تكون لا للنهي ; لأن بعده ولا .الثالثة : هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيه عليه السلام بأن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم الله .

وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن يبلغوا الناس ويبينوا لهم ما حرم الله عليهم مما حل .

قال الله تعالى : لتبيننه للناس ولا تكتمونه .

وذكر ابن المبارك : أخبرنا عيسى بن عمر عن عمرو بن مرة أنه حدثهم قال : قال ربيع بن خيثم لجليس له : أيسرك أن تؤتى بصحيفة من النبي صلى الله عليه وسلم لم يفك خاتمها ؟

قال نعم .

قال فاقرأ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم فقرأ إلى آخر الثلاث الآيات .

وقال كعب الأحبار : هذه الآية مفتتح التوراة : " بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " الآية .

وقال ابن عباس : هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة " الأنعام " أجمعت عليها شرائع الخلق ، ولم تنسخ قط في ملة .

وقد قيل : إنها العشر كلمات المنزلة على موسى .الرابعة : قوله تعالى وبالوالدين إحسانا الإحسان إلى الوالدين برهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما وإزالة الرق عنهما وترك السلطنة عليهما .

و إحسانا نصب على المصدر ، وناصبه فعل مضمر من لفظه ; تقديره وأحسنوا بالوالدين إحسانا .الخامسة قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم من إملاق الإملاق الفقر : أي لا تئدوا - من الموءودة - بناتكم خشية العيلة ، فإني رازقكم وإياهم .

وقد كان منهم من يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر ، كما هو ظاهر الآية .

أملق أي افتقر .

وأملقه أي أفقره ; فهو لازم ومتعد .

وحكى النقاش عن مؤرج أنه قال : الإملاق الجوع بلغة لخم .

وذكر منذر بن سعيد أن الإملاق الإنفاق ; يقال : أملق ماله بمعنى أنفقه .

وذكر أن عليا رضي الله عنه قال لامرأته : [ ص: 120 ] أملقي من مالك ما شئت .

ورجل ملق يعطي بلسانه ما ليس في قلبه .

فالملق لفظ مشترك يأتي بيانه في موضعه .السادسة : وقد يستدل بهذا من يمنع العزل ; لأن الوأد يرفع الموجود والنسل ; والعزل منع أصل النسل فتشابها ; إلا أن قتل النفس أعظم وزرا وأقبح فعلا ; ولذلك قال بعض علمائنا : إنه يفهم من قوله عليه السلام في العزل : ذلك الوأد الخفي الكراهة لا التحريم وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم .

وقال بإباحته أيضا جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء ; لقوله عليه السلام : لا عليكم ألا تفعلوا فإنما هو القدر أي ليس عليكم جناح في ألا تفعلوا .

وقد فهم منه الحسن ومحمد بن المثنى النهي والزجر عن العزل .

والتأويل الأول أولى ; لقوله عليه السلام : وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء .

قال مالك والشافعي : لا يجوز العزل عن الحرة إلا بإذنها .

وكأنهم رأوا الإنزال من تمام لذتها ، ومن حقها في الولد ، ولم يروا ذلك في الموطوءة بملك اليمين ، إذ له أن يعزل عنها بغير إذنها ، إذ لا حق لها في شيء مما ذكر .السابعة قوله تعالى ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن نظيره وذروا ظاهر الإثم وباطنه .

فقوله : ما ظهر نهي عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي .

وما بطن ما عقد عليه القلب من المخالفة .

وظهر وبطن حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء .

وما ظهر نصب على البدل من الفواحش وما بطن عطف عليه .الثامنة : قوله تعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق الألف واللام في النفس لتعريف الجنس ; كقولهم : أهلك الناس حب الدرهم والدينار .

ومثله [ ص: 121 ] إن الإنسان خلق هلوعا ألا ترى قوله سبحانه : إلا المصلين ؟

وكذلك قوله : والعصر إن الإنسان لفي خسر لأنه قال : إلا الذين آمنوا وهذه الآية نهي عن قتل النفس المحرمة ، مؤمنة كانت أو معاهدة إلا بالحق الذي يوجب قتلها .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم ماله ونفسه إلا بحقه وحسابهم على الله .

وهذا الحق أمور : منها منع الزكاة وترك الصلاة ; وقد قاتل الصديق مانعي الزكاة .

وفي التنزيل فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم وهذا بين .

وقال صلى الله عليه وسلم : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة .

وقال عليه السلام : إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما .

أخرجه مسلم .

وروى أبو داود عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به .

وسيأتي بيان هذا في " الأعراف " .

وفي التنزيل : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا الآية .

وقال : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الآية .

وكذلك من شق عصا المسلمين وخالف إمام جماعتهم وفرق كلمتهم وسعى في الأرض فسادا بانتهاب الأهل والمال والبغي على السلطان والامتناع من حكمه يقتل .

فهذا معنى قوله : إلا بالحق .

وقال عليه السلام : المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ولا يتوارث أهل ملتين .

وروى أبو داود والنسائي عن أبي بكرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من قتل معاهدا في غير كنهه حرم الله عليه الجنة .

وفي رواية أخرى لأبي داود قال : من قتل رجلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما .

في البخاري [ ص: 122 ] في هذا الحديث وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما .

خرجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص .التاسعة قوله تعالى ذلكم إشارة إلى هذه المحرمات .

والكاف والميم للخطاب ، ولا حظ لهما من الإعراب .وصاكم به الوصية الأمر المؤكد المقدور .

والكاف والميم محله النصب ; لأنه ضمير موضوع للمخاطبة .

وفي وصى ضمير فاعل يعود على الله .

وروى مطر الوراق عن نافع عن ابن عمر أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أشرف على أصحابه فقال : علام تقتلوني !

فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل زنى بعد حصانة فعليه الرجم أو قتل عمدا فعليه القود أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ، ولا قتلت أحدا فأقيد نفسي به ، ولا ارتددت منذ أسلمت ، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، ذلكم الذي ذكرت لكم وصاكم به لعلكم تعقلون !

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قُلْ } لهؤلاء الذين حرموا ما أحل الله.

{ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } تحريما عاما شاملا لكل أحد، محتويا على سائر المحرمات، من المآكل والمشارب والأقوال والأفعال.

{ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } أي: لا قليلا ولا كثيرا.

وحقيقة الشرك بالله: أن يعبد المخلوق كما يعبد الله، أو يعظم كما يعظم الله، أو يصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية، وإذا ترك العبد الشرك كله صار موحدا، مخلصا لله في جميع أحواله، فهذا حق الله على عباده، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا.

ثم بدأ بآكد الحقوق بعد حقه فقال: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } من الأقوال الكريمة الحسنة، والأفعال الجميلة المستحسنة، فكل قول وفعل يحصل به منفعة للوالدين أو سرور لهما، فإن ذلك من الإحسان، وإذا وجد الإحسان انتفى العقوق.

{ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ } من ذكور وإناث { مِنْ إِمْلَاقٍ } أي: بسبب الفقر وضيقكم من رزقهم، كما كان ذلك موجودا في الجاهلية القاسية الظالمة، وإذا كانوا منهيين عن قتلهم في هذه الحال، وهم أولادهم، فنهيهم عن قتلهم لغير موجب، أو قتل أولاد غيرهم، من باب أولى وأحرى.

{ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } أي: قد تكفلنا برزق الجميع، فلستم الذين ترزقون أولادكم، بل ولا أنفسكم، فليس عليكم منهم ضيق.

{ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ } وهي: الذنوب العظام المستفحشة، { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } أي: لا تقربوا الظاهر منها والخفي، أو المتعلق منها بالظاهر، والمتعلق بالقلب والباطن.

والنهي عن قربان الفواحش أبلغ من النهي عن مجرد فعلها، فإنه يتناول النهي عن مقدماتها ووسائلها الموصلة إليها.

{ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ } وهي: النفس المسلمة، من ذكر وأنثى، صغير وكبير، بر وفاجر، والكافرة التي قد عصمت بالعهد والميثاق.

{ إِلَّا بِالْحَقِّ } كالزاني المحصن، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة.

{ ذَلِكُمْ } المذكور { وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } عن الله وصيته، ثم تحفظونها، ثم تراعونها وتقومون بها.

ودلت الآية على أنه بحسب عقل العبد يكون قيامه بما أمر الله به.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ) وذلك أنهم سألوا وقالوا : أي شيء الذي حرم الله تعالى؟

فقال - عز وجل - : " قل تعالوا أتل " أقرأ ما حرم ربكم عليكم حقا يقينا لا ظنا ولا كذبا كما تزعمون .

فإن قيل : ما معنى قوله " حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا " والمحرم هو الشرك لا ترك الشرك؟

.

قيل : موضع " أن " رفع ، معناه هو أن لا تشركوا ، وقيل : محله نصب ، واختلفوا في وجه انتصابه ، قيل : معناه حرم عليكم أن تشركوا به ، و " لا " صلة كقوله تعالى : ( ما منعك ألا تسجد ) ( الأعراف ، 12 ) ، أي : منعك أن تسجد .

وقيل : تم الكلام عند قوله " حرم ربكم ثم قال عليكم ألا تشركوا به شيئا على الإغراء .

قال الزجاج : يجوز أن يكون هذا محمولا على المعنى ، أي : أتل عليكم تحريم الشرك ، وجائز أن يكون على معنى : أوصيكم ألا تشركوا به شيئا .

( وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ) فقر ، ( نحن نرزقكم وإياهم ) أي : لا تئدوا بناتكم خشية العيلة ، فإني رازقكم وإياهم ، ( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) ما ظهر يعني العلانية ، وما بطن يعني السر .

وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأسا في السر فحرم الله تعالى الزنا في العلانية والسر .

وقال الضحاك : ما ظهر : الخمر ، وما بطن : الزنا .

( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) حرم الله تعالى قتل المؤمن والمعاهد إلا بالحق ، إلا بما يبيح قتله من ردة أو قصاص أو زنا يوجب الرجم .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ثنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري ثنا حاجب بن أحمد الطوسي ثنا محمد بن حماد ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " .

( ذلكم ) الذي ذكرت ( وصاكم به ) أمركم به ، ( لعلكم تعقلون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل تعالوا أتل» أقرأ «ما حرم ربكم عليكم أ» ن مفسرة «لا تشركوا به شيئا و» أحسنوا «بالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم» بالوأد «من» أجل «إملاق» فقر تخافونه «نحن نرزقكم وإياكم ولا تقربوا الفواحش» الكبائر كالزنا «ما ظهر منها وما بطن» أي علانيتها وسرها «ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق» كالقود وحد الردة ورجم المحصن «ذلكم» المذكور «وصاكم به لعلكم تعقلون» تتدبرون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهم: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم: أن لا تشركوا معه شيئًا من مخلوقاته في عبادته، بل اصرفوا جميع أنواع العبادة له وحده، كالخوف والرجاء والدعاء، وغير ذلك، وأن تحسنوا إلى الوالدين بالبر والدعاء ونحو ذلك من الإحسان، ولا تقتلوا أولادكم مِن أجل فقر نزل بكم؛ فإن الله يرزقكم وإياهم، ولا تقربوا ما كان ظاهرًا من كبير الآثام، وما كان خفيًّا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وذلك في حال القصاص من القاتل أو الزنى بعد الإحصان أو الردة عن الإسلام، ذلكم المذكور مما نهاكم الله عنه، وعهد إليكم باجتنابه، ومما أمركم به، وصَّاكم به ربكم؛ لعلكم تعقلون أوامره ونواهيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

إن المتأمل فى هذه الآيات يراها قد رسمت للإنسان علاقته بربه علاقة ينال بها السعادة والثواب ، ورسمت له علاقته بأسرته بحيث تقوم على المودة والمحبة وسدت فى وجهه أبواب الشر التى تؤدى إلى انتهاك حرمات الأنفس والأموال والأعراض ، وقد أطلق العلماء على هذه الآيات الكريمة اسم " الوصايا العشر " نظرا لتذييل آياتها الثلاث بقوله - تعالى - { ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ } .روى الترمذى - بسنده - عن ابن مسعود أنه قال : من سره أن ينظر إلى وصية محمد التى عليها خاتمه فليقرأ هذه الآيات { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ } .

إلى قوله : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } .وروى الحاكم وصححه ، وابن أبى حاتم عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيكم يبايعنى على هؤلاء الآيات الثلاث ، ثم تلا قوله - تعالى - : { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ } .

حتى فرغ منها ثم قال : من وفى بهن فأجره على الله ، ومن انتقص منهن شيئاً فأدركه الله فى الدنيا كانت عقوبته ، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله ، إن شاء الله أخذه ، وإن شاء عفا عنه " .وروى البيهقى عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - قال .

لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب ، خرج إلى منى وأنا وأبو بكر معه ، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على منازل القوم ومضاربهم .

فسلم عليهم وردوا السلام ، وكان فى القوم مفروق بن عمرو وهانى بن قبيصة والمثنى بن حارثة ، والنعمان بن شريك ، وكان مفروق بن عمرو أغلب القوم لساناً وأفصحهم بياناً ، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له :إلام تدعو يا أخا قريش؟

فقال النبى صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى شهادة أن أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنى رسول الله ، وأن تؤوونى وتنصرونى وتمنعونى حتى اؤدى حق الله الذى أمرنى به ، فإن قريشاً تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق ، والله هو الغنى الحميد .فقال له مفروق : وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش؟

فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } .

إلى آخر الآيات الثلاث .فقال له مفروق : وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش؟

فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض ولو كان من كلامهم لعرفناه .

فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان } الآية .فقال له مفروق : دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، وقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك .وقال هانىء بن قبيصة : قد سمعت مقالتك ، واستحسنت قولك يا أخا قريش ، ويعجبنى ما تكلمت به ، فبشرهم الرسول - إن آمنوا - بأرض فارس وأنهار كسرى .فقال له النعمان : اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش؟

فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { ياأيها النبي إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً } ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم .هذا جانب من فضائل هذه الآيات الثلاث ، وذلك هو تأثيرها فى نفوس العرب ، والآن فلنبدأ فى التفسير التحليلى لها فنقول :لقد بدئت الآيات بقوله - تعالى - { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } .أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الذين حللوا وحرموا حسب أهوائهم ، تعالوا إلى وأقبلوا نحوى لأبين لكم ما حرمه ربكم عليكم ، ولأتلو على مسامعكم ما أمركم به ، وما نهاكم عنه خالقكم ومربيكم ، فإنكم إن أقبلتم نحوى وأطعمتمونى سعدتم فى دينكم ودنياكم .وفى تصدير هذه الوصايا بكلمة { قُلْ } إشعار من أول الأمر بأن هذا بيان إلهى ، ليس الرسول فيه إلا ناقلا مبلغا ، وفيه - أيضا - دلالة على أن المأمور به يحتاج إلى مزيد عناية واهتمام وقد سبق أن بينا أن سورة الأنعام زاخرة بهذا الأسلوب التلقينى الذى يبدأ بكلمة { قُلْ } .والأصل فى كلمة ( تعال ) أن يقولها من كان فى مكان عال لمن هو أسفل منه ، ثم اتسع فيها حتى عمت ، وهى تتضمن إرادة تخليص المخاطبين ورفعتهم من انحطاط هم فيه إلى علو يراد لهم ويدعون إليه‘ وتتضمن كذلك أن المتكلم يريد منهم أن يلتفوا من حوله لتتحد وجهتهم ، ولا تتفرق بهم الأهواء والسبل .وفى قوله { أَتْلُ } إيماء قوى بأن المتكلم يقدر المخاطبين ، ويرتفع بهم إلى درجة أنهم لا يحتاجون فى الإرشاد إلا لأن يتلو عليهم ما يريدهم أن يعملوه ثم هم بعد ذلك سيمتثلون لحسن استعدادهم لقبول الحق .- وإنه لأسلوب قد بلغ الغاية فى اللطف وفى التكريم وفى حسن الموعظة وتوجيه الخطاب .- وخص التحريم بالذكر مع أن الوصايا قد اشتملت على المحرمات وعلى غيرها لأن سياق الآيات قبل ذلك كان منصبا على كشف ما اخترعه المشركون من تحريم فى الحرث والنسل ما أنزل الله به من سلطان ، ولأن بيان أصول المحرمات يستلزم حل ما عداها لأنه الأصل .وفى نسبة التحريم إلى الرب الذى هو منبع الخير والإحسان .

حض لهم على التدبر والاستجابة .

لأن الذى حرم عليهم ذلك هو مربيهم ، فليس معقولا أن يحرم عليهم ما فيه منفعة لهم ، وإنما هو بمقتضى ربوبيته قد حرم عليهم ما فيه ضررهم .- وقوله { أَتْلُ } جواب الأمر ، أى : إن تأتونى أتل .

و { مَا } فى قوله { مَا حَرَّمَ } موصولة بمعنى الذى والعائد محذوف أى : أقرأ الذى حرمه ربكم عليكم ، وهى فى محل نصب مفعول به ، ويحتمل أن تكون مصدرية ، أى أتل تحريم ربكم ، ونفس التحريم لا يتلى وإنما هو مصدر واقع موقع المفعول به ، أى : أتل محرم ربكم الذى حرمه هو .و { عَلَيْكُمْ } متعلق ب { حَرَّمَ } أو ب { أَتْلُ } .قال بعض العلماء : وهذه العبارة التى قدمت بها الوصايا - وهى { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } فيها إشعار بأن الحقائق الأولى التى قام عليها الجدال فى السورة قد أصبحت واضحة .

لا مفر من قبولها والبناء عليها ، فالله - تعالى - يأمر رسوله بأن يبلغهم ، وإذن فهناك إله من شأنه أن يرسل الرسل ، وهناك رسل من شأنهم أن يتلقوا عن الله ، وهناك محرمات وردت من المصدر الذى يحق له التحريم وحده لأنه هو الرب { مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ } ثم هناك لازم عقلى لهذا التحريم هو أن من تعداه وانتهكه كان مغضباً للرب الذى قرره .

مستحقاً لعقوبته ، وإذن فهناك دار للجزاء " .

ولننظر بعد ذلك فى الوصايا .الوصية الأولى : { أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } أى : أوصيكم ألا تشركوا مع الله فى عبادتكم آلهة أخرى .

بل خصوه وحده بالعبادة والخضوع والطاعة فإنه هو الخالق لكل شىء .وصدر - سبحانه - هذه الوصايا بالنهى عن الشرك ، لأنه أعظم المحرمات وأكبرها إفساداً للفطرة ، ولأنه هو الجريمة التى لا تقبل المغفرة من الله ، بينما غيره قد يغفره - سبحانه - قال - تعالى - : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } وقد ساق القرآن مئات الآيات التى تدعو إلى الإيمان وتنفر من الشرك وتقيم الأدلة الساطعة ، والبراهين الدامغة على وحدانية الله - عز وجل - .هذا ، وقد ذكر الشيخ الجمل فى إعراب هذه الجملة الكريمة ألا تشركوا به شيئاً عدة آراء منها :1 - أنّ ( أن ) تفسيرية ، لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول لا حروفه ، ولا ناهية ولا تشركوا مجزوم بها .2 - أن تكون ( أن ) ناصية للفعل بعدها ، وهى وما فى حيزها فى محل نصب بدلا من { مَا حَرَّمَ } ولا زائدة لئلا يفسد المعنى كزيادتها فى قوله : { أَلاَّ تَسْجُدَ } و { لِّئَلاَّ يَعْلَمَ } 3 - تكون ( أن ) ناصبة وما فى حيزها منصوب على الإغراء بعليكم ويكون الكلام قد تم عند قوله { رَبُّكُمْ } ثم ابتدأ فقال : عليكم ألا تشركوا أى الزموا نفى الشرك .4 - أنها وما فى حيزها فى محل نصب أو جر على حذف لام العلة ، والتقدير تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم لئلا تشركوا به شيئاً .5 - أن تكون هى وما بعدها فى محل نصب بإضمار فعل تقديره : أوصيكم ألا تشركوا .ونكتفى بهذا القدر من وجوه الإعراب التى توسع فيها النحاة توسعاً كبيراً ، بسبب ورود بعض هذه الوصايا بصيغة النهى ، وبعضها بصيغة الأمر ، مع تقدم فعل التحريم على جميعها .أما الوصية الثانية : فى قوله - تعالى - { وبالوالدين إِحْسَاناً } أى : أحسنوا بهما إحسانا كاملا لا إساءة معه .وقد قرن - سبحانه - هذه الوصية بالوصية الأولى التى هى توحيده وعدم الإشراك به ، فى هذه الآية وفى غيرها ، للإشعار بعظم هذه الوصيى وللتنبيه إلى معنى واحد - يجمعها مع الأولى وهو أن المنعم يجب أن يشكر؛ فالوالدان سبب فى حياة الولد فيجب أن يشركهما ويحسن إليهما ، والله - تعالى - هو الخالق المنعم فيجب أن يشكر ويفرد بالعبادة والطاعة .- قال بعض العلماء : وقد جاءت هذه الوصية بأسلوب الأمر بالواجب المطلوب وهو الإحسان إلى الوالدين ، ولم تذكر بأسلوب النهى عن المرحم وهو الإساءة ، سموا بالإنسان عن أن تظن به الاساءة إلى الوالدين ، وكأن الإساءة إليهما ، ليس من شأنها أن تقع منه حتى يحتاج إلى النهى عنها ، ولأن الخير المنتظر من هذه الوصية وهو تربية الأبناء على الاعتراف بالنعم وشكر المنعمين عليها إنما يتحقق بفعل الواجب ، وهو الإحسان لا بمجرد ترك المحرم وهو الإساءة .

ولهذا وذاك قال - سبحانه - { وبالوالدين إِحْسَاناً } .- والإحسان يتعدى بحرفى الباء وإلى ، فقال : أحسن به ، وأحسن إليه ، وبينهما فرق واضح ، فالباء تدل على الإلصاق ، وإلى تدل على الغاية ، والإلصاق يفيد اتصال الفعل بمدخول " الباء " دون انفصال ولا مسافة بينهما ، أما الغاية فتفيد وصول الفعل إلى مدخول ( إلى ) ولو كان منه على بعد أو كان بينهما واسطة ، ولا شك أن الإلصاق فى هذا المام أبلغ فى تأكيد شأن العناية والإحسان بالوالدين ، ومن هنا لم يعد الإحسان بالباء فى القرآن إلا حيث أريد ذلك التأكيد ، وقد جاءت جميع الآيات القرآنية التى توحى بالإحسان بالوالدين على هذا الأسلوب " .ثم جاءت الوصية الثالثة وهى قوله - تعالى - { وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } .الإملاق : الفقر ، مصدر أملق الرجل إملاقا إذا احتاج وافتقر .أى : لا تقتلوا أولادكم الصغار من أجل الفقر فنحن قد تكفلنا برزقكم ورزقهم .

{ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا } ولا شك أن الحياة حق لهؤلاء الصغار كما أنها حق لكم .

فمن الظلم البين الاعتداء على حقوقهم ، والتخلص منهم خوفا من الفقر ، مع أن الله - تعالى - هو الرازق لكم ولهم .والمجتمع الذى يبيح قتل الأولاد خوفا من الفقر أو خوفا من العار ، هو الرازق لم ولهم .والمجتمع الذى يبيح قتل الأولاد خوفا من الفقر أو خوفا من العار ، لا يمكن أن يصلح شأنه ، لأنه مجتمع نفعى تسوده الأثرة والأنانية ، ويكون فى الوقت نفسه مجتمعا أفراده يسودهم التشاؤم ، وتتغشاهم الأوهام ، لأنهم يظنون أن الله يخلق خلقاً لا يدبر لهم حقهم من الرزق ، ويعتدون على روح بريئة طاهرة تخوفا من جريمة متوهمة ، وذلك هو الضلال المبين .- وقد روى النهى عن قتل الأولاد هنا بهذه الصيغة ، وورد فى سورة الإسراء بصيغة أخرى هى قوله - تعالى - { وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم } وليس إحداهما تكراراً للأخرى .

وإنما كل واحدة منهما تعالج حالة معينة .- فهنا يقول - سبحانه - { مِّنْ إمْلاَقٍ } أى : لا تقتلوهم بسبب الفقر الموجود فيكم أيها الآباء لذا قال : { نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } فجعل الرزق للآباء ابتداء ، لأن الفقر الذى يقتلون من أجله أولادهم حاصل لهم فعلا .- وفى سورة الإسراء يقول : { خَشْيَةَ إِمْلاقٍ } أى : خوفا من فقر ليس حاصلا ، ولكنه متوقع بسبب الأولاد ولذا قال : { نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم } فقدم رزق الأولاد لأنهم سبب توقع الفقر ، ليكف الآباء عن هذا التوقع ، وليضمن للأولاد رزقهم ابتداء مستقلا عن رزق الآباء .ففى كلتا الحالتين القرآن ينهى عن قتل الأولاد ، ويغرس فى نفوس الآباء الثقة بالله ، والاعتماد عليه .وجملة { نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } تعليلية لإبطال ما اتخذوه سبباً لمباشرة جريمتهم ، وضمان منه - سبحانه - لأرزاقهم أى : نحن نرزق الفريقين لا أنتم وحدكم ، فلا تقدموا على تلك الجريمة النكراء وهى قتل الأولاد لأن الأولاد قطعة من أبيهم ، والشأن حتى فى الحيوان الأعجم أنه يضحى من أجل أولاده ، ويحميهم ويتحمل الصعاب فى سبيلهم .أما الوصية الرابعة فتقول : { وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } الفواحش .

جمع فاحشة وهى كما قال الراغب فى مفرداته - ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال يقال : فحش فلان ، أى صار فاحشاً مرتكباً للقبائح ، والمتفحش هو الذى يأتى بالفحش من القول أو الفعل ، كالسرقة والزنا والنميمة وشهادة الزور .وأنهاكم عن أن تقتربوا من الأقوال والأفعال القبيحة ما كان منها ظاهراً وما كان منها خافياً .وقد تعلق التحريم والنهى بهذا الوصف الذى يشعر بالعلة - كما يقول علماء الأصول - فكأنه قال .

إن كل قول أو عل تستقبحه العقول فهو فاحشة يجب البعد عنها .والمجتمع الذى يؤمن بأن هناك " فواحش " يجب أن تجتنب ، و " محاسن " يجب أن تلتمس هو المجتمع الفاضل الطهور .أما المجتمع الذى يسوى بين القبيح والحسن ، ويقوم على الإباحة التى لا تفرق بين ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك ، فلا بد أن يكون مصيره إلى التدهور والتعاسة والمهانة .وجملة { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } بدل اشتمال من الفواحش .وتعليق النهى بقربانها للمبالغة فى الزجر عنها لأن قربانها قد يؤدى إلى مباشرتها ، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، وهذا لون حكيم من ألوان الإصلاح ، لأنه إذا حصل النهى عن القرب من الشىء ، فلأن ينهى عن فعله من باب أولى .ثم جاءت الآية فى ختامها بالوصية الخامسة فقالت : { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق } .أى : لا تقتلوا النفس التى حرم الله قتلها بأن عصهما بالإسلام إلا بالحق الذى يبيح قتلها شرعاً كردة أو قصاص أو زنا يوجب الرجم .قال ابن كثير : وهذا مما نص - تبارك وتعالى - على النهى عنه تأكيدا ، وإلا فهو داخل فى النهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن .

فقد جاء فى الصحيحين عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزانى ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " .وقوله { إِلاَّ بالحق } فى محل نصب على الحال من فاعل { تَقْتُلُواْ } أى : لا تقتلوها ملتبسين بالحق ، ويجوز أن يكون وصفاً لمصدر محذوف أى : قتلا ملتبساً بالحق ، وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال ، أى : لا تقتلوها فى حال من الأحوال إلا حال ملابستكم بالحق .وذلك لأن الإسلام ينظر إلى وجود الإنسان على أنه بناه الله فلا يحق لأحد أن يهدمه إلا بالحق ، وبذلك يقرر عصمة الدم الإنسانى ، ويعتبر من يعتدى على نفس واحدة فكأنما قد اعتدى على الناس جميعاً : { أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - { ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } .أى : ذلكم الذى ذكرناه لكم من وصايا جليلة ، وتكاليف حكيمة ، وصاكم الله به ، وطلبه منكم .

لعلكم تستعملون عقولكم التى تعقل نفوسكم وتحبسها عن مباشرة القبائح .فاسم الإشارة { ذلكم } مشار به إلى الوصايا الخمس السابقة ، وهو مبتدأ وجملة وصاكم به خبر .

ولفظ وصاكم من اللطف والرأفة وجعلهم أوصياء له - تعالى - ما يحمل النفس علىى الطاعة والاستجابة .هذه هى الوصايا الخمس التى تضمنتها الآية الأولى من هذه الآيات الثلاث وكلها تشترك فى معنى واحد هو أنها حقائق أو حقوق ثابتة فى نفسها ، ولم يكن ثبوتها إلا تجاوبا مع الطفرة ، فالله واحد سواء آمن الناس بهذه الحقيقة عقيديا وعمليا أم لم يؤمنوا ، وشكر النعمة يقتضى الإحسان إلى الوالدين طبعا ووضعا ، وللنسل حق الحياة والحفظ ، والفواحش فحش ونكر فى ذاتها فيجب أن تجتنتب ، والنفوس معصية فليس لأحد أن يهدمها إلا بحق ، ولاتفاقها كلها فى هذا المعنى جاءت فى آية واحدة ، وختمت بعبارة تفيد أن هذا مرجعه إلى حكم العقول { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين فساد ما يقول الكفار أن الله حرم علينا كذا وكذا، أردفه تعالى ببيان الأشياء التي حرمها عليهم، وهي الأشياء المذكورة في هذه الآية، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: تعال من الخاص الذي صار عاماً، وأصله أن يقوله من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه، ثم كثر وعم، وما في قوله: ﴿ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ منصوب، وفي ناصبه وجهان: الأول: أنه منصوب بقوله: ﴿ اتل ﴾ والتقدير: أتل الذي حرمه عليكم، والثاني: أنه منصوب بحرم، والتقدير: أتل الأشياء التي حرم عليكم.

فإن قيل: قوله: ﴿ ألاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إحسانا ﴾ كالتفصيل لما أجمله في قوله: ﴿ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ وهذا باطل، لأن ترك الشرك والإحسان بالوالدين واجب، لا محرم.

والجواب من وجوه: الأول: أن المراد من التحريم أن يجعل له حريماً معيناً، وذلك بأن بينه بياناً مضبوطاً معيناً، فقوله: ﴿ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ معناه: أتل عليكم ما بينه بياناً شافياً بحيث يجعل له حريماً معيناً، وعلى هذا التقرير فالسؤال زائل، والثاني: أن الكلام تم وانقطع عند قوله: ﴿ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ عَلَيْكُمْ أَن لا تُشْرِكُواْ ﴾ كما يقال: عليكم السلام، أو أن الكلام تم وانقطع عند قوله: ﴿ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ بمعنى لئلا تشركوا، والتقدير: أتل ما حرم ربكم عليكم لئلا تشركوا به شيئاً.

الثالث: أن تكون أن في قوله: ﴿ أَن لا تُشْرِكُواْ ﴾ مفسرة بمعنى: أي، وتقدير الآية: أتل ما حرم ربكم عليكم، أي لا تشركوا، أي ذلك التحريم هو قوله: ﴿ لا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ .

فإن قيل: فقوله: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ معطوف على قوله: ﴿ أَن لا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ فوجب أن يكون قوله: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ مفسراً لقوله: ﴿ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ فيلزم أن يكون الإحسان بالوالدين حراماً، وهو باطل.

قلنا: لما أوجب الإحسان إليهما، فقد حرم الإساءة إليهما.

المسألة الثانية: أنه تعالى أوجب في هذه الآية أمور خمسة: أولها: قوله: ﴿ أَن لا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ .

واعلم أنه تعالى قد شرح فرق المشركين في هذه السورة على أحسن الوجوه، وذلك لأن طائفة من المشركين يجعلون الأصنام شركاء لله تعالى، وإليهم الإشارة بقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأَبِيهِ ءازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءالِهَةً إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضلال مُّبِينٍ  ﴾ .

والطائفة الثانية: من المشركين عبدة الكواكب، وهم الذين حكى الله عنهم، أن إبراهيم عليه السلام أبطل قولهم بقوله: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين  ﴾ .

والطائفة الثالثة: الذين حكى الله تعالى عنهم: ﴿ أَنَّهُمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن  ﴾ وهم القائلون بيزدان وأهرمن.

والطائفة الرابعة: الذين جعلوا لله بنين وبنات، وأقام الدلائل على فساد أقوال هؤلاء الطوائف والفرق، فلما بين بالدليل فساد قول هؤلاء الطوائف.

قال هاهنا: ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ .

النوع الثاني: من الأشياء التي أوجبها هاهنا قوله: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ وإنما ثنى بهذا التكليف، لأن أعظم أنواع النعم على الإنسان نعمة الله تعالى، ويتلوها نعمة الوالدين، لأن المؤثر الحقيقي في وجود الإنسان هو الله سبحانه وفي الظاهر هو الأبوان، ثم نعمهما على الإنسان عظيمة وهي نعمة التربية والشفقة والحفظ عن الضياع والهلاك في وقت الصغر.

النوع الثالث: قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مّنْ إملاق نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾ فأوجب بعد رعاية حقوق الأبوين رعاية حقوق الأولاد وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مّنْ إملاق ﴾ أي من خوف الفقر وقد صرح بذكر الخوف في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق  ﴾ والمراد منه النهي عن الوأد، إذ كانوا يدفنون البنات أحياء، بعضهم للغيرة، وبعضهم خوف الفقر، وهو السبب الغالب، فبين تعالى فساد هذه العلة بقوله: ﴿ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾ ، لأنه تعالى إذا كان متكفلاً برزق الوالد والولد، فكما وجب على الوالدين تبقية النفس والاتكال في رزقها على الله، فكذلك القول في حال الولد، قال شمر: أملق، لازم ومتعد.

يقال: أملق الرجل، فهو مملق، إذا افتقر، فهذا لازم، وأملق الدهر ما عنده، إذا أفسده، والإملاق الفساد.

والنوع الرابع: قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ قال ابن عباس: كانوا يكرهون الزنا علانية، ويفعلون ذلك سراً، فنهاهم الله عن الزنا علانية وسراً، والأولى أن لا يخصص هذا النهي بنوع معين، بل يجري على عمومه في جميع الفواحش ظاهرها وباطنها لأن اللفظ عام والمعنى الموجب لهذا النهي وهو كونه فاحشة عام أيضاً ومع عموم اللفظ والمعنى يكون التخصيص على خلاف الدليل، وفي قوله: ﴿ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ دقيقة، وهي: أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وطاعته، ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس، وذلك باطل، لأن من كان مذمة الناس عنده أعظم وقعاً من عقاب الله ونحوه فإنه يخشى عليه من الكفر، ومن ترك المعصية ظاهراً وباطناً، دل ذلك على أنه إنما تركها تعظيماً لأمر الله تعالى وخوفاً من عذابه ورغبة في عبوديته.

والنوع الخامس: قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ﴾ .

واعلم أن هذا داخل في جملة الفواحش إلا أنه تعالى أفرده بالذكر لفائدتين: إحداهما: أن الإفراد بالذكر يدل على التعظيم والتفخيم، كقوله: ﴿ وَمَلَئِكَتُهُ وَجِبْرِيلَ وميكال  ﴾ والثانية: أنه تعالى أراد أن يستثني منه، ولا يتأتى هذا الاستثناء في جملة الفواحش.

إذا عرفت هدا فنقول: قوله: ﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ أي قتل النفس المحرمة قد يكون حقاً لجرم يصدر منها.

والحديث أيضاً موافق له وهو قوله عليه السلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق».

والقرآن دل على سبب رابع، وهو قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ  ﴾ .

والحاصل: أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا يثبت إلا بدليل منفصل ثم إنه تعالى لما بين أحوال هذه الأقسام الخمسة أتبعه باللفظ الذي يقرب إلى القلب القبول، فقال: ﴿ ذلكم وصاكم بِهِ ﴾ لما في هذه اللفظة من اللطف والرأفة، وكل ذلك ليكون المكلف أقرب إلى القبول، ثم أتبعه بقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أي لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف، ومنافعها في الدين والدنيا.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تعال ﴾ ، من الخاص الذي صار عاماً، وأصله أن يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه ثم كثر واتسع فيه حتى عمّ.

و ﴿ مَا حَرَّمَ ﴾ منصوب بفعل التلاوة، أي أتل الذي حرمه ربكم.

أو يحرم بمعنى: أقل أيّ شيء حرّم ربكم، لأنّ التلاوة من القول، و (إن) في ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ ﴾ مفسرة و (لا) النهي.

فإن قلت: هلاّ قلت هي التي تنصب الفعل، وجعلت أن لا تشركوا بدلاً من ﴿ مَا حَرَّمَ ﴾ ؟

قلت: وجب أن يكون ﴿ لا تُشْرِكُواْ ﴾ و ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ﴾ و ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ﴾ و ﴿ اَ تَتَّبِعُواْ السبل ﴾ [الأنعام: 153] نواهي لانعطاف الأوامر عليها، وهي قوله: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ لأنّ التقدير: وأحسنوا بالوالدين إحساناً.

و ﴿ أَوْفُواْ ﴾ ، ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا ﴾ [الأنعام: 152] ، ﴿ وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ ﴾ [الأنعام: 152] .

فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿ وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه ﴾ فيمن قرأ بالفتح، وإنما يستقيم عطفه على أن لا تشركوا إذا جعلت أن هي الناصبة للفعل، حتى يكون المعنى: أتل عليكم نفي الإشراك والتوحيد، وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيماً؟

قلت: أجعل قوله: ﴿ وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا ﴾ [الأنعام: 153] علة للاتباع بتقدير اللام، كقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً ﴾ [الجن: 18] بمعنى: ولأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه.

والدليل عليه القراءة بالكسر، كأنه قيل: واتبعوا صراطي لأنّه مستقيم، أو واتبعوا صراطي إنه مستقيم.

فإن قلت: إذا جعلت ﴿ أن ﴾ مفسرة لفعل التلاوة وهو معلق بما حرّم ربكم، وجب أن يكون ما بعده منهياً عنه محرماً كله، كالشرك وما بعده مما دخل عليه حرف النهي فما تصنع بالأوامر قلت لما وردت هذه الأوامر مع النواهي وتقدمهن جميعاً فعل التحريم واشتركن في الدخول تحت حكمه، علم أن التحريم راجع إلى أضدادها، وهي الإساءة إلى الوالدين، وبخس الكيل والميزان.

وترك العدل في القول، ونكث عهد الله ﴿ مّنْ إملاق ﴾ من أجل فقر ومن خشيته، كقوله تعالى: ﴿ خَشْيَةَ إملاق ﴾ [الإسراء: 31] .

﴿ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ مثل قوله: ﴿ ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ ﴾ [الأنعام: 120] .

﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ كالقصاص، والقتل على الردة، والرجم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ تَعالَوْا ﴾ أمْرٌ مِنَ التَّعالِي وأصْلُهُ أنْ يَقُولَهُ مَن كانَ في عُلُوٍّ لِمَن كانَ في سُفْلٍ فاتَّسَعَ فِيهِ بِالتَّعْمِيمِ.

﴿ أتْلُ ﴾ أقْرَأُ.

﴿ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ ﴾ مَنصُوبٌ بِأتْلُ وما تَحْتَمِلُ الخَبَرِيَّةَ والمَصْدَرِيَّةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِحَرَّمِ والجُمْلَةُ مَفْعُولُ أتْلُ لِأنَّهُ بِمَعْنى أقُلْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ أتْلُ أيَّ شَيْءِ حَرَّمَ رَبُّكم ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ حَرَّمَ أوْ أتْلُ.

﴿ ألا تُشْرِكُوا بِهِ ﴾ أيْ لا تُشْرِكُوا بِهِ لِيَصِحَّ عَطْفُ الأمْرِ عَلَيْهِ، ولا يَمْنَعُهُ تَعْلِيقُ الفِعْلِ المُفَسَّرِ بِ ما حَرَّمَ، فَإنَّ التَّحْرِيمَ بِاعْتِبارِ الأوامِرِ يَرْجِعُ إلى أضْدادِها ومَن جَعَلَ أنَّ ناصِبَةً فَمَحَلُّها النَّصْبُ بِعَلَيْكم عَلى أنَّهُ لِلْإغْراءِ، أوِ البَدَلُ مِن ما أوْ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ عَلى أنَّ لا زائِدَةٌ والجَرُّ بِتَقْدِيرِ اللّامِ، أوِ الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ المَتْلُوُّ أنْ لا تُشْرِكُوا أوِ المُحَرَّمُ أنْ تُشْرِكُوا.

﴿ شَيْئًا ﴾ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَفْعُولَ.

﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ أيْ وأحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا وضَعَهُ مَوْضِعَ النَّهْيِ عَنِ الإساءَةِ إلَيْهِما لِلْمُبالَغَةِ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَرْكَ الإساءَةِ في شَأْنِهِما غَيْرُ كافٍ بِخِلافِ غَيْرِهِما.

﴿ وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ ﴾ مِن أجْلِ فَقْرٍ ومِن خَشْيَتِهِ.

كَقَوْلِهِ: خَشْيَةَ إمْلاقٍ ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ ﴾ مَنعٌ لِمُوجَبِيَّةِ ما كانُوا يَفْعَلُونَ لِأجْلِهِ واحْتِجاجٌ عَلَيْهِ.

﴿ وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ﴾ كَبائِرَ الذُّنُوبِ أوِ الزِّنا.

﴿ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وهو مِثْلُ قَوْلِهِ ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ كالقَوْدِ وقَتْلِ المُرْتَدِّ ورَجْمِ المُحْصَنِ.

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مُفَصَّلًا.

﴿ وَصّاكم بِهِ ﴾ بِحِفْظِهِ.

﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ تَرْشُدُونَ فَإنَّ كَمالَ العَقْلِ هو الرُّشْدُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)

{قُلْ} للذين حرموا الحرث والأنعام {تَعَالَوْاْ} هو من الخاص الذى صار عام وأصله أن يقوله من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه ثم كثر حتى عم {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} الذي حرمه ربكم {عَلَيْكُمْ} من صلة حرم {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} أى مفسرة لفعل التلاوة ولا للنهي {وبالوالدين إِحْسَانًا} وأحسنوا بالوالدين إحساناً ولما كان إيجاب الإحسان تحريماً لترك الإحسان ذكر في المحرمات وكذا حكم ما بعده من الأوامر {وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مِّنْ إملاق} من أجل فقر ومن خشيته كقوله خَشْيَةَ إملاق {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} لأن رزق العبيد على مولاهم {وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ما بينك وبين الخلق {وَمَا بَطَنَ} ما بينك وبين الله ما ظهر بدل من الفواحش {وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق} كالقصاص والقتل على الردة والرجم {ذلكم وصاكم بِهِ} أي المذكور مفصلاً أمركم ربكم بحفظه {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لتعقلوا عظمها عند الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ تَعالَوْا ﴾ أمْرٌ لَهُ  بَعْدَ ما ظَهَرَ بُطْلانُ ما ادَّعَوْا أنْ يُبَيِّنَ لَهم مِنَ المُحَرَّماتِ ما يَقْتَضِي الحالُ بَيانَهُ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ إيذانًا بِأنَّ حَقَّهُمُ الِاجْتِنابُ عَنْ هَذِهِ المُحَرَّماتِ وأمّا الأطْعِمَةُ المُحَرَّمَةُ فَقَدْ بُيِّنَتْ فِيما تَقَدَّمَ وتَعالَ أمْرٌ مِنَ التَّعالِي والأصْلُ فِيهِ أنْ يَقُولَ مَن هو في مَكانٍ عالٍ لِمَن هو أسْفَلَ مِنهُ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ بِالتَّعْمِيمِ واسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ المُقَيَّدِ في المُطْلَقِ مَجازًا ويَحْتَمِلُ هُنا كَما قِيلَ أنْ يَكُونَ عَلى الأصْلِ تَعْرِيضًا لَهم بِأنَّهم في حَضِيضِ الجَهْلِ ولَوْ سَمِعُوا ما يُقالُ لَهم تَرَقَّوْا إلى ذُرْوَةِ العِلْمِ وقُنَّةِ العِزِّ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أتْلُ ﴾ جَوابُ الأمْرِ أيْ أنْ تَأْتُونِي أتْلُ وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ ﴾ إمّا مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ أقْرَأُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَبُّكم أيِ الآياتُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْهِ أيْ تَحْرِيمِهِ والمُرادُ الآيَةُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ وهي في الِاحْتِمالَيْنِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأتْلُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِحَرَّمِ والجُمْلَةُ مَفْعُولُ ﴿ أتْلُ ﴾ لِأنَّ التِّلاوَةَ مِن بابِ القَوْلِ فَيَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ في الجُمْلَةِ بِناءً عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ مِن أنَّهُ تُحْكى الجُمْلَةُ بِكُلِّ ما تَضَمَّنَ مَعْنى القَوْلِ وغَيْرُهم يُقَدِّرُ في ذَلِكَ قائِلًا ونَحْوَهُ.

والمَعْنى هُنا عَلى الِاسْتِفْهامِ تَعالَوْا أقُلْ لَكم وأُبَيِّنْ جَوابَ أيِّ شَيْءٍ حَرَّمَ رَبُّكم وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ عَلى كُلِّ حالٍ بِحَرَّمَ وجُوِّزَ أنَّ يَتَعَلَّقَ بِأتْلُ ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِمَقامِ الِاعْتِناءِ بِإيجابِ الِانْتِهاءِ عَنِ المُحَرَّماتِ المَذْكُورَّةِ وهو السِّرُّ في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُ المَتْلُوِّ مُحَرَّمًا عَلى الكُلِّ كَما لا يَخْفى ﴿ ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ أيْ مِنَ الإشْراكِ أوْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَشَيْئًا يَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ والمَفْعُولِيَّةَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في إعْرابِ ( أنْ لا ) وبَدَأ سُبْحانَهُ بِأمْرِ الشِّرْكِ لِأنَّهُ أعْظَمُ المُحَرَّماتِ وأكْبَرُ الكَبائِرِ ﴿ وبِالوالِدَيْنِ ﴾ أيْ أحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا كامِلًا لا إساءَةَ مَعَهُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُرِيدُ البِرَّ بِهِما مَعَ اللُّطْفِ ولِينِ الجانِبِ فَلا يُغْلِظُ لَهُما في الجَوابِ ولا يَحُدُّ النَّظَرَ إلَيْهِما ولا يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَيْهِما بَلْ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِما مِثْلَ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ تَذَلُّلًا لَهُما وثَنّى اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّكْلِيفِ لِأنَّ نِعْمَةَ الوالِدَيْنِ أعْظَمُ النِّعَمِ عَلى العَبْدِ بَعْدَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ المُؤَثِّرَ الحَقِيقِيَّ في وُجُودِ الإنْسانِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ والمُؤَثِّرَ في الظّاهِرِ هو الأبَوانِ.

وعَقَّبَ سُبْحانَهُ التَّكْلِيفَ المُتَعَلِّقَ بِالوالِدَيْنِ بِالتَّكْلِيفِ المُتَعَلِّقِ بِالأوْلادِ لِكَمالِ المُناسَبَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ ﴾ بِالوَأْدِ ﴿ مِن إمْلاقٍ ﴾ مِن أجْلِ فَقْرٍ أوْ مِن خَشْيَتِهِ كَما قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ خَشْيَةَ إمْلاقٍ ﴾ وقِيلَ: الخِطابُ في كُلِّ آيَةٍ لِصِنْفٍ ولَيْسَ خِطابًا واحِدًا فالمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن إمْلاقٍ ﴾ مَنِ ابْتُلِيَ بِالفَقْرِ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَشْيَةَ إمْلاقٍ ﴾ مَن لا فَقْرَ لَهُ ولَكِنْ يَخْشى وُقُوعَهُ في المُسْتَقْبَلِ ولِهَذا قَدَّمَ رِزْقَهم ها هُنا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ ﴾ وقَدَّمَ رِزْقَ أوْلادِهِمْ في مَقامِ الخَشْيَةِ فَقِيلَ: ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ ﴾ وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ ( نَحْنُ ) ..

إلَخْ.

اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ وإبْطالِ سَبَبِيَّةِ ما اتَّخَذُوهُ سَبَبًا لِمُباشَرَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ وضَمانٌ مِنهُ تَعالى لِإرْزاقِهِمْ أيْ نَحْنُ نَرْزُقُ الفَرِيقَيْنِ لا أنْتُمْ فَلا تَقْدَمُوا عَلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ لِذَلِكَ.

﴿ ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ﴾ أيِ الزِّنا والجَمْعُ إمّا لِلْمُبالَغَةِ أوْ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مَن يَصْدُرُ عَنْهُ أوْ لِلْقَصْدِ إلى النَّهْيِ عَنِ الأنْواعِ ولِذا أُبْدِلَ مِنها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ مِنها عَلانِيَةً في الحَوانِيتِ كَما هو دَأْبُ أراذِلِهِمْ وما يُفْعَلُ سِرًّا بِاتِّخاذِ الأخْدانِ كَما هو عادَةُ أشْرافِهِمْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وقِيلَ: المُرادُ بِها المَعاصِي كُلُّها.

وفِي المُرادِ بِما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ عَلى هَذا أقْوالٌ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْها واخْتارَ ذَلِكَ الإمامُ وجَماعَةٌ ورَجَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الأوَّلَ بِأنَّهُ الأوْفَقُ بِنَظْمِ المُتَعاطِفاتِ ووَجْهُ تَوْسِيطِ هَذا النَّهْيِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ والنَّهْيِ عَنِ القَتْلِ مُطْلَقًا عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّ الفَواحِشَ بِهَذا المَعْنى مَعَ كَوْنِها في نَفْسِها جِنايَةً عَظِيمَةً في حُكْمِ قَتْلِ الأوْلادِ فَإنَّ أوْلادَ الزِّنا في حُكْمِ الأمْواتِ وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أنَّهُ قالَ في حَقِّ العَزْلِ: ذاكَ وأْدٌ خَفِيٌّ» وعَلى القَوْلِ الآخَرِ لا يَظْهَرُ وجْهُ تَوْسِيطِ هَذا العامِّ بَيْنَ أفْرادِهِ ويَكُونُ تَوْسِيطُهُ بَيْنَ النَّهْيَيْنِ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ وتَعْلِيقُ النَّهْيِ بِقُرْبانِها إمّا لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْها لِقُوَّةِ الدَّواعِي إلَيْها وإمّا لِأنَّ قُرْبانَها داعٍ إلى مُباشَرَتِها.

﴿ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ أيْ حَرَّمَ قَتْلَها بِأنْ عَصَمَها بِالإسْلامِ أوْ بِالعَهْدِ فَيَخْرُجُ الحَرْبِيُّ ويَدْخُلُ الذِّمِّيُّ فَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ مِن كَوْنِ المُرادِ بِالنَّفْسِ المَذْكُورَةِ النَّفْسَ المُؤْمِنَةَ لَيْسَ في مَحَلِّهِ ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مَن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ لا تَقْتُلُوها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ مُلابِسَتِكم بِالحَقِّ الَّذِي هو أمْرُ الشَّرْعِ بِقَتْلِها وذَلِكَ كَما رُوِيَ في الخَبَرِ بِالكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ وقَتْلِ النَّفْسِ المَعْصُومَةِ أوْ مِن أعَمِّ الأسْبابِ أيْ لا تَقْتُلُوها بِسَبَبٍ مَنِ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ وهو مِمّا في الخَبَرِ أوْ مِن أعَمِّ المَصادِرِ أيْ لا تَقْتُلُوها قَتْلًا إلّا قَتْلًا كائِنًا بِالحَقِّ وهو القَتْلُ بِأحَدِ المَذْكُوراتِ ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ التَّكالِيفِ الخَمْسَةِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ مِن بَيْنِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ ﴿ وصّاكم بِهِ ﴾ أيْ طَلَبَهُ مِنكم طَلَبًا مُؤَكَّدًا والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ تَجْدِيدًا لِلْعَهْدِ وتَأْكِيدًا لِإيجابِ المُحافَظَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ وقالَ الإمامُ: جِيءَ بِها لِتَقْرِيبِ القَبُولِ إلى القَلْبِ لِما فِيها مِنَ اللُّطْفِ والرَّحْمَةِ ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ (151) أيْ تَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَكُمُ الَّتِي تَعْقِلُ نُفُوسَكم وتَحْبِسُها عَنْ مُباشَرَةِ القَبائِحِ المُحَرَّمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ يعني: قل لمالك بن عوف وأصحابه الذين يحرمون الأشياء على أنفسهم، وقالوا ما قالوا أبيّن لكم ما حرم الله عليكم وما أمركم به أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً يقال: معناه أتل ما حرم ربكم عليكم، فقد تم الكلام.

ثم قال: وأمركم أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً يقول: نهاكم عن عقوق الوالدين، وأمركم ببرهم، ويقال: معناه حرم عليكم ألا تشركوا به شيئاً.

ويقال: معناه حرم عليكم الشرك.

وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً يعني: أمركم بالإحسان إلى الوالدين وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ يعني: من خشية الفقر نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ زنى السر والعلانية وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ يعني: إلا بالقصاص أو بالرجم أو بترك الإسلام، فإنّ القتل بهذه الأشياء من الحقوق ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ يقول: أمركم به في القرآن لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أمر الله بما حرمه في هذه الآيات.

وروي عن عبد الله بن قيس عن ابن عباس قال: هذه الآيات المحكمات: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ إلى ثلاث آيات وقال الربيع بن خثيم لرجل: هل لك في صحيفة عليها خاتم محمد  ؟

ثم قرأ هذه الآيات قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ويقال: هذه الآيات هن أم الكتاب، وهن إمام في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ولا يجوز أن يرد عليها النسخ.

ثم قال: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ يقول: لا تأكلوا مال اليتيم ولا تباشروه إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني: إلا بالقيام عليه لإصلاح ماله حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ يعني: احفظوا ماله حتى يبلغ رشده.

قال مقاتل: يعني ثماني عشرة سنة.

وقال الكلبي: الأشُدُّ ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة.

ويقال: حتى يبلغ مبلغ الرجل.

ويقال: بلوغ الأشد ما بين ثماني عشرة إلى أربعين سنة.

ثم قال: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ يعني: أتموا الكيل والميزان عند البيع والشراء بِالْقِسْطِ يعني: بالعدل لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها يعني: إلا جهدها في العدل يعني: إذا اجتهد الإنسان في الكيل والوزن، فلو وقعت فيه زيادة قليلة أو نقصان، فإنه لا يؤاخذ به إذا اجتهد جهده وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا يعني: اصدقوا وقولوا الحق وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى يعني وإن كان الحق على ذي قرابة، فقولوا الحق، ولا تمنعوا الحق وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا يقول: أتموا العهود التي بينكم وبين الله.

والعهد الذي بينكم وبين الناس.

ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ يقول: أمركم به في الكتاب لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يعني: تتعظون فتمتنعون عما حرم الله عليكم.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص تَذَكَّرُونَ بتخفيف الذال.

وقرأ الباقون بالتشديد.

لأن أصله تتذكرون.

فأدغم إحدى التاءين في الذال.

قوله تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً قرأ حمزة والكسائي وإن هذا بكسر الألف على معنى الابتداء.

وقرأ الباقون بالنصب على معنى البناء.

وقرأ ابن عامر وَأَنَّ هذا بجزم النون.

لأن أن إذا خففت منعت عملها.

ومعنى الآية: إن هذا الإسلام ديني الذي ارتضيته طريقاً مستقيما فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ يعني: لا تتبعوا اليهودية والنصرانية.

ويقال: هذا صراطي مستقيماً.

يعني: طريق السنة والجماعة فاتبعوه ولا تتبعوا السبل يعني: الأهواء المختلفة.

وروي عن عبد الله بن مسعود  : إن النبي  خطَّ بالأرض خطاً مستقيماً، ثم خطّ بجنبيه خطوطاً، ثم قال: هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل يعني: الطريق الذي بجنبي الخط، يعني به: الأهواء المختلفة.

ثم قال: فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ يعني: فيضلكم عن دينه ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ يعني يجتنبون الأهواء المختلفة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)

وقوله سبحانه: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً: هذا أمر من اللَّه عزَّ وجلَّ لنبيِّه- عليه السلام- أنْ يدعو جميع الخَلْق إلى سماع تلاوة ما حَرَّم اللَّه بشَرْع الإسلام المبعوثِ به إلى الأسود والأحمر، وما نصبَتْ بقوله: أَتْلُ، وهي بمعنى «الَّذِي» ، و «أنْ» ، في قوله: أَلَّا تُشْرِكُوا في موضع رفع، التقدير: الأمر أنْ، أو ذَاكَ أنْ، وقال كعب الأحبار: هذه الآية هي مفتتحُ التوراة: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ...

» إلى آخر الآيات «١» ، وقال ابن عباس: هذه الآيات هي المحْكَمَات المذْكُورة في آل عمران، اجتمعت عليها شرائعُ الخَلْقِ، ولم تنسخ قطُّ في «٢» ملة، وقد قيل: إنها العَشْر الكلمات المنزَّلة على موسى، والإملاق: الفَقْر وعدَمُ المال قاله ابن عباس وغيره، قال القُشَيْريُّ: خوفُ الفقر قرينةُ الكفر، وحُسْنُ الثقةِ بالرَّبِّ سبحانه نتيجةُ الأَيمان.

انتهى من «التحبير» .

وقوله سبحانه: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

، قال مجاهد: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

: التجارة فيه «٣» ، والأَشُدُّ هنا: الحَزْمُ والنظرُ في الأمور وحُسْنُ التصرُّف فيها، وليس هذا بالأَشُدِّ المقرونِ بالأربعين، بل هذا يكون مع صِغَر السِّنِّ في ناسٍ كثيرٍ.

وقوله سبحانه: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ

: أمر بالاعتدال.

وقوله سبحانه: لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها

: يقتضي أن هذه الأوامر إنما هِيَ فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفّظ والتحرّز.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" .

وفي "لا" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: "أنْ لا تَسْجُدَ"[الأعْرافِ: ١٢] .

والثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ زائِدَةً، وإنَّما هي نافِيَةٌ؛ فَعَلى هَذا القَوْلِ، في تَقْدِيرِ الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أنْ لا تُشْرِكُوا" مَحْمُولًا عَلى المَعْنى؛ فَتَقْدِيرُهُ: أتْلُ عَلَيْكم أنْ لا تُشْرِكُوا، أيْ: أتْلُ تَحْرِيمَ الشِّرْكِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: أُوصِيكم أنْ لا تُشْرِكُوا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا  ﴾ مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى: أُوصِيكم بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ حَرَّمَ رَبُّكُمْ ﴾ .

ثُمَّ في قَوْلِهِ: عَلَيْكم قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها إغْراءٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ  ﴾ .

فالتَّقْدِيرُ: عَلَيْكم أنْ لا تُشْرِكُوا، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: فُرِضَ عَلَيْكم، ووَجَبَ عَلَيْكم أنْ لا تُشْرِكُوا.

وفي هَذا الشِّرْكِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ادِّعاءُ شَرِيكٍ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والثّانِي: أنَّهُ طاعَةُ غَيْرِهِ في مَعْصِيَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ ﴾ يُرِيدُ دَفْنَ البَناتِ أحْياءً.

﴿ مِن إمْلاقٍ ﴾ أيْ: مِن خَوْفِ فَقْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الفَواحِشَ: الزِّنا، وما ظَهَرَ مِنهُ: الإعْلانُ بِهِ، وما بَطَنَ: الِاسْتِسْرارُ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّ ما ظَهَرَ: الخَمْرُ، ونِكاحُ المُحَرَّماتِ.

وما بَطَنَ: الزِّنا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ ما ظَهَرَ: الخَمْرُ، وما بَطَنَ: الزِّنا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ عامُّ في الفَواحِشِ.

وظاهِرُها: عَلانِيَتُها، وباطِنُها: سِرُّها، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّ ما ظَهَرَ: أفْعالُ الجَوارِحِ، وما بَطَنَ: اعْتِقادُ القُلُوبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ في تَفْسِيرِ هَذا المَوْضِعِ، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ  ﴾ .

والنَّفْسُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ: نَفْسُ مُسْلِمٍ أوْ مُعاهَدٍ.

والمُرادُ بِالحَقِّ: إذَنُ الشَّرْعِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ولا تَقْتُلُوا أولادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهم ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَدْعُوَ جَمِيعَ الخَلْقِ إلى سَماعِ تِلاوَةِ ما حَرَّمَ اللهُ تَعالى بِشَرْعِ الإسْلامِ المَبْعُوثِ بِهِ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ.

و"تَعالَوْا"؛ مَعْناهُ: أقْبِلُوا؛ وأصْلُهُ مِن "اَلْعُلُوُّ"؛ فَكَأنَّ الدُعاءَ لَمّا كانَ أمْرًا مِنَ الداعِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ تَرْفِيعُ المَدْعُوِّ؛ و"تَعالى"؛ هو مُطاوِعُ "عالى"؛ إذْ "تَفاعَلَ"؛ هو مُطاوِعُ "فاعَلَ".

و"أتْلُ"؛ مَعْناهُ: "أسْرُدْ؛ وأنُصَّ"؛ مِن "اَلتِّلاوَةُ"؛ اَلَّتِي هي إتْباعُ بَعْضِ الحُرُوفِ بَعْضًا؛ و"ما"؛ نُصِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى "أتْلُ"؛ وهي بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ وقالَ الزَجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى "أتْلُ"؛ مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ؛ و"ما"؛ نُصِبَ بِـ "حَرَّمَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَلِقٌ: و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا تُشْرِكُوا"؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ والتَقْدِيرُ: "اَلْأمْرُ أنْ..."؛ أو: "ذَلِكَ أنْ..."؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ عَلى البَدَلِ مِن "ما"؛ قالَهُ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَعْنى يُبْطِلُهُ؛ فَتَأمَّلْهُ.

ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ؛ والتَقْدِيرُ: "إرادَةَ ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا"؛ إلّا أنَّ هَذا التَأْوِيلَ يُخْرِجُ "ألّا تُشْرِكُوا"؛ مِنَ المَتْلُوِّ؛ ويَجْعَلُهُ سَبَبًا لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ.

و"تُشْرِكُوا"؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "أنْ"؛ ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا بِالنَهْيِ؛ وهو الصَحِيحُ في المَعْنى المَقْصُودِ؛ و"أنْ"؛ قَدْ تُوصَلُ بِما نَصَبَتْهُ؛ وقَدْ تُوصَلُ بِالفِعْلِ المَجْزُومِ بِالأمْرِ والنَهْيِ؛ و"شَيْئًا"؛ عامٌّ يُرادُ بِهِ كُلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللهِ تَعالى.

و"إحْسانًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وناصِبُهُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا".

والمُحَرَّماتُ تَنْفَكُّ مِن هَذِهِ المَذْكُوراتِ بِالمَعْنى؛ وهِيَ: اَلْإشْراكُ؛ والعُقُوقُ؛ وقُرْبُ الفَواحِشِ؛ وقَتْلُ النَفْسِ.

وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: "هَذِهِ الآياتُ مُفْتَتَحُ التَوْراةِ: (بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ)"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآياتُ هي المُحْكَماتُ الَّتِي ذَكَرَها اللهُ تَعالى في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ "؛ اِجْتَمَعَتْ عَلَيْها شَرائِعُ الخَلْقِ؛ ولَمْ تُنْسَخْ قَطُّ في مِلَّةٍ؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّها العَشْرُ الكَلِماتُ المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ.

وإنِ اعْتَرَضَ مَن قالَ: إنَّ "تُشْرِكُوا"؛ مَنصُوبٌ بِـ "أنْ"؛ بِعَطْفِ المَجْزُوماتِ عَلَيْهِ؛ فَذَلِكَ مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ؛ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ حُجَّةً لِذَلِكَ: حَجَّ وأوصى بِسُلَيْمى الأعْبُدا ∗∗∗ ألّا تَرى ولا تُكَلِّمْ أحَدا ولا يَزَلْ شَرابُها مُبَرَّدا وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أولادَكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نَهْيٌ عن عادَةِ العَرَبِ في وأْدِ البَناتِ؛ و"اَلْوَلَدُ"؛ يَعُمُّ الذَكَرَ؛ والأُنْثى؛ مِنَ البَنِينَ؛ و"اَلْإمْلاقُ": اَلْفَقْرُ؛ وعَدَمُ المالِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ؛ يُقالُ: "أمْلَقَ الرَجُلُ"؛ إذا افْتَقَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "أمْلَقَ"؛ أيْ: "لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا المَلَقُ"؛ كَما قالُوا: "أتْرَبَ"؛ إذا لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا التُرابُ؛ و"أرْمَلَ"؛ إذا لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا الرَمْلُ؛ و"اَلْمَلَقُ": اَلْحِجارَةُ السُودُ؛ واحِدَتُهُ: "مَلَقَةٌ"؛ وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ "اَلْإمْلاقَ": اَلْإنْفاقُ؛ ويُقالُ: "أمْلَقَ مالَهُ"؛ بِمَعْنى: أنْفَقَهُ؛ وذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قالَ لِامْرَأةٍ: "أمْلِقِي مِن مالِكِ ما شِئْتِ"؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ التِرْمِذِيِّ أنَّهُ السَرَفُ في الإنْفاقِ؛ وحَكى أيْضًا النَقّاشُ عن مُؤَرِّجٍ أنَّهُ قالَ: "اَلْإمْلاقُ": اَلْجُوعُ؛ بِلُغَةِ لَخْمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ ؛ نَهْيٌ عامٌّ عن جَمِيعِ أنْواعِ الفَواحِشِ؛ وهي المَعاصِي؛ و"ظَهَرَ"؛ و"بَطَنَ"؛ حالَتانِ تَسْتَوْفِيانِ أقْسامَ ما جُعِلَتْ لَهُ مِنَ الأشْياءِ؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ القَصْدَ بِهَذِهِ الآيَةِ أشْياءُ مُخَصَّصاتٌ؛ فَقالَ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "ما ظَهَرَ"؛ هو زِنا الحَوانِيتِ الشَهِيرِ؛ و"ما بَطَنَ"؛ هو مُتَّخِذاتُ الأخْدانِ؛ وكانُوا يَسْتَقْبِحُونَ الشَهِيرَ وحْدَهُ؛ فَحَرَّمَ اللهُ تَعالى الجَمِيعَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "ما ظَهَرَ"؛ هو نِكاحُ حَلائِلِ الآباءِ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ و"ما بَطَنَ"؛ هو الزِنا؛ إلى غَيْرِ هَذا مِن تَخْصِيصٍ لا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ؛ بَلْ هو دَعْوى مُجَرَّدَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تَقْتُلُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مُتَضَمِّنَةٌ تَحْرِيمَ قَتْلِ النَفْسِ المُسْلِمَةِ؛ والمُعاهَدَةِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "إلّا بِالحَقِّ الَّذِي يُوجِبُ قَتْلَها"؛ وقَدْ بَيَّنَتْهُ الشَرِيعَةُ؛ وهو الكُفْرُ بِاللهِ تَعالى وقَتْلُ النَفْسِ؛ والزِنا بَعْدَ الإحْصانِ؛ والحِرابَةُ؛ وما تَشَعَّبَ مِن ذَلِكَ.

وَ"ذَلِكُمْ"؛ إشارَةٌ إلى هَذِهِ المُحَرَّماتِ؛ و"اَلْوَصِيَّةُ": اَلْأمْرُ المُؤَكَّدُ المُقَرَّرُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أجِدَّكَ لَمْ تَسْمَعْ وصاةَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ نَبِيِّ الإلَهِ حِينَ أوصى وأشْهَدا وقَوْلُهُ تَعالى "لَعَلَّكُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِالإضافَةِ إلَيْنا؛ أيْ: "مَن سَمِعَ هَذِهِ الوَصِيَّةَ تَرَجّى وُقُوعَ أثَرِ العَقْلِ بَعْدَها؛ وتَمْيِيزِ المَنافِعِ؛ والمَضارِّ؛ في الدِينِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي للانتقال من إبطال تحريم ما ادّعوا تحريمه من لحوم الأنعام، إلى دعوتهم لمعرفة المحرّمات، التي علمُها حقّ وهو أحقّ بأنْ يعلموه ممّا اختلقوا من افترائهم وموّهوا بجدلهم.

والمناسبة لهذا الانتقال ظاهرة فالمقام مقامُ تعليم وإرشاد، ولذلك ابتدئ بأمر الرّسول عليه الصّلاة والسّلام بفعل القول استرعاء للأسماع كما تقدّم آنفاً.

وعُقّب بفعل: ﴿ تعالوا ﴾ اهتماماً بالغرض المنتقل إليه بأنَّه أجدى عليهم من تلك السّفاسف التي اهتمّوا بها وهذا على أسلوب قوله تعالى: ﴿ ليس البِرّ أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكنّ البرّ من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ [البقرة: 177] الآيات.

وقوله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كَمَنْ آمن بالله واليوم الآخر ﴾ [التوبة: 19] الآية، ليعلموا البون بين ما يَدعون إليه قومهم وبين ما يدعوهم إليه الإسلام، من جلائل الأعمال، فيعلموا أنَّهم قد أضاعوا أزمانهم وأذهانهم.

وافتتاحه بطلب الحضور دليل على أنّ الخطاب للمشركين الذين كانوا في إعراض.

وقد تلا عليهم أحكاماً قد كانوا جارين على خلافها ممّا أفسد حالهم في جاهليتهم، وفي ذلك تسجيل عليهم بسوء أعمالهم ممّا يؤخذ من النّهي عنها والأمر بضدّها.

وقد انقسمت الأحكام التي تضمّنتها هذه الجمل المتعاطفة في الآيات الثّلاث المفتتحة بقوله: ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ إلى ثلاثة أقسام: الأوّل: أحكام بها إصلاح الحالة الاجتماعية العامَّة بين النّاس وهو ما افتتح بقوله: ﴿ ألاَّ تشركوا به شيئاً ﴾ .

الثّاني: ما به حفظ نظام تعامل النّاس بعضِهم مع بعض وهو المفتتح بقوله: ﴿ ولا تَقْرَبوا مال اليتيم ﴾ [الأنعام: 152].

الثّالث: أصل كلي جامع لجميع الهدى وهو اتّباع طريق الإسلام والتّحرّز من الخروج عنه إلى سبل الضّلال وهو المفتتح بقوله: ﴿ وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ﴾ [الأنعام: 153].

وقد ذيّل كلّ قسم من هذه الأقسام بالوصاية به بقوله: ﴿ ذلكم وصاكم به ﴾ ثلاث مرّات.

و (تعالَ) فعل أمر، أصله يُؤْمر به من يراد صعوده إلى مكان مرتفع فوق مكانه، ولعلّ ذلك لأنَّهم كانوا إذا نَادوا إلى أمر مهمّ ارتقَى المنادي على ربوة ليُسمَع صوته، ثمّ شاع إطلاق (تَعالَ) على طلب المجيء مجازاً بعلاقة الإطلاق فهو مجاز شائع صار حقيقة عرفية، فأصله فعل أمر لا محالة من التعالي وهو تكلّف الاعتلاء ثمّ نقل إلى طلب الإقبال مطلقاً، فقيل: هو اسم فعللِ أمر بمعنى (اقدَمْ)، لأنَّهم وجدوه غير متصرّف في الكلام إذ لا يقال: تعاليتُ بمعنى (قَدِمت)، ولا تعالَى إليّ فلان بمعنى جاء، وأيّاً ما كان فقد لزمته علامات مناسبة لحال المخاطب به فيقال: تعالوا وتَعالَيْن.

وبذلك رجَّح جمهور النّحاة أنَّه فعل أمر وليس باسْم فِعل، ولأنَّه لو كان اسم فعل لما لحقتْه العلامات، ولكان مثل: هَلُمّ وهَيْهات.

و ﴿ أتْلُ ﴾ جواب ﴿ تعالوا ﴾ ، والتّلاوة القراءة، والسّردُ وحكاية اللّفظ، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ﴾ [البقرة: 102].

و ﴿ ألاَّ تشركوا ﴾ تفسير للتّلاوة لأنَّها في معنى القول.

وذُكرَت فيما حرّم الله عليهم أشياءُ ليست من قبيل اللّحوم إشارة إلى أنّ الاهتمام بالمحرّمات الفواحش أولى من العكوف على دراسة أحكام الأطعمة، تعريضاً بصرف المشركين همتّهم إلى بيان الأطعمة وتضييعهم تزكية نفوسهم وكفّ المفاسد عن النّاس، ونظيره قوله: ﴿ قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده إلى قوله إنَّما حرم ربِّي الفواحش ما ظهر منها ﴾ [الأعراف: 32، 33] الآية.

وقد ذُكرت المحرّمات: بعضها بصيغة النّهي، وبعضها بصيغة الأمر الصّريح أو المؤوّل، لأنّ الأمر بالشّيء يقتضي النّهي عن ضدّه، ونكتة الاختلاف في صيغة الطّلب لهاته المعدودات سنبيّنها.

و ﴿ أنْ ﴾ تفسيرية لفعل: ﴿ أتل ﴾ لأنّ التّلاوة فيها معنى القول.

فجملة: ﴿ ألا تشركوا ﴾ في موقع عطف بيان.

والابتداء بالنَّهي عن الإشراك لأنّ إصلاح الاعتقاد هو مفتاح باب الإصلاح في العاجل، والفلاح في الآجل.

وقوله: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ عطف على جملة: ﴿ ألاَّ تشركوا ﴾ .

و ﴿ إحسانا ﴾ مصدر ناب مناب فعله، أي وأحسنوا بالوالدين إحساناً، وهو أمر بالإحسان إليهما فيفيد النّهي عن ضدّه: وهو الإساءة إلى الوالدين، وبذلك الاعتبار وقع هنا في عداد ما حَرّم الله لأنّ المحرّم هو الإساءة للوالدين.

وإنَّما عدل عن النّهي عن الإساءة إلى الأمر بالإحسان اعتناء بالوالدين، لأن الله أراد برهما، والبرّ إحسان، والأمرُ به يتضمّن النَّهي عن الإساءة إليهما بطريق فحوى الخطاب، وقد كان كثير من العرب في جاهليتهم أهل جلافة، فكان الأولاد لا يوقّرون آباءهم إذا أضعفهم الكبر.

فلذلك كثرت وصاية القرآن بالإحسان بالوالدين.

وقوله: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ﴾ جملة عطفت على الجملة قبلها أريد به النّهي عن الوأد، وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى في هذه السّورة (137): ﴿ وكذلك زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ﴾ و(مِنْ) تعليلية، وأصلها الابتدائيّة فجعل المعلول كأنَّه مبتدئ من علّته.

والإملاق: الفقر، وكونه علّة لقتل الأولاد يقع على وجهين: أن يكون حاصلاً بالفعل، وهو المراد هنا، وهو الذي تقتضيه (من) التّعليلية، وأن يكون متوقَّع الحصول كما قال تعالى، في آية سورة الإسراء (31): ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ لأنَّهم كانوا يئدون بناتهم إمّا للعجز عن القيام بهنّ وإمَّا لتوقّع ذلك.

قال إسحاق بن خلف، وهو إسلامي قديم: إذَا تذكرتُ بنتي حين تندبني *** فاضت لعبرة بنتي عبرتي بدم أحاذر الفقر يوماً أن يُلِمّ بها *** فيُكشفَ السترُ عن لحم على وضم وقد تقدّم عند قوله تعالى: وكذلك زيَّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} في هذه السورة (137).

وجملة: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ معترضة، مستأنفة، علّة للنّهي عن قتلهم، إبطالاً لمعذرتهم: لأنّ الفقر قد جعلوه عذراً لقتل الأولاد، ومع كون الفقر لا يصلح أن يكون داعياً لقتل النّفس، فقد بيّن الله أنَّه لمّا خَلق الأولاد فقد قدّر رزقهم، فمن الحماقة أن يظنّ الأب أنّ عجزه عن رزقهم يخوّله قتلهم، وكان الأجدر به أن يكتسِبَ لهم.

وعُدل عن طريق الغيبة الذي جرى عليه الكلام من قوله: ﴿ ما حرم ربكم ﴾ إلى طريق التكلّم بضمير: نرزقكم تذكيراً بالذي أمر بهذا القول كلّه، حتى كأنّ الله أقحمَ كلامَه بنفسه في أثناء كلام رسوله الّذي أمره به، فكلّم النّاس بنفسه، وتأكيداً لتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وذكَرَ الله رزقهم مع رزق آبائهم، وقدم رزق الآباء للإشارة إلى أنَّه كما رزق الآباء، فلم يموتوا جوعاً، كذلك يرزق الأبناء، على أن الفقر إنَّما اعترى الآباء فلِمَ يُقتل لأجله الأبناء.

وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي.

هنا لإفادة الاختصاص: أي نحن نرزقكم وإيَّاهم لا أنتم ترزقون أنفسكم ولا ترزقون أبناءكم.

وقد بيّنتُ آنفاً أنّ قبائل كثيرة كانت تئد البنات.

فلذلك حذروا في هذه الآية.

وجملة: ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ عطف على ما قبله.

وهو نهي عن اقتراف الآثام، وقد نهى عن القرب منها، وهو أبلغ في التّحذير من النّهي عن ملابستها: لأنّ القرب من الشّيء مظنّة الوقوع فيه، ولمّا لم يكن للإثم قرب وبعد كان القرب مراداً به الكناية عن ملابسة الإثم أقلّ ملابسة، لأنَّه من المتعارف أن يقال ذلك في الأمور المستقرة في الأمكنة إذا قيل لا تقرب منها فُهم النّهي عن القرب منها ليكون النّهي عن ملابستها بالأحرى، فلمّا تعذّر المعنى المطابقي هنا تعيّنت إرادة المعنى الالتزامي بأبلغ وجه.

والفواحش: الآثام الكبيرة، وهي المشتملة على مفاسد، وتقدّم بيانها عند قوله تعالى: ﴿ إنَّما يأمركم بالسّوء والفحشاء ﴾ في سورة البقرة (169).

وما ظهر منها } ما يظهرونه ولا يسْتَخْفُون به، مثل الغضب والقذف.

﴿ وما بطن ﴾ ما يستخْفون به وأكثره الزّنا والسّرقة وكانا فاشيين في العرب.

ومن المفسّرين من فسّر الفواحش بالزّنا، وجعل ما ظهر منها ما يفعله سفهاؤهم في الحوانيت وديار البغايا، وبما بطَن اتَّخاذ الأخدان سِرّاً، وروي هذا عن السُدّي.

وروي عن الضحّاك وابن عبّاس: كان أهل الجاهليّة يرون الزّنا سِراً حلالاً، ويستقبحونه في العلانية، فحرّم الله الزّنى في السرّ والعلانية.

وعندي أن صيغة الجمع في الفواحش ترجح التّفسير الأوّل كقوله تعالى: ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ﴾ [النجم: 32].

ولعلّ الذي حمل هؤلاء على تفسير الفواحش بالزّنى قوله في سورة الإسراء (32) في آيات عَدَّدت منهيات كثيرة تشابه آيات هذه السورة وهي قوله: ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً ﴾ وليس يلزم أن يكون المراد بالآيات المتماثلة واحداً.

وتقدّم القول في: ﴿ ما ظهر منها وما بطن ﴾ عند قوله تعالى: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ في هذه السّورة (120.

(وأعقب ذلك بالنّهي عن قتل النّفس، وهو من الفواحش على تفسيرها بالأعمّ، تخصيصاً له بالذّكر: لأنَّه فساد عظيم، ولأنّه كان متفشياً بين العرب.

والتّعريف في النّفس تعريف الجنس، فيفيد الاستغراق.

ووصفت بالتي حَرّم الله } تأكيداً للتّحريم بأنَّه تحريم قديم فإنّ الله حرّم قتل النّفس من عهد آدم، وتعليق التّحريم بالنّفس: هو على وجه دلالة الاقتضاء، أي حرّم الله قتلها على ما هو المعروف في تعليق التّحريم والتّحليل بأعيان الذّوات أنَّه يراد تعليقه بالمعنى الذي تستعمل تلك الذّات فيه كقوله: ﴿ أحلّت لكم بهيمة الأنعام ﴾ [المائدة: 1] أي، أكلها، ويجوز أن يكون معنى: ﴿ حرم الله ﴾ جعلها الله حَرَماً أي شيئاً محترماً لا يعتدى عليه، كقوله تعالى: ﴿ إنَّما أمرت أن أعبد ربّ هذه البلدة الذي حرمها ﴾ [النمل: 91].

وفي الحديث: «وإنِّي أحَرّم ما بين لابَتَيْها».

وقوله: ﴿ إلا بالحق ﴾ استثناء مفرّغ من عموم أحوال ملابسة القتل، أي لا تقتلوها في أيَّة حالة أو بأي سبب تنتحلونه إلاّ بسبب الحقّ، فالباء للملابسة أو السببيّة.

والحقّ ضدّ الباطل، وهو الأمر الذي حَقّ، أي ثبت أنّه غير باطل في حكم الشّريعة وعند أهل العقول السّليمة البريئة من هوى أو شهوة خاصّة، فيكونُ الأمرَ الذي اتَّفقت العقول على قبوله، وهو ما اتَّفقت عليه الشّرائع، أو الذي اصطلح أهل نزعة خاصّة على أنَّه يحقّ وقوعه وهو ما اصطلحت عليه شريعة خاصّة بأمّة أو زمن.

فالتّعريف في: ﴿ الحق ﴾ للجنس، والمراد به ما يتحقّق فيه ماهية الحقّ المتقدّم شرحها، وحيثما أطلق في الإسلام فالمراد به ماهيته في نظر الإسلام، وقد فصّل الإسلام حقّ قتل النّفس بالقرآن والسنّة، وهو قتل المحارب والقصاص، وهذان بنصّ القرآن، وقتل المرتدّ عن الإسلام بعد استتابَته، وقتل الزّاني المحصن، وقتل الممتنع من أداء الصّلاة بعد إنظاره حتّى يخرج وقتها، وهذه الثّلاثة وردت بها أحاديث عن النّبيء صلى الله عليه وسلم ومنه القتل الناشئ عن إكراه ودفاععٍ مأذوننٍ فيه شرعاً وذلك قتل من يُقتل من البغاة وهو بنصّ القرآن، وقتل من يقتل من مانعي الزّكاة وهو بإجماع الصّحابة، وأمّا الجهاد فغير داخل في قوله: ﴿ إلا بالحق ﴾ ، ولكنّ قتل الأسير في الجهاد إذا كان لمصلحة كان حقّاً، وقد فصلنا الكلام على نظير هذه الآية في سورة الإسراء.

والإشارة بقوله: ﴿ ذلكم وصاكم به ﴾ إلى مجموع ما ذكر، ولذلك أفرد اسم الإشارة باعتبار المذكور، ولو أتى بإشارة الجمع لكان ذلك فصيحاً، ومنه: ﴿ كل أولئك كان عنه مسؤلاً ﴾ [الإسراء: 36].

وتقدّم معنى الوصاية عند قوله: ﴿ أم كنتم شهداء إذ وصّاكم الله بهذا ﴾ [الأنعام: 144] آنفاً.

وقوله: ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ رجاء أن يعقلوا، أي يصيروا ذوي عقول لأنّ ملابسة بعض هذه المحرّمات ينبئ عن خساسة عقل، بحيث ينزّل ملابسوها منزلة من لا يعقل، فلذلك رُجي أن يعقلوا.

وقوله: ﴿ ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ﴾ تذييل جعل نهاية للآية، فأومأ إلى تنهية نوع من المحرّمات وهو المحرّمات الرّاجع تحريمها إلى إصلاح الحالة الاجتماعيّة للأمّة، بإصلاح الاعتقاد، وحفظ نظام العائلة والانكفاف عن المفاسد، وحفظ النّوع بترك التّقاتل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ ﴾ وهَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ  ، أنْ يَدْعُوَ النّاسَ إلَيْهِ لِيَتْلُوَ عَلَيْهِمْ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وما أحَلَّهُ لَهم لِيُقْلِعُوا عَمّا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ عَلَيْهِ مِن تَحْرِيمِ المُباحِ وإباحَةِ الحَرامِ.

والتِّلاوَةُ: هي القِراءَةُ، والفَرْقُ بَيْنَ التِّلاوَةِ والمَتْلُوِّ، والقِراءَةِ والمَقْرُوءِ أنَّ التِّلاوَةَ والقِراءَةَ لِلْمَرَّةِ الأُولى، والمَتْلُوَّ والمَقْرُوءَ لِلثّانِيَةِ وما بَعْدَها، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى، والَّذِي أراهُ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما أنَّ التِّلاوَةَ والقِراءَةَ يَتَناوَلُ اللَّفْظَ، والمَتْلُوَّ والمَقْرُوءَ يَتَناوَلُ المَلْفُوظَ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أخَذَ فَيِما حَرَّمَ فَقالَ: ﴿ ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: ألّا تُشْرِكُوا بِعِبادَتِهِ عِبادَةَ غَيْرِهِ مِن شَيْطانٍ أوْ وثَنٍ.

والثّالِثُ: أنْ يَحْمِلَ الأمْرَيْنِ مَعًا.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ تَقْدِيرُهُ: وأُوصِيكم بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، والإحْسانُ تَأْدِيَةُ حُقُوقِهِما ومُجانَبَةُ عُقُوقِهِما والمُحافَظَةُ عَلى بَرِّهِما.

﴿ وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُونَ أوْلادَهم خَشْيَةَ الإمْلاقِ.

وَفي الإمْلاقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإفْلاسُ، ومِنهُ المَلْقُ لِأنَّهُ اجْتِهادُ المُفْلِسِ في التَّقْرِيبِ إلى الغِنى طَمَعًا في تَأْجِيلِهِ.

والثّانِي: أنَّ الإمْلاقَ ومَعْناهُما قَرِيبٌ وإنْ كانَ بَيْنَهُما فَرْقٌ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ في الإمْلاقِ بِأنْ قالَ: ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ ﴾ لِأنَّ رِزْقَ العِبادِ كُلِّهِمْ، مِن كَفِيلٍ ومَكْفُولٍ، عَلى خالِقِهِمْ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الفَواحِشِ سِرِّها وعَلانِيَتِها، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الزِّنى، ما ظَهَرَ مِنها: ذَواتُ الحَوانِيتِ، وما بَطَنَ: ذَواتُ الِاسْتِسْرارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: ما ظَهَرَ مِنها: نِكاحُ المُحَرَّماتِ، وما بَطَنَ: الزِّنى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّ ما ظَهَرَ مِنها: الخَمْرُ، وما بَطَنَ مِنها: الزِّنى، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَقَدْ ذَكَرْنا فِيهِ احْتِمالَ تَأْوِيلٍ خامِسٍ: أنَّ ما ظَهَرَ مِنها أفْعالُ الجَوارِحِ، وما بَطَنَ مِنها اعْتِقادُ القُلُوبِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ﴾ والنُّفُوسُ المُحَرَّمَةُ: نَفْسُ مُسْلِمٍ، أوْ مُعاهِدٍ، والحَقُّ الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ النَّفْسُ ما بَيَّنَهُ النَّبِيُّ  بِقَوْلِهِ: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، أوْ زِنًى بَعْدَ إحْصانٍ، أوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» .

ثُمَّ قالَ: ﴿ ذَلِكم وصّاكم بِهِ ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ وصّى عِبادَهُ بِذَلِكَ، ووَصِيَّةُ اللَّهِ واجِبَةٌ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَعْقِلُونَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَلَيْكم وتَعْلَمُونَهُ.

والثّانِي: تَعْمَلُونَ عَمَلَ مَن يَعْقِلُ وهو تَرْكُ ما أوْجَبَ العِقابَ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتماً فليقرأ هؤلاء الآيات ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ إلى قوله: ﴿ لعلهم يتقون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم م «أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟

ثم تلا ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ إلى ثلاث آيات، ثم قال فمن وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئاً فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو عبيد وابن المنذر عن منذر الثوري قال: قال الربيع بن خيثم: أيسرك أن تلقى صحيفة من محمد صلى الله عليه وسلم بخاتم؟

قلت: نعم فقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة الأنعام ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ إلى آخر الآيات.

وأخرج ابن شيبة وابن الضريس وابن المنذر عن كعب قال: أول ما نزل من التوراة عشر آيات، وهي العشر التي أنزلت من آخر الأنعام ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ إلى آخرها.

وأخرج أبو الشيخ عن عبيد الله بن عبد الله بن عدي بن الخيار قال: سمع كعب رجلاً يقرأ ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً ﴾ فقال كعب: والذي نفس كعب بيده أنها لأوّل آية في التوراة، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ إلى آخر الآيات.

وأخرج ابن سعد عن مزاحم بن زفر قال: قال رجل للربيع بن خيثم: أوصني.

قال: ائتني بصحيفة، فكتب فيها ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ الآيات.

قال إنما أتيتك لتوصيني؟!

قال: عليك بهولاء.

وأخرج أبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن علي بن أبي طالب قال: لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج إلى منى وأنا معه وأبو بكر، وكان أبو بكر رجلاً نسابة، فوقف على منازلهم ومضاربهم بمنى، فسلم عليهم وردوا السلام، وكان في القوم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مفروق، وكان مفروق قد غلب عليهم بياناً ولساناً، فالتفت إلى رسول الله صلى عليه وسلم فقال له: إلام تدعو يا أخا قريش؟

فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وقام أبو بكر يظله بثوبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ادعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واني رسول الله، وإن تأووني وتنصروني وتمنعوني حتى أؤدي حق الله الذي أمرني به» ، فإن قريشاً قد تظاهرت على أمر الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد.

قال له: وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش؟

فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً ﴾ إلى قوله: ﴿ تتقون ﴾ فقال له مفروق: وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإِحسان ﴾ [ النحل: 90] الآية.

فقال له مفروق: دعوت والله يا قريشي إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك؟

وقال هانئ بن قبيصة: قد سمعت مقالتك واستحسنت قولك يا أخا قريش، ويعجبني ما تكلمت به، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لم تلبثوا إلا يسيراً حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم يعني أرض فارس وأنهار كسرى ويفرشكم بناتهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟» فقال له النعمان بن شريك: اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ﴾ [ الأحزاب: 45] الآيه.

ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم قابضاً على يد أبي بكر.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ﴾ قال: من خشية الفاقة.

قال: وكان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته مخافة الفاقة عليها والسبا ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ قال: سرها وعلانيتها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ﴾ قال: خشية الفقر ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساً في السر ويستقبحونه في العلانية، فحرَّم الله الزنا في السر والعلانية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها ﴾ قال: العلانية ﴿ وما بطن ﴾ قال: السر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أرأيتم الزاني والسارق وشارب الخمر ما تقولون فيهم؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: «هن فواحش وفيهن عقوبة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حازم الرهاوي أنه سمع مولاه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «مسئلة الناس من الفواحش» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن جابر قال: بلغني من الفواحش التي نهى الله عنها في كتابه تزويج الرجل المرأة، فإذا نفضت له ولدها طلقها من غير ريبة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها ﴾ قال: نكاح الأمهات والبنات ﴿ وما بطن ﴾ قال: الزنا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله: ﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها ﴾ قال: ظلم الناس ﴿ وما بطن ﴾ قال: الزنا والسرقة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولا تقتلوا النفس ﴾ يعني نفس المؤمن التي حرم الله قتلها إلا بالحق.

وأخرج أحمد والنسائي وابن قانع والبغوي والطبراني وابن مردويه عن سلمة بن قيس الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع «ألا إنما هي أربع: لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، فما أنا بأشح عليهن مني إذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية في قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ قال طلب التجارة فيه والربح منه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ قال: يبتغي لليتيم في ماله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ قال: التي هي أحسن أن يأكل بالمعروف، إن افتقر وإن واستغنى فلا يأكل.

قال الله: ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ [ النساء: 6] فسئل عن الكسوة؟

فقال: لم يذكر الله كسوة وإنما ذكر الأكل.

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم ﴾ قال: ليس له أن يلبس من ماله قلنسوه ولا عمامة ولكن يده مع يده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله: ﴿ حتى يبلغ أشده ﴾ قال: الأشد الحلم إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن قيس في قوله: ﴿ حتى يبلغ أشده ﴾ قال: خمس عشرة سنة.

وأخرج أبو الشيخ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن.

أنه كان يقول في هذه الآية: الأشد الحلم لقوله: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ [ النساء: 6] .

وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: الأشد: الحلم.

وأخرج ابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ فقال: من أوفى على يديه في الكيل والميزان والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما لم يؤاخذ، وذلك تأويل وسعها.

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ﴾ يعني العدل ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ يعني إلا طاقتها.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ بالقسط ﴾ قال: بالعدل.

وأخرج الترمذي وضعفه وابن عدي وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر التجار إنكم قد وليتم أمراً هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم: المكيال والميزان» .

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقص قوم المكيال والميزان إلا سلط الله عليهم الجوع» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ﴾ قال: قولوا الحق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ﴾ يعني ولو كان قرابتك فقل فيه الحق.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ قال الزجاج (١) (٢) قال أبو إسحاق: (ويكون ﴿ أَلَّا تُشْرِكُوا ﴾ منصوبة بمعنى طرح اللام، أي: أبيّن لكم الحرام لئلا تشركوا به شيئًا؛ لأنهم إذا حرموا ما أحل الله عز وجل فقد جعلوا غير الله في القبول منه بمنزلة الله جل وعز فصاروا بذلك مشركين.

قال: ويجوز أن يكون ﴿ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ ﴾ (٣) (٤) ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ محمول على معنى: أوصيكم بالوالدين إحسانًا) (٥) قال أبو بكر: (وقال آخرون: موضع أن نصب بعلى على (٦) ﴿ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ﴾ والابتداء ﴿ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا ﴾ كما قال تعالى: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ قال: ويجوز أن يكون أن في موضع رفع بعلى، كما تقول: عليكم الصيام والحج) (٧) وأما موضع (تشركوا) فذكر الفراء فيه قولين: (أحدهما: وهو الظاهر أنه نصب بأن، ويجوز أن يكون في موضع جزم بلا على النهي كقولك: أمرتك ألا تذهبَ إلى زيد بالنصب وأن لا تذهبْ بالجزم، كما قال الله تعالى ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ  ﴾ فنصب أوله، ونهى في آخره.

قال: والجزم في هذه الآية أحب إليّ لقوله: ﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ  ﴾ وأمّا ما نسقته على ﴿ أَلَّا تُشْرِكُوا ﴾ من قوله: ﴿ تَقْرَبُوا ﴾ و ﴿ تَقْتُلُوا  ﴾ فجائز أن يكون نصبًا وجزمًا على ما ذكرنا، وجائز أن يخالف بينهن فتحكم على بعض بالنصب، وعلى بعض بالجزم) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ قد ذكرنا [أنه على] (٩) ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ وقال أبو بكر: (التقدير: أن لا تشركوا به شيئًا وأن تفعلوا ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ فحذف الفعل لوضوح معناه) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: مخافة الفقر) (١١) وقال الزجاج: (أي: من فقر، أي: من خوف فقر) (١٢) (١٣) ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ  ﴾ ، وهذا في النهي عن [الوأد] (١٤) (١٥) ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ  ﴾ قال شمر: (أمْلق لازم ومتعدٍّ، يقال: أَمْلَق الرجلُ فهو مُملق إذا افتقر، فهذا لازم، وأملق الدَّهرُ ما بيده إذا أفسده، والإملاق: الإفساد) (١٦) وقال ابن شميل أيضًا: (ومنه قول أوس بن حجر: وَلَمَّا رَأَيْتُ الْعُدْمَ قَيَّدَ نَائِلي ...

وَأَمْلَقَ ما عِندي خُطُوبٌ تَنَبَّلُ (١٧) [أي: تذهب بالمال تَنَبلَّتْ بما عندي، أي: ذهبت به (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ قال ابن عباس: (كانوا يكرهون أن يزنوا علانية فيفعلون ذلك سرًا فنهاهم الله عن الزنا سرًا وعلانية) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ قال: (إلا بالقود يريد: القصاص) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ قال الزجاج: (هذا يدل على أن معنى ﴿ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ محمول على معنى: وصاكم بأن لا تشركوا) (٢١) قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس (يريد: إن كنت له وصيًا فأصلحت في ماله وقمت لله في ضيعته (٢٢) ﴿ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ﴾ الآية [البقرة: 220]) (٢٣) (٢٤) وقال (٢٥) (٢٦) ﴿ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ حفظ ماله عليه وتثميره بما يوجد السبيل إليه) (٢٧) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ قال (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) قد سادَ وَهْو فَتًى حَتَّى إذا بَلَغَتْ ...

أَشُدُّه وعَلا في الأَمْرِ واجْتَمَعَا) (٣٤) وقال أبو الهيثم: (واحدة الأشد: شِدَّة، كما أن واحدة الأَنعُم: نِعْمَة، والشِّدة: القوة والجلادة، والشديد: الرجل القوي، قال: وكأن الهاء في النعمة والشدة لم تكن في الحرف إذ (٣٥) (٣٦) وحكى ابن الأنباري: (عن بعض أهل اللغة: (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) قال الأزهري: (وبلوغ الأشد يكون من وقت بلوغ الإنسان مبلغ الرجال وإدراكه إلى أربعين سنة، فبلوغ الأشد [محصور الأول] (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ﴾ ) [النساء: 6]، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 150، وقال: (فكأنه يشير إلى النسخ) ا.

هـ.

وعليه يكون المراد: الاحتلام، والله أعلم.]].

وقال أبو إسحاق: (وبلوغ أشده أن يونس منه الرشدَ مع أن يكون بالغًا وحينئذ يجب دفع المال إليه) (٤٥) وقوله تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ ﴾ كل شيء بلغ تمام الكمال فقد وفي وتم يقال: درهم وافٍ، وكيل وافٍ، وأوفيته حقه ووفيته إذا تممته (٤٦) (٤٧) وقوله تعالى: ﴿ وَالْمِيزَانَ ﴾ أي: وزن الميزان والوزن به؛ لأن المراد إتمام (٤٨) (٤٩) ﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ ﴾ ، ولم يقل: المكيال، فهو من باب حذف المضاف (٥٠) وقوله تعالى: ﴿ بِالْقِسْطِ ﴾ أي: بالعدل لا بخس ولا شطط (٥١) وقوله تعالى: ﴿ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: قد علمت ما أحل لك، وحرم عليك، فكما تحب أن يوفيك من تشتري منه، فأوف من تبيع منه) (٥٢) (٥٣) (٥٤) وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: إذا شهدتم أو تكلمتم فقولوا الحق) (٥٥) ﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ (يريد: (٥٦) (٥٧) (٥٨) ﴿ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ﴾ ، ذكرنا معنى الوفاء بالعهد عند قوله: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ ، أي: ذلك الذي تقدم من ذكر مال اليتيم، وأن لا يقرب إلا بالتي هي أحسن، وإيفاء الكيل والوزن، واجتناب البخس، والتطفيف فيهما، وتحري الحق على مقدار الطاقة والاجتهاد، وهو معنى قوله: ﴿ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ والقول بالقسط والحق ولو كان المقول فيه ذا قربى، والوفاء بالعهد لينجز (٥٩) ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا  ﴾ هذا كله مما وصى به ليتذكروه (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) وقرأ حمزة (٦٦) (٦٧) (٦٨) (١) "معاني الزجاج" 2/ 303.

(٢) لم أقف عليه.

(٣) في (ش): ﴿ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ .

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

(٥) "معاني الزجاج" 2/ 304.

(٦) في (ش): (نصب بمعنى على معنى)، وهو تحريف.

(٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 138، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 147، والسمين في "الدر" 5/ 216 - 217، واستبعد أبو حيان في "البحر" 4/ 250، والسمين في "الدر" 5/ 217، النصب على الإغراء قال السمين: (هذا ضعيف لتفكك التركيب عن ظاهره، ولأنه لا يتبادر إلى الذهن) اهـ.

(٨) انظر: "معاني الفراء" 1/ 364، و"تفسير الطبري" 8/ 81، 82، و"إعراب النحاس" 1/ 191، و"المشكل" 1/ 277، و"غرائب التفسير" 1/ 391، و"البيان" 1/ 349، و"التبيان" 1/ 364، و"الفريد" 2/ 248، وأطال السمين في "الدر" 5/ 213 - 218: في إعراب هذه الآية، وذكر في (ما) ثلاثة أوجه: وفي محل (أن لا تشركوا) ثلاثة أوجه، الجر من وجه واحد، والرفع من ثلاثة أوجه، والنصب من ستة أوجه.

(٩) لفظ: (أنه على) ساقط من (ش).

(١٠) لم أقف عليه.

وانظر: "المشكل" 1/ 102، و"البيان" 1/ 84.

(١١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 82، وابن أبي حاتم 5/ 1414 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 4/ 103، وهو في "مسائل نافع بن الأزرق" ص 115، و"تنوير المقباس" 2/ 73، وأخرج أبو عبيد في "اللغات" ص 98، وابن حسنون ص 24، و"الوزان" ص 3/ ب بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني: من جوع بلغة لخم) اهـ.

(١٢) "معاني الزجاج" 2/ 304، ونحوه في "غريب القرآن" لليزيدي ص 143، و"تفسير غريب القرآن" ص 163، و"تفسير المشكل" ص 81، وقال الطبري في "تفسيره" 8/ 82: (الإملاق: مصدر من قول القائل: أملقت من الزاد، فأنا أملق إملاقًا.

وذلك إذا فني زاده وذهب ماله، وأفلس) ا.

هـ، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 208.

(١٣) قال في الأنعام: ﴿ مِنْ إِمْلَاقٍ ﴾ لأنه فقر واقع.

وفي الإسراء: ﴿ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ﴾ ؛ لأنه فقر متوقع.

انظر: "ملاك التأويل" 1/ 353، و"فتح الرحمن" ص 181.

(١٤) في (ش): (الولد)، وهو تحريف.

(١٥) لفظ: (الله) ساقط من (أ).

(١٦) "تهذيب اللغة" 4/ 3448، والظاهر من إيراد الأزهري أن البيت من كلام شمر وليس من كلام ابن شميل، وأيضًا قوله: (والإملاق: الإفساد) من قول ابن شميل، وانظر: في معنى الإملاق، و"إصلاح المنطق" ص 46، 275، و"الجمهرة" 2/ 975، و"الصحاح" 4/ 1556، و"المجمل" 3/ 840، و"اللسان" 7/ 4265 (ملق).

(١٧) "ديوانه" ص 94، و"تهذيب اللغة" 4/ 3448، و"اللسان" 7/ 4265 مادة (ملق)، و"الدر المصون" 5/ 218، والعُدْم -بضم فسكون-: فقدان الشيء وذهابه، والفقر، وغلب على فقد المال وقلته.

انظر: "اللسان" 5/ 2848 مادة (عدم)، والخطوب: بالضم جمع خطب بفتح فسكون، وهو الشأن والأمر.

انظر: "اللسان" 2/ 1194 (خطب)، وتنبل: بالفتح تأخذ الأنبل.

انظر: "اللسان" 7/ 4330 (نبل).

(١٨) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، وملحق بالهامش.

(١٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 83، وابن أبي حاتم 5/ 1416 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 104، وهذا من باب التمثيل، والآية عامة، وهو اختيار الجمهور، وروي عن ابن عباس  ما كما في "الدر المنثور" 3/ 104، وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 394: (الآية نهي عام عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي، وظهر وبطن حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء، وذهب بعضهم إلى تخصيص لا تقوم عليه حجة، بل هو دعوى مجردة) ا.

هـ.

ملخصًا.

وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 83، والرازي 13/ 233، والقرطبي 7/ 133.

(٢٠) (قال) كذا في "النسخ"، والمراد ابن عباس  ما، كما ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 139، وفي "تنوير المقباس" 2/ 73: ( ﴿ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ بالعدل يعني: بالقود والرجم والارتداد) ا.

هـ، ولعل ما ذكره الواحدي من باب التمثيل لبعض ما أباح الشارع به قتل النفس، فهذه الآية نهي عن قتل النفس المحرمة مؤمنة كانت أو معاهدة إلا بالحق الذي يوجب قتلها، وقد بينته الشريعة ومنها الردة، وقتل النفس، والزنا بعد الإحصان والحرابة، انظر: "تفسير الطبري" 8/ 84، والبغوي 3/ 203، وابن عطية 5/ 395، والقرطبي 7/ 133، وابن كثير 2/ 211.

(٢١) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 304، وانظر: "أضواء البيان" 2/ 277 - 278، وفيه رجح هذا الوجه.

(٢٢) الضَّيْعة، بفتح فسكون: الحرفة، والصناعة، والمال، وسياسة الإبل والغنم.

انظر: "اللسان" 5/ 2624 (ضيع).

(٢٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 140، وفي "تنوير المقباس" 3/ 73، و"زاد المسير" 3/ 149، نحوه عن ابن عباس  ما.

(٢٤) أخرجه الطبري 8/ 84، وابن أبي حاتم 5/ 1419، بسند ضعيف، وذكره الثعلبي في "الكشف" 186 أ، والماوردي في "تفسيره" 2/ 187، والبغوي 3/ 204.

(٢٥) في (أ): (وهو مجاهد هو التجارة فيه)، وفي (ش): (وقال مجاهد هو من التجارة فيه).

(٢٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 84 بسند جيد، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 517، والثعلبي في "تفسيره" 186 أ، والماوردي 2/ 187، والبغوي 3/ 203 - 304.

(٢٧) "معاني الزجاج" 2/ 305، وفيه (بما يوجد إليه السبيل).

(٢٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 84 بسند جيد، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1419، ورجح هذا القول الطبري في "تفسيره" 8/ 84، والبغوي 3/ 203، وابن عطية 5/ 396، وقال القرطبي في "تفسيره" 7/ 134 في تفسير الآية: (أي: بما فيه صلاحه وتثميره، وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه، وهذا أحسن الأقوال == في هذا، فإنه جامع) اهـ.

(٢٩) كذا في "النسخ" والمراد الزجاج حيث جاء النص في "معانيه" 2/ 305.

(٣٠) انظر: "العين" 6/ 213، و"الجمهرة" 1/ 111، و"الصحاح" 2/ 493، و"المجمل" 2/ 500، و"المفردات" ص 448 (شد).

(٣١) في (ش): (الحركة)، وهو تحريف.

(٣٢) "تهذيب اللغة" 2/ 1843.

(٣٣) "تهذيب اللغة" 2/ 1843، ولم أقف عليه في "معاني الفراء" بعد طول بحث، وهو في "الغريب المصنف" لأبي عبيد 1/ 379، من قوله دون ذكر الفراء، وكذا في "المخصص" 1/ 41، وحكى ثعلب في "مجالسه" 2/ 540 عن الفراء قال: (أشده: جمع شَدّ) ا.

هـ.

وهو في الجميع بفتح الشين، وقال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 99: (هو موضع جميع لا واحد له من لفظه، وقال الفراء والكسائي: واحد الأشد: شد.

على فُعل وأفعل مثل بحر وأبحر، وأشد مضعف مشدد) ا.

هـ.

وانظر: 1/ 305، 1/ 378، و"تفسير الطبري" 8/ 85.

(٣٤) الشاهد لعدي بن الرقاع في "الغريب المصنف" 1/ 379، و"الأفعال" لأبي عثمان السرقسطي 2/ 332، و"المخصص" 1/ 41، وبلا نسبة في: "تهذيب اللغة" 2/ 1843، و"اللسان" 4/ 2215 (شدد)، و"الدر المصون" 5/ 221، ولم أقف عليه في "ديوانه" المطبوع.

(٣٥) في (ش): (إذا كانت).

(٣٦) انظر: "الكتاب" 4/ 245، وفي "الخصائص" 1/ 86، حكى عن سيبويه (أنه جمع شِدة بالكسر)، وهو قول أبي زيد في "النوادر" ص 54، وانظر: "تفسير المشكل" لمكي ص 112 - 113.

(٣٧) في "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 597 - 598: (قال الفراء: أهل البصرة يزعمون أن الأشد اسم واحد مثل الآنك ..)، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 253: (اختار ابن الأنباري في آخرين أنه مفرد لا جمع له وليس بمختار لفقدان أفعل في المفردات وضعًا) ا.

هـ.

(٣٨) يعني: أنه مفرد لا جمع، والآنك: بالمد وضم النون: الرصاص القلعي، أو خالصه، والقزدير.

انظر: "تفسير الطبري" 8/ 85، و"اللسان" 1/ 154 (أنك).

(٣٩) في "المذكر والمؤنث" 1/ 597، حكاه عن يونس بن حبيب الضبي فقط، وانظر: "تفسير الغريب" لابن قتيبة ص 215، و"نزهة القلوب" ص 78.

(٤٠) عند ابن الأنباري في "المذكر والمؤنث" 1/ 597: (بمنزلة قولهم: الرجل وُدّ والرجال أُودّ) ا.

هـ.

وفي "اللسان" 8/ 4793 (ودد).

(الود: الحب يكون في جميع مداخل الخير) ا.

هـ.

(٤١) لفظ: (محصور الأول) ساقط من (ش).

(٤٢) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1843، وانظر: "معاني الفراء" 3/ 52، و"تفسير غريب القرآن" ص 254.

(٤٣) يحيى بن يَعْمَر العَدْواني: أبو سليمان البصري قاضي مرو، إمام تابعي ثقة، فقيه مقرئ، نحوي أديب فصيح عالم باللغة، يقال: إنه أول من نقط المصاحف، مات قبل المائة، وقيل بعدها.

انظر: "معجم الأدباء" 20/ 42، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 441، و"غاية النهاية" 2/ 381، و"تهذيب التهذيب" 4/ 401.

(٤٤) ذكره الثعلبي في "الكشف" 186 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 150، وأبو حيان في "البحر" 4/ 252.

(٤٥) "معاني الزجاج" 2/ 305، ورجح هذا القول ابن عطية في تفسيره 5/ 397، وقال: (هذا أصح الأقوال وأليقها بهذا الموضع) ا.

هـ وقال السمين في "الدر" 5/ 221: (المراد ببلوغ الأشد بلوغ الحلم في قول الأكثر؛ لأنه مظنة ذلك) ا.

هـ ورجحه ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 150، والظاهر، أن بلوغ الأشد في اليتيم مقيد بالبلوغ مع الرشد وزوال السفه، وأكثر أهل العلم على أن سن البلوغ خمس عشرة سنة.

انظر: "تفسير القرطبي" 7/ 134 - 136، وابن كثير 2/ 212، والشنقيطي 2/ 279.

(٤٦) لعله: (إذا أتممته) كما في تفسير الرازي 13/ 234، فقد نقل نص الواحدي بدون نسبه.

(٤٧) هذا من تهذيب اللغة 4/ 3924، وانظر: الصحاح 8/ 4885، و"اللسان" 15/ 398، و"وَفَى".

(٤٨) في (ش): (لأن المراد تمام الوزن).

(٤٩) الميزان: اسم آلة، وأصله مصدر ثم أطلق على الآلة.

انظر: "الجمهرة" 2/ 830، و"تهذيب اللغة" 4/ 3886، و"الصحاح" 6/ 2213، و"المجمل" 4/ 924، و"المفردات" 868، و"اللسان" 8/ 4828 (وزن).

(٥٠) قال العكبري في "التبيان" 364: (والكيل: هاهنا مصدر في معنى المكيل، والميزان كذلك، ويجوز أن يكون فيه حذف مضاف تقديره: مكيل الكيل، وموزون الميزان) ا.

هـ، وذكر قول الواحدي والعكبري، السمين في الدر 5/ 221 - 222، وقال: (ولا حاجة إلى ما ادعاه من وقوع المصدر موقع اسم المفعول، ولا من تقدير المضاف؛ لأن المعنى صحيح بدونهما، وأيضاً فميزان ليس مصدرًا إلا أن يعضد قوله ما قاله الواحدي، والظاهر عدم الاحتياج إلى ذلك، وكأنه لم يعرف أن الكيل يُطلق على نفس المكيال حتى يقول: "ولم يقل المكيال"، والكيل والميزان: هما الآلة التي يكال بها ويوزن، وأصل الكيل المصدر، ثم أطلق على الآلة، والميزان مفعال من الوزن لهذه الآلة ..) ا.

هـ.

ملخصًا.

(٥١) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 86، والسمرقندي 1/ 524.

(٥٢) لم أقف عليه.

وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1420، بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (هم المؤمنون وسع الله عليهم أمر دينهم فقال: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ  ﴾ ) اهـ.

(٥٣) في (أ): (تضيق) بالتاء.

(٥٤) هذا قول الطبري في "تفسيره" 8/ 86، وذكره الثعلبي في الكشف ص 186/ أ، عن أهل المعاني وهذا يدل على أن الطبري من أهل المعاني عند الثعلبي والواحدي حيث لم أجد هذا المعنى عند أحد من أهل المعاني فيما لدي من مراجع.

(٥٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 141.

(٥٦) كأنه من قول ابن عباس حسب السياق، وفي "تنوير المقباس" 2/ 74 نحوه.

(٥٧) أي اسم كان مستتر تقديره: هو، أي: المقول فيه.

انظر: "الدر المصون" 5/ 222.

(٥٨) "معاني الزجاج" 2/ 205، وفيه: (أي: إذا شهدتم أو حكمتم فاعدلوا ، ولو كان المشهود عليه أو له ذا قربى) ا.

هـ.

(٥٩) في (أ): (لتنجز) بالتاء.

(٦٠) في (أ): (لتتذكروه وتأخذوا به).

(٦١) في (ش): (فلا يطرحوا)، وفي (أ): (فلا تطرحوه).

وما ذكره هو نص كلام أبي علي في "الحجة" 3/ 428.

(٦٢) في (ش): (ذَكّره).

(٦٣) في النسخ (ووقتًا) وأصل النص من "الحجة" 3/ 427 - 428، وأشار المحقق في الهامش إلى ورود (ووقتًا).

في بعض النسخ.

(٦٤) في (ش): (يذكرون إنما هو يتذكرون)، بالتاء.

(٦٥) يعني اجتماع المتقارب وهو التاء والذال.

(٦٦) قرأ حمزة والكسائي، وعاصم في رواية حفص: (تذكرون) بتخفيف الذال.

وقرأ الباقون بتشديدها انظر: "السبعة" 272 - 273، و"المبسوط" ص 176، و"التذكرة" 2/ 412، و"التيسير" ص 108، و"النشر" 2/ 266.

(٦٧) في (ش): (يذكرون)، بالياء.

(٦٨) هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 430، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 394، و"إعراب القراءات" 1/ 173، و"الكشف" 1/ 457.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم عليهم وذكر في هذه الآيات المحرمات التي أجمعت عليها جميع الشارئع ولم تنسخ قط في ملة، وقال ابن عباس: هي الكلمات التي أنزل الله على موسى ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ قيل: أن هنا حرف عبارة وتفسير فلا موضع لها منالإعراب، ولا ناهية جزمت الفعل، وقيل: أن مصدرية في موضع رفع تقديره: الأمر ألا تشركوا، فلا على هذا نافية، وقيل: أن في موضع نصب بدلاً من قوله ما حرم، ولا يصح ذلك إلا إن كانت لا زائدة وإن لم تكن زائدة فسد المعنى لأن الذي حرم على ذلك يكون ترك الإشراك، والأحسن عندي أن تكون أن مصدرية في موضع نصب على البدل ولا نافية ولا يلزم ما ذكر من فساد المعنى، لأن قوله ما حرم ربكم معناه ما وصاكم به ربكم بدليل قوله في آخر الآية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تذكرون ﴾ بتخفيف الذال حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد فحذفوا إحدى التاءين.

الباقون: بالتشديد لأجل إدغام تاء التفعل في الذال ﴿ وأن هذا ﴾ بسكون النون.

ابن عامر ويعقوب ﴿ وإن هذا ﴾ بكسر الهمزة وتشديد النون: حمزة وعلي وخلف، الباقون: ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ صراطي ﴾ بفتح الياء: ابن عامر والأعشى والبرجمي ﴿ فتفرق ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ أن يأتيهم ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في النحل: علي وحمزة وخلف.

الباقون: بالتاء الفوقانية.

﴿ فارقوا ﴾ وكذلك في الروم: حمزة وعلي الباقون ﴿ فرقوا ﴾ بالتشديد ﴿ عشر ﴾ بالتنوين ﴿ أمثالها ﴾ بالرفع: يعقوب.

الباقون بالإضافة ﴿ ربي إلي ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع، ﴿ قيماً ﴾ بكسر القاف وفتح الياء: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.

الباقون: بالعكس مع تشديد الباء.

﴿ محياي ﴾ بالسكون ﴿ مماتي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بالعكس.

﴿ وأنا أوّل ﴾ بالمد: نافع وأبو جعفر.

الوقوف: ﴿ شيئاً ﴾ ط للحذف أي وأحسنوا بالوالدين ﴿ إحساناً ﴾ ج لابتداء النهي مع احتمال العطف أي وأن لا تقتلوا، ﴿ من إملاق ﴾ ط.

﴿ وإياهم ﴾ ج للعطف مع العارض.

﴿ وما بطن ﴾ ط للفصل بين الحكمين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالحق ﴾ ط لانتهاء بيان الأحكام إلى توكيد الإيصاء للأحكام ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ج للفصل بين الحكمين ﴿ بالقسط ﴾ ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ ذا قربى ﴾ ج لتناهي جواب "إذا" وتقدّم مفعول ﴿ أوفوا ﴾ ﴿ تذكرون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ وإن هذا ﴾ بالكسر.

﴿ فاتبعوه ﴾ ج للفصل بين النقيضين معنى مع الاتفاق نظماً.

﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه لا لأن التقدير فاتبعوه لئلا تقولوا ﴿ من قبلنا ﴾ ص.

﴿ لغافلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ أهدى منهم ﴾ ج للفاء مع أن "قد" لتوكيد الابتداء.

﴿ ورحمة ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ وصدف عنها ﴾ ط ﴿ يصدفون ﴾ ه ﴿ بعض آيات ربك ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ منتظرون ﴾ ه ﴿ في شيء ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ أمثالها ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ج لاحتمال أن ﴿ دينا ﴾ نصب على البدل من محل ﴿ إلى صراط ﴾ أو على الإغراء أي الزموا.

﴿ حنيفاً ﴾ ج لابتداء النفي مع اتحاد المعنى ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا.

﴿ لا شريك له ﴾ ج ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار ﴿ إلا عليها ﴾ ج لتفصيل الأمرين على التهويل مع اتفاق الجملتين ﴿ أخرى ﴾ ج لأنّ "ثم" لترتيب الإخبار مع اتحاد المقصود ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ آتاكم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ز للتفصيل بين تحذير وتبشير والوصل للعطف أوضح ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير: لما بين فساد ما يقوله الكفار في باب التحليل والتحريم أتبعه البيان الشافي في الباب فقال: ﴿ قل تعالوا ﴾ وهو من الخاص الذي صار عاماً لأن أصله أن يقوله من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه.

و "ما" في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ إما منصوب بفعل التلاوة أي أتل الذي حرمه ربكم فالعائد محذوف.

وقوله: ﴿ عليكم ﴾ يكون متعلقاً بـ ﴿ أتل ﴾ أوبـ ﴿ حرم ﴾ وإما منصوب بـ ﴿ حرم ﴾ على أن "ما" استفهامية فلا راجع.

والمعنى أقل أي شيء حرم لأن التلاوة نوع من القول وتقديم المفعول للتخصيص.

فإن قيل: قوله ﴿ أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ﴾ كالتفصيل لما أجمله في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ فيلزم أن يكون ترك الشرك والإحسان إلى الوالدين محرماً.

فالجواب أن المراد من التحريم البيان المضبوط، أو الكلام تم عند قوله: ﴿ ما حرم ربكم ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ عليكم أن لا تشركوا ﴾ أو "أن" مفسرة أي ذلك التحريم هو قوله: ﴿ لا تشركوا ﴾ وهذا في النواهي واضح، وأما الأوامر فيعلم بالقرينة أن التحريم راجع إلى أضدادها وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان وترك العدل في القول ونكث عهد الله.

ولا يجوز أن يجعل "أن" ناصبة وإلا لزم عطف الطلب أعني الامر على الخبر.

واعلم أنه  بيّن فرق المشركين في هذه السورة أحسن بيان، وذلك أن منهم من يجعل الأصنام شركاء لله  فأشار إليهم بقوله: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة  ﴾ ومنهم عبدة الكواكب الذين أبطل قولهم بقوله: ﴿ لا أحب الآفلين  ﴾ ومنهم القائلون بيزدان واهرمن ومنهم الذين يقولون الملائكة بنات الله والمسيح ابن الله وزيف معتقدهم بقوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم  ﴾ ثم عمم النهي بقوله: ﴿ لا تشكروا به شيئاً ﴾ ثم حث على إحسان الوالدين وكفى به خصلة شريفة أن جعله تالياً لتوحيده.

ثم أوجب رعاية حقوق الأولاد بعد رعاية حقوق الوالدين.

ومعنى ﴿ من إملاق ﴾ أي من خوف الفقر كما صرح بذلك في الآية الأخرى ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق  ﴾ كانوا يدفنون البنات أحياء بعضهم للغيرة وبعضهم لخوف الإملاق وهو السبب الغالب فلذلك أزيل الوهم بقوله: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ فكما يجب على الوالد الاتكال في رزق نفسه على الله فكذا القول في حال الولد، قال شمر: أملق لازم ومعتد.

أملق الرجل إذا افتقر، وأملق الدهر ما عنده إذا أفسده.

وإنما قال ههنا: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ وقال في  بالعكس لأن التقدير في الآية من إملاق بكم نحن نرزقكم وإياهم، وهناك زيدت الخشية التي تتعلق بالمستقبل فالتقدير خشية إملاق يقع بهم نحن نزرقهم وإياكم، ثم نهى عن قربان الفواحش كلها.

ومعنى ما ظهر منها وما بطن كما مر في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه  ﴾ وفيه أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله  وامتثال أمره ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس.

ثم أفرز من جملة الفواحش قتل النفس المحرمة تنبيهاً على فظاعتها ولما نيط بها من الاستثناء وهو قوله ﴿ إلا بالحق ﴾ وذلك أن قتل النفس المحرمة قد يكون حقاً لجرم صدر عنها كما جاء في الحديث " لا يحل دم امرىءٍ مسلم إلا لإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق" وينخرط في سلكه جزاء قاطع الطريق.

والحاصل أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا يثبت إلا لأمر منفصل.

ثم لما بيّن النواهي الخمسة أتبعه الكلام الذي يقرب إلى القلوب القبول فقال: ﴿ ذلكم وصاكم ﴾ لما في لفظ التوصية من الرأفة والاستعطاف.

ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا.

ثم ذكر أربعة أنواع أخر من التكاليف وذلك قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتم إلا بالتي ﴾ أي بالخصلة أو الطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي السعي في تثميره وإنمائه ورعاية وجوه الغبطة لأجله كما مر في أول سورة النساء ﴿ حتى يبلغ أشده ﴾ أي احفظوا ماله إلى هذه الغاية أي أوان الاحتلام ولكن بشرط أن يؤنس منه الرشد.

قال الفراء: واحد الأشد شدته في القياس ولم يسمع.

وقال أبو الهيثم: الواحد شدّة كأنعم في نعمة، والشدّة القوّة ومنه قولهم: "بلغ الغلام شدّته" وقيل: إنه واحد جاء على بناء الجمع كآنك ولا نظير لهما ﴿ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ﴾ بالعدل والسوية.

وإيفاء الكيل إتمامه خلاف البخس.

وقوله: ﴿ والميزان ﴾ أي الوزن بالميزان.

فإن قيل: إيفاء الكيل والوزن هو عين القسط فما فائدة التكرار؟

قلنا: أمر الله المعطى بإيفاء إيتاء ذي الحق حقه من غير نقصان وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة.

ثم قال: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ليعلم أن الواجب هو القدر الممكن من العدالة والسوية لا التحقيق المؤدي إلى الحرج والعسر.

فزعمت المعتزلة ههنا أن هذا القدر من التضييق حيث لم يجوزه الله  فكيف يكلف الكافر الإيمان مع أنه لا قدرة له عليه أو يخلق القدرة الموجبة للكفر والداعية المقتضية له ثم ينهاه عنه وعورض بالعلم والداعي كما تقدّم مراراً ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ﴾ المقول له أو عليه ﴿ ذا قربى ﴾ حمله المفسرون على أداء الشهادة وعلى الأمر والنهي والأولى أن يحمل على الأقوال كلها ويدخل فيه قول الرجل في الدعاء إلى الدين.

وتقرير الدلائل عليه بأن يذكر الدليل مخلصاً عن الحشو ومبرأ عن النقص ومجرداً عن العصبية والجدال على مقتضى الهوى والتشهي، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذا الحكاية الرواية والرسالة.

وحكم الحاكم بحيث يستوي فيه بين القريب والبعيد ولا ينظر إلا إلى رضا الله، وختم الأوامر بقوله: ﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ كما قال: ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ ويندرج في هذه الخاتمة بالحقيقة جميع الأنواع المذكورة ﴿ وإن هذا صراطي ﴾ من قرأ بالفتح والتخفيف فبإعماله في ضمير الشأن والتقدير: تعالوا أتل ما حرم وأتل أنه هذا صراطي، وكذا فيمن قرأ بالتشديد وبالفتح إلا أن ضمير الشأن لا يقدر.

وإن شئت جعلتها خفضاً متعلقاً بما قبله أي ذلكم وصاكم به وبأن هذا، أو بما بعده والتقدير وبأن هذا صراطي مستقيماً ﴿ فاتبعوه ﴾ ومن كسر فلأن التلاوة في معنى القول أو على الاستئناف والمعنى اتبعوا صراطي أنه مستقيم ﴿ ولا تتبعوا السبل ﴾ المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات ﴿ فتفرق بكم ﴾ الباء للتعدية أي فيفرقكم ذلك الأتباع ﴿ عن سبيله ﴾ المستقيم وهو دين الإسلام.

وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله أنه خط خطاً ثم قال: هذا سبيل الرشد.

ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية.

فهذه الآية بالحقيقة إجمال لما في الآيتين المتقدمتين ولهذا ختمها بالتقوى التي هي ملاك العمل وخير الزاد وختم الأولى بقوله ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لأنها أمور ظاهرة جلية يكفي في تعقلها أدنى مسكة وعقل، وختم الثانية بقوله: ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ لأن المذكور فيها أمور خفية تحتاج إلى التدبر والتذكر حتى يقف فيها على موضع الاعتدال.

أو نقول: الأمور الخمسة المذكورة في الآية الأولى كلها عظام جسام وكانت الوصية بها من أبلغ الوصايا فختم الآية بما في الإنسان من أشرف السجايا وهو العقل الذي امتاز به الإنسان عن سائر الحيوان، وأما المذكورة في الثانية فأشياء يقبح تعاطيها وارتكابها وكانت الوصية بها تجري مجرى الزجر والوعظ فختمها بقوله: ﴿ تذكرون ﴾ أي تتعظون بمواعظ الله  .

قوله: ﴿ ثم آتينا موسى الكتاب ﴾ معطوف على ﴿ وصاكم ﴾ فسئل كيف صح عطفه عليه بثم والإيتاء قبل الوصية بدهر طويل؟

وأجيب بأن التكاليف التسعة المذكورة تكاليف لا تختلف بحسب اختلاف الشرائع كما روي عن ابن عباس أن هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، وقيل: إنهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار، وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة.

وأما الشرائع التي كانت التوراة مختصة بها فهي إنما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب المبارك.

وقيل: إن في الآية حذفاً تقديره: ثم قل يا محمد صلى الله عليه وآله إنا آتينا.

والمعنى اتل ما أوحي إليك ثم اتل عيلهم خبر ما آتينا موسى.

وقيل: هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله: ﴿ ووهبنا له إسحق ويعقوب  ﴾ وقوله: ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ مفعول له أي لتتم نعمتنا على الذي أحسن أي على من كان محسناً صالحاً، أو المراد إتمام للنعمة والكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وكل ما أمر به، أو تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته أي زيادة على علمه.

وقرىء ﴿ أحسن ﴾ بالرفع أي على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه ﴿ وتفصيلاً لكل شيء ﴾ فيدخل في ذلك بيان نبوة رسولنا صلى الله عليه وآله وصحة دينه وشرعه ﴿ وهدى ﴾ دلالة ﴿ ورحمة ﴾ لكي يؤمنوا بلقاء ما وعدهم ربهم به من ثواب وعقاب ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ لا شك أنه القرآن ﴿ مبارك ﴾ كثير الخير والنفع أو ثابت لا يتطرق إليه النسخ كما في الكتابين ﴿ فاتبعوه واتقوا ﴾ لكي ترحموا لأن الغرض من التقوى رحمة الله  ، أو اتقوا لترحموا جزاء على التقوى، أو اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة.

قال الفراء قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ مفعول ﴿ واتقوا ﴾ وقال الكسائي: التقدير: إنا أنزلناه لئلا تقولوا.

وقال البصريون: إنا أنزلناه كراهة أن تقولوا والخطاب لأهل مكة ﴿ إنما أنزل الكتاب ﴾ أي التوراة والإنجيل ﴿ على طائفتين من قبلنا ﴾ اليهود والنصارى ﴿ وإن كنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام في ﴿ لغافلين ﴾ هي الفارقة بينها وبين النافية والأصل وإنه كنا ومعنى الدراسة القراءة.

وإنما قالوا: ﴿ لكنا أهدى منهم ﴾ لحدة أذهانهم وكثرة حفظهم لأيام العرب ووقائعها وخطبها وأشعارها وأمثالها مع كونهم أميين قطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم.

ثم قال: ﴿ فقد جاءكم ﴾ أي إن صدقتم أن عدم إنزال الكتاب يصلح للعذر وأنه لو أنزل عليكم الكتاب لكنتم أهدى منهم فقد جاءكم ﴿ بينة من ربكم ﴾ فيما يعلم سمعاً ﴿ وهدى ﴾ فيما يعلم سمعاً وعقلاً ﴿ ورحمة ﴾ من الله في إصلاح المعاش والمعاد ﴿ فمن أظلم ﴾ بعد هذه المعجزات والبينات ﴿ ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ﴾ أي منع غيره منها لأن الأول ضلال والثاني إضلال، ثم ختم الآية بأشد الوعيد وأبلغ التهديد ثم ذكر أنهم بعد نصب الأدلة وإزاحة العذر لا يؤمنون ألبتة، وشرح أحوالاً توجب المبادرة إلى الإيمان والتوبة فقال: ﴿ هل ينظرون ﴾ أي ينتظرون ومعنى الاستفهام النفي وتقدير الآية أنهم لا يؤمنون بك إلا عند مجيء أحد هذه الأمور: مجيء الملائكة، أو مجيء الرب ويعني به عذابه وبأسه كما سلف في البقرة، أو مجيء المعجزات القاهرة.

قال في الكشاف: الملائكة ملائكة الموت أو ملائكة العذاب ومجيء الرب مجيء كل آية، ثم قال: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ وأجمعوا على أن المراد بهذه الآية علامات القيامة.

عن البراء بن عازب قال: كنا نتذاكر أمر الساعة إذا أشرف النبي صلى الله عليه وآله فقال: "أتتذاكرون الساعة؟

إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأرض وخسفاً بالمشرق وخسفاً بالمغرب وخسفاً بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى وناراً تخرج من عدن" والمراد أنه إذا بدت أشراط الساعة ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، ولا نفساً ما كسبت في إيمانها خيراً.

ثم أوعدهم بقوله ﴿ قل انتظروا إنا منتظرون ﴾ ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: ﴿ إن الذين فارقوا دينهم ﴾ أو فرقوا ومعنى القراءتين في الحقيقة واحد لأن الذي فرق دينه بمعنى أنه أقر ببعض وكفر ببعض فقد فارقه أي تركه.

قال ابن عباس: يريد أن المشركين بعضهم يعبدون الملائكة ويقولون إنهم بنات الله، وبعضهم يعبدون الأصنام ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فصاروا شيعاً أي فرقاً وإخواناً في الضلالة.

والشيعة كل فرقة تشيع إماماً لها.

وقال مجاهد وقتادة: هم اليهود والنصارى تفرقوا فرقاً وكفر بعضهم بعضاً وأخذوا بعضاً وتركوا بعضاً كقوله: ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  ﴾ وعن مجاهد أيضاً أنهم من هذه الأمة وهم أهل البدع والشبهات وفي الحديث "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية - وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة.

وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلها في الهاوية إلا واحدة" ﴿ لست منهم في شيء ﴾ أي إنك بعيد من أقوالهم ومذاهبهم والعقاب اللازم على تلك الأباطيل مقصور عليهم لا يتعداهم إليك.

وقال السدي: معناه لم تؤمر بقتالهم فلما أمر بقتالهم نسخ.

ويحتمل أن يقال: إن النهي عن القتال في وقت لا ينافي الأمر في وقت آخر فلا نسخ ﴿ إنما أمرهم إلى الله ﴾ بالاستئصال والإهلاك ﴿ ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ﴾ وفيه من الوعيد ما فيه.

وفي الآية حث على أن كلمة المسلمين يجب أن تكون واحدة ليستأهلوا الثواب الجزيل كما قال: ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ هي لا إله إلا الله والسيئة الشرك.

والأولى حملها على العموم ﴿ فله عشر أمثالها ﴾ أقام صفة الجنس المميز مقام الموصوف تقديره: عشر حسنات أمثالها كقراءة من قرأ ﴿ عشر أمثالها ﴾ بالرفع والتنوين، قيل: هذا أقل الموعود وقد وعد سبعمائة وبغير حساب.

وقيل: ليس المراد التحديد بل أراد الأضعاف مطلقاً كقول القائل: لئن أسديت إليّ معروفاً لأكافئنك بعشرة أمثاله.

وفي الوعيد لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشراً.

روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وآله قال عن الله تعالى: "الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره" وقال صلى الله عليه وآله يقول الله  : " إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة وإن لم يعملها فإن عملها فعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فسيئة" ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ أي لا ينقص من ثواب طاعاتهم ولا يزاد على عقاب سيآتهم.

أسؤلة: ما الحكمة في الأضعاف؟

جوابه كان للأمم أعمار طويلة وطاعات كثيرة فوضع الله لهذه الأمة ليلة القدر خيراً من ألف شهر وأضعاف الأعمال ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة  ﴾ ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب  ﴾ وأيضاً لو أن الخصماء يتعلقون بهم يوم القيامة فيذهبون بأعمالهم إلى أن تبقى الأضعاف فيقول الله أضعافهم ليست من فعلهم هي من رحمتي فلا أقتص منهم أبداً.

آخر: كيف يوجب الكفر عقاب الأبد؟

جوابه أن الكافر كان على عزم الكفر لو عاش أبداً فاستحق العقاب الأبدي بناء على ذلك الاعتقاد بخلاف المسلم المذنب فإنه يكون على عزم الإقلاع فلا جرم تكون عقوبته منقطعة، وأيضاً الذي جهله الكافر وهو ذات القديم  وصفاته شيء لا نهاية له فيكون جهله لا يتناهى فكذا عقابه.

آخر: إعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلاً عن صيام ستين يوماً وهو في كفارة الظهار وتارة بدلاً عن صيام أيام قلائل.

آخر: أحدث في رأس إنسان موضحتين فوجب أرشان فإن عاد ورفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة فههنا ازدادت الجناية وقل العقاب.

آخر: قد يجتمع بسبب أطراف تبان ولطائف تزال ديات متعددة إذا حصل الاندمال، وقد ترتقي إلى نيف وعشرين.

الأذنان أو إبطال حسهما، العينان أو البصر، الأجفان، المارن،الشفتان، اللسان أو النطق، الأسنان، اللحيان، اليدان، الذكر والأنثيان، الحلمتان، الشفران، الإليتان، الرجلان، العقل، السمع، الشم، الصوت، الذوق، الإمناء أو الإحبال، إبطال لذة الجماع، إبطال لذة الطعام، الإفضاء، البطش، المشي.

وقد تضاف إليها موجبات الجوائف والمواضح وسائر الشجات.

فإن عاد الجاني قبل الاندمال وحز الرقبة أوقده بنصفين لم يجب إلاّ دية النفس، وكل ذلك يدل على أن رعاية المماثلة غير معتبرة في الشرع.

والجواب عن الأسئلة الثلاثة أن هذه الأمور من تعبدات الشرع المطهر وتحكماته فلا سبيل بعقولنا إليها.

ويمكن أن يجاب عن الثالث بأن بدل الأطراف لما لم يستقر بالاندمال دخل في دية النفس لعسر ضبط ذلك والجزاء الحقيقي موكول إلى يوم الجزاء والله أعلم.

قال أهل السنة: كل الثواب تفضل من الله  فلا إشكال.

وقالت المعتزلة: إن بين الثواب والتفضل فرقاً لأن الثواب هو المنفعة المتسحقة والتفضل هو المنفعة التي لا تكون مستحقة.

ثم اختلفوا فقال الجبائي: العشرة تفضل والثواب غيرها إذ لو كان الواحد ثواباً والتسعة تفضلاً لزم أن يكون الثواب دون التفضل فلا يكون للتكليف فائدة.

وقال آخرون: لا يبعد أن يكون الواحد ثواباًً إلا أنه يكون أعلى شأناً من التسعة الباقية.

ثم لما علم رسوله صلى الله عليه وآله أنواع الدلائل والرد على أصناف المشركين وبالغ في تقرير إثبات القضاء والقدر وردّ على أهل الجاهلية أباطيلهم أمره بأن يقول: ﴿ إنني هداني ربي ﴾ ليعلم أن الهداية لا تحصل إلا بالله عز وجل.

﴿ وقيماً ﴾ "فيعل" من قام كسيد من ساد.

ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى أنه مصدر بمعنى القيام كالصغر والكبر وصف به للمبالغة و ﴿ ملة إبراهيم ﴾ عطف بيان و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من إبراهيم أو من الملة، والمعنى هداني وعرفني ملة إبراهيم حال كونه أو كونها موصوفاً بالحنيفية.

ثم قال في صفة إبراهيم: ﴿ وما كان من المشركين ﴾ رداً على من زعم عليه شيئاً من ذلك.

ثم كما عرفه الدين القويم والطريق المستقيم علمه كيف يصنع به ويؤديه فقال: ﴿ قل إن صلاتي ونسكي ﴾ أي عبادتي وتقربي إليه كما روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة.

وقيل: للمتعبد ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث.

وقيل: المراد بالنسك ههنا الذبائح جمع بين الصلاة والذبح كما في قوله: ﴿ فصل لربك وانحر  ﴾ وقيل: صلاتي وحجي أخذاً من مناسك الحج.

﴿ ومحياي ومماتي ﴾ أي حياتي وموتي مصدران ميميان.

وقال في الكشاف: المراد وما آتيه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح.

وفيه أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت بل لا بد أن يكون جيمع حركات المرء وسكناته لله رب العالمين ﴿ وبذلك ﴾ من الإخلاص ﴿ أمرت وأنا أول المسلمين ﴾ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته.

وقال في التفسير الكبير: إنه  أمر رسوله أن يبين أن صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته كلها واقعة بخلق الله  وتقديره وقضائه، وحكمه وذلك أن المحيا والممات بخلق الله فكذا الصلاة والنسك وبذلك من التوحيد أمرت، ثم لما أمر نبيه بالتوحيد المحض أمره أن يذكر ما يجري مجرى الدليل عليه فقال: ﴿ قل أغير الله أبغي رباً ﴾ وتقريره أن طوائف المشركين من عبدة الأصنام والكواكب ومن اليهود والنصارى والوثنية كلهم معترفون بأن الله  خالق الكل فكأنه  قال: قل يا محمد منكراً أغير الله أطلب رباً مع أن هؤلاء الذين اتخذوا من دونه آلهة مقرون بأنه خالق تلك الأشياء ولا يدخل في العقل جعل المربوب والعبد شريكاً للرب والمولى.

وبوجه آخر الموجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، وقد ثبت أن الواجب لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته فهو إذن رب كل شيء، وصريح العقل شاهد بأن المربوب لا يكون شريكاً للرب فلا يختص إذن بالربوبية غيره.

ثم لما بين الدليل القاطع على التوحيد ذكر أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب فقال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ ومعناه أن إثم الجاني عليه لا على غيره ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم نفس أخرى وهذا كالرد لقولهم: ﴿ اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم  ﴾ ثم بين أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم هناك إلا الله  فقال: ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾ ثم ختم السورة ببيان حال المبدإ والوسط والمعاد على سبيل الإجمال فقال ﴿ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ﴾ قيل: الخطاب لبني آدم لأنه جعلهم بحيث يخلف بعضهم بعضاً.

وقيل: لأمة محمد صلى الله عليه وآله لأنه خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم، وقيل: لخواص الأمة الذين هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها بالحق كقوله: ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس  ﴾ ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في الشرف والعقل والجاه والمال والرزق لا للعجز والبخل ولكن لأجل شبه الابتلاء والامتحان، ولظهور الموفر من المقصر وتميز المطيع من العاصي حسب ما تقتضيه الحكمة والعدالة والتدبير والتقدير.

ثم وصف نفسه بالقدرة الكاملة على إيصال العقاب وإيفاء الثواب فقال ﴿ إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ﴾ فأدخل اللام في قرينة الترغيب وأسقطها عن قرينة الترهيب ترجيحاً لجانب الرحمة والغفران فإن اللطف والرحمة تفيض عنه بالذات والقهر والتعذيب يصدر عنه بالعرض لأن ذلك من ضروريات الملك ولهذا قال "سبقت رحمتي غضبي" وإنما وصف العقاب بالسرعة لأن كل ما هو آت قريب.

وإنما لم يسقط اللام عن قرينة العقاب في سورة الأعراف في قصة أصحاب السبت لأن ذلك قد ورد عقيب ذكر المسخ فناسب التأكيد باللام، وإنما أخر قرينة الرحمة في الموضعين ليقع ختم الكلام على المغفرة والرحمة فيكون أدل على كمال رأفته ووفور إحسانه.

التأويل: ﴿ من إملاق ﴾ فيه ترك التوكل على الله وعدم الثقة بالله ﴿ وأوفوا الكيل ﴾ أوفوا بكيل العمر وميزان الشرع حقوق الربوبية واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد حظوظ العبودية من الألوهية.

﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ بأن لا تعبدوا ولا تحبوا ولا تروا إلا إياه ﴿ وإن هذا صراطي مستقيماً ﴾ إشارة إلى أن الصراط المستقيم الحقيقي إلى الله  هو صراط محمد  ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ أي على من أحسن من أمتك إسلامه.

وفيه أن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء كانت تتمة للدين الحنيفي الذي هو الإسلام، ولهذا أمر بأن يقتدى بالأنبياء ليجمع بين هداه وهداهم.

ويحتمل أن يراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وآله والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ﴿ أنزلناه مبارك ﴾ وبركته أنه أنزل على قلبه فكان خلقه القرآن ﴿ فقد جاءكم بينة ﴾ ما يبين لكم طريق السير إلى الله ومهدي ما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاء في الكتابين ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ عياناً وتسوقيهم إلى الله قهراً والجاء ﴿ أو يأتي ربك ﴾ إليهم إذ لم يأتوا إليه في متابعتك ﴿ قل انتظروا ﴾ للمستحيلات ﴿ إنا منتظرون ﴾ للميعاد في المعاد ﴿ إن الذين فارقوا ﴾ الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان ﴿ وكانوا شيعاً ﴾ فرقاً مختلفة من المبتدعة والزنادقة والمتزيدة رياء وسمعة وعلماء السوء وملحدة المتفلسفة ﴿ لست منهم في شيء ﴾ لأنك على الحق وهم على الباطل وبينهما تضاد إنما أمرهم إلى الله في بدء الخلقة وقسم الاستعداد كما شاء ﴿ ثم ينبئهم ﴾ يوم الجزاء بما يستحقه كل منهم ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ قبل ذلك حتى يقدر على الإتيان بتلك الحسنة وهي حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد حيث خلقه في أحسن تقويم، وحسنة التربية وحسنة الرزق وحسنة بعثة الرسل وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات من السيئات، وحسنة التوفيق للحسنة وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات ﴿ ومن جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها ﴾ لأن السيئة بذر يزرع في أرض النفس والنفس خبيثة لأنها أمارة بالسوء، والحسنة بذر يزرع في أرض القلب والقلب طيب ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً  ﴾ والتحقيق أنه كما للأعداد ثلاث مراتب الآحاد والعشرات والمئات وبعد ذلك تكون الألوف إلى حيث لا يتناهى، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس والقلب والروح والسر.

فالعمل الواحد في مرتبة النفس أي إذا صدر عنها يكون واحداً، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها، وفي مرتبة الروح يكون بمائة، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى، وهذا سر ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت جزاء الحسنات والله  أعلم ورسوله.

﴿ قل إنني هداني ربي ﴾ من أسفل سافلين القالب بجذبه العناية الأزلية ﴿ ونسكي ﴾ أي سيري على منهاج "الصلاة معراج المؤمن" ﴿ ومحياي ﴾ أي حياة قلبي وروحي ﴿ ومماتي ﴾ أي موت نفسي لطلب ﴿ رب العالمين ﴾ والوصول إليه ﴿ وأنا أول ﴾ المستسلمين عند الإيجاد لأمر "كن" كما قال: "أول ما خلق الله نوري".

﴿ قل أغير الله ﴾ كيف أطلب غير الله وهو حبيبي والمحب لا يطلب إلا الحبيب وإذا هو رب كل شيء فيكون ما له لي، وإن طلبت غيره دونه يكون ذلك الغير علي لا لي كما قال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ لأن النفس أمارة بالسوء والسوء عليها لا لها ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ فإن كان القلب سليماً من كدورات صفات النفس باقياً على ما جبل عليه من حب الله  وطلبه لا يؤاخذ بمعاملة النفس ولا يتألم بعذابها وإنما تكون النفس فقط مأخوذة بوزرها معاقبة بما هي أهله، وإن كان القلب منقلب الحال وأزاغه الله  بإصبع القهر إلى محاذاة النفس فتصدأ مرآة القلب بصفات النفس وأخلاقها فيتبع النفس وهواها فيزول عنه الصفاء والطهارة والسلامة والذكر والفكر والتوحيد والإيمان والتوكل والصدق والإخلاص ورعاية وظائف العبودية فيكون مأخوذاً بوزره لا بوزر غيره ﴿ وهو الذي جعل ﴾ كل واحد من بني آدم وقته خليفة ربه في الأرض.

وسر الخلافة أن صوره على صفات نفسه حياً قيوماً سميعاً بصيراً عالماً قادراً مريداً متكلماً ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في استعداد الخلافة ﴿ ليبلوكم ﴾ ليظهر من المتخلق بأخلاقه منكم القائم به وبأوامره في العباد والبلاد، ومن الذي رجع القهقرى إلى صفات البهائم وأبطل الاستعداد للخلافة بالختم والطبع والحبس في سجين الطبيعة ﴿ لغفور رحيم ﴾ لمن وفقه لمرضاته ورفع درجاته الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ  ﴾ يقول: تعالوا أقرأ عليكم ما حرم ربكم، وأبين لكم ما حرم بحجة وبرهان، وأن ما حرمتم أنتم حرمتم تقليداً منكم لآبائكم، أو حرمتم بهوى أنفسكم، لا حرمتم بأمر أو حجة وبرهان.

ثم بين الذي حرم عليهم فقال: ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ .

الشرك حرام بالعقل، ويلزم كل من عقل التوحيد ومعرفة الرب؛ لما كان منه من تركيب الصور وتقويمها بأحسن صور يرون ويعرفون أنه لم يصورها أحد سواه، ولا قومها، ولا يشركه آخر في ذلك، وما كان منه إليكم من أنواع الإحسان والأيادي، فكيف تشركون غيره في ألوهيته وربوبيته؟!

فذلك حرام بالعقل والسمع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ .

يخرج على وجهين: أحدهما: على الوقف والقطع على قوله: ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ ، والابتداء من قوله: ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ ؛ كأنه لما قال: ﴿ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ .، فقالوا: أي شيء الذي حرم علينا ربنا؟

فقال: ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ .

والوجه الآخر: على الوصل بالأول، ولكن على طرح "لا"؛ فيكون كأنه قال: حرم ربكم عليكم أن تشركوا به شيئاً، وحرف "لا" قد يطرح ويزاد في الكلام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ .

أي: برّاً بهما.

فإن قيل: قال -  -: ﴿ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وهاهنا يأمر بالإحسان إليهما، ولم يذكر المحرم؟

قيل: في الأمر بالإحسان إليهما تحريم ترك الإحسان؛ فكأنه قال: حرم عليكم ترك الإحسان إلى الوالدين، وفرض عليكم برهما والإحسان إليهما.

ثم فيه: إنكم تعرفون بالعقل أن الإحسان [إلى الوالدين واجب، والإساءة إليهما حرام عليكم، ولم يكن منهما إليكم من الإحسان أكثر ممّا كان من الله إليكم]، فكيف تختارون الإساءة إلى الله والإشراك في عبادته غيره، ولا تختارون الإساءة إلى الوالدين؟!

بل تختارون الإحسان إليهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ ﴾ .

إنهم كانوا يقتلون أولادهم خشية الفقر والفاقة، فهو مما حرم عليهم، وهذا يدل على أن الحظر في حال لا يوجب الإباحة في حال أخرى؛ لأنه قال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  ﴾ ليس فيه إباحة القتل إذا لم يكن هنالك خشية الإملاق، لكن ذكر هذا؛ لأنهم [إنما] كانوا يقتلون في ذلك الحال، ففي ذلك خرج النهي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾ .

أي: على ما يخرج لكم من الزرع والثمار، [والنبات] فرزقكم من ذلك، فعلى ذلك يرزق أولادكم مما يخرج من الأرض من النبات والزروع والثمار، فلا تقتلوهم، فإذا لم تقتلوا أنفسكم خشية الفقر والفاقة، كيف تقتلون أولادكم لذلك؟

فالذي يرزقكم هو الذي يرزق أولادكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ﴾ ، أي: لا تواقعوها.

ويحتمل: لا تدنوا منها، ولكن اجعلوا بينكم وبين الفواحش المحرمات حجاباً من الحلال، وهكذا الحق على المسلم ألا يدنو من الحرام، ويجعل بينه وبين ذلك حجاباً وستراً من الحلال.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ : قيل: الفواحش: الزنا، ما ظهر منها: المخالطة باللسان، والمجالسة معهن، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ : فعل الزنا نفسه؛ كانوا يجتمعون، ويجالسونهن، ولكن لا يجامعونهن بين أيدي الناس، ثم إذا خلوا بهن زنوا بهن.

وقيل: كانوا يزنون بالحرائر سرّاً، وبالإماء ظاهراً؛ فحرم ذلك عليهم.

وقيل: ﴿ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : نكاح الأمهات، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ : هو الزنى، وكان نكاح الأمهات [ظاهراً]، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير،  ما.

وقيل: الفواحش: المحرمات جملتها، فما ظهر منها: فيما بينهم وبين الخلق، وما بطن: فيما بينهم وبين الله  .

وقيل: ﴿ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : ما يكون بالجوارح، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ : ما يكون بالقلب.

وعن مجاهد قال: ﴿ مَا ظَهَرَ ﴾ : الجمع بن الأختين، وتزوج الرجل امرأة أبيه وما بطن منها: الزنى، وما حرم أيضاً.

ويحتمل قوله: ﴿ مَا ظَهَرَ ﴾ : ما يرى غيرُهُ ويبصر، ﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾ : ما يكون بالعين والقلب؛ على ما روي عن رسول الله  أنه قال: "العينان تزنيان، واليدان تزنيان" وما بطن: يكون زنى العين والقلب؛ لأنه لا يعلمه غير الناظر، والله أعلم؛ فيصير كأنه ذكر التحريم في كل حرف من ذلك، أي: حرم عليكم الشرك، وحرم عليكم ترك الإحسان إلى الوالدين، وحرم قتل الأنفس إلا بالحق؛ فيصير كأنه ذكر التحريم في كل من ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قيل: بالحق: إذا ارتد يقتل به، وفي القصاص، وفي الزنى إذا كان محصناً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ .

﴿ ذٰلِكُمْ ﴾ يعني: المحرمات التي ذكر ﴿ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ اختلف فيه: قيل: ﴿ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ : فرض عليكم.

وقيل: ﴿ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ : أمركم به.

وقيل: ﴿ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ : بين لكم المحرم.

وكله يرجع إلى واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أنه لم يحرم إلا ما ذكر ولم يحرم ما حرمتم أنتم من الأنعام وغيرها.

و ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أي: لكي تنتفعوا بعقولكم.

أو نقول: إن ذلكم وصاكم به لتعقلوا؛ لأن حرف "لعل" من الله على الوجوب، أي يعقلون عن الله بما خاطبهم به وأمرهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ .

قال أبو بكر الكيساني: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ ﴾ ؛ أي: لا تأكلوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.

وقال: ثم اختلف في الوجه الذي يحسن: قال بعضهم: هو أن يعمل له فيأكل من ماله أجراً لعملِهِ.

وقال آخرون: يأكله قرضاً، وذلك مما اختلفوا فيه.

وقال غيرهم: هو أن ينتفع بدوابه، ويستخدم جواريه، ونحو ذلك، وقال: وذلك مما لا يحتمل تأويل الآية.

وعندنا أن الآية باحتمال هذا أولى؛ لما يقع لهم الضرورة في استخدام مماليكه، وركوب دوابه، والانتفاع بذلك؛ لما يقع لهم المخالطة بأموال اليتامى؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ  ﴾ فإذا كان لهم المخالطة، لا يسلمون عن الانتفاع بما ذكرنا.

وقال الحسن: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، أي: إلا بالوجه الذي جعل له، والوجه الذي جعل له هو أن يكون فقيراً، وهو ممن يفرض نفقته في ماله، فله أن يقرب ماله، وعندهم أن نفقة المحارم تفرض في مال اليتيم إذا كانوا فقراء، فبان أن جعل له التناول في ماله، وإن كان لا يفرض نفقته في ماله.

ثم الآية تحتمل وجهين عندنا: أحدهما: ألا تقربوا مال اليتيم إلا بالحفظ والتعاهد له، أمر كافل اليتيم أن يحفظ ماله ويتعاهده.

والثاني: يقرب ماله بطلب الزيادة له والنماء؛ ولذلك قال أبو حنيفة -  - بأنه يجوز لكافل اليتيم إذا كان وصيّاً أن يقرب ماله بيعاً إذا كان ذلك خيراً لليتيم؛ إذا وقع له الفضل، وطلب له الزيادة والنماء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ .

قال أبو بكر: قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ أي: حتى يبلغ الوقت الذي يتولى أموره؛ كقوله: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً...

 ﴾ الآية.

وقال غيره من أهل التأويل: الأشد: ثمانية عشر سنة.

ويشبه أن يكون الأشد هو الإدراك، [أي] حتى يدركوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ يشبه أن يكون قوله: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ في اليتامى أيضاً، أمر أن يوفوا لهم الكيل والميزان، ونهاهم ألا يوفوا لهم على ما نهاهم عن قربان مالهم إلا بالتي هي أحسن، وكذلك قوله: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ﴾ ، أمكن أن يكون هذا في اليتامى أيضاً، أي: إذا قلتم قولا لليتامى، فاعدلوا في ذلك القول، وإن كان ذا قربى منكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ﴾ .

أي: بعهد الله الذي عهد إليكم في اليتامى، أوفوا بقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً  ﴾ وغير ذلك؛ أوفوا بما عهد إليكم فيهم.

ويحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ : في اليتامى وفي غيرهم في كل الناس، وهو لوجهين: أحدهما: أن في ترك الإيفاء اكتساب الضرر على الناس، ومنع حقوقهم، فأمر بإيفاء ذلك كقوله: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ  ﴾ .

والثاني: للربا؛ لأنه لزم مثله كيلا في الذمة، فإذا لم يوفه حقه وأعطاه دونه، صار ذلك الفضل له ربا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: لا نكلف أحداً ما في تكليفنا إياه تلفه، وإن كان يجوز له تكليف ما في التكليف تلفه؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 66]، وعلى ما أمر [من] بني إسرائيل بقتل أنفسهم.

والثاني: لا نكلف أحداً ما في تكليفنا إياه منعه؛ نحو: من يؤمر بشيء لم يجعل له الوصول إلى ذلك أبداً، ويجوز أن يؤمر بأمر وإن لم يكن له سبب ذلك الأمر بعد أن يجعل لهم الوصول إلى ذلك السبب؛ نحو: من يؤمر بالصلاة وإن لم يكن معه سبب ذلك وهو الطهارة، ونحو: من يؤمر بالحج بقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً  ﴾ ، هذا يدل على أن من جعل في وسعه الوصول إلى شيء، يجوز أن يكلف على ذلك، ويصير باشتغاله بغيره مضيعاً أمره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: هذا في الشهادة؛ كقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ...

﴾ الآية [النساء: 135].

ويحتمل قوله: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ ﴾ : كل قول، والقول أحق أن يحفظ فيه العدالة من الفعل؛ لأنه به تظهر الحكمة من السفه، والحق من الباطل؛ فهو أولى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ﴾ أي: بعهد الله الذي عهد إليكم في التحليل والتحريم، والأمر والنهي، وغير ذلك.

﴿ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .

ذكر - هاهنا - ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ ، وفي الآية الأولى: ﴿ تَعْقِلُونَ ﴾ ، وفي الآية الأخيرة: ﴿ تَتَّقُونَ  ﴾ إذا عقلوا تفكروا واتعظوا، وعرفوا ما يصلح وما لا يصلح [ثم اتقوا المحرمات وما لا يصلح].

أو ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ ، أي: تتعظون بما وعظكم به وزجركم عنه، وتعقلون مهالككم وتتقون محارمكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ  ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا ﴾ الذي ذكر في هذه الآيات من أمره ونهيه، وتحريمه وتحليله ﴿ صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ ﴾ على ما قاله أهل التأويل: إنها آيات محكمات، لم ينسخهن شيء في جميع الكتب، وهنّ محرمات على بني آدم كلهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ﴾ : الذي دعا إليه الرسل من كل شيء هو صراطي مستقيماً ﴿ فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ ﴾ ؛ لأن الرسل يدعون إلى ما يدعون بالحجج والبراهين.

ويحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ﴾ أصل الدين، ووحدانية الله، وإخلاص الأنفس له على غير إشراك في عبادته وألوهيته، وأن يكون قوله: وأن الذي جاء به محمد  أو الذي ذكر في القرآن، وإلا ذكر هذا ولم يشر إلى شيء بعينه، فيحتمل ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .

أمر - عز وجل - باتباع ما ذكر من الصراط المستقيم، ونهى عن اتباع السبل؛ لأن غيره من الأديان المختلفة والأهواء المتشتتة لا حجة عليها ولا برهان، وما ذكر من الصراط المستقيم هو دين بحجة وبرهان، لا كغيره من الأديان، وإن كان يدعي كلٌّ مِنْ ذلك أن الذي هو عليه دين الله وسبيله.

﴿ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .

المحرمات والمناهي والمعاصي التي ذكر في هذه [الآية، أو لعلكم] تتقون السبل والأديان المختلفة.

وأصله: أن السبيل المطلق: سبيل الله، والدين المطلق: دين الله، والكتاب المطلق: كتاب الله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- للناس: تعالوا أقرأ عليكم ما حرمه الله، حرم عليكم أن تشركوا به شيئًا من مخلوقاته، وأن تعقُّوا آباءكم، بل يجب عليكم الإحسان إليهم، وأن تقتلوا أولادكم بسبب الفقر، كما كان يفعل أهل الجاهلية، نحن نرزقكم ونرزقهم، وحرم أن تقربوا الفواحش ما أُعْلِن منها وما أُسِرَّ به، وأن تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، كالزنى بعد الإحصان، والردة بعد الإسلام، ذلكم المذكور وصَّاكم به لعلكم تعقلون عن الله أوامره ونواهيه.

من فوائد الآيات الحذر من الجرائم الموصلة لبأس الله؛ لأنه لا يُرَدُّ بأسه عن القوم المجرمين إذا أراده.

الاحتجاج بالقضاء والقدر بعد أن أعطى الله تعالى كل مخلوق قُدْرة وإرادة يتمكَّن بهما من فعل ما كُلِّف به؛ ظُلْمٌ مَحْض وعناد صرف.

دَلَّتِ الآيات على أنه بحسب عقل العبد يكون قيامه بما أمر الله به.

النهي عن قربان الفواحش أبلغ من النهي عن مجرد فعلها، فإنه يتناول النهي عن مقدماتها ووسائلها الموصلة إليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.aOrvg"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله