الآية ٢ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٢ من سورة الأنعام

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 104 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( هو الذي خلقكم من طين ) يعني : أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا ، فانتشروا في المشارق والمغارب .

وقوله : ( ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ) قال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( ثم قضى أجلا ) يعني : الموت ( وأجل مسمى عنده ) يعني : الآخرة .

وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم وعطية والسدي ومقاتل بن حيان ، وغيرهم .

وقول الحسن - في رواية عنه : ( ثم قضى أجلا ) قال : ما بين أن يخلق إلى أن يموت ( وأجل مسمى عنده ) ما بين أن يموت إلى أن يبعث - هو يرجع إلى ما تقدم ، وهو تقدير الأجل الخاص ، وهو عمر كل إنسان ، وتقدير الأجل العام ، وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها ، [ وانتقالها ] والمصير إلى الدار الآخرة .

وعن ابن عباس ومجاهد : ( ثم قضى أجلا ) يعني : مدة الدنيا ( وأجل مسمى عنده ) يعني : عمر الإنسان إلى حين موته ، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم [ يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ] ) الآية [ الأنعام : 60 ] .

وقال عطية ، عن ابن عباس ( ثم قضى أجلا ) يعني : النوم ، يقبض فيه الروح ، ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة ( وأجل مسمى عنده ) يعني : أجل موت الإنسان ، وهذا قول غريب .

ومعنى قوله : ( عنده ) أي : لا يعلمه إلا هو ، كقوله تعالى : ( إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ) [ الأعراف : 187 ] ، وكقوله ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها ) [ النازعات : 42 - 44 ] .

وقوله : ( ثم أنتم تمترون ) قال السدي وغيره : يعني تشكون في أمر الساعة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " هو الذي خلقكم من طين " ، أن الله الذي خلق السماوات والأرض, وأظلم ليلهما وأنَار نهارهما, ثم كفر به مع إنعامه عليهم الكافرون, (10) وعدلوا به من لا ينفعهم ولا يضرُّهم .

هو الذي خلقكم، أيها الناس، من طين.

وإنما يعني بذلك تعالى ذكره: أنَّ الناس وَلدُ مَنْ خلقه من طين, فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم, إذ كانوا وَلَده .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13049- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " هو الذي خلقكم من طين " ، بدءُ الخلق، خلقَ الله آدم من طين .

13050 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " هو الذي خلقكم من طين " ، قال: هو آدم .

13051- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أمّا " خلقكم من طين "، فآدم .

13052 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة, عن عبيد بن سليمان, عن الضحاك بن مزاحم قال: خلق آدم من طين, وخلق الناس من سُلالةٍ من ماءٍ مَهين .

13053 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " خلقكم من طين " ، قال: خلق آدم من طين, ثم خلقنا من آدم حين أخذَنا من ظهره .

* * * القول في تأويل قوله : ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى قوله: " ثم قضى أجلا " ، ثم قضى لكم، أيها الناس،" أجلا ".

وذلك ما بين أن يُخْلق إلى أن يموت =" وأجل مسمى عنده "، وذلك ما بين أن يموت إلى أن يبعث .

* ذكر من قال ذلك: 13054- حدثنا ابن وكيع وهناد بن السري قالا حدثنا وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي بكر الهذلي, عن الحسن في قوله: " قضى أجلا " ، قال: ما بين أن يخلق إلى أن يموت =" وأجل مسمى عنده " ، قال: ما بين أن يموت إلى أن يبعث .

(11) 13055 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ثم قضى أجلا وأجلٌ مسمى عِنده " ، كان يقول: أجل حياتك إلى أن تموت، وأجل موتك إلى أن تُبْعث.

فأنت بين أجَلين من الله تعالى ذكره .

13056 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة, عن عبيد بن سليمان, عن الضحاك بن مزاحم: " قضى أجلا وأجل مسمى عنده " ، قال: قضى أجل الموت, وكل نفسٍ أجلها الموت .

قال: ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها =" وأجل مسمى عنده " ، يعني: أجل الساعة، ذهاب الدنيا، والإفضاءُ إلى الله .

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم قضى الدنيا، وعنده الآخرة .

* ذكر من قال ذلك: 13057 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن سفيان, عن أبي حصين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قوله: " أجلا " ، قال: الدنيا =" وأجل مسمى عنده " ، الآخرة .

13058 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو عاصم, عن زكريا بن إسحاق, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " قضى أجلا " ، قال: الآخرة عنده =" وأجل مسمى " ، الدنيا .

13059- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أجلا " ، قال: الآخرة عنده =" وأجل مسمًّى " ، قال: الدنيا .

13060- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أجلا " ، قال: الآخرة عنده =" وأجل مسمى " ، قال: الدنيا .

13061- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة والحسن: " ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده " ، قالا قضى أجل الدنيا، من حين خلقك إلى أن تموت =" وأجل مسمى عنده "، يوم القيامة .

13062 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن جابر, عن مجاهد وعكرمة: " ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده " ، قال: قَضَى أجل الدنيا =" وأجل مسمى عنده " ، قال: هو أجل البعث .

13063- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن جابر, عن مجاهد وعكرمة: " ثم قضى أجلا " ، قال: الموت =" وأجل مسمى عنده "، الآخرة .

13064- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة والحسن في قوله: " قضى أجلا وأجل مسمى عنده "، قالا قضى أجل الدنيا، منذ يوم خلقت إلى أن تموت =" وأجل مسمى عنده "، يوم القيامة .

13065- حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد: " قضى أجلا " ، قال: أجل الدنيا =" وأجل مسمى عنده "، قال: البعث .

13066- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " ثم قضى أجلا وأجلٌ مسمى عنده " ، يعني: أجل الموت =" والأجل المسمى "، أجلُ الساعة والوقوفِ عند الله .

13067 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " قضى أجلا " ، قال: أمّا " قضى أجلا "، فأجل الموت =" وأجل مسمى عنده " ، يوم القيامة .

* * * وقال آخرون في ذلك بما:- 13068 - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: " ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده " ، قال: أمّا قوله: " قضى أجلا " ، فهو النومُ، تُقْبض فيه الروح، ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة =" وأجل مسمى عنده " ، هو أجل موت الإنسان .

* * * وقال آخرون بما:- 13069 - حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب في قوله: " هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون " ، قال: خلق آدم من طين, ثم خلقنا من آدم, أخذنا من ظهره, ثم أخذ الأجل والمِيثاق في أجلٍ واحد مسمًّى في هذه الحياة الدنيا .

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: ثم قضى أجلَ الحياة الدنيا =" وأجلٌ مسمى عنده " ، وهو أجل البَعْث عنده .

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب, لأنه تعالى ذكره نبَّه خلقَه على موضع حُجَّته عليهم من أنفسهم فقال لهم: أيها الناس, إن الذي يعدِلُ به كفارُكم الآلهةَ والأندادَ ، هو الذي خلقكم فابتدأكم وأنشأكم من طين, فجعلكم صورًا أجساًما أحياءً، بعد إذ كنتم طينًا جمادًا, ثم قضى آجال حياتكم لفنائكم ومماتكم, ليعيدكم ترابًا وطينًا كالذي كنتم قبل أن ينشئكم ويخلقكم = وأجل مسمى عندَه لإعادتكم أحياءً وأجسامًا كالذي كنتم قبل مماتكم .

(12) وذلك نظير قوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، [سورة البقرة: 28].

* * * القول في تأويل قوله : ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم أنتم تَشكُّون في قدرة من قَدَر على خلق السماوات والأرض, وإظلام الليل وإنارة النهار, وخلقكم من طين حتى صيَّركم بالهيئة التي أنتم بها = على إنشائه إياكم من بعد مماتكم وفنائكم, (13) وإيجاده إيّاكم بعد عدمكم .

* * * و " المرية " في كلام العرب، هي الشك.

وقد بيّنت ذلك بشواهده في غير هذا الموضع فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته.

(14) * * * وقد:- 13070 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " ثم أنتم تمترون " ، قال: الشك .

قال: وقرأ قول الله: فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ [سورة هود: 17] ، قال: في شكٍّ منه.

13071 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ثم أنتم تمترون " ، بمثله .

-------------------- الهوامش : (10) في المطبوعة: "فكفر به" ، أما المخطوطة ، ففيها الذي أثبته إلا أنه كتب"ثمكفر به" ووصل"ثم" بقوله: "كفر" ، وهذا من عجب الكتابة ولطائف النساخ.

(11) الأثر: 13054 -"وكيع" هو"وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي".

وأبوه: "الجراح بن مليح الرؤاسي" ، مضيا في مواضع مختلفة.

و"أبو بكر الهذلي" مختلف في اسمه قيل هو: "سلمى بن عبد الله بن سلمى" ، وقيل: "روح بن عبد الله".

ومضى برقم: 597 ، 8376 ، وهو ضعيف.

(12) انظر تفسير"الأجل" فيما سلف 5: 7/6 : 43 ، 76/8 : 548.

= وتفسير"مسمى" فيما سلف 6: 43.

(13) في المطبوعة: "وعلى إنشائه" بزيادة الواو ، وهي مفسدة وهي خطأ صرف ، لم يفهم سياق أبي جعفر ، فإن قوله: "على إنشائه إياكم" متعلق بقوله: "ثم أنتم تشكون في قدرة من قدر .

.

." ، أي: تشكون في قدرة من فعل ذلك ، على إنشائه إياكم.

(14) انظر تفسير"الامتراء" فيما سلف 3: 190 ، 191/6 : 472.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترونقوله تعالى : هو الذي خلقكم من طين الآية خبر وفي معناه قولان : أحدهما : وهو الأشهر ، وعليه من الخلق الأكثر ، أن المراد آدم عليه السلام والخلق نسله ، والفرع يضاف إلى أصله ، فلذلك قال : خلقكم بالجمع فأخرجه مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده ; هذا قول الحسن ، وقتادة ، وابن أبي نجيح ، والسدي ، والضحاك ، وابن زيد وغيرهم ، الثاني : أن تكون النطفة خلقها الله من طين على الحقيقة ثم قلبها حتى كان الإنسان منها ، ذكره النحاس .قلت : وبالجملة فلما ذكر جل وعز خلق العالم الكبير ذكر بعده خلق العالم الصغير وهو الإنسان ، وجعل فيه ما في العالم الكبير ، على ما بيناه في " البقرة " في آية التوحيد ، والله أعلم ، [ ص: 300 ] والحمد لله وقد روى أبو نعيم الحافظ في كتابه عن مرة ، عن ابن مسعود ، أن الملك الموكل بالرحم يأخذ النطفة فيضعها على كفه ، ثم يقول : يا رب ، مخلقة أو غير مخلقة ؟

فإن قال مخلقة ، قال : يا رب ، ما الرزق ، ما الأثر ، ما الأجل ؟

فيقول : انظر في أم الكتاب ، فينظر في اللوح المحفوظ فيجد فيه رزقه وأثره وأجله وعمله ، ويأخذ التراب الذي يدفن في بقعته ويعجن به نطفته ، فذلك قوله تعالى : منها خلقناكم وفيها نعيدكم .

وخرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من مولود إلا وقد ذر عليه من تراب حفرته .قلت : وعلى هذا يكون كل إنسان مخلوقا من طين وماء مهين ، كما أخبر جل وعز في سورة " المؤمنون " فتنتظم الآيات والأحاديث ، ويرتفع الإشكال والتعارض ، والله أعلم ، وأما الإخبار عن خلق آدم عليه السلام فقد تقدم في ( البقرة ) ذكره واشتقاقه ، ونزيد هنا طرفا من ذلك ونعته وسنه ووفاته ، ذكر ابن سعد في " الطبقات " عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الناس ولد آدم وآدم من التراب وعن سعيد بن جبير قال : خلق الله آدم عليه السلام من أرض يقال لها دجناء ، قال الحسن : وخلق جؤجؤه من ضرية ، قال الجوهري : ضرية قرية لبني كلاب على طريق البصرة وهي إلى مكة أقرب ، وعن ابن مسعود ، قال : إن الله تعالى بعث إبليس فأخذ من أديم الأرض من عذبها ومالحها فخلق منه آدم عليه السلام فكل شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى الجنة وإن كان ابن كافر ، وكل شيء خلقه من مالحها فهو صائر إلى النار ، وإن كان ابن تقي فمن ثم قال إبليس أأسجد لمن خلقت طينا لأنه جاء بالطينة فسمي آدم ; لأنه خلق من أديم الأرض ، وعن عبد الله بن سلام قال : خلق الله آدم في آخر يوم الجمعة ، وعن ابن عباس قال : لما خلق الله آدم كان رأسه يمس السماء ، قال فوطده إلى الأرض حتى صار ستين ذراعا في سبعة أذرع عرضا ، وعن أبي بن كعب ، قال : كان آدم عليه السلام طوالا جعدا كأنه نخلة سحوق ، وعن ابن عباس في حديث فيه طول وحج آدم عليه السلام من الهند إلى مكة أربعين حجة على رجليه ، وكان آدم حين أهبط تمسح رأسه السماء ، فمن ثم صلع وأورث ولده الصلع ونفرت من طوله دواب البر فصارت وحشا من يومئذ ، ولم يمت حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا ، وتوفي على ذروة الجبل الذي أنزل عليه ، فقال شيث لجبريل عليهما السلام : " صل على آدم " فقال له جبريل عليه السلام : تقدم أنت فصل على أبيك وكبر عليه ثلاثين تكبيرة ، فأما خمس فهي الصلاة ، وخمس وعشرون تفضيلا لآدم .

وقيل : كبر عليه أربعا ، فجعل بنو شيث آدم في مغارة وجعلوا عليها حافظا لا [ ص: 301 ] يقربه أحد من بني قابيل وكان الذين يأتونه ويستغفرون له بنو شيث ، وكان عمر آدم تسعمائة سنة وستا وثلاثين سنة .

ويقال : هل في الآية دليل على أن الجواهر من جنس واحد ؟

الجواب : نعم لأنه إذا جاز أن ينقلب الطين إنسانا حيا قادرا عليما ، جاز أن ينقلب إلى كل حال من أحوال الجواهر ، لتسوية العقل بين ذلك في الحكم ، وقد صح انقلاب الجماد إلى الحيوان بدلالة هذه الآية .قوله تعالى : ثم قضى أجلا مفعول .

وأجل مسمى عنده ابتداء وخبر ، قال الضحاك : أجلا في الموت وأجل مسمى عنده أجل القيامة فالمعنى على هذا : حكم أجلا ، وأعلمكم أنكم تقيمون إلى الموت ، ولم يعلمكم بأجل القيامة .

وقال الحسن ومجاهد وعكرمة وخصيف وقتادة ، وهذا لفظ الحسن : قضى أجل الدنيا من يوم خلقك إلى أن تموت وأجل مسمى عنده يعني الآخرة .

وقيل : قضى أجلا ما أعلمناه من أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ، وأجل مسمى من الآخرة ، وقيل : قضى أجلا مما نعرفه من أوقات الأهلة والزرع وما أشبههما ، وأجل مسمى أجل الموت ، لا يعلم الإنسان متى يموت ، وقال ابن عباس ومجاهد : معنى الآية قضى أجلا بقضاء الدنيا ، وأجل مسمى عنده لابتداء الآخرة .

وقيل : الأول قبض الأرواح في النوم ، والثاني قبض الروح عند الموت ، عن ابن عباس أيضا .قوله تعالى : ثم أنتم تمترون ابتداء وخبر : أي : تشكون في أنه إله واحد ، وقيل : تمارون في ذلك أي : تجادلون جدال الشاكين ، والتماري المجادلة على مذهب الشك ، ومنه قوله تعالى : أفتمارونه على ما يرى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ } وذلك بخلق مادتكم وأبيكم آدم عليه السلام.

{ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا } أي: ضرب لمدة إقامتكم في هذه الدار أجلا، تتمتعون به وتمتحنون، وتبتلون بما يرسل إليكم به رسله.

{ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } ويعمركم ما يتذكر فيه من تذكر.

{ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ } وهي: الدار الآخرة، التي ينتقل العباد إليها من هذه الدار، فيجازيهم بأعمالهم من خير وشر.

{ ثُمَّ } مع هذا البيان التام وقطع الحجة { أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ } أي: تشكون في وعد الله ووعيده، ووقوع الجزاء يوم القيامة.

وذكر الله الظلمات بالجمع، لكثرة موادها وتنوع طرقها.

ووحد النور لكون الصراط الموصلة إلى الله واحدة لا تعدد فيها،، وهي: الصراط المتضمنة للعلم بالحق والعمل به، كما قال تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( هو الذي خلقكم من طين ) يعني آدم عليه السلام ، خاطبهم به إذ كانوا من ولده .

قال السدي : بعث الله تعالى جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها ، فقالت الأرض إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني ، فرجع جبريل ولم يأخذ وقال : يا رب إنها عاذت بك ، فبعث ميكائيل ، فاستعاذت فرجع ، فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله ، فقال : وأنا أعوذ بالله أن أخالف أمره ، فأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء ، فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ، ثم عجنها بالماء العذب والملح والمر ، فلذا اختلفت أخلاقهم فقال الله تعالى لملك الموت : رحم جبريل وميكائيل الأرض ولم ترحمها ، لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك .

وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " خلق الله آدم عليه السلام من تراب وجعله طينا ، ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا ثم خلقه وصوره وتركه حتى كان صلصالا كالفخار ، ثم نفخ فيه روحه " .

قوله عز وجل : ( ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ) قال الحسن وقتادة والضحاك : الأجل الأول من الولادة إلى الموت ، والأجل الثاني من الموت إلى البعث ، وهو البرزخ ، وروي ذلك عن ابن عباس ، وقال : لكل أحد أجلان أجل إلى الموت وأجل من الموت إلى البعث ، فإن كان برا تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر ، وإن كان فاجرا قاطعا للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أجل البعث ، وقال مجاهد وسعيد بن جبير : الأجل الأول أجل الدنيا ، والأجل الثاني أجل الآخرة ، وقال عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما ( ثم قضى أجلا ) يعني : النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع عند اليقظة ، ( وأجل مسمى عنده ) يعني : أجل الموت ، وقيل : هما واحد معناه : [ ثم قضى أجلا ] يعني : جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها ، " وأجل مسمى عنده " يعني : وهو أجل مسمى عنده ، لا يعلمه غيره ، ( ثم أنتم تمترون ) تشكون في البعث .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هو الذي خلقكم من طين» بخلق أبيكم آدم منه «ثم قضى أجلا» لكم تموتون عند انتهائه «وأجلٌ مسمّىّ» مضروب «عنده» لبعثكم «ثم أنتم» أيها الكفار «تمترون» تشكون في البعث بعد علمكم أنه ابتدأ خلقكم ومن قدر على الإبتداء فهو على الإعادة أقدر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هو الذي خلق أباكم آدم من طين وأنتم سلالة منه، ثم كتب مدة بقائكم في هذه الحياة الدنيا، وكتب أجلا آخر محدَّدًا لا يعلمه إلا هو جل وعلا وهو يوم القيامة، ثم أنتم بعد هذا تشكُّون في قدرة الله تعالى على البعث بعد الموت.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق القرآن فى الآية الثانية دليلا آخر على أن الله - تعالى - هو المستحق للعبادة والحمد ، وعلى أن يوم القيامة حق ، فتحدث عن أصل خلق الإنسان ، بعد أن تحدث فى الآية الأولى عن خلق السموات والأرض فقال :{ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } .أى : هو الذى أنشأكم من طين ، ثم تعهدكم برعايته فى مراحل خلقكم بعد ذلك ، كما قال - تعالى - : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ } وفى ذكر خلق الإنسان من طين ، دليل على قدرة الله وعظمته ، لأنه - سبحانه - هو الذى حول هذا الطين إلى بشر سوى مفكر ، يختار الخير فيهتدى ويختار الشر فيردى ، كما أن فيه تذكيراً له بأصله حتى لا يستكبر أو يطغى ، وحتى يوقن بأن من خلقه من هذا الأصل قادر على أن يعيده إليه .قال تعالى : { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى } قال أبو السعود : ( وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر دلائل صحة البعث ، مع أن ما ذكر من خلق السموات والأرض من أوضحها وأظهرها .

لما أن محل النزاع بعثهم ، فدلالة بدء خلقهم على ذلك أظهر ، وهم بشئون أنفسهم أعرف ، والتعامى عن الحجة البينة أقبح ) .وقال الجمل : ( وإنما نسب هذا الخلق إلى المخاطبين لا إلى آدم - عليه السلام - وهو المخلوق منه حقيقة .

لتوضيح منهاج القياس ، والمبالغة فى إزاحة الاشتباه والالتباس ، مع ما فيه من تحقيق الحق ، والتنبيه على حكمة خفية هى أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه - عليه السلام - منه .

حيث لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه ، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد البشر انطواء إجماليا ، فكان خلقه - عليه السلام - من طين خلقا لكل أحد من فروعه ) .ثم قال - تعالى - { ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ } .

الأجل فى اللغة عبارة عن الوقت المضروب لانقضاء الأمد ، وأجل الإنسان هو الوقت المضروب لانتهاء عمره .

والمعنى : أنه سبحانه - قدر لعباده أجلين : أجلا تنتهى عنده حياتهم بعد أن عاشوا زمنا معينا ، وأجلا آخر يمتد من وقت موتهم إلى أن يبعثهم الله من قبورهم عند انتهاء عمر الدنيا ليحاسبهم على أعمالهم ، هذا هو الرأى الأول فى معنى الأجلين .وقيل : المراد من الأجل الأول آجال الماضين من الخلق ، ومن الثانى آجال الباقين منهم .

وقيل المراد من الأول النوم ومن الثانى الموت .

وقيل : المراد من الأول ما مضى من عمر الإنسان ومن الثانى ما بقى منه .والذى نرجحه هو الرأى الأول لأسباب منها .1 - أن من تتبع ذكر الأجل المسمى فى القرىن فى سياق الكلام عن الناس يراه قد ورد فى عمر الإنسان الذى ينتهى بالموت ، ومن ذلك قوله{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } وقوله - تعالى - : { يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } 2 - أن الآية الكريمة مسوقة لإثبات وحدانية الله ولتقرير أن البعث حق ، فالمناسب أن يكون المراد بالأجل الثانى هو انتهاء عمر الدنيا وبعث الناس من قبورهم .ولذا قال أبو السعود فى تضعيفه للآراء المخالفة للرأى الأول : " ومن ها هنا تبين أن ما قيل من أن الأجل الأول هو النوم والثانى هو الموت ، أو أن الأول أجل الماضين والثانى أجل الباقين ، أو أن الأول مقدار ما مضى من عمر كل أحد والثانى مقدار ما بقى منه؛ مما لا وجه له أصلا ، لما رأيت من أن مساق النظم الكريم استبعاد امترائهم فى البعث الذى عبر عن وقته بالأجل المسمى .

فحيث أريد به أحد ما ذكر من الأمور الثلاثة ففى أى شىء تمترون؟

" .3 - أن الرأى الأول هو الرأى المأثور عن بعض الصحابة ، وبه قال جمهور المفسرين ، وقد عزاه ابن كثير فى تفسيره إلى عشرة من التابعين .وعطفت الجملة الكريمة بثم ، للإشارة إلى أطوار خلق الإنسان المختلفة ، فهو فى أصله من سلالة من طين ، ثم يصيره الله - تعالى - نطفة ، فعلقة ، فمضغة ، فعظاما ، ثم يكونه - سبحانه - وتعالى خلقا آخر .

فتبارك الله أحسن الخالقين " .ووصف الأجل الثانى بأنه ( مسمى عنده ) ، لأن وقت قيام الساعة من الأمور التى لا يعلمها إلا الله قال - تعالى - : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السماوات والأرض لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } وجاء قوله تعالى { وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } مقدما على ( عنده ) لأنه مبتدأ ، والذى سوغ الابتداء به مع كونه نكرة تخصصه بالوصف فقارب المعرفة لذلك ، فهو كقوله - تعالى - { وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ } ومعنى ( عنده ) أى : فى علمه الذى لا يعلمه أحد سواه ، فهى عندية تشريف وخصوصية .ثم ختمت الآية الكريمة بتوبيخ الشاكين فى البعث والحساب فقال - تعالى - :{ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } .

الامتراء : هو التردد الذى ينتهى إلى محاجة ومجادلة وقد ينتهى إلى شك ثم إلى إنكار .

مأخوذ من مرى الضرع إذا مسحه للدر ووجه المناسبة فى استعماله فى الشك ، أن الشك سبب لاستخراج العلم الذى هو كاللبن الخالص نم بين فرث ودم .والمعنى : ثم إنكم بعد كل هذه الأدلة الدالة على وحدانية الله ، وعلى أن يوم القيامة حق ، تشكون فى ذلك ، وتجادلون المؤمنين فيما تشكون فيه " بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير " .وجاء العطف بثم لبيان التفاوت الكبير بين الحقائق الثابتة الناصعة ، وبين ما سولته لهم أنفسهم من المجادلة فيها .قال الالوسى : " والمراد استبعاد امترائهم فى وقوع البعث وتحققه فى نفسه مع مشاهدتهم فى أنفسهم من الشواهد ما يقع مادة ذلك بالكلية فإن من قدر على إفاضة الحياة على مادة غير مستعدة لشىء من ذلك ، كان أوضح اقتداراً على إقامته على مادة قد استعدت له وقارنته مدة " .وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة فى الآيتين السابقتين على أنه هو المستحق للعبادة والحمد ، وعلى أن يوم القيامة حق ، جاءت الآية الثالثة لتصفه - سبحانه بأنه هو صاحب السلطان المطلق فى هذا الكون فقال - تعالى - : { هُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } .أى : أنه - سبحانه - هو المعبود بحق فى السموات والأرض ، العليم بكل شىء فى هذا الوجود ، الخبير بكل ما يكسبه الإنسان من خير أو شر فيجازيه عليه بما يستحقه .والضمير " هو " الذى صدرت به الآية يعود إلى الله - تعالى - الذى نعت ذاته فى الآيتين السابقتين بأنه هو صاحب الحمد المطلق ، وخالق السموات والأرض ، وجاعل الظلمات والنور ، ومنشىء الإنسان من طين ، وأنه لذلك يكون مختصاً بالعبادة والخضوع .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا الكلام يحتمل أن يكون المراد منه ذكر دليل آخر من دلائل إثبات الصانع تعالى، ويحتمل أن لا يكون المراد منه ذكر الدليل على صحة المعاد وصحة الحشر.

أما الوجه الأول: فتقريره: أن الله تعالى لما استدل بخلقه السموات والأرض وتعاقب الظلمات والنور على وجود الصانع الحكيم أتبعه بالاستدلال بخلقه الإنسان، على إثبات هذا المطلوب فقال: ﴿ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ ﴾ والمشهور أن المراد منه أنه تعالى خلقهم من آدم وآدم كان مخلوقاً من طين.

فلهذا السبب قال: ﴿ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ ﴾ وعندي فيه وجه آخر، وهو أن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث، وهما يتولدان من الدم، والدم إنما يتولد من الأغذية، والأغذية إما حيوانية وإما نباتية، فإن كانت حيوانية كان الحال في كيفية تولد ذلك الحيوان كالحال في كيفية تولد الإنسان، فبقي أن تكون نباتية، فثبت أن الإنسان مخلوق من الأغذية النباتية، ولا شك أنها متولدة من الطين، فثبت أن كل إنسان متولد من الطين.

وهذا الوجه عندي أقرب إلى الصواب.

إذا عرفت هذا فنقول: هنا الطين قد تولدت النطفة منه بهذا الطريق المذكور، ثم تولد من النطفة أنواع الأعضاء المختلفة في الصفة والصورة واللون والشكل مثل القلب والدماغ والكبد، وأنواع الأعضاء البسيطة كالعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها، وتولد الصفات المختلفة في المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ومدبر رحيم وذلك هو المطلوب.

وأما الوجه الثاني: وهو أن يكون المقصود من هذا الكلام تقرير أمر المعاد، فنقول لما ثبت أن تخليق بدن الإنسان إنما حصل، لأن الفاعل الحكيم والمقدر الرحيم، رتب حلقة هذه الأعضاء على هذه الصفات المختلفة بحكمته وقدرته، وتلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادراً على إعادتها وإعادة الحياة فيها، وذلك يدل على صحة القول بالمعاد.

وأما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً ﴾ ففيه مباحث: المبحث الأول: لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم والأمر.

قال تعالى: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه  ﴾ وبمعنى الخبر والاعلام.

قال تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل فِي الكتاب  ﴾ وبمعنى صفة الفعل إذَا تمّ.

قال تعالى: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِي يَوْمَيْنِ  ﴾ ومنه قولهم قضى فلان حاجة فلان.

وأما الأجل فهو في اللغة عبارة عن الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإنسان هو الوقت المضروب لانقضاء عمره، وأجل الدين محله لانقضاء التأخير فيه وأصله من التأخير يقال أجل الشيء يأجل أجولاً، وهو آجل إذا تأخر والآجل نقيض العاجل.

إذا عرفت هذا فقوله: ﴿ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً ﴾ معناه أنه تعالى خصص موت كل واحد بوقت معين وذلك التخصيص عبارة عن تعلق مشيئته بإيقاع ذلك الموت في ذلك الوقت.

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيّتُونَ  ﴾ .

وأما قوله تعالى: ﴿ وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ﴾ فاعلم أن صريح هذه الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان.

واختلف المفسرون في تفسيرهما على وجوه: الأول: قال أبو مسلم قوله: ﴿ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً ﴾ المراد منه آجال الماضين من الخلق وقوله: ﴿ وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ﴾ المراد منه آجال الباقين من الخلق فهو خص هذا الأجل.

الثاني: بكونه مسمى عنده، لأن الماضين لما ماتوا صارت آجالهم معلومة، أما الباقون فهم بعد لم يموتوا فلم تصر آجالهم معلومة، فلهذا المعنى قال: ﴿ وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ﴾ والثاني: أن الأجل الأول هو أجل الموت والأجل المسمى عند الله هو أجل القيامة، لأن مدة حياتهم في الآخرة لا آخرة لها ولا انقضاء ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا الأجل إلا الله سبحانه وتعالى.

والثالث: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت.

والثاني: ما بين الموت والبعث وهو البرزخ.

والرابع: أن الأول: هو النوم والثاني: الموت.

والخامس: أن الأجل الأول مقدار ما انقضى من عمر كل أحد، والأجل الثاني: مقدار ما بقي من عمر كل أحد.

والسادس: وهو قول حكماء الإسلام أن لكل إنسان أجلين: أحدهما: الآجال الطبيعية.

والثاني: الآجال الاخترامية.

أما الآجال الطبيعية: فهي التي لو بقي ذلك المزاج مصوناً من العوارض الخارجية لانتهت مدة بقائه إلى الوقت الفلاني، وأما الآجال الاخترامية: فهي التي تحصل بسبب من الأسباب الخارجية: كالغرق والحرق ولدغ الحشرات وغيرها من الأمور المعضلة، وقوله: ﴿ مُّسمًّى عِندَهُ ﴾ أي معلوم عنده أو مذكور اسمه في اللوح المحفوظ، ومعنى عنده شبيه بما يقول الرجل في المسألة عندي أن الأمر كذا وكذا أي هذا اعتقادي وقولي.

فإن قيل: المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفاً وجب تأخيره فلم جاز تقديمه في قوله: ﴿ وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ﴾ قلنا: لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة كقوله: ﴿ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ فنقول: المرية والامتراء هو الشك.

وأعلم أنا إن قلنا المقصود من ذكر هذا الكلام الاستدلال على وجود الصانع كان معناه أن بعد ظهور مثل هذه الحجة الباهرة أنتم تمترون في صحة التوحيد، وإن كان المقصود تصحيح القول بالمعاد فكذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً ﴾ أجل الموت ﴿ وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ﴾ أجل القيامة.

وقيل: الأجل الأوّل: ما بين أن يخلق إلى أن يموت.

والثاني: ما بين الموت والبعث وهو البرزخ.

وقيل: الأوّل النوم.

والثاني: الموت.

فإن قلت: المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفاً وجب تأخيره، فلم جاز تقديمه في قوله: ﴿ وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ﴾ ؟

قلت: لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة، كقوله: ﴿ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ ﴾ [البقرة: 221] فإن قلت: الكلام السائر أن يقال: عندي ثوب جيد، ولي عبد كيس، وما أشبه ذلك؛ فما أوجب التقديم؟

قلت: أوجبه أن المعنى: وأي أجل مسمىً عنده تعظيماً لشأن الساعة، فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنهُ، فَإنَّهُ المادَّةُ الأُولى وأنَّ آدَمَ الَّذِي هو أصْلُ البَشَرِ خُلِقَ مِنهُ، أوْ خَلَقَ أباكم فَحُذِفَ المُضافُ.

﴿ ثُمَّ قَضى أجَلا ﴾ أجَلَ المَوْتِ.

﴿ وَأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ أجْلُ القِيامَةِ.

وقِيلَ الأوَّلُ ما بَيْنَ الخَلْقِ والمَوْتِ، والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، فَإنَّ الأجَلَ كَما يُطْلَقُ لِآخِرِ المُدَّةِ يُطْلَقُ لِجُمْلَتِها.

وقِيلَ الأوَّلُ النَّوْمُ والثّانِي المَوْتُ.

وقِيلَ الأوَّلُ لِمَن مَضى والثّانِي لِمَن بَقِيَ ولِمَن يَأْتِي، وأجَلٌ نَكِرَةٌ خُصِّصَتْ بِالصِّفَةِ ولِذَلِكَ اسْتُغْنِيَ عَنْ تَقْدِيمِ الخَبَرِ والِاسْتِئْنافِ بِهِ لِتَعْظِيمِهِ ولِذَلِكَ نُكِّرَ ووُصِفَ بِأنَّهُ مُسَمًّى أيْ مُثْبَتٌ مُعَيَّنٌ لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ، وأخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ لا مَدْخَلَ لِغَيْرِهِ فِيهِ بِعِلْمٍ ولا قُدْرَةٍ ولِأنَّهُ المَقْصُودُ بَيانُهُ.

﴿ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ اسْتِبْعادَ مُتَرائِهِمْ بَعْدَ ما ثَبَتَ أنَّهُ خالِقُهم وخالِقُ أُصُولِهِمْ ومُحْيِيهِمْ إلى آجالِهِمْ، فَإنَّ مِن قَدَرَ عَلى خَلْقِ المَوادِّ وجَمْعِها وإيداعِ الحَياةِ فِيها وإبْقائِها ما يَشاءُ كانَ أقْدَرَ عَلى جَمْعِ تِلْكَ المَوادِّ وإحْيائِها ثانِيًا، فالآيَةُ الأُولى دَلِيلُ التَّوْحِيدِ والثّانِيَةُ دَلِيلُ البَعْثِ، والِامْتِراءُ الشَّكُّ وأصْلُهُ المَرِيُّ وهو اسْتِخْراجُ اللَّبَنِ مِنَ الضَّرْعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

من لابتداء الغاية أى ابتدأ خلق أصلكم يعنى آدم {ثم قضى أجلا} أى تحكم أجل الموت {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ} أجل القيامة أو الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ أو الأول النوم والثاني الموت أو الثاني هو الأول وتقديره وهو أجل مسمى أى معلوم وأجل مُّسَمًّى مبتدأ والخبر عِندَهُ وقدم المبتدأ وإن كان نكرة والخبر ظرفاً وحقه التأخير لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} تشكون من المرية أو تجادلون من المراء ومعنى ثم استبعاد أن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَفْرِهِمْ بِالبَعْثِ، والخِطابُ وإنْ صَحَّ كَوْنُهُ عامًّا لَكِنَّهُ هُنا خاصٌّ بِـ (الَّذِينِ كَفَرُوا) كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الخِطابُ الآتِي فَفِيهِ التِفاتٌ، والنُّكْتَةُ فِيهِ زِيادَةُ التَّشْنِيعِ والتَّوْبِيخِ وتَخْصِيصُ خَلْقِهِمْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ أدِلَّةِ صِحَّةِ البَعْثِ مَعَ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِن أظْهَرِ أدِلَّتِهِ لِما أنَّ دَلِيلَ الأنْفُسِ أقْرَبُ إلى النّاظِرِ مِن دَلِيلِ الآفاقِ الَّذِي في الآيَةِ السّابِقَةِ، ومَعْنى خَلْقِ المُخاطَبِينَ مِن طِينٍ أنَّهُ ابْتِداءٌ خَلَقَهم مِنهُ فَإنَّهُ المادَّةُ الأُولى لِما أنَّهُ أصْلُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو أصْلُ سائِرِ البَشَرِ، ولَمْ يَنْسِبْ سُبْحانَهُ الخَلْقَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّهُ المَخْلُوقُ مِنهُ حَقِيقِيَّةً، وكِفايَةُ ذَلِكَ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ تَوْضِيحًا لِمِنهاجِ القِياسِ، ومُبالَغَةً في إزاحَةِ الشُّبْهَةِ والِالتِباسِ، وقِيلَ في تَوْجِيهِ خَلْقِهِمْ مِنهُ: إنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ النُّطْفَةِ والطَّمْثِ وهُما مِنَ الأغْذِيَةِ الحاصِلَةِ مِنَ التُّرابِ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ وقالَ المَهْدَوِيُّ في ذَلِكَ: إنَّ كُلَّ إنْسانٍ مَخْلُوقٌ ابْتِداءً مِن طِينٍ لِخَبَرِ «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا ويُذَرُّ عَلى نُطْفَتِهِ مِن تُرابِ حُفْرَتِهِ» وفي القَلْبِ مِن هَذا شَّيْءٌ، والحَدِيثُ إنْ صَحَّ لا يَخْلُو مِن ضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ خَلَقَ آباءَكُمْ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ مِن وُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ عَلى البَعْثِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ ما لَمْ يَشَمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ كانَ عَلى إحْياءِ ما قارَنَها مُدَّةً أظْهَرَ قُدْرَةً ﴿ ثُمَّ قَضى ﴾ أيْ قَدَّرَ وكَتَبَ ﴿ أجَلا ﴾ أيْ حَدًّا مُعَيَّنًا مِنَ الزَّمانِ لِلْمَوْتِ، و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ دُونَ الزَّمانِ لِتَقَدَّمَ القَضاءُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: الظّاهِرُ التَّرْتِيبُ في الزَّمانِ، ويُرادُ بِالتَّقْدِيرِ والكِتابَةِ ما تَعْلَمُ بِهِ المَلائِكَةُ وتَكْتُبُهُ كَما وقَعَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ ويُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ وعَمِلِهِ وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ» ﴿ وأجَلٌ مُسَمًّى ﴾ أيْ حَدٌّ مُعَيَّنٌ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وهو مُبْتَدَأٌ وصَحَّ الِابْتِداءُ بِهِ لِتَخْصِيصِهِ بِالوَصْفِ أوْ لِوُقُوعِهِ في مَوْقِعِ التَّفْصِيلِ و ﴿ عِنْدَهُ ﴾ هو الخَبَرُ وتَنْوِينُهُ لِتَفْخِيمِ شَأْنُهُ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ، وقُدِّمَ عَلى خَبَرِهِ الظَّرْفُ مَعَ أنَّ الشّائِعَ في النَّكِرَةِ المُخْبِرِ عَنْها بِهِ لُزُومُ تَقْدِيمِهِ عَلَيْها وفاءً بِحَقِّ التَّفْخِيمِ، فَإنَّ ما قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِالتَّقْدِيمِ، فالمَعْنى وأجَلٌ أيْ أجَلٌ مُسْتَقِلٌّ بِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَقِفُ عَلى وقْتِ حُلُولِهِ سِواهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا إجْمالًا ولا تَفْصِيلًا، وهَذا بِخِلافِ أجَلِ المَوْتِ فَإنَّهُ مَعْلُومٌ إجْمالًا بِناءً عَلى ظُهُورِ أماراتِهِ أوْ عَلى ما هو المُعْتادُ في أعْمالِ الإنْسانِ وقِيلَ: وجْهُ الإخْبارِ عَنْ هَذا أوِ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ مِن نَفْسِ المُغَيَّباتِ الخَمْسِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، والأوَّلُ أيْضًا وإنْ كانَ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو قَبْلَ وُقُوعِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ ﴾ لَكِنّا نَعْلَمُهُ لِلَّذِينِ شاهَدْنا مَوْتَهُمْ، وضَبَطْنا تَوارِيخَ وِلادَتِهِمْ ووَفاتِهِمْ فَنَعْلَمُهُ سَواءً أُرِيدَ بِهِ آخِرُ المُدَّةِ أوْ جُمْلَتُها مَتى كانَتْ وكَمْ مُدَّةً كانَ وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ ما بَيْنَ الخَلْقِ والمَوْتِ والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، ورَوى ذَلِكَ الحَسَنُ وابْنُ المُسَيَّبِ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ ورَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ قالَ: قَضى أجَلًا مِن مَوْلِدِهِ إلى مَماتِهِ، وأجَلٌ مُسَمّى عِنْدَهُ مِنَ المَماتِ إلى البَعْثِ لا يَعْلَمُ مِيقاتَهُ أحَدٌ سِواهُ سُبْحانَهُ، فَإذا كانَ الرَّجُلُ صالِحًا واصِلًا لِرَحِمِهِ زادَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في أجَلِ الحَياةِ مِن أجَلِ المَماتِ إلى البَعْثِ، وإذا كانَ غَيْرَ صالِحٍ ولا واصِلٍ نَقَصَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أجَلِ الحَياةِ وزادَ مِن أجَلِ المَماتِ، وذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلا في كِتابٍ ﴾ ، وعَلَيْهِ فَمَعْنى عَدَمِ تَغْيِيرِ الأجَلِ عَدَمُ تَغْيِيرِ آخِرِهِ، وقِيلَ: الأجَلُ الأوَّلُ الزَّمَنُ الَّذِي يَحْيى بِهِ أهْلُ الدُّنْيا إلى أنْ يَمُوتُوا، والأجَلُ الثّانِي أجَلُ الآخِرَةِ الَّذِي لا آخِرَ لَهُ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ واخْتارَهُ الجَبائِيُّ ولا يَخْفى بُعْدُ إطْلاقِ الأجَلِ عَلى المُدَّةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ أجَلُ مَن مَضى، والثّانِي أجَلُ مَن بَقِيَ ومَن يَأْتِي، وقِيلَ: الأوَّلُ النَّوْمُ والثّانِي: المَوْتُ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأيَّدَهُ الطَّبَرْسِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ لِأنَّ النَّوْمَ وإنْ كانَ أخا لِلْمَوْتِ لَكِنَّهُ لَمْ تُعْهَدْ تَسْمِيَتُهُ أجَلًا وإنْ سُمِّيَ مَوْتًا، وقِيلَ: إنَّ كِلا الأجَلَيْنِ لِلْمَوْتِ ولِكُلِّ شَخْصٍ أجَلانِ أجَلٌ يَكْتُبُهُ وهو يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ وهو المُرادُ بِالعُمُرِ في خَبَرِ «إنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَزِيدُ في العُمُرِ» ونَحْوِهِ، ﴿ وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ ولا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ عَزَّ شَأْنُهُ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ قالُوا: إنَّ المُرادَ بِالزِّيادَةِ الوارِدَةِ في غَيْرِ ما خَبَرِ الزِّيادَةِ بِالبَرَكَةِ والتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ طُولُ العُمُرِ بِبَقاءِ الذِّكْرِ الجَمِيلِ كَما قالُوا: ذِكْرُ الفَتى عُمُرَهُ الثّانِيَ وضَعَّفَهُ الشِّهابُ، وقِيلَ: الأجَلانِ واحِدٌ والتَّقْدِيرُ وهَذا أجَلٌ مُسَمًّى فَهو خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ و (عِنْدَهُ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ (مُسَمًّى) وهو أبْعَدُ الوُجُوهِ ﴿ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ 2 - أيْ تَشُكُّونَ في البَعْثِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ، وعَنِ الرّاغِبِ المِرْيَةُ التَّرَدُّدُ في المُتَقابِلَيْنِ، وطَلَبُ الأمارَةِ مَأْخُوذٌ مِن مُرّى الضَّرْعِ إذا مَسَحَهُ لِلدَّرِّ، ووَجْهُ المُناسِبَةِ في اسْتِعْمالِهِ في الشَّكِّ أنَّ الشَّكَّ سَبَبٌ لِاسْتِخْراجِ العِلْمِ الَّذِي هو كاللَّبَنِ الخالِصِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ، قِيلَ: الِامْتِراءُ الجَحْدُ، وقِيلَ: الجِدالُ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ اسْتِبْعادُ امْتِرائِهِمْ في وُقُوعِ البَعْثِ وتَحَقُّقُهُ في نَفْسِهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ مِنَ الشَّواهِدِ ما يَقْطَعُ مادَّةَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إفاضَةِ الحَياةِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها عَلى مادَّةٍ غَيْرِ مُسْتَعِدَّةٍ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ كانَ أوْضَحَ اقْتِدارًا عَلى إفاضَتِهِ عَلى مادَّةٍ قَدِ اسْتَعَدَّتْ لَهُ وقارَنَتْهُ مُدَّةً ومِن هَذا يَعْلَمُ أنَّ شَطْرًا مِن تِلْكَ الأوْجُهِ السّابِقَةِ آنِفًا لا يُلائِمُ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وتَوْجِيهَ الِاسْتِبْعادِ إلى الِامْتِراءِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مَعَ أنَّ المُخاطَبِينَ جازِمُونَ بِانْتِفاءِ البَعْثِ مُصِرُّونَ عَلى جُحُودِهِ وإنْكارِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ جَزْمَهم ذَلِكَ في أقْصى مَراتِبِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِنْكارِ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الآيَةَ الأُولى دَلِيلُ التَّوْحِيدِ كَما أنَّ هَذِهِ دَلِيلُ البَعْثِ، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَلِيقُ الثَّناءُ والتَّعْظِيمُ بِشَيْءٍ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ المُنْعِمُ لا أحَدَ غَيْرُهُ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّهُ لا مَعْبُودَ ولا إلَهَ سِواهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ إلّا بِمُلاحَظَةِ بُرْهانَ التَّمانُعِ إذْ لَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْهُ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِن وُجُودِ الصّانِعِ، ومَنشَأُ ذَلِكَ حَمْلُ الدَّلِيلِ عَلى البُرْهانِ العَقْلِيِّ أوْ مُقَدِّماتِهِ الَّتِي يَتَألَّفُ مِنها أشْكالُهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِاللّازِمِ ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الآيَةَ الأُولى أيْضًا دَلِيلًا عَلى البَعْثِ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها ﴾ ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي مائة وخمس وستون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم قال مقاتل: سورة الأنعام كلها مكية غير قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ الآية وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: سورة الأنعام كلها مكية غير ست آيات قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ إلى آخر الثلاث وقوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ ...

وقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وقيل: نزلت جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَشَيَّعَهَا سَبْعُونَ ألف ملك.

قال شهر بن حوشب: نزلت الأنعام جملة واحدة وهي مكية غير آيتين: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ وقال: بعضهم: كلها مكية.

وقال كعب الأحبار: مفتاح التوراة قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وخاتمتها خاتمة سورة هود: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [هود: 123] وقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ حمد الرب نفسه، ودلّ بصنعه على توحيده، الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يعني: خلق السموات وما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وخلق الأرض وما فيها وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني: خلق الليل والنهار.

ويقال: الكفر والإسلام.

وقال الضحاك: هذه الآية نزلت في شأن المجوس.

قالوا: الله خالق النور، والشيطان خالق الظلمة، فأنزل الله تعالى إكذاباً لقولهم، ورداً عليهم، فقال: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني: أن الله واحد لا شريك له، وهو الذى خلق السموات والارض، وهو الذي خلق الظلمات والنور ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: المجوس بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعني: يشركون.

ويقال ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعني: مشركي مكة بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعني: يعبدون الأصنام.

ثم قال: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ يعني: آدم، وأنتم من ذريته ومن نسله ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني: أجل ابن آدم منذ يوم ولد إلى يوم يموت.

وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ يعني: البرزخ منذ يموت إلى يوم البعث، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ فهذا قول مقاتل والحسن.

وقال عكرمة: أَجَلًا يعني: أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني: أجل الآخرة.

وهكذا قال سعيد بن جبير: ويقال أَجَلًا يعني: أجل واحد وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني: يوم القيامة ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ يعني: تشكون في البعث بعد الموت وفي الأجل المسمى.

ثم قال: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يعني: هو المتفرد بالتدبير في السموات وفي الأرض.

وهذا كقوله: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [الزخرف: 84] يعني: وهو خالق السموات والأرض.

ويقال: هو الذي يوحد ويقر بوحدانيته أهل السموات والأرض.

ويقال: عالم بما في السموات وبما في الأرض.

يَعْلَمُ سِرَّكُمْ يعني: يعلم سر أعمالكم وَجَهْرَكُمْ يعني علانيتكم وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ من الخير والشر فيجازيكم بذلك.

ثم أخبر عن أمر المشركين فقال <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بسم الله الرّحمن الرّحيم

[تفسير سورة الأنعام]

قال ابن عبّاس: نزلت سورة الأنعام، وحولها سبعون ألف ملك، لهم زجل يجأرون بالتسبيح «١» .

قلت: وعن جابر بن عبد الله، قال: لما نزلت سورة الأنعام، سبّح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: «لقد شيّع هذه السّورة من الملائكة ما سدّ الأفق» .

رواه الحاكم في «المستدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» .

وقال: صحيحٌ على شرط مسلم «٢» .

انتهى من «السلاح» .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ.

قال علي بن عبد الرحمن اليفرني في شرحه ل «البرهانية» : قال الإمام الفَخْرُ «٣» : لفظ الحمد مُعَرَّفاً لا يقال إلا في حقّ الله عز وجل لأنه يدلُّ على التعظيم، ولا يجوز أن يقال: الحمد لِزَيْدٍ.

قاله سيبويه.

وذكر ابن العَرَبِيِّ في «القانون» عن أنس أن النبيِ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إلى اللَّهِ مِنَ الحَمْدَ، وأَبْلَغُ الحَمْدِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كلّ حال» «٤» .

قال ابن العربي: وفي بعض الآثار: «ما من نِعْمَةٍ عَظْمَتْ إلا والحمد للَّه أعْظَمُ منها» «١» .

انتهى.

قال ع «٢» : وجَعَلَ هاهنا بمعنى: «خلق» ، ولا يجوز غَيْرُ ذلك.

قال قتادة، والسُّدِّيُّ وجمهور من المفسرين: الظلمات الليل، والنور النهار.

وقالت فرقة: الظُّلمات الكُفْرُ، والنور الإيمان.

قال/ ع «٣» : وهذا على جهة التَّشْبِيهِ صحيح، وعلى ما يفهمه عُبَّادُ الأوثان غير جيد لأنه إخراج لَفْظ بين في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى بَاطِنٍ لغير ضَرُورَةٍ، وهذا هو طريق اللُّغْزِ الذي بَرِىءَ القُرْآنُ منه، والنور أيضاً هنا لِلْجِنْسِ.

وقوله تعالى: ثُمَّ دالة على قُبْحِ فعل الذين كَفَرُوا لأن المعنى: أن خلقه السَّمَوَاتِ والأَرْض، وغيرها الموجبة لحمده، وتوحيده قد تقرر، وآياته قد سَطَعَتْ، وإنعامه بِذَلِكَ على العباد قد تَبَيَّنَ، فكان الواجب عليهم إخْلاَصَ التوحيد له، ثم هم بعد هذا كله بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أي: يُسَوّون، ويمثلون، وعدل الشيء قرينه ومثيله.

والَّذِينَ كَفَرُوا في هذا المَوْضِعِ كل من عَبَدَ شَيْئاً سوى اللَّه إلا أن السَّابِقَ من حال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن الإشَارَةَ إلى عَبَدَةِ الأوثان من العرب لمجاورتهم له، ولفظ الآية أيضاً يشير إلى المَانَوِيَّةِ العابدين للنور، القائلين: إن الخَيْرَ من فِعْلِ النور، والشر من فِعْلِ الظلام.

وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ فالمعنى: خَلَقَ آدم من طِينٍ.

وقوله سبحانه: ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ اختلف في هذين الأَجَلَيْنِ، فقال الحسن بن أبي الحَسَنِ وغيره: أَجَلًا أَجَلُ الإنسان من لَدُنْ وِلاَدَتِهِ إلى موته،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ﴾ يَعْنِي: آَدَمَ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا شَكَّ المُشْرِكُونَ في البَعْثِ، وقالُوا: مَن يُحْيِي هَذِهِ العِظامَ، أعْلَمَهم أنَّهُ خَلَقَهم مِن طِينٍ، فَهو قادِرٌ عَلى إعادَةِ خَلْقِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ: أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ، والثّانِي: أجَلُ المَوْتِ إلى البَعْثِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي أنَّ الأجَلَ: الأوَّلَ النَّوْمُ الَّذِي تُقْبَضُ فِيهِ الرُّوحُ، ثُمَّ تَرْجِعُ في حالِ اليَقَظَةِ، والأجَلِ المُسَمّى عِنْدَهُ: أجَلُ مَوْتِ الإنْسانِ.

رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ: أجَلُ الآَخِرَةِ مَتى يَأْتِي، والأجَلَ الثّانِي: أجَلُ الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ في رِوايَةٍ.

والرّابِعُ: أنَ الأوَّلَ: خَلْقُ الأشْياءِ في سِتَّةِ أيّامٍ، والثّانِي: ما كانَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ.

والخامِسُ: أنَ الأوَّلَ: قَضاهُ حِينَ أخَذَ المِيثاقَ عَلى خَلْقِهِ، والثّانِي: الحَياةُ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أجَلِ الذُّرِّيَّةِ حِينَ أحْياهم وخاطَبَهم.

والسّادِسُ: أنَ الأوَّلَ: أجْلُ مَن قَدْ ماتَ مِن قَبْلُ.

والثّانِي: أجَلُ مَن يَمُوتُ بَعْدُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْتُمْ ﴾ أيْ بَعْدَ هَذا البَيانِ تمترون وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تَشُكُّونَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

وفِيما شَكُّوا فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الوَحْدانِيَّةُ، والثّانِي: البَعْثُ.

والثّانِي: يَخْتَلِفُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ المِراءِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

﴿ وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: هو المَعْبُودُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّانِي: وهو المُنْفَرِدُ بِالتَّدْبِيرِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: وهو اللَّهُ في السَّماواتِ، ويَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ.

والمَعْنى: وهو اللَّهُ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَّماواتِ والأرْضِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ "اَلْأنْعامِ" قِيلَ: هي كُلُّها مَكِّيَّةٌ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ؛ لَيْلًا؛ جُمْلَةً؛ إلّا سِتَّ آياتٍ؛ وهِيَ: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ  ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ  ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو قالَ أُوحِيَ إلَيَّ  ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ  ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ  ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ  ﴾ .

وقالَ الكَلْبِيُّ: "اَلْأنْعامُ"؛ كُلُّها مَكِّيَّةٌ؛ إلّا آيَتَيْنِ؛ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ في فِنْحاصٍ اليَهُودِيِّ؛ وهِيَ: ﴿ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى  ﴾ ؛ مَعَ ما يَرْتَبِطُ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ فِنْحاصًا قالَ: "ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ وحَوْلَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ؛ لَهم زَجَلٌ؛ يَجْأرُونَ بِالتَسْبِيحِ.

وقالَ كَعْبٌ: فاتِحَةُ التَوْراةِ فاتِحَةُ الأنْعامِ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ ؛ إلى: ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ ؛ وخاتِمَةُ التَوْراةِ خاتِمَةُ هُودٍ: ﴿ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ  ﴾ ؛ وقِيلَ: خاتِمَتُها: ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ  ﴾ ؛ إلى: ﴿ تَكْبِيرًا  ﴾ .

وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "اَلْأنْعامُ"؛ مِن نَجائِبِ القُرْآنِ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: مَن قَرَأ سُورَةَ "اَلْأنْعامِ"؛ فَقَدِ انْتَهى في رِضا رَبِّهِ.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُلُماتِ والنُورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ بِأجْمَعِهِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللامَ في "اَلْحَمْدُ"؛ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ؛ فَهو تَعالى لَهُ الأوصافُ السَنِيَّةُ؛ والعِلْمُ؛ والقُدْرَةُ؛ والإحاطَةُ؛ والإنْعامُ؛ فَهو أهْلٌ لِلْمَحامِدِ عَلى ضُرُوبِها؛ ولَهُ الحَمْدُ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ الشُكْرَ المُخْتَصَّ بِأنَّهُ عَلى النِعَمِ.

ولَمّا ورَدَ هَذا الإخْبارُ تَبِعَهُ ذِكْرُ بَعْضِ أوصافِهِ المُوجِبَةِ لِلْحَمْدِ؛ وهي الخَلْقُ لِلسَّمَواتِ والأرْضِ؛ قِوامِ الناسِ وأرْزاقِهِمْ؛ و"اَلْأرْضَ"؛ هَهُنا لِلْجِنْسِ؛ فَإفْرادُها في اللَفْظِ بِمَنزِلَةِ جَمْعِها.

والبادِي مِن هَذا التَرْتِيبِ أنَّ السَماءَ خُلِقَتْ مِن قَبْلِ الأرْضِ؛ وقَدْ حَكاهُ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الواوَ لا تُرَتِّبُ المَعانِيَ؛ والَّذِي يَنْبَنِي مِن مَجْمُوعِ آيِ القُرْآنِ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ ولَمْ يَدْحُها؛ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ فَخَلَقَها؛ ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ.

و"جَعَلَ"؛ هَهُنا بِمَعْنى "خَلَقَ"؛ لا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وتَأمَّلْ: لِمَ خُصَّتِ السَماواتُ والأرْضُ بِـ "خَلَقَ"؛ والظُلُماتُ والنُورُ بِـ "جَعَلَ"؟

وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَجَعَلَ"؛ هَذِهِ هِيَ الَّتِي تَتَصَرَّفُ في طُرُقِ الكَلامِ؛ كَما تَقُولُ: "جَعَلْتُ أفْعَلُ كَذا"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَجَعَلَ إظْلامَها وإنارَتَها".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ؛ لِأنَّ "جَعَلَ"؛ إذا كانَتْ عَلى هَذا النَحْوِ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَرْتَبِطَ مَعَها فِعْلٌ آخَرُ؛ كَما يُرْتَبَطُ في أفْعالِ المُقارَبَةِ؛ كَقَوْلِكَ: "كادَ زَيْدٌ يَمُوتُ"؛ "جَعَلَ زَيْدٌ يَجِيءُ ويَذْهَبُ"؛ وأمّا إذا لَمْ يَرْتَبِطْ مَعَها فِعْلٌ فَلا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الَّتِي ذَكَرَ الطَبَرِيُّ.

وقالَ السُدِّيُّ ؛ وقَتادَةُ ؛ والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اَلظُّلُماتُ: اَللَّيْلُ؛ والنُورُ: اَلنَّهارُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلظُّلُماتُ: اَلْكُفْرُ؛ والنُورُ: اَلْإيمانُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ إخْراجُ لَفْظٍ بَيِّنٍ في اللُغَةِ عن ظاهِرِهِ الحَقِيقِيِّ؛ إلى باطِنٍ؛ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ وهَذا هو طَرِيقُ اللُغْزِ الَّذِي بَرِئَ القُرْآنُ مِنهُ؛ والنُورُ أيْضًا هُنا لِلْجِنْسِ؛ فَإفْرادُهُ بِمَثابَةِ جَمْعِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ"؛ دالَّةٌ عَلى قُبْحِ فِعْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّ خَلْقَهُ السَماواتِ والأرْضَ؛ وغَيْرَهُما؛ قَدْ تَقَرَّرَ؛ وآياتِهِ قَدْ سَطَعَتْ؛ وإنْعامَهُ بِذَلِكَ قَدْ تَبَيَّنَ؛ ثُمَّ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ عَدَلُوا بِرَبِّهِمْ؛ فَهَذا كَما تَقُولُ: "يا فُلانُ؛ أعْطَيْتُكَ؛ وأكْرَمْتُكَ؛ وأحْسَنْتُ إلَيْكَ؛ ثُمَّ تَشْتُمُنِي؟"؛ أيْ: بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن وُقُوعِ هَذا كُلِّهِ؛ ولَوْ وقَعَ العَطْفُ في هَذا ونَحْوِهِ بِالواوِ لَمْ يَلْزَمِ التَوْبِيخُ كَلُزُومِهِ بِـ "ثُمَّ".

والَّذِينَ كَفَرُوا ؛ في هَذا المَوْضِعِ هم كُلُّ مَن عَبَدَ شَيْئًا سِوى اللهِ ؛ قالَ قَتادَةُ: هم أهْلُ الشِرْكِ خاصَّةً؛ ومَن خَصَّصَ مِنَ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ؛ فَلَمْ يُصِبْ؛ إلّا أنَّ السابِقَ مِن حالِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّ الإشارَةَ إلى عَبَدَةِ الأوثانِ؛ لِمُجاوَرَتِهِمْ لَهُ؛ ولَفْظُ الآيَةِ أيْضًا يُشِيرُ إلى المانَوِيَّةِ؛ ويُقالُ: اَلْمانَنِيَّةِ؛ العابِدِينَ لِلنُّورِ؛ القائِلِينَ: إنَّ الخَيْرَ مِن فِعْلِ النُورِ؛ والشَرَّ مِن فِعْلِ الظَلامِ؛ وقَوْلُابْنِ أبْزى: "إنَّ المُرادَ أهْلُ الكِتابِ"؛ بَعِيدٌ.

و"يَعْدِلُونَ"؛ مَعْناهُ: يُسَوُّونَ؛ ويُمَثِّلُونَ؛ وعِدْلُ الشَيْءِ: قَرِينُهُ ومَثِيلُهُ؛ والمانَوِيَّةُ مَجُوسٌ؛ ووَرَدَ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ حَدِيثٌ؛ وهُوَ: « "اَلْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ"؛» ومَعْناهُ الإغْلاظُ عَلَيْهِمْ؛ والذَمُّ لَهم في تَشْبِيهِهِمْ بِالمَجُوسِ؛ ومَوْضِعُ الشَبَهِ هو أنَّ المَجُوسَ تَقُولُ: اَلْأفْعالُ خَيْرُها خَلْقُ النُورِ؛ وشَرُّها خَلْقُ الظُلْمَةِ؛ فَجَعَلُوا خالِقًا غَيْرَ اللهِ ؛ والقَدَرِيَّةُ تَقُولُ: اَلْإنْسانُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ؛ فَجَعَلُوا خالِقًا غَيْرَ اللهِ تَعالى؛ عن قَوْلِهِمْ؛ وذَهَبَ أبُو المَعالِي إلى أنَّ التَشْبِيهَ بِالمَجُوسِ إنَّما هو قَوْلُ القَدَرِيَّةِ: إنَّ الخَيْرَ مِنَ اللهِ ؛ وإنَّ الشَرَّ مِنهُ؛ ولا يُرِيدُهُ؛ وإنَّما قُلْنا في الحَدِيثِ: إنَّهُ تَغْلِيظٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ أنَّهم مِنَ الأُمَّةِ؛ ولَوْ جَعَلَهم مَجُوسًا حَقِيقَةً لَمْ يُضِفْهم إلى الأُمَّةِ؛ وهَذا كُلُّهُ إنْ لَوْ صَحَّ الحَدِيثُ؛ واللهُ المُوَفِّقُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ وغَيْرُهُمْ: اَلْمَعْنى: خَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ؛ والبَشَرُ مِن آدَمَ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ خَلَقَكم مِن طِينٍ ﴾ ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: بَلِ المَعْنى أنَّ النُطْفَةَ الَّتِي يُخْلَقُ مِنها الإنْسانُ أصْلُها مِن طِينٍ؛ ثُمَّ يَقْلِبُها اللهُ نُطْفَةً؛ وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ والزَهْراوِيُّ ؛ والقَوْلُ الأوَّلُ ألْيَقُ بِالشَرِيعَةِ؛ لِأنَّ القَوْلَ الثانِيَ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ بِأنَّ الطِينَ يَرْجِعُ بَعْدَ التَوَلُّدِ والِاسْتِحالاتِ الكَثِيرَةِ نُطْفَةً؛ وذَلِكَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذَيْنِ الأجَلَيْنِ؛ فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: "أجَلًا": أجْلَ الإنْسانِ مِن لَدُنْ وِلادَتِهِ إلى مَوْتِهِ؛ و"اَلْأجَلُ المُسَمّى عِنْدَهُ": مِن وقْتِ مَوْتِهِ إلى حَشْرِهِ؛ ووَصَفَهُ بِـ "مُسَمًّى عِنْدَهُ"؛ لِأنَّهُ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ وقْتِ القِيامَةِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "أجَلًا": اَلدُّنْيا؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": اَلْآخِرَةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "أجَلًا": اَلْآخِرَةَ؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": اَلدُّنْيا؛ بِعَكْسِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "أجَلًا": وفاةَ الإنْسانِ بِالنَوْمِ؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": وفاتُهُ بِالمَوْتِ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلْأجَلُ الأوَّلُ هو في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ عَلى بَنِي آدَمَ؛ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ ؛ وبَقِيَ "أجَلٌ" واحِدٌ مُسَمًّى في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عن فِرْقَةٍ: "أجَلًا": ما عَرَفَ الناسُ مِن آجالِ الأهِلَّةِ؛ والسِنِينِ؛ والكَوائِنِ؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": قِيامُ الساعَةِ؛ وحُكِيَ أيْضًا عن فِرْقَةٍ: "أجَلًا": ما عَرَفْناهُ مِن أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": اَلْآخِرَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَنْبَغِي أنْ تَتَأمَّلَ لَفْظَةَ "قَضى"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَإنَّها تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ فَإنْ جُعِلَتْ بِمَعْنى: "قَدَّرَ"؛ و"كَتَبَ"؛ ورَجَعَتْ إلى سابِقِ عِلْمِهِ وقَدَرِهِ؛ فَنَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ - ولا بُدَّ - قَبْلَ خَلْقِهِ آدَمَ مِن طِينٍ؛ وتُخْرَجُ "ثُمَّ"؛ مِن مَعْهُودِها في تَرْتِيبِ زَمَنَيْ وُقُوعِ القَضِيَّتَيْنِ؛ ويَبْقى لَها تَرْتِيبُ زَمَنَيِ الإخْبارِ عنهُ؛ كَأنَّهُ قالَ: "أخْبَرَكم أنَّهُ خَلَقَكم مِن طِينٍ؛ ثُمَّ أخْبَرَكم أنَّهُ قَضى أجَلًا"؛ وإنْ جُعِلَتْ "قَضى"؛ بِمَعْنى: "أوجَدَ"؛ و"أظْهَرَ"؛ ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى صِفَةِ فِعْلٍ؛ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ قَبْلَ إظْهارِ هَذا الأجَلِ وإبْدائِهِ؛ وتَكُونَ "ثُمَّ"؛ عَلى بابِها؛ في تَرْتِيبِ زَمَنَيْ وُقُوعِ القَضِيَّتَيْنِ.

و ﴿ "تَمْتَرُونَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: تَشُكُّونَ؛ و"اَلْمِرْيَةُ": اَلشَّكُّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "ثُمَّ أنْتُمْ"؛ ﴾ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ؛ في التَوْبِيخِ عَلى سُوءِ الفِعْلِ؛ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن وُضُوحِ الحُجَجِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف لغرض آخر للتعجيب من حال المشركين إذ أنكروا البعث، فإنّه ذكّرهم ابتداء بخلق السماوات والأرض، وعجّب من حالهم في تسويتهم ما لم يخلق السماوات ولا الأرض بالله تعالى في الإلهيّة.

ثم ذكّرهم بخلقهم الأول، وعجّب من حالهم كيف جمعوا بين الاعتراف بأنّ الله هو خالقهم الخلق الأول فكيف يمترون في الخلق الثاني.

وأتي بضمير (هو) في قوله ﴿ هو الذي خلقكم ﴾ ليحصل تعريف المسند والمسند إليه معاً، فتفيد الجملة القصر في ركني الإسناد وفي متعلّقها، أي هو خالقكم لا غيره، من طين لا من غيره، وهو الذي قضى أجلاً وعنده أجل مسمّى فينسحب حكم القصر على المعطوف على المقصور.

والحال الذي اقتضى القصر هو حال إنكارهم البعث لأنّهم لمّا أنكروه وهو الخلق الثاني نزّلوا منزلة من أنكر الخلق الأول إذ لا فرق بين الخلقين بل الإعادة في متعارف الصانعين أيسرُ كما قال تعالى: ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ﴾ [الروم: 27] وقال ﴿ أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خَلق جديد ﴾ [ق: 15].

والقصر أفاد نفي جميع هذه التكوينات عن غير الله من أصنامهم، فهو كقوله: ﴿ الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ﴾ [الروم: 40].

والخطاب في قوله ﴿ خلقكم ﴾ موجّه إلى الذين كفروا، ففيه التفات من الغيبة إلى الخطاب لقصد التوبيخ.

وذكر مادّة ما منه الخلق بقوله: ﴿ من طين ﴾ لإظهار فساد استدلالهم على إنكار الخلق الثاني، لأنّهم استبعدوا أن يعاد خلق الإنسان بعد أن صار تراباً.

وتكرّرت حكاية ذلك عنهم في القرآن، فقد اعترفوا بأنّهم يصيرون تراباً بعد الموت، وهم يعترفون بأنّهم خلقوا من تراب، لأنّ ذلك مقرّر بين الناس في سائر العصور، فاستدلّوا على إنكار البعث بما هو جدير بأن يكون استدلالاً على إمكان البعث، لأنّ مصيرهم إلى تراب يقرّب إعادة خلقهم، إذ صاروا إلى مادة الخلق الأوّل، فلذلك قال الله هنا ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ وقال في آيات الاعتبار بعجيب تكوينه ﴿ إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ﴾ [الإنسان: 2]، وأمثال ذلك.

وهذا القدح في استدلالهم يسمّى في اصطلاح علم الجدل القولَ بالموجَب، والمنبّهُ عليه من خطأ استدلالهم يسمّى فساد الوضع.

ومعنى ﴿ خلقكم من طين ﴾ أنّه خلق أصل النّاس وهو البشر الأوّل من طين، فكان كلّ البشر راجعاً إلى الخلق من الطين، فلذلك قال ﴿ خلقكم من طين ﴾ .

وقال في موضع آخر ﴿ إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ﴾ [الإنسان: 2] أي الإنسان المتناسل من أصل البشر.

و ﴿ ثم ﴾ للترتيب والمهلة عاطفة فعل ﴿ قضى ﴾ على فعل ﴿ خلق ﴾ فهو عطف فعل على فعل وليس عطف جملة على جملة.

والمهلة هنا باعتبار التوزيع، أي خلق كلّ فرد من البشر ثم قضى له أجله، أي استوفاه له، ف ﴿ قضى ﴾ هنا ليس بمعنى (قدّر) لأنّ تقدير الأجل مقارن للخلق أو سابق له وليس متأخّراً عنه ولكن ﴿ قضى ﴾ هنا بمعنى (أوفى) أجل كلّ مخلوق كقوله: ﴿ فلمّا قضينا عليه الموت ﴾ [سبأ: 14]، أي أمتناه.

ولك أن تجعل (ثم) للتراخي الرتبي.

وإنّما اختير هنا ما يدلّ على تنهية أجل كلّ مخلوق من طين دون أن يقال: إلى أجل، لأنّ دلالة تنهية الأجل على إمكان الخلق الثاني، وهو البعث، أوضح من دلالة تقدير الأجل، لأنّ التقدير خفي والذي يعرفه الناس هو انتهاء أجل الحياة، ولأنّ انتهاء أجل الحياة مقدمة للحياة الثانية.

وجملة ﴿ وأجل مسمّى عنده ﴾ معترضة بين جملة ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ .

وجملة ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ .

وفائدة هذا الاعتراض إعلام الخلق بأنّ الله عالم آجال الناس ردّاً على قول المشركين ﴿ ما يهلكنا إلاّ الدهر ﴾ [الجاثية: 24].

وقد خولفت كثرة الاستعمال في تقديم الخبر الظرف على كلّ مبتدأ نكرة موصوفة، نحو قوله تعالى: ﴿ ولي نعجة واحدة ﴾ [ص: 23]، حتّى قال صاحب «الكشاف»: إنّه الكلام السائر، فلم يقدّم الظرف في هذه الآية لإظهار الاهتمام بالمسند إليه حيث خولف الاستعمال الغالب من تأخيره فصار بهذا التقديم تنكيره مفيداً لمعنى التعظيم، أي وأجل عظيم مسمّى عنده.

ومعنى: ﴿ مسمّى ﴾ معيّن، لأنّ أصل السمة العلامة التي يتعيّن بها المعلّم.

والتعيين هنا تعيين الحدّ والوقت.

والعندية في قوله: ﴿ عنده ﴾ عندية العلم، أي معلوم له دون غيره.

فالمراد بقوله: ﴿ وأجل مسمّى ﴾ أجل بعث الناس إلى الحشر، فإنّ إعادة النّكرة بعد نكرة يفيد أنّ الثانيّة غير الأولى، فصار: المعنى ثم قضى لكم أجلين: أجلاً تعرفون مدّته بموت صاحبه، وأجلاً معيّن المدّة في علم الله.

فالمراد بالأجل الأول عمر كلّ إنسان، فإنّه يعلمه الناس عند موت صاحبه، فيقولون: عاش كذا وكذا سنة، وهو وإن كان علمه لا يتحقّق إلاّ عند انتهائه فما هو إلاّ علم حاصل لكثير من النّاس بالمقايسة.

والأجل المعلوم وإن كان قد انتهى فإنّه في الأصل أجل ممتدّ.

والمراد بالأجل الثاني ما بين موت كلّ أحد وبين يوم البعث الذي يبعث فيه جميع الناس، فإنَّه لا يعلمه في الدنيا أحد ولا يعلمونه يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلاّ ساعة من النهار يتعارفون بينهم ﴾ [يونس: 45]، وقال: ﴿ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ﴾ [الروم: 55].

وقوله: ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ عطفت على جملة: ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ ، فحرف ﴿ ثم ﴾ للتراخي الرتبي كغالب وقوعها في عطف الجمل لانتقال من خبر إلى أعجب منه، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون ﴾ [الأنعام: 1]، أي فالتعجيب حقيق ممّن يمترون في أمر البعث مع علمهم بالخلق الأول وبالموت.

والمخاطب بقوله: ﴿ أنتم تمترُون ﴾ هم المشركون.

وجيء بالمسند إليه ضميراً بارزاً للتوبيخ.

والامتراء: الشكّ والتردّد في الأمر، وهو بوزن الافتعال، مشتقّ من المرية بكسر الميم اسم للشكّ، ولم يرد فعله إلاّ بزيادة التاء، ولم يسمع له فعل مجرّد.

وحذف متعلّق ﴿ تمترون ﴾ لظهوره من المقام، أي تمترون في إمكان البعث وإعادة الخلق.

والذي دلّ على أنّ هذا هو المماري فيه قوله: ﴿ خَلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمّى عنده ﴾ إذ لولا قصد التذكير بدليل إمكان البعث لما كان لذكر الخلق من الطين وذكر الأجل الأول والأجل الثاني مُرجّح للتخصيص بالذكر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الأنْعامِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ مِنها نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: إحْداهُما: ﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ  ﴾ نَزَلَتْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّيْنِ، والأُخْرى ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ  ﴾ نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِماسٍ.

وَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وقِيلَ: شَيَّعَ هَذِهِ السُّورَةَ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ.

﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ الآيَةَ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: فاتِحَةُ التَّوْراةِ فاتِحَةُ الأنْعامِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ ، وخاتِمَةُ التَّوْراةِ خاتِمَةُ هُودٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ جاءَ عَلى صِيغَةِ الخَبَرِ وفِيهِ مَعْنى الأمْرِ، وذَلِكَ أوْلى مِن أنْ يَجِيءَ بِلَفْظِ الأمْرِ فَيَقُولُ احْمَدِ اللَّهَ، لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَعْلِيمَ اللَّفْظِ والمَعْنى، وفي الأمْرِ المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ.

والثّانِي: أنَّ البُرْهانَ إنَّما يَشْهَدُ بِمَعْنى الخَبَرِ دُونَ الأمْرِ.

﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ لِأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ نِعَمٌ تَسْتَوْجِبُ الحَمْدَ، لِأنَّ الأرْضَ تَقِلُّ، والسَّماءَ تَظِلُّ، وهي مِن أوائِلِ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ، ولِذَلِكَ اسْتَحْمَدَ بِخَلْقِها وأضافَ خَلْقَها إلى نَفْسِهِ عِنْدَ حَمْدِهِ، عَلى أنَّ مُسْتَحِقَّ الحَمْدِ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، لِيَكُونَ بِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ مُنْفَرِدًا لِانْفِرادِهِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ.

وَفي جَمْعِ السَّماواتِ وتَوْحِيدِ الأرْضِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ السَّماواتِ أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ، والجَمْعُ أبْلَغُ في التَّفْخِيمِ مِنَ التَّوْحِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ  ﴾ .

والثّانِي: لِأنَّ أوامِرَهُ إلى الأرْضِ تَخْتَرِقُ جَمِيعَ السَّماواتِ السَّبْعِ.

وَفي تَقْدِيمِ السَّماواتِ عَلى الأرْضِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِتَقَدُّمِ خَلْقِها عَلى الأرْضِ.

والثّانِي: لِشَرَفِها فَقَدَّمَها عَلى ذِكْرِ الأرْضِ وإنْ كانَتْ مَخْلُوقَةً بَعْدَ الأرْضِ.

وَهَذانِ الوَجْهانِ مِنِ اخْتِلافِ العُلَماءِ أيُّهُما خُلِقَ أوَّلًا.

﴿ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ﴾ يَعْنِي وخَلَقَ، فَغايَرَ بَيْنَ اللَّفْظِ لِيَكُونَ أحْسَنَ في النُّظُمِ، والمُرادُ بِالظُّلُماتِ والنُّورِ هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وهو المَشْهُورُ مِن قَوْلِ قَتادَةَ، قَدَّمَ الظُّلْمَةَ عَلى النُّورِ لِأنَّهُ قَدَّمَ خَلْقَ الظُّلْمَةِ عَلى خَلْقِ النُّورِ، وجَمَعَ الظُّلُماتِ ووَحَّدَ النُّورَ لِأنَّ الظُّلُماتِ أعَمُّ مِنَ النُّورِ.

والثّانِي: أنَّ الظُّلُماتِ: اللَّيْلُ، والنُّورَ: النَّهارُ.

والثّالِثُ: أنَّ الظُّلُماتِ: الكَفْرُ، والنُّورَ: الإيمانُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَلِأصْحابِ الخَواطِرِ، فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ أُخَرُ: أحَدُها: أنَّ الظُّلُماتِ: الأجْسامُ، والنُّورَ: الأرْواحُ.

الثّانِي: أنَّ الظُّلُماتِ: أعْمالُ الأبْدانِ، والنُّورَ: ضَمائِرُ القُلُوبِ.

والثّالِثُ: أنَّ الظُّلُماتِ: الجَهْلُ، والنُّورَ: العِلْمُ.

﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ مَعَ هَذِهِ النَّعَمِ عِدْلًا، يَعْنِي مِثْلًا.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يَعْدِلُونَ بِهِ الأصْنامَ الَّتِي يَعْبُدُونَها.

والثّانِي: أنَّهم يَعْدِلُونَ بِهِ إلَهًا غَيْرَهُ لَمْ يَخْلُقْ مِثْلَ خَلْقِهِ.

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ في هَذَيْنِ الأجَلَيْنِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ الَّذِي قَضاهُ أجَلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ، والأجَلُ الثّانِي المُسَمّى عِنْدَهُ أجَلُ المَوْتِ إلى البَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ الَّذِي قَضاهُ أجَلُ الدُّنْيا، والأجَلُ الثّانِي المُسَمّى عَنْهُ ابْتِداءُ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ الَّذِي قَضاهُ هو حِينَ أخَذَ المِيثاقَ عَلى خَلْقِهِ في ظَهْرِ آدَمَ، والأجَلُ الثّانِي المُسَمّى عِنْدَهُ الحَياةُ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّ الأجَلَ الَّذِي قَضاهُ أجَلُ مَن ماتَ، والأجَلُ المُسَمّى عِنْدَهُ أجَلُ مَن يَمُوتُ بَعْدُ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ تَمْتَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَشُكُّونَ، والِامْتِراءُ: الشَّكُّ.

والثّانِي: تَخْتَلِفُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ المِراءِ وهو الِاخْتِلافُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى الكَلامِ وهو اللَّهُ المُدَبِّرُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ.

﴿ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ ﴾ أيْ ما تُخْفُونَ، وما تُعْلِنُونَ.

والثّانِي: وهو اللَّهُ المَعْبُودُ في السَّماواتِ، وفي الأرْضِ.

والثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وتَقْدِيرُهُ: وهو اللَّهُ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، لِأنَّ في السَّماواتِ المَلائِكَةَ، وفي الأرْضِ الإنْسُ والجِنُّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ أيْ ما تَعْلَمُونَ مِن بَعْدُ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ ما كانَ مِنكم، ولا ما سَيَكُونُ، ولا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الحالِ مِن سِرٍّ، وجَهْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ يعني آدم ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ يعني أجل الموت ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ أجل الساعة والوقوف عند الله.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ قال: أجل الدنيا.

وفي لفظ: أجل موته ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ قال: الآخرة لا يعلمه إلا الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ قضى أجلاً ﴾ قال: هو النوم، يقبض الله فيه الروح ثم يرجع إلى صاحبه حين اليقظة ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ قال: هو أجل موت الإِنسان.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ قال: هذا بدء الخلق، خلق آدم من طين ﴿ ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ﴾ [ السجدة: 8] ﴿ ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ﴾ يقول: أجل حياتك إلى يوم تموت، وأجل موتك إلى يوم البعث ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ قال: تشكون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ قال: أجل الدنيا الموت ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ قال: الآخره البعث.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ قضى أجلاً ﴾ قالا: أجل الدنيا منذ خلقت إلى أن تموت ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ قال: يوم القيامه.

وأخرج أبو الشيخ عن يونس بن يزيد الأيلي ﴿ قضى أجلاً ﴾ قال: ما خلق في ستة أيام ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ قال: ما كان بعد ذلك إلى القيامة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ قال: تشكون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن معدان في قوله: ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ يقول: في البعث.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ﴾ يقول: ما يأتيهم من شيء من كتاب الله إلا أعرضوا عنه.

وفي قوله: ﴿ فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ﴾ يقول: سيأتيهم يوم القيامة أنباء ما استهزأوا به من كتاب الله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ﴾ ، قال ابن عباس (١) ﴿ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ ، يعني أجل الحياة إلى الموت وأجل الموت إلى البعث وقيام الساعة)، وهو قول الحسن (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا ﴾ ، قال: يريد: من مولده إلى مماته، ﴿ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ : يريد: من الممات إلى المبعث، لا يعلم ميقاته أحد سواه.

وقال: وذلك أن الله تعالى قضى لكل نفس أجلين من مولده إلى موته ومن موته إلى مبعثه، فإذا كان الرجل صالحًا واصلًا لرحمه، زاد الله في أجل الحياة من أجل الممات إلى المبعث، وإذا كان غير صالح ولا واصل نقصه الله من أجل الحياة وزاد في [أجل] (٨) ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾ (٩) وقال أهل المعاني: (في قوله: ﴿ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا ﴾ : يجوز أن يكون الحكم بهذا الأجل كان بعد خلق آدم، ويجوز أن يكون قبله لسبق علمه (١٠) ﴿ ثُمَّ ﴾ لسبق الخبر الثاني على الخبر الأول، كقول الشاعر (١١) قلْ لمنْ سادَ ثم سادَ أبُوهُ ...

ثُمَّ قد سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ والجد سابق للأب، والأب سابق للممدوح) (١٢) وقوله: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ أي: بعد هذا البيان تشكون يا معشر المشركين وتكذبون بالبعث.

والمرية (١٣) (١٤) (١) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 57/ أ -بسند جيد- قال: (وروي عن مجاهد والسدي والضحاك وقتادة مثل ذلك) ا.

هـ.

وهذا هو قول الجمهور، ورجحه ابن عطية 5/ 124، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 387، وانظر "تفسير الطبري" 7/ 146، والسمرقندي 1/ 473.

(٢) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 203، والطبري في "تفسيره" 7/ 146، بسند ضعيف.

(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 7، وابن الجوزي 3/ 3.

(٤) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 203، والطبري في "تفسيره" 7/ 146، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1262، من طرق جيدة.

(٥) أخرجه الطبري 7/ 146 بسند لا بأس به.

(٦) "تفسير مقاتل" 1/ 549.

(٧) "معاني الزجاج" 2/ 228، واختاره الطبري في "تفسيره" 7/ 147، وقال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 14/ 489: (قوله: ﴿ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا ﴾ : الأجل الأول وهو أجل كل عبد الذي ينقضي به عمره.

والأجل المسمى عنده هو أجل القيامة العامة) ا.

هـ.

(٨) لفظ: (أجل) ساقط من (أ).

(٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 7، والبغوي في "تفسيره" 3/ 127، و"الخازن" 2/ 118، و"البحر المحيط" 4/ 71، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 147، وابن أبي حاتم 4/ 1262، بسند جيد عنه قال: ( ﴿ قَضَى أَجَلًا ﴾ يعني: أجل الموت، والأجل المسمى: أجل الساعة والوقوف عند الله) ا.

هـ.

وأخرج الحاكم في "المستدرك" 2/ 315 عنه في الآية قال: (هما أجلان: أجل في الدنيا، وأجل في الآخرة، مسمى عنده لا يعلمه إلا هو).

قال الحاكم: (حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) ا.

هـ.

ووافقه الذهبي في "التلخيص".

(١٠) قال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 14/ 490 - 492 في الآية: (إن الله يكتب للعبد أجلا في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب، والمحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا هو فيه ولا إثبات) ا.

هـ ملخصًا.

(١١) الشاهد لأبي نواس في "ديوانه" ص 222.

وبلا نسبة في "رصف المباني" ص 250، و"الدر المصون" 3/ 220، و"المغني" لابن هشام 1/ 117، و"تفسير ابن كثير" 2/ 139، وفي الديوان: قلْ لمنْ سادَ ثم سادَ أبُوهُ ...

قبله ثم قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ قال السمين عن الشاهد: (الترتيب يعود إلى الخبر لا إلى الوجود).

وحكى ابن هشام: (أن الجد أتاه السؤدد من قبل الأب، والأب من قبل الابن) ا.

هـ وظاهر كلام ابن القيم في "مختصر الصواعق" 2/ 130: أن البيت لشاعر لا يحتج به.

وقال في ص 129 (القول بأن (ثم) تأتي لترتيب الخبر لا لترتيب المخبر، فيجوز أن يكون ما بعدها سابقًا على ما قبلها في الوجود وإن تأخر عنه في الإخبار لا يثبت ولا يصح به نقل، ولم يأت في كلام فصيح، ولو قدر وروده فهو نادر، لا يكون قياسًا مطردًا تترك الحقيقة لأجله).

(١٢) انظر: "إعراب النحاس" 1/ 535، وقال ابن فارس في "الصاحبي" ص 216: (قوله جل ثناؤه: ﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا ﴾ وقد كان قضى الأجل، فمعناه أخبركم أني خلقته من طين، ثم أخبرك أني قضيت الأجل، كما تقول: كلمتك اليوم ثم قد كلمتك أمس، أي: أني أخبرك بذلك ثم أخبرك بهذا) ا.

هـ.

(١٣) المرية والامتراء: الشك في الأمر، وقال الراغب في "المفردات" ص 766: (المرية: التردد في الأمر وهو أخص من الشك، والامتراء والمماراة: المحاجّة فيما فيه مرية) ا.

هـ وانظر: "العين" 8/ 295، و"الجمهرة" 2/ 806، و"تهذيب اللغة" 4/ 3384، و"الصحاح" 6/ 2491، و"المجمل" 3/ 828، و"مقاييس اللغة" 5/ 314، و"اللسان" 8/ 4189 (مرى).

(١٤) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 147، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 473، والماوردي 2/ 93.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

قال كعب: أول الأنعام هو أول التوراة ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور ﴾ جعل هنا بمعنى خلق، والظلمات: الليل، والنور النهار، والضوء الذي في الشمس والقمر وغيرهما، وإنما أفرد النور لأنه أراد الجنس، وفي الآية رد على المجوس في عبادتهم للنار وغيرها من الأنوار، وقولهم: إن الخير من النور والشر من الظلمة؛ فإن المخلوق لا يكون إلهاً ولا فاعلاً لشيء من الحوادث ﴿ ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ أي يسوون ويمثلون من قولك: عدلت فلاناً بفلان، إذا جعلته نظيره وقرينه.

ودخلت ثم لتدل على استبعاد أن يعدلوا بربهم بعد وضوح آياته في خلق السموات والأرض، والظلمات والنور وكذلك قوله: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ استبعاد لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه أحياهم وأماتهم، وفي ضمن ذلك تعجيب من فعلهم وتوبيخ لهم ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ هنا عام في كل مشرك.

وقد يختص بالمجوس بدليل الظلمات والنور، وبعبدة الأصنام، لأنهم المجاورون للنبي صلى الله عليه وسلم، وعليهم يقع الردّ في أكثر القرآن ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ﴾ أي خلق أباكم آدم من طين ﴿ ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ﴾ الأجل الأول الموت، والثاني يوم القيامة وجعله عنده: لأنه استأثر بعلمه، وقيل: الأوّل النوم، والثاني: الموت، ودخلت ثم هنا لترتيب الأخبار، لا لترتيب الوقوع، لأن القضاء متقدم على الخلق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وأنشأنا ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف.

﴿ ولقد استهزىء ﴾ وبابه بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم، وقرأ يزيد والشموني وحمزة في الوقف بغير همز الباقون بغير همز مطلقاً ﴿ فحاق ﴾ بالإمالة حيث كان حمزة.

الوقوف: ﴿ والنور ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ أجلاً ﴾ ط ﴿ تمترون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض ﴾ ج وقيل: لا وقف ليصير التقدير وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض وفيه بعد، بل المعنى وهو المستحق للعبودية في أهل السموات وأهل الأرض.

﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ مدراراً ﴾ ص لعطف المتفقين ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ عليه ملك ﴾ ط ﴿ لا ينظرون ﴾ ه ﴿ يلبسون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس أن رسول الله  قال "نزلت الأنعام جملة واحدة وتنزلت، معها من الملائكة سبعون ألف ملك فملؤا ما بين الأخشبين" فدعا رسول الله  الكتاب فكتبوها من ليلتهم سوى آيات معدودات.

وعن أنس أن رسول الله  قال "لقد بعث إليّ بها جبريل مع خمسين ملكاً أو خمسين ألف ملك تحفها حتى أقروها في صدري كما يقرّ الماء في الحوض ولقد أعزني الله  وإياكم بها عزاً لا يذلنا بعدها أبداً فيها دحض حجج المشركين ووعد من الله لا يخلفه" ولاشتمال هذه السورة على دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد ولنزولها جملة ذهب علماء الكلام إلى أن علم الأصول مع جلالة قدره يجب تعلمه على الفور لا على التراخي بخلاف الأحكام فإنها نزلت كفاء المصالح وبحسب الحوادث والنوازل.

وأعلم أن قوله ﴿ الحمد لله ﴾ مذكور في أوائل سور خمس واختص كل منها بصفة، لكن أعمها صدر فاتحة الكتاب ﴿ الحمد لله رب العالمين  ﴾ فإن العالم كل موجود سوى الله  فكان سائر السور تفاصيل لهذه الجملة.

أثنى الله  على نفسه بقوله ﴿ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ﴾ والثناء على النفس قبيح في الشاهد ففيه دليل على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق، فكما أنه واحد في ذاته فهو واحد في صفاته وأفعاله لا اعتراض لأحد عليه.

والتحقيق فيه أن استحقاق المدح بحسب الفضيلة والكمال ولا يوجد في الممكن صفة كمال إلا وهي مشوبة بالنقص والاختلال أدناه الأفول في أفق الإمكان بخلاف واجب الوجود فإنه لا غاية لكماله ولا نهاية لعظمته وجلاله.

فلا ينبغي أن يمدح إلا هو، ولا أن يثنى إلا عليه، ولا أن يشكر ويحمد إلا له.

ثم الأوصاف الجارية عليه  إنما تذكر زيادة في المدح لا لأجل التوضيح والكشف.

أساميا لم تزده معرفة *** وإنما لذة ذكرناها وقد تقدم في الأسماء أن معنى الخلق راجع إلى التقدير والتقدير عائد إلى العلم، فالمراد أنه أوجد السموات والأرض على حسب علمه الأزلي.

قال بعض العلماء: السماء كالدائرة والأرض كالمركز، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية لها فلهذا ذكر السماء قبل الأرض مع أن ظاهر التنزيل يدل على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء.

وجمع السموات حقيقة وكذا إفراد الأرض، وقد تجمع الأرض باعتبار الطبقات وسوف يجيء تقرير ذلك في قوله ﴿ ومن الأرض مثلهن  ﴾ والمقصود من هذا الوصف إلزام المشركين، وأن تخصيص حجم الفلك بمقدار معين وتخصيص كل من أجزائه بحيز معين وتخصيص الفلك بالحركة والأرض بالسكون مع اشتراكهما في الطبيعة الجسمية، وتخصيص كل حركة بحد معين من السرعة والبطء وبجهة معينة دلائل ظاهرة على وجود فاعل مختار واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله.

وأيضاً إن لحركة كل فلك أوّلاً لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة فتقتضي المسبوقية بالغير، وعدم الأولية ينافي المسبوقية بالغير والجمع بينهما محال.

وإذا ثبت أن لكل حركة أوّلاً فاختصاص ابتداء حدوثه بوقت معين يدل على الفاعل المختار وكذا اتصاف بعض الأجسام بالفلكية وبعضها بالعنصرية مع تساوي الكل في تمام الماهية.

وأيضاً إن خارج العالم الجسماني خلاء لا نهاية له كما ثبت في الكلام، فحصول هذا العالم في حيزه الذي حصل فيه دون سائر الأحياز أمر ممكن يحتاج إلى مرجح قادر مختار حكيم يفعل ما يشاء كما يشاء.

هذا إذا نظرنا في ذوات هذه الأجرام، أما إن اعتبرنا منافعها وكيفية تأثير الأثيريات وهي - الآباء - في العنصريات - وهي الأمهات - لتحصيل المواليد الثلاثة: المعادن والنباتات والحيوانات، ارتقينا من ذلك أيضاً إلى وجود صانع قدير وحكيم خبير رتبته أعلى وأجل من رتب الممكنات.

أما قوله ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ فمعناه أحدث وأنشأ، ولهذا اقتصر على مفعول واحد، ولو كان بمعنى "صير" اقتضى مفعولين.

وإنما لم يقل "وخلق" لأنه أراد التضمين أعني إنشاء شيء من شيء كقوله ﴿ وخلق منها زوجها  ﴾ فالنور والظلمة لما تعاقبا صار كأن كل واحد منهما تولد من الآخر.

وقيل: لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور من النار، ولهذا جمع الظلمات إذ لكل حرم ظل والظل ظلمة.

ووحد النور لأن النار واحد وهو منها، والظلمة والنور ههنا هما الأمران المحسوسان بالبصر، لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة والقرينة ذكر السموات والأرض.

وعن ابن عباس أن الظلمة ظلمة الشرك والنفاق، والنور نور الإسلام واليقين، وعلى الأوّل فإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية، ثم إنها تقبل التناقص قليلاً وتلك المراتب كثيرة، أو لأنه قصد بالنور الجنس.

وعلى الثاني فذلك لأن الحق واحد والباطل أكثر من أن يحصى.

وإنما قدمت الظلمة على النور لأن عدم المحدثات سابق على وجودها، والظلمة عدمية عند من يجعلها عدم النور أو شبيهة بالعدم عند من يجعلها هيئة مضادة للنور.

وقد ورد في الأخبار أن الله  خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.وقوله: ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ معطوف على قوله: ﴿ الحمد لله ﴾ والمعنى أنه حقيق بالحمد على ما خلق ثم الذين كفروا يعدلون عن طريق الإنصاف فيكفرون بربهم، أو على ﴿ خلق السموات ﴾ معناه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون أي يسوّون به ما لا يقدر على شيء من ذلك.

فعلى المعنى الأول يعدلون من العدول، وعلى الثاني هو من العدل.

ومعنى "ثم" ههنا وفي قوله ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ تراخي الرتبة واستبعاد مضموني الجملتين أحدهما عن الآخر.

ثم ذكر دليلاً آخر على إثبات الصانع وعلى صحة المعاد الجسماني فقال ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ أي من آدم لأنه مخلوق من الطين، أو خلقكم من النطفة المتولدة من الأغذية المنتهية إلى العناصر، ولا ريب أن خلق الأغذية المتنوعة من العناصر المتشابهة الأجزاء، ثم توليد النطفة المتشابهة الأجزاء من تلك الأغذية المختلفة، ثم تخليق الأعضاء المختلفة في الصفة والصور واللون والشكل كالقلب والدماغ والكبد والعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها من المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ومدبر رحيم.

ثم إن تلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادراً على إعادتها وإعادة الحياة فيها وذلك يدل على صحة القول بالمعاد.

أما قوله ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ فاعلم أن لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم والأمر ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه  ﴾ وبمعنى الخبر والإعلام ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل  ﴾ وبمعنى صفة الفعل إذا تم ﴿ فقضاهن سبع سموات  ﴾ ومنه قولك: قضى فلان حاجة فلان.

والأنسب ههنا هو الأول.

والأجل في اللغة بمعنى الوقت المضروب لانقضاء الأمد.

وأصله من التأخير ومنه الآجل نقيض العاجل.

ثم إن صريح الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان.

فقال أبو مسلم: الأول آجال الماضين لأنهم لما ماتوا صارت آجالهم معلومة، والثاني آجال الباقين لأنها غير معلومة بعد وإنما هي مسماة عند الله  .

وقيل: الأول أجل الموت، والثاني أجل القيامة لأنه لا آخر له ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا الأجل إلا الله  .

وقيل: الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ.

وقيل: الأول النوم، والثاني الموت.

وقيل: الأول مقدار ما انقضى من عمل كل أحد، والثاني ما بقي من عمره.

وقال حكماء الإسلام: الأول الأجل الطبيعي الذي يمكن بالنسبة إلى المزاج الأول لكل شخص لو بقي مصوناً عن الآفات الخارجية، والثاني الأجل الاخترامي الذي يحصل بسبب من الأسباب الخارجية كالغرق والحرق والقتل واللدغ وغيرها من الأمور المنفصلة.

ومعنى ﴿ مسمى ﴾ أي مذكور اسمه في اللوح المحفوظ.

ومعنى ﴿ عنده ﴾ أي في حكمه وعلمه كما تقول: هذه المسألة عند الشافعي كذا وعند أبي حنيفة كذا.

وارتفع ﴿ أجل ﴾ بالابتداء وجاز ذلك مع تنكيره لمكان وصفه فقارب المعرفة.

وإنما لم يقل "وعنده أجل مسمى" تعظيماً لشأن هذا الأجل فكأنه قيل: وأي أجل مسمى عنده؟

والمرية والامتراء الشك.

ومعنى "ثم" تبعيد الامتراء عن مثل هذه الحجة الباهرة الموجبة للتيقن في أمر المبدأ والمعاد، ثم قرر أنه  عالم بجميع المعلومات ردّاً على من زعم أنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو فقال ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض ﴾ وزعمت المجسمة بهذا وبنحو قوله ﴿ أم أمنتم من في السماء  ﴾ أنه  مستقر في السماء قالوا: ويؤكده وقف بعض القراء على السموات والابتداء بقوله ﴿ وفي الأرض يعلم سركم ﴾ أي يعلم سرائركم الموجودة في الأرض.

ولو سلم أن لا وقف فالإجماع حاصل على أنه ليس موجوداً في الأرض، ولا يلزم من ترك العلم بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر من دليل.

ونوقض بأنه  قال في مواضع ﴿ لله ما في السموات  ﴾ فلو كان هو في السماء لزم أن يكون مالكاً لنفسه، ولا يخفى ضعف هذا النقض لأنه مخصوص بالقرينة كقوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير  ﴾ وبأنه إما أن يراد كونه في سماء واحدة وهو ترك الظاهر، أو في جميع السموات وهو يقتضي كونه ذا أجزاء أو حصول المتحيز الواحد في مكانين وكلاهما محال.

والحق أنه لا يلزم من استصحاب المكان الافتقار إليه ولا التجسيم والتجزئة وهو دقيق يفهمه من وفق له، وبأنه لو كان موجوداً في السموات لكان محدوداً متناهياً فيكون قابلاً للزيادة والنقصان، فيكون اختصاصه بمقدار معين لمخصص فيكون محدثاً.

ويرد عليه أنه لم لا يجوز أن يكون في السموات وفوقها إلى ما لا يتناهى لا سيما عند من يقول إن وراء هذا العالم خلاء غير متناه، وبأنه لو كان في السموات فإن لم يقدر عل عالم آخر فوقها لزم تعجيزه، وإن قدر فلو فعل لحصل تحت ذلك العالم والقوم ينكرون كونه تحت العالم، والاعتراض أنه لا يلزم من القدرة الإيجاد، وقال غير المجسمة: المراد وهو الله في تدبير السموات والأرض كما يقال: فلان في أمر كذا أي في تدبيره وإصلاحه.

وعلى هذا يكون ﴿ في السموات ﴾ خبراً بعد خبر، ويوقف على اسم الله ثم يبتدأ بما بعد ذلك ويكون المعنى أنه يعلم في السموات والأرض سرائر الملائكة والإنس والجن، أو المراد وهو المعبود فيهما، أو المعروف بالإلهية أو المتوحد بها، أو هو الذي يقال له الله فيهما لا شريك له في هذا الإسم.

والسر من صفات القلوب وهي الدواعي والصوارف، والجهر من أعمال الجوارح، ولأن الأول مقدم على الثاني طبعاً فلا جرم قدم عليه وضعاً.

والجملة أعني قوله ﴿ يعلم سركم وجهركم ﴾ مقررة لما قبلها أو خبر ثالث أو كلام مبتدأ.

﴿ ويعلم ما تكسبون ﴾ الكسب أخص من الأعمال السرية والجهرية لأنه الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو اندفاع ضر ولهذا لا يوصف فعل الله  بأنه كسب.

وإفراد الأخص بالذكر بعد الأعم للتقرير والتأكيد، أو لكونه أهم حسن لا يلزم منه عطف الشيء على نفسه.

والمراد أنه عالم بما يستحقه الإنسان على أفعاله من ثواب أو عقاب.

ثم لما فرغ من دلائل التوحيد والمعاد شرع في النبوات فرتب أحوال الكفار مع الأنبياء في ثلاث مراتب: الأولى كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل وذلك قوله ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم ﴾ "من" الأولى للاستغراق والثانية للتبعيض.

والمراد وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار إلا وهم على حالة الإعراض لقلة تدبرهم وفرط غفلتهم.

الثانية: كونهم مكذبين وهذه شر مما قبلها لأن الإعراض قد يكون للغفلة لا للتكذيب وإذا كذب فقد أعرض وزاد.

قال علماء المعاني: ههنا حذف كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وهو الحق.

قال أنس: هو انشقاق القمر بمكة انفلق فلقتين فذهبت فلقة وبقيت فلقة.

وقيل: هو القرآن الذي تحدّوا به فعجزوا عنه.

وقيل: محمد  .

وقيل شرعه.

وقيل: وعده ووعيده وتبشيره وإنذاره.

والأولى الحمل على الكل.

المرتبة الثالثة: كونهم مستهزئين لأن التكذيب إذا انضم معه الاستهزاء كان غاية في الغواية وذلك قوله ﴿ فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا ﴾ أي أخبار الشيء الذي كانوا ﴿ به يستهزؤن ﴾ وهو القرآن وغيره من المعجزات.

وليس المراد نفس الأنباء بل العذاب الذي أنبأ الله  به كقوله ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين  ﴾ والحكيم إذا توعد فربما قال: ستعرف نبأ هذا إذا نزل بك ما تحذره.

وذلك أن الغرض من الخبر حصول العلم بالمخبر عنه وذلك إنما يتحقق بعد المعاينة.

ومعنى الآية سيعلمون بأي شيء استهزؤا وأنه لم يكن موضع استهزاء وذلك عند نزول العقاب بهم في الدنيا كيوم بدر وغيره أو في الآخرة.

ثم لما زجرهم عن الإعراض والتكذيب والاستهزاء وأوعدهم على ذلك عاد إلى الموعظة والنصيحة بتذكير أحوال الأمم الماضية والقرون الخالية.

والقرن القوم المقترنون في زمان من الدهر المفترقون بعد ذلك بالموت وذلك الزمان في الأغلب ستون سنة.

وقيل: سبعون.

وقيل: ثمانون.

والأقرب أنه غير مقدر بزمان لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، ولكنه إذا انقضى الأكثر من أهل كل عصر فقد انقضى القرن.

وليس المراد أن يصدّق الكفار محمداً في هذه الأخبار لانهم بصدد التكذيب فسيكذبونه فيها أيضاً، وإنما المراد أن ما يختص بالمتقدمين منهم مشهور بين الناس فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا تلك الحكايات ومجرّد سماعها يكفي في الاعتبار.

ثم وصف تلك القرون بثلاثة أوصاف: الأول: تمكينهم في الأرض.

مكن له في الأرض جعل له مكاناً، ومكنه فيها أثبته، وهما متقاربان ولهذا جمع بينهما في الآية.

والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما آتينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال وأسباب الدنيا.

الثاني: إرسال السماء عليهم مدراراً يعني الغيث أو السحاب أو الخضراء، لأن المطر ينزل من ذلك الصوب والمدرار كثير الدرّدرّ اللين إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير.

ومدراراً نعت المطر ويقال أيضاً سحاب مدراراً إذا تتابع أمطاره.

ومفعال من أبنية المبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث.

الثالث ﴿ وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ﴾ أي من تحت أمكنتهم والمراد أنهم أصحاب البساتين والقصور والمنتزهات.

فإن قيل: الهلاك غير مختص بهم وإنما يجري ذلك على الأنبياء والمؤمنين أيضاً، قلنا: لدفع هذا الإشكال كرر فقال ﴿ فأهلكناهم بذنوبهم ﴾ فإن الإهلاك بسبب المعاصي والآثام لا يكون إلا بالعذاب والإيلام.

ثم نبه بقوله ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ﴾ على كمال عزته واستغنائه ونهاية قدرته واستعلائه كقوله ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ فالبلاد بلاده والعباد عباده بيده التخريب والتعمير وإليه الإعدام والإيجاد.

ثم ان الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف متعددة.

منهم من بالغ في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها على وفق هواه ومناه لا على قانون الخير والعدل فمنعه ذلك عن التزام التكاليف وهو المذكور في الآية، وفيه أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب الكفر باقٍ، وليس من العقل تحمل العقاب الدائم لأجل اللذات الفانية.

ومنهم من حملته العصبية والعناد على تكذيب معجزات الأنبياء وجعلها من قبيل السخر الذي لا أصل له وهم الذين عنوا بقوله ﴿ ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس ﴾ والمعنى أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة فرأوه ولمسوه وشاهدوه عياناً لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر.

وههنا سؤال وهو أن نزول الكتاب من السماء جملة إن لم يكن باب المعجزات لم يكن إنكاره منكراً، وإن كان من قبيل الإعجاز فالملك يقدر على إنزاله من السماء وقبل الإيمان بصدق الرسل لم تكن عصمة الملائكة معلومة، وحينئذ يجوز أن يكون نزول ذلك من قبل بعض الجن والشياطين، أو من بعض الملائكة الذين لم تثبت عصمتهم فلا يكون دليلاً على الصدق.

وأجيب بأن المقصود من الآية ليس بيان الإعجاز، ولكن المراد أنهم إذا لمسوه بأيديهم يقوى الإدراك البصري بالإدراك اللمسي وبلغ الغاية في القوة والظهور.

ثم إن هؤلاء يبقون شاكين في أن ذلك الذي رأوه ولمسوه هل هو موجود أم لا، وذلك يدل على أنهم بلغوا في الجهالة إلى حد السفسطة.

قال القاضي: في الآية دليل على وجوب اللطف لأنه بيَّن أنه إنما لم ينزل هذا الكتاب من حيث إنه لو أنزله لقالوا هذا القول فيفهم منه أنهم لو قبلوه وآمنوا به لأنزله لا محالة، وزيف بأن المفهوم ليس بحجة، ولو سلم فوقوع اللطف لا يدل على وجوبه.

ومن الكفرة من قابل النبوات بإيراد الشبهات والاقتراحات.

قال الكلبي: إن مشركي مكة قالوا: يا محمد والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله وذلك قوله ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ﴾ فأجاب الله  عن مقترحهم بقوله ﴿ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون ﴾ ومعنى القضاء الإتمام والإلزام كما مر.

وتقرير الجواب أن إنزال الملك على البشر آية باهرة وحينئذ ربما لم يؤمنوا فيجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال، أو لعلهم إذا شاهدوا الملك زهقت أرواحهم.

ألا ترى أن رسول الله  لما رأى جبرائيل على صورته الأصلية غشي عليه؟

وأن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشرة كأضياف إبراهيم ولوط، وكالذين تسوّروا المحراب، وأن جبرائيل تمثل لمريم بشراً سوياً؟

وفائدة ثمَّ أن عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجاة الشدة أفظع من نفس الشدة.

ثم إنهم كانوا يطعنون في نبوة محمد  من جهة أخرى وهي أنه بشر مثلهم ويقولون: ﴿ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً  ﴾ وتقرير الشبهة أن الرسل إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر وقدرتهم أشد ومهابتهم أعظم وامتيازهم عن الخلق أكمل والاشتباه في نبوتهم ورسالتهم أقل، والحكيم إذا أراد تحصيل مهم اختار ما هو أسرع إفضاء إلى المطلوب، فأجاب الله  عن شبهتهم بقوله ﴿ ولو جعلناه ﴾ أي الرسول ﴿ ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ لأن إنزال الملك آية ظاهرة جارية مجرى الإلجاء وإزالة الاختيار وذلك منافٍ لغرض التكليف، ولأن الجنس إلى الجنس أميل، ولأن البشر لا يطيق رؤية الملك، ولأن طاعات الملك كثيرة فيحقرون طاعات البشر ويستعظمون إقدامهم على المعاصي فلا يصبرون معهم، ولأن إنزال الملك يقوي الشبهة من وجه آخر وذلك أن أيّ معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة لفعلنا مثل ما فعلت.

ثم قال ﴿ وللبسنا عليهم ما يلبسون ﴾ لبست الأمر على القوم ألبسه لبساً إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً ومنه لبس الثوب لأنه يفيد الستر.

والمعنى إذا جعلنا الملك في صورة البشر كان فعلنا نظيراً لفعلهم في التلبيس، وإنما كان ذلك لبساً لأن الناس يظنونه ملكاً مع أنه ليس بملك، أو يظنونه بشراً مع أنه ليس ببشر وإنما كان فعلهم لبساً لأنهم يخلطون على أنفسهم ويقولون إن البشر لا يصلح للرسالة فلا ينقطع السؤال أبداً ويبقى الأمر في حيز الاشتباه.

وعلى هذا التفسير يكون قوله ﴿ ما يلبسون ﴾ مفعولاً مطلقاً.

ويجوز أن يراد ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ فيكون مفعولاً به يعني أن القوم إذا رأوا الملك في صورة الإنسان اشتبه الأمر عليهم، وإذا كنا قد فعلنا ذلك كان اللبس منسوباً إلينا.

ثم إنه  وتعالى سلى رسول الله  عما يلقى من قومه بقوله ﴿ ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق ﴾ أي نزل.

وقال الفراء: عاد عليهم والتركيب يدور على الإحاطة ومنه الحوق بالضم ما استدار بالكمرة ﴿ ما كانوا ﴾ أي الشيء الذي كانوا يستهزؤن به وهو الحق الذي جاء به محمد  ، أسند الحق إليه حيث أهلكوا لأجل الاستهزاء به.

ويحتمل أن يراد بلفظة "ما" العذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله وهم يستهزؤن بذلك، ثم أمر رسوله بأن يقول لهم: لا تغتروا بما وجدتم من زخارف الدنيا وسيروا في الأرض لتشاهدوا آثار الأمم السالفة الذين كذبوا رسلهم ونزل بهم ما نزل فإن الأسفار تورث الاعتبار وتفيد الاستبصار.

واعلم أنه  قال ههنا ﴿ ثم انظروا ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فانظروا  ﴾ فالفاء لمجرد اعتبار ترتيب النظر على السير.

وثم لتباعد ما بين المباح والواجب فإن السير مباح والنظر واجب.

وأيضاً شتان بين السير الصوري بقدم الأشباح وبين السير المعنوي بقدم الأرواح والله أعلم.

التأويل: حمد نفسه القديم الأزلي بكلامه القديم الأزلي على أن خلق سموات القلوب وأرض النفوس وجعل الظلمات.

أي الصفات البهيمية والسبعية في النفوس والنور في القلوب وهو صفاتها الملكية والروحانية، فخص الجعل بالمعاني التي هي من عالم الأمر والخلق بالأعيان لأنها من عالم الصورة، ولهذا لما ذكر صورة آدم قال ﴿ إني خالق بشراً من طين  ﴾ وحيث أراد معناه قال ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة  ﴾ ثم بعد هذا الجعل والخلق مال نفوس الكفار بغلبات الظلمات إلى طاغوت الهوى فجعلوه عديلاً لربهم ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ للروح المفارق عن حضرته لأيام فراقه ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ وهو أجل الوصال بعد الفراق بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ يا أهل الوصال كما يمتري أهل الفراق وهذا محال ﴿ وهو الله ﴾ في سموات القلوب وفي أرض النفوس يعلم سر الخلافة الذي أودع فيكم ﴿ وجهركم ﴾ الذي يظهر عنكم ﴿ ويعلم ما تكسبون ﴾ باستعمال الاستعداد السري والجهري في المأمورات والمنهيات في الخير أو الشر ﴿ من آية من آيات ربهم ﴾ في الآفاق وفي أنفسهم مكناهم في طلب الحق من قهر النفس وأسباب الخيرات والطاعات.

وأرسلنا مطر الواردات من سماء القلوب عليهم مدراراً متوالياً، وجعلنا أنهار الحكمة تجري من تحت نظرهم فأهلكنا مع هذه المقدمات أرواحهم بسموم ذنوب طلب الدنيا مالها وجاهها ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين ﴾ من الطلاب الصادقين التائبين المستقيمين ﴿ لجعلناه رجلاً ﴾ ليفهموا خطابه ويكون واقفاً على الأحوال البشرية فيعالجهم بما يرى فيه صلاح حالهم كما قال ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم  ﴾ قل سيروا في أرض النفوس بقدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب فتشاهدوا بأنوار الله المودعة فيها عاقبة من هلكوا في بوادي القطيعة إذ ساروا بقدم الطبيعة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ الحمد: هو الثناء عليه بما صنع إلى خلقه من الخير.

ألا ترى أن الذم نقيضه في: الشاهد، ويحمد المرء بما يصنع من الخير، ويذم على ضده.

فالتحميد: هو تمجيد الرب، والثناء عليه، والشكر له بما أنعم عليهم.

والتسبيح: هو تمجيد الرب وتنزيهه عما قالت الملحدة فيه من الولد وغيره.

والتهليل: هو تمجيد الرب وتنزيهه عما جعلوا له من الشركاء والأضداد، والوصف له بالوحدانية والربوبية.

والتكبير: هو تمجيد الرب والوصف له بالعظمة والجلال، وتنزيهه عمّا وصفوه بالعجز والضعف عن أن يكون ينشىء من العظام البالية خلقاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ﴾ .

سفههم - عز وجل - بما جعلوا له من الشركاء والأضداد على إقرار منهم أنه خلق السماوات والأرض، ولم يجعلوا له شركاء في خلقهما، وعلى علم منهم أنه تُعَلَّق منافع الأرض بمنافع السماء، مع بعد ما بينهما كيف جعلوا شركاء يشركونهم في العبادة والربوبية؟!.

وقوله -  -: ﴿ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ﴾ .

قال الحسن: الظلمات والنور: الكفر والإيمان.

وقال غيره من أهل التأويل: الليل والنهار في الحقيقة ما يكشف عما استتر من الأبصار: أبصار الوجوه، وأبصار القلوب.

والظلم ما يستر ويغطي على الأبصار: أبصار الوجوه، وأبصار القلوب، فالظلمة تجعل كل شيء مستوراً عليه، والنور يجعل كل شيء كان مستوراً عليه ظاهراً بادياً، هذا هو تفسير الظلمة والنور حقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ قيل: يشركون مع ما بيَّن لهم ما يدل على وحدانية الرب وربوبيته، أي: جعلوا كل ما يعبدونه دون الله عديلا لله، وأثبتوا المعادلة بينه وبين الله -  - وليس لله -  - عديل، ولا نديد، ولا شريك، ولا ولد، ولا صاحبة،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وقال الحسن: ﴿ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يكذبون.

وقوله -  -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ أي: خلق آدم أبا البشر من طين، فأما خلق بني آدم من ماء؛ كقوله  : ﴿ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ  ﴾ أخبر الله -  - أنه خلق آدم من الطين، وخلق بني آدم، سوى عيسى  - من النطفة، وخلق عيسى -  - لا من الطين ولا من الماء؛ ليعلموا أنه قادر على إنشاء الخلق لا من شيء، وأنه لا اختصاص للخلق بشيء، ولا ينكرون - أيضاً - إنشاء الخلق وإحياءهم وموتهم، وذلك لأنه لا يخلو؛ إما أن صاروا تراباً أو ماء، أو لا ذا ولا ذا، فإذا رأوا أنه خلق آدم من الطين، وخلق سائر الحيوان من الماء، وخلق عيسى -  - لا من هذين، كيف أنكروا إنشاء الخلق بعد الموت، وهو لا يخلو من هذه الوجوه التي ذكرنا؛ فيكون دليلا على منكري البعث بعد الموت، على الدهرية في إنشاء الخلق لا من شيء؛ فإنهم ينكرون ذلك ويحيلونه؛ ولهذا وقعوا في القول بقدم العالم، والله الهادي.

ويحتمل قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ﴾ أن يراد به في حق جميع بني آدم، وأضاف خلقنا إلى الطين، وكأن الخلق من الماء؛ لما أُبقِيَ في خلقنا من قوة ذلك الطين الذي في آدم وأثره، وإن لم يُرِه تلك القوة وذلك الأثر، وهذا كما أن الإنسان يرى أنه يأكل، ويشرب، ويغتذي، ويحصل به زيادة قوة في سمعه وبصره، وفي جميع جوارحه، وقد يحيا بها جميع الجوارح، وإن لم ير تلك القوة، فكذلك هذا.

ويحتمل - أيضاً - على ما روي في القصة أنه يمازج مع النطفة شيئاً من التراب، فيؤمر الملك بأن يأخذ شيئاً من التراب من المكان الذي حكم بأن يدفن فيه، فيخلط بالنطفة، فيصير علقة ومضغة، فإنما نسبهم إلى التراب لهذا.

ويحتمل النسبة إلى التراب وإن لم يكونوا من التراب؛ لما أن أصلهم من التراب، وهو آدم.

وقوله -  -: ﴿ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ فالقضاء يتوجه إلى وجوه كلها ترجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه، وقد يكون لابتداء فعل وإنشائه؛ كقوله -  -: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ  ﴾ [ويقال: قضيت هذا الثوب، أي: عملته وأحكمته.

وقد يكون بمعنى الأمر؛ قال الله -  -: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ أي: أمر ربك؛ لأنه أمر قاطع حتم.

وقد يكون بمعنى الإعلام؛ قال -  -: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ أي: أعلمناهم إعلاماً قاطعاً.

وقد يكون لبيان الغاية [والانتهاء عنه والختم؛ كقوله -  -: ﴿ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً ﴾ أي: ختم ذلك وأتمه، وقد] يكون غير ما ذكرنا.

ثم قوله: ﴿ قَضَىۤ أَجَلاً ﴾ يحتمل هذا كله سوى الأمر.

ثم قوله: ﴿ قَضَىۤ أَجَلاً ﴾ قيل: هو الموت، ﴿ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ﴾ يوم القيامة، أطلعنا على أحد الأجلين وهو الموت؛ لأنا نرى من يموت ونعاين، ولم يطلعنا على الآخر وهو الساعة والقيامة.

وقيل: ﴿ قَضَىۤ أَجَلاً ﴾ : أجل الدنيا من خلقك إلى أن تموت، ﴿ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ﴾ يوم القيامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ .

أي: تشكون وتكذبون بعد هذا كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ ﴾ هذا - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ فإذا كان خالقهما لم يَشْرَكْهُ أحد في خلقهما، كان إله من في السماوات وإله من في الأرض لم يَشْرَكْهُ أحد في ألوهيته، ولا في ربوبيته.

ويحتمل قوله: ﴿ وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: [إلى الله تدبير] ما في السماوات وما في الأرض، وحفظهما إليه؛ لأنه هو المتفرد بخلق ذلك كله؛ فإليه حفظ ذلك وتدبيره.

وقوله: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ﴾ اختلف فيه.

قيل: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ ﴾ : ما تضمرون في القلوب ﴿ وَجَهْرَكُمْ ﴾ : ما تنطقون، ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ : من الأفعال التي عملت الجوارح؛ أخبر أنه يعلم ذلك كله؛ ليعلموا أن ذلك كله يحصيه ليحاسبهم على ذلك؛ كقوله: ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ  ﴾ أخبر أنه يحاسبهم بما أبدوه وما أخفوه، فعلى ذلك الأول قد أفاد أن ذلك كله يحصيه عليهم، ويحاسبهم في ذلك؛ ليكونوا على حذر من ذلك وخوف.

وقيل: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ ﴾ : ما خلق فيهم من الأسرار، من نحو السمع، والبصر وغيرهما؛ لأن البشر لا يعرفون ماهية هذه الأشياء وكيفيتها، ولا يرون ذلك كما يرون غيرها من الأشياء، ولا يعرفون حقائقها؛ أخبر أنه يعلم ذلك وأنتم لا تعلمون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَهْرَكُمْ ﴾ أي: الظواهر منكم، ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ : من الأفعال والأقوال.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هو سبحانه الذي خلقكم -أيها الناس- من طين حين خلق أباكم آدم -  - منه، ثم ضرب سبحانه مدة لإقامتكم في الحياة الدنيا، وضرب أجلًا آخر لا يعلمه إلا هو لبَعْثكم يوم القيامة، ثم أنتم تشكّون في قدرته سبحانه على البعث.

<div class="verse-tafsir" id="91.p0WOz"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله