الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٤ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 58 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن المشركين المكذبين المعاندين : إنهم مهما أتتهم ) من آية ) أي : دلالة ومعجزة وحجة ، من الدلالات على وحدانية الرب ، عز وجل ، وصدق رسله الكرام ، فإنهم يعرضون عنها ، فلا ينظرون فيها ولا يبالون بها .
القول في تأويل قوله : وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما تأتي هؤلاء الكفار الذين بربهم يعدِلون أوثانَهم وآلهتهم ="آية من آيات ربهم " ، يقول: حجّة وعلامة ودلالة من حُجج ربهم ودلالاته وأعلامه على وحدانيته، وحقيقة نبوتك، يا محمد، وصدق ما أتيتهم به من عندي (16) =" إلا كانوا عنها معرضين " ، يقول: إلا أعرضوا عنها, يعني عن الآية, فصدّوا عن قَبُولها والإقرار بما شهدت على حقيقته ودلّت على صحته, جهلا منهم بالله، واغترارًا بحلمه عنهم .
(17) ------------------ الهوامش : (16) انظر تفسير"الآية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).
(17) انظر تفسير"الإعراض" فيما سلف 9: 310 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
قوله تعالى : وما تأتيهم من آية أي : علامة كانشقاق القمر ونحوها .
و ( من ) لاستغراق الجنس ; تقول : ما في الدار من أحد .
من آيات ربهم من الثانية للتبعيض .
إلا كانوا عنها معرضين خبر كانوا .
والإعراض ترك النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله جل وعز من خلق السماوات والأرض وما بينهما ، وأنه يرجع إلى قديم حي غني عن جميع الأشياء قادر لا يعجزه شيء عالم لا يخفى عليه شيء من المعجزات التي أقامها لنبيه صلى الله عليه وسلم ; ليستدل بها على صدقه في جميع ما أتى به .
هذا إخبار منه تعالى عن إعراض المشركين، وشدة تكذيبهم وعداوتهم، وأنهم لا تنفع فيهم الآيات حتى تحل بهم المثلات، فقال: { وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِم } الدالة على الحق دلالة قاطعة، الداعية لهم إلى اتباعه وقبوله { إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِين } لا يلقون لها بالا، ولا يصغون لها سمعا، قد انصرفت قلوبهم إلى غيرها، وولوها أدبارَهم.
( وما تأتيهم ) يعني : أهل مكة ، ( من آية من آيات ربهم ) مثل انشقاق القمر وغيره ، وقال عطاء : يريد من آيات القرآن ، ( إلا كانوا عنها معرضين ) لها تاركين بها مكذبين .
«وما تأتيهم» أي أهل مكة «من» زائدة «آية من آيات ربهم» من القرآن «إلا كانوا عنها معرضين».
هؤلاء الكفار الذين يشركون مع الله تعالى غيره قد جاءتهم الحجج الواضحة والدلالات البينة على وحدانية الله -جل وعلا- وصِدْقِ محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته، وما جاء به، ولكن ما إن جاءتهم حتى أعرضوا عن قبولها، ولم يؤمنوا بها.
ثم صور - سبحانه - طبيعة الجاحدين الذين هم - لانطماس بصائرهم واصرارهم على العناد - غدوا لا يجدى معهم دليل ولا تنفع معهم حجة ، وساق لهم أخبار من سبقوهم .
فقال - تعالى - : { وَمَا تَأْتِيهِم .
.
.
} .المعنى الإجمالى للآية الأولى : أن هؤلاء الجاحدين لرسالات الله ، لا تأتيهم معجزة من المعجزات الدالة على صدقك - يا محمد - فيما تبلغه عن ربك إلا تلقوها بالإعراض ، واستقبلوها بالنبذ والاستخفاف .فالآية الكريمة ، كلام مستأنف سيق لبيان كفرهم بآيات الله - تعالى - وإعراضهم عنها بالكلية بعد بيان كفرهم بالله - تعالى - وإعراضهم عن بعض آيات التوحيد .
وامترائهم فى البعث ، وإعراضهم عن أدلته .و { مِّنْ } الأولى لاستغراق الجنس الذى يقع فى حيز النفى ، كقولك : ( ما آتانى من أحد ) والثانية للتبعيض ، أى : ما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التى توجب النظر والتأمل والاعتبار ، إلا أهملوه وأعرضوا عنه .
لقسوة قلوبهم وعدم تدبرهم للعواقب .
اعلم أنه تعالى لما تكلم، أولاً: في التوحيد، وثانياً: في المعاد، وثالثاً: فيما يقرر هذين المطلوبين ذكر بعده ما يتعلق بتقرير النبوة وبدأ فيه بأن بين كون هؤلاء الكفار معرضين عن تأمل الدلائل، غير ملتفتين إليها وهذه الآية تدل على أن التقليد باطل.
والتأمل في الدلائل واجب.
ولولا ذلك لما ذم الله المعرضين عن الدلائل.
قال الواحدي رحمه الله: من في قوله: ﴿ مّنْ ءَايَةٍ ﴾ لاستغراق الجنس الذي يقع في النفي كقولك ما أتاني من أحد والثانية وهي قوله: ﴿ مّنْ ءايات ربهم ﴾ للتبعيض والمعنى وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار إلا كانوا عنه معرضين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِّنْ ﴾ في ﴿ مِّنْ ءَايَةٍ ﴾ للاستغراق.
وفي ﴿ من آيات ربهم ﴾ للتبعيض.
يعني: وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاستدلال والاعتبار، إلا كانوا عنه معرضين: تاركين للنظر لا يلتفتون إليه ولا يرفعون به رأساً، لقلة خوفهم وتدبرهم للعواقب، ﴿ فقد كذبوا ﴾ مردود على كلام محذوف كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وأكبرها وهو الحق ﴿ لَمَّا جَاءهُمْ ﴾ يعني القرآن الذي تحدُّوا به على تبالغهم في الفصاحة فعجزوا عنه ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء ﴾ الشيء الذي ﴿ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ ﴾ وهو القرآن، أي أخباره وأحواله، بمعنى: سيعلمون بأي شيء استهزءوا.
وسيظهر لهم أنه لم يكن بموضع استهزاء، وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا أو يوم القيامة أو عند ظهور الإسلام وعلوّ كلمته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ ﴾ مِنِ الأُولى مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: ما يَظْهَرُ لَهم دَلِيلٌ قَطُّ مِنَ الأدِلَّةِ أوْ مُعْجِزَةٌ مِنَ المُعْجِزاتِ أوْ آيَةٌ مِن آياتِ القُرْآنِ.
﴿ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ﴾ تارِكِينَ لِلنَّظَرِ فِيهِ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْهِ.
﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ وهو كاللّازِمِ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم لَمّا كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ كُلِّها كَذَّبُوا بِهِ لَمّا جاءَهُمْ، أوْ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ عَلى مَعْنى أنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ وكَذَّبُوا بِهِ وهو أعْظَمُ الآياتِ فَكَيْفَ لا يُعْرِضُونَ عَنْ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ.
﴿ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أيْ سَيَظْهَرُ لَهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وارْتِفاعِ أمْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
ومن فى {وما تأتيهم من آية} للاستغراق وفى {من آيات ربهم} للتبعيض أى وما يظهرلهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر
والاعتبار {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} تاركين للنظر لا يلتفتون إليه لقلة خوفهم وتدبرهم فى العواقب
﴿ وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وإعْراضِهِمْ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ بَعْدَ بَيانِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وإعْراضِهِمْ عَنْ بَعْضِ آياتِ التَّوْحِيدِ وامْتِرائِهِمْ في البَعْثِ وإعْراضِهِمْ عَنْ بَعْضِ أدِلَّتِهِ.
والإعْراضُ عَنْ خِطابِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ إعْراضَهُمُ السّابِقَ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا اقْتَضى أنْ لا يُوَجَّهُوا بِكَلامٍ بَلْ يُضْرَبُ عَنْهم صَفْحًا وتَعَدُّدُ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ ذَمًّا لَهم وتَقْبِيحًا لِحالِهِمْ.
فَـ (ما) نافِيَةٌ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ كَما أشارَ إلَيْهِ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّهُ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ،و (مِن) الأُولى مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ أوْ لِتَأْكِيدِهِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مَجْرُورٍ أوْ مَرْفُوعٍ وقَعَ صِفَةً لِآيَةٍ، وجَعَلَها ابْنُ الحاجِبِ لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ كَوْنَها لِلتَّبْعِيضِ يُنافِي كَوْنَ الأوْلى لِلِاسْتِغْراقِ إذِ الآيَةُ المُسْتَغْرِقَةُ لا تَكُونُ بَعْضًا مِنَ الآياتِ.
ورُدَّ بِأنَّ الِاسْتِغْراقَ هَهُنا لِآيَةٍ مُتَّصِفَةٍ بِالإتْيانِ فَهي وإنِ اسْتُغْرِقَتْ بَعْضٌ مِن جَمِيعِ الآياتِ عَلى أنَّ كَلامَهُ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ وإضافَةُ الآياتِ إلى الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها المُسْتَتْبِعِ لِتَهْوِيلِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ في حَقِّها والمُرادُ بِها إمّا الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ أوِ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ الشّامِلَةُ لِلْمُعْجِزاتِ وغَيْرِها مِن تَعاجِيبِ المَصْنُوعاتِ والإتْيانِ عَلى الأوَّلِ بِمَعْنى النُّزُولِ، وعَلى الثّانِي بِمَعْنى الظُّهُورِ عَلى ما قِيلَ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ مُطْلَقًا بِمَعْنى الظُّهُورِ اسْتِعْمالًا لَهُ في لازِمِ مَعْناهُ وهو المَجِيءُ الَّذِي لا يُوصَفُ بِهِ إلّا الأجْسامُ مَجازًا لا كِنايَةً كَما قِيلَ وحاصِلُ المَعْنى عَلى الأوَّلِ: ما تَنْزِلُ إلَيْهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هاتِيكَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِما فُصِّلَ مِن بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ المُنْبِئَةِ عَنْ جَرَيانِ أحْكامِ أُلُوهِيَّتِهِ عَلى كافَّةِ الكائِناتِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ أحْوالِ العِبادِ وأعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها والإيمانِ بِها ﴿ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ﴾ 4 - غَيْرَ مُقْبِلِينَ عَلَيْها ولا مُعْتَنِينَ بِها وعَلى الثّانِي ما تَظْهَرُ لَهم آية مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن جَلائِلِ شُؤُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الشّاهِدَةِ بِوَحْدانِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا كانُوا تارِكِينَ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها المُؤَدِّي إلى الإيمانِ بِمُكَوِّنِها، وأصْلُ الإعْراضِ صَرْفُ الوَجْهِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ المَحْسُوساتِ، واسْتِعْمالُهُ في عَدَمِ الِاعْتِناءِ أوْ تَرْكِ النَّظَرِ مُجازٌ عَلى ما حَقَّقَهُ البَعْضُ، وفَسَّرَ شَيْخُ الإسْلامِ الإعْراضَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِما كانَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ و (عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُعْرِضِينَ.
والتَّقْدِيمُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ والجُمْلَةُ بَعْدَ إلّا -كَما قالَ الكَرْخِيُّ- في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن مَفْعُولِ تَأْتِي أوْ مِن فاعِلِهِ المُخَصَّصِ بِالوَصْفِ كَما قِيلَ وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى ضَمِيرِ كُلٍّ مِنهُما.
وإيثارُها عَلى أعْرَضُوا عَنْها كَما وقَعَ مَثَلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإعْراضِ حَسْبَ اسْتِمْرارِ إتْيانِ الآياتِ وفِي الكَلامِ إشارَةٌ إلى غايَةِ انْهِماكِهِمْ في الضَّلالِ حَيْثُ آذَنَ أنَّ إعْراضَهم عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنَ الآياتِ أنَّ الإتْيانَ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ كَلِمَةُ لَمّا في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ولم يتفكروا فيها ليعتبروا في توحيد الله تعالى.
وذلك أن مشركي مكة سألوا رسول الله أن يريهم علامة.
وقالوا: إنا نريد أن تدعو لينشق القمر نصفين لنؤمن بك، وبربك، ونصدقك.
فدعا رسول الله ، فانشق القمر شقين، وذهب أحد النصفين إلى جانب حراء، والآخر إلى جانب آخر وهم ينظرون إليه.
وقال ابن مسعود: أنا رأيت حراء بين فلقتي القمر.
فأعرضوا عنه فلم يؤمنوا.
وقالوا: هذا سحر مبين.
فنزلت اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا [القمر: 1، 2] ونزلت هذه الآية: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ يعني: انشقاق القمر إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ.
يقول الله تعالى: فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ يعني: بالقرآن حين جاءهم به محمد ، واستهزءوا بالقرآن بأنه ليس من الله تعالى.
فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ يعني: سيعلمون جزاء تكذيبهم واستهزائهم بالقرآن بأنه ليس من الله تعالى ويقال: يأتيهم أخبار مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ من العذاب حين رأوها معاينة.
فهذا وعيد لهم أنه يصل إليهم العذاب إما في الدنيا، وإما في الآخرة.
ثم وعظهم ليخافوا ويرجعوا فقال: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني: من قبل كفار مكة مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ يعني: مكنّاهم وأعطيناهم من المال والولد مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يا أهل مكة وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً يعني: المطر متتابعاً كلما احتاجوا إليه.
وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ يعني: عذبناهم بِذُنُوبِهِمْ وبتكذيبهم رسلهم وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ يعني: وجعلنا من بعد هلاكهم قَرْناً آخَرِينَ قال الزجاج: القرن أهل كل مدة فيها نبي أو فيها طبقة من أهل العلم.
كما قال النبيّ : «خير القرون أصحابي ثم الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يلونهم» .
ثم قال: <div class="verse-tafsir"
والأجل المسمى عنده من وَقْت موته إلى حَشْره، ووصفه ب مُسَمًّى عِنْدَهُ لأنه استأثر- سبحانه- بعِلْمِ وَقْتِ القيامة.
وقال ابن عباس: أَجَلًا الدنيا، وَأَجَلٌ مُسَمًّى الآخرة «١» .
وقيل غير هذا.
وتَمْتَرُونَ معناه: تشكون.
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦)
وقوله سبحانه: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ قاعدة الكلام في هذه الآية: أن حُلُولَ اللَّه في الأمَاكِنِ مُسْتَحِيلٌ- تعالى- أن يَحْوِيَهُ مكان، كما تَقَدَّسَ أن يَحُدَّهُ زمان، بل كان قبل أن خَلَقَ المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان.
وإذا تَقَرَّرَ هذا، فقالت فرقة من العلماء: تَأْوِيلُ ذلك على تقدير صِفَةٍ محذوفة من اللفظ ثَابِتَةٍ في المعنى، كأنه قال: وهو اللَّه المَعْبُودُ في السموات، وفي الأرض.
وعبر بعضهم بأن قدر: وهو اللَّه المدبر للأمر في السموات والأرض.
وقال الزَّجَّاجُ: فِي متعلقة بما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللَّه من المعاني، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في المَشْرِقِ والمغرب.
قال ع «٢» : وهذا عِنْدِي أَفْضَلُ الأقوال، وأكثرها إحرازاً لِفَصَاحَةِ اللفظ، وجزالة المعنى.
وإيضاحه: أنه أراد أن يَدُلَّ على خلقه، وآثار قدرته، وإحاطته، واستيلائه، ونحو هذه الصفات، فجمع هذه كلها في قَوْلِهِ: وَهُوَ اللَّهُ أي: الذي له هذه كلها في السموات، وفي الأرض، كأنه قال: وهو اللَّه الخَالِقُ، الرازق، المحيي، المحيط في السموات وفي
الأرض، كما تقول: زيد السلطان في المَشْرِقِ والمغرب و «الشام» و «العراق» ، فلو قصدت ذَاتَ زَيْد لَقُلْتَ مُحَالاً، وإذا كان مَقْصِدُ قولك الآمِرَ، النَّاهِيَ، الناقض، المُبْرِمَ، الذي يعزل ويُوَلِّي في المشرق والمغرب، فأقمت السلطان مقام هذه، كان فصيحاً صحيحاً، فكذلك في الآية أقام لَفْظَةَ اللَّهُ مقام تلك الصِّفَاتِ المذكورة.
وقالت فرقة: وَهُوَ اللَّهُ ابتداء وخَبَرٌ، تم الكَلاَمُ عنده، ثم استأنف، وتعلق قوله:
فِي السَّماواتِ بمفعول يَعْلَمُ، كأنه قال: وهو اللَّه يَعْلَم سِرَّكُمْ وجهركم في السموات، وفي الأرض.
وقوله تعالى: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ خبر في ضمنه تحذير وزجر، وتَكْسِبُونَ لفظ/ عام لجميع الاعْتِقَادَاتِ، والأقوال، والأفعال.
وقوله سبحانه: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ تضمنت هذه الآية مَذَمَّةَ هؤلاء الذين يَعْدِلُونَ باللَّه سواه، بأنهم يُعْرِضُونَ عن كل آية، وكذبوا بالحق، وهو محمد- عليه السلام- وما جاء به.
قال ص: مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ «من» الأولى زَائِدَةٌ للاستغراق، وما بعدها فاعل بقوله: تَأْتِيهِمْ.
و «من» الثانية للتبعيض انتهى.
وقوله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ هذا وَعِيدٌ لهم شديد، وهذه العُقُوبَاتُ التي تُوُعِّدُوا بها تعمُّ عُقُوبَاتِ الدنيا كَبَدْرٍ وغيرها، وعقوبات الآخرة.
وقوله سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ هذا حَضٌّ على العِبْرَةِ، والرؤية هنا رُؤْيَةُ القلب، والقَرْنُ: الأمة المقترنة في مُدَّةٍ من الزمن.
واختلف في مدة القَرْنِ «١» كم هي؟
فالأكثر على أنها مائة سنة.
وقيل غير هذا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ ﴾ نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ.
وَفِي الآَيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الآَيَةُ مِنَ القُرْآَنِ، والثّانِي: المُعْجِزَةُ مِثْلَ انْشِقاقِ القَمَرِ.
والمُرادُ بِالحَقِّ: القُرْآَنُ.
والأنْباءُ: الأخْبارُ.
والمَعْنى: سَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ اسْتِهْزائِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهُوَ اللهُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عنها مُعْرِضِينَ ﴾ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ قاعِدَةُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ حُلُولَ اللهِ تَعالى في الأماكِنِ مُسْتَحِيلٌ؛ وكَذَلِكَ مُماسَّتُهُ لِلْأجْرامِ؛ أو مُحاذاتُهُ لَها؛ أو تَحَيُّزُهُ في جِهَةٍ؛ لِامْتِناعِ جَوازِ ذَلِكَ عَلَيْهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فَإذا تَقَرَّرَ هَذا فَبَيِّنٌ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ اللهُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ ﴾ ؛ لَيْسَ عَلى حَدِّ قَوْلِنا: "زَيْدٌ في الدارِ"؛ بَلْ هو عَلى وجْهٍ مِنَ التَأْوِيلِ آخَرَ؛ قالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ مِنَ اللَفْظِ؛ ثابِتَةٍ في المَعْنى؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ اللهُ المَعْبُودُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ وعَبَّرَ بَعْضُهم بِأنْ قَدَّرَ: "هُوَ اللهُ المُدَبِّرُ لِلْأمْرِ في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ وقالَ الزَجّاجُ: "فِي"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللهِ تَعالى مِنَ المَعانِي؛ كَما يُقالُ: " أمِيرُ المُؤْمِنِينَ الخَلِيفَةُ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي أفْضَلُ الأقْوالِ؛ وأكْثَرُها إحْرازًا لِفَصاحَةِ اللَفْظِ؛ وجَزالَةِ المَعْنى؛ وإيضاحُهُ أنَّهُ أرادَ أنْ يَدُلَّ عَلى خَلْقِهِ؛ وإيثارِ قُدْرَتِهِ؛ وإحاطَتِهِ؛ واسْتِيلائِهِ؛ ونَحْوِ هَذِهِ الصِفاتِ؛ فَجَمَعَ هَذِهِ كُلَّها في قَوْلِهِ: "وَهُوَ اللهُ"؛ أيْ: "اَلَّذِي لَهُ هَذِهِ كُلُّها في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ الخالِقُ؛ الرازِقُ؛ المُحْيِي؛ المُحِيطُ؛ في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ"؛ كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ السُلْطانُ في الشامِ؛ والعِراقِ"؛ فَلَوْ قَصَدْتَ ذاتَ "زَيْدٍ" لَقُلْتَ مُحالًا؛ وإذا كانَ مَقْصِدُ قَوْلِكَ: "زَيْدٌ الآمِرُ الناهِي؛ المُبْرِمُ؛ الَّذِي يَعْزِلُ ويُوَلِّي؛ في الشامِ؛ والعِراقِ"؛ فَأقَمْتَ "اَلسُّلْطانُ"؛ مَقامَ هَذِهِ؛ كانَ فَصِيحًا؛ صَحِيحًا؛ فَكَذَلِكَ في الآيَةِ؛ أقامَ لَفْظَةَ "اَللَّهُ"؛ مَقامَ تِلْكَ الصِفاتِ المَذْكُورَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ وَهُوَ اللهُ ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ؛ وتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿ فِي السَماواتِ ﴾ ؛ بِمَفْعُولِ "يَعْلَمُ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ اللهُ؛ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ؛ وجَهْرَكُمْ؛ في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ"؛ فَلا يَجُوزُ - مَعَ هَذا التَعْلِيقِ - أنْ يَكُونَ "هُوَ" ضَمِيرَ أمْرٍ وشَأْنٍ؛ لِأنَّهُ يَرْفَعُ "اللهُ"؛ بِالِابْتِداءِ؛ و"يَعْلَمُ"؛ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ وقَدْ فَرَّقَ ﴿ فِي السَماواتِ وفي الأرْضِ ﴾ ؛ بَيْنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ؛ وهو ظَرْفٌ غَرِيبٌ مِنَ الجُمْلَةِ؛ ويَلْزَمُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ في الكافِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ ﴾ ؛ لِجَمِيعِ المَخْلُوقِينَ؛ الإنْسِ والمَلائِكَةِ؛ لِأنَّ الإنْسَ لا سِرَّ ولا جَهْرَ لَهم في السَماءِ؛ فَتَرْتِيبُ الكَلامِ عَلى هَذا القَوْلِ: "وَهُوَ اللهُ؛ يَعْلَمُ يا جَمِيعَ المَخْلُوقِينَ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ".
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "وَهُوَ"؛ ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ؛ و ﴿ اللهُ في السَماواتِ ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَيَعْلَمُ في الأرْضِ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ"؛ وهَذا القَوْلُ؛ إذْ قَدْ تَخَلَّصَ مِن لُزُومِ مُخاطَبَةِ المَلائِكَةِ؛ فَهو مُخَلِّصٌ مِن شُبْهَةِ الكَوْنِ في السَماءِ؛ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ "اَلْمَعْبُودُ"؛ أو "اَلْمُدَبِّرُ"؛ عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ ؛ خَبَرٌ؛ في ضِمْنِهِ تَحْذِيرٌ؛ وزَجْرٌ؛ و"تَكْسِبُونَ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الِاعْتِقاداتِ؛ والأفْعالِ؛ والأقْوالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَأْتِيهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "ما"؛ نافِيَةٌ؛ و"مِن"؛ اَلْأُولى؛ هي الزائِدَةُ؛ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الأجْناسِ بَعْدَ النَفْيِ؛ فَكَأنَّها تَسْتَغْرِقُ الجِنْسَ؛ و"مِن"؛ اَلثّانِيَةُ؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ و"اَلْآيَةُ": اَلْعَلامَةُ؛ والدَلالَةُ؛ والحُجَّةُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في وزْنِها؛ في صَدْرِ الكِتابِ؛ وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَذَمَّةَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ بِاللهِ سِواهُ؛ بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عن كُلِّ آيَةٍ تَرِدُ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ اقْتَضَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ "فَقَدْ"؛ أنَّ إعْراضَهم عَنِ الآياتِ قَدْ أعْقَبَ أنْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ؛ وهو مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وما جاءَ بِهِ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأنْ يَأْتِيَهم عِقابُ اسْتِهْزائِهِمْ؛ و"ما"؛ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَأْتِيهِمْ مُضَمَّنُ أنْباءِ القُرْآنِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ"؛ وإنْ جُعِلَتْ "ما"؛ مَصْدَرِيَّةً؛ فالتَقْدِيرُ: "يَأْتِيهِمْ نَبَأُ كَوْنِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ"؛ أيْ: "عِقابٌ يُخْبَرُونَ أنَّهُ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ"؛ وهَذِهِ العُقُوباتُ الَّتِي تُوُعِّدُوا بِها تَعُمُّ عُقُوباتِ الدُنْيا؛ كَبَدْرٍ؛ وغَيْرِها؛ وعُقُوباتِ الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا انتقال إلى كفران المشركين في تكذيبهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن أقيمت عليهم الحجّة ببطلان كفرهم في أمر الشرك بالله في الإلهية، وقد عطف لأنّ الأمرين من أحوال كفرهم ولأنّ الذي حملهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم هو دعوته إياهم إلى التوحيد، فمن أجله نشأ النزاع بينهم وبينه فكذبوه وسألوه الآيات على صدقه.
وضمائر جمع الغائبين مراد منها المشركون الذين هم بعض من شملته ضمائر الخطاب في الآية التي قبلها، ففي العدول عن الخطاب إلى الغيبة بالنسبة إليهم إلتفات أوجبه تشهيرهم بهذا الحال الذميم، تنصيصاً على ذلك، وإعراضاً عن خطابهم، وتمحيضاً للخطاب للمؤمنين، وهو من أحسن الالتفات، لأنّ الالتفات يحسنّه أن يكون له مقتض زائد على نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب المرادُ منه تجديد نشاط السامع.
وتكون الواو استئنافية وما بعدها كلاماً مستأنفاً ابتدائياً.
واستعمل المضارع في قوله: ﴿ تأتيهم ﴾ للدلالة على التجدّد وإن كان هذا الإتيان ماضياً أيضاً بقرينة المضي في قوله: ﴿ إلا كانوا ﴾ .
والمراد بإتيانها بلوغها إليهم وتحدّيهم بها، فشبّه البلوغ بمجيء الجائي، كقول النابغة: أتاني أبيت اللعن أنّك لمتني *** وحذف ما يدّل على الجانب المأتي منه لظهوره من قوله: ﴿ من آيات ربّهم ﴾ ، أي ما تأتيهم من عند ربّهم آية من آياته إلاّ كانوا عنها معرضين.
و ﴿ من ﴾ في قوله: ﴿ من آية ﴾ لتأكيد النفي لقصد عموم الآيات التي أتت وتأتي.
و ﴿ من ﴾ التي في قوله: ﴿ من آيات ربّهم ﴾ تبعيضية.
والمراد بقوله: ﴿ من آية ﴾ كلّ دلالة تدلّ على انفراد الله تعالى بالإلهية.
من ذلك آيات القرآن التي لإعجازها لم كانت دلائل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به من الوحدانية.
وكذلك معجزات الرسول عليه الصلاة والسلام مثل انشقاق القمر.
وتقدّم معنى الآية عند قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا ﴾ في سورة البقرة (39).
وإضافة الربّ إلى ضميرهم هم} لقصد التسجيل عليهم بالعقوق لحقّ العبودية، لأنّ من حقّ العبد أن يُقبل على ما يأتيه من ربّه وعلى من يأتيه يقول له: إنّي مُرسل إليك من ربّك، ثمّ يتأمّل وينظر، وليس من حقّه أن يعرض عن ذلك إذ لعلّه يعرض عمّا إن تأمله علم أنّه من عند ربّه.
والاستثناء مفرّغ من أحوال محذوفة.
وجملة: ﴿ كانوا عنها معرضين ﴾ في موضع الحال.
واختير الإتيان في خبر كان بصيغة اسم الفاعل للدلالة على أنّ هذا الإعراض متحقّق من دلالة فعل الكون، ومتجدّد من دلالة صيغة اسم الفاعل لأنّ المشتقّات في قوة الفعل المضارع.
والاستثناء دلّ على أنّهم لم يكن لهم حال إلاّ الإعراض.
وإنّما ينشأ الإعراض عن اعتقاد عدم جدوى النظر والتأمّل، فهو دليل على أنّ المعرض مكذّب للمخبِر المعرِض عن سماعه.
وأصل الإعراض صرف الوجه عن النظر في الشيء وهو هنا مجاز في إباء المعرفة، فيشمل المعنى الحقيقي بالنسبة إلى الآيات المبصرات كانشقاق القمر، ويشمل ترك الاستماع للقرآن، ويشمل المكابرة عن الاعتراف بإعجازه وكونه حقّاً بالنسبة للذين يستمعون القرآن ويكابرونه، كما يجيء في قوله: ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ .
وتقديم المجرور للرعاية على الفاصلة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ ﴾ لِأنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ لَمّا أنْكَرُوا نُزُولَ القُرْآنِ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ لَوْ أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ لَأنْكَرُوهُ وكَفَرُوا بِهِ لِغَلَبَةِ الفَسادِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ ﴾ واسْمُ القِرْطاسِ لا يَنْطَلِقُ إلّا عَلى ما فِيهِ كِتابَةٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كِتابَةٌ قِيلَ طَرْسٌ ولَمْ يُقَلْ قِرْطاسٌ.
قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى بِها أخادِيدُ مِن آثارِ ساكِنِها كَما تَرَدَّدَ في قِرْطاسِهِ القَلَمُ ﴿ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ ﴾ قالَ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ.
وَيُحْتَمَلُ بِلَمْسِ اليَدِ دُونَ رُؤْيَةِ العَيْنِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ نُزُولَهُ مَعَ المَلائِكَةِ وهم لا يُرَوْنَ بِالأبْصارِ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ بِاللَّمْسِ دُونَ الرُّؤْيَةِ.
والثّانِي: لِأنَّ المَلْمُوسَ أقْرَبُ مِنَ المَرْئِيِّ.
والثّالِثُ: لِأنَّ السِّحْرَ يُتَخَيَّلُ في المَرْئِيّاتِ، ولا يُتَخَيَّلُ في المَلْمُوساتِ.
﴿ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ تَكْذِيبًا لِلْيَقِينِ بِالعِنادِ، والمُبِينُ: ما دَلَّ عَلى بَيانٍ بِنَفْسِهِ، والبَيِّنُ: ما دَلَّ عَلى بَيانِهِ، فَكانَ المُبِينُ أقْوى مِنَ البَيِّنِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ أيُ مَلَكٌ يَشْهَدُ بِتَصْدِيقِهِ ﴿ وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا فَلَمْ يُؤْمِنُوا لَقُضِيَ الأمْرُ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لَقُضِيَ عَلَيْهِمْ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، لِأنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ كانُوا إذا اقْتَرَحُوا عَلى أنْبِيائِهِمُ الآياتِ فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى الإظْهارِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى لَقُضِيَ الأمْرُ لَقامَتِ السّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ ولا يُؤَخَّرُونَ، يَعْنِي عَنْ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ.
عَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ، وعَنْ قِيامِ السّاعَةِ عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي.
﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ﴾ يَعْنِي ولَوْ جَعَلْنا مَعَهُ مَلَكًا يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ لَجَعَلْناهُ في صُورَةِ رَجُلٍ.
وَفي وُجُوبِ جَعْلِهِ رَجُلًا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ المَلائِكَةَ أجْسامُهم رَقِيقَةٌ لا تُرى، فاقْتَضى أنْ يُجْعَلَ رَجُلًا لِكَثافَةِ جِسْمِهِ حَتّى يُرى.
والثّانِي: أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلائِكَةَ عَلى صُوَرِهِمْ، وإذا كانَ في صُورَةِ الرَّجُلِ لَمْ يَعْلَمُوا مَلَكٌ هو أوْ غَيْرُ مَلَكٍ.
﴿ وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ ولَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: لَشَبَهْنا عَلَيْهِمْ ما يَشْبِهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَ الزَّجّاجُ: كَما يُشْبِهُونَ عَلى ضُعَفائِهِمْ واللَّبْسُ في كَلامِهِمْ هو الشَّكُّ ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: أصْدِقْ مَقالَتَهُ واحْذَرْ عَداوَتَهُ ∗∗∗ والبَسْ عَلَيْهِ بِشَكٍّ مِثْلَ ما لَبِسا والثّالِثُ: ولَلَبِسْنا عَلى المَلائِكَةِ مِنَ الثِّيابِ ما يَلْبَسُهُ النّاسُ مِن ثِيابِهِمْ، لِيَكُونُوا عَلى صُوَرِهِمْ وعَلى زِيِّهِمْ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أيْ أوْجَبَها رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ، وفِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها تَعْرِيضُ خَلْقِهِ لِما أمَرَهم بِهِ مِن عِبادَتِهِ الَّتِي تُفْضِي بِهِمْ إلى جَنَّتِهِ.
والثّانِي: ما أراهم مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ طاعَتِهِ.
والثّالِثُ: إمْهالُهم عَنْ مُعالَجَةِ العَذابِ واسْتِئْصالِهِمْ بِالِانْتِقامِ.
والرّابِعُ: قَبُولُهُ تَوْبَةَ العاصِي والعَفُوُ عَنْ عُقُوبَتِهِ.
﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ وهَذا تَوَعُّدٌ مِنهُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ أخَرَجَهُ مَخْرَجَ القَسَمِ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ يعني آدم ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ يعني أجل الموت ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ أجل الساعة والوقوف عند الله.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ قال: أجل الدنيا.
وفي لفظ: أجل موته ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ قال: الآخرة لا يعلمه إلا الله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ قضى أجلاً ﴾ قال: هو النوم، يقبض الله فيه الروح ثم يرجع إلى صاحبه حين اليقظة ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ قال: هو أجل موت الإِنسان.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ قال: هذا بدء الخلق، خلق آدم من طين ﴿ ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ﴾ [ السجدة: 8] ﴿ ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ﴾ يقول: أجل حياتك إلى يوم تموت، وأجل موتك إلى يوم البعث ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ قال: تشكون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ قال: أجل الدنيا الموت ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ قال: الآخره البعث.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ قضى أجلاً ﴾ قالا: أجل الدنيا منذ خلقت إلى أن تموت ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ قال: يوم القيامه.
وأخرج أبو الشيخ عن يونس بن يزيد الأيلي ﴿ قضى أجلاً ﴾ قال: ما خلق في ستة أيام ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ قال: ما كان بعد ذلك إلى القيامة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ قال: تشكون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن معدان في قوله: ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ يقول: في البعث.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ﴾ يقول: ما يأتيهم من شيء من كتاب الله إلا أعرضوا عنه.
وفي قوله: ﴿ فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ﴾ يقول: سيأتيهم يوم القيامة أنباء ما استهزأوا به من كتاب الله عز وجل.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ ، ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ مِنْ آيَةٍ ﴾ لاستغراق الجنس الذي يقع في النفي، كقولك: ما أتاني (١) (٢) من خلق السموات والأرض وما بينهما مع المعجزات التي أتى بها محمد ، قال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ : (مثل الشمس والقمر والنجوم) (٣) (٤) ﴿ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ ﴾ : يريد القرآن) (٥) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ أي: تاركين التفكر فيها.
ومعنى الإعراض (٦) (١) في (ش): (ما أبالي من أحد).
(٢) انظر: "الكشاف" 2/ 5، و"تفسير ابن عطية" 5/ 128، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 390، و"الدر المصون" 4/ 533 - 534، ونقل قول الواحدي والرازي في "تفسيره" 12/ 157.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) في "تنوير المقباس" 2/ 4، نحوه، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 175 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 128 بلا نسبة.
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 9، والبغوي في "تفسيره" 3/ 128، والأولى العموم فتشمل الآيات الشرعية والكونية، الآية من القرآن والمعجزة كانشقاق القمر ونحوه، وهو اختيار الجمهور.
انظر: "تفسير الطبري" 7/ 148، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 474، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 4، والرازي في "تفسيره" 12/ 157، وقد أخرج البخاري في "صحيحه" (3636)، كتاب "المناقب"، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي آية فأراهم انشقاق القمر.
عن عبد الله بن مسعود قال: (انشق القمر على عهد رسول الله شقين، قال النبي : "اشهدوا" ا.
هـ.
(٦) انظر: "جمهرة اللغة" 2/ 748، و"تهذيب اللغة" 3/ 2394، و"الصحاح" 3/ 182، و"مقاييس اللغة" 4/ 271، و"المفردات" ص 559، و"اللسان" 5/ 2894 (عرض).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيات رَبِّهِمْ ﴾ من الأولى زائدة، والثانية للتبعيض، أو لبيان الجنس ﴿ بالحق ﴾ يعني ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ ﴾ الآية: وعيد بالعذاب والعقاب على استهزائهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وأنشأنا ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف.
﴿ ولقد استهزىء ﴾ وبابه بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم، وقرأ يزيد والشموني وحمزة في الوقف بغير همز الباقون بغير همز مطلقاً ﴿ فحاق ﴾ بالإمالة حيث كان حمزة.
الوقوف: ﴿ والنور ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ أجلاً ﴾ ط ﴿ تمترون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض ﴾ ج وقيل: لا وقف ليصير التقدير وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض وفيه بعد، بل المعنى وهو المستحق للعبودية في أهل السموات وأهل الأرض.
﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ مدراراً ﴾ ص لعطف المتفقين ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ عليه ملك ﴾ ط ﴿ لا ينظرون ﴾ ه ﴿ يلبسون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه.
التفسير: عن ابن عباس أن رسول الله قال "نزلت الأنعام جملة واحدة وتنزلت، معها من الملائكة سبعون ألف ملك فملؤا ما بين الأخشبين" فدعا رسول الله الكتاب فكتبوها من ليلتهم سوى آيات معدودات.
وعن أنس أن رسول الله قال "لقد بعث إليّ بها جبريل مع خمسين ملكاً أو خمسين ألف ملك تحفها حتى أقروها في صدري كما يقرّ الماء في الحوض ولقد أعزني الله وإياكم بها عزاً لا يذلنا بعدها أبداً فيها دحض حجج المشركين ووعد من الله لا يخلفه" ولاشتمال هذه السورة على دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد ولنزولها جملة ذهب علماء الكلام إلى أن علم الأصول مع جلالة قدره يجب تعلمه على الفور لا على التراخي بخلاف الأحكام فإنها نزلت كفاء المصالح وبحسب الحوادث والنوازل.
وأعلم أن قوله ﴿ الحمد لله ﴾ مذكور في أوائل سور خمس واختص كل منها بصفة، لكن أعمها صدر فاتحة الكتاب ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ فإن العالم كل موجود سوى الله فكان سائر السور تفاصيل لهذه الجملة.
أثنى الله على نفسه بقوله ﴿ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ﴾ والثناء على النفس قبيح في الشاهد ففيه دليل على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق، فكما أنه واحد في ذاته فهو واحد في صفاته وأفعاله لا اعتراض لأحد عليه.
والتحقيق فيه أن استحقاق المدح بحسب الفضيلة والكمال ولا يوجد في الممكن صفة كمال إلا وهي مشوبة بالنقص والاختلال أدناه الأفول في أفق الإمكان بخلاف واجب الوجود فإنه لا غاية لكماله ولا نهاية لعظمته وجلاله.
فلا ينبغي أن يمدح إلا هو، ولا أن يثنى إلا عليه، ولا أن يشكر ويحمد إلا له.
ثم الأوصاف الجارية عليه إنما تذكر زيادة في المدح لا لأجل التوضيح والكشف.
أساميا لم تزده معرفة *** وإنما لذة ذكرناها وقد تقدم في الأسماء أن معنى الخلق راجع إلى التقدير والتقدير عائد إلى العلم، فالمراد أنه أوجد السموات والأرض على حسب علمه الأزلي.
قال بعض العلماء: السماء كالدائرة والأرض كالمركز، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية لها فلهذا ذكر السماء قبل الأرض مع أن ظاهر التنزيل يدل على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء.
وجمع السموات حقيقة وكذا إفراد الأرض، وقد تجمع الأرض باعتبار الطبقات وسوف يجيء تقرير ذلك في قوله ﴿ ومن الأرض مثلهن ﴾ والمقصود من هذا الوصف إلزام المشركين، وأن تخصيص حجم الفلك بمقدار معين وتخصيص كل من أجزائه بحيز معين وتخصيص الفلك بالحركة والأرض بالسكون مع اشتراكهما في الطبيعة الجسمية، وتخصيص كل حركة بحد معين من السرعة والبطء وبجهة معينة دلائل ظاهرة على وجود فاعل مختار واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله.
وأيضاً إن لحركة كل فلك أوّلاً لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة فتقتضي المسبوقية بالغير، وعدم الأولية ينافي المسبوقية بالغير والجمع بينهما محال.
وإذا ثبت أن لكل حركة أوّلاً فاختصاص ابتداء حدوثه بوقت معين يدل على الفاعل المختار وكذا اتصاف بعض الأجسام بالفلكية وبعضها بالعنصرية مع تساوي الكل في تمام الماهية.
وأيضاً إن خارج العالم الجسماني خلاء لا نهاية له كما ثبت في الكلام، فحصول هذا العالم في حيزه الذي حصل فيه دون سائر الأحياز أمر ممكن يحتاج إلى مرجح قادر مختار حكيم يفعل ما يشاء كما يشاء.
هذا إذا نظرنا في ذوات هذه الأجرام، أما إن اعتبرنا منافعها وكيفية تأثير الأثيريات وهي - الآباء - في العنصريات - وهي الأمهات - لتحصيل المواليد الثلاثة: المعادن والنباتات والحيوانات، ارتقينا من ذلك أيضاً إلى وجود صانع قدير وحكيم خبير رتبته أعلى وأجل من رتب الممكنات.
أما قوله ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ فمعناه أحدث وأنشأ، ولهذا اقتصر على مفعول واحد، ولو كان بمعنى "صير" اقتضى مفعولين.
وإنما لم يقل "وخلق" لأنه أراد التضمين أعني إنشاء شيء من شيء كقوله ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ فالنور والظلمة لما تعاقبا صار كأن كل واحد منهما تولد من الآخر.
وقيل: لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور من النار، ولهذا جمع الظلمات إذ لكل حرم ظل والظل ظلمة.
ووحد النور لأن النار واحد وهو منها، والظلمة والنور ههنا هما الأمران المحسوسان بالبصر، لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة والقرينة ذكر السموات والأرض.
وعن ابن عباس أن الظلمة ظلمة الشرك والنفاق، والنور نور الإسلام واليقين، وعلى الأوّل فإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية، ثم إنها تقبل التناقص قليلاً وتلك المراتب كثيرة، أو لأنه قصد بالنور الجنس.
وعلى الثاني فذلك لأن الحق واحد والباطل أكثر من أن يحصى.
وإنما قدمت الظلمة على النور لأن عدم المحدثات سابق على وجودها، والظلمة عدمية عند من يجعلها عدم النور أو شبيهة بالعدم عند من يجعلها هيئة مضادة للنور.
وقد ورد في الأخبار أن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.وقوله: ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ معطوف على قوله: ﴿ الحمد لله ﴾ والمعنى أنه حقيق بالحمد على ما خلق ثم الذين كفروا يعدلون عن طريق الإنصاف فيكفرون بربهم، أو على ﴿ خلق السموات ﴾ معناه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون أي يسوّون به ما لا يقدر على شيء من ذلك.
فعلى المعنى الأول يعدلون من العدول، وعلى الثاني هو من العدل.
ومعنى "ثم" ههنا وفي قوله ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ تراخي الرتبة واستبعاد مضموني الجملتين أحدهما عن الآخر.
ثم ذكر دليلاً آخر على إثبات الصانع وعلى صحة المعاد الجسماني فقال ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ أي من آدم لأنه مخلوق من الطين، أو خلقكم من النطفة المتولدة من الأغذية المنتهية إلى العناصر، ولا ريب أن خلق الأغذية المتنوعة من العناصر المتشابهة الأجزاء، ثم توليد النطفة المتشابهة الأجزاء من تلك الأغذية المختلفة، ثم تخليق الأعضاء المختلفة في الصفة والصور واللون والشكل كالقلب والدماغ والكبد والعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها من المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ومدبر رحيم.
ثم إن تلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادراً على إعادتها وإعادة الحياة فيها وذلك يدل على صحة القول بالمعاد.
أما قوله ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ فاعلم أن لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم والأمر ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ﴾ وبمعنى الخبر والإعلام ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ وبمعنى صفة الفعل إذا تم ﴿ فقضاهن سبع سموات ﴾ ومنه قولك: قضى فلان حاجة فلان.
والأنسب ههنا هو الأول.
والأجل في اللغة بمعنى الوقت المضروب لانقضاء الأمد.
وأصله من التأخير ومنه الآجل نقيض العاجل.
ثم إن صريح الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان.
فقال أبو مسلم: الأول آجال الماضين لأنهم لما ماتوا صارت آجالهم معلومة، والثاني آجال الباقين لأنها غير معلومة بعد وإنما هي مسماة عند الله .
وقيل: الأول أجل الموت، والثاني أجل القيامة لأنه لا آخر له ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا الأجل إلا الله .
وقيل: الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ.
وقيل: الأول النوم، والثاني الموت.
وقيل: الأول مقدار ما انقضى من عمل كل أحد، والثاني ما بقي من عمره.
وقال حكماء الإسلام: الأول الأجل الطبيعي الذي يمكن بالنسبة إلى المزاج الأول لكل شخص لو بقي مصوناً عن الآفات الخارجية، والثاني الأجل الاخترامي الذي يحصل بسبب من الأسباب الخارجية كالغرق والحرق والقتل واللدغ وغيرها من الأمور المنفصلة.
ومعنى ﴿ مسمى ﴾ أي مذكور اسمه في اللوح المحفوظ.
ومعنى ﴿ عنده ﴾ أي في حكمه وعلمه كما تقول: هذه المسألة عند الشافعي كذا وعند أبي حنيفة كذا.
وارتفع ﴿ أجل ﴾ بالابتداء وجاز ذلك مع تنكيره لمكان وصفه فقارب المعرفة.
وإنما لم يقل "وعنده أجل مسمى" تعظيماً لشأن هذا الأجل فكأنه قيل: وأي أجل مسمى عنده؟
والمرية والامتراء الشك.
ومعنى "ثم" تبعيد الامتراء عن مثل هذه الحجة الباهرة الموجبة للتيقن في أمر المبدأ والمعاد، ثم قرر أنه عالم بجميع المعلومات ردّاً على من زعم أنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو فقال ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض ﴾ وزعمت المجسمة بهذا وبنحو قوله ﴿ أم أمنتم من في السماء ﴾ أنه مستقر في السماء قالوا: ويؤكده وقف بعض القراء على السموات والابتداء بقوله ﴿ وفي الأرض يعلم سركم ﴾ أي يعلم سرائركم الموجودة في الأرض.
ولو سلم أن لا وقف فالإجماع حاصل على أنه ليس موجوداً في الأرض، ولا يلزم من ترك العلم بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر من دليل.
ونوقض بأنه قال في مواضع ﴿ لله ما في السموات ﴾ فلو كان هو في السماء لزم أن يكون مالكاً لنفسه، ولا يخفى ضعف هذا النقض لأنه مخصوص بالقرينة كقوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ وبأنه إما أن يراد كونه في سماء واحدة وهو ترك الظاهر، أو في جميع السموات وهو يقتضي كونه ذا أجزاء أو حصول المتحيز الواحد في مكانين وكلاهما محال.
والحق أنه لا يلزم من استصحاب المكان الافتقار إليه ولا التجسيم والتجزئة وهو دقيق يفهمه من وفق له، وبأنه لو كان موجوداً في السموات لكان محدوداً متناهياً فيكون قابلاً للزيادة والنقصان، فيكون اختصاصه بمقدار معين لمخصص فيكون محدثاً.
ويرد عليه أنه لم لا يجوز أن يكون في السموات وفوقها إلى ما لا يتناهى لا سيما عند من يقول إن وراء هذا العالم خلاء غير متناه، وبأنه لو كان في السموات فإن لم يقدر عل عالم آخر فوقها لزم تعجيزه، وإن قدر فلو فعل لحصل تحت ذلك العالم والقوم ينكرون كونه تحت العالم، والاعتراض أنه لا يلزم من القدرة الإيجاد، وقال غير المجسمة: المراد وهو الله في تدبير السموات والأرض كما يقال: فلان في أمر كذا أي في تدبيره وإصلاحه.
وعلى هذا يكون ﴿ في السموات ﴾ خبراً بعد خبر، ويوقف على اسم الله ثم يبتدأ بما بعد ذلك ويكون المعنى أنه يعلم في السموات والأرض سرائر الملائكة والإنس والجن، أو المراد وهو المعبود فيهما، أو المعروف بالإلهية أو المتوحد بها، أو هو الذي يقال له الله فيهما لا شريك له في هذا الإسم.
والسر من صفات القلوب وهي الدواعي والصوارف، والجهر من أعمال الجوارح، ولأن الأول مقدم على الثاني طبعاً فلا جرم قدم عليه وضعاً.
والجملة أعني قوله ﴿ يعلم سركم وجهركم ﴾ مقررة لما قبلها أو خبر ثالث أو كلام مبتدأ.
﴿ ويعلم ما تكسبون ﴾ الكسب أخص من الأعمال السرية والجهرية لأنه الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو اندفاع ضر ولهذا لا يوصف فعل الله بأنه كسب.
وإفراد الأخص بالذكر بعد الأعم للتقرير والتأكيد، أو لكونه أهم حسن لا يلزم منه عطف الشيء على نفسه.
والمراد أنه عالم بما يستحقه الإنسان على أفعاله من ثواب أو عقاب.
ثم لما فرغ من دلائل التوحيد والمعاد شرع في النبوات فرتب أحوال الكفار مع الأنبياء في ثلاث مراتب: الأولى كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل وذلك قوله ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم ﴾ "من" الأولى للاستغراق والثانية للتبعيض.
والمراد وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار إلا وهم على حالة الإعراض لقلة تدبرهم وفرط غفلتهم.
الثانية: كونهم مكذبين وهذه شر مما قبلها لأن الإعراض قد يكون للغفلة لا للتكذيب وإذا كذب فقد أعرض وزاد.
قال علماء المعاني: ههنا حذف كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وهو الحق.
قال أنس: هو انشقاق القمر بمكة انفلق فلقتين فذهبت فلقة وبقيت فلقة.
وقيل: هو القرآن الذي تحدّوا به فعجزوا عنه.
وقيل: محمد .
وقيل شرعه.
وقيل: وعده ووعيده وتبشيره وإنذاره.
والأولى الحمل على الكل.
المرتبة الثالثة: كونهم مستهزئين لأن التكذيب إذا انضم معه الاستهزاء كان غاية في الغواية وذلك قوله ﴿ فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا ﴾ أي أخبار الشيء الذي كانوا ﴿ به يستهزؤن ﴾ وهو القرآن وغيره من المعجزات.
وليس المراد نفس الأنباء بل العذاب الذي أنبأ الله به كقوله ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ والحكيم إذا توعد فربما قال: ستعرف نبأ هذا إذا نزل بك ما تحذره.
وذلك أن الغرض من الخبر حصول العلم بالمخبر عنه وذلك إنما يتحقق بعد المعاينة.
ومعنى الآية سيعلمون بأي شيء استهزؤا وأنه لم يكن موضع استهزاء وذلك عند نزول العقاب بهم في الدنيا كيوم بدر وغيره أو في الآخرة.
ثم لما زجرهم عن الإعراض والتكذيب والاستهزاء وأوعدهم على ذلك عاد إلى الموعظة والنصيحة بتذكير أحوال الأمم الماضية والقرون الخالية.
والقرن القوم المقترنون في زمان من الدهر المفترقون بعد ذلك بالموت وذلك الزمان في الأغلب ستون سنة.
وقيل: سبعون.
وقيل: ثمانون.
والأقرب أنه غير مقدر بزمان لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، ولكنه إذا انقضى الأكثر من أهل كل عصر فقد انقضى القرن.
وليس المراد أن يصدّق الكفار محمداً في هذه الأخبار لانهم بصدد التكذيب فسيكذبونه فيها أيضاً، وإنما المراد أن ما يختص بالمتقدمين منهم مشهور بين الناس فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا تلك الحكايات ومجرّد سماعها يكفي في الاعتبار.
ثم وصف تلك القرون بثلاثة أوصاف: الأول: تمكينهم في الأرض.
مكن له في الأرض جعل له مكاناً، ومكنه فيها أثبته، وهما متقاربان ولهذا جمع بينهما في الآية.
والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما آتينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال وأسباب الدنيا.
الثاني: إرسال السماء عليهم مدراراً يعني الغيث أو السحاب أو الخضراء، لأن المطر ينزل من ذلك الصوب والمدرار كثير الدرّدرّ اللين إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير.
ومدراراً نعت المطر ويقال أيضاً سحاب مدراراً إذا تتابع أمطاره.
ومفعال من أبنية المبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث.
الثالث ﴿ وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ﴾ أي من تحت أمكنتهم والمراد أنهم أصحاب البساتين والقصور والمنتزهات.
فإن قيل: الهلاك غير مختص بهم وإنما يجري ذلك على الأنبياء والمؤمنين أيضاً، قلنا: لدفع هذا الإشكال كرر فقال ﴿ فأهلكناهم بذنوبهم ﴾ فإن الإهلاك بسبب المعاصي والآثام لا يكون إلا بالعذاب والإيلام.
ثم نبه بقوله ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ﴾ على كمال عزته واستغنائه ونهاية قدرته واستعلائه كقوله ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ﴾ فالبلاد بلاده والعباد عباده بيده التخريب والتعمير وإليه الإعدام والإيجاد.
ثم ان الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف متعددة.
منهم من بالغ في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها على وفق هواه ومناه لا على قانون الخير والعدل فمنعه ذلك عن التزام التكاليف وهو المذكور في الآية، وفيه أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب الكفر باقٍ، وليس من العقل تحمل العقاب الدائم لأجل اللذات الفانية.
ومنهم من حملته العصبية والعناد على تكذيب معجزات الأنبياء وجعلها من قبيل السخر الذي لا أصل له وهم الذين عنوا بقوله ﴿ ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس ﴾ والمعنى أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة فرأوه ولمسوه وشاهدوه عياناً لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر.
وههنا سؤال وهو أن نزول الكتاب من السماء جملة إن لم يكن باب المعجزات لم يكن إنكاره منكراً، وإن كان من قبيل الإعجاز فالملك يقدر على إنزاله من السماء وقبل الإيمان بصدق الرسل لم تكن عصمة الملائكة معلومة، وحينئذ يجوز أن يكون نزول ذلك من قبل بعض الجن والشياطين، أو من بعض الملائكة الذين لم تثبت عصمتهم فلا يكون دليلاً على الصدق.
وأجيب بأن المقصود من الآية ليس بيان الإعجاز، ولكن المراد أنهم إذا لمسوه بأيديهم يقوى الإدراك البصري بالإدراك اللمسي وبلغ الغاية في القوة والظهور.
ثم إن هؤلاء يبقون شاكين في أن ذلك الذي رأوه ولمسوه هل هو موجود أم لا، وذلك يدل على أنهم بلغوا في الجهالة إلى حد السفسطة.
قال القاضي: في الآية دليل على وجوب اللطف لأنه بيَّن أنه إنما لم ينزل هذا الكتاب من حيث إنه لو أنزله لقالوا هذا القول فيفهم منه أنهم لو قبلوه وآمنوا به لأنزله لا محالة، وزيف بأن المفهوم ليس بحجة، ولو سلم فوقوع اللطف لا يدل على وجوبه.
ومن الكفرة من قابل النبوات بإيراد الشبهات والاقتراحات.
قال الكلبي: إن مشركي مكة قالوا: يا محمد والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله وذلك قوله ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ﴾ فأجاب الله عن مقترحهم بقوله ﴿ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون ﴾ ومعنى القضاء الإتمام والإلزام كما مر.
وتقرير الجواب أن إنزال الملك على البشر آية باهرة وحينئذ ربما لم يؤمنوا فيجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال، أو لعلهم إذا شاهدوا الملك زهقت أرواحهم.
ألا ترى أن رسول الله لما رأى جبرائيل على صورته الأصلية غشي عليه؟
وأن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشرة كأضياف إبراهيم ولوط، وكالذين تسوّروا المحراب، وأن جبرائيل تمثل لمريم بشراً سوياً؟
وفائدة ثمَّ أن عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجاة الشدة أفظع من نفس الشدة.
ثم إنهم كانوا يطعنون في نبوة محمد من جهة أخرى وهي أنه بشر مثلهم ويقولون: ﴿ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً ﴾ وتقرير الشبهة أن الرسل إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر وقدرتهم أشد ومهابتهم أعظم وامتيازهم عن الخلق أكمل والاشتباه في نبوتهم ورسالتهم أقل، والحكيم إذا أراد تحصيل مهم اختار ما هو أسرع إفضاء إلى المطلوب، فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ ولو جعلناه ﴾ أي الرسول ﴿ ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ لأن إنزال الملك آية ظاهرة جارية مجرى الإلجاء وإزالة الاختيار وذلك منافٍ لغرض التكليف، ولأن الجنس إلى الجنس أميل، ولأن البشر لا يطيق رؤية الملك، ولأن طاعات الملك كثيرة فيحقرون طاعات البشر ويستعظمون إقدامهم على المعاصي فلا يصبرون معهم، ولأن إنزال الملك يقوي الشبهة من وجه آخر وذلك أن أيّ معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة لفعلنا مثل ما فعلت.
ثم قال ﴿ وللبسنا عليهم ما يلبسون ﴾ لبست الأمر على القوم ألبسه لبساً إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً ومنه لبس الثوب لأنه يفيد الستر.
والمعنى إذا جعلنا الملك في صورة البشر كان فعلنا نظيراً لفعلهم في التلبيس، وإنما كان ذلك لبساً لأن الناس يظنونه ملكاً مع أنه ليس بملك، أو يظنونه بشراً مع أنه ليس ببشر وإنما كان فعلهم لبساً لأنهم يخلطون على أنفسهم ويقولون إن البشر لا يصلح للرسالة فلا ينقطع السؤال أبداً ويبقى الأمر في حيز الاشتباه.
وعلى هذا التفسير يكون قوله ﴿ ما يلبسون ﴾ مفعولاً مطلقاً.
ويجوز أن يراد ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ فيكون مفعولاً به يعني أن القوم إذا رأوا الملك في صورة الإنسان اشتبه الأمر عليهم، وإذا كنا قد فعلنا ذلك كان اللبس منسوباً إلينا.
ثم إنه وتعالى سلى رسول الله عما يلقى من قومه بقوله ﴿ ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق ﴾ أي نزل.
وقال الفراء: عاد عليهم والتركيب يدور على الإحاطة ومنه الحوق بالضم ما استدار بالكمرة ﴿ ما كانوا ﴾ أي الشيء الذي كانوا يستهزؤن به وهو الحق الذي جاء به محمد ، أسند الحق إليه حيث أهلكوا لأجل الاستهزاء به.
ويحتمل أن يراد بلفظة "ما" العذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله وهم يستهزؤن بذلك، ثم أمر رسوله بأن يقول لهم: لا تغتروا بما وجدتم من زخارف الدنيا وسيروا في الأرض لتشاهدوا آثار الأمم السالفة الذين كذبوا رسلهم ونزل بهم ما نزل فإن الأسفار تورث الاعتبار وتفيد الاستبصار.
واعلم أنه قال ههنا ﴿ ثم انظروا ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فانظروا ﴾ فالفاء لمجرد اعتبار ترتيب النظر على السير.
وثم لتباعد ما بين المباح والواجب فإن السير مباح والنظر واجب.
وأيضاً شتان بين السير الصوري بقدم الأشباح وبين السير المعنوي بقدم الأرواح والله أعلم.
التأويل: حمد نفسه القديم الأزلي بكلامه القديم الأزلي على أن خلق سموات القلوب وأرض النفوس وجعل الظلمات.
أي الصفات البهيمية والسبعية في النفوس والنور في القلوب وهو صفاتها الملكية والروحانية، فخص الجعل بالمعاني التي هي من عالم الأمر والخلق بالأعيان لأنها من عالم الصورة، ولهذا لما ذكر صورة آدم قال ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ وحيث أراد معناه قال ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ثم بعد هذا الجعل والخلق مال نفوس الكفار بغلبات الظلمات إلى طاغوت الهوى فجعلوه عديلاً لربهم ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ للروح المفارق عن حضرته لأيام فراقه ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ وهو أجل الوصال بعد الفراق بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ يا أهل الوصال كما يمتري أهل الفراق وهذا محال ﴿ وهو الله ﴾ في سموات القلوب وفي أرض النفوس يعلم سر الخلافة الذي أودع فيكم ﴿ وجهركم ﴾ الذي يظهر عنكم ﴿ ويعلم ما تكسبون ﴾ باستعمال الاستعداد السري والجهري في المأمورات والمنهيات في الخير أو الشر ﴿ من آية من آيات ربهم ﴾ في الآفاق وفي أنفسهم مكناهم في طلب الحق من قهر النفس وأسباب الخيرات والطاعات.
وأرسلنا مطر الواردات من سماء القلوب عليهم مدراراً متوالياً، وجعلنا أنهار الحكمة تجري من تحت نظرهم فأهلكنا مع هذه المقدمات أرواحهم بسموم ذنوب طلب الدنيا مالها وجاهها ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين ﴾ من الطلاب الصادقين التائبين المستقيمين ﴿ لجعلناه رجلاً ﴾ ليفهموا خطابه ويكون واقفاً على الأحوال البشرية فيعالجهم بما يرى فيه صلاح حالهم كما قال ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ﴾ قل سيروا في أرض النفوس بقدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب فتشاهدوا بأنوار الله المودعة فيها عاقبة من هلكوا في بوادي القطيعة إذ ساروا بقدم الطبيعة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ يحتمل: ما تأتيهم من آية من آيات توحيده، أو من آيات إثبات رسالة محمد ونبوته ، ويحتمل في إثبات البعث والنشور بعد الموت؛ لما أخبر أنه خلقهم من طين، فإذا ماتوا صاروا تراباً، فإذا كان بدء إنشائهم من طين، فإذا عادوا إليه يقدر على إنشائهم ثانياً؛ إذ ليس إنشاء الثاني بأعسر من الأول.
ثم يحتمل الآيات آيات القرآن.
ويحتمل: الآيات ما كان أتى به رسول الله من الآيات سوى آيات القرآن.
ثم أخبر عن تعنتهم ومكابرتهم بقوله: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ ، فإذا أعرضوا عنها لم ينتفعوا بها؛ ليعلم أنه إنما ينتفع بالآيات من تأملها ونظر فيها لا من أعرض عنها.
ثم سورة الأنعام إنما نزلت في محاجة أهل الشرك، ولو لم يكن القرآن معجزاً كانت سورة الأنعام معجزة؛ لأنها نزلت في محاجة أهل الشرك في إثبات التوحيد والألوهية لله والبعث، فكيف يكون وقد جعل الله القرآن آية معجزة عَجَزَ البشرُ عن إتيان مثله، ولم يكونوا يومئذ يعرفون التوحيد والبعث، كانوا كلهم كفاراً عبدة الأوثان والأصنام لا يحتمل أن يكون رسول الله ألّف ذلك وأنشأه من ذات نفسه؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله.
وفيه دلالة إثبات المحاجة في التوحيد والمناظرة فيه؛ لأن أكثرها نزلت في محاجة أهل الشرك، وهم كانوا أهل شرك، وينكرون البعث والرسالة، فتنزل أكثرها في محاجتهم في التوحيد وإثبات البعث والرسالة.
وفيه أنه إذا ثبت فساد قول أحد الخصمين، ثبت صحة قول الآخر؛ لأن إبراهيم لما قال: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ ﴾ أثبت فساد عبادة من يعبد الآفل بالأفول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ يحتمل الحق: الآيات التي كان يأتي بها رسول الله من آيات التوحيد وآيات البعث.
ويحتمل القرآن، ولو لم يكن يأتي رسول الله بآية كانت نفسه آية عظيمة من أول نشأته إلى آخر عمره؛ لأنه عصم حتى لم يأت منه ما يستسمج ويستقبح قط؛ فدل أن ذلك إنما كان لما جعل آية في نفسه، وموضعاً لرسالته، وعلى ذلك تخرج إجابة أبي بكر - - في أول دعوة دعاه إلى ذلك لما كان رأى منه من آيات، فلما دعاه أجابه في ذلك مع ما كان معه [من] آيات عظيمة، وأعلام عجيبة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ معناه - والله أعلم - [أن] يأتيهم وينزل بهم ما نزل بالمستهزئين، [وإلا كان أتاهم أنباء ما نزل بالمستهزئين]، ولكن معناه ما ذكرنا، أي: ينزل بهم ويحل ما نزل وحل بالمستهزئين.
ويحتمل قوله وجهاً آخر: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ وهو العذاب؛ لأن الرسل كانوا يوعدونهم أن ينزل بهم العذاب بتكذيبهم الرسل، فعند ذلك يستهزئون بهم؛ كقوله: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ وكقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ﴾ وغير ذلك؛ إذ قالوا: ﴿ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ فأخبر أنه ينزل بهم ذلك كما نزل بأولئك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ﴾ قال الحسن: ألم يروا: ألم يعتبروا ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ﴾ .
وقال أبو بكر الكيساني: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ قد رأوا ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ﴾ \[قال\]: وهو واحد، قد رأوا آثار الذين أهلكوا بتكذيبهم الرسل، وتعنتهم ومكابرتهم، لكنهم لم يعتبروا بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّكَّنَّٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ ﴾ قال بعضهم: أعطيناهم من الخير والسعة والأموال ما لم نمكن لكم يا أهل مكة أي: لم نعطكم، ثم إذا كذبوا الرسل أهلكهم الله - - وعاقبهم بأنواع العقوبة.
ويحتمل: مكناهم في الأرض من القوة والشدة؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ ثم مع شدة قوتهم أهلكوا إذ كذبوا الرسل.
ويحتمل وجها آخر: ﴿ مَّكَّنَّٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: في قلوب الخلق، من نفاذ القول، وخضوع الناس لهم؛ لأنهم كانوا ملوكاً وسلاطين الأرض، من نحو نمرود، وفرعون، وعاد، مع ما كانوا كذلك أهلكوا إذ كذبوا الرسل، وأنتم يا هؤلاء ليس لكم شيء من ذلك، أفلا تهلكون إذا كذبتم الرسل؟!
وإنما حملهم على تكذيب الرسل - والله أعلم - لما كانوا ذوي سعة وقوة، فلم يروا الخضوع لمن دونهم في ذلك [لما رأوا الأمر بالخضوع لمن دونهم في ذلك] جوراً غير حكمة، وإنما أخذوا ذلك من إبليس اللعين؛ حيث قال عند أمره بالسجود لآدم، فقال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ فعلى ذلك هؤلاء الكفرة رأوا الأمر بالخضوع لمحمد جَوْراً منه، حتى قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً ﴾ قال القتبي: مدرارا بالمطر: أي غزيرا، ومن درّ ويدرّ.
وقال أبو عوسجة: أي: درت عليهم السماء بالمطر، أي: كثر ودام وتتابع واحدا بعد واحد في وقت الحاجة ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ ﴾ \[أخبر عن سعة\] أولئك، وما أنعم عليهم من كثرة الأمطار والأنهار ما لم يكن ذلك لهؤلاء، ثم مع ما كان أعطاهم ذلك أهلكهم إذ كذبوا الرسل.
فإن قيل: [كيف] ذكر إهلاك هؤلاء، وخوف أولئك ذلك بتكذيبهم الرسل، وقد أهلك الرسل والأولياء من قبل؟
قيل: لأن إهلاك أولئك إهلاك عقوبة وتعذيب؛ لأنه كان أهلكهم هلاك استئصال واستيعاب؛ خارجاً عن الطبع، وأهلك أولئك الرسل والأولياء لا إهلاك عقوبة خارجاً عن الطبع؛ لذلك كان ما ذكر.
<div class="verse-tafsir"
وما تأتي المشركين من حجة من عند ربهم إلا تركوها غير مبالين بها، فقد جاءتهم الحجج الواضحة والبراهين الجلية الدالة على توحيد الله، وجاءتهم الآيات الدالة على صدق رسله، ومع ذلك أعرضوا عنها غير عابثين بِها.
<div class="verse-tafsir" id="91.mK5AE"