الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٣٢ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 87 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٢ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ) أي : إنما غالبها كذلك ( وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون )
القول في تأويل قوله : وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (32) قال أبو جعفر: وهذا تكذيب من الله تعالى ذكره هؤلاء الكفارَ المنكرين البعثَ بعد الممات في قولهم: إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ , [سورة الأنعام : 29].
يقول تعالى ذكره، مكذبًا لهم في قبلهم ذلك: " ما الحياة الدنيا " ، أيها الناس =" إلا لعب ولهو " ، يقول : ما باغي لذاتِ الحياة التي أدْنيت لكم وقرّبت منكم في داركم هذه، (16) ونعيمَها وسرورَها، فيها، (17) والمتلذذُ بها، والمنافسُ عليها, إلا في لعب ولهو، لأنها عما قليل تزول عن المستمتع بها والمتلذذِ فيها بملاذّها, أو تأتيه الأيام بفجائعها وصروفها، فَتُمِرُّ عليه وتكدُر، (18) كاللاعب اللاهي الذي يسرع اضمحلال لهوه ولعبه عنه, ثم يعقبه منه ندمًا، ويُورثه منه تَرحًا.
يقول: لا تغتروا، أيها الناس، بها, فإن المغتر بها عمّا قليل يندم =" وللدار الآخرة خير للذين يتقون " ، يقول: وللعمل بطاعته، والاستعدادُ للدار الآخرة بالصالح من الأعمال التي تَبقى منافعها لأهلها، ويدوم سرورُ أهلها فيها, خيرٌ من الدار التي تفنى وشيكًا، (19) فلا يبقى لعمالها فيها سرور، ولا يدوم لهم فيها نعيم =" للذين يتقون " ، يقول: للذين يخشون الله فيتقونه بطاعته واجتناب معاصيه، والمسارعة إلى رضاه =" أفلا تعقلون " ، يقول: أفلا يعقل هؤلاء المكذّبون بالبعث حقيقةَ ما نخبرهم به، من أن الحياة الدنيا لعب ولهوٌ, وهم يرون من يُخْتَرم منهم، (20) ومن يهلك فيموت، ومن تنوبه فيها النوائب وتصيبُه المصائب وتفجعه الفجائع.
ففي ذلك لمن عقل مدَّكر ومزدجر عن الركون إليها، واستعباد النفس لها = ودليلٌ واضح على أن لها مدبِّرًا ومصرفًا يلزم الخلقَ إخلاصُ العبادة له، بغير إشراك شيءٍ سواه معه .
------------------------ الهوامش : (16) انظر تفسير"الحياة الدنيا" فيما سلف 1: 245.
(17) سياق الجملة: "ما باغي لذات الحياة .
.
.
ونعيمها وسرورها" ، بالعطف ثم قوله: "فيها" ، سياقه: "ما باغي لذات الحياة .
.
.
فيها".
وقوله بعد: "والمتلذذ بها" مرفوع معطوف على قوله: "ما باغي لذات الحياة".
(18) في المطبوعة: "فتمر عليه وتكر" غير ما في المخطوطة ، وهو ما أثبته ، وهو الصواب"تمر" من"المرارة" ، أي: تصير مرة بعد حلاوتها ، وكدرة بعد صفائها.
(19) في المطبوعة ، حذف قوله"وشيكا" ، كأنه لم يحسن قراءتها."وشيكا": سريعًا.
(20) "اخترم الرجل" (بالبناء للمجهول) و"اخترمته المنية من بين أصحابه" ، أخذته من بينهم وخلا منه مكانه ، كأن مكانه صار خرمًا في صفوفهم.
قوله تعالى : وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلونفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو أي : لقصر مدتها كما قال :ألا إنما الدنيا كأحلام نائم وما خير عيش لا يكون بدائم تأمل إذا ما نلت بالأمس لذةفأفنيتها هل أنت إلا كحالموقال آخر :فاعمل على مهل فإنك ميت واكدح لنفسك أيها الإنسانفكان ما قد كان لم يك إذ مضى وكان ما هو كائن قد كاناوقيل : المعنى : متاع الحياة الدنيا لعب ولهو ; أي الذي يشتهوه في الدنيا لا عاقبة له ، [ ص: 323 ] فهو بمنزلة اللعب واللهو .
ونظر سليمان بن عبد الله في المرآة فقال : أنا الملك الشاب ; فقالت له جارية له :أنت نعم المتاع لو كنت تبقى غير أن لا بقاء للإنسانليس فيما بدا لنا منك عيب كان في الناس غير أنك فانيوقيل : معنى لعب ولهو باطل وغرور ، كما قال : وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور فالمقصد بالآية تكذيب الكفار في قولهم : إن هي إلا حياتنا الدنيا واللعب معروف ، والتلعابة الكثير اللعب ، والملعب مكان اللعب ; يقال : لعب يلعب .
واللهو أيضا معروف ، وكل ما شغلك فقد ألهاك ، ولهوت من اللهو ، وقيل : أصله الصرف عن الشيء ; من قولهم : لهيت عنه ; قال المهدوي : وفيه بعد ; لأن الذي معناه الصرف لامه ياء بدليل قولهم : لهيان ، ولام الأول واو .الثانية : ليس من اللهو واللعب ما كان من أمور الآخرة ، فإن حقيقة اللعب ما لا ينتفع به واللهو ما يلتهى به ، وما كان مرادا للآخرة خارج عنهما ; وذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال علي : الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار نجاة لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها .
وقال محمود الوراق :لا تتبع الدنيا وأيامها ذما وإن دارت بك الدائرةمن شرف الدنيا ومن فضلها أن بها تستدرك الآخرةوروى أبو عمر بن عبد البر عن أبي سعيد الخدري ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان فيها من ذكر الله أو أدى إلى ذكر الله والعالم والمتعلم شريكان في الأجر وسائر الناس همج لا خير فيه وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة وقال : حديث حسن غريب .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من هوان الدنيا على الله ألا يعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها .
وروى الترمذي عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء .
وقال الشاعر :تسمع من الأيام إن كنت حازما فإنك منها بين ناه وآمرإذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما فات من شيء فليس بضائر[ ص: 324 ] ولن تعدل الدنيا جناح بعوضة ولا وزن زف من جناح لطائرفما رضي الدنيا ثوابا لمؤمن ولا رضي الدنيا جزاء لكافروقال ابن عباس : هذه حياة الكافر لأنه يزجيها في غرور وباطل ، فأما حياة المؤمن فتنطوي على أعمال صالحة ، فلا تكون لهوا ولعبا .قوله تعالى : وللدار الآخرة خير أي الجنة لبقائها ; وسميت آخرة لتأخرها عنا ، والدنيا لدنوها منا .وقرأ ابن عامر ( ولدار الآخرة ) بلام واحدة ; والإضافة على تقدير حذف المضاف وإقامة الصفة مقامه ، التقدير : ولدار الحياة الآخرة .
وعلى قراءة الجمهور وللدار الآخرة اللام لام الابتداء ، ورفع الدار بالابتداء ، وجعل الآخرة نعتا لها والخبر خير للذين يقويه تلك الدار الآخرة وإن الدار الآخرة لهي الحيوان .
فأتت الآخرة صفة للدار فيهما .
للذين يتقون أي الشرك .
أفلا تعقلون قرئ بالياء والتاء ; أي : أفلا يعقلون أن الأمر هكذا فيزهدوا في الدنيا .
والله أعلم .
هذه حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، أما حقيقة الدنيا فإنها لعب ولهو، لعب في الأبدان ولهو في القلوب، فالقلوب لها والهة، والنفوس لها عاشقة، والهموم فيها متعلقة، والاشتغال بها كلعب الصبيان.
وأما الآخرة، فإنها { خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } في ذاتها وصفاتها، وبقائها ودوامها، وفيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، من نعيم القلوب والأرواح، وكثرة السرور والأفراح، ولكنها ليست لكل أحد، وإنما هي للمتقين الذين يفعلون أوامر الله، ويتركون نواهيه وزواجره { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } أي: أفلا يكون لكم عقول، بها تدركون، أيّ الدارين أحق بالإيثار.
( وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ) باطل وغرور لا بقاء لها ( وللدار الآخرة ) قرأ ابن عامر ( ولدار الآخرة ) مضافا أضاف الدار إلى الآخرة ، ويضاف الشيء إلى نفسه عند اختلاف اللفظين ، كقوله : ( وحب الحصيد ) ، وقولهم : ربيع الأول ومسجد الجامع ، سميت الدنيا لدنوها ، وقيل : لدناءتها ، وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا ، ( خير للذين يتقون ) الشرك ، ( أفلا تعقلون ) أن الآخرة أفضل من الدنيا ، قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب ( أفلا تعقلون ) بالتاء هاهنا وفي الأعراف وسورة يوسف و " يس " ، ووافق أبو بكر في سورة يوسف ، ووافق حفص إلا في سورة " يس " ، وقرأ الآخرون بالياء فيهن .
«وما الحياة الدنيا» أي الاشتغال بها «إلا لعب ولهو» وأما الطاعة وما يعين عليها فمن أمور الآخرة «وللدَّار الاخرةُ» وفي قراءة ولدار الآخرة أي الجنة «خير للذين يتقون» الشرك «أفلا يعقلون» بالياء والتاء ذلك فيؤمنون.
وما الحياة الدنيا في غالب أحوالها إلا غرور وباطل، والعمل الصالح للدار الآخرة خير للذين يخشون الله، فيتقون عذابه بطاعته واجتناب معاصيه.
أفلا تعقلون -أيها المشركون المغترون بزينة الحياة الدنيا- فتقدِّموا ما يبقى على ما يفنى؟
ثم عقد - سبحانه - مقابلة بين الحياة الدنيا والآخرة .
بين فيها أن الحياة الآخرة هى الحياة العالية السامية الباقية ، أما الحياة الدنيا فهى إلى زوال وانتهاء فقال - تعالى - :{ وَمَا الحياة الدنيآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } .اللعب : هو العمل الذى لا يقصد به مقصداً صحيحاً من تحصيل منفعة أو دفع مضرة ، واللهو : هو طلب ما يشغل عن معالى الأمور وعما يهم الإنسان ويعنيه .والمعنى : إن هذه الحياة التى نعتها الكفار بأنها لا حياة سواها ما هى إلا لهو ولعب لمن يطلبها بأنانية وشره من غير استعداد لما يكون وراءها من حياة أخرى فيها الحساب والجزاء ، وفيها النعيم الذى لاينتهى ، وفيها السعادة التى لا تحد ، بالنسبة للذين اتقوا ربهم ، ونهوا أنفسهم عن الهوى .فالحياة الدنيا لعب ولهو لمن اتخذوها فرصة للتكاثر والتفاخر وجمع الأموال من حلال وحرام ، ولم يقيموا وزنا للأعمال الصالحة التى كلفهم الله - تعاىل - بها .
أما بالنسبة للذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا .
فإن الحياة الدنيا تعتبر وسيلة إلى رضا الله الذى يظفرون به يوم القيامة ، وإن ما يحصل عليه المؤمنون فى هذا اليوم من ثواب جزيل ومن نعيم مقيم هو خير من الدنيا وما فيها من متعة زائلة ومن شهوات لا دوام لها .والاستفهام فى قوله - تعالى - { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } للحث على التدبر والتفكر والموازنة بين اللذات العاجلة الفانية التى تكون فى الدنيا ، وبين النعيم الدائم الباقى الذى يكون فى الآخرة .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المنكرين للبعث والقيامة تعظم رغبتهم في الدنيا وتحصيل لذاتها، فذكر الله تعالى هذه الآية تنبيهاً على خساستها وركاكتها.
واعلم أن نفس هذه الحياة لا يمكن ذمها لأن هذه الحياة العاجلة لا يصح اكتساب السعادات الأخروية إلا فيها، فلهذا السبب حصل في تفسير هذه الآية قولان: القول الأول: أن المراد منه حياة الكافر.
قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق، والسبب في وصف حياة هؤلاء بهذه الصفة أن حياة المؤمن يحصل فيها أعمال صالحة فلا تكون لعباً ولهواً.
والقول الثاني: أَن هذا عام في حياة المؤمن والكافر، والمراد منه اللذات الحاصلة في هذه الحياة والطيبات المطلوبة في هذه الحياة، وإنما سماها باللعب واللهو، لأن الإنسان حال اشتغاله باللعب واللهو يلتذ به، ثم عند انقراضه وانقضائه لا يبقى منه إلا الندامة، فكذلك هذه الحياة لا يبقى عند انقراضها إلا الحسرة والندامة.
واعلم أن تسمية هذه الحياة باللعب واللهو فيه وجوه: الأول: أن مدة اللهو واللعب قليلة سريعة الإنقضاء والزوال، ومدة هذه الحياة كذلك.
الثاني: أن اللعب واللهو لابد وأن ينساقا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره ولذات الدنيا كذلك.
الثالث: أن اللعب واللهو، إنما يحصل عند الاغترار بظواهر الأمور، وأما عند التأمل التام والكشف عن حقائق الأمور، لا يبقى اللعب واللهو أصلاً، وكذلك اللهو واللعب، فإنهما لا يصلحان إلا للصبيان والجهال المغفلين، أما العقلاء والحصفاء، فقلما يحصل لهم خوض في اللعب واللهو، فكذلك الالتذاذ بطيبات الدنيا والانتفاع بخيراتها لا يحصل، إلا للمغفلين الجاهلين بحقائق الأمور، وأما الحكماء المحققون، فإنهم يعلمون أن كل هذه الخيرات غرور، وليس لها في نفس الأمر حقيقة معتبرة.
الرابع: أن اللعب واللهو ليس لهما عاقبة محمودة، فثبت بمجموع هذه الوجوه أن اللذات والأحوال الدنيوية لعب ولهو وليس لهما حقيقة معتبرة.
ولما بين تعالى ذلك قال بعده ﴿ وَلَلدَّارُ الاخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ وصف الآخرة بكونها خيراً، ويدل على أن الأمر كذلك حصول التفات بين أحوال الدنيا وأحوال الآخرة في أمور أحدها: أن خيرات الدنيا خسيسة وخيرات الآخرة شريفة بيان أن الأمر كذلك وجوه: الأول: أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوتين، وهو في نهاية الخساسة، بدليل أن الحيوانات الخسيسة تشارك الإنسان فيه، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل من أمر الإنسان، فإن الجمل أكثر أكلاً، والديك والعصفور أكثر وقاعاً، والذئب أقوى على الفساد والتمزيق، والعقرب أقوى على الايلام، ومما يدل على خساستها أنها لو كانت شريفة لكان الإكثار منها يوجب زيادة الشرف، فكان يجب أن يكون الإنسان الذي وقف كل عمره على الأكل والوقاع أشرف الناس، وأعلاهم درجة، ومعلوم بالبديهة أنه ليس الأمر كذلك بل مثل هذا الإنسان يكون ممقوتاً مستقذراً مستحقراً يوصف بأنه بهيمة أو كلب أو أخس، ومما يدل على ذلك أن الناس لا يفتخرون بهذه الأحوال بل يخفونها، ولذلك كان العقلاء عند الاشتغال بالوقاع يختفون ولا يقدمون على هذه الأفعال بمحضر من الناس وذلك يدل على أن هذه الأفعال لا توجب الشرف بل النقص، ومما يدل على ذلك أيضاً أن الناس إذا شتم بعضهم بعضاً لا يذكرون فيه إلا الألفاظ الدالة على الوقاع، ولولا أن تلك اللذة من جنس النقصانات، وإلا لما كان الأمر كذلك، ومما يدل عليه أن هذه اللذات ترجع حقيقتها إلى دفع الآلام، ولذلك فإن كل من كان أشد جوعاً وأقوى حاجة كان التذاذه بهذه الأشياء أكمل له وأقوى، وإذا كان الأمر كذلك ظهر أنه لا حقيقة لهذه اللذات في نفس الأمر.
ومما يدل عليه أيضاً أن هذه اللذات سريعة الاستحالة سريعة الزوال سريعة الانقضاء.
فثبت بهذه الوجوه الكثيرة خساسة هذه اللذات.
وأما السعادات الروحانية فإنها سعادات شريفة عالية باقية مقدسة، ولذلك فإن جميع الخلق إذا تخيلوا في الإنسان كثرة العلم وشدة الانقباض عن اللذات الجسمانية، فإنهم بالطبع يعظمونه ويخدمونه ويعدون أنفسهم عبيداً لذلك الإنسان وأشقياء بالنسبة إليه، وذلك يدل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية، وكمال مرتبة اللذات الروحانية.
الوجه الثاني: في بيان أن خيرات الآخرة أفضل من خيرات الدنيا، وهو أن نقول: هب أن هذين النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة، إلا أن الوصول إلى الخيرات الموعودة في غد القيامة معلوم قطعاً.
وأما الوصول إلى الخيرات الموعودة في غد الدنيا فغير معلوم بل ولا مظنون، فكم من سلطان قاهر في بكرة اليوم صار تحت التراب في آخر ذلك اليوم، وكم من أمير كبير أصبح في الملك والإمارة، ثم أمسى أسيراً حقيراً، وهذا التفاوت أيضاً يوجب المباينة بين النوعين.
الوجه الثالث: هب أنه وجد الإنسان بعد هذا اليوم يوماً آخر في الدنيا، إلا أنه لا يدري هل يمكنه الانتفاع بما جمعه من الأموال والطيبات واللذات أم لا؟
أما كل ما جمعه من موجبات السعادات، فإنه يعلم قطعاً أنه ينتفع به في الدار الآخرة.
الوجه الرابع: هب أنه ينتفع بها إلا أن انتفاعه بخيرات الدنيا لا يكون خالياً عن شوائب المكروهات، وممازجة المحرمات المخوفات.
ولذلك قيل: من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق.
فقيل: وما هو يا رسول الله؟
قال: سرور يوم بتمامه.
الوجه الخامس: هب أنه ينتفع بتلك الأموال والطيبات في الغد، إلا أن تلك المنافع منقرضة ذاهبة باطلة، وكلما كانت تلك المنافع أقوى وألذ وأكمل وأفضل كانت الأحزان الحاصلة عند انقراضها وانقضائها أقوى وأكمل كما قال الشاعر المتنبي: أشد الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا فثبت بما ذكرنا أن سعادات الدنيا وخيراتها موصوفة بهذه العيوب العظيمة، والنقصانات الكاملة وسعادات الآخرة مبرأة عنها، فوجب القطع بأن الآخرة أكمل وأفضل وأبقى وأتقى وأحرى وأولى.
المسألة الثانية: قرأ ابن عامر ﴿ وَلَدَارُ الآخرة ﴾ بإضافة الدار إلى الآخرة، والباقون ﴿ وَلَلدَّارُ الاخرة ﴾ على جعل الآخرة نعتاً للدار.
أما وجه قراءة ابن عامر فهو أن الصفة في الحقيقة مغايرة للموصوف فصحت الإضافة من هذا الوجه، ونظيره قولهم بارحة الأولى، ويوم الخميس وحق اليقين، وعند البصريين لا تجوز هذه الإضافة، قالوا لأن الصفة نفس الموصوف، وإضافة الشيء إلى نفسه ممتنعة.
واعلم أن هذا بناء على أن الصفة نفس الموصوف وهو مشكل لأنه يعقل تصور الموصوف منفكاً عن الصفة، ولو كان الموصوف عين الصفة لكان ذلك محالاً، ولقولهم وجه دقيق يمكن تقريره، إلا أنه لا يليق بهذا المكان، ثم إن البصريين ذكروا في تصحيح قراءة ابن عامر وجهاً آخر، فقالوا لم يجعل الآخرة صفة للدار، لكنه جعلها صفة للساعة، فكأنه قال: ولدار الساعة الآخرة.
فإن قيل: فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم تكون قد أقيمت الآخرة التي هي الصفة مقام الموصوف الذي هو الساعة وذلك قبيح.
قلنا لا يقبح ذلك إذا كانت الصفة قد استعملت استعمال الأسماء ولفظ الآخرة قد استعمل الأسماء، والدليل عليه: قوله: ﴿ وَلَلأخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الاولى ﴾ وأما قراءة العامة فهي ظاهرة لأنها تقتضي جعل الآخرة صفة للدار وذلك هو الحقيقة ومتى أمكن إجراء الكلام على حقيقته فلا حاجة إلى العدول عنه والله أعلم.
المسألة الثالثة: اختلفوا في المراد بالدار الآخرة على وجوه.
قال ابن عباس: هي الجنة، وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي.
وقال الحسن: المراد نفس الآخرة خير.
وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير.
وقال آخرون: نعيم الآخرة من نعيم الدنيا، من حيث إنها باقية دائمة مصونة عن الشوائب آمنة من الانقضاء والانقراض.
ثم قال تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ فبيّن أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان من المتقين من المعاصي والكبائر.
فأما الكافر والفاسق فلا لأن الدنيا بالنسبة إليه خير من الآخرة على ما قال عليه السلام: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».
ثم قال: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ قرأ نافع وابن عامر ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ بالتاء هاهنا وفي سورة الأعراف ويوسف ويس.
وقرأ حفص عن عاصم في ﴿ يس ﴾ بالياء والباقي بالتاء.
وقرأ عاصم في رواية يحيى في يوسف بالتاء والباقي بالياء.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية الأعشى والبرجمي جميع ذلك بالياء.
قال الواحدي: من قرأ بالياء معناه: أفلا يعقلون الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار؟
فيعملون لما ينالون به الدرجة الرفيعة والنعيم الدائم فلا يفترون في طلب ما يوصل إلى ذلك، ومن قرأ بالتاء، فالمعنى: قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون أن ذلك خير؟
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
جعل أعمال الدنيا لعباً ولهواً واشتغالاً بما لا يعني ولا يعقب منفعة، كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة.
وقوله: ﴿ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ دليل على أن ما عدا أعمال المتقين لعب ولهو.
وقرأ ابن عباس رضي الله عنه: (ولدار الآخرة) وقرئ: ﴿ تعقلون ﴾ بالتاء والياء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ﴾ أيْ وما أعْمالُها إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ يُلْهِي النّاسَ ويَشْغَلُهم عَمّا يُعْقِبُ مَنفَعَةً دائِمَةً ولَذَّةً حَقِيقِيَّةً.
وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا.
﴿ وَلَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ لِدَوامِها وخُلُوصِ مَنافِعِها ولَذّاتِها، وقَوْلُهُ: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما لَيْسَ مِن أعْمالِ المُتَّقِينَ لَعِبٌ ولَهْوٌ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «وَلَدّارُ الآخِرَةُ» .
﴿ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ أيِ الأمْرَيْنِ خَيْرٌ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ المُخاطَبِينَ بِهِ، أوْ تَغْلِيبَ الحاضِرِينَ عَلى الغائِبِينَ.
<div class="verse-tafsir"
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)
{وَمَا الحياة الدنيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} جواب لقولهم إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا واللعب ترك ما ينفع بما لا ينفع واللهو الميل عن الجد إلى الهزل قيل ما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو وقيل ما أعمال الحياة الدنيا إلا لعب ولهو لانها لا تعقب منفعة كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة {وللدار} مبتدأ {الآخرة} صفتها ودار الآخرة بالإضافة شامي أي ولدار الساعة الآخرة لأن الشئ لا يضاف إلى صفته وخبر المبتدأ على القراءتين {خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} وفيه دليل على أما سوى أعمال المتقين لعب ولهو {أفلا يعقلون} بالتاء مدنى وحفص
﴿ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ﴾ لِما حَقَّقَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما سَبَقَ أنَّ وراءَ الحَياةِ الدُّنْيا حَياةً أُخْرى يَلْقَوْنَ فِيها مِنَ الخُطُوبِ ما يَلْقَوْنَ بَيَّنَ - جَلَّ شَأْنُهُ- حالَ تَيْنِكَ الحَياتَيْنِ في أنْفُسِهُما، وجَعَلَهُ بَعْضُهم جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا) وفِيهِ بُعْدٌ، وكَيْفَما كانَ فالمُرادُ وما أعْمالُ الحَياةِ الدُّنْيا المُخْتَصَّةُ بِها إلّا كاللَّعِبِ واللَّهْوِ في عَدَمِ النَّفْعِ والثَّباتِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ خَرَجَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ ما فِيها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كالعِبادَةِ وما كانَ لِضَرُورَةِ المَعاشِ، والكَلامُ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ ولَوْ لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ، وجُعِلَتِ الدُّنْيا نَفْسُها لَعِبًا ولَهْوًا مُبالَغَةً كَما في قَوْلِهِ: وإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ صَحَّ، واللَّهْوُ واللَّعِبُ - عَلى ما في دُرَّةِ التَّنْزِيلِ - يَشْتَرِكانِ في أنَّهُما الِاشْتِغالُ بِما لا يَعْنِي العاقِلَ ويُهِمُّهُ مِن هَوًى وطَرَبٍ سَواءً كانَ حَرامًا أوْ لا، وفُرِّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ اللَّعِبَ ما قُصِدَ بِهِ تَعْجِيلُ المَسَرَّةِ والِاسْتِرْواحِ بِهِ، واللَّهْوُ كُلُّ ما شَغَلَ مِن هَوًى وطَرَبٍ وإنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ذَلِكَ، وإذا أُطْلِقَ اللَّهْوُ فَهو عَلى ما قِيلَ: اجْتِلابُ المَسَرَّةِ بِالنِّساءِ كَما في قَوْلِهِ: ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمِ أنَّنِي كَبِرْتُ وأنْ لا يُحْسِنَ اللَّهْوُ أمْثالِي، وقالَ قَتادَةُ: اللَّهْوُ في لُغَةِ اليَمَنِ المَرْأةُ، وقِيلَ: اللَّعِبُ طَلَبُ المَسَرَّةِ والفَرَحِ بِما لا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَبَ بِهِ، واللَّهْوُ صَرْفُ الهَمِّ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يُصْرَفَ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ كُلَّ شُغْلٍ أقْبَلَ عَلَيْهِ لَزِمَ الإعْراضُ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ لِأنَّ مَن لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا أقْبَلَ عَلى الباطِلِ لَزِمَ الإعْراضُ عَنِ الحَقِّ فالإقْبالُ عَلى الباطِلِ لَعِبٌ، والإعْراضُ عَنِ الحَقِّ لَهْوٌ، وقِيلَ: العاقِلُ المُشْتَغِلُ بِشَيْءٍ لا بُدَّ لَهُ مِن تَرْجِيحِهِ وتَقْدِيمِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَإنْ قَدَّمَهُ مِن غَيْرِ تَرْكٍ لِلْآخَرِ فَلَعِبٌ، وإنْ تَرَكَهُ ونَسِيَهُ بِهِ فَهو لَهُ، وقَدْ بَيَّنَ صاحِبُ الدُّرَّةِ بَعْدَ أنْ سَرَدَ هَذِهِ الأقْوالَ سِرَّ تَقْدِيمِ اللَّعِبِ عَلى اللَّهْوِ حَيْثُ جُمِعا كَما هُنا، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ كَما في العَنْكَبُوتِ بِأنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الكَلامُ مَسُوقًا لِلرَّدِّ عَلى الكَفَرَةِ فِيما يَزْعُمُونَهُ مِن إنْكارِ الآخِرَةِ والحَصْرِ السّابِقِ ولَيْسَ في اعْتِقادِهِمْ لِجَهْلِهِمْ إلّا ما عُجِّلَ مِنَ المَسَرَّةِ بِزُخْرُفِ الدُّنْيا الفانِيَةِ قَدَّمَ اللَّعِبَ الدّالَّ عَلى ذَلِكَ وتَمَّمَ بِاللَّهْوِ أوْ لَمّا طَلَبُوا الفَرَحَ بِها وكانَ مَطْمَحَ نَظَرِهِمْ، وصَرْفُ الهَمِّ لازِمٌ وتابِعٌ لَهُ، قُدِّمَ ما قُدِّمَ أوْ لَمّا أقْبَلُوا عَلى الباطِلِ في أكْثَرِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ قُدِّمَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أوْ لَمّا كانَ التَّقْدِيمُ مُقَدَّمًا عَلى التَّرْكِ والنِّسْيانِ قُدِّمَ اللَّعِبُ عَلى اللَّهْوِ رِعايَةً لِلتَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ، وأمّا في العَنْكَبُوتِ فالمَقامُ لِذِكْرِ قَصْرِ مُدَّةِ الحَياةِ الدُّنْيا بِالقِياسِ إلى الآخِرَةِ وتَحْقِيرِها بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، ولِذا ذُكِرَ اسْمُ الإشارَةِ المُشْعِرِ بِالتَّحْقِيرِ، وعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ ﴾ والِاشْتِغالُ بِاللَّهْوِ مِمّا يَقْصُرُ بِهِ الزَّمانُ وهو أدْخَلُ مِنَ اللَّعِبِ فِيهِ وأيّامِ السُّرُورِ فَصارُوا كَما قالَ: ولَيْلَةُ إحْدى اللَّيالِي الزُّهْرِ لَمْ تَكُ غَيْرَ شَفَقٍ وفَجْرٍ، ويَنْزِلْ عَلى هَذا الوُجُوهُ في الفَرْقِ، وتَفْصِيلُهُ في الدُّرَّةِ قالَهُ مَوْلانا شِهابُ الدِّينِ فَلْيُفْهَمْ، ﴿ ولَلدّارُ الآخِرَةُ ﴾ الَّتِي هي مَحَلُّ الحَياةِ الأُخْرى ﴿ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ الكُفْرَ والمَعاصِيَ لِخُلُوصِ مَنافِعِها عَنِ المَضارِّ والآلامِ وسَلامَةِ لَذّاتِها عَنِ الِانْصِرامِ ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ 23 - ذَلِكَ حَتّى تَتَّقُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ أتَغْفُلُونَ أوْ ألا تَتَفَكَّرُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ كَما قالَ الطِّيبِيُّ وما الدّارُ الآخِرَةُ إلّا جِدٌّ وحَقٌّ لِمَكانٍ، ﴿ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ﴾ إلّا أنَّهُ وضَعَ ﴿ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ مَوْضِعَ ذَلِكَ إقامَةً لِلْمُسَبِّبِ مَقامَ السَّبَبِ، وقالَ في الكَشْفِ: إنَّ في ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ ما عَدا أعْمالِ المُتَّقِينَ لَعِبٌ ولَهْوٌ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ الدّارَ الآخِرَةَ في مُقابَلَةِ الحَياةِ الدُّنْيا وحُكِمَ عَلى الأعْمالِ المُقابِلَةِ بِأنَّها لَعِبٌ ولَهْوٌ عُلِمَ تُقابِلُ العَمَلَيْنِ حَسْبَ تَقابُلِ ما أُضِيفا إلَيْهِ أعْنِي الدُّنْيا والآخِرَةَ فَإذا خَصَّ الخَيْرِيَّةَ بِالمُتَّقِينَ لَزِمَ مِنهُ أنَّ ما عَدّا أعْمالِهِمْ لَيْسَ مِن أعْمالِ الآخِرَةِ في شَيْءٍ فَهو لَعِبٌ ولَهْوٌ لا يَعْقُبُ مَنفَعَةً وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (ولَدارُ الآخِرَةِ) بِالإضافَةِ وهي مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، وقَدْ جَوَّزَها الكُوفِيُّونَ ومَن لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ تَأوَّلَهُ بِتَقْدِيرِ: ولَدارُ النَّشْأةِ الآخِرَةِ أوْ إجْراءِ الصِّفَةِ مَجْرى الِاسْمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ (يَعْقِلُونَ) بِالياءِ، والضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ القائِلِينَ (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا)، وقِيلَ: لِلْمُتَّقِينَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّنْبِيهِ والحَثِّ عَلى التَّأمُّلِ <div class="verse-tafsir"
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ يعني: لعب كلعب الصبيان يبنون بنياناً، ثم يهدمونه.
ويلعبون ويلهون ويبنون ما لا يسكنون.
كذلك أهل الدنيا يجمعون ما لا يأكلون، ويبنون ما لا يسكنون ويأملون ما لا يدركون.
ثم قال: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ يعني: الجنة خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الشرك والفواحش أَفَلا تَعْقِلُونَ أي أن الآخرة أفضل من الدنيا.
قرأ ابن عامر: وَلَدَارُ الاخرة بلام واحدة بالتخفيف، وبكسر الآخرة على معنى الإضافة.
وقرأ الباقون: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ بلامين، والْآخِرَةُ بالضم على معنى النعت.
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص: أَفَلا تَعْقِلُونَ بالتاء على معنى المخاطبة والباقون بالياء على معنى المغايبة.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
من عَمَلِهِ الصالح، ويكثر من تَجْرِهِ الرابح، والمُقَصِّرُ يَوَدُّ أنه لو رُدَّ ليستدرك ما فيه فَرَّطَ، وقد قال عليه السَّلاَمُ: «ما مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إلاَّ نَدِمَ» قَالُوا: وَمَا ندامته يا رسول الله؟
قال:
«إن كان محسنا ندم ألا يكون ازداد، وإن كان مُسِيئاً نَدِمَ ألا يَكُونَ نَزَعَ» خرجه الترمذي «١» .
انتهى.
وقوله تعالى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ الواو واو الحَالِ، والأَوْزَارُ جمع وِزْر بكسر الواو، وهو الثّقْلُ من الذنوب، والوِزْرُ هنا تَجَوُّز وتَشْبِيهٌ بثقل الأَحْمَالِ.
ومن قال: إنه من الوَزَرِ، وهو الجَبَلُ الذي يُلْجَأُ إلَيْهِ، فهو قول غير بَيِّنِ.
وقال الطبري «٢» وغيره: هذا على جهة الحَقِيقَةِ، وَرَوَوْا في ذلك خَبَراً: أنَّ المُؤْمِنَ يَلْقَاهُ عمله في أَحْسَنِ صُورَةً وأَفْوَحِهَا فَيُسَلِّمُ عليه وَيَقُولُ طَالَ مَا رَكِبْتُكَ في الدُّنْيَا وَأَجْهَدْتُكَ، فَارْكَبْنِي اليَوْمَ.
قال: فَيَحْمِلُهُ تِمْثَالُ العَمَلِ.
وإن الكَافِرَ يَلْقَاهُ عَمَلَهُ في أَقْبَحِ صُورَةً وأَنْتَنِهَا فَيَشْتِمُهُ، ويقول: أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ طَالَ مَا رَكِبْتَنِي فِي الدُّنْيَا بِشَهَوَاتِكَ فَأَنا أرْكَبُك اليَوْمَ، قال: فيحمل تِمْثَالَ عَمَلِهِ الخَبِيثَ وَأَوْزَارَهُ على ظَهْرِهِ.
قلت: والأحاديث الصحيحة في معنى ما ذَكَرَهُ الطبري كثيرةٌ كأحاديث مَانِعِي الزكاة، وغيرها.
قال مكي: وروى المَقْبُرِيُّ عن أبي هريرة في حديث يرفعه، قال: «إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ بَعَثَ اللَّه مع كل امرئ مُؤْمِنٍ عَمَلَهُ، وبَعَثَ مع الكافر عَمَلَهُ فلا يرى المُؤْمِنُ شَيْئاً يروعه، ولا شَيْئاً يُفْزِعُهُ ويخافه إلاَّ قَالَ له عَمَلُهُ: أَبْشِرْ بالَّذِي يَسُرُّكَ فَإنَّكَ لَسْتَ بِالَّذِي يُرَادُ بهذا.
ولا يرى الكَافِر شَيْئاً يُفْزِعُهُ ويروعه ويَخَافُهُ إلا قال له عَمَلُهُ: أبْشِرْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ بالذي يسوءك، فو الله إنك لأنت الذي تراد بهذا» .
انتهى.
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)
وقوله سبحانه: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ الآية.
هذا ابتداء خَبَرٍ عن حَالِ الدنيا، والمعنى: أنها إذ كانت فَانِيَةٌ لا طائل لها أشبهت اللَّعِبَ، واللهو الذي لا طَائِلَ له إذا تقضى.
وهذه الآية تتضمن الرَّدَّ على قولهم: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [الأنعام: ٢٩] وهو المقصود بها.
قال عبد الحق في «العاقبة» : اعلم- رحمك الله- أن حُبَّ الدُّنْيَا هو سَبَبُ طُولِ الأَمَلِ، والإكْبَابُ عليها يَمْنَعُ من الفِكْرَةِ في الخروج عنها، والجهل بغَوَائِلِهَا يحمل على الإرادة لها، والازدياد منها لأن من أَحَبَّ شَيْئاً أحَبَّ/ الكَوْنَ معه، والازدياد منه، ومن كان مَشْغُوفاً بالدنيا مُحِبًّا لها قد خَدَعَتْهُ بزُخْرُفِهَا وَأَمَالَتْهُ برَوْنَقِهَا كيف يحبُّ مفارقتها، أو يحب مُزَايَلَتَهَا، هذا أمر لم تَجْرِ العادة به، ولا حُدِّثْنَا عنه، بَلْ نجد مَنْ كَانَ على هذه الصفة أَعْمَى عَنْ طريق الخَيْرِ، أصم عن دَاعِي الرشد، أَفِنَ الرأي، سَيِّىءَ النظر، ضَعِيفَ الإيمان، لم تترك له الدُّنْيَا ما يَسْمَعُ به، ولا ما يرى، إنما دِينُهُ وشغله وحديثه دُنْيَاهُ، لها ينظر، ولها يَسْمَعُ، قد ملأت عينه وقلبه، ثم قال: واعلم أن أَهْلَ القُبُورِ إنما يَنْدَمُونَ على ما يتركون، ويفرحون بما يُقَدِّمُونَ، فما عليه أهل القُبُورِ يندمون، أَهْلُ الدنيا عليه يَقْتَتِلُون.
انتهى.
وقوله سبحانه: قَدْ نَعْلَمُ ...
الآية: نَعْلَمُ إذا كانت من اللَّه- تعالى- تَتَضَمَّنُ استمرار العَلْمِ وقِدَمَهُ، فهي تعمُّ الماضي، والحال، والاستقبال.
قلت: ونحو هذا لأبي «١» حَيَّانَ قال: وعبر هنا بالمُضَارِعِ لأنَّ المُرَادَ الاتصاف بالعلم، واستمراره، ولم يلحظ فيه الزمان، كقولهم: فلان يعطي ويمنع.
انتهى.
وقرأ نافع «٢» وحده «لَيُحْزِنُكَ» من أَحْزَنَ.
وقرأ الباقون: «لَيَحْزُنْكَ» من حَزَنْتُ الرجلَ.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة «لا يكذّبونك» «٣» - بتشديد
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ﴾ ولَهْوٌ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: وما الحَياةُ الدُّنْيا في سُرْعَةِ انْقِطاعِها، وقِصَرِ عُمْرِها، إلّا كالشَّيْءِ يُلْعَبُ بِهِ.
والثّانِي: وما أمْرُ الدُّنْيا والعَمَلُ لَها إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ، فَأمّا فِعْلُ الخَيْرِ، فَهو مِن عَمَلِ الآَخِرَةِ، لا مِنَ الدُّنْيا.
والثّالِثُ: وما أهْلُ الحَياةِ الدُّنْيا إلّا أهْلُ لَعِبٍ ولَهْوٍ، لاشْتِغالِهِمْ عَمّا أمَرُوا بِهِ.
واللَّعِبُ: ما لا يُجْدِي نَفْعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والدّار الآَخِرَة خَيْرٌ ﴾ اللّامُ: لامُ القَسَمِ، والدّارُ الآَخِرَةُ: الجَنَّةُ ﴿ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ فَيَعْمَلُونَ لَها.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "يَعْقِلُونَ" بِالياءِ في ( الأنْعامِ ) و[ الأعْرافِ]، ويُوسُفَ ويسِ وقَرُؤُوا في القَصَصِ بِالتّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ كُلَّ ذَلِكَ بِالياءِ، ورَوى حَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ كُلَّ ذَلِكَ بِالتّاءِ، إلّا في يَسِ في الخْلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ [يس: ٦٧] بِالياءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ الَّذِي في [ يس ] بِالياءِ، والباقِي بِالتّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَما الحَياةُ الدُنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ خَبَرٍ عن حالِ الدُنْيا؛ والمَعْنى: "إنَّها إذا كانَتْ فانِيَةً؛ مُنْقَضِيَةً؛ لا طائِلَ لَها؛ أشْبَهَتِ اللَعِبَ واللهْوَ الَّذِي لا طائِلَ لَهُ إذا انْقَضى.
وقَرَأ السِتَّةُ مِنَ القُرّاءِ: "وَلَلدّارُ"؛ بِلامَيْنِ؛ و"اَلْآخِرَةُ"؛ نَعْتٌ لِلدّارِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "وَلَدارُ"؛ بِلامٍ واحِدَةٍ؛ وكَذَلِكَ وقَعَ في مَصاحِفِ الشامِ؛ بِإضافَةِ "اَلدّارُ"؛ إلى "اَلْآخِرَةِ"؛ وهَذا نَحْوُ: "مَسْجِدُ الجامِعِ"؛ أيْ: "مَسْجِدُ اليَوْمِ الجامِعِ"؛ فَكَذَلِكَ هَذا: "وَلَدارُ الحَياةِ الآخِرَةِ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وأبُو بَكْرٍ ؛ عن عاصِمٍ: "يَعْقِلُونَ"؛ عَلى إرادَةِ الغائِبِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَفْصٌ ؛ عن عاصِمٍ: "تَعْقِلُونَ"؛ عَلى إرادَةِ المُخاطَبِينَ؛ وكَذَلِكَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وفي آخِرِ "يُوسُفَ"؛ ووافَقَهم أبُو بَكْرٍ في آخِرِ "يُوسُفَ"؛ فَأمّا "أفَلا يَعْقِلُونَ"؛ في "يـس" فَقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ بِتاءٍ؛ والباقُونَ بِياءٍ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا ﴾ ؛ وهو المَقْصُودُ بِها؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ؛ عَلى مَعْنى: "فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ؛ إذِ الحالُ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ: أفَلا تَعْقِلُونَ؟".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "قَدْ نَعْلَمُ"؛ ﴾ اَلْآيَةَ؛ "قَدْ"؛ اَلْمُلازِمُ لِلْفِعْلِ؛ حَرْفٌ يَجِيءُ مَعَ التَوَقُّعِ؛ إمّا عِنْدَ المُتَكَلِّمِ؛ وإمّا عِنْدَ السامِعِ؛ أو مُقَدَّرًا عِنْدَهُ؛ فَإذا كانَ الفِعْلُ خالِصًا لِلِاسْتِقْبالِ؛ كانَ التَوَقُّعُ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ كَقَوْلِكَ: "قَدْ يَقُومُ زَيْدٌ"؛ و"قَدْ يَنْزِلُ المَطَرُ في شَهْرِ كَذا"؛ وإذا كانَ الفِعْلُ ماضِيًا؛ أو فِعْلَ حالٍ بِمَعْنى المُضِيِّ؛ مِثْلَ آيَتِنا هَذِهِ؛ فَإنَّ التَوَقُّعَ لَيْسَ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ بَلِ المُتَكَلِّمُ مُوجِبٌ ما أخْبَرَ بِهِ؛ وإنَّما كانَ التَوَقُّعُ عِنْدَ السامِعِ؛ فَيُخْبِرُهُ المُتَكَلِّمُ بِأحَدِ المُتَوَقَّعَيْنِ.
و"نَعْلَمُ"؛ تَتَضَمَّنُ - إذا كانَتْ مِنَ اللهِ تَعالى - اسْتِمْرارَ العِلْمِ؛ وقِدَمَهُ؛ فَهي تَعُمُّ الماضِي؛ والحالَ؛ والِاسْتِقْبالَ؛ ودَخَلَتْ "أنَّ"؛ لِلْمُبالَغَةِ في التَأْكِيدِ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "لَيُحْزِنُكَ"؛ مِن "أحْزَنَ"؛ وقَرَأ الباقُونَ: "لَيَحْزُنُكَ"؛ مِن "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِيُحْزِنْكَ" بِكَسْرِ اللامِ والزايِ؛ وجَزْمِ النُونِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ "يَحْزُنُكَ"؛ بِغَيْرِ لامٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ: "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ "يَحْزَنُ؛ حَزَنًا وحُزْنًا"؛ و"حَزَنْتُهُ أنا"؛ وحُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ قَوْلَهُمْ: "حَزَنْتُهُ"؛ لَيْسَ هو تَغْيِيرَ "حَزِنَ"؛ عَلى نَحْوِ "دَخَلَ"؛ و"أدْخَلْتُهُ"؛ ولَكِنَّهُ بِمَعْنى: "جَعَلْتُ فِيهِ حُزْنًا"؛ كَما تَقُولُ: "كَحَلْتُهُ"؛ و"دَهَنْتُهُ"؛ قالَ الخَلِيلُ: ولَوْ أرَدْتَ تَغْيِيرَ "حَزِنَ"؛ لَقُلْتَ: "أحْزَنْتُهُ"؛ وحَكى أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ - في كِتابِ "خَبْأةٌ"؛ عَنِ العَرَبِ: "أحْزَنْتُ الرَجُلَ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"حَزَنْتُ الرَجُلَ"؛ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا عِنْدَهم مِن "أحْزَنْتُهُ"؛ فَمَن قَرَأ: "لَيُحْزِنُكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ فَهو عَلى القِياسِ في التَغْيِيرِ؛ ومَن قَرَأ: "لَيَحْزُنُكَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الزايِ؛ فَهو عَلى كَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.
و"اَلَّذِي يَقُولُونَ"؛ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ أقْوالِهِمُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والدَفْعَ في صَدْرِ نُبُوَّتِهِ؛ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "إنَّهُ كَذّابٌ؛ مُفْتَرٍ؛ ساحِرٌ"؛ وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "إنَّهُ مَجْنُونٌ؛ مَسْحُورٌ"؛ وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "لَهُ رَئِيٌّ مِنَ الجِنِّ"؛ ونَحْوِ هَذا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "لا يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ وفَتْحِ الكافِ؛ وقَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ورَدَّها عَلى قارِئٍ عَلَيْهِ: "يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقالَ: إنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ ؛ بِسُكُونِ الكافِ؛ وتَخْفِيفِ الذالِ؛ وقَرَأها عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وهُما قِراءَتانِ مَشْهُورَتانِ؛ صَحِيحَتانِ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْناهُما؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ؛ كَما تَقُولُ: "سَقَيْتُ" و"أسْقَيْتُ"؛ و"قَلَّلْتُ"؛ و"أقْلَلْتُ"؛ و"كَثَّرْتُ"؛ و"أكْثَرْتُ"؛ وحَكى الكِسائِيُّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "كَذَّبْتُ الرَجُلَ"؛ إذا وجَدَتْهُ كَذّابًا؛ كَما تَقُولُ: "أحْمَدْتُهُ"؛ إذا وجَدَتْهُ مَحْمُودًا؛ فالمَعْنى عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ أيْ: "لا تَحْزَنْ؛ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ تَكْذِيبًا يَضُرُّكَ؛ إذْ لَسْتَ بِكاذِبٍ في حَقِيقَتِكَ؛ فَتَكْذِيبُهم كَلا تَكْذِيبَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ﴿ "فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ" ﴾ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ عنهم أنَّهم لا يُكَذِّبُونَ؛ وأنَّهم يَعْلَمُونَ صِدْقَهُ؛ ونُبُوَّتَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ عِنادًا مِنهُمْ؛ وظُلْمًا؛ والآيَةُ عَلى هَذا لا تَتَناوَلُ جَمِيعَ الكُفّارِ؛ بَلْ تَخُصُّ الطائِفَةَ الَّتِي حَكى عنها أنَّها كانَتْ تَقُولُ: "إنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ؛ ولَكِنْ إذا آمَنّا بِهِ فَضَلَتْنا بَنُو هاشِمٍ بِالنُبُوَّةِ؛ فَنَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا"؛ رُوِيَتْ هَذِهِ المَقالَةُ عن أبِي جَهْلٍ؛ ومَن جَرى مُجْراهُ؛ وحَكى النَقّاشُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ؛ فَإنَّهُ كانَ يُكَذِّبُ في العَلانِيَةِ؛ ويُصَدِّقُ في السِرِّ؛ ويَقُولُ: "نَخافُ أنْ تَتَخَطَّفَنا العَرَبُ؛ وَنَحْنُ أكَلَةُ رَأْسٍ"؛ والمَعْنى - عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يُكْذِبُونَكَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ - يَحْتَمِلُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا في "يُكَذِّبُونَكَ"؛ أيْ: "لا يَجِدُونَكَ كاذِبًا في حَقِيقَتِكَ"؛ ويَحْتَمِلُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْتُ في "يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِشَدِّ الذالِ.
وآياتُ اللهِ: عَلاماتُهُ؛ وشَواهِدُ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"يَجْحَدُونَ"؛ حَقِيقَتُهُ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْإنْكارُ بَعْدَ مَعْرِفَةٍ؛ وهو ضِدُّ الإقْرارِ؛ ومَعْناهُ - عَلى تَأْوِيلِ مَن رَأى الآيَةَ في المُعانِدِينَ - مُتَرَتِّبٌ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ وهو قَوْلُ قَتادَةَ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وغَيْرِهِما؛ وعَلى قَوْلِ مَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ قاطِبَةً؛ دُونَ تَخْصِيصِ أهْلِ العِنادِ؛ يَكُونُ في اللَفْظَةِ تَجَوُّزٌ؛ وذَلِكَ أنَّهم لَمّا أنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ؛ ورامُوا تَكْذِيبَهُ بِالدَعْوى الَّتِي لا تُعَضِّدُها حُجَّةٌ؛ عَبَّرَ عن إنْكارِهِمْ بِأقْبَحِ وُجُوهِ الإنْكارِ؛ وهو الجَحْدُ؛ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ؛ وتَقْبِيحًا لِفِعْلِهِمْ؛ إذْ مُعْجِزاتُهُ؛ وآياتُهُ نَيِّرَةٌ؛ يَلْزَمُ كُلَّ مَفْطُورٍ أنْ يَعْلَمَها؛ ويُقِرَّ بِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجَمِيعُ ما في هَذِهِ التَأْوِيلاتِ؛ مِن نَفْيِ التَكْذِيبِ؛ إنَّما هو عَنِ اعْتِقادِهِمْ؛ وأمّا أقْوالُهم جَمِيعِهِمْ؛ فَمُكَذِّبَةٌ؛ إمّا لَهُ؛ وإمّا لِلَّذِي جاءَ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكُفْرُ العِنادِ جائِزُ الوُقُوعِ؛ بِمُقْتَضى النَظَرِ؛ وظَواهِرُ القُرْآنِ تُعْطِيهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ﴾ ؛ وغَيْرِها؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إلى المَنعِ مِن جَوازِهِ؛ وذَهَبُوا إلى أنَّ المَعْرِفَةَ تَقْتَضِي الإيمانَ؛ والجَحْدَ يَقْتَضِي الكُفْرَ؛ ولا سَبِيلَ إلى اجْتِماعِهِما؛ وتَأوَّلُوا ظَواهِرَ القُرْآنِ؛ فَقالُوا - في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَجَحَدُوا بِها" ﴾ -: "إنَّها في أحْكامِ التَوْراةِ الَّتِي بَدَّلُوها؛ كَآيَةِ الرَجْمِ؛ وغَيْرِها".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وَدَفْعُ ما يُتَصَوَّرُ ويُعْقَلُ مِن جَوازِ كُفْرِ العِنادِ عَلى هَذِهِ الطَرِيقَةِ صَعْبٌ؛ أما إنَّ كُفْرَ العِنادِ مِنَ العارِفِ بِاللهِ تَعالى وبِالنُبُوَّةِ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا داعِيَةَ إلى كُفْرِ العِنادِ إلّا الحَسَدُ؛ ومَن عَرَفَ اللهَ تَعالى والنُبُوَّةَ؛ وأنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَجِيئُهُ مَلَكٌ مِنَ السَماءِ؛ فَلا سَبِيلَ إلى بَقاءِ الحَسَدِ مَعَ ذَلِكَ؛ أما إنَّهُ جائِزٌ؛ فَقَدْ رَأى أبُو جَهْلٍ عَلى رَأْسِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَحْلًا عَظِيمًا مِنَ الإبِلِ قَدْ هَمَّ بِأبِي جَهْلٍ؛ ولَكِنَّهُ كَفَرَ مَعَ ذَلِكَ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وجَدَ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حَزِينًا؛ فَسَألَهُ؛ فَقالَ: "كَذَّبَنِي هَؤُلاءِ"؛ فَقالَ: "إنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ؛ بَلْ يَعْلَمُونَ أنَّكَ صادِقٌ؛ ولَكِنَّ الظالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ".» والَّذِي عِنْدِي في كُفْرِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ؛ ومَن جَرى مُجْراهُ؛ أنَّهم كانُوا يَرَوْنَ صِفاتِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويَعْرِفُونَها؛ أو أكْثَرَها؛ ثُمَّ يَرَوْنَ مِن آياتِهِ زائِدًا عَلى ما عِنْدَهُمْ؛ فَيَتَعَلَّقُونَ في مُغالَطَةِ أنْفُسِهِمْ بِكُلِّ شُبْهَةٍ؛ بِأضْعَفِ سَبَبٍ؛ وتَتَخالَجُ ظُنُونُهُمْ؛ فَيَقُولُونَ مَرَّةً: "هُوَ ذاكَ"؛ ومَرَّةً: "عَساهُ لَيْسَهُ"؛ ثُمَّ يَنْضافُ إلى هَذا حَسَدُهُمْ؛ وفَقْدُهُمُ الرِياسَةَ؛ فَيَتَزَيَّدُ؛ ويَتَمَكَّنُ إعْراضُهُمْ؛ وكُفْرُهُمْ؛ فَهم عَلى هَذا؛ وإنْ عَرَفُوا أشْياءَ وعانَدُوا فِيها؛ فَقَدْ قَطَعُوا في ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ عَنِ الوُصُولِ إلى غايَةِ المَعْرِفَةِ؛ وبَقُوا في ظُلْمَةِ الجَهْلِ؛ فَهم جاهِلُونَ بِأشْياءَ؛ مُعانِدُونَ في أشْياءَ غَيْرِها؛ وأنا أسْتَبْعِدُ العِنادَ مَعَ المَعْرِفَةِ التامَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
لمّا جرى ذكر الساعة وما يلحق المشركين فيها من الحسرة على ما فرّطوا ناسب أن يذكّر الناس بأنّ الحياة الدنيا زائلة وأنّ عليهم أن يستعدّوا للحياة الآخرة.
فيحتمل أن يكون جواباً لقول المشركين: ﴿ إن هي إلاّ حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ [الأنعام: 29].
فتكون الواو للحال، أي تقولون إن هي إلاّ حياتنا الدنيا ولو نظرتم حقّ النظر لوجدتم الحياة الدنيا لعباً ولهواً وليس فيها شيء باق، فلعلمتم أنّ وراءها حياة أخرى فيها من الخيرات ما هو أعظم ممّا في الدنيا وإنّما يناله المتّقون، أي المؤمنون، فتكون الآية إعادة لدعوتهم إلى الإيمان والتقوى، ويكون الخطاب في قوله: ﴿ أفلا تعقلون ﴾ التفاتاً من الحديث عنهم بالغيبة إلى خطابهم بالدعوة.
ويحتمل أنَّه اعتراض بالتذييل لحكاية حالهم في الآخرة، فإنَّه لما حكى قولهم: ﴿ يا حسرتنا على ما فرّطنا فيها ﴾ [الأنعام: 31] علم السامع أنَّهم فرّطوا في الأمور النافعة لهم في الآخرة بسبب الانهماك في زخارف الدنيا، فذُيّل ذلك بخطاب المؤمينن تعريفاً بقيمة زخارف الدنيا وتبشيراً لهم بأنّ الآخرة هي دار الخير للمؤمنين، فتكون الواو عطفت جملة البشارة على حكاية النذارة.
والمناسبة هي التضادّد.
وأيضاً في هذا نداء على سخافة عقولهم إذ غرّتهم في الدنيا فسوّل لهم الاستخفاف بدعوة الله إلى الحق.
فيجعل قوله: ﴿ أفلا تعقلون ﴾ خطاباً مستأنفاً للمؤمنين تحذيراً لهم من أن تغرّهم زخارف الدنيا فتلهيهم عن العمل للآخرة.
وهذا الحكم عامّ على جنس الحياة الدنيا، فالتعريف في الحياة تعريف الجنس، أي الحياة التي يحياها كلّ أحد المعروفة بالدنيا، أي الأولى والقريبة من الناس، وأطلقت الحياة الدنيا على أحوالها، أو على مدّتها.
واللعب: عمل أو قول في خفّة وسرعة وطيش ليست له غاية مفيدة بل غايته إراحة البال وتقصير الوقت واستجلاب العقول في حالة ضعفها كعقل الصغير وعقل المتعب، وأكثره أعمال الصبيان.
قالوا ولذلك فهو مشتقّ من اللّعاب، وهو ريق الصبي السائل.
وضدّ اللعب الجِدّ.
واللهو: ما يشتغل به الإنسان ممّا ترتاح إليه نفسه ولا يتعب في الاشتغال به عقله.
فلا يطلق إلاّ على ما فيه استمتاع ولذّة وملائمة للشهوة.
وبين اللهو واللعب العموم والخصوص الوجهي.
فهما يجتمعان في العمل الذي فيه ملاءمة ويقارنه شيء من الخفّة والطيش كالطرب واللهو بالنساء.
وينفرد اللعب في لعب الصبيان.
وينفرد اللهو في نحو الميسر والصيد.
وقد أفادت صيغة ﴿ وما الحياة الدنيا إلاّ لعب ولهو ﴾ قصَر الحياة على اللعب واللهو، وهو قصر موصوف على صفة.
والمراد بالحياة الأعمال التي يحبّ الإنسان الحياة لأجلها، لأنّ الحياة مدّة وزمن لا يقبل الوصف بغير أوصاف الأزمان من طول أو قصر، وتحديد أو ضدّه، فتعيّن أنّ المراد بالحياة الأعمال المظروفة فيها.
واللعب واللهو في قوة الوصف، لأنّهما مصدران أريد بهما الوصف للمبالغة، كقول الخنساء: فإنّما هي إقبال وإدبار *** وهذا القصر ادّعائي يقصد به المبالغة، لأنّ الأعمال الحاصلة في الحياة كثيرة، منها اللهو واللعب، ومنها غيرهما، قال تعالى: ﴿ إنّما الحياة الدنيا لعب ولَهْو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ﴾ [الحديد: 20].
فالحياة تشتمل على أحوال كثيرة منها الملائم كالأكل واللذات، ومنها المؤلم كالأمراض والأحزان، فأمّا المؤلمات فلا اعتداد بها هنا ولا التفات إليها لأنّها ليست ممّا يرغب فيه الراغبون، لأنّ المقصود من ذكر الحياة هنا ما يحصل فيها ممّا يحبّها الناس لأجله، وهو الملائمات.
وأمّا الملائمات فهي كثيرة، ومنها ما ليس بلعب ولهو، كالطعام والشراب والتدفّئ في الشتاء والتبرّد في الصيف وجمع المال عند المولع به وقرى الضيف ونكاية العدوّ وبذل الخير للمحتاج، إلاّ أنّ هذه لمّا كان معظمها يستدعي صرف همّة وعمل كانت مشتملة على شيء من التعب وهو منافر.
فكان معظم ما يحبّ الناس الحياة لأجله هو اللهو واللعب، لأنّه الأغلب على أعمال الناس في أول العمر والغالبُ عليهم فيما بعد ذلك.
فمن اللعب المزاح ومغازلة النساء، ومن اللهو الخمر والميسر والمغاني والأسمار وركوب الخيل والصيد.
فأمّا أعمالهم في القربات كالحجّ والعمرة والنذر والطواف بالأصنام والعتيرة ونحوها فلأنّها لمّا كانت لا اعتداد بها بدون الإيمان كانت ملحقة باللعب، كما قال تعالى: ﴿ وما كان صلاتُهم عند البيت إلاّ مكاء وتصدية ﴾ [الأنفال: 35]، وقال: ﴿ الذين اتّخذوا دينهم لَهَواً ولعباً وغرّتهم الحياة الدنيا ﴾ [الأعراف: 51].
فلا جرم كان الأغلب على المشركين والغالب على الناس اللعب واللهو إلاّ من آمن وعمل صالحاً.
فلذلك وقع القصر الادّعائي في قوله: ﴿ وما الحياة الدنيا إلاّ لعب ولهو ﴾ .
وعقّب بقوله: ﴿ وللدّار الآخرة خير للذين يتَّقون ﴾ ، فعلم منه أنّ أعمال المتَّقين في الدنيا هي ضدّ اللعب واللهو، لأنّهم جعلت لهم دار أخرى هي خير، وقد علم أنّ الفوز فيها لا يكون إلاّ بعمل في الدنيا فأنتج أنّ عملهم في الدنيا ليس اللهو واللعب وأنّ حياة غيرهم هي المقصورة على اللهو واللعب.
والدار محلّ إقامة الناس، وهي الأرض التي فيها بيوت الناس من بناء أو خيام أو قباب.
والآخرة مؤنّثُ وصف الآخِر بكسر الخاء وهو ضدّ الأول، أي مقرّ الناس الأخير الذي لا تحوّل بعده.
وقرأ جمهور العشرة ﴿ وللدار ﴾ بلامين لام الابتداء ولام التعريف، وقرأوا ﴿ الآخرة ﴾ بالرفع.
وقرأ ابن عامر ﴿ ولَدارُ الآخرة ﴾ بلام الابتداء فقط وبإضافة دار منكّرة إلى الآخرة فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، كقولهم: مسجد الجامع، أو هو على تقدير مضاف تكون ﴿ الآخرة ﴾ وصفاً له.
والتقدير: دار الحياة الآخرة.
و ﴿ خَيْر ﴾ تفضيل على الدنيا باعتبار ما في الدنيا من نعيم عاجل زائل يلحق معظمة مؤاخذةٌ وعذاب.
وقوله ﴿ للذين يتّقون ﴾ تعريض بالمشركين بأنّهم صائرون إلى الآخرة لكنّها ليست لهم بخير ممّا كانوا في الدنيا.
والمراد ب ﴿ الذين يتّقون ﴾ المؤمنون التابعون لما أمر الله به، كقوله تعالى: ﴿ هدى للمتّقين ﴾ [البقرة: 2]، فإنّ الآخرة لهؤلاء خير محض.
وأمّا من تلحقهم مؤاخذة على أعمالهم السيئة من المؤمنين فلمّا كان مصيرهم بعدُ إلى الجنّة كانت الآخرة خيراً لهم من الدنيا.
وقوله: ﴿ أفلا تعقلون ﴾ عطف بالفاء على جملة: ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ إلى آخرها لأنّه يتفرّع عليه مضمون الجملة المعطوفة.
والاستفهام عن عدم عقلهم مستعمل في التوبيخ إن كان خطاباً للمشركين، أو في التحذير إن كان خطاباً للمؤمنين.
على أنَّه لمّا كان استعماله في أحد هذين على وجه الكناية صحّ أن يراد منه الأمران باعتبار كلا الفريقين، لأنّ المدلولات الكنائية تتعدّد ولا يلزم من تعدّدها الاشتراك، لأنّ دلالتها التزامية، على أنّنا نلتزم استعمال المشترك في معنييه.
وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص، وأبو جعفر، ويعقوب، ﴿ أفلا تعقلون ﴾ بتاء الخطاب على طريقة الإلتفات.
وقرأه الباقون بياء تحتية، فهو على هذه القراءة عائد لما عاد إليه ضمائر الغيبة قبله، والاستفهام حينئذٍ للتعجيب من حالهم.
وفي قوله: ﴿ للذين يتّقون ﴾ تأييس للمشركين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وما أمْرُ الدُّنْيا والعَمَلُ لَها إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ، فَأمّا عَمَلُ الصّالِحاتِ فِيها فَهو مِن عَمَلِ الآخِرَةِ، فَخَرَجَ مِن أنْ يَكُونَ لَعِبًا ولَهْوًا.
والثّانِي: وما أهْلُ الحَياةِ الدُّنْيا إلّا أهْلُ لَعِبٍ ولَهْوٍ لِاشْتِغالِهِمْ بِها عَمّا هو أوْلى مِنها، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنَّهم كَأهْلِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ لِانْقِطاعِ لَذّاتِهِمْ وقُصُورِ مُدَّتِهِمْ، وأهْلُ الآخِرَةِ بِخِلافِهِمْ لِبَقاءِ مُدَّتِهِمْ واتِّصالِ لَذَّتِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ لِأنَّهُ قَدْ دامَ لَهم فِيها ما كانَ مُنْقَطِعًا في غَيْرِها.
﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم.
وَذَكَرَ بَعْضُ الخاطِرِيَّةِ قَوْلًا رابِعًا: أنَّها لَعِبٌ لِمَن جَمَعَها، لَهْوٌ لِمَن يَرِثُها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كل لعب لهو.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ ، قال المفسرون: (هذا رد لقول الكفار: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ (١) (٢) ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ (٣) (٤) ﴿ إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ يريد: باطل وغرور) (٥) (٦) وقال مقاتل في قوله: ( ﴿ إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ يلهون في الدنيا) (٧) وهذا يؤكد أن المراد بهذا حياة الكافر؛ لأن المؤمن لا يشتغل باللهو في الدنيا عن عمل الآخرة.
وقال آخرون: (هذا عام في حياة المؤمن والكافر، والمراد بقوله: ﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ أنها تنقضي وتفنى ولا تبقى كاللعب واللهو، يكون لذة فانية عن قريب) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ ﴾ قال ابن عباس: (يريد الجنة) (٩) (١٠) ﴿ وَالْآخِرَةُ ﴾ صفة ﴿ وَلَلدَّارُ ﴾ وسميت ﴿ الْآخِرَةُ ﴾ لأنها بعد الدنيا (١١) (١٢) قال الفراء: (يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، كقولهم: بارحة الأولى، ويوم الخميس، وحق اليقين؛ فإذا اتفقا لم تقل العرب: هذا حق الحق ولا يقين اليقين، وذلك أنهم يتوهمون إذا اختلفا في اللفظ أنهما مختلفان في المعنى، ولا يتوهمون ذلك إذا اتفق اللفظ) (١٣) وعند البصريين (١٤) ﴿ الْآخِرَةُ ﴾ صفة ﴿ وَلَلدَّارُ ﴾ ؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ولكنه جعلها صفة الساعة، وكأنه قال: ولدار الساعة الآخرة، وجاز وصف الساعة بالآخرة كما جاز ذلك في اليوم في قوله تعالى: ﴿ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾ ، فإن قيل: على هذا التقدير الذي ذكرتم يكون قد أقام ﴿ الْآخِرَةُ ﴾ التي هي الصفة مقام الموصوف الذي هو الساعة، وذلك قبيح!
قيل: لا يقبح ذلك إذا كانت الصفة قد استعملت استعمال الأسماء و ﴿ الْآخِرَةُ ﴾ صارت كالأبطح (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾ ، فليست ﴿ الْآخِرَةُ ﴾ كالصفات التي لم تستعمل استعمال الأسماء (١٨) ﴿ الْآخِرَةُ ﴾ في أنها استعملت استعمال [الأسماء] (١٩) والاختيار قراءة العامة (٢٠) ﴿ الْآخِرَةُ ﴾ صفة ﴿ وَلَلدَّارُ ﴾ ، وإذا كانت صفة لها وجب أن يجري عليها في الإعراب ولا يضاف إليها، والدليل على كونها صفة ﴿ وَلَلدَّارُ ﴾ قوله تعالى: ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾ فقد علمت بإقامتها مقامها أنها هي وليست غيرها فيستقيم أن يضاف إليها (٢١) قوله تعالى: ﴿ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ قال ابن عباس: (يريد اتقوا الله ولم يشركوا به شيئًا) (٢٢) وقال مقاتل: (للذين اتقوا الشرك) (٢٣) وقال الكلبي: (للذين يتقون الكفر والشرك والفواحش) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾ (٢٥) (٢٦) وقرئ: ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ بالتاء (٢٧) (٢٨) ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ ، أو يكون قد وجه الخطاب في ذلك إلى الذين خوطبوا، أي ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ أيها المخاطبون أن ذلك خير (٢٩) (١) في النسخ (ما هي) بدلاً من (إن)، وهو تحريف، وفي الجاثية الآية 24، قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ﴾ الآية.
(٢) في (أ): (حيوتنا) بدلًا من (حياتنا).
(٣) في (أ): (الحيوة) حسب رسم المصحف.
(٤) ذكره عامة المفسرين أن الآية رد على منكري البعث.
انظر: الطبري 7/ 180، وابن عطية 5/ 179، والرازي 12/ 200، والقرطبي 6/ 414، و"الخازن" 2/ 129، و"البحر" 4/ 108.
(٥) ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 200، والقرطبي 6/ 415، و"الخازن" 2/ 129، وأبو حيان في "البحر" 4/ 108.
(٦) في (ب): (يكون).
وانظر: "تفسير الرازي" 12/ 200.
(٧) "تفسير مقاتل" 1/ 558، وفيه قال: ( ﴿ إِلَّا لَعِبٌ ﴾ إلا باطل، ﴿ وَلَهْوٌ ﴾ يكون في الدنيا) ا.
هـ.
(٨) انظر: "الطبري" 7/ 180، والرازي 12/ 200، والقرطبي 6/ 414.
(٩) ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 203، وأبو حيان في "البحر" 4/ 109.
(١٠) "تنوير المقباس" 2/ 14، وهو قول السمرقندي 1/ 481، وابن الجوزي 3/ 27، والقرطبي 6/ 415، وغيرهم.
(١١) انظر: "تفسير القرطبي" 6/ 415.
(١٢) قال ابن الجزري في "النشر" 2/ 257: (قرأ ابن عامر: (ولدار) بلام واحدة وتخفيف الدال.
(الآخرة) بخفض التاء على الإضافة، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام.
وقرأ الباقون بلامين مع تشديد الدال للإدغام وبالرفع على النعت، وكذا هو في مصاحفهم) ا.
هـ وانظر: "السبعة" ص 256، و"المبسوط" ص 167، و"التذكرة" 2/ 397، و"التيسير" ص 102.
(١٣) "معاني الفراء" 1/ 330 - 331، وقال الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 351: (من قرأ: (ولدار الآخرة) فإنه أضاف الدار إلى الآخرة، والعرب تضيف الشيء إلى نعته، وهو كثير فصيح جيد) ا.
هـ.
بتصرف.
واختار هذا التوجيه البغوي 3/ 139.
(١٤) انظر: "الأصول" 2/ 8، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 67، و"الإنصاف" ص 353، و"المغني" لابن هشام 2/ 626، واختار هذا التوجيه أكثرهم.
انظر: "المشكل" 1/ 251، و"البيان" 1/ 319، و"الفريد" 2/ 141.
(١٥) الأبطح: مسيل والتسبيح فيه دقاق الحصى.
انظر: "القاموس" ص 213، (بطح).
(١٦) الأبرق: كثير التهديد والتوعد.
انظر: "القاموس" ص 866.
(برق).
(١٧) في (أ): (استعمالها).
(١٨) قال السمين في "الدر" 4/ 600، في توجيه كلام البصريين: (وحسن ذلك أيضًا في الآية كون هذه الصفة جرت مجرى الجوامد في إيلائها العوامل كثيراً.
وكذلك كل ما جاء مما توهم فيه إضافة الموضف إلى صفته، وإنما احتاجوا إلى ذلك لئلا == يلزم إضافة الشيء إلى نفسه وهو ممتنع، لأن الإضافة إما للتعريف أو للتخصيص، والشيء لا يعرف نفسه ولا يخصصها) ا.
هـ.
وانظر: "التبيان" للعكبري 1/ 330.
(١٩) لفظ: (الأسماء) ساقط من (أ).
(٢٠) واختار قراءة العامة أيضًا الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 351، ومكي في "الكشف" 1/ 430.
(٢١) هذا معنى قول أبي علي في "الحجة" 3/ 300 - 302، لكنه لم يذكر اختيار قراءة العامة.
وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 246، و"تفسير ابن عطية" 5/ 179، والرازي 12/ 203، والقرطبي 6/ 415، و"البحر المحيط" 4/ 109.
(٢٢) ذكر الرازي 12/ 203، وأبو حيان في "البحر" 4/ 109، عنه نحوه بلفظ: (خير لمن اتقى الكفر والمعاصي)، وفي "تنوير المقباس" 2/ 15: (خير لمن اتقى الكفر والشرك والفواحش).
(٢٣) "تفسير مقاتل" 1/ 558.
(٢٤) "تنوير المقباس" 2/ 15، والمعاني متقاربة، وهي من باب التنبيه على بعض أجزاء التقوى، فأول ما يتقى الكفر، ثم الشرك؛ ثم الفواحش والمعاصي.
انظر: الطبري 7/ 180، والسمرقندي 1/ 481، والبغوي 3/ 139، والقرطبي 6/ 315.
(٢٥) في (ش): (تعقلون)، وهي قراءة سبعية.
(٢٦) هذا قول أبي علي الفارسي في "الحجة" 3/ 297، في توجيه القراءة بالياء.
وانظر: الطبري 7/ 180، والبغوي 3/ 139.
(٢٧) قرأ ابن عامر ونافع وحفص عن عاصم: (تعقلون) بالتاء، والباقون بالياء.
انظر: "السبعة" ص 256، و"المبسوط" ص 167، و"التذكرة" 2/ 397، و"التيسير" ص 102، و"النشر" 2/ 257.
(٢٨) في (أ): (على معنى وقل لهم).
(٢٩) هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 297 - 300، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 350، و"إعراب القراءات" 1/ 155، و"الحجة" لابن خالويه ص 138، ولابن زنجلة ص 246، و"الكشف" 1/ 429، و"تفسير ابن عطية" 6/ 38، و"البحر" 4/ 110، و"الدر المصون" 4/ 600، ونقل قول الواحدي الرازي 12/ 167.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار ﴾ جواب لو محذوف هنا، وفي قوله: ﴿ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ ﴾ ، وإنما حذف ليكون أبلغ ما يقدره السامع: أي لو ترى لرأيت أمراً شنيعاً هائلاً، ومعنى وقفوا حبسوا، قاله ابن عطية، ويحتمل أن يريد بذلك إذا ادخلوا النار، وإذا عاينوا وأشرفوا عليها، ووضع إذ موضع إذا لتحقيق وقوع الفعل حتى كأنه ماض ﴿ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ ﴾ فرئ برفع نكذبُ ونكونُ على الاستئناف والقطع على التمني، ومّله سيبويه بقولك: دعني ولا أعود أي وأنا لا أعود، ويحتمل أن يكون حالاً تقديره نرد غير مكذبين، أو عطف على نرد، وقرئ بالنصب بإضمار أن بعد الواو في جواب التمني ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ المعنى ظهر لهم يوم القيامة في صحائفهم ما كانوا يخفون في الدنيا من عيوبهم وقبائحهم، وقيل: هي في أهل الكتاب أي بدا لهم ما كانوا يخفون من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هي في المنافقين أي بدا لهم ما كانوا يخفون من الكفر، وهذان القولان بعيدان، فإن الكلام أوله ليس في حق المنافقين ولا أهل الكتاب، وقيل: إن الكفار كانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يشعر بها أتباعهم، فظهر لهم ذلك يوم القيامة ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ ﴾ إخبار بأمر لا يكون لو كان كيف كان يكون وذلك مما انفرد الله بعلمه ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ يعني في قولهم: ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، ولا يصح أن يرجع إلى قولهم: يا ليتنا نردّ، لأن التمني لا يحتمل الصدق ولا الكذب ﴿ وقالوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ حكاية عن قولهم في إنكار البعث الأخروي ﴿ قَالَ أَلَيْسَ هذا بالحق ﴾ تقرير لهم وتوبيخ ﴿ قَالُواْ ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ الضمير فيها للحياة الدنيا لأن المعنى يقتضي ذلك وإن لم يجر لها ذكر، وقيل: الساعة أي فرطنا في شأنها، والاستعداد لها، والأول أظهر ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ ﴾ كناية عن تحمل الذنوب، وقال: على ظهورهم، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، وقيل: إنهم يحملونها على ظهورهم حقيقة، وروي في ذلك أن الكافر يركبه عمله بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله بعد أن يتصوّر له في أحسن صورة ﴿ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ إخبار عن سوء ما يفعلون من الأوزار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ بالنصب فيهما: حمزة وحفص ويعقوب وافق ابن عامر في ﴿ ونكون ﴾ الباقون: بالرفع ﴿ ولدار الآخرة ﴾ بالإضافة: ابن عامر بتأويل الساعة الآخرة، الباقون: بتعريف الدار ورفع الآخرة على الوصفية.
﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص وكذلك في الأعراف ﴿ يكذبونك ﴾ بالتخفيف من أكذبه إذا وجده كاذباً: علي ونافع والأعشى في اختياره.
الباقون: بالتشديد من كذبه إذا نسبه إلى الكذب.
﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ وينأون عنه ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ بلقاء الله ﴾ ط لأن "حتى" للابتداء فيها لا لأن الواو للحال ﴿ على ظهورهم ﴾ ط ﴿ يزرون ﴾ ه ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ نصرنا ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقصود لكلمات الله كذلك.
﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ بآية ﴾ ط ﴿ من الجاهلين ﴾ ه ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.
التفسير: لما بيّن أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بعض أسباب ذلك فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ قال ابن عباس: حضر عند رسول الله أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف واستمعوا إلى حديث رسول الله فقالوا للنضر: ما تقول في محمد؟
فقال: ما أدري ما يقول إلا أني أرى تحريك.
شفتيه يتكلم بشيء وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية.
وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، وكان يحدث قريشاً فيستملحون حديثه فنزلت الآية.
والأكنة جمع كنان وهو كل ما وقى شيئاً وستره من الأغطية والقفل، ومنه أكننت وكننت.
وأن يفقهوه مفعول لأجله أي كراهة فقههم.
والوقر الثقل في الآذان.
والتركيب يدور على الثقل ومنه الوِقر بالكسر الحمل، والوقار الحلم.
وفي الآية دلالة على أن الله تعالى هو الذي يصرف عن الإيمان ويحول بين المرء وبين قلبه.
وقالت المعتزلة: لا يمكن أجراؤها على ظاهرها وإلا كأن فيها حجة الكفار، ولأنه يكون تكليفاً للعاجز.
ولم يتوجه ذمهم في قولهم ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ فلا بد من التأويل وذلك من وجوه الأول: قال الجبائي: إن القوم كانوا يسمعون لقراءة الرسول ليتوسلوا بسماع قراءته إلى مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه، فكان الله يلقي على قلوبهم النوم والغفلة، وعلى آذانهم الثقل.
وزيف بأن المراد لوكان ذلك لقيل " أن يسمعوه" بدل "أن يفقوه".
وبأن قوله ﴿ وأن يروا كل آية ﴾ أي كل دليل وحجة ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ لا يناسبه.
الثاني: أن المكلف الذي علم الله أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر يسم قلبه بعلامة مخصوصة لتستدل الملائكة برؤيتها فلا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان مع انها في نفسها ليست بمانعة عن الإيمان.
الثالث: يقال: إنه جبل على كذا إذا كان مصّراً عليه وذلك على جهة التمثيل.
الرابع: لما منعهم الألطاف التي تصلح أن تفعل بالمهتدين وفوّض أمورهم إلى أنفسهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه.
الخامس: أن هذا حكاية قولهم ﴿ وفي ءَاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ وعورضت هذه الأدلة بالعلم والداعي، وذلك أن الله علم من الكافر أنه لا يؤمن وخلاف علمه محال، وأنه هو الذي خلق فيهم داعية الكفر ومع وجود تلك الداعية يستحيل الإيمان فهو المعنى بالكنان.
وتحقيق المسألة تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ والإفراد في ﴿ يستمع ﴾ والجمع في ﴿ قلوبهم ﴾ اعتبار اللفظ من تارة ولمعناه أخرى ﴿ حتى إذا جاؤك ﴾ هي حتى المبتدأة التي يقع بعدها الجمل كقوله: حتى ماء دجلة أشكل.
والجملة ههنا مجموع الشرط والجزاء أعني قوله ﴿ إذا جاؤك ﴾ يقول: ﴿ ويجادلونك ﴾ في موضع الحال.
ويجوز أن تكون حتى جارّة أي حتى وقت مجيئهم ﴿ ويجادلونك ﴾ حال بحاله ﴿ ويقول ﴾ تفسير له.
والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى حالة المجادلة.
ثم فسر الجدل بأنهم يقولون ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ وأصل السطر هو أن يجعل شيئاً ممتداً مؤلفاً في صف ومنه سطر الكتاب وسطر من نخيل وجمعه أسطار وجمع الجمع أساطير.
وقال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة كأحاديث وأحدوثة.
وقال أبو زيد: لا واحد له كعباديد.
قال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها.
ومن فسر الأساطير بالخرافات والترهات نظر.
إلى أن الإغلب هو أن لا يكون فيها فائدة معتبرة كحديث رستم وغيره فذلك معنى وليس بتفسير.
ثم إن غرض القوم من هذا القول هو القدح في كون القرآن معجزاً كما الكتب المشتملة على الأخبار والقصص ليست بمعجزة، والجواب أن هذا مقرون بالتحدي وقد عجزوا عن آخرهم دون تلك فظهر الفرق.
ثم أكد طعنهم في القرآن بقوله ﴿ وهم ينهون عنه ﴾ قال محمد بن الحنفية وابن عباس في رواية والسدي والضحاك: عن القرآن وتدبره والاستماع له ﴿ وينأون عنه ﴾ والنأي البعد.
نأيته ونأيت عنه وناء الرجل إذا بعد لغة في "نأى" وحملوه على القلب لأن المصدر لم يجيء إلا على النأي.
وقيل: الضمير للرسول والمراد النهي عن اتباعه والتصديق بنبوّته، جمعوا بين قبيحين: النأي والنهي فضلوا وأضلوا.
وعن عطاء ومقاتل عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله ويتباعد عما جاء به.
روي أن قريشاً اجتمعوا إلى أبي طالب يريدون سوءاً بالنبي فقال أبو طالب: والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر بذلك منك عيونا وعرضت ديناً لا محالة أنه *** من خير أديان البرية دينا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا الملامة أو حذاري سبة *** لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً وضعفت هذه الرواية بقوله ﴿ إن يهلكون إلا أنفسهم ﴾ يعني بما تقدم ذكره، ولكن النهي عن أذيته حسن لا يوجب الهلاك.
ويمكن أن يجاب بأن الذم توجه على الهيئة الاجتماعية الحاصلة من النهي مع النأي كقوله ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾ ولو سلم فلم لا يجوز أن يرجع الذم إلى القسم الأخير فقط.
ثم بيَّن أنه كيف يعود الضرر إليهم فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ وجواب "لو" محذوف أي لرأيت سوء منقلبهم ونحو ذلك.
وجاز حذفه للعلم به ولما في الحذف من تفخيم الشأن وهو ذهاب الوهم كل مذهب كما لو قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك وسكت عن الجواب.
ذهب فكره إلى أنواع المكاره من الضرب والقتل وغيرهما بخلاف ما لو قلت: لأضربنك.
ولمثل هذا من إرادة المبالغة قال ﴿ وقفوا ﴾ بلفظ الماضي مع "إذا" الدال على المضي كأن هذا الأمر وقع وتحقق فكان من حقه أن يخبر عنه بلفظ الماضي أي وقفوا على أن يدخلوا النار وهم يعاينونها، أو وقفوا عليها وهي تحتهم، أو هو من قولهم: وقفت على المسألة الفلانية وقوفاً أي عرفوا حقيقتها تعريفاً أو المراد أنهم في جوف النار غائصين فيها فتكون "على" بمعنى "في" وجاز لأن النار دركات بعضها فوق بعض فلا يخلو من معنى الاستعلاء ﴿ يا ليتنا نردّ ﴾ هو داخل في حكم التمني.
أما قوله ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ فمن قرأ بالنصب فيهما فبإضمار "أن" على جواب التمني والمعنى إن رددنا إلى دار التكليف لم نكذب ونكن من المؤمنين.
ومن قرأ بالرفع فيهما فوجهان: أحدهما أن التمني يتم عند قوله ﴿ نرد ﴾ ثم ابتدؤا ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ أي ونحن لا نكذب ونكون كأنهم ضمنوا أن لا يكذبوا ويكونوا من المؤمنين سواء حصل الرد أو لم يحصل.
وشبهه سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود بمعنى دعني وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني.
وثانيهما أن يكونا معطوفين على ﴿ نرد ﴾ أو حالين على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين فيدخل المجموعتحت حكم التمني.
وأورد على هذا الوجه أن المتمني لا يكون كاذباً وقد قال ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وأجيب بأن هذا التمني قد تضمن معنى الوعد فجاز أن يتعلق به التكذيب كقول القائل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك فهذا متمن في حكم الواعد فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه كذب لأنه كأنه قال: إن رزقني الله مالاً أحسنت إليك.
وأما قراءة ابن عامر فمعناه إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين ثم رد الله عليهم بأنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا وترك التكذيب وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان بل لأجل خوفهم من العذاب الذي شاهدوه وعاينوه فقال ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وما الذي كانوا يخفونه في الدنيا.
قال أكثر المفسرين: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك معنى ﴿ بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وقال المبرد: بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها، وذلك أن كفرهم ما كان ظاهراً لهم وإنما ظهر لهم يوم القيامة.
وقال الزجاج: بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء منهم من أمر البعث والنشور بدليل قوله بعد ذلك ﴿ وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ وهذا قول الحسن.
وقيل: إنها في المنافقين كانوا يسرون الكفر فيظهر نفاقهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.
وقيل: هو في أهل الكتاب يظهر لهم ما كانوا يكتمونه من صحة نبوة محمد .
والأولى حمل الآية على الكل لأنه يوم تبلى السرائر فلا جرم تظهر الفضائح والقبائح وتنكشف الأسرار وتنهتك الأستار اللهم كفر عنا سيآتنا في ذلك اليوم.
ثم قال ﴿ ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ قيل كيف يتصوّر هذا وإنهم قد عرفوا الله حينئذ بالضرورة وشاهدوا الأحوال والأهوال؟
وأجاب القاضي بأن المراد ولو ردّوا إلى حالة التكليف.
وعلى هذا التقدير لا تبقى المعرفة ضرورية فلا يمتنع صدور الكفر عنهم.
وضعف بأن المقصود من إيراد هذا الكلام المبالغة في غيهم وتماديهم وإصرارهم على الكفر.
وإذا فرض عودهم إلى حالة التكليف زال التعجب كما هو الأن فإذن لا تنحل العقدة إلا بأن يقال: المراد توكيد جريان القضاء السابق فيهم بحيث لو شاهدوا العذاب والعقاب ثم سألوا الرجعة فردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك ولم ينجع ذلك فيهم ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما وعدوا في ضمن التمني أو في كل شيء ولهذا قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ "إن" نافية والضمير عائد إلى حقيقة الحياة "المعلومة في الأذهان ولهذا أضيف الى جمع المتكلم أي ما لنا حياة إلا هذه الحياة" التي هي أقرب إلينا ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ بعدها.
وقيل: إن تقدير الآية ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولأنكروا البعث ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا.
ثم لما قرر إنكارهم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ﴾ تمسك بعض المشبهة بهذا على أنه يحضر تارة ويغيب أخرى، ورد بأن استعلاء شيء على ذات الله محال بالاتفاق فوجب تأويل الأية بأنه مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه للعتاب، أو لمضاف محذوف أي على جزاء ربهم أو وعده أو إخباره بثواب المؤمنين وعقاب الكافرين، أوهو من قولك: وقفته على كذا أي أطلعته عليه.
ثم كان لسائل أن يقول: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟
فأجيب ﴿ قال أليس هذا ﴾ الذي عاينتموه من حديث البعث والجزاء ﴿ بالحق ﴾ الذي حدثتموه؟
﴿ قالوا بلى وربنا ﴾ وفيه دليل على أن حالهم في الإنكار سيؤل إلى الإقرار، ثم كأنه سئل ماذا قيل لهم بعد الإقرار؟
فأجيب ﴿ قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ أي بسبب كفركم وذلك ليعلم أن الإقرار في غير دار التكليف لا ينفع، وذلك أن جوهر النفس اللطيفة القدسية بعث إلى هذا العالم الجسماني الكثيف وأعطى الآلات الجسمانية لتحصيل المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت.
فإذا استعملها الإنسان بناء على اعتقاد عدم المعاد في تحصيل اللذات الفانية والسعادات المنقطعة إلى أن ينقضي أجله فقد ضاع رأس المال ولا ربح وذلك قوله ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ﴾ أي ببلوغ الآخرة وثوابها وعقابها.
عبر عن ذلك بلقاء الله لأنه لا حكم لأحد هناك إلا لله بخلاف الدنيا فإنه قد يظن أن للإنسان تصرفاً واختياراً وملكاً وملكاً.
وحمل اللقاء على الرؤية أيضاً غير بعيد عند أهل السنة.
و"حتى" غاية لـ ﴿ كذبوا ﴾ لا لـ ﴿ خسر ﴾ لأن خسرانهم لا غاية له أي لم يزل بهم التكذيب إلى تحسرهم وقت مجيء الساعة بل وقت موتهم، فإن أمارات السعادة والشقاوة تلوح على صفحات أحوال المكلف من وقتئذ وهذا معنى قوله "من مات فقد قامت قيامته" وسمى يوم القيامة الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل: ما هو إلا ساعة الحساب، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها إلا الله ولهذا قال ﴿ بغتة ﴾ أي فجأة.
وانتصابها على الحال أي باغتة من بغته إذا فاجأه، أو على المصدر العام أي بغتتهم الساعة بغتة أو الخاص لأن البغت نوع من المجيء ﴿ قالوا ﴾ عامل "إذ" ﴿ يا حسرتنا ﴾ مثل ﴿ يا ويلتي ﴾ وقد مر مثله في سورة المائدة أي احضري فهذا وقتك ﴿ على ما فرّطنا ﴾ أصله يدل على الترك والهمزة في الإفراط لإزالة ذلك.
وقولهم فرطت القوم أي سبقتهم إلى الماء، معناه تركتهم من ورائي حتى حصل لي التقدم.
أما الضمير في ﴿ فيها ﴾ فقال ابن عباس: أي في الدنيا وإن لم يجر لها ذكر في الآية بدلالة العقل لأن موضع التقصير هو الدنيا.
وقال الحسن: أي في وقت الساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها وإعداد الزاد وتحصيل الأهبة لها.
وقال محمد بن جرير الطبري: يعود إلى الصفقة والمبايعة بدلالة ذكر الخسران.
وقيل: إلى ما فيما فرطنا أي يا حسرتنا على الأعمال والطاعات التي تركناها وقصرنا فيها.
ثم بين تضاعف خسرانهم بأنهم لم يحصلوا لأنفسهم مواجب الثواب ولكن حصلوا مواجب العقاب فقال ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ هي الآثام والخطايا.
وأصل الوزر الثقل ومنه الوزير لأنه يحمل ثقل صاحبه.
والوزر الملجأ لأنه يدفع عنه ما أصابه فكأنه حمله.
أما كيفية حملهم الأوزار فقال في الكشاف: إنه مجاز عن حصولها لهم كقوله ﴿ فبما كسبت أيديكم ﴾ لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور كما ألف الكسب بالأيدي.
وقال الزجاج: الثقل قد يذكر في الحال والصفة.
ثقل عليّ خطاب فلان أي كرهته، فالمعنى أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم.
وقيل: هو كقولك: شخصك نصب عيني أي ذكرك ملازم لي.
وقال جمع من المفسرين: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحاً فيقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم فذلك قوله ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قالوا ركباناً وإن الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحاً فيقول: أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم قاله قتادة والسدي.
﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ بئس شيئاً يزرون وزرهم.
ثم رغب في الحياة الباقية وزهد في الحياة العاجلة فقال ﴿ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ﴾ قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق لأن حياة المؤمن تحصل فيها أعمال صالحة فلا تكون لعباً ولهواً.
وقال آخرون: هو عام في حياة المؤمن والكافر وذلك أن مدة اللهو واللعب وكل شيء يلهيك ويشغلك مما لا أصل له قليلة سريعة الانقضاء والزوال، ومدة هذه الحياة كذلك.
وأيضاً اللعب واللهو لا بد أن يتناهيا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره ولذات الدنيا كذلك، ولهذا رفضها العلماء المحققون والحكماء المتألهون.
﴿ وللدار الآخرة ﴾ قال ابن عباس: هي الجنة وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي.
وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير.
وقال الآخرون: نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا من حيث إنها دائمة باقية مصونة عن شوائب الآفات والمخافات، آمنة من نقص الانقضاء والانقراض ﴿ للذين يتقون ﴾ فيه أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن اتقى الكفر والمعاصي، وأما الكافر والفاسق فالدنيا بالنسبة إليهما خير كما قال : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" .
﴿ أفلا تعقلون ﴾ قال الواحدي: من قرأ بتاء الخطاب فالمعنى قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون، ومن قرأ بالياء فمعناه أفلا يعقل الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار؟
وذلك أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوات التي يشارك فيها سائر الحيوانات، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل، فالجمل أكثر أكلاً، والديك والعصفور أكثر وقاعاً، والذئب والنمر والحيات أقوى غضباً وقهراً، وكل من وقف عمره على هذه المطالب لم يكن له عند العقلاء وزن ولا عند الحكماء والعلماء قدر، وكل من صرف عمره في تحصيل الكمالات الدائمات والسعادات الباقيات كان له في العيون مهابة وفي القلوب قبول، وذلك دليل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية وعلو مرتبة الكمالات الروحانية.
وهب أن النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة أليس المعلوم أفضل من المظنون وأن خيرات الآخرة معلومة قطعاً والوصول إلى خيرات الدنيا في الغد غير معلوم ولا مظنون؟
فكم من سلطان قاهر بكرة صار تحت التراب عشية، وكم من متمول متغلب أصبح أميراً كبيراً ثم أمسى فقيراً حقيراً.
وهب أنه وجد بعد هذا اليوم يوماً آخر فلن يمكنه الانتفاع بكل ما جمع من الأسباب، ولو انتفع فقلما يخلص من شوائب المكاره والآفات كما روي أنه قال "من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق.
قيل: وما هو يا رسول الله؟
قال: سرور يوم بتمامه" وهب أن الدست له قد تم، أليس مآل كل ذلك إلى الزوال والانقراض؟
وكفى بذلك نقصاً وكدراً كما قال: كمال الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا ثم سلى رسول الله وقال ﴿ قد نعلم ﴾ والمراد كثرة العلم والمبالغة كما مر في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك ﴾ والهاء في ﴿ أنه ﴾ ضمير الشأن وكسرت بعد العلم لمكان لام الابتداء في ﴿ ليحزنك ﴾ وما ذلك المحزن؟
قال الحسن: هو قولهم ساحر شاعر كاهن مجنون: وقيل: تصريحهم بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه.
وقيل: نسبتهم إياه إلى الكذب ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ قال أبو علي وثعلب: أكذبه وكذبه بمعنى.
وقيل: أكذبت الرجل ألفيته كاذباً، وكذبته إذا قلت له كذبت.
وقال الكسائي: أكذبته إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب.
وقال الزجاج: معنى كذبته قلت له كذبت، ومعنى أكذبته أن الذي أتى به كذب في نفسه من غير ادعاء أن ذلك القائل تكلف ذلك الكذب وأتى به على سبيل الافتعال والقصد.
فمن قرأ بالتخفيف نظر إلى أن القوم كانوا يعتقدون أن محمداً ما ذكر ذلك على سبيل الافتعال والترويج بل تخيل صحة ذلك وأنه نبي إلا أن تخيله باطل.
ثم إن ظاهر الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمداً ولكنهم يجحدون بآيات الله، وفي الجمع بين الأمرين وجوه: الأول أن القوم ما كانوا يكذبونه في السر ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن ونبوته ويؤكده رواية السدي أن الأخنس بن شريق وأبا جهل بن هشام التقيا فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟
فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري.
فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فنزلت.
وقال أبو ميسرة: إن رسول الله مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا يا محمد إنا والله ما نكذبك إنك عندنا لصادق ولكن نكذب ما جئت به فنزلت.
وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل كان يكذب النبي في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب ولا أحسبه إلا صادقاً فإذن هذه الآية نظير قوله في قصة موسى ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ﴾ فانظر.
الثاني في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك كذاب لأنهم جربوك الدهر الطويل وما وجدوا منك كذباً وسموك الصادق الأمين فلا يقولون بعد إنك كاذب، ولكن حجدوا صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن محمداً عرض له نوع خبل ونقصان فلأجل ذلك تخيل أنه رسول لا أنه كذب في نفسه، أو لأنهم زعموا أنه أمين في كل الأمور إلا في هذا الواحد.
الثالث أنه لما ظهرت المعجزات على يده ثم إن القوم أصروا على التكذيب فقال له إن القوم ما كذبوك وإنما كذبوني، ونحوه قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس: إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني ومثله قوله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ فكأنه قيل له: إله عن حزنك لنفسك وليشغلك عن ذلك ما هو أهم وهو استعظامك لجحود آيات الله والاستهانة بكتابه.
الرابع: قيل في التفسير الكبير: أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقاً ويكذبون جميع الأنبياء والرسل.
وقوله ﴿ ولكنّ الظالمين ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم في جحودهم، لأن من وضع التكذيب مقام التصديق فقد ظلم.
ثم صبر رسوله على أذية القوم فقال ﴿ ولقد كذبت رسل ﴾ وأيّ رسل ﴿ من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ﴾ فأنت أولى بهذه السيرة لأنك مبعوث إلى كافة الخلائق فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا.
﴿ ولا مبدّل لكلمات الله ﴾ أي لمواعيده في نحو قوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ وقوله ﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون ﴾ ﴿ ولقد جاءك من نبأ المرسلين ﴾ قال الأخفش "من" زائدة والأصح أنها للتبعيض لقلة مجيء زيادة "من" في الإثبات، ولأن الواصل إليه بعض قصص الأنبياء لقوله ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ فالتقدير: ولقد جاءك بعض أنبائهم.
وكان يكبر على النبي كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزلت ﴿ وإن كان كبر ﴾ أي شق ﴿ عليك إعراضهم ﴾ عن الإيمان وصحة القرآن ﴿ وإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ﴾ فافعل.
يعني أنك لا تستطيع ذلك والجواب محذوف وحسن للعلم به.
والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان ومنه اشتقاق المنافق.
والسلم واحد السلاليم التي يرتقي عليها وأصله من السلامة كأنه يسلمك إلى مصعدك.
والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها وبكل ما اقترحوه رجاء إيمانهم، ويجوز أن يكون ابتغاء النفق أو السلم هو الآية كأنه قيل: لو استطعت ذلك لفعلت كل ذلك ليكون لك آية يؤمنون عندها، ثم قال ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ قال أهل السنة: فهو دليل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر.
وقالت المعتزلة: المراد مشيئة الإلجاء المنافي للتكليف.
والإلجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه فيضطرون إلى الإيمان.
مثاله: أن يحصل شخص بحضرة السلطان وهناك خدمه وحشمه فيعلم أنه لو هم بقتل ذلك السلطان لقتلوه في الحال فيصير هذا العلم مانعاً له من القتل.
وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.
أما قوله ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ أي من الذين يرومون خلاف مأمور الله.
فهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة ولكنه يفيد التغليظ وتأكيد الامتناع عن الجزع والإضراب عن الحزن والأسف على إيمان من لم يشأ الله إيمانه.
ثم بيَّن السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان فقال ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ﴾ مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة.
والمراد أنه هو الذي يقدر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر على ذلك، يعني أن الذين تحرص على حصول إيمانهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون كقوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ أو المعنى أن هؤلاء الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم.
أما وجه تشبيه الكفرة بالموتى فلأن حياة الروح بالعلم ومعرفة الصانع كما أن حياة الجسد بالروح.
ثم ذكر شبهة أخرى للطاعنين في نبوّة محمد وهو أنه ما جاء بآية قاهرة ومعجزة باهرة فكأنهم طعنوا في كون هذا القرآن معجزاً على سبيل العناد أو قياساً على سائر الكتب السماوية، أو طلبوا معجزات تقرب من حد الإلجاء كشق الجبل وفلق البحر، فإن معجزات نبينا من تسبيح الحصا وانشقاق القمر وغير ذلك ليست بأقل منها.
أو اقترحوا مزيد الآيات بطريقة التعنت واللجاج كقولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن فاعليته ليست إلا بحسب محض المشيئة عند أهل السنة، أو على وفق المصلحة عند المعتزلة، لا على موجب اقتراحات الناس ومطالباتهم.
أو أنه لما ظهرت المعجزة الباهرة والدلالة الكافية من القرآن وغيره لم يبق لهم عذر ولا علة، فلو أجابهم إلى مقترحهم فلعلهم يقترحون اقتراحاً ثانياً وثالثاً وهلم جر أو ذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة وهذا خلاف المقصود، أو لا يعلمون أنه لو أعطاهم سؤلهم ثم لم يؤمنوا لاستوجبوا الاستئصال، أو لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل العناد لا لأجل الفائدة - وقد علم الله ذلك - لم يعطهم مطلوبهم ولو كان غرضهم طلب الحق ونيله لأعطاهم مطلوبهم على أكمل الوجوه.
التأويل: ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ إنكاراً واختباراً ﴿ وجعلنا على قلوبهم ﴾ من شؤم إنكارهم حجباً من غير الإنكار ﴿ وفي آذانهم وقراً ﴾ من فساد الاستعداد الفطري.
﴿ وإن يروا كل آية ﴾ بعين الظاهر ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها ﴿ وهم ينهون ﴾ الطلاب عن الحق.
﴿ وإن يهلكون ﴾ بتنفير الخلق عن الحق ﴿ إلا أنفسهم ﴾ لأن التباعد من أهل الحق هو البعد عن الحق وهذا هو الهلاك الحقيقي.
﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ أي أرواح الأشقياء بعد الخلاص عن حبس الطبيعة عرفوا ألم عذاب القطيعة ﴿ فقالوا يا ليتنا نرد ﴾ إلى عالم الصورة وإلى الاستعداد الفطري ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ أين يظهر عليهم آثار الشقاوة التي كتبت لهم وكانوا يتكلفون سترها في عالم الصورة بلباس البشرية ﴿ ولو ردوا ﴾ إلى عالم الصورة ﴿ لعادوا لما نهوا عنه ﴾ من اتباع الهوى فيفسدون استعدادهم مرة أخرى ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما يدعون لأنهم خلقوا لأجل التكذيب لا لأجل التصديق، ولهذا نسوا ما شاهدوا يوم الميثاق من الألطاف والإعطاف، وقولهم "بلى" في جواب خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ إذ وقفوا على ربهم ﴾ عرفوا ربوبية ربهم ولو عرفوها في الدنيا لم يذوقوا عذاب البعد في العقبى ﴿ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ﴾ هي الساعة التي يجتذب العبد فيها عن أوصاف البشرية بجذبات المحبة فجأة وهي قيامة أخرى لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق فيتأسف عليها ويقول: أيها القانص ما أحسنت صيد الظبيات، فاتك السرب وما ازددت غير الحسرات ﴿ وهم يحملون ﴾ أثقال التعلقات الزائدة على ظهور وجودهم، فإن الوجود على السالك ثقيل مانع عن السلوك فكيف ما زيد عليه؟
﴿ إلا لعب ولهو ﴾ كلعب الصبيان ولهو أهل العصيان ﴿ وللدار الآخرة ﴾ هي السير من البشرية إلى الروحانية والإقبال على الله والإعراض عما سواه ﴿ خير للذين يتقون ﴾ غير الله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن الإنسان خلق لهذا الشأن لا لغيره كقوله ﴿ واصطنعتك لنفسي ﴾ ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك ﴾ من ضيق نطاق البشرية أثر في حبيب الله مقالة الجهلة ولا مبدل لكلمات الله لمقدّراته التي قدّرها ودبرها من الأزل إلى الأبد بكلمة "كن" ﴿ ولو شاء الله لجمعهم ﴾ في عالم الأرواح عند رشاش النور على الهدى ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعلمون الحكمة في جعل البعض في مظاهر اللطف والبعض بمظاهر القهر.
والنهي في حقه هو نهي الامتناع عن الكينونة أي خلق في الأزل ممتنعاً عن الجهل بواسطة كلمة لا تكن كما أنه خلق مستعداً للكمال بكلمة "كن" ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ﴾ في كل لحظة ولمحة ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ دلالة الكائنات على المكوّن والممكنات على الواجب والمصنوعات على الصانع ﴿ وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ﴾ .
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل قوله - -: ﴿ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: كذبوا لقاء وعد الله ووعيده في الدنيا وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ ﴾ أي: يرجو لقاء وعد الله [في الدنيا] ووعيده، خسروا في الآخرة بتكذيبهم ذلك في الدنيا، وعلى ذلك يخرج ما روي في الخبر: "من أحبّ لقاء الله" أي: أحب لقاء ما أعد الله له "ومن كره لقاء الله" أي: كره لقاء ما أعد له، وأصله: من أحبّ الرجوع إلى الله أحب الله رجوعه، ومن كره الرجوع إلى الله كره الله رجوعه إليه، والمحبة لله اختيار أمره وطاعته؛ وعلى ذلك ما روي في الخبر عن رسول الله قال: "الدنيا جنة الكافر، يلعب فيها ويركض في أمانيها، وسجن المؤمن، وراحته بالموت" وأصله: أنها سجن المؤمن؛ لأن المؤمن يمنعه دينه من قضاء شهواته لما يخاف هلاكه، ويحذره مما يفضي به إلى الهلاك، والكافر لا يمنعه شيء من ذلك عما يريد من قضاء شهواته في الدنيا، فتكون له كالجنة، وللمؤمن كالسجن، على ما ذكرنا.
ويحتمل [قوله] وجهاً آخر: وهو أن الكافر عند الموت يعاين مكانه وما أعدَّ له في النار، فتصير عند ذلك الدنيا كالجنة له يكره الرجوع، والمؤمن يعاين موضعه في الجنة، فتصير كالسجن له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً ﴾ .
قيل: سميت القيامة ساعة لسرعتها، ليست كالدنيا؛ لأن في الدنيا يتغير فيها على المرء الأحوال، يكون نطفة، ثم يصير علقة، ثم مضغة، ثم يصير خلقاً آخر، ثم إنسانا ثم يكون طفلا ثم رجلا يتغير عليه الأحوال، وأما القيامة فإنها لا تقوم على تغير الأحوال فسميت الساعة لسرعتها بهم.
وقيل: سميت القيامة الساعة لأنها تقوم في ساعة، وهو كقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ .
وقيل: سميت الساعة [لما تقوم ساعة فساعة].
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَغْتَةً ﴾ أي: فجأة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ .
قيل: التفريط: هو التضييع، فيحتمل قوله: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ ، أي: ما ضيعنا في الدنيا من المحاسن والطاعات.
ويحتمل: ما ضيعنا في الآخرة من الثواب والجزاء الجزيل بكفرهم في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ﴾ .
هو - والله أعلم - على التمثيل، ليس على التحقيق، وهو يحتمل وجهين: يحتمل: أنه أخبر أنهم يحملون أوزارهم على ظهورهم بما لزموا أوزارهم وآثامهم، لم يفارقوها قط، وصفهم بالحمل على الظهر، وهو كقوله - -: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾ لما لزم ذلك صار كأنه في عنقه.
والثاني: إنما ذكر الظهر؛ لما بالظهر يحمل ما يحمل، فكان كقوله: ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ و ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ لأن الكفر لا يكتسب بالأيدي ولا يقدم بها، لكن اكتساب الشيء وتقديمه لما كان باليد ذكر اكتساب اليد وتقديمها.
وكقوله: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ أنهم لما تركوا العمل به والانتفاع، صار كالمنبوذ وراء الظهر؛ لأن الذي ينبذ وراء الظهر هو الذي لا يعبأ به ولا يكترث إليه.
ويحتمل وجهاً آخر: ما ذُكرَ في بعض القصة أنه يأتيه عمله الخبيث على صورة قبيحة، فيقول له: كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني، فيركب ظهره؛ فذلك قوله - -: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ قال: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ .
أي: الحياة الدنيا للدنيا خاصة؛ لأن العمل إذا لم يكن لعاقبة تتأمل فهو عبث، كبانٍ يبني بناء لا لعاقبة تتأمل وتقصد ببنائه فهو لعب، وعبث، فعلى ذلك الحياة الدنيا، لا لدار أخرى يتأمل ويرجى بها الثواب والعقاب [فهذا] ليس بحكمة، وإنما هو لعب ولهو؛ وعلى ذلك يخرج قوله - -: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ...
﴾ \[الآية\] [المؤمنون: 115]، أخبر أن خلقه إياهم إذا لم يكن للرجوع إليه فهو عبث، فعلى ذلك الحياة الدنيا، إذا لم يكن هناك بعث ولا حياة بعد الموت للثواب والعقاب، فهي لعب ولهو.
واللهو: ما يقصد به قضاء الشهوة خاصة، لا يقصد به العاقبة، واللعب: هو الذي لا حقيقة له ولا مقصد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .
أي: الدار الآخرة خير للذين يتقون الشرك والفواحش كلها من الحياة الدنيا، وأصله: أن الحياة الدنيا على ما عند أولئك الكفرة لعب ولهو؛ لأن عندهم أن لا بعث، ولا ثواب، ولا عقاب، فإذا كانت عندهم هكذا فتصير لعباً ولهواً؛ لأنه يحصل إنشاء لا عاقبة له، فيكون كبناء البناء الذي ذكرنا إذا كانت عاقبته غير مقصودة، فهو لا انتفاع به.
<div class="verse-tafsir"
وليست الحياة الدنيا التي تركنون إليها إلا لعبًا وغرورًا لمن لا يعمل فيها بما يرضي الله، وأما الدار الآخرة فهي خير للذين يتقون الله بفعل ما أمر به من الإيمان والطاعة، وتَرْكِ ما نهى عنه من الشرك والمعصية، أفلا تعقلون -أيها المشركون- ذلك؟!
فتؤمنوا وتعملوا الصالحات.
<div class="verse-tafsir" id="91.78j9v"