الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٣٥ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 103 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٥ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( وإن كان كبر عليك إعراضهم ) أي : إن كان شق عليك إعراضهم عنك ( فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : النفق : السرب ، فتذهب فيه ( فتأتيهم بآية ) أو تجعل لك سلما في السماء فتصعد فيه فتأتيهم بآية أفضل مما آتيتهم به ، فافعل .
وكذا قال قتادة والسدي ، وغيرهما .
وقوله : ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ) كما قال تعالى : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا [ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ] ) [ يونس : 99 ] ، قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى ، فأخبر الله أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأول .
القول في تأويل قوله : وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن كان عظم عليك، يا محمد، إعراض هؤلاء المشركين عنك، وانصرافهم عن تصديقك فيما جئتهم به من الحق الذي بعثتُك به, فشقَّ ذلك عليك، ولم تصبر لمكروه ما ينالك منهم (33) =" فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض " ، يقول: فإن استطعت أن تتَّخذ سَرَبا في الأرض مثلَ نَافِقاء اليَرْبُوع, وهي أحد جِحَرِته فتذهب فيه (34) =" أو سُلمًا في السماء " ، يقول: أو مصعدًا تصعد فيه، كالدَّرَج وما أشبهها, كما قال الشاعر: (35) لا تُحْـرِزُ الْمَـرْءُ أَحْجَـاءُ البِلادِ, وَلا يُبْنَـى لَـهُ فِـي السَّـمَاوَاتِ السَّـلالِيم (36) =" فتأتيهم بآية " ، منها = يعني بعلامةٍ وبرهان على صحة قولك، (37) غير الذي أتيتك = فافعل.
(38) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك: قال بعض أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 13201 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء "، و " النفق " السَّرب, فتذهب فيه =" فتأتيهم بآية ", أو تجعل لك سلَّمًا في السماء, (39) فتصعد عليه، فتأتيهم بآية أفضل مما أتيناهم به، فافعل .
13202 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض " ، قال: سَرَبًا =" أو سلمًا في السماء " ، قال: يعني الدَّرَج .
13203 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء " ، أما " النفق " فالسرب, وأما " السلم " فالمصعد.
13204- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس قوله: " نفقًا في الأرض " ، قال: سربًا .
* * * وتُرِك جواب الجزاء فلم يذكر، لدلالة الكلام عليه، ومعرفة السامعين بمعناه.
وقد تفعل العرب ذلك فيما كان يُفهم معناه عند المخاطبين به, فيقول الرجل منهم للرجل: " إن استطعت أن تنهض معنا في حاجتنا، إن قدرت على مَعُونتنا ", ويحذف الجواب, وهو يريد: إن قدرت على معونتنا فافعل.
فأما إذا لم يعرف المخاطب والسامع معنى الكلام إلا بإظهار الجواب، لم يحذفوه.
لا يقال: " إن تقم ", فتسكت وتحذف الجواب، لأن المقول ذلك له لا يعرف جوابه إلا بإظهاره, حتى يقال: " إن تقم تصب خيرًا ", أو: " إن تقم فحسن ", وما أشبه ذلك.
(40) ونظيرُ ما في الآية مما حذف جَوَابه وهو مراد، لفهم المخاطب لمعنى الكلام قول الشاعر: (41) فَبِحَـــظٍّ مِمَّـــا نَعِيشُ, وَلا تَــذْ هَـبْ بِـكِ التُّرَّهَـاتُ فِـي الأهْـوَالِ (42) والمعنى: فبحظٍّ مما نعيش فعيشي.
(43) * * * القول في تأويل قوله : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين يكذبونك من هؤلاء الكفار، يا محمد، فيحزنك تكذيبهم إياك, لو أشاء أن أجمعهم على استقامة من الدِّين، وصوابٍ من محجة الإسلام، حتى تكون كلمة جميعكم واحدة، وملتكم وملتهم واحدة, لجمعتهم على ذلك, ولم يكن بعيدًا عليَّ، لأنّي القادرُ على ذلك بلطفي, ولكني لم أفعل ذلك لسابق علمي في خلقي، ونافذ قضائي فيهم، من قبل أن أخلقهم وأصوِّر أجسامهم =" فلا تكونن " ، يا محمد،" من الجاهلين "، يقول: فلا تكونن ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجَمع على الهدى جميع خلقه بلطفه, (44) وأنَّ من يكفر به من خلقه إنما يكفر به لسابق علم الله فيه، ونافذ قضائه بأنه كائنٌ من الكافرين به اختيارًا لا إضطرارًا, فإنك إذا علمت صحة ذلك، لم يكبر عليك إعراضُ من أعرض من المشركين عما تدعُوه إليه من الحق، وتكذيبُ من كذَّبك منهم .
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: 13205 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: يقول الله سبحانه: لو شئتُ لجمعتهم على الهدى أجمعين.
* * * قال أبو جعفر: وفي هذا الخبر من الله تعالى ذكره، الدلالةُ الواضحة على خطإ ما قال أهل التَّفْويض من القدريّة، (45) المنكرون أن يكون عند الله لطائف لمن شاءَ توفيقه من خلقه, يلطفُ بها له حتى يهتدِيَ للحقّ, فينقاد له، وينيبَ إلى الرشاد فيذعن به ويؤثره على الضلال والكفر بالله.
وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه لو شاءَ الهداية لجميع من كفر به، حتى يجتمعوا على الهدى، فعلَ.
ولا شك أنه لو فعل ذلك بهم، كانوا مهتدين لا ضلالا.
وهم لو كانوا مهتدين، كان لا شك أنّ كونهم مهتدين كان خيرًا لهم.
وفي تركه تعالى ذكره أن يجمعهم على الهدى، تركٌ منه أن يفعل بهم في دينهم بعض ما هو خيرٌ لهم فيه، مما هو قادر على فعله بهم، وقد ترك فعله بهم.
وفي تركه فعل ذلك بهم، أوضحُ الدليل أنه لم يعطهم كل الأسباب التي بها يصلون إلى الهداية، ويتسبّبون بها إلى الإيمان.
* * * --------------- الهوامش : (33) انظر تفسير"الإعراض" فيما سلف ص: 262 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(34) انظر تفسير"ابتغى" فيما سلف 10: 394 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(35) هو تميم بن أبي بن مقبل.
(36) من قصيدة له جيدة ، نقلها قديمًا ، والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 190 ، وشرح شواهد المغني: 227 ، واللسان (سلم) (حجا) ، وغيرها ، وقبل البيت ، وهي أبيات حسان: إنْ يَنْقُـصِ الدّهْـرُ مِنِّي، فالفَتَى غَرَضٌ لِلدَّهْــرِ، مـن عَـوْدهِ وَافٍ وَمَثْلُــومُ وَإنْ يَكُـنْ ذَاكَ مِقْـدَارًا أُصِبْــتُ بِـهِ فَسِــيرَة الدَّهْــرِ تَعْــوِيجٌ وتَقْـويمُ مَـا أطْيَـبَ العَيْشَ لَـوْ أَن الفَتَى حَجَرٌ تَنْبُـو الحَـوَادِثَ عَنْـهُ وهـو مَلْمُـومُ لا يمنــع المــرءَ أنصـارٌ وَرَابيـةٌ تَــأْبَى الهَــوَانَ إذَا عُـدَّ الجَـرَاثِيمُ لا يُحْــرِزُ المَــرْءَ .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
و"أحجاه البلاد": نواحيها وأطرافها.
ويروى"أعناء البلاد" ، وهو مثله في المعنى.
(37) انظر تفسير"آية" فيما سلف في فهرس اللغة (أيي).
(38) قوله: "فافعل" ، أي: "إن استطعت أن تبتغي نفقًا .
.
.
فافعل".
(39) في المخطوطة: "تجعل لهم سلمًا" ، والجيد ما في المطبوعة.
(40) انظر معاني القرآن للفراء 1: 331 ، 332.
(41) هو عبيد بن الأبرص.
(42) مضى البيت وتخريجه فيما سلف 3: 284.
وكان البيت في المخطوطة على الصواب كما أثبته ، وإن كان غير منقوط.
أما المطبوعة ، فكان فيها هكذا.
فتحـــطْ ممــا يعش ولا تــذهب بــك التُرهّــات فــي الأهــوال أساء قراءة المخطوطة ، وحرفه.
(43) في المطبوعة: "والمعنى: فتحط مما يعش فيعشى" ، وهو خطأ ، صوابه في المخطوطة.
(44) انظر تفسير"الجاهل" فيما سلف 2: 182 ، وتفسير"جهالة" 8: 88 - 92.
(45) "أهل التفويض": هم الذين يقولون: إن الأمر فوض إلى الإنسان ، فإرادته كافية في إيجاد فعله ، طاعة كان أو معصية ، وهو خالق لأفعاله ، والاختيار بيده.
انظر ما سلف 1: 162 ، تعليق: 1.
وأما "القدرية" ، و"أهل القدر" ، فهم الذين ينفون القدر.
وأما الذين يثبتون القدر ، وهم أهل الحق ، فهم: "أهل الإثبات".
وانظر ما سلف 1: 162 ، تعليق: 1.
قوله تعالى : وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلينقوله تعالى : وإن كان كبر عليك إعراضهم أي : عظم عليك إعراضهم وتوليهم عن الإيمان .
فإن استطعت قدرت أن ( تبتغي ) تطلب نفقا في الأرض أي : سربا تخلص [ ص: 326 ] منه إلى مكان آخر ، ومنه النافقاء لجحر اليربوع ، وقد تقدم في " البقرة " بيانه ، ومنه المنافق .
وقد تقدم .
أو سلما معطوف عليه ، أي : سببا إلى السماء ; وهذا تمثيل ; لأن السلم الذي يرتقى عليه سبب إلى الموضع ، وهو مذكر ، ولا يعرف ما حكاه الفراء من تأنيث العلم .
قال قتادة : السلم الدرج .
الزجاج : وهو مشتق من السلامة كأنه يسلمك إلى الموضع الذي تريد .
فتأتيهم بآية عطف عليه أي : ليؤمنوا فافعل ; فأضمر الجواب لعلم السامع .
أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ألا يشتد حزنه عليهم إذا كانوا لا يؤمنون ; كما أنه لا يستطيع هداهم .
ولو شاء الله لجمعهم على الهدى أي : لخلقهم مؤمنين وطبعهم عليه ; بين تعالى أن كفرهم بمشيئة الله رد على القدرية .
وقيل المعنى : أي : لأراهم آية تضطرهم إلى الإيمان ، ولكنه أراد عز وجل أن يثيب منهم من آمن ومن أحسن .
فلا تكونن من الجاهلين أي : من الذين اشتد حزنهم وتحسروا حتى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد ، وإلى ما لا يحل ; أي : لا تحزن على كفرهم فتقارب حال الجاهلين .
وقيل : الخطاب له والمراد الأمة ; فإن قلوب المسلمين كانت تضيق من كفرهم وإذايتهم .
{ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ } أي: شق عليك، من حرصك عليهم، ومحبتك لإيمانهم، فابذل وسعك في ذلك، فليس في مقدورك، أن تهدي من لم يرد الله هدايته.
{ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ } أي: فافعل ذلك، فإنه لا يفيدهم شيئا، وهذا قطع لطمعه في هدايته أشباه هؤلاء المعاندين.
{ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى } ولكن حكمته تعالى، اقتضت أنهم يبقون على الضلال.
{ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ } الذين لا يعرفون حقائق الأمور، ولا ينزلونها على منازلها.
( وإن كان كبر عليك إعراضهم ) أي : عظم عليك وشق أن أعرضوا عن الإيمان بك ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان قومه أشد الحرص ، وكانوا إذ سألوا آية أحب أن يريهم الله تعالى ذلك طمعا في إيمانهم ، فقال الله عز وجل : ( فإن استطعت أن تبتغي نفقا ) تطلب وتتخد نفقا سربا ( وفي الأرض ) ومنه نافقاء اليربوع ، وهو أحد جحريه فيذهب فيه ، ( أو سلما ) أي : درجا ومصعدا ، ( في السماء ) فتصعد فيه ، ( فتأتيهم بآية ) فافعل ، ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) فآمنوا كلهم ، ( فلا تكونن من الجاهلين ) أي : بهذا الحرف ، وهو قوله : ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) وأن من يكفر لسابق علم الله فيه .
«وإن كان كبر» عظم «عليك إعراضهم» عن الإسلام لحرصك عليهم «فإن استطعت أن تبتغى نفقا» سربا «في الأرض أو سلَّما» مصعدا «في السماء فتأتيهم بآية» مما اقترحوا فافعل، المعنى أنك لا تستطيع ذلك فاصبر حتى يحكم الله، «ولو شاء الله» هدايتهم «لجمعهم على الهدى» ولكن لو لم يشأ ذلك فلم يؤمنوا «فلا تكوننَّ من الجاهلين» بذلك.
وإن كان عَظُمَ عليك -أيها الرسول- صدود هؤلاء المشركين وانصرافهم عن الاستجابة لدعوتك، فإن استطعت أن تتخذ نفقًا في الأرض، أو مصعدًا تصعد فيه إلى السماء، فتأتيهم بعلامة وبرهان على صحة قولك غير الذي جئناهم به فافعل.
ولو شاء الله لَجَمعهم على الهدى الذي أنتم عليه ووفَّقهم للإيمان، ولكن لم يشأ ذلك لحكمة يعلمها سبحانه، فلا تكونن -أيها الرسول- من الجاهلين الذين اشتد حزنهم، وتحسَّروا حتى أوصلهم ذلك إلى الجزع الشديد.
ثم بين - سبحانه - أنه لا سبيل إلى إيمان هؤلاء الجاحدين إلا بمشيئة الله وإرادته فقال { وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأرض أَوْ سُلَّماً فِي السمآء فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ } .كبر عليك : أى شق وعظم عليك .
والنفق : السرب النافذ فى الأرض الذى يخلص إلى مكان .والمعنى : وإن كان - يا محمد - قد شق عليك إعراض قومك عن الإيمان وظننت أن إتيانهم بما اقترحوه من آيات يكون سبباً فى إيمانهم ، فإن استطعت أن تطلب مسلكا عميقاً فى جوف الأرض ، أو مرقاة ترتقى بها إلى السماء لتأتيهم بما اقترحوا من مطالب فافعل فإن ذلك لن يفيد شيئاً لأن هؤلاء المشركين لا ينقصهم الدليل الدال على صدقك ، ولكنهم يعرضون عن دعوتك عناداً وجحوداً .ثم قال - تعالى - { وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين } .أى : لو شاء الله جمعهم على ما جئت به من الهدى والرشاد لفعل ، بأن يوفقهم إلى الإيمان فيؤمنوا ، ولكن الله لم يشأ ذلك لأنهم بسوء اختيارهم آثروا الحياة الدنيا ، فلا تكونن من الجاهلين بحكمة الله فى خلقه ، وبسننه التى اقتضاها علمه .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف أتى النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قريش، فقالوا: يا محمد ائتنا من عند الله كما كانت الأنبياء تفعل فانا نصدق بك فأبى الله أن يأتيهم بها فأعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك عليه، فنزلت هذه الآية، والمعنى، وإن كان كبر عليك إعراضهم عن الإيمان بك، وصحة القرآن، فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فافعل.
فالجواب محذوف وحسن هذا الحذف لأنه معلوم في النفوس.
والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان آخر، ومنه نافقاء اليربوع لأن اليربوع يثقب الأرض إلى القعر، ثم يصعد من ذلك القعر إلى وجه الأرض من جانب آخر، فكأنه ينفق الأرض نفقاً، أي يجعل له منفذاً من جانب آخر.
ومنه أيضاً سمي المنافق منافقاً لأنه يضمر غير ما يظهر كالنافقاء الذي يتخذه اليربوع وأما السلم فهو مشتق من السلامة، وهو الشيء الذي يسلمك إلى مصعدك، والمقصود من هذا الكلام أن يقطع الرسول طمعه عن إيمانهم، وأن لا يتأذى بسبب إعراضهم عن الإيمان وإقبالهم على الكفر.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى ﴾ تقديره: ولو شاء الله هداهم لجمعهم على الهدى وحيثما جمعهم على الهدى، وجب أن يقال: إنه ما شاء هداهم، وذلك يدل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر بل يريد إبقاءه على الكفر، والذي يقرب هذا الظاهر أن قدرة الكافر على الكفر إما أن تكون صالحة للإيمان، أو غير صالحة له، فإن لم تكن صالحة له فالقدرة على الكفر مستلزمة للكفر، وغير صالحة للإيمان، فخالق هذه القدرة يكون قد أراد هذا الكفر منه لا محالة، وأما إن كانت هذه القدرة، كما أنها صلحت للكفر فهي أيضاً صالحة للإيمان، فلما استوت نسبة القدرة إلى الطرفين امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر، إلا لداعية مرجحة، وحصول تلك الداعية ليس من العبد، وإلا وقع التسلسل، فثبت أن خالق تلك الداعية هو الله تعالى، وثبت أن مجموع القدرة مع الداعية الحاصلة موجب للفعل، فثبت أن خالق مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية المستلزمة لذلك الكفر مريد لذلك الكفر، وغير مريد لذلك الإيمان.
فهذا البرهان اليقيني قوي ظاهر بهذه الآية، ولا بيان أقوى من أن يتطابق البرهان مع ظاهر القرآن.
قالت المعتزلة: المراد ولو شاء الله أن يلجئهم إلى الإيمان لجمعهم عليه.
قال القاضي: والالجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه، وحينئذٍ يمتنعون من فعل شيء غير الإيمان.
ومثاله: أن أحدنا لو حصل بحضرة السلطان وحضر هناك من حشمه الجمع العظيم، وهذا الرجل علم أنه لو هم بقتل ذلك السلطان لقتلوه في الحال، فإن هذا العلم يصير مانعاً له من قصد قتلك ذلك السلطان، ويكون ذلك سبباً لكونه ملجأ إلى ترك ذلك الفعل فكذا هاهنا.
إذا عرفت الالجاء فنقول: إنه تعالى إنما ترك فعل هذا الالجاء لأن ذلك يزيل تكليفهم فيكون ما يقع منهم كأن لم يقع، وإنما أراد تعالى أن ينتفعوا بما يختارونه من قبل أنفسهم من جهة الوصلة إلى الثواب، وذلك لا يكون إلا اختياراً.
والجواب: أنه تعالى أراد منهم الاقدام على الإيمان حال كون الداعي إلى الإيمان وإلى الكفر على السوية أو حال حصول هذا الرجحان.
والأول: تكليف ما لا يطاق، لأن الأمر بتحصيل الرجحان حال حصول الاستواء، تكليف بالجمع بين النقيضين وهو محال، وإن كان الثاني: فالطرف الراجح يكون واجب الوقوع، والطرف المرجوح يكون ممتنع الوقوع، وكل هذه الأقسام تنافي ما ذكروه من المكنة والاختيار، فسقط قولهم بالكلية.
والله أعلم.
المسألة الثالثة: قوله تعالى في آخر الآية ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين ﴾ نهي له عن هذه الحالة، وهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة كما أن قوله: ﴿ وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين ﴾ لا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أطاعهم وقبل دينهم، والمقصود أنه لا ينبغي أن يشتد تحسرك على تكذيبهم، ولا يجوز أن تجزع من إعراضهم عنك فإنك لو فعلت ذلك قرب حالك من حال الجاهل، والمقصود من تغليظ الخطاب التبعيد والزجر له عن مثل هذه الحالة.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
كان يكبر على النبي صلى الله عليه وسلم كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزل: ﴿ لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ ﴾ [الشعراء: 3] ، ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ [القصص: 56] ، ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِي الأرض ﴾ منفذاً تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها ﴿ أَوْ سُلَّماً فِي السماء فَتَأْتِيَهُمْ ﴾ منها ﴿ بئَايَةٍ ﴾ فافعل.
يعني أنك لا تستطيع ذلك.
والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وتهالكه عليه، وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم.
وقيل: كانوا يقترحون الآيات فكان يودُّ أن يجابوا إليها لتمادي حرصه على إيمانهم.
فقيل له: إن استطعت ذلك فافعل، دلالة على أنه بلغ من حرصه أنه لو استطاع ذلك لفعله حتى يأتيهم بما اقترحوا من الآيات لعلهم يؤمنون.
ويجوز أن يكون ابتغاء النفق في الأرض أو السلم في السماء هو الإتيان بالآيات، كأنه قيل: لو استطعت النفوذ إلى ما تحت الأرض أو الرقي إلى السماء لفعلت، لعل ذلك يكون لك آية يؤمنون عندها.
وحذف جواب (إن) كما تقول إن شئت أن تقوم بنا إلى فلان نزوره ولو شاء الله لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ملجئة، ولكنه لا يفعل لخروجه عن الحكمة ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين ﴾ من الذين يجهلون ذلك ويرومون ما هو خلافه ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ ﴾ يعني أن الذين تحرص على أن يصدّقوك بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون، وإنما يستجيب من يسمع، كقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى ﴾ [النمل: 80] ﴿ والموتى يَبْعَثُهُمُ الله ﴾ مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة بأنه هو الذي يبعث الموتى من القبور يوم القيامة ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ للجزاء فكان قادراً على هؤلاء الموتى بالكفر أن يحييهم بالإيمان.
وأنت لا تقدر على ذلك.
وقيل: معناه: وهؤلاء الموتى- يعني الكفرة- يبعثهم الله.
ثم إليه يرجعون، فحينئذ يسمعون.
وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى استماعهم وقرئ: ﴿ يرجعون ﴾ ، بفتح الياء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ ﴾ عَظُمَ وشَقَّ ﴿ إعْراضُهُمْ ﴾ عَنْكَ وعَنِ الإيمانِ بِما جِئْتَ بِهِ.
﴿ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ﴾ مَنفَذًا تَنْفُذُ فِيهِ إلى جَوْفِ الأرْضِ فَتُطَلِّعَ لَهم آيَةً، أوْ مَصْعَدًا تَصْعَدُ بِهِ إلى السَّماءِ فَتُنْزِلُ مِنها آيَةً، وفي الأرْضِ صِفَةٌ لِنَفَقًا وفي السَّماءِ صِفَةٌ لِسُلَّمًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مُتَعَلِّقَيْنِ بِتَبْتَغِي، أوْ حالَيْنِ مِنَ المُسْتَكِنِّ وجَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فافْعَلْ، والجُمْلَةُ جَوابُ الأوَّلِ والمَقْصُودُ بَيانُ حِرْصِهِ البالِغِ عَلى إسْلامِ قَوْمِهِ، وأنَّهُ لَوْ قَدَرَ أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مِن تَحْتِ الأرْضِ أوْ مِن فَوْقِ السَّماءِ لَأتى بِها رَجاءَ إيمانِهِمْ ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى ﴾ أيْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ جَمَعَهم عَلى الهُدى لَوَفَّقَهم لِلْإيمانِ حَتّى يُؤْمِنُوا ولَكِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ مَشِيئَتُهُ، فَلا تَتَهالَكُ عَلَيْهِ والمُعْتَزِلَةُ أوَّلُوهُ بِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى بِأنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مُلْجِئَةٍ ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ.
﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ بِالحِرْصِ عَلى ما لا يَكُونُ، والجَزَعِ في مَواطِنِ الصَّبْرِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن دَأْبِ الجَهَلَةِ.
<div class="verse-tafsir"
كان يكبر على النبى صلى الله عليه وسلم كفر قومه وإعراضهم ويجب مجئ الآيات ليسلموا فنزل {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ} عظم وشق {إِعْرَاضُهُمْ} عن الإسلام {فَإِن استطعت أن تبتغي نفقا} منفدا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها {فِى الأرض} صفة لنفقا {أو سلما في السماء فتأتيهم} منها {بآية} فافعل وهو جواب فإن استطعت وان استطعت وجوابها جواب وَإِن كَانَ كَبُرَ والمعنى إنك لا تستطيع ذلك والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم {وَلَوْ شَاءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى} لجعلهم بحيث يختارون الهدى ولكن لما علم أنهم يختارون الكفر لم يشأ أن يجمعهم على ذلك كذا قاله الشيخ أبو منصور رحمه الله {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين} من الذين يجهلون ذلك
﴿ وإنْ كانَ كَبُرَ ﴾ أيْ شَقَّ وعَظُمَ، وأتى بِـ (كانَ) عَلى ما قِيلَ لِيَبْقى الشَّرْطُ عَلى المُضِيِّ ولا يَنْقَلِبُ مُسْتَقْبَلًا لِأنَّ (كانَ) لِقُوَّةِ دَلالَتِهِ عَلى المُضِيِّ لا تَقْلِبُهُ (إنْ) لِلِاسْتِقْبالِ بِخِلافِ سائِرٍ الأفْعالِ وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ، والنَّحْوِيُّونَ يُؤَوِّلُونَ ذَلِكَ بِنَحْوِ وإنْ تَبَيَّنَ وظَهَرَ أنَّهُ ﴿ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ ﴾ أيِ الكُفّارِ عَنِ الإيمانِ بِكَ وبِما جِئْتَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ المَجِيدِ حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهم فِيهِ (أساطِيرُ الأوَّلِينَ) ويُنْبِئُ عَنْهُ فِعْلُهم مِنَ النَّأْيِ والنَّهْيِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالإعْراضِ دُونَ التَّكْذِيبِ مَعَ أنَّ التَّسْلِيَةَ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ ﴾ كانَتْ عَنْهُ لِتَهْوِيلِ أمْرِ التَّكْذِيبِ وهو فاعِلُ (كَبُرَ)، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ مِرارًا.
والجُمْلَةُ خَبَرُ (كانَ) مُفَسِّرَةٌ لِاسْمِها الَّذِي هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ.
ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ (قَدْ)، وقِيلَ: اسْمُ كانَ (إعْراضُهُمْ) و (كَبُرَ) مَعَ فاعِلِهِ المُسْتَتِرِ الرّاجِعِ إلى الِاسْمِ خَبَرٌ لَها مُقَدَّمٌ عَلى اسْمِها، والكَلامُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ إيجابِ الصَّبْرِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّسْلِيَةِ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا مَحِيدَ عَنْهُ أصْلًا وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الحارِثَ بْنَ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ أتى رَسُولَ اللَّهِ في مَحْضَرٍ مِن قُرَيْشٍ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِآيَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما كانَتِ الأنْبِياءُ تَفْعَلُ وإنّا نَصْدُقُكَ فَأبى اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مِمّا اقْتَرَحُوا فَأعْرَضُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما أنَّهُ كانَ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ فَكانَ إذا سَألُوهُ آيَةً يَوَدُّ أنْ يَنْزِلَها اللَّهُ تَعالى طَمَعًا في إيمانِهِمْ فَنَزَلَتْ ﴿ فَإنِ اسْتَطَعْتَ ﴾ أيْ إنْ قَدَرْتَ وتَهَيَّأ لَكَ ﴿ أنْ تَبْتَغِيَ ﴾ أيْ تَطْلُبَ نَفَقًا في الأرْضِ هو السَّرَبُ فِيها لَهُ مَخْلَصٌ إلى مَكانٍ كَما في القامُوسِ، وأصْلُ مَعْناهُ جُحْرُ اليَرْبُوعِ ومِنهُ النّافِقاءُ لِأحَدِ مَنافِذِهِ ويُقالُ لَها النُّفَقَةُ كَهُمَزَةٍ وهي الَّتِي يَكْتُمُها ويُظْهِرُ غَيْرَها فَإذا أُتِيَ مِنَ القاصِعاءِ ضَرَبَها بِرَأْسِهِ فانْتَفَقَ ومِنهُ أُخِذَ النِّفاقُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةَ ﴿ نَفَقًا ﴾ ، والكَلامُ عَلى التَّجْرِيدِ في رَأْيٍ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِـ ﴿ تَبْتَغِيَ ﴾ وبِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِهِ المُسْتَتِرِ أيْ ﴿ نَفَقًا ﴾ كائِنًا في الأرْضِ أوْ تَبْتَغِيَ في الأرْضِ أوْ تَبْتَغِيَ أنْتَ حالَ كَوْنِكَ في الأرْضِ ﴿ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ ﴾ أيْ مِرْقاةً فِيها أخْذًا مِنَ السَّلامَةِ، قالَ الزَّجّاجُ لِأنَّهُ الَّذِي يُسَلِّمُكَ إلى مَصْعَدِكَ وهو كَما قالَ الفَرّاءُ مُذَكَّرٌ واسْتَشْهَدُوا لِتَذْكِيرِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ ثُمَّ قالَ: وأنْشَدْتُ في تَأْنِيثِهِ بَيْتًا أنَسِيتَهُ انْتَهى قالَ الغَضايِرِيُّ: البَيْتُ الَّذِي أُنْسِيَهُ الفَرّاءُ بَيْتُ أوْسٍ وهو: لَنا سُلَّمٌ في المَجْدِ لا يَرْتَقُونَها ولَيْسَ لَهم في سُورَةِ المَجْدِ سُلَّمُ وأنْشَدُوا أيْضًا في تَذْكِيرِهِ: الشِّعْرُ صَعْبٌ وطَوِيلٌ سُلَّمُهْ إذا ارْتَقى فِيهِ الَّذِي لا يَعْلَمُهْ يُرِيدُ أنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمَهْ، وفي السَّماءِ نَظِيرُ ما في الجارِّ قَبْلَهُ مِنَ الِاحْتِمالاتِ ﴿ فَتَأْتِيَهُمْ ﴾ أيْ مِنها ﴿ بِآيَةٍ ﴾ مِمّا اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، والفاءُ في صَدْرِ هَذِهِ الشُّرْطِيَّةِ جَوابِيَّةٌ وجَوابُ الشَّرْطِ فِيها مَحْذُوفٌ، ولَكَ تَقْدِيرُهُ أتَيْتَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ أوْ فافْعَلْ فِعْلَ أمْرٍ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلِ، والمَعْنى إنْ شَقَّ عَلَيْكَ إعْراضُهم عَنِ الإيمانِ وأحْبَبْتُ أنْ تُجِيبَهم عَمّا سَألُوهُ اقْتِراحًا لِيُؤْمِنُوا فَإنِ اسْتَطَعْتَ كَذا فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ فافْعَلْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ حِرْصِهِ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ وتَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِمْ واقْتِراحِهِمْ مَعَ الإيماءِ إلى تَوْبِيخِ القَوْمِ، أوِ المَعْنى: إنْ شَقَّ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَلَوْ قَدَرْتَ أنْ تَأْتِيَ بِالمُحالِ أتَيْتَ بِهِ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهُ بَلَغَ في الحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ إلى هَذِهِ الغايَةِ وفِيهِ إشْعارٌ بِبُعْدِ إسْلامِهِمْ عَنْ دائِرَةِ الوُجُودِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وإيثارُ الِابْتِغاءِ عَلى الِاتِّخاذِ ونَحْوِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ النَّفَقِ والسُّلَّمِ مِمّا لا يَسْتَطِيعُ ابْتِغاءَهُ فَكَيْفَ بِاتِّخاذِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ابْتِغاءُ ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ أعْنِي نَفْسَ النُّفُوذِ في الأرْضِ والصُّعُودِ إلى السَّماءِ آيَةً، فالفاءُ في (فَتَأْتِيَهُمْ) حِينَئِذٍ تَفْسِيرِيَّةٌ وتَنْوِينُ (آيَةٍ) لِلتَّفْخِيمِ، والمَعْنى عَلَيْهِ فَإنِ اسْتَطَعْتَ ابْتِغاءَهُما فَتَجْعَلْ ذَلِكَ آيَةً لَهم فَعَلْتَ ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا يَظْهَرُ مِن ظاهِرِ اللَّفْظِ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ التَّرْكِيبُ فَتَأْتِيَهم بِذَلِكَ آيَةً أيَّ آيَةٍ، وأيْضًا فَأيُّ آيَةٍ في دُخُولِ سَرَبٍ في الأرْضِ وإنْ صَحَّ أنْ يَكُونَ الرُّقِيُّ إلى السَّماءِ آيَةً وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ إيتاءَ الآيَةِ مِنهُما هو الظّاهِرُ المُتَبادِرُ إلى الأذْهانِ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: أنَّ المُرادَ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ مِنَ السَّماءِ وابْتِغاءُ النَّفَقِ لِلْهَرَبِ وأُيِّدَ بِما أخْرَجُهُ الطَّسْتِيُّ عَنْ نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ ﴾ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَرَبًا في الأرْضِ فَتَذْهَبَ هَرَبًا وفِيهِ بُعْدٌ، وخَبَرُ الأزْرَقِ قَدْ قِيلَ فِيهِ ما قِيلَ ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى ﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى جَمْعَهم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الهُدى لَجَمَعَهم عَلَيْهِ بِأنْ يُوَفِّقَهم لِلْإيمانِ فَيُؤْمِنُوا مَعَكم ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ سُبْحانَهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ حَسْبَما عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم في أزَلِ الآزالِ، وقالَ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ لَوْ شاءَ سُبْحانَهُ جَمْعَهم عَلى الهُدى لَفَعَلَ بِأنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مُلْجِئَةٍ إلَيْهِ لَكِنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ، والحَقُّ ما عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ ﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ 53 - أيْ إذا عَرَفْتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ هِدايَتَهم وإيمانَهم فَلا تَكُنْ بِالحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى إسْلامِهِمْ أوِ المَيْلِ إلى نُزُولِ مُقْتَرَحاتِهِمْ مِن قَوْمٍ يُنْسَبُونَ إلى الجَهْلِ بِدَقائِقِ شُئُونِهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالجاهِلِينَ عَلى ما نُقِلَ عَنِ المُعْتَزِلَةِ المُقْتَرِحُونَ، ويُرادُ بِالنَّهْيِ مَنعُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُساعَدَةِ عَلى اقْتِراحِهِمْ إيرادَهم بِعُنْوانِ الجَهْلِ دُونَ الكُفْرِ لِتَحَقُّقِ مَناطِ النَّهْيِ وقالَ الجَبائِيُّ: المُرادُ لا تَجْزَعْ في مَوْطِنِ الصَّبْرِ فَيُقارِبُ حالُكَ حالَ الجاهِلِينَ بِأنْ تَسْلُكُ سَبِيلَهُمْ، والأوَّلُ أوْلى وفي خِطابِهِ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهَذا الخِطابِ دُونَ خِطابِهِ بِما خُوطِبَ بِهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ لَهُ: ﴿ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ شَفَقَتِهِ واشْتِبابِ حِرْصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فافْهَمْ هَذا * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّيْلُ والنَّهارُ إشارَةً إلى قَلْبِ الكافِرِ وقَلْبِ المُؤْمِنِ وما سَكَنَ فِيهِما الكَفْرُ والإيمانُ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ لَهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ مِن آثارِ جَلالِهِ وجَمالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى قَلْبِ العارِفِ في حالَتَيِ القَبْضِ والبَسْطِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَهُ ما سَكَنَ في قُلُوبِ العارِفِينَ المُنْقَبِضَةِ والمُنْبَسِطَةِ مِن آثارِ التَّجَلِّياتِ فَلا تَلْتَفِتْ في الحالَتَيْنِ إلى سِواهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿ وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ فَيَسْمَعُ خَواطِرَها السَّيِّئَةَ والحَسَنَةَ ويَعْلَمُ شَرَّها وخَيْرَها أوْ فَيَسْمَعُ أنِينَها في شَوْقِهِ ويَعْلَمُ انْسِهابَهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا ﴾ أيْ ناصِرًا ومُعِينًا ﴿ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ مُبْدِعُها فَهي مِلْكُهُ سُبْحانَهُ ونِسْبَةُ المَمْلُوكِ إلى المالِكِ نِسْبَةُ اللّاشَيْءِ إلى الشَّيْءِ ﴿ وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ ﴾ فَهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ وغَيْرُهُ جَلَّ شَأْنُهُ مُحْتاجٌ بَحْتٌ، وطَلَبُ المُحْتاجِ مِنَ المُحْتاجِ سَفَهٌ في رَأْيِهِ وضِلَّةٌ مِن عَقْلِهِ ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ﴾ نَفْسَهُ لِرَبِّهِ عَزَّ شَأْنُهُ، والمُرادُ بِالأمْرِ بِذَلِكَ الأمْرُ الكَوْنِيُّ أيْ قُلْ إنِّي قِيلَ لِي كُنْ أوَّلَ مَن أسْلَمَ فَكُنْتُ وذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ هَذِهِ التَّعْيِيناتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِما شاعَ مِن قَوْلِهِ : " «كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الماءِ والطِّينِ» فَأوَّلُ رُوحٍ رَكَضَتْ في مَيْدانِ الخُضُوعِ والِانْقِيادِ والمَحَبَّةِ رَوْحُ نَبِيِّنا قَدْ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِمَوْلاهُ بِلا واسِطَةٍ وكُلُّ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أسْلَمُوا نُفُوسَهم بِواسِطَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو المُرْسَلُ إلى الأنْبِياءُ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عالَمِ الأرْواحِ وكُلُّهم أُمَّتُهُ وهم نُوّابُهُ في عالَمِ الشَّهادَةِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ أمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاتِّباعِ بَعْضِهِمْ في النَّشْأةِ الجُسْمانِيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ لِمَحْضِ اسْتِجْلابِ المُعْتَقِدِينَ بِأُولَئِكَ البَعْضِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ ﴿ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ أيْ وقِيلَ لِي لا تَكُونَنَّ مِمَّنْ أشْرَكَ مَعَ اللَّهِ تَعالى أحَدًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿ وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ بِإفْنائِهِمْ والتَّصَرُّفِ بِهِمْ كَيْفَ شاءَ، ﴿ وهُوَ الحَكِيمُ ﴾ أيِ الَّذِي يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ في عِبادِهِ بِالحِكْمَةِ، ﴿ الخَبِيرُ ﴾ الَّذِي يَطَّلِعُ عَلى خَفايا الأحْوالِ ومَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ، وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ عِنْدَ العارِفِينَ ظُهُورُ أنْوارِ اللَّهِ تَعالى في مِرْآةِ وجْهِهِ الشَّرِيفِ ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ ﴾ وذَلِكَ بِالصِّفاتِ الَّتِي وجَدُوها في كِتابِهِمْ لا بِالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ عَلى صَفَحاتِ ذَلِكَ الوَجْهِ الكَرِيمِ ﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ بِإثْباتِ وُجُودِ غَيْرِهِ تَعالى ﴿ أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ فَأظْهَرَ صِفاتِ نَفْسِهِ ﴿ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ﴾ لِاحْتِجابِهِمْ بِما وضَعُوهُ في مَوْضِعِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ جَلَّ وعَلا ﴿ ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ الكُبْرى وعَيْنِ الجَمْعِ ﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ بِإثْباتِ الغَيْرِ ﴿ أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ أنَّهم شُرَكاءُ ولَهم وُجُودٌ ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ أيْ نِهايَةُ شِرْكِهِمْ عِنْدَ ظُهُورِ الأمْرِ وبُرُوزِ الكُلِّ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴿ إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ لِامْتِناعِ وُجُودِ شَيْءٍ نُشْرِكُهُ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ بِنَفْيِ الشِّرْكِ عَنْها مَعَ رُسُوخِ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ فِيها، (وضَلَّ) أيْ ضاعَ عَنْهم ﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ فَلَمْ يَجِدُوهُ ﴿ ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ مِن حَيْثُ أنْتَ ﴿ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ حَسْبَما اقْتَضاهُ اسْتِعْدادُهم ﴿ أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ وهي ظُلُماتُ النَّفْسِ الأمارَةِ ﴿ وفِي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ وهو وقْرُ الضَّلالَةِ ﴿ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ﴾ لِأنَّ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةَ العَجَبِ والجَهْلِ ﴿ ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ ﴾ وهي نارُ الحِرْمانِ ﴿ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ﴾ مِن تَجَلِّياتِ صِفاتِهِ ﴿ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيِ المُوَحِّدِينَ ﴿ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ في أنْفُسِهِمْ مِنَ المَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ والهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ والصِّفاتِ المُهْلِكَةِ، ﴿ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ لِرُسُوخِ ذَلِكَ فِيهِمْ ﴿ وإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِأنَّ الكَذِبَ عَنْ مَلَكَةٍ فِيهِمْ، ﴿ ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ ﴾ الآيَةَ، قالَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ هَذا التَّصْوِيرُ لِحالِهِمْ في الِاحْتِجابِ والبُعْدِ وإنْ كانُوا في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ، والوُقُوفُ عَلى الشَّيْءِ غَيْرُ الوُقُوفِ مَعَهُ فَإنَّ الأوَّلَ لا يَكُونُ إلّا كَرْهًا والثّانِي يَكُونُ طَوْعًا ورَغْبَةً، فالواقِفُ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالتَّوْحِيدِ لا يُوقَفُ لِلْحِسابِ وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ ، ﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ ويُثابُ هَذا بِأنْواعِ النَّعِيمِ في الجِنانِ كُلِّها ومَن وقَفَ مَعَ الغَيْرِ بِالشِّرْكِ وُقِفَ عَلى الرَّبِّ تَعالى وعُذِّبَ بِأنْواعِ العَذابِ لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ ومَن وقَفَ مَعَ النّاسُوتِ بِمَحَبَّةِ الشَّهَواتِ وقَفَ عَلى المَلَكُوتِ وعُذِّبَ بِنِيرانِ الحِرْمانِ وسُلِّطَ عَلَيْهِ زَبانِيَةُ الهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ وقُرِنَ بِشَياطِينِ الأهْواءِ المُرْدِيَةِ، ومَن وقَفَ مَعَ الأفْعالِ وقَفَ عَلى الجَبَرُوتِ وعُذِّبَ بِنارِ الطَّمَعِ والرَّجاءِ ورُدَّ إلى مَقامِ المَلَكُوتِ ومَن وقَفَ مَعَ الصِّفاتِ وقَفَ عَلى الذَّواتِ وعُذِّبَ بِنارِ الشَّوْقِ والهِجْرانِ ولَيْسَ هَذا هو الوُقُوفَ عَلى الرَّبِّ لِأنَّ فِيهِ حِجابَ الآنِيَةِ، وفي الوُقُوفِ عَلى الذّاتِ مَعْرِفَةُ الرَّبِّ المَوْصُوفِ بِصِفاتِ اللُّطْفِ، والمُشْرِكُ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى الرَّبِّ فَيُحْجَبُ بِالرَّدِّ والطَّرْدِ ﴿ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ ﴾ ثُمَّ عَلى الجَبَرُوتِ فَيُطْرَدُ بِالسُّخْطِ واللَّعْنِ ولا يُكَلِّمُهم ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِثُمَّ عَلى المَلَكُوتِ فَيُزْجَرُ بِالغَضَبِ واللَّعْنِ ﴿ قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ ﴾ ثُمَّ عَلى النّارِ يُسْجَرُونَ فَيُعَذَّبُ بِأنْواعِ النِّيرانِ أبَدًا فَيَكُونُ وقْفُهُ عَلى النّارِ مُتَأخِّرًا عَلى وقْفِهِ عَلى الرَّبِّ تَعالى مَعْلُولًا لَهُ قالَ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ وأمّا الواقِفُ مَعَ النّاسُوتِ فَيُوقَفُ لِلْحِسابِ عَلى المَلَكُوتِ ثُمَّ عَلى النّارِ وقَدْ يَنْجُو لِعَدَمِ السُّخْطِ وقَدْ لا يَنْجُو لِوُجُودِهِ، والواقِفُ مَعَ الأفْعالِ لا يُوقَفُ عَلى النّارِ أصْلًا بَلْ يُحاسَبُ ويَدْخُلُ الجَنَّةَ، وأمّا الواقِفُ مَعَ الصِّفاتِ فَهو مِنَ الَّذِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ انْتَهى فَتَأمَّلْ فِيهِ، ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً ﴾ وهي القِيامَةُ الصُّغْرى أعْنِي المَوْتَ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الكِبارِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ فُلانًا ماتَ فَجْأةً فَقالَ: لا عَجَبَ إذْ مَن لَمْ يَمُتْ فَجْأةً مَرِضَ فَجْأةً فَماتَ، ﴿ قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها ﴾ أيْ في حَقِّ تِلْكَ السّاعَةِ بِتَرْكِ العَمَلِ النّافِعِ ﴿ وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ﴾ تَصْوِيرٌ لِحالِهِمْ ﴿ وما الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ أيِ الحَياةُ الحِسِّيَّةُ فَإنَّ المَحْسُوسَ أدْنى وأقْرَبُ مِنَ المَعْقُولِ ﴿ إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ﴾ لا أصْلَ لَهُ ولا حَقِيقَةَ سَرِيعُ الفَناءِ والِانْقِضاءِ ﴿ ولَلدّارُ الآخِرَةُ ﴾ أيْ عالَمُ الرَّوْحانِيّاتِ ﴿ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ وهُمُ المُتَجَرِّدُونَ عَنْ مَلابِسِ الصِّفاتِ البَشَرِيَّةِ واللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ﴾ لِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ (الَّذِينَ يَقُولُونَ) ما يَقُولُونَ ﴿ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ في الحَقِيقَةِ ﴿ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ الَّتِي تُجَلّى بِها ﴿ يَجْحَدُونَ ﴾ فَهو سُبْحانَهُ يَنْتَقِمُ مِنهم ﴿ ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ﴾ فَتَأسَّ بِهِمْ وانْتَظِرِ الغايَةَ ﴿ ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ الَّتِي يَتَجَلّى بِها لِعِبادِهِ فَلْيَطْمَئِنَّ قَلْبُكَ ولا تُكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ الَّذِينَ لا يَطَّلِعُونَ عَلى حِكْمَةِ تَفاوُتِ الِاسْتِعْداداتِ فَتَتَأسَّفُ عَلى احْتِجابِ مَنِ احْتَجَبَ وتَكْذِيبِ مَن كَذَّبَ.
واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ <div class="verse-tafsir"
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ روى سفيان عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب قال: قال أبو جهل للنبي ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به، فنزلت هذه الآية.
وروى أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح قال: جاء جبريل إلى النبيّ وهو حزين فقال: ما يحزنك؟
قال: «كَذَّبَنِي هؤلاء» .
فقال: إنهم لا يكذبونك، يعلمون أنك صادق فنزلت هذه الآية: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ من تكذيبهم إياك في العلانية فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ في السر، ويعلمون أنك صادق.
وكانوا يسمونه أميناً قبل أن يوحى إليه فلما أوحي إليه، كذّبوه، فقال: وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وهم يعلمون أنك صادق.
والجحد يكون ممن علم الشيء ثم جحده كقوله تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [النمل: 14] قرأ نافع والكسائي: فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف.
وقرأ الباقون بالتشديد.
فمن قرأ بالتخفيف فمعناه أنهم لا يجحدونك كاذباً.
ومن قرأ بالتشديد فمعناه: أنهم لا ينسبونك إلى الكذب، ولا يكذبونك في السر.
وقرأ نافع: يَحْزُنكَ برفع الياء، وكسر الزاي.
وقرأ الباقون لَيَحْزُنُكَ بنصب الياء، وضم الزاي، ومعناهما واحد.
ثم عزّاه ليصبر على أذاهم فقال: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ يعني: أن قومهم كذبوهم كما كذبك قريش فَصَبَرُوا عَلى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا يعني: صبروا على تكذيبهم وأذاهم حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا يعني: عذابنا لهلاكهم وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ يعني: لا مغيّر لوعد الله.
فهذا وعد من الله تعالى للنبي بالنصرة، كما نصر النبيين من قبله.
ثم قال: وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ يعني: من خبر المرسلين، كيف أنجيت المرسلين، وكيف أهلكت قومهم.
فلما وعد الله تعالى بالنصرة للنبي تعجل أصحابه لذلك، وأرادوا أن يعجل بهلاك الكفار فنزل: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ خاطب النبي وأراد به قومه فقال: إن عظم عليك إعراضهم عن الإيمان، ولا تصبر على تكذيبهم إياك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ يعني: إن قدرت أن تطلب سِرْباً في الأرض والنافقاء إحدى جحري اليربوع أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ يعني: مصعداً إلى السماء فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ فافعل ذلك على وجه الإضمار.
وهذا كما قال في آية أخرى: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ [الحج: 15] الآية.
وروى محمد بن المنكدر: أن جبريل قال للنبي : إن الله أمر السماء أن تطيعك، وأمر الأرض أن تطيعك، وأمر الجبال أن تطيعك، فإن أحببت أن ينزل عذاباً عليهم قال: «يا جبريل أؤخر عن أمتي لعل الله أن يتوب عليهم» .
ثم قال: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى يعني: لهداهم إلى الإيمان.
ويقال: ولو شاء لاضطرهم إلى الهدى كما قال في آية أخرى إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [الشعراء: 4] ومعناه: وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ على الهدى قهراً وجبراً، ولكن ما فعل وكلفهم وتركهم فاختيارهم.
ثم قال: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ يعني: بأنه لو شاء لهداهم.
وقال الضحاك: يعني: القدر خيره وشره من الله تعالى، فلا تجعل معرفة ذلك بعد البيان.
ثم قال: <div class="verse-tafsir"
الذال، وفتح الكاف- وقرأها ابن عباس، ورَدَّهَا على قارئ قرأ عليه «يُكذبونك» بضم الياء، وقال: إنهم كانوا يسمونه الأَمِينَ.
وقرأ نافع والكسائي- بسكون الكاف، وتخفيف الذال-، وهما قراءتان مشهورتان صحيحتان، وهما بمعنى واحد، فمعنى: لا يكذبونك، أي: لا يعتقدون كذبك، وإنهم يعلمون صِدْقَكَ، ولكنهم يَجْحَدُونَ عنَاداً وظُلْماً، وهذا تأويل قتادة والسُّدي وغيرهما «١» .
وحكي عن طائفة من الكُفَّارِ أنها كانت تَقُولُ: إنا لنعلم أن محمداً صادق، ولكن إذا آمنَّا به فضلنا بنو هاشم بالنبوءة، فنحن لا نُؤْمِنُ به أَبَداً.
رويت هذه المَقَالَةِ عن أَبِي جَهْلٍ «٢» ، ومن جرى مجراه.
وأسْنَدَ الطَّبَريُّ «٣» : «أن جِبْريلَ وجد النبي صلّى الله عليه وسلّم حَزِيناً فسأله، فقال: كذبني هؤلاء، فقَال: إنهم لا يكذبونك بل يعلمون أَنَّكَ صَادِقٌ ولكن الظالمين بآيات اللَّه يَجْحَدُونَ» وجَحْدُ العِنَادِ جائز الوقوع بمقتضى النظر، وظواهر القرآن تعطيه، ويَجْحَدُونَ: حِقِيقِتُهُ في كلام العرب الإنْكارُ بعد معرفة، وهو ضد الإقرار.
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا الآية.
قال ابن جُرَيْجٍ، والضحاك: عزى اللَّه بهذه الآية نَبِيَّهُ- عليه السلام- «١» ثم قَوَّى سبحانه رَجَاء نَبِيِّهِ فيما وَعَدَهُ من النصر، بقوله: وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، أي: لاَ رَادَّ لأَمْرِهِ، وكلماته السابقة بما يكون، فكأن المعنى: فاصبر كما صَبَرُوا، وانتظر ما يأتي، وَثِقْ بهذا الإخبار، فإنه لا مُبَدِّلَ له.
وقوله تعالى: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ ...
الآية فيها إلزام الحجة للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتقسيم الأحوال عليه حتى يبين أنْ لاَ وَجْهَ إلا الصَّبر، والمعنى: إن كنت تعظم تكذيبهم، وكفرهم على نَفْسِكَ، وتلتزم الحُزْنَ، فإن كنت تقدر على دخول سرب في أعمال الأرض، أو على ارْتِقَاءِ سُلَّمٍ في السماء، فافعل، أي: ولست بِقَادِرٍ على شيء من هذا، ولا بُدَّ لك من التزام الصَّبْرِ، واحتمال المشقة، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ في أن تَأْسَفَ وتحزن على أَمْرٍ أراده اللَّه، وأمضاه.
وروى الدّارقطنيّ في «سننه» / عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قال: «إذا أَصَابَ أَحَدَكُمْ هَمٌّ أوْ حُزْنٌ فليقل سَبْعَ مَرَّاتٍ: اللَّه اللَّه رَبِّي لاَ أُشْرِكُ بِه شَيْئاً» «٢» انتهى من «الكوكب الدّري» .
وفَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أي: بعلامة.
وقال مَكّي، والمَهْدوي: الخِطَابُ بقوله: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمُرَادُ أمته، وهذا ضَعِيفٌ لا يقتضيه اللفظ.
قلت وما قاله ع: فيه عندي نَظَرٌ لأن هذا شَأْنُ التأويل إخراج اللَّفْظِ عن ظاهره لموجب، عَلَى أن أَبَا محمد مَكِّيًّا- رحمه اللَّه- نَقَلَ هذا القول عن غيره نَقْلاً، ولفظه: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أي: ممن لا يعلم أن اللَّه لو شَاءَ لَجَمَعَ على الهُدَى جميع خَلْقِهِ.
وقيل: معنى الخطاب لأمّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمعنى: فلا تكونوا من الجاهلين، ومثله في القرآن كثير.
انتهى من «الهِدَايَةِ» .
وقوله سبحانه: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ هذا من النَّمَطِ المتقدّم في التسلية،
أحَدُهُما: عَنِ اسْتِماعِ القُرْآَنِ.
والثّانِي: عَنِ اتِّباعِ النَّبِيِّ .
فَأمّا "النَّفَقُ"، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النَّفَقُ في الأرْضِ: المَدْخَلُ، وهو السِّرْبُ.
والسُّلَّمُ في السَّماءِ: المِصْعَدُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: النَّفَقُ: الطَّرِيقُ النّافِذُ في الأرْضِ.
والنّافِقاءُ، مَمْدُودٌ: أحَدُ جُحْرِهِ اليَرْبُوعُ يَخْرِقُهُ مِن باطِنِ الأرْضِ إلى جِلْدَةِ الأرْضِ، فَإذا بَلَغَ الجِلْدَةَ أرَقُها، حَتّى إنْ رابَهُ رَيْبٌ، دَفَعَ بِرَأْسِهِ ذَلِكَ المَكانَ وخَرَجَ ومِنهُ سُمِّيَ المُنافِقُ، لِأنَّهُ أبْطَنَ غَيْرَ ما أظْهَرَ، كالنّافِقاءِ الَّذِي ظاهِرُهُ غَيْرُ بَيِّنٍ، وباطِنُهُ حَفْرٌ في الأرْضِ.
"والسُّلَّمُ" مُشْتَقٌّ مِنَ السَّلامَةِ، وهو الشَّيْءُ الَّذِي يُسَلِّمُكَ إلى مِصْعَدِكَ.
والمَعْنى: فَإنِ اسْتَطَعْتَ هَذا فافْعَلْ، "وَحَذَفَ" فافْعَلْ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السُّلَّمُ: السَّبَبُ والمُرْقاةُ، تَقُولُ: اتَّخَذَتْنِي سُلَّمًا لَحاجَتِكَ، أيْ: سَبَبًا.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ﴾ قَوْلانِ أحَدُهُما: بِآَيَةٍ قَدْ سَألُوكَ إيّاها: وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا نُزُولَ مَلِكٍ، ومِثْلُ آَياتِ الأنْبِياءِ، كَعَصا مُوسى، وناقَةِ صالِحٍ.
والثّانِي: بِآَيَةٍ هي أفْضَلُ مِن آَيَتِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لَوْ شاءَ أنْ يُطَبِّعَهم عَلى الهُدى لَطَبَعَهم.
والثّانِي: لَوْ شاءَ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: لَوْ شاءَ لَآَمَنُوا كُلُّهم فَأخْبَرَ إنَّما تَرَكُوا الإيمانَ بِمَشِيئَتِهِ، ونافِذِ قَضائِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا تَجْهَلُ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى.
والثّانِي: لا تَجْهَلُ أنَّهُ يُؤْمِنُ بِكَ بَعْضُهم ويَكْفُرُ بَعْضُهم.
والثّالِثُ: لا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لا صَبْرَ لَهُ، لِأنَّ قِلَّةَ الصَّبْرِ مِن أخْلاقِ الجاهِلِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أو سُلَّمًا في السَماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَضَمَّنَتْ عَرْضَ الأُسْوَةِ الَّتِي يَنْبَغِي الِاقْتِداءُ بِها عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَرْجِيَتُهُ أنْ يَأْتِيَهُ مِثْلُ ما أتاهم مِنَ النَصْرِ إذا امْتَثَلَ ما امْتَثَلُوهُ مِنَ الصَبْرِ؛ قالَ الضَحّاكُ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ: عَزّى اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَأُذُوا"؛ بِغَيْرِ واوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.
ثُمَّ قَوّى ذَلِكَ الرَجاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ ﴾ ؛ أيْ: لا رادَّ لِأمْرِهِ؛ وكَلِماتِهِ السابِقاتِ بِما يَكُونُ؛ ولا مُكَذِّبَ لِما أخْبَرَ بِهِ؛ فَكَأنَّ المَعْنى: "فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا؛ وانْتَظِرْ ما يَأْتِي؛ وثِقْ بِهَذا الإخْبارِ؛ فَإنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَهُ"؛ فالقَصْدُ هُنا هَذا الخَبَرُ؛ وجاءَ اللَفْظُ عامًّا جَمِيعَ كَلِماتِ اللهِ تَعالى السابِقاتِ؛ وأمّا كَلامُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في التَوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَها؛ وإنَّما حَرَّفَها اليَهُودُ بِالتَأْوِيلِ؛ لا بِبَدَلِ حُرُوفٍ وألْفاظٍ؛ وجَوَّزَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَكُونُوا بَدَّلُوا الألْفاظَ؛ لِأنَّهُمُ اسْتُحْفِظُوها؛ وهو الأظْهَرُ؛ وأمّا القُرْآنُ فَإنَّ اللهَ تَعالى تَضَمَّنَ حِفْظَهُ؛ فَلا يَجُوزُ فِيهِ التَبْدِيلُ؛ قالَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ ؛ وقالَ في أُولَئِكَ: ﴿ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللهِ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ ؛ أيْ فِيما أنْزَلْناهُ؛ وقَصَصْناهُ عَلَيْكَ؛ ما يَقْضِي هَذا الَّذِي أخْبَرْناكَ بِهِ؛ وفاعِلُ "جاءَكَ"؛ مُضْمَرٌ؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ ؛ والرُمّانِيُّ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ؛ أو أنْباءُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَوابُ عِنْدِي في المَعْنى أنْ يُقَدَّرَ: "جَلاءٌ"؛ أو "بَيانٌ".
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ ؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "جاءَ"؛ ودَخَلَ حَرْفُ الجَرِّ عَلى الفاعِلِ؛ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في تَجْوِيزِهِ دُخُولَ "مِن" في الواجِبِ؛ ووَجْهُ قَوْلِ الرُمّانِيِّ أنَّ "مِن"؛ لا تُزادُ في الواجِبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ آيَةٌ فِيها إلْزامُ الحُجَّةِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَقْسِيمُ الأحْوالِ عَلَيْهِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ أنْ لا وجْهَ إلّا الصَبْرُ؛ والمُضِيُّ لِأمْرِ اللهِ تَعالى ؛ والمَعْنى: "إنْ كُنْتَ تُعْظِمُ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم عَلى نَفْسِكَ؛ وتَلْتَزِمُ الحُزْنَ عَلَيْهِ؛ فَإنْ كُنْتَ تَقْدِرُ عَلى دُخُولِ سَرْبٍ في أعْماقِ الأرْضِ؛ أو عَلى ارْتِقاءِ سُلَّمٍ في السَماءِ؛ فَدُونَكَ وشَأْنَكَ بِهِ"؛ أيْ: "إنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا؛ ولا بُدَّ لَكَ مِنَ التِزامِ الصَبْرِ؛ واحْتِمالِ المَشَقَّةِ؛ ومُعارَضَتِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي نَصَبَها اللهُ تَعالى لِلنّاظِرِينَ المُتَأمِّلِينَ؛ إذْ هو - لا إلَهَ إلّا هو - لَمْ يُرِدْ أنْ يَجْمَعَهم عَلى الهُدى؛ وإنَّما أرادَ أنْ يَنْصُبَ مِنَ الآياتِ ما يَهْتَدِي بِالنَظَرِ فِيهِ قَوْمٌ؛ ويَضِلُّ آخَرُونَ؛ إذْ خَلَقَهم عَلى الفِطْرَةِ؛ وهَدى السَبِيلَ؛ وسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ؛ ولَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِحَقِّ مِلْكِهِ تَعالى ؛ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ في أنْ تَأْسَفَ؛ وتَحْزَنَ عَلى أمْرٍ أرادَهُ اللهُ تَعالى وأمْضاهُ؛ وعَلِمَ المَصْلَحَةَ فِيهِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أُسْلُوبُ مَعْنى الآيَةِ.
واسْمُ "كانَ"؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الأمْرَ؛ والشَأْنَ؛ و ﴿ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ ﴾ ؛ خَبَرُها؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "إعْراضُهُمْ"؛ هو اسْمَ "كانَ"؛ ويُقَدَّرَ في "كَبُرَ"؛ ضَمِيرٌ؛ وتَكُونَ "كَبُرَ"؛ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ والأوَّلُ مِنَ الوَجْهَيْنِ أقْيَسُ.
و"اَلنَّفَقُ": اَلسَّرْبُ في الأرْضِ؛ ومِنهُ: "نافِقاءُ اليَرْبُوعِ"؛ و"اَلسُّلَّمُ": اَلشَّيْءُ الَّذِي يُصْعَدُ عَلَيْهِ؛ ويُرْتَقى؛ ويُمْكِنُ أنْ يُشْتَقَّ اسْمُهُ مِن "اَلسَّلامَةُ"؛ لِأنَّهُ سَبَبُها؛ وجَمْعُهُ: "سَلالِيمُ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لا يَحْجِزُ المَرْءَ أحْجاءُ البِلادِ ولا ∗∗∗ تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ و"فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ"؛ أيْ: بِعَلامَةٍ؛ ويُرِيدُ: إمّا في فِعْلِكَ ذَلِكَ؛ أيْ: تَكُونُ الآيَةُ نَفْسَ دُخُولِكَ في الأرْضِ؛ أوِ ارْتِقائِكَ في السَماءِ؛ وإمّا أنْ تَأْتِيَهم بِالآيَةِ مِن إحْدى الجِهَتَيْنِ؛ وحُذِفَ جَوابُ الشَرْطِ قَبْلُ في قَوْلِهِ: "فَإنِ اسْتَطَعْتَ"؛ إيجازًا؛ لِفَهْمِ السامِعِ بِهِ؛ تَقْدِيرُهُ: "فافْعَلْ؛ أو فَدُونَكَ"؛ كَما تَقَدَّمَ.
و"لَجَمَعَهُمْ"؛ يَحْتَمِلُ: إمّا بِأنْ يَخْلُقَهم مُؤْمِنِينَ؛ وإمّا بِأنْ يُكْسِبَهُمُ الإيمانَ بَعْدَ كُفْرِهِمْ؛ بِأنْ يَشْرَحَ صُدُورَهُمْ؛ و"اَلْهُدى": اَلْإرْشادُ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى القَدَرِيَّةِ المُغْرِضَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: "إنَّ القُدْرَةَ لا تَقْتَضِي أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ؛ وإنَّ ما يَأْتِيهِ الإنْسانُ مِن جَمِيعِ أفْعالِهِ لا خَلْقَ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ"؛ تَعالى اللهُ عن قَوْلِهِمْ.
و"مِنَ الجاهِلِينَ"؛ يُحْتَمَلُ في ألّا يَعْلَمُ أنَّ اللهَ تَعالى لَوْ شاءَ لَجَمَعَهُمْ؛ ويُحْتَمَلُ في أنْ تَهْتَمَّ بِوُجُودِ كُفْرِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ؛ وأرادَهُ؛ وتَذْهَبَ بِهِ لِنَفْسِكَ إلى ما لَمْ يُقَدِّرْهُ اللهُ تَعالى.
يَظْهَرُ تَبايُنٌ ما بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ؛ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ؛ وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أفْضَلُ الأنْبِياءِ؛ قالَ مَكِّيٌّ والمَهْدِيُّ: "والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ؛ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ"؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ؛ وقالَ قَوْمٌ: وُقِّرَ نُوحٌ لِسِنِّهِ؛ وشَيْبَتِهِ؛ وقالَ قَوْمٌ: جاءَ الحَمْلُ أشَدَّ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِقُرْبِهِ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ ومَكانَتِهِ عِنْدَهُ؛ كَما يَحْمِلُ المُعاتِبُ عَلى قَرِيبِهِ أكْثَرَ مِن حَمْلِهِ عَلى الأجانِبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والوَجْهُ القَوِيُّ عِنْدِي في الآيَةِ هو أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَجِئْ بِحَسَبِ النَبِيَّيْنِ؛ وإنَّما جاءَ بِحَسَبِ الأمْرَيْنِ اللَذَيْنِ وقَعَ النَهْيُ عنهُما؛ والعِتابُ فِيهِما؛ وبَيِّنٌ أنَّ الأمْرَ الَّذِي نُهِيَ عنهُ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أكْبَرُ قَدْرًا وأخْطَرُ مُواقَعَةً مِنَ الأمْرِ الَّذِي واقَعَهُ نُوحٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة: ﴿ قد نعلم إنّه لَيُحْزنك الذي يقولون ﴾ [الأنعام: 33]، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحزنه ما يقولونه فيه من التكذيب به وبالقرآن حَزَناً على جهل قومه بقدر النصيحة وإنكارهم فضيلة صاحبها، وحزناً من جرّاء الأسف عليهم من دوام ضلالهم شفقة عليهم، وقد سلاّه الله تعالى عن الحزن الأول بقوله ﴿ فإنّهم لا يكذبونك ﴾ [الأنعام: 33] وسلاّه عن الثاني بقوله: ﴿ وإن كانَ كَبُر عليك إعراضهم ﴾ الآية.
و ﴿ كبُر ﴾ ككرم، كِبراً كعنب: عظمت جثّته.
ومعنى ﴿ كَبُر ﴾ هنا شقّ عليك.
وأصله عظم الجثّة، ثم استعمل مجازاً في الأمور العظيمة الثقيلة لأنّ عظم الجثّة يستلزم الثقل، ثم استعمل مجازاً في معنى (شقّ) لأنّ الثقيل يشق جمله.
فهو مجاز مرسل بلزومين.
وجيء في هذا الشرط بحرف (إنْ) الذي يكثر وروده في الشرط الذي لا يظنّ حصوله للإشارة إلى أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بمظنّة ذلك ولكنّه على سبيل الفرض.
وزيدت (كان) بعد (إنْ) الشرطية بينها وبين ما هو فعل الشرط في المعنى ليبقى فعل الشرط على معنى المضي فلا تُخلّصه (إن) الشرطيّةُ إلى الاستقبال، كما هو شأن أفعال الشروط بعد (إن)، فإنّ (كان) لقوّة دلالته على المضي لا تقلبه أداة الشرط إلى الاستقبال.
والإعراض المعرّف بالإضافة هو الذي مضى ذكره في قوله تعالى: ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلاّ كانوا عنها معرضين ﴾ [الأنعام: 4].
وهو حالة أخرى غير حالة التكذيب، وكلتاهما من أسباب استمرار كفرهم.
وقوله: ﴿ فإن استطعت ﴾ جوابُ ﴿ إن كان كبر ﴾ ، وهو شرط ثان وقع جواباً للشرط الأول.
والاستطاعة: القدرة.
والسين والتاء فيها للمبالغة في طاع، أي انقاد.
والابتغاء: الطلب.
وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ أفغير دين الله تبغون ﴾ في سورة [آل عمران: 83]، أي أن تَطْلُبَ نَفَقاً أو سُلّماً لتبلغ إلى خبايا الأرض وعجائبها وإلى خبايا السماء.
ومعنى الطلب هنا: البحث.
وانتصب نفقاً } و ﴿ سُلّما ﴾ على المفعولين ل ﴿ تبتغي ﴾ .
والنفق: سرب في الأرض عميق.
والسّلَّم بضمّ ففتح مع تشديد اللاّم آلة للارتقاء تتّخذ من حبلين غليظين متوازيين تصل بينهما أعواد أو حبال أخرى متفرّقة في عرض الفضاء الذي بين الحبلين من مساحة ما بين كلّ من تلك الأعواد بمقدار ما يرفع المرتقي إحدَى رجليه إلى العود الذي فوق ذلك، وتسمّى تلك الأعواد دَرَجَات.
ويجعلُ طول الحبلين بمقدار الارتفاع الذي يراد الارتقاء إليه.
ويسمَّى السلّم مِرْقاة ومِدْرَجة.
وقد سمّوا الغرز الذي يرتقي به الراكب على رحل ناقته سُلّما.
وكانوا يرتقون بالسلّم إلى النخيل للجذاذ.
وربما كانت السلاليم في الدور تتّخذ من العود فتسمّى المرقاة.
فأمّا الدرج المبنيّة في العَلالي فإنّها تُسَمَّى سُلّماً وتسمّى الدّرَجة كما ورد في حديث مقتل أبي رافع قول عبد الله بن عتيك في إحدى الروايات «حتّى انتهيت إلى دَرَجة له»، وفي رواية «حتّى أتيت السلّم أريد أن أنزل فأسْقُطُ منه» وقوله ﴿ في الأرض ﴾ صفة ﴿ نفقاً ﴾ أي متغلغلاً، أي عميقاً.
فذكر هذا المجرور لإفادة المبالغة في العمق مع استحضار الحالة وتصوير حالة الاستطاعة إذ من المعلوم أنّ النفق لا يكون إلاّ في الأرض.
وأمّا قوله: ﴿ في السماء ﴾ فوصف به ﴿ سُلّما ﴾ ، أي كائناً في السماء، أي واصلاً إلى السماء.
والمعنى تبلغ به إلى السماء.
كقول الأعشى ورُقّيتَ أسبَاب السّمَاء بسُلّم *** والمعنى: فإن استطعت أن تطلب آية من جميع الجهات للكائنات.
ولعلّ اختيار الابتغاء في الأرض والسماء أنّ المشركين سألوا الرسول عليه والصلاة والسلام آيات من جنس ما في الأرض، كقولهم ﴿ حتّى تُفجّر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ [الإسراء: 90]، ومن جنس ما في السماء، كقولهم: ﴿ أو ترقى في السماء ﴾ [الإسراء: 93].
وقوله: ﴿ بآية ﴾ أي بآية يسلّمون بها، فهنالك وصف محذوف دلّ عليه قوله: ﴿ إعراضهم ﴾ ، أي عن الآيات التي جئتهم بها.
وجواب الشرط محذوف دلّ عليه فعل الشرط، وهو ﴿ استطعت ﴾ .
والشرط وجوابه مستعملان مجازاً في التأييس من إيمانهم وإقناعهم، لأنّ الله جعل على قلوبهم أكنّة وفي آذانهم وقراً وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها.
ويتعيّن تقدير جواب الشرط ممّا دلّ عليه الكلام السابق، أي فأتهم بآية فإنّهم لا يؤمنون بها، كما يقول القائل للراغب في إرضاء مُلحّ.
إن استطعت أن تجلب ما في بيتك، أي فهو لا يرضى بما تقصر عنه الاستطاعة بلْهَ ما في الاستطاعة.
وهو استعمال شائع، وليس فيه شيء من اللوم ولا من التوبيخ، كما توهّمه كثير من المفسّرين.
وقوله: ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ شرط امتناعي دلّ على أنّ الله لم يشأ ذلك، أي لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم عليه؛ فمفعول المشيئة محذوف لقصد البيان بعد الإبهام على الطريقة المسلوكة في فعل المشيئة إذا كان تعلّقه بمفعوله غير غريب وكان شرطاً لإحدى أدوات الشرط كما هنا، وكقوله: ﴿ إن يشأ يُذهبكم ﴾ [النساء: 133].
ومعنى: ﴿ لجمعهم على الهدى ﴾ لهداهم أجمعين.
فوقع تفنّن في أسلوب التعبير فصار تركيباً خاصِّيّاً عدل به على التركيب المشهور في نحو قوله تعالى: ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ [الأنعام: 149] للإشارة إلى تمييز الذين آمنوا من أهل مكّة على من بقي فيها من المشركين، أي لو شاء لجمعهم مع المؤمنين على ما هدى إليه المؤمنين من قومهم.
والمعنى: لو شاء الله أن يخلقهم بعقول قابلة للحقّ لخلقهم بها فلَقَبلُوا الهدى، ولكنّه خلقهم على ما وصف في قوله: ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ﴾ [الأنعام: 25] الآية، كما تقدّم بيانه.
وقد قال تعالى: ﴿ ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة ﴾ [هود: 118]، وبذلك تعلم أنّ هذه مشيئة كليّة تكوينيّة، فلا تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى في آخر هذه السورة [148] ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ﴾ الآية.
فهذا من المشيئة المتعلّقة بالخلق والتكوين لا من المشيئة المتعلّقة بالأمر والتشريع.
وبينهما بَوْن، سقط في مهواته من لم يقدّر له صون.
وقوله: فلا تكونّن من الجاهلين} تذييل مفرّع على ما سبق.
والمراد ب ﴿ الجاهلين ﴾ يجوز أن يكون من الجهل الذي هو ضدّ العلم، كما في قوله تعالى خطاباً لنوح ﴿ إنّي أعظُك أن تكون من الجاهلين ﴾ [هود: 46]، وهو ما حمل عليه المفسّرون هنا.
ويجوز أن يكون من الجهل ضدّ الحلم، أي لا تضق صدراً بإعراضهم.
وهو أنسب بقوله: ﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم ﴾ .
وإرادة كلا المعنيين ينتظم مع مفاد الجملتين: جملة: ﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم ﴾ وجملة ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ .
ومع كون هذه الجملة تذييلاً للكلام السابق فالمعنى: فلا يَكْبُرْ عليك إعراضهم ولا تضق به صدراً، وأيضاً فكن عالماً بأنّ الله لو شاء لجمعهم على الهدى.
وهذا إنباء من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأمر من علم الحقيقة يختصّ بحالة خاصّة فلا يطّرد في غير ذلك من مواقف التشريع.
وإنّما عدل على الأمر بالعلم لأنّ النّهي عن الجهل يتضمّنه فيتقرّر في الذهن مرتين، ولأنّ في النهي عن الجهل بذلك تحريضاً على استحضار العلم به، كما يقال للمتعلّم: لا تنسى هذه المسألة.
وليس في الكلام نهي عن شيء تلبّس به الرسول صلى الله عليه وسلم كما توهّمه جمع من المفسّرين، وذهبوا فيه مذاهب لا تستبين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ التَّكْذِيبِ لَكَ، والكُفْرُ بِي.
﴿ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ بِحُجَّةٍ، وإنَّما هو تَكْذِيبُ بُهْتٍ وعِنادٍ، فَلا يَحْزُنْكَ، فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَ قَوْلَكَ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، ولَكِنْ يُكَذِّبُونَ ما جِئْتَ بِهِ، قالَهُ ناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ.
والثّالِثُ: لا يُكَذِّبُونَكَ في السِّرِّ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، ولَكِنَّهم يُكَذِّبُونَكَ في العَلانِيَةِ لِعَداوَتِهِمْ لَكَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والرّابِعُ: مَعْناهُ أنَّ تَكْذِيبَهم لِقَوْلِكَ لَيْسَ بِتَكْذِيبٍ لَكَ، لِأنَّكَ رَسُولٌ مُبَلِّغٌ، وإنَّما هو تَكْذِيبٌ لِآياتِي الدّالَّةِ عَلى صِدْقِكَ والمُوجِبَةِ لِقَبُولِ قَوْلِكَ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ أيْ يَكْذِبُونَ.
وَقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ﴿ لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ وهي قِراءَةٌ عَنِ النَّبِيِّ وتَأْوِيلُها: لا يَجِدُونَكَ كاذِبًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لا مُبْطِلَ لِحُجَّتِهِ ولا دافِعَ لِبُرْهانِهِ.
والثّانِي: مَعْناهُ لا رادَّ لِأمْرِهِ فِيما قَضاهُ مِن نَصْرِ أوْلِيائِهِ، وأوْجَبَهُ مِن هَلاكِ أعْدائِهِ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ لا تَكْذِيبَ لِخَبَرِهِ فِيما حَكاهُ مِن نَصْرِ مَن نُصِرَ وهَلاكِ مَن أُهْلِكَ.
والرّابِعُ: مَعْناهُ لا يَشْتَبِهُ ما تَخَرَّصَهُ الكاذِبُونَ عَلَيْهِ بِما بَلَّغَهُ الأنْبِياءُ عَنْهُ.
﴿ وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ فِيما صَبَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الأذى، وقُوبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّصْرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: [إعْراضُهُمْ] عَنْ سَماعِ القُرْآنِ.
والثّانِي: عَنِ اسْتِماعِكَ.
﴿ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ ﴾ أيْ سِرْبًا، وهو المَسْلَكُ فِيها، مَأْخُوذٌ مِن نافِقاءِ اليَرْبُوعِ.
﴿ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِصْعَدًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: دَرَجًا، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: سَبَبًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: ولا لَكُما مَنجًى عَلى الأرْضِ فابْغِيا بِهِ نَفَقًا أوْ في السَّماواتِ سُلَّمًا ﴿ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ﴾ يَعْنِي أفْضَلَ مِن آيَتِكَ ولَنْ تَسْتَطِيعَ ذَلِكَ، لَمْ يُؤْمِنُوا لَكَ، فَلا يُحْزِنُكَ تَكْذِيبُهم وكُفْرُهم، قالَ الفَرّاءُ: وفي الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: فَتَأْتِيهِمْ بِآيَةٍ فافْعَلْ.
﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى ﴾ يَعْنِي بِالإلْجاءِ والِاضْطِرارِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ مَوْضِعٍ قالَ اللَّهُ فِيهِ ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ فَإنَّهُ لَمْ يَشَأْ.
﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ يَعْنِي تَجْزَعُ في مَواطِنِ الصَّبْرِ، فَتَصِيرُ بِالأسَفِ والتَّحَسُّرِ مُقارِبًا لِأحْوالِ الجاهِلِينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ الِاسْتِجابَةُ هي القَبُولُ، والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الجَوابِ: أنَّ الجَوابَ قَدْ يَكُونُ قَبُولًا وغَيْرَ قَبُولٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي الَّذِينَ يَعْقِلُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: الَّذِينَ يَسْمَعُونَ طَلَبًا لِلْحَقِّ، لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ قَدْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ طَلَبًا لِلْحَقِّ، فَأمّا مَن لا يَسْمَعُ، أوْ يَسْمَعُ لَكِنْ لا بِقَصْدِ طَلَبِ الحَقِّ، فَلا يَكُونُ مِنهُ اسْتِجابَةً.
﴿ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالمَوْتى هُنا الكُفّارُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.
وَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: إنَّما يَسْتَجِيبُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، والكُفّارُ لا يَسْمَعُونَ إلّا عِنْدَ مُعايَنَةِ الحَقِّ اضْطِرارًا حِينَ لا يَنْفَعُهم حَتّى يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ كُفّارًا ثُمَّ يُحْشَرُونَ كُفّارًا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ المَوْتى الَّذِينَ فَقَدُوا الحَياةَ، وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: كَما أنَّ المَوْتى لا يَسْتَجِيبُونَ حَتّى يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ فَكَذَلِكَ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض ﴾ والنفق السرب فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لهم سلماً ﴿ في السماء ﴾ فتصعد عليه ﴿ فتأتيهم بآية ﴾ أفضل مما أتيناهم به فافعل ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ يقول الله سبحانه: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ نفقاً في الأرض ﴾ قال: سرباً ﴿ أو سلماً في السماء ﴾ قال: يعني الدرج.
وأخرج الطستي عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق قال له: اخبرني عن قوله تعالى ﴿ تبتغي نفقاً في الأرض ﴾ قال: سرباً في الأرض فتذهب هرباً.
قال: وهل تعرب العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول: فدس لها على الانفاق عمرو ** بشكته وما خشيت كمينا وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون ﴾ قال: المؤمنون ﴿ والموتى ﴾ قال: الكفار.
وأخرج عبد بن حميد وابن شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون ﴾ قال: المؤمنون للذكر ﴿ والموتى ﴾ قال: الكفار حين يبعثهم الله مع الموتى.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون ﴾ قال: هذا مثل المؤمن سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله، فهو حي القلب حي البصر ﴿ والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ﴾ [ الأنعام: 39] وهذا مثل الكافر أصم أبكم لا يبصر هدي ولا ينتفع به.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ ﴾ ، قال المفسرون: (كان رسول الله يحرص على إيمان قومه ومتابعتهم إياه أشد الحرص، وكان إذا سألوه آية أراد أن يريهم الله ذلك؛ طمعاً في إيمانهم ، فقال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ ﴾ ) (١) (٢) وقال الزجاج: (عظم عليك أن أعرضوا إذ طلبوا منك أن ينزل عليك (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ ﴾ ، النفق (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ﴾ ، وجواب ﴿ أَن ﴾ مضمر تقديره ﴿ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ ﴾ ذلك فافعل (٧) قال الفراء: (وإنما تفعله العرب في كل موضع يُعرف فيه معنى الجواب، ألا ترى أنك تقول للرجل: إن استطعت أن تتصدق.
إن رأيت أن تقوم معنا.
تترك الجواب لمعرفتك بمعرفته [به] (٨) (٩) وقال الزجاج: (أعلم الله عز وجل أنه بشر لا يقدر على الإتيان بآية إلا بإذن الله تعالى) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى ﴾ أخبر الله تعالى نبيه أنهم إنما تركوا الإيمان وأعرضوا عنه بمشيئة الله ونافذ قضائه فيهم، وأنه لو شاء [الله] (١١) (١٢) ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ﴾ (١٣) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ ، قال أهل التفسير: (أي: فإنه يؤمن بك بعضهم دون بعض، وأنهم لا يجتمعون على الهدى) (١٤) وقال أهل المعاني: (معناه: لا يشتد تحسرك على تكذيبهم ولا تجزع من إعراضهم عنك، فتقارب حال الجاهل، وغلظ الخطاب تبعيدًا وزجرًا له عن هذه الحال) (١٥) (١) أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1284 بسند جيد عن ابن عباس.
وانظر: "البغوي" 3/ 140.
(٢) لم أقف عليه، وهذا معنى ظاهر، ولم يختلف فيه.
انظر: الطبري 7/ 183، والسمرقندي 1/ 482، والبغوي 3/ 140، والقرطبي 6/ 417.
(٣) لفظ: (عليك) ساقط من (ش).
(٤) "معاني الزجاج" 2/ 243، وفيه تصرف واختصار.
(٥) انظر: "العين" 5/ 177، و"الجمهرة" 2/ 967، و"تهذيب اللغة" 4/ 3635، و"الصحاح" 4/ 560، و"المجمل" 3/ 877، و"مقاييس اللغة" 5/ 454، و"المفردات" ص 819، و"اللسان" 8/ 4508 (نفق).
(٦) هذا قول أهل اللغة والتفسير، وقد أخرجه الطبري 7/ 184، من طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة والسدي.
وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 190، و"غريب القرآن" ص 136، و"تفسير غريب القرآن" ص 153، و"معاني الزجاج" 2/ 244، و"الزاهر" 1/ 132، و"معاني النحاس" 2/ 419.
(٧) انظر: الطبري 7/ 184، والسمرقندي 1/ 482، والبغوي 3/ 141، وابن عطية 5/ 188، و"التبيان" 1/ 331، و"الفريد" 2/ 143، و"الدر المصون" 4/ 607.
(٨) لفظ: (به) ساقط من (ش) وكذا في بعض نسخ "معاني الفراء" 1/ 231 كما في حاشيته.
(٩) "معاني الفراء" 1/ 331 - 332.
(١٠) "معاني الزجاج" 2/ 244، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 420.
(١١) لفظ (الجلاله) ساقط من (أ).
(١٢) في (أ) كما قال تعالى.
(١٣) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 185، و"معاني الزجاج" 2/ 244، و"معاني النحاس" 2/ 420، و"تفسير السمرقندي" 1/ 482.
(١٤) انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 189، وابن الجوزي 3/ 33.
(١٥) انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 109، وابن الجوزي 3/ 33.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ ﴾ الآية: مقصودها حمل النبي صلى الله عليه وسلم على الصبر، والتسليم لما أراد الله بعباده من إيمان أو كفر، فإنه صلى الله عليه وسلم كان شديد الحرص على إيمانهم، فقيل له: إن استطعت أن تدخل في الأرض أو تصعد إلى السماء فتأتيهم بآية يؤمنون بسببها، فافعل وأنت لا تقدر على ذلك، فاستسلم لأمر الله، والنفق في الأرض معناه: منفذ تنفذ منه إلى ما تحت الأرض، وحذف جواب إن لفهم المعنى ﴿ وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى ﴾ حجة لأهل السنة على القدرية ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين ﴾ أي من الذين يجهلون أن الله لو شاء لجمعهم على الهدى.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ بالنصب فيهما: حمزة وحفص ويعقوب وافق ابن عامر في ﴿ ونكون ﴾ الباقون: بالرفع ﴿ ولدار الآخرة ﴾ بالإضافة: ابن عامر بتأويل الساعة الآخرة، الباقون: بتعريف الدار ورفع الآخرة على الوصفية.
﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص وكذلك في الأعراف ﴿ يكذبونك ﴾ بالتخفيف من أكذبه إذا وجده كاذباً: علي ونافع والأعشى في اختياره.
الباقون: بالتشديد من كذبه إذا نسبه إلى الكذب.
﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ وينأون عنه ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ بلقاء الله ﴾ ط لأن "حتى" للابتداء فيها لا لأن الواو للحال ﴿ على ظهورهم ﴾ ط ﴿ يزرون ﴾ ه ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ نصرنا ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقصود لكلمات الله كذلك.
﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ بآية ﴾ ط ﴿ من الجاهلين ﴾ ه ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.
التفسير: لما بيّن أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بعض أسباب ذلك فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ قال ابن عباس: حضر عند رسول الله أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف واستمعوا إلى حديث رسول الله فقالوا للنضر: ما تقول في محمد؟
فقال: ما أدري ما يقول إلا أني أرى تحريك.
شفتيه يتكلم بشيء وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية.
وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، وكان يحدث قريشاً فيستملحون حديثه فنزلت الآية.
والأكنة جمع كنان وهو كل ما وقى شيئاً وستره من الأغطية والقفل، ومنه أكننت وكننت.
وأن يفقهوه مفعول لأجله أي كراهة فقههم.
والوقر الثقل في الآذان.
والتركيب يدور على الثقل ومنه الوِقر بالكسر الحمل، والوقار الحلم.
وفي الآية دلالة على أن الله تعالى هو الذي يصرف عن الإيمان ويحول بين المرء وبين قلبه.
وقالت المعتزلة: لا يمكن أجراؤها على ظاهرها وإلا كأن فيها حجة الكفار، ولأنه يكون تكليفاً للعاجز.
ولم يتوجه ذمهم في قولهم ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ فلا بد من التأويل وذلك من وجوه الأول: قال الجبائي: إن القوم كانوا يسمعون لقراءة الرسول ليتوسلوا بسماع قراءته إلى مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه، فكان الله يلقي على قلوبهم النوم والغفلة، وعلى آذانهم الثقل.
وزيف بأن المراد لوكان ذلك لقيل " أن يسمعوه" بدل "أن يفقوه".
وبأن قوله ﴿ وأن يروا كل آية ﴾ أي كل دليل وحجة ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ لا يناسبه.
الثاني: أن المكلف الذي علم الله أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر يسم قلبه بعلامة مخصوصة لتستدل الملائكة برؤيتها فلا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان مع انها في نفسها ليست بمانعة عن الإيمان.
الثالث: يقال: إنه جبل على كذا إذا كان مصّراً عليه وذلك على جهة التمثيل.
الرابع: لما منعهم الألطاف التي تصلح أن تفعل بالمهتدين وفوّض أمورهم إلى أنفسهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه.
الخامس: أن هذا حكاية قولهم ﴿ وفي ءَاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ وعورضت هذه الأدلة بالعلم والداعي، وذلك أن الله علم من الكافر أنه لا يؤمن وخلاف علمه محال، وأنه هو الذي خلق فيهم داعية الكفر ومع وجود تلك الداعية يستحيل الإيمان فهو المعنى بالكنان.
وتحقيق المسألة تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ والإفراد في ﴿ يستمع ﴾ والجمع في ﴿ قلوبهم ﴾ اعتبار اللفظ من تارة ولمعناه أخرى ﴿ حتى إذا جاؤك ﴾ هي حتى المبتدأة التي يقع بعدها الجمل كقوله: حتى ماء دجلة أشكل.
والجملة ههنا مجموع الشرط والجزاء أعني قوله ﴿ إذا جاؤك ﴾ يقول: ﴿ ويجادلونك ﴾ في موضع الحال.
ويجوز أن تكون حتى جارّة أي حتى وقت مجيئهم ﴿ ويجادلونك ﴾ حال بحاله ﴿ ويقول ﴾ تفسير له.
والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى حالة المجادلة.
ثم فسر الجدل بأنهم يقولون ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ وأصل السطر هو أن يجعل شيئاً ممتداً مؤلفاً في صف ومنه سطر الكتاب وسطر من نخيل وجمعه أسطار وجمع الجمع أساطير.
وقال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة كأحاديث وأحدوثة.
وقال أبو زيد: لا واحد له كعباديد.
قال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها.
ومن فسر الأساطير بالخرافات والترهات نظر.
إلى أن الإغلب هو أن لا يكون فيها فائدة معتبرة كحديث رستم وغيره فذلك معنى وليس بتفسير.
ثم إن غرض القوم من هذا القول هو القدح في كون القرآن معجزاً كما الكتب المشتملة على الأخبار والقصص ليست بمعجزة، والجواب أن هذا مقرون بالتحدي وقد عجزوا عن آخرهم دون تلك فظهر الفرق.
ثم أكد طعنهم في القرآن بقوله ﴿ وهم ينهون عنه ﴾ قال محمد بن الحنفية وابن عباس في رواية والسدي والضحاك: عن القرآن وتدبره والاستماع له ﴿ وينأون عنه ﴾ والنأي البعد.
نأيته ونأيت عنه وناء الرجل إذا بعد لغة في "نأى" وحملوه على القلب لأن المصدر لم يجيء إلا على النأي.
وقيل: الضمير للرسول والمراد النهي عن اتباعه والتصديق بنبوّته، جمعوا بين قبيحين: النأي والنهي فضلوا وأضلوا.
وعن عطاء ومقاتل عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله ويتباعد عما جاء به.
روي أن قريشاً اجتمعوا إلى أبي طالب يريدون سوءاً بالنبي فقال أبو طالب: والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر بذلك منك عيونا وعرضت ديناً لا محالة أنه *** من خير أديان البرية دينا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا الملامة أو حذاري سبة *** لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً وضعفت هذه الرواية بقوله ﴿ إن يهلكون إلا أنفسهم ﴾ يعني بما تقدم ذكره، ولكن النهي عن أذيته حسن لا يوجب الهلاك.
ويمكن أن يجاب بأن الذم توجه على الهيئة الاجتماعية الحاصلة من النهي مع النأي كقوله ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾ ولو سلم فلم لا يجوز أن يرجع الذم إلى القسم الأخير فقط.
ثم بيَّن أنه كيف يعود الضرر إليهم فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ وجواب "لو" محذوف أي لرأيت سوء منقلبهم ونحو ذلك.
وجاز حذفه للعلم به ولما في الحذف من تفخيم الشأن وهو ذهاب الوهم كل مذهب كما لو قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك وسكت عن الجواب.
ذهب فكره إلى أنواع المكاره من الضرب والقتل وغيرهما بخلاف ما لو قلت: لأضربنك.
ولمثل هذا من إرادة المبالغة قال ﴿ وقفوا ﴾ بلفظ الماضي مع "إذا" الدال على المضي كأن هذا الأمر وقع وتحقق فكان من حقه أن يخبر عنه بلفظ الماضي أي وقفوا على أن يدخلوا النار وهم يعاينونها، أو وقفوا عليها وهي تحتهم، أو هو من قولهم: وقفت على المسألة الفلانية وقوفاً أي عرفوا حقيقتها تعريفاً أو المراد أنهم في جوف النار غائصين فيها فتكون "على" بمعنى "في" وجاز لأن النار دركات بعضها فوق بعض فلا يخلو من معنى الاستعلاء ﴿ يا ليتنا نردّ ﴾ هو داخل في حكم التمني.
أما قوله ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ فمن قرأ بالنصب فيهما فبإضمار "أن" على جواب التمني والمعنى إن رددنا إلى دار التكليف لم نكذب ونكن من المؤمنين.
ومن قرأ بالرفع فيهما فوجهان: أحدهما أن التمني يتم عند قوله ﴿ نرد ﴾ ثم ابتدؤا ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ أي ونحن لا نكذب ونكون كأنهم ضمنوا أن لا يكذبوا ويكونوا من المؤمنين سواء حصل الرد أو لم يحصل.
وشبهه سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود بمعنى دعني وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني.
وثانيهما أن يكونا معطوفين على ﴿ نرد ﴾ أو حالين على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين فيدخل المجموعتحت حكم التمني.
وأورد على هذا الوجه أن المتمني لا يكون كاذباً وقد قال ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وأجيب بأن هذا التمني قد تضمن معنى الوعد فجاز أن يتعلق به التكذيب كقول القائل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك فهذا متمن في حكم الواعد فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه كذب لأنه كأنه قال: إن رزقني الله مالاً أحسنت إليك.
وأما قراءة ابن عامر فمعناه إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين ثم رد الله عليهم بأنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا وترك التكذيب وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان بل لأجل خوفهم من العذاب الذي شاهدوه وعاينوه فقال ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وما الذي كانوا يخفونه في الدنيا.
قال أكثر المفسرين: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك معنى ﴿ بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وقال المبرد: بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها، وذلك أن كفرهم ما كان ظاهراً لهم وإنما ظهر لهم يوم القيامة.
وقال الزجاج: بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء منهم من أمر البعث والنشور بدليل قوله بعد ذلك ﴿ وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ وهذا قول الحسن.
وقيل: إنها في المنافقين كانوا يسرون الكفر فيظهر نفاقهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.
وقيل: هو في أهل الكتاب يظهر لهم ما كانوا يكتمونه من صحة نبوة محمد .
والأولى حمل الآية على الكل لأنه يوم تبلى السرائر فلا جرم تظهر الفضائح والقبائح وتنكشف الأسرار وتنهتك الأستار اللهم كفر عنا سيآتنا في ذلك اليوم.
ثم قال ﴿ ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ قيل كيف يتصوّر هذا وإنهم قد عرفوا الله حينئذ بالضرورة وشاهدوا الأحوال والأهوال؟
وأجاب القاضي بأن المراد ولو ردّوا إلى حالة التكليف.
وعلى هذا التقدير لا تبقى المعرفة ضرورية فلا يمتنع صدور الكفر عنهم.
وضعف بأن المقصود من إيراد هذا الكلام المبالغة في غيهم وتماديهم وإصرارهم على الكفر.
وإذا فرض عودهم إلى حالة التكليف زال التعجب كما هو الأن فإذن لا تنحل العقدة إلا بأن يقال: المراد توكيد جريان القضاء السابق فيهم بحيث لو شاهدوا العذاب والعقاب ثم سألوا الرجعة فردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك ولم ينجع ذلك فيهم ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما وعدوا في ضمن التمني أو في كل شيء ولهذا قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ "إن" نافية والضمير عائد إلى حقيقة الحياة "المعلومة في الأذهان ولهذا أضيف الى جمع المتكلم أي ما لنا حياة إلا هذه الحياة" التي هي أقرب إلينا ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ بعدها.
وقيل: إن تقدير الآية ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولأنكروا البعث ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا.
ثم لما قرر إنكارهم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ﴾ تمسك بعض المشبهة بهذا على أنه يحضر تارة ويغيب أخرى، ورد بأن استعلاء شيء على ذات الله محال بالاتفاق فوجب تأويل الأية بأنه مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه للعتاب، أو لمضاف محذوف أي على جزاء ربهم أو وعده أو إخباره بثواب المؤمنين وعقاب الكافرين، أوهو من قولك: وقفته على كذا أي أطلعته عليه.
ثم كان لسائل أن يقول: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟
فأجيب ﴿ قال أليس هذا ﴾ الذي عاينتموه من حديث البعث والجزاء ﴿ بالحق ﴾ الذي حدثتموه؟
﴿ قالوا بلى وربنا ﴾ وفيه دليل على أن حالهم في الإنكار سيؤل إلى الإقرار، ثم كأنه سئل ماذا قيل لهم بعد الإقرار؟
فأجيب ﴿ قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ أي بسبب كفركم وذلك ليعلم أن الإقرار في غير دار التكليف لا ينفع، وذلك أن جوهر النفس اللطيفة القدسية بعث إلى هذا العالم الجسماني الكثيف وأعطى الآلات الجسمانية لتحصيل المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت.
فإذا استعملها الإنسان بناء على اعتقاد عدم المعاد في تحصيل اللذات الفانية والسعادات المنقطعة إلى أن ينقضي أجله فقد ضاع رأس المال ولا ربح وذلك قوله ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ﴾ أي ببلوغ الآخرة وثوابها وعقابها.
عبر عن ذلك بلقاء الله لأنه لا حكم لأحد هناك إلا لله بخلاف الدنيا فإنه قد يظن أن للإنسان تصرفاً واختياراً وملكاً وملكاً.
وحمل اللقاء على الرؤية أيضاً غير بعيد عند أهل السنة.
و"حتى" غاية لـ ﴿ كذبوا ﴾ لا لـ ﴿ خسر ﴾ لأن خسرانهم لا غاية له أي لم يزل بهم التكذيب إلى تحسرهم وقت مجيء الساعة بل وقت موتهم، فإن أمارات السعادة والشقاوة تلوح على صفحات أحوال المكلف من وقتئذ وهذا معنى قوله "من مات فقد قامت قيامته" وسمى يوم القيامة الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل: ما هو إلا ساعة الحساب، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها إلا الله ولهذا قال ﴿ بغتة ﴾ أي فجأة.
وانتصابها على الحال أي باغتة من بغته إذا فاجأه، أو على المصدر العام أي بغتتهم الساعة بغتة أو الخاص لأن البغت نوع من المجيء ﴿ قالوا ﴾ عامل "إذ" ﴿ يا حسرتنا ﴾ مثل ﴿ يا ويلتي ﴾ وقد مر مثله في سورة المائدة أي احضري فهذا وقتك ﴿ على ما فرّطنا ﴾ أصله يدل على الترك والهمزة في الإفراط لإزالة ذلك.
وقولهم فرطت القوم أي سبقتهم إلى الماء، معناه تركتهم من ورائي حتى حصل لي التقدم.
أما الضمير في ﴿ فيها ﴾ فقال ابن عباس: أي في الدنيا وإن لم يجر لها ذكر في الآية بدلالة العقل لأن موضع التقصير هو الدنيا.
وقال الحسن: أي في وقت الساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها وإعداد الزاد وتحصيل الأهبة لها.
وقال محمد بن جرير الطبري: يعود إلى الصفقة والمبايعة بدلالة ذكر الخسران.
وقيل: إلى ما فيما فرطنا أي يا حسرتنا على الأعمال والطاعات التي تركناها وقصرنا فيها.
ثم بين تضاعف خسرانهم بأنهم لم يحصلوا لأنفسهم مواجب الثواب ولكن حصلوا مواجب العقاب فقال ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ هي الآثام والخطايا.
وأصل الوزر الثقل ومنه الوزير لأنه يحمل ثقل صاحبه.
والوزر الملجأ لأنه يدفع عنه ما أصابه فكأنه حمله.
أما كيفية حملهم الأوزار فقال في الكشاف: إنه مجاز عن حصولها لهم كقوله ﴿ فبما كسبت أيديكم ﴾ لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور كما ألف الكسب بالأيدي.
وقال الزجاج: الثقل قد يذكر في الحال والصفة.
ثقل عليّ خطاب فلان أي كرهته، فالمعنى أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم.
وقيل: هو كقولك: شخصك نصب عيني أي ذكرك ملازم لي.
وقال جمع من المفسرين: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحاً فيقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم فذلك قوله ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قالوا ركباناً وإن الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحاً فيقول: أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم قاله قتادة والسدي.
﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ بئس شيئاً يزرون وزرهم.
ثم رغب في الحياة الباقية وزهد في الحياة العاجلة فقال ﴿ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ﴾ قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق لأن حياة المؤمن تحصل فيها أعمال صالحة فلا تكون لعباً ولهواً.
وقال آخرون: هو عام في حياة المؤمن والكافر وذلك أن مدة اللهو واللعب وكل شيء يلهيك ويشغلك مما لا أصل له قليلة سريعة الانقضاء والزوال، ومدة هذه الحياة كذلك.
وأيضاً اللعب واللهو لا بد أن يتناهيا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره ولذات الدنيا كذلك، ولهذا رفضها العلماء المحققون والحكماء المتألهون.
﴿ وللدار الآخرة ﴾ قال ابن عباس: هي الجنة وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي.
وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير.
وقال الآخرون: نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا من حيث إنها دائمة باقية مصونة عن شوائب الآفات والمخافات، آمنة من نقص الانقضاء والانقراض ﴿ للذين يتقون ﴾ فيه أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن اتقى الكفر والمعاصي، وأما الكافر والفاسق فالدنيا بالنسبة إليهما خير كما قال : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" .
﴿ أفلا تعقلون ﴾ قال الواحدي: من قرأ بتاء الخطاب فالمعنى قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون، ومن قرأ بالياء فمعناه أفلا يعقل الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار؟
وذلك أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوات التي يشارك فيها سائر الحيوانات، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل، فالجمل أكثر أكلاً، والديك والعصفور أكثر وقاعاً، والذئب والنمر والحيات أقوى غضباً وقهراً، وكل من وقف عمره على هذه المطالب لم يكن له عند العقلاء وزن ولا عند الحكماء والعلماء قدر، وكل من صرف عمره في تحصيل الكمالات الدائمات والسعادات الباقيات كان له في العيون مهابة وفي القلوب قبول، وذلك دليل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية وعلو مرتبة الكمالات الروحانية.
وهب أن النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة أليس المعلوم أفضل من المظنون وأن خيرات الآخرة معلومة قطعاً والوصول إلى خيرات الدنيا في الغد غير معلوم ولا مظنون؟
فكم من سلطان قاهر بكرة صار تحت التراب عشية، وكم من متمول متغلب أصبح أميراً كبيراً ثم أمسى فقيراً حقيراً.
وهب أنه وجد بعد هذا اليوم يوماً آخر فلن يمكنه الانتفاع بكل ما جمع من الأسباب، ولو انتفع فقلما يخلص من شوائب المكاره والآفات كما روي أنه قال "من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق.
قيل: وما هو يا رسول الله؟
قال: سرور يوم بتمامه" وهب أن الدست له قد تم، أليس مآل كل ذلك إلى الزوال والانقراض؟
وكفى بذلك نقصاً وكدراً كما قال: كمال الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا ثم سلى رسول الله وقال ﴿ قد نعلم ﴾ والمراد كثرة العلم والمبالغة كما مر في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك ﴾ والهاء في ﴿ أنه ﴾ ضمير الشأن وكسرت بعد العلم لمكان لام الابتداء في ﴿ ليحزنك ﴾ وما ذلك المحزن؟
قال الحسن: هو قولهم ساحر شاعر كاهن مجنون: وقيل: تصريحهم بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه.
وقيل: نسبتهم إياه إلى الكذب ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ قال أبو علي وثعلب: أكذبه وكذبه بمعنى.
وقيل: أكذبت الرجل ألفيته كاذباً، وكذبته إذا قلت له كذبت.
وقال الكسائي: أكذبته إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب.
وقال الزجاج: معنى كذبته قلت له كذبت، ومعنى أكذبته أن الذي أتى به كذب في نفسه من غير ادعاء أن ذلك القائل تكلف ذلك الكذب وأتى به على سبيل الافتعال والقصد.
فمن قرأ بالتخفيف نظر إلى أن القوم كانوا يعتقدون أن محمداً ما ذكر ذلك على سبيل الافتعال والترويج بل تخيل صحة ذلك وأنه نبي إلا أن تخيله باطل.
ثم إن ظاهر الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمداً ولكنهم يجحدون بآيات الله، وفي الجمع بين الأمرين وجوه: الأول أن القوم ما كانوا يكذبونه في السر ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن ونبوته ويؤكده رواية السدي أن الأخنس بن شريق وأبا جهل بن هشام التقيا فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟
فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري.
فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فنزلت.
وقال أبو ميسرة: إن رسول الله مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا يا محمد إنا والله ما نكذبك إنك عندنا لصادق ولكن نكذب ما جئت به فنزلت.
وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل كان يكذب النبي في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب ولا أحسبه إلا صادقاً فإذن هذه الآية نظير قوله في قصة موسى ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ﴾ فانظر.
الثاني في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك كذاب لأنهم جربوك الدهر الطويل وما وجدوا منك كذباً وسموك الصادق الأمين فلا يقولون بعد إنك كاذب، ولكن حجدوا صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن محمداً عرض له نوع خبل ونقصان فلأجل ذلك تخيل أنه رسول لا أنه كذب في نفسه، أو لأنهم زعموا أنه أمين في كل الأمور إلا في هذا الواحد.
الثالث أنه لما ظهرت المعجزات على يده ثم إن القوم أصروا على التكذيب فقال له إن القوم ما كذبوك وإنما كذبوني، ونحوه قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس: إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني ومثله قوله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ فكأنه قيل له: إله عن حزنك لنفسك وليشغلك عن ذلك ما هو أهم وهو استعظامك لجحود آيات الله والاستهانة بكتابه.
الرابع: قيل في التفسير الكبير: أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقاً ويكذبون جميع الأنبياء والرسل.
وقوله ﴿ ولكنّ الظالمين ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم في جحودهم، لأن من وضع التكذيب مقام التصديق فقد ظلم.
ثم صبر رسوله على أذية القوم فقال ﴿ ولقد كذبت رسل ﴾ وأيّ رسل ﴿ من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ﴾ فأنت أولى بهذه السيرة لأنك مبعوث إلى كافة الخلائق فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا.
﴿ ولا مبدّل لكلمات الله ﴾ أي لمواعيده في نحو قوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ وقوله ﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون ﴾ ﴿ ولقد جاءك من نبأ المرسلين ﴾ قال الأخفش "من" زائدة والأصح أنها للتبعيض لقلة مجيء زيادة "من" في الإثبات، ولأن الواصل إليه بعض قصص الأنبياء لقوله ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ فالتقدير: ولقد جاءك بعض أنبائهم.
وكان يكبر على النبي كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزلت ﴿ وإن كان كبر ﴾ أي شق ﴿ عليك إعراضهم ﴾ عن الإيمان وصحة القرآن ﴿ وإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ﴾ فافعل.
يعني أنك لا تستطيع ذلك والجواب محذوف وحسن للعلم به.
والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان ومنه اشتقاق المنافق.
والسلم واحد السلاليم التي يرتقي عليها وأصله من السلامة كأنه يسلمك إلى مصعدك.
والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها وبكل ما اقترحوه رجاء إيمانهم، ويجوز أن يكون ابتغاء النفق أو السلم هو الآية كأنه قيل: لو استطعت ذلك لفعلت كل ذلك ليكون لك آية يؤمنون عندها، ثم قال ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ قال أهل السنة: فهو دليل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر.
وقالت المعتزلة: المراد مشيئة الإلجاء المنافي للتكليف.
والإلجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه فيضطرون إلى الإيمان.
مثاله: أن يحصل شخص بحضرة السلطان وهناك خدمه وحشمه فيعلم أنه لو هم بقتل ذلك السلطان لقتلوه في الحال فيصير هذا العلم مانعاً له من القتل.
وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.
أما قوله ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ أي من الذين يرومون خلاف مأمور الله.
فهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة ولكنه يفيد التغليظ وتأكيد الامتناع عن الجزع والإضراب عن الحزن والأسف على إيمان من لم يشأ الله إيمانه.
ثم بيَّن السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان فقال ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ﴾ مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة.
والمراد أنه هو الذي يقدر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر على ذلك، يعني أن الذين تحرص على حصول إيمانهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون كقوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ أو المعنى أن هؤلاء الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم.
أما وجه تشبيه الكفرة بالموتى فلأن حياة الروح بالعلم ومعرفة الصانع كما أن حياة الجسد بالروح.
ثم ذكر شبهة أخرى للطاعنين في نبوّة محمد وهو أنه ما جاء بآية قاهرة ومعجزة باهرة فكأنهم طعنوا في كون هذا القرآن معجزاً على سبيل العناد أو قياساً على سائر الكتب السماوية، أو طلبوا معجزات تقرب من حد الإلجاء كشق الجبل وفلق البحر، فإن معجزات نبينا من تسبيح الحصا وانشقاق القمر وغير ذلك ليست بأقل منها.
أو اقترحوا مزيد الآيات بطريقة التعنت واللجاج كقولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن فاعليته ليست إلا بحسب محض المشيئة عند أهل السنة، أو على وفق المصلحة عند المعتزلة، لا على موجب اقتراحات الناس ومطالباتهم.
أو أنه لما ظهرت المعجزة الباهرة والدلالة الكافية من القرآن وغيره لم يبق لهم عذر ولا علة، فلو أجابهم إلى مقترحهم فلعلهم يقترحون اقتراحاً ثانياً وثالثاً وهلم جر أو ذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة وهذا خلاف المقصود، أو لا يعلمون أنه لو أعطاهم سؤلهم ثم لم يؤمنوا لاستوجبوا الاستئصال، أو لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل العناد لا لأجل الفائدة - وقد علم الله ذلك - لم يعطهم مطلوبهم ولو كان غرضهم طلب الحق ونيله لأعطاهم مطلوبهم على أكمل الوجوه.
التأويل: ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ إنكاراً واختباراً ﴿ وجعلنا على قلوبهم ﴾ من شؤم إنكارهم حجباً من غير الإنكار ﴿ وفي آذانهم وقراً ﴾ من فساد الاستعداد الفطري.
﴿ وإن يروا كل آية ﴾ بعين الظاهر ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها ﴿ وهم ينهون ﴾ الطلاب عن الحق.
﴿ وإن يهلكون ﴾ بتنفير الخلق عن الحق ﴿ إلا أنفسهم ﴾ لأن التباعد من أهل الحق هو البعد عن الحق وهذا هو الهلاك الحقيقي.
﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ أي أرواح الأشقياء بعد الخلاص عن حبس الطبيعة عرفوا ألم عذاب القطيعة ﴿ فقالوا يا ليتنا نرد ﴾ إلى عالم الصورة وإلى الاستعداد الفطري ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ أين يظهر عليهم آثار الشقاوة التي كتبت لهم وكانوا يتكلفون سترها في عالم الصورة بلباس البشرية ﴿ ولو ردوا ﴾ إلى عالم الصورة ﴿ لعادوا لما نهوا عنه ﴾ من اتباع الهوى فيفسدون استعدادهم مرة أخرى ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما يدعون لأنهم خلقوا لأجل التكذيب لا لأجل التصديق، ولهذا نسوا ما شاهدوا يوم الميثاق من الألطاف والإعطاف، وقولهم "بلى" في جواب خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ إذ وقفوا على ربهم ﴾ عرفوا ربوبية ربهم ولو عرفوها في الدنيا لم يذوقوا عذاب البعد في العقبى ﴿ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ﴾ هي الساعة التي يجتذب العبد فيها عن أوصاف البشرية بجذبات المحبة فجأة وهي قيامة أخرى لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق فيتأسف عليها ويقول: أيها القانص ما أحسنت صيد الظبيات، فاتك السرب وما ازددت غير الحسرات ﴿ وهم يحملون ﴾ أثقال التعلقات الزائدة على ظهور وجودهم، فإن الوجود على السالك ثقيل مانع عن السلوك فكيف ما زيد عليه؟
﴿ إلا لعب ولهو ﴾ كلعب الصبيان ولهو أهل العصيان ﴿ وللدار الآخرة ﴾ هي السير من البشرية إلى الروحانية والإقبال على الله والإعراض عما سواه ﴿ خير للذين يتقون ﴾ غير الله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن الإنسان خلق لهذا الشأن لا لغيره كقوله ﴿ واصطنعتك لنفسي ﴾ ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك ﴾ من ضيق نطاق البشرية أثر في حبيب الله مقالة الجهلة ولا مبدل لكلمات الله لمقدّراته التي قدّرها ودبرها من الأزل إلى الأبد بكلمة "كن" ﴿ ولو شاء الله لجمعهم ﴾ في عالم الأرواح عند رشاش النور على الهدى ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعلمون الحكمة في جعل البعض في مظاهر اللطف والبعض بمظاهر القهر.
والنهي في حقه هو نهي الامتناع عن الكينونة أي خلق في الأزل ممتنعاً عن الجهل بواسطة كلمة لا تكن كما أنه خلق مستعداً للكمال بكلمة "كن" ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ﴾ في كل لحظة ولمحة ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ دلالة الكائنات على المكوّن والممكنات على الواجب والمصنوعات على الصانع ﴿ وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ﴾ .
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ ﴾ هذا - والله أعلم - إخبار منه نبيه - - أنه عن علم منه بتكذيبهم إياك بعثك إليهم رسولا، وأمرك بتبليغ الرسالة إليهم، وكان عالماً بما يلحقك من الحزن بتكذيبهم إياك، ولكن بعثك إليهم رسولا مع علم منه بهذا كله لتبلغهم، يذكر هذا - والله أعلم - ليعلم رسوله ألا عذر له في ترك تبليغ الرسالة، وإن كذّبوه في تبليغها.
ثم الذي يحمله على الحزن يحتمل وجوهاً: يحتمل: يحزنه افتراؤهم وكذبهم على الله.
أو كان يحزن لتكذيب أقربائه وعشيرته إياه فإذا أكذبته عشيرته، انتهى الخبر إلى الأبعدين فيكذبونه، فيحزن لذلك.
أو يحزن حزن طبع؛ لأن طبع كل أحد ينفر عن التكذيب.
أو كان يحزن إشفاقاً عليهم بما ينزل عليهم من العذاب بتكذيبهم إياه وآذاهم له؛ كقوله - -: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ...
﴾ الآية [الكهف: 6] وكقوله - -: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ اختلف في تلاوته: قرأ بعضهم بالتخفيف، وبعضهم بالتشديد والتثقيل: فمن قرأ بالتخفيف: قراءة ﴿ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ ، أي: لا يجدونك كاذباً قط.
ومن قرأ بالتثقيل: ﴿ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ ، أي: لا ينسبونك إلى الكذب، ولا يكذبونك في نفسك.
ويحتمل قوله: ولا يكذبونك في السر، ولكن يقولون ذلك في العلانية، والتكذيب هو أن يقال: إنك كاذب.
﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ .
أي: عادة الظالمين التكذيب بآيات الله.
و ﴿ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الظالمين على نعم الله عادتهم التكذيب بآيات الله.
[الثاني] والظالمين على أنفسهم؛ لأنهم وضعوها في غير موضعها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ ﴾ .
يخبر نبيه - عليه الصلاة والسلام - ويصبره على تكذيبهم إياه وأذاهم بتبليغ الرسالة، يقول: لست أنت بأول مكذب من الرسل، بل كذب إخوانك من قبلك على تبليغ الرسالة، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا، ولم يتركوا تبليغ الرسالة مع تكذيبهم إياهم؛ فعلى ذلك لا عذر لك في ترك تبليغ الرسالة وإن كذبوك في التبليغ وآذوك، وهو ما ذكرنا أنه يخبره أنه بعثك رسولا على علم منه بكل الذي كان منهم من التكذيب والأذى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ﴾ .
أخبر الله أنه نصر رسله، ثم يحتمل ذلك (النصر) وجوهاً.
أحدها: ينصرهم أي: أظهر حججه وبراهينه، حتى علموا جميعاً أنها هي الحجج والبراهين، وأنهم رسل الله، لكنهم عاندوا وكابروا.
ويحتمل: النصر لهم بما جعل آخر أمرهم لهم، وإن كان قد أصابهم شدائد في بدء الأمر.
أو نصرهم لما استأصل قومهم وأهلكهم بتكذيبهم الرسل، وفي استئصال القوم وإهلاكه إياهم، وإبقاء الرسل نَصْرُهم، وكذلك قوله - -: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ﴾ يخرج على الوجوه التي ذكرناها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ هو ما ذكرنا من النصر لهم، واستئصال قومهم، وما أوعدهم من العذاب؛ فذلك كلمات الله.
ويحتمل قوله: ﴿ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : حججه وبراهينه؛ كقوله: ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ ، أي: بحججه وآياته، وكقوله - -: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾ أي: حجج ربي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ يحتمل ما ذكرنا من إهلاك القوم وإبقاء الرسل، قد جاءك ذلك النبأ.
ويحتمل قوله - -: ﴿ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ من تكذيب قومهم لهم وأذاهم إياهم، فإن كان هذا ففيه تصبير رسول الله .
[وقوله ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ كان يشتد على رسول الله ] ويشق عليه كفر قومه وإعراضهم عن الإيمان، حتى كادت نفسه تتلف وتهلك لذلك إشفاقاً عليهم؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ وقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ونحو ذلك من الآيات، يشفق عليهم بتركهم الإيمان لما يعذبون أبداً في النار، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ ﴾ .
أو كان يكبر عليه ويثقل إعراضهم لما كانوا يطلبون منه الآيات، حتى إذا جاء بها لا يؤمنون؛ من نحو ما قالوا: ﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ ﴾ وغير ذلك من الآيات التي سألوها، فطمع رسول الله في إيمانهم إذا جاء بما سألوا من الآيات، فكان الله عالماً بأنه وإن جاءتهم آيات لم يؤمنوا، وإنما يسألون سؤال تعنت لا سؤال طلب آيات لتدلهم على الهدى، فقال عند ذلك: ﴿ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
أو أن يكون قوله: ﴿ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ نهياً عن الحزن عليهم، أي: لا تحزن عليهم كل هذا الحزن بما ينزل بهم، وقد تعلم صنيعهم وسوء معاملتهم آيات الله.
وكذلك روي في القصة عن ابن عباس - - أن نفراً من قريش قالوا: يا محمد، ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات إذا سألوهم: فإن أتيتنا آمنا بك وصدقناك، فأبى الله أن يأتيهم بما قالوا، فأعرضوا عنه، فكبر ذلك عليه وشق، فأنزل الله: ﴿ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ...
﴾ .
يقول: إن قدرت ﴿ أَن تَبْتَغِيَ ﴾ يقول: أن تطلب ﴿ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: سرباً في الأرض كنفق اليربوع نافذاً أو مخرجاً فتوارى فيه منهم ﴿ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ يكون سبباً إلى صعود السماء، ﴿ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ﴾ التي سألوكها فافعل.
قال القتبي: النفق في الأرض: المدخل، وهو السرب، والسلم في السماء: المصعد.
وقال أبو عوسجة: النفق: الغار، والأنفاق: الغيران، والغار واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ .
قال الحسن: أي: لو شاء الله لقهرهم على الهدى وأكرههم، كما فعل بالملائكة؛ إذ من قوله إن الملائكة مجبورون مقهورون [على ذلك]، ثم هو يفضل الملائكة على البشر ويجعل لهم مناقب، لا يجعل ذلك لأحد من البشر، فلو كانت الملائكة مجبورين مقهورين على ذلك، لم يكن في ذلك لهم كبير منقبة؛ ففي قوله اضطراب.
وأما تأويله عندنا: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ ، أي: لجعلهم جميعاً بحيث اختاروا الهدى وآثروه على غيره، ولكن لما علم منهم أنهم يختارون الكفر على الهدى، لم يشأ أن يجمعهم على الهدى، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ألا يكون الهدى في حال القهر والجبر، وإنما يكون في حال الاختيار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل: فلا تكونن من الجاهلين: من قضاء الله وحكمه.
ويحتمل: لا تكونن من الجاهلين: من إحسانه وفضله، أي: من إحسانه [وفضله] يجعل لهم الهدى.
ويحتمل: لا تكونن من الجاهلين أنه يؤمن بك بعضهم وبعضهم لا يؤمن.
قال أبو بكر الكيساني في قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ أي: لو شاء الله ابتلاهم بدون ما ابتلاهم به ليخف عليهم، فيجيبون بأجمعهم، أو يقول: لو شاء [الله] لوفقهم جميعاً للهدى فيهتدون، وهو قولنا، لكن لم يشأ؛ لما ذكرنا أنه لم يوفقهم لما علم منهم أنهم يختارون الكفر.
وقوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ﴾ ، بأن الله قادر لو شاء لجعلهم جميعاً مهتدين.
ثم معلوم أن رسول الله كان معصوماً، لا يجوز أن يقال إنه يكون من الجاهلين أو من الشاكرين، على ما ذكر، ولكن ذكر هذا - والله أعلم - ليعلم أن العصمة لا ترفع الأمر والنهي والامتحان، بل تزيد؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وإن كان شق عليك -أيها الرسول- ما تلاقيه من تكذيبهم وإعراضهم عما جئتهم به من الحق، فإن استطعت أن تطلب نفقًا في الأرض أو مِصْعَدًا إلى السماء فتأتيهم بحجة وبرهان غير الذي أيدناك به فأفعل، ولو شاء الله جمْعَهم على الهدى الذي جئت به لَجَمَعَهُم، لكنه لم يشأ ذلك لحكمة بالغة، فلا تكوننَّ من الجاهلين بذلك، فتذهب نفسك حسرات على أنهم لم يؤمنوا.
من فوائد الآيات من عدل الله تعالى أنه يجمع العابد والمعبود والتابع والمتبوع في عَرَصات القيامة ليشهد بعضهم على بعض.
ليس كل من يسمع القرآن ينتفع به، فربما يوجد حائل مثل ختم القلب أو الصَّمَم عن الانتفاع أو غير ذلك.
بيان أن المشركين وإن كانوا يكذبون في الظاهر فهم يستيقنون في دواخلهم بصدق النبي عليه الصلاة والسلام.
تسلية النبي عليه الصلاة والسلام ومواساته بإعلامه أن هذا التكذيب لم يقع له وحده، بل هي طريقة المشركين في معاملة الرسل السابقين.
<div class="verse-tafsir" id="91.bvkbO"