الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٥٣ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 115 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٣ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ) أي : ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض ( ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان غالب من اتبعه في أول البعثة ، ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء ، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل ، كما قال قوم نوح لنوح : ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) الآية [ هود : 27 ] ، وكما قال هرقل ملك الروم لأبي سفيان حين سأله [ عن تلك ] المسائل ، فقال له : فهل اتبعه ضعفاء الناس أو أشرافهم؟
قال : بل ضعفاؤهم .
فقال : هم أتباع الرسل والغرض : أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم ، ويعذبون من يقدرون عليه منهم ، وكانوا يقولون : ( أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) ؟
أي : ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير - لو كان ما صاروا إليه خيرا - ويدعنا ، كما قالوا : ( لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) [ الأحقاف : 11 ] ، وكما قال تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ) [ مريم : 73 ] .
قال الله تعالى في جواب ذلك : ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا ) [ مريم : 74 ] ، وقال في جوابهم حين قالوا : ( أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ) أي : أليس هو أعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم ، فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويهديهم إليه صراطا مستقيما ، كما قال تعالى ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) [ العنكبوت : 69 ] .
وفي الحديث الصحيح : " إن الله لا ينظر إلى صوركم ، ولا إلى ألوانكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " وقال ابن جرير : حدثنا القاسم : حدثنا الحسين ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة في قوله : ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) الآية ، قال : جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عدي والحارث بن نوفل وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل ، في أشراف من بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب ، لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا ، فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا ، كان أعظم في صدورنا ، وأطوع له عندنا ، وأدنى لاتباعنا إياه ، وتصديقنا له .
قال : فأتى أبو طالب النبي - صلى الله عليه وسلم - فحدثه بالذي كلموه فقال عمر بن الخطاب ، - رضي الله عنه - : لو فعلت ذلك ، حتى تنظر ما الذي يريدون ، وإلى ما يصيرون من قولهم؟
فأنزل الله عز وجل ، هذه الآية : ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم [ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ] ) إلى قوله : ( أليس الله بأعلم بالشاكرين ) قال : وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة وصبيحا مولى أسيد ، ومن الحلفاء : ابن مسعود والمقداد بن عمرو ومسعود بن القاري وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو وذو الشمالين ومرثد بن أبي مرثد - وأبو مرثد من غني حليف حمزة بن عبد المطلب - وأشباههم من الحلفاء .
ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء : ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) الآية .
فلما نزلت ، أقبل عمر ، - رضي الله عنه - ، فاعتذر من مقالته ، فأنزل الله ، عز وجل : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا [ فقل سلام ] ) الآية
القول في تأويل قوله : وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وكذلك فتنا بعضهم ببعض "، وكذلك اختبرنا وابتلينا، كالذي:- 13289 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر = وحدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر = عن قتادة: " وكذلك فتنا بعضهم ببعض "، يقول: ابتلينا بعضهم ببعض.
* * * وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على معنى " الفتنة ", وأنها الاختبار والابتلاء, بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(1) * * * وإنما فتنة الله تعالى ذكره بعضَ خلقه ببعضٍ, مخالفتُه بينهم فيما قسم لهم من الأرزاق والأخلاق, فجعل بعضًا غنيًّا وبعضًا فقيرًا، وبعضًا قويًّا، وبعضًا ضعيفًا, فأحوج بعضهم إلى بعض, اختبارًا منه لهم بذلك.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 13290 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " ، يعني أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء, فقال الأغنياء للفقراء: " أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا "، يعني: هداهم الله.
وإنما قالوا ذلك استهزاءً وسُخريًّا.
(2) * * * وأما قوله: " ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا "، يقول تعالى: اختبرنا الناس بالغنى والفقر، والعزّ والذل، والقوة والضعف، والهدى والضلال, كي يقول من أضلّه الله وأعماه عن سبيل الحق، للذين هداهم الله ووفقهم: " أهؤلاء منّ الله عليهم "، بالهدى والرشد، وهم فقراء ضعفاء أذلاء (3) =" من بيننا "، ونحن أغنياء أقوياء؟
استهزاءً بهم, ومعاداةً للإسلام وأهله.
يقول تعالى ذكره: " أليس الله بأعلم بالشاكرين " ، وهذا منه تعالى ذكره إجابة لهؤلاء المشركين الذين أنكروا أن يكون الله هدى أهل المسكنة والضعف للحق, وخذلهم عنه وهم أغنياء = وتقريرٌ لهم: أنا أعلم بمن كان من خلقي شاكرًا نعمتي، ممن هو لها كافر.
فمنِّي على من مَنَنْتُ عليه منهم بالهداية، جزاء شكره إياي على نعمتي, وتخذيلي من خذلت منهم عن سبيل الرشاد، عقوبة كفرانه إياي نعمتي، لا لغنى الغني منهم ولا لفقر الفقير، لأن الثواب والعقاب لا يستحقه أحدٌ إلا جزاءً على عمله الذي اكتسبه، لا على غناه وفقره, لأن الغنى والفقر والعجز والقوة ليس من أفعال خلقي.
----------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"الفتنة" فيما سلف ص: 297 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(2) في المطبوعة: "سخرية" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(3) انظر تفسير"المن" فيما سلف 7: 369/9 : 71.
قوله تعالى : وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين .قوله تعالى : وكذلك فتنا بعضهم ببعض أي : كما فتنا من قبلك كذلك فتنا هؤلاء .
والفتنة الاختبار ; أي : عاملناهم معاملة المختبرين .
ليقولوا نصب بلام كي ، يعني الأشراف والأغنياء .
أهؤلاء يعني الضعفاء والفقراء .
من الله عليهم من بيننا قال النحاس : وهذا من المشكل ; لأنه يقال : كيف فتنوا ليقولوا هذه الآية ؟
لأنه إن كان إنكارا فهو كفر منهم .
وفي هذا جوابان : أحدهما : أن المعنى اختبر الأغنياء بالفقراء أن تكون مرتبتهم واحدة عند النبي صلى الله عليه وسلم ، ليقولوا على سبيل الاستفهام لا على سبيل الإنكار أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ، والجواب الآخر : أنهم لما اختبروا بهذا فآل عاقبته إلى أن قالوا هذا على سبيل الإنكار ، وصار مثل قوله : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا .
أليس الله بأعلم بالشاكرين فيمن عليهم بالإيمان دون الرؤساء الذين علم الله منهم الكفر ، وهذا استفهام تقرير ، وهو جواب لقولهم : أهؤلاء من الله عليهم من بيننا وقيل : المعنى أليس الله بأعلم من يشكر الإسلام إذا هديته إليه .
{ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا } أي: هذا من ابتلاء الله لعباده، حيث جعل بعضهم غنيا؛ وبعضهم فقيرا، وبعضهم شريفا، وبعضهم وضيعا، فإذا مَنَّ الله بالإيمان على الفقير أو الوضيع؛.
كان ذلك محل محنة للغني والشريف فإن كان قصده الحق واتباعه، آمن وأسلم، ولم يمنعه من ذلك مشاركه الذي يراه دونه بالغنى أو الشرف، وإن لم يكن صادقا في طلب الحق، كانت هذه عقبة ترده عن اتباع الحق.
وقالوا محتقرين لمن يرونهم دونهم: { أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا } فمنعهم هذا من اتباع الحق، لعدم زكائهم، قال الله مجيبا لكلامهم المتضمن الاعتراض على الله في هداية هؤلاء، وعدم هدايتهم هم.
{ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ } الذين يعرفون النعمة، ويقرون بها، ويقومون بما تقتضيه من العمل الصالح، فيضع فضله ومنته عليهم، دون من ليس بشاكر، فإن الله تعالى حكيم، لا يضع فضله عند من ليس له بأهل، وهؤلاء المعترضون بهذا الوصف، بخلاف من مَنَّ الله عليهم بالإيمان، من الفقراء وغيرهم فإنهم هم الشاكرون.
قوله عز وجل : ( وكذلك فتنا ) أي : ابتلينا ، ( بعضهم ببعض ) أراد ابتلاء الغني بالفقير والشريف بالوضيع ، وذلك أن الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد سبقه بالإيمان امتنع من الإسلام بسببه فكان فتنة له فذلك قوله : ( ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) فقال الله تعالى : ( أليس الله بأعلم بالشاكرين ) فهو جواب لقوله ( أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) فهو استفهام بمعنى التقرير ، أي : الله أعلم بمن شكر الإسلام إذ هداه الله عز وجل .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو بن بسطام ثنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي أنا مسدد أنا جعفر بن سليمان عن المعلى بن زياد عن العلاء بن بشير المزني عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال : جلست في نفر من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري ، وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام علينا ، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت القارئ ، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " ما كنتم تصنعون؟
قلنا يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا فكنا نستمع إلى كتاب الله تعالى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم " قال : ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال بيده هكذا فتحلقوا ، وبرزت وجوههم له ، قال فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف منهم أحدا غيري ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك مقدار خمسمائة سنة " .
«وكذلك فَتنَا» ابتلينا «بعضهم ببعض» أي الشريف بالوضيع والغني بالفقير بأن قدَّمناه بالسبق إلى الإيمان «ليقولوا» أي الشرفاء والأغنياء منكرين «أهؤلاء» الفقراء «منَّ الله عليهم من بيننا» بالهداية أي لو كان ما هم عليه هدى ما سبقونا إليه قال تعالى: «أليس الله بأعلم بالشاكرين» له فيهديهم: بلى.
وكذالك ابتلى الله تعالى بعض عباده ببعض بتباين حظوظهم من الأرزاق والأخلاق، فجعل بعضهم غنيًّا وبعضهم فقيرًا، وبعضهم قويًّا وبعضهم ضعيفًا، فأحوج بعضهم إلى بعض اختبارًا منه لهم بذلك؛ ليقول الكافرون الأغنياء: أهؤلاء الضعفاء مَنَّ الله عليهم بالهداية إلى الإسلام مِن بيننا؟
أليس الله تعالى بأعلم بمن يشكرون نعمته، فيوفقهم إلى الهداية لدينه؟
ثم قال تعالى : { وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ليقولوا أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين } .والمعنى : ومثل ذلك الفتن .
أى الابتلاء والاختبار ، جعلنا بعض البشر فتنة لبعض ، ليترتب على هذه الفتن أن يقول المفتونون الأقوياء فى شأن الضعفاء : أهؤلاء الصعاليك خصهم الله بالإيمان من بيننا!
وقد رد الله عليهم بقوله { أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين } أى : أليس هو بأعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم .والكاف فى قوله { وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } فى محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف والتقدير : ومثل ذلك الفتون المتقدم الذى فهم من سياق أخبار الأمم الماضية فتنا بعض هذه الأمم ببعض ، ومن مظاهر ذلك أننا ابتلينا الغنى بالفقير ، والفقير بالغنى ، فكل واحد مبتلى بضده ، فكان ابتلاء الأغنياء الشرفاء حسدهم لفقراء الصحابة على كونهم سبقوهم إلى الإسلام وتقدموا عليهم ، فامتنعوا عن الدخول فى الإسلام لذلك ، فكان ذلك فتنة وابتلاء لهم وأما فتنة الفقراء بالأغنياء فلما يرون من سعة رزقهم وخصب عيشهم .
فكان ذلك فتنة لهم .واللام فى قوله { ليقولوا أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ } تعليلية لأنها هى للباعث على الاختبار أى : ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا هذه المقالة ابتلاء منا وامتحانا .والاستفهام فى قوله { أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين } للتقرير على أكمل وجه لأنه سبحانه محيط بكل صغير وكبير ودقيق وجليل .وكذلك تكون الآيات الكريمة قد قررت أن الفضل ليس بالغنى ولا بالجاه ولا بالقوة فى الدنيا ، ولكنه بمقدار شكر الله على ما أنعم ، وأنه سبحانه هو العالم وحده بمن يستحق الفضل علماً ليس فوقه علم .
فيه مسائل: المسألة الأولى: أعلم أنه تعالى بيّن في هذه الآية أن كل واحد مبتلى بصاحبه، فأولئك الكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على كونهم سابقين في الإسلام مسارعين إلى قبوله فقالوا: لو دخلنا في الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء المساكين وأن نعترف لهم بالتبعية، فكان ذلك يشق عليهم.
ونظيره قوله تعالى: ﴿ أءُلْقِىَ الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا ﴾ ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ وأما فقراء الصحابة فكانوا يرون أولئك الكفار في الراحات والمسرات والطيبات والخصب والسعة، فكانوا يقولون كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء مع أنا بقينا في هذه الشدة والضيق والقلة.
فقال تعالى: ﴿ وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ فأحد الفريقين يرى الآخر متقدماً عليه في المناصب الدينية والفريق الآخر يرى الفريق الأول متقدماً عليه في المناصب الدنيوية، فكانوا يقولون أهذا هو الذي فضله الله علينا، وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله تعالى فهو حق وصدق وحكمة وصواب ولا اعتراض عليه، إما بحكم المالكية على ما هو قول أصحابنا أو بحسب المصلحة على ما هو قول المعتزلة، فكانوا صابرين في وقت البلاء، شاكرين في وقت الآلاء والنعماء وهم الذين قال الله تعالى في حقهم ﴿ أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين ﴾ .
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ تصريح بأن إلقاء تلك الفتنة من الله تعالى، والمراد من تلك الفتنة ليس إلا اعتراضهم على الله في أن جعل أولئك الفقراء رؤساء في الدين والاعتراض على الله كفر وذلك يدل على أنه تعالى هو الخالق للكفر.
والثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا ﴾ والمراد من قوله: ﴿ مَنَّ الله عَلَيْهِم ﴾ هو أنه مَنَّ عليهم بالإيمان بالله ومتابعة الرسول، وذلك يدل على أن هذه المعاني إنما تحصل من الله تعالى لأنه لو كان الموجد للإيمان هو العبد، فالله ما منّ عليه بهذا الإيمان، بل العبد هو الذي منّ على نفسه بهذا الإيمان، فصارت هذه الآية دليلاً على قولنا في هذه المسألة من هذين الوجهين: أجاب الجبائي عنه، بأن الفتنة في التكليف ما يوجب التشديد، وإنما فعلنا ذلك ليقولوا أهؤلاء؟
أي ليقول بعضهم لبعض استفهاماً لا إنكاراً ﴿ أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا ﴾ بالإيمان؟
وأجاب الكعبي عنه بأن قال: ﴿ وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ ليصبروا أو ليشكروا، فكان عاقبة أمرهم أن قالوا: ﴿ أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا ﴾ على ميثاق قوله: ﴿ فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ والجواب عن الوجهين أنه عدول عن الظاهر من غير دليل لا سيما والدليل العقلي قائم على صحة هذا الظاهر، وذلك لأنه لما كانت مشاهدة هذه الأحوال توجب الأنفة، والأنفة توجب العصيان والاصرار على الكفر، وموجب الموجب موجب، كان الالزام وارداً، والله أعلم.
المسألة الثالثة: في كيفية افتتان البعض بالبعض وجوه: الأول: أن الغنى والفقر كانا سببين لحصول هذا الافتتان كما ذكرنا في قصة نوح عليه السلام، وكما قال في قصة قوم صالح ﴿ قَالَ الذين استكبروا إِنَّا بالذى ءَامَنتُمْ بِهِ كافرون ﴾ والثاني: ابتلاء الشريف بالوضيع.
والثالث: ابتلاء الذكي بالأبله.
وبالجملة فصفات الكمال مختلفة متفاوتة، ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة، بل هي موزعة على الخلق وصفات الكمال محبوبة لذاتها، فكل أحد يحسد صاحبه على ما آتاه الله من صفات الكمال.
فأما من عرف سر الله تعالى في القضاء والقدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض للخلق، وعاش عيشاً طيباً في الدنيا والآخرة، والله أعلم.
المسألة الرابعة: قال هشام بن الحكم: إنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند حدوثها، واحتج بهذه الآية، لأن الافتتان هو الاختبار والامتحان، وذلك لا يصح إلا لطلب العلم وجوابه قد مر غير مرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكذلك فَتَنَّا ﴾ ومثل ذلك الفتن العظيم، فتنا بعض الناس ببعض، أي ابتليناهم بهم.
وذلك أنّ المشركين كانوا يقولون للمسلمين ﴿ أهؤلاء ﴾ الذين ﴿ مَنَّ الله عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا ﴾ أي أنعم عليهم بالتوفيق لإصابة الحق ولما يسعدهم عنده من دوننا، ونحن المقدمون والرؤساء، وهم العبيد والفقراء، إنكاراً لأن يكون أمثالهم على الحق وممنوناً عليهم من بينهم بالخير، ونحوه ﴿ أَءلْقِىَ الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا ﴾ [القمر: 25] ، ﴿ وَلَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ [الأحقاف: 11] .
ومعنى فتناهم ليقولوا ذلك: خذلناهم فافتتنوا، حتى كان افتنانهم سبباً لهذا القول، لأنه لا يقول مثل قولهم هذا إلاّ مخذول مفتون ﴿ أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين ﴾ أي الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان.
وبمن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الفِتَنُ، وهو اخْتِلافُ أحْوالِ النّاسِ في أُمُورِ الدُّنْيا.
فَتَنّا أيِ ابْتَلَيْنا بَعْضَهم بِبَعْضٍ في أمْرِ الدِّينِ فَقَدَّمْنا هَؤُلاءِ الضُّعَفاءَ عَلى أشْرافِ قُرَيْشٍ بِالسَّبْقِ إلى الإيمانِ.
﴿ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ﴾ أيْ أهَؤُلاءِ مَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ لِما يُسْعِدُهم دُونَنا، ونَحْنُ الأكابِرُ والرُّؤَساءُ وهُمُ المَساكِينُ والضُّعَفاءُ.
وهو إنْكارٌ لِأنْ يَخُصَّ هَؤُلاءِ مِن بَيْنِهِمْ بِإصابَةِ الحَقِّ والسَّبْقِ إلى الخَيْرِ كَقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ.
واللّامُ لِلْعاقِبَةِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ عَلى أنَّ فَتَنّا مُتَضَمِّنٌ مَعْنى خَذَلْنا ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ ﴾ بِمَن يَقَعُ مِنهُ الإيمانُ والشُّكْرُ فَيُوَفِّقُهُ وبِمَن لا يَقَعُ مِنهُ فَيَخْذُلُهُ.
<div class="verse-tafsir"
{وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} ومثل ذلك الفتن العظيم ابتلينا الأغنياء بالفقراء {ليقولوا} أى الأغنياء {أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا} أي أنعم الله عليهم بالإيمان ونحن المقدمون والرؤساء وهم الفقراء إنكاراً لأن يكون أمثالهم على الحق وممنوناً عليهم من بينهم بالخير ونحوه لَوْ كان خيرا ما سبقونا إليه {أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين} بمن يشكر نعمته
﴿ وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا نَزَلَتْ أقْبَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فاعْتَذَرَ مِن مَقالَتِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ﴾ الآيَةَ، والغَداةُ أصْلُهُ غَدْوَةٌ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وأصْلُ العَشِيِّ عَشَوِيٌّ قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ وفاءً بِالقاعِدَةِ، والظّاهِرِ أنَّهُ مُفْرَدٌ كالعَشِيَّةِ وجَمْعُهُ عَشايا وعَشِيّاتٌ، وقِيلَ: هو جَمْعُ عَشِيَّةٍ وفِيهِ بُعْدٌ، ومَعْنى الأوَّلِ لُغَةً البُكْرَةُ أوْ ما بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ، ومَعْنى الثّانِي آخِرُ النَّهارِ، والمُرادُ بِهِما هَهُنا الدَّوامُ كَما يُقالُ: فَعَلَهُ مَساءً وصَباحًا إذا داوَمَ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالدُّعاءِ حَقِيقَتُهُ أوِ الصَّلاةُ أوِ الذِّكْرُ أوْ قِراءَةُ القُرْآنِ أقْوالٌ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُما عِبارَةٌ عَنْ صَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ لِأنَّ الزَّمانَ كَثِيرًا ما يُذْكَرُ ويُرادُ بِهِ ما يَقَعُ فِيهِ كَما يُقالُ صَلّى الصُّبْحَ والمُرادُ صَلاتُهُ، وقَدْ يُعْكَسُ فَيُرادُ بِالصَّلاةِ زَمانُها نَحْوَ قَرُبَتِ الصَّلاةُ أيْ وقْتُها، وقَدْ يُرادُ بِها مَكانُها كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى ﴾ أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ المَساجِدُ وخُصّا بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِما، والأقْوالُ في الدُّعاءِ جارِيَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ خَلا الثّانِيَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هُنا وفي الكَهْفِ (الغَدْوَةِ) بِالواوِ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ ومالِكِ بْنِ دِينارٍ وأبِي رَجاءٍ العَطارِدِيِّ وغَيْرِهِمْ، وزَعَمَ أبُو عَبِيدٍ أنَّ مَن قَرَأ بِالواوِ فَقَدْ أخْطَأ لِأنَّ غَدْوَةً عَلَمُ جِنْسٍ لا تَدْخُلُهُ الألِفُ واللّامُ، ومَنشَأُ خَطَئِهِ أنَّهُ اتَّبَعَ رَسْمَ الخَطِّ لِأنَّ الغَداةَ تُكْتَبُ بِالواوِ كالصَّلاةِ والزَّكاةِ، وقَدْ أخْطَأ في هَذِهِ التَّخْطِئَةِ لِأنَّ (غَدْوَةً) وإنْ كانَ المَعْرُوفُ فِيها ما ذَكَرَهُ لَكِنْ قَدْ سُمِعَ مَجِيئُها اسْمَ جِنْسٍ أيْضًا مُنَكَّرًا مَصْرُوفًا فَتَدْخُلُها (ألْ) حِينَئِذٍ، وقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ وتَصْدِيرُهُ بِالزَّعْمِ لا يَدُلُّ عَلى ضَعْفِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الإمامِ النَّوَوِيِّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ، وذَكَرَهُ جَمٌّ غَفِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ وذَكَرَ المُبَرِّدُ أيْضًا عَنِ العَرَبِ تَنْكِيرَهُ غَدْوَةً وصَرْفَها وإدْخالَ اللّامِ عَلَيْها إذا لَمْ يُرَدْ بِها غَدْوَةُ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ، والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، وكَفى بِوُرُودِهِ في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ حُجَّةً فَلا حاجَةَ - كَما قِيلَ - إلى التِزامِ أنَّها عَلَمٌ لَكِنَّها نُكِّرَتْ فَدَخَلَتْها (ألْ) لِأنَّ تَنْكِيرَ العَلَمِ وإدْخالَ (ألْ) عَلَيْهِ أقَلُّ قَلِيلٍ في كَلامِهِمْ بَلْ إنَّ تَنْكِيرَ عَلَمِ الجِنْسِ لَمْ يُعْهَدْ ولا إلى التِزامِ أنَّها مَعْرِفَةٌ ودَخَلَتْها اللّامُ لِمُشاكَلَةِ العَشِيِّ كَما دَخَلَتْ عَلى يَزِيدَ لِمُشاكَلَةِ الوَلِيدِ في قَوْلِهِ: رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهُ، لِأنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المُشاكَلَةِ وهو المُشاكَلَةُ الحَقِيقَةُ قَلِيلٌ أيْضًا والكَثِيرُ في المُشاكَلَةِ المَجازُ ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أنَّهُ وقَعَ مِنهُ الطَّرْدُ لِيَخْدِشَ وجْهَ العِصْمَةِ، والَّذِي تَحْكِيهِ الآثارُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَمَّ أنْ يَجْعَلَ أُولَئِكَ الدّاعِينَ المُتَّقِينَ وقْتًا خاصًّا وأشْرافَ قُرَيْشٍ وقْتًا آخَرَ لِيَتَآلَفُوا فَيَقُودَهم إلى الإيمانِ، وأُولَئِكَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم يَعْلَمُونَ ما قَصَدَ فَلا يَحْصُلُ لَهم إهانَةٌ وانْكِسارُ قَلْبٍ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَدْعُونَ) وفي المُرادِ بِالوَجْهِ عِنْدَ المُؤَوِّلِينَ خِلافٌ فَقِيلَ وهو المَشْهُورُ إنَّهُ الذّاتُ أيْ مُرِيدِينَ ذاتَهُ تَعالى، ومَعْنى إرادَةِ الذّاتِ عَلى ما قِيلَ الإخْلاصُ لَها بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ كَوْنِ اللَّهِ تَعالى مُرادًا لِذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّ الإرادَةَ صِفَةٌ لا تَتَعَلَّقُ إلّا بِالمُمَكَّناتِ لِأنَّها تَقْتَضِي تَرْجِيحَ أحَدِ طَرَفِيِ المُرادِ عَلى الآخَرِ وذَلِكَ لا يُعْقَلُ إلّا فِيها أيْ يَدْعُونَ رَبَّهم مُخْلِصِينَ لَهُ سُبْحانَهُ فِيهِ، وقُيِّدَ بِذَلِكَ لِتَأْكِيدِ عِلِّيَّتِهِ لِلنَّهْيِ فَإنَّ الإخْلاصَ مِن أقْوى مُوجِباتِ الإكْرامِ المُضادِّ لِلطَّرْدِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الجِهَةُ والطَّرِيقُ، والمَعْنى مُرِيدِينَ الطَّرِيقَ الَّذِي أمَرَهم جَلَّ شَأْنُهُ بِإرادَتِهِ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الزَّجّاجِ، وقِيلَ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ المَحَبَّةِ وطَلَبِ الرِّضا لِأنَّ مَن أحَبَّ ذاتًا أحَبَّ أنْ يَرى وجْهَهُ فَرُؤْيَةُ الوَجْهِ مِن لَوازِمِ المَحَبَّةِ فَلِهَذا جُعِلَ كِنايَةً عَنْها قالَهُ الإمامُ وهو كَما تَرى وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الوَجْهِ لِلتَّعْظِيمِ كَما يُقالُ: هَذا وجْهُ الرَّأْيِ وهَذا وجْهُهُ الدَّلِيلُ والمَعْنى يُرِيدُونَهُ ﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ ضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْمَوْصُولِ السّابِقِ كَما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ وغالِبِ المُفَسِّرِينَ وجُوِّزَ في (ما) أنْ تَكُونَ تَمِيمِيَّةً وحِجازِيَّةً وفي (شَيْءٍ) أنْ يَكُونَ فاعِلَ الظَّرْفِ المُعْتَمِدِ عَلى النَّفْيِ و (مِن حِسابِهِمْ) وصْفٌ لَهُ قُدِّمَ فَصارَ حالًا وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والظَّرْفُ المُتَقَدِّمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا لَهُ، و(مِن) زائِدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يُشِيرُ إلى اخْتِيارِهِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضُ وسَطٍ بَيْنِ النَّهْيِ وجَوابِهِ تَقْرِيرًا لَهُ ودَفْعًا لِما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ كَوْنُهُ مُسَوِّغًا لِطَرْدِ المُتَّقِينَ مِن أقاوِيلِ الطّاعِنِينَ في دِينِهِمْ كَدَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالُوا: ﴿ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ ﴾ ، والمَعْنى ما عَلَيْكَ شَيْءٌ ما مِن حِسابِ إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمُ الباطِلَةِ كَما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ حَتّى تَتَصَدّى لَهُ وتَبْنِي عَلى ذَلِكَ ما تَراهُ مِنَ الأحْكامِ، وإنَّما وظِيفَتُكَ حَسْبَما هو شَأْنُ مَنصِبِ الرِّسالَةِ النَّظَرُ إلى ظَواهِرِ الأُمُورِ وإجْراءِ الأحْكامِ عَلى مُوجِبِها وتَفْوِيضِ البَواطِنِ وحِسابِها إلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، وظَواهِرُ هَؤُلاءِ دُعاءُ رَبِّهِمْ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المَعْنى ما عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن حِسابِ رِزْقِهِمْ أيْ فَقْرِهِمْ والمُرادُ لا يَضُرُّكَ فَقْرُهم شَيْئًا لِيَصِحَّ لَكَ الإقْدامُ عَلى ما أرادَهُ المُشْرِكُونَ مِنكَ فِيهِمْ ﴿ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وجِيءَ بِهِ مَعَ أنَّ الجَوابَ قَدْ تَمَّ بِذَلِكَ مُبالَغَةً في بَيانِ كَوْنِ انْتِفاءِ حِسابِهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنَظْمِهِ في سَلْكٍ ما لا شُبْهَةَ فِيهِ أصْلًا وهو انْتِفاءُ كَوْنِ حِسابِهِ عَلَيْهِمْ فَهو عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ في رَأْيٍ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّ الجُمْلَتَيْنِ في مَعْنى جُمْلَةٍ واحِدَةٍ تُؤَدِّي مُؤَدّى (ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُؤاخَذُ أنْتَ ولا هم بِحِسابِ صاحِبِهِ وحِينَئِذٍ لا بُدَّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ حَقِيقٍ بِجَلالَةِ التَّنْزِيلِ وتَقْدِيمِ خِطابِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَوْضِعَيْنِ - قِيلَ - لِلتَّشْرِيفِ لَهُ عَلَيْهِ أشْرَفُ الصَّلاةِ وأفْضَلُ السَّلامِ وإلّا كانَ الظّاهِرُ وما عَلَيْهِمْ مِن حِسابِكَ مِن شَيْءٍ بِتَقْدِيمِ (عَلى) ومَجْرُورِها كَما في الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّ تَقْدِيمَ عَلَيْكَ في الجُمْلَةِ الأُولى لِلْقَصْدِ إلى إيرادِ النَّفْيِ عَلى اخْتِصاصِ حِسابِهِمْ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ هو الدّاعِي إلى تَصَدِّيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِحِسابِهِمْ وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ لِلْمُشْرِكِينَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والمَعْنى إنَّكَ لا تُؤاخَذُ بِحِسابِهِمْ حَتّى يُهِمَّكَ إيمانُهم ويَدْعُوَكَ الحِرْصُ عَلَيْهِ إلى أنْ تَطْرُدَ المُؤْمِنِينَ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى كُلِّ حالٍ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّفْيِ والمُرادُ انْتِفاءُ الطَّرْدِ لا انْتِفاءُ كَوْنِ حِسابِهِمْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ضَرُورَةَ انْتِفاءِ المُسَبِّبِ لِانْتِفاءِ سَبَبِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ مِنكَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَقَعُ مِنكَ طَرْدٌ وهو أحَدُ مَعْنَيَيْنِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ يَمْتَنِعُ ثانِيهُما هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ 25 - جَوابٌ لِلنَّهْيِ وجَوَّزَ الإمامُ والزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى فَتَطْرُدَهم عَلى وجْهِ التَّسَبُّبِ لِأنَّ الكَوْنَ ظالِمًا مَعْلُولٌ طَرْدُهم وسَبَبٌ لَهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الِاشْتِراكَ في النَّصْبِ بِالعَطْفِ يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ في سَبَبِ النَّصْبِ وهو تَوَقُّفُ الثّانِي عَلى الأوَّلِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنِ انْتِفاءِ الأوَّلِ انْتِفاؤُهُ، والكَوْنُ مِنَ الظّالِمِينَ مُنْتَفٍ سَواءٌ لُوحِظَ ابْتِداءُ أوْ بُعْدُ تَرَتُّبِهِ عَلى الطَّرْدِ وجَعْلِهِ مُتَرَتِّبًا عَلى الطَّرْدِ بِلا اعْتِبارِ كَوْنِهِ مُتَرَتِّبًا عَلى المَنفِيِّ ومُنْتَفِيًا بِانْتِفائِهِ يُفَوِّتُ وُجُودَ سَبَبِيَّةِ العَطْفِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الظُّلْمَ بِالطَّرْدِ يَتَوَقَّفُ انْتِفاؤُهُ عَلى انْتِفاءِ الطَّرْدِ كَما لا يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلى وُجُودِهِ، وانْتِفاءُ الطَّرْدِ مُتَوَقِّفٌ عَلى انْتِفاءِ كَوْنِ حِسابِهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فانْتِفاءُ الظُّلْمِ بِالطَّرْدِ يَتَوَقَّفُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا فَيَلْزَمُ مِنَ الِانْتِفاءِ الِانْتِفاءُ ويَتَحَقَّقُ الِاشْتِراكُ في سَبَبِ النَّصْبِ وهو ظاهِرٌ وإنْكارُهُ مُكابَرَةٌ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ العَطْفَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ عَدَمَ الظُّلْمِ لِعَدَمِ تَفْوِيضِ الحِسابِ إلَيْهِ فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ كانَ حِسابُهم عَلَيْهِ وطَرَدَهم لَكانَ ظُلْمًا ولَيْسَ كَذَلِكَ، لَأنَّ الظُّلْمَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلى حَدِّ - نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ - وفي الكَشْفِ في بَيانِ مُرادِ صاحِبِ الكَشّافِ أنَّهُ أرادَ أنَّ الطَّرْدَ سَبَبٌ لِلظُّلْمِ، فَقِيلَ: ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ لِتَطْرُدَهم فَتَظْلِمَ بِهِ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ كانَ عَلَيْهِ حِسابُهم لَمْ يَكُنْ طَرْدُهُ إيّاهم ظُلْمًا، وذَلِكَ لَأنَّ الطَّرْدَ جُعِلَ سَبَبًا لِلظُّلْمِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يَمْلِكَ حِسابَهم وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ عَلى حَدِّ -نِعْمَ العَبْدُ- إلَخْ بَلْ هو خُرُوجٌ عَنِ الحَدِّ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الأوَّلُ جَوابًا لِلنَّهْيِ كَما جازَ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّفْيِ، ونُقِلَ عَنِ الدُّرِّ المَصُونِ وقالَ: الكَلامُ عَلَيْهِ بِحَسْبِ الظّاهِرِ ولا تَطْرُدَهم فَتَطْرُدُهم وهو كَما تَرى، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ اجْتِماعَ ذَيْنِكَ النَّفْيَيْنِ السّابِقَيْنِ عَلى هَذا الجَوابِ مِن قَبِيلِ التَّنازُعِ خَلا أنَّهُ لا يُمْكِنُ كَوْنُ الجَوابِ لِلثّانِي بِوَجْهٍ أصْلًا إذْ يَلْزَمُ المَعْنى حِينَئِذٍ أنَّهُ لَوْ كانَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن حِسابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ طَرْدُهُ إيّاهم حَسَنًا، وهو خَلْفٌ لا يَجُوزُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ في هَذا خُرُوجٌ عَنْ مُخْتارِ البَصْرِيِّينَ لِإعْمالِ الثّانِي لِأنَّ شَرْطَهُ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ المَعْنى مُسْتَقِيمًا فِيهِما؛ فَإنْ لَمْ يَسْتَقِمْ أُعْمِلَ الأوَّلُ اتِّفاقًا كَما في قَوْلِهِ: ولَوْ أنَّ ما أسْعى لِأدْنى مَعِيشَةٍ كَفانِي - ولَمْ أطْلُبْ - قَلِيلٌ مِنَ المالِ وأنْتَ إذا عَلِمْتَ أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ لِماذا أُتِيَ بِها عَلِمْتَ ما في هَذا الكَلامِ فافْهَمْ؛ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ أوْ لِأُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ أوْ فَتَكُونَ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الظُّلْمِ، ﴿ وكَذَلِكَ فَتَنّا ﴾ أيِ ابْتَلَيْنا واخْتَبَرْنا بَعْضَهم بِبَعْضٍ، والمُرادُ عامَلْناهم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الفَتْنِ المَذْكُورِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ وعُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ إيذانًا بِتَفْخِيمِهِ كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ ذَلِكَ الضَّرْبَ، والكافُ مُقْحَمَةٌ بِمَعْنى أنَّ التَّشْبِيهَ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنها بَلِ المَقْصُودُ لازِمُهُ الكِنائِيُّ أوِ المَجازِيُّ وهو التَّحَقُّقُ والتَّقَرُّرُ وهو إقْحامُ مُطَّرِدٍ، ولَيْسَتْ زائِدَةً كَما تُوُهِّمَ، والمَعْنى مِثْلُ ذَلِكَ الفَتْنِ العَظِيمِ البَدِيعِ فَتَنّا بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضِهِمْ حَيْثُ قَدَّمْنا الآخَرِينَ في أمْرِ الدِّينِ عَلى الأوَّلِينَ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمْ في أمْرِ الدُّنْيا، ويُؤَوَّلُ إلى أنَّ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ مُتَحَقِّقٌ مِنّا، ومَن ظَنَّ أنَّ التَّشْبِيهَ هو المَقْصُودُ لَمْ يُجَوِّزْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المَذْكُورِ لِما يَلْزَمُهُ مِن تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وتَكَلَّفَ لِوَجْهِ التَّشْبِيهِ والمُغايَرَةِ بِجَعْلِ المُشَبَّهِ بِهِ الأمْرَ المُقَرَّرَ في العُقُولِ والمُشَبَّهَ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ الأمْرِ الخارِجِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ مِثْلُ ما فَتَنّا الكُفّارَ بِحَسَبِ غِناهم وفَقْرِ المُؤْمِنِينَ حَتّى أهانُوهم خِلافَهم في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَتَنّاهم بِحَسْبِ سَبْقِ المُؤْمِنِينَ إلى الإيمانِ وتَخَلُّفِهِمْ عَنْهُ حَتّى حَسَدُوهُمْ، وقالُوا ما قالُوا لِاخْتِلافِ أدْيانِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أدَقُّ نَظَرًا أوْ أعْلى كَعْبًا، وقَدْ سَلَفَ بَعْضُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ ﴿ لِيَقُولُوا ﴾ أيِ البَعْضُ الأوَّلُونَ مُشِيرِينَ إلى الآخِرِينَ مُحَقِّرِينَ لَهم ﴿ أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ بِأنْ وفَّقَهم لِإصابَةِ الحَقِّ والفَوْزِ بِما يُسْعِدُهم عِنْدَهُ سُبْحانَهُ ﴿ مِن بَيْنِنا ﴾ أيْ مِن دُونِنا ونَحْنُ المُقَدَّمُونَ والرُّؤَساءُ وهُمُ العَبِيدُ والفُقَراءُ، وغَرَضُهم بِذَلِكَ إنْكارُ المَنِّ رَأْسًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ لا تَحْقِيرُ المَمْنُونِ عَلَيْهِمْ مَعَ الِاعْتِرافِ بِوُقُوعِهِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ مُبْتَلًى بِصاحِبِهِ فَأُولَئِكَ الكُفّارُ الرُّؤَساءُ الأغْنِياءُ كانُوا يَحْسُدُونَ فُقَراءَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى كَوْنِهِمْ سابِقِينَ في الإسْلامِ مُتَسارِعِينَ إلى قَبُولِهِ فَقالُوا: لَوْ دَخَلْنا في الإسْلامِ لَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَنْقادَ لِهَؤُلاءِ الفُقَراءِ وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (أأُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا)، و ﴿ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ ، وأمّا فُقَراءُ الصَّحابَةِ فَكانُوا يَرَوْنَ أُولَئِكَ الكُفّارَ في الرّاحَةِ والمَسَرَّةِ والخَصْبِ والسَّعَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ كَيْفَ حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ مَعَ أنّا في الشِّدَّةِ والضِّيقِ والقِلَّةِ، والمُحَقِّقُونَ المُحِقُّونَ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو حَقُّ وصِدْقٌ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ إمّا بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ كَما نَقُولُ أوْ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ كَما يَقُولُ المُعْتَزِلَةُ انْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ صَدْرَ كَلامِهِ صَرِيحٌ في أنَّ الكُفّارَ مُعْتَرِفُونَ بِوُقُوعِ المَنِّ المُشارِ إلَيْهِمْ حاسِدُونَ لَهم عَلى وُقُوعِهِ وهو مُنافٍ لِتَنْظِيرِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ كانَ خَيْرًا ﴾ إلَخْ، وأيْضًا كَلامُهُ كالصَّرِيحِ في أنْ فَقُرّاءَ المُؤْمِنِينَ حَسَدُوا الكُفّارَ عَلى دُنْياهُمْ، واعْتَرَضُوا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالتَّرْفِيهِ عَلى أعْدائِهِ والتَّضْيِيقِ عَلى أحِبّائِهِ وذَلِكَ مِمّا يَجِلُّ عَنْهُ أدْنى المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ، وأيْضًا مُقابَلَةُ فُقَراءِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِالمُحَقِّقِينَ المُحِقِّينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم وحاشاهم لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ وهو بَدِيهِيُّ البَطَلانِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ المُحِقِّينَ فَتَدَبَّرْ واللّامُ ظاهِرَةٌ في التَّعْلِيلِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ (بِفَتَنّا) وما بَعْدَها عِلَّةٌ لَهُ، والسَّلَفُ كَما قالَ شَيْخُنا إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ وقاضِي القُضاةِ تَقِيُّ الدِّينِ مُحَمَّدٌ التَّنُوخِيُّ وغَيْرُهُما عَلى إثْباتِ العِلَّةِ لِأفْعالِهِ تَعالى اسْتِدْلالًا بِنَحْوِ عَشَرَةِ آلافِ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ، واحْتَجَّ النّافُونَ لِذَلِكَ بِوُجُوهِ رَدِّها الثّانِي في المُخْتَبَرِ، وذَكَرَ الأوَّلُ في مَسْلَكِ السَّدادِ ما يُعْلَمُ مِنهُ رَدُّها وهَذا بَحْثٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ وطُوِيَ بِساطُهُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي لامُ العاقِبَةِ ونُقِلَ عَنْ شَرْحِ المَقاصِدِ ما يَأْبى ذَلِكَ وهو لامُ العاقِبَةِ إنَّما تَكُونُ فِيما لا يَكُونُ لِلْفاعِلِ شُعُورٌ بِالتَّرَتُّبِ وقْتَ الفِعْلِ أوْ قَبْلَهُ فَيُفْعَلُ لِغَرَضٍ، ولا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ بَلْ ضِدُّهُ فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ فَعَلَ الفِعْلَ لِذَلِكَ الغَرَضِ الفاسِدِ تَنْبِيهًا عَلى خَطَئِهِ، ولا يُتَصَوَّرُ هَذا في كَلامِ عَلّامِ الغُيُوبِ بِالنَّظَرِ إلى أفْعالِهِ وإنْ وقَعَ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلى فِعْلِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ إذْ تَرَتُّبُ فَوائِدِ أفْعالِهِ تَعالى عَلَيْها مَبْنِيَّةٌ عَلى العِلْمِ التّامِّ، نَعَمْ أنَّ ابْنَ هِشامٍ وكَثِيرًا مِنَ النُّحاةِ لَمْ يَعْتَبِرُوا هَذا القَيْدَ وقالُوا: أنَّها لامٌ تَدُلُّ عَلى الصَّيْرُورَةِ والمَآلِ مُطْلَقًا فَيَجُوزُ أنْ تَقَعَ في كَلامِهِ تَعالى حِينَئِذٍ عَلى وجْهٍ لا فَسادَ فِيهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّها لِلتَّعْلِيلِ مُقابِلًا بِهِ احْتِمالَ العاقِبَةِ عَلى أنَّ فَتَنّا مُتَضَمِّنٌ مَعْنى خَذَلْنا أوْ عَلى أنَّ الفَتْنَ مُرادٌ بِهِ الخِذْلانُ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ واعْتُرِضَ بِأنَّ التَّعْلِيلَ هُنا لَيْسَ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ بِناءً عَلى أنَّ أفْعالَهُ تَعالى مُنَزَّهَةٌ عَنِ العِلَلِ فَيَكُونُ مَجازًا عَنْ مُجَرَّدِ التَّرَتُّبِ وهو في الحَقِيقَةِ مَعْنى لامِ العاقِبَةِ فَلا وجْهَ لِلْمُقابَلَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُما مُخْتَلِفانِ بِالِاعْتِبارِ فَإنِ اعْتُبِرَ تَشْبِيهُ التَّرْتِيبِ بِالتَّعْلِيلِ كانَتْ لامَ تَعْلِيلٍ، وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ كانَتْ لامَ عاقِبَةٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ العاقِبَةَ اسْتِعارَةٌ فَلا يَتِمُّ هَذا الفَرْقُ إلّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ، وعَلى خِلافِهِ يَحْتاجُ إلى فَرْقٍ آخَرَ، وقَدْ يُقالُ: في الفَرْقِ أنَّ في التَّعْلِيلِ المُقابِلِ لِلْعاقِبَةِ سَبَبِيَّةً واقْتِضاءً وفي العاقِبَةِ مُجَرَّدُ تُرَتِّبٍ وإفْضاءٍ وفي التَّعْلِيلِ الحَقِيقِيِّ يُعْتَبَرُ البَعْثُ عَلى الفِعْلِ، وهَذا هو مُرادُ مَن قالَ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لا تُعَلَّلُ وحِينَئِذٍ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ اللّامَ عَلى تَقْدِيرِ تَضْمِينِ فِتَنّا مَعْنى خَذَلْنا أوْ أنَّ الفَتْنَ مُرادٌ بِهِ الخِذْلانُ لِلتَّعْلِيلِ مَجازًا لِأنَّ هُناكَ تَسَبُّبًا واقْتِضاءً فَقَطْ مِن دُونِ بَعْثٍ وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ القَوْلِ بِالتَّضْمِينِ وإبْقاءِ اللَّفْظِ عَلى المُتَبادِرِ مِنهُ وهي لامُ العاقِبَةِ وهو تَعْلِيلٌ مَجازِيٌّ أيْضًا، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ إلّا التَّأدِّي فَإنَّ ابْتِلاءَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ مُؤَدٍّ لِلْحَسَدِ وهو مُؤَدٍّ إلى القَوْلِ المَذْكُورِ ولَيْسَ هُناكَ تَسَبُّبٌ ولا بَعْثَ أصْلًا، والحاصِلُ أنَّ كُلًّا مِنَ العاقِبَةِ والتَّعْلِيلِ المُقابِلِ لَها مَجازٌ عَنِ التَّعْلِيلِ الحَقِيقِيِّ إلّا أنَّ التَّعْلِيلَ المُقابِلَ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنَ العاقِبَةِ، ومَنشَأُ الأقْرَبِيَّةِ هو الفارِقُ والبَحْثُ بَعْدُ مُحْتاجٌ إلى تَأمُّلٍ فَتَأمَّلْ، وإذا فُتِحَ لَكَ فاشْكُرِ اللَّهَ سُبْحانَهُ ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ ﴾ 35 - رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ وإشارَةٌ إلى أنَّ مَدارَ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ الإنْعامِ مَعْرِفَةُ شَأْنِ النِّعْمَةِ والِاعْتِرافِ بِحَقِّ المُنْعِمِ.
والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ بِعِلْمِهِ البالِغِ بِذَلِكَ، والباءُ الأُولى سَيْفُ خَطِيبٍ والثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ (بِأعْلَمَ) ويَكْفِي أفْعَلُ العَمَلَ في مِثْلِهِ.
وفي الدُّرِّ المَصُونِ: العِلْمُ يَتَعَدّى بِالباءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإحاطَةِ وهو كَثِيرٌ في كَلامِ النّاسِ نَحْوَ عَلِمَ بِكَذا ولَهُ عِلْمٌ بِهِ، والمَعْنى: ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى عالِمًا عَلى أتَمِّ وجْهٍ مُحِيطًا عِلْمُهُ بِالشّاكِرِينَ لِنِعَمِهِ حَتّى يَسْتَبْعِدُوا إنْعامَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ أُولَئِكَ الضُّعَفاءَ عارِفُونَ بِحَقِّ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ والسَّبْقِ إلَيْهِ وغَيْرِ ذَلِكَ شاكِرُونَ عَلَيْهِ مَعَ التَّعْرِيضِ بِأنَّ القائِلِينَ القائِلِينَ في مَهامَةِ الضَّلالِ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
وَكَذلِكَ فَتَنَّا يقول: هكذا ابتلينا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ يعني: الشريف بالوضيع، والعربي بالمولى، والغني بالفقير لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا فلم يكن الاختبار لأجل أن يقولوا ذلك.
ولكن كان الاختبار سبباً لقولهم.
وهكذا قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: 8] فلم يأخذوه لأجل ذلك، ولكن كان أخذهم سبباً لذلك فكأنهم أخذوه لأجل ذلك، هاهنا ما كان الاختبار لأجل أن يقولوا هؤلاء منّ الله عليهم من بيننا لأنهم كانوا يقولون: لو كان خيرا ما سبقونا إليه.
ومعناه: ليظهر الذين يقولون: هؤلاء منّ الله عليهم من بيننا.
قال الله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ يعني: بالموحدين منكم من غيرهم.
قال الكلبي: فلما نزلت هذه الآية جاء عمر- - فاعتذر.
فنزلت هذه الآية: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا يعني عمر فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ يعني: قبلتُ توبتكم.
ويقال: قبل الله عذركم.
ويقال: المعنى وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا يعني: الضعفة من المسلمين، فابتدئ بالسلام.
وقل: سلام عليكم كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ يعني: أوجب الرحمة وقبول التوبة أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ يعني: من ركب معصية وهو جاهل بركوبها، وإن كان يعلم أنها معصية ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ بعد السوء وَأَصْلَحَ العمل فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ غفور يعني: متجاوز للذنوب رحيم حين قبل التوبة، ويقال: معناه: من عمل منكم سوءاً ثم تاب يغفر له، فكيف من كان قصده الخير فهو أولى بالرحمة.
وروى سفيان عن مجمع عن ماهان الحنفي قال: جاء قوم إلى النبيّ قد أصابوا ذنوباً عظاماً فأعرض عنهم رسول الله فنزل: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قرأ عاصم وابن عامر أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ: بنصب الألف.
فإنه غفور بالنصب على معنى البناء ومعناه: كتب أَنَّهُ وقرأ نافع: أَنَّهُ بالنصب على معنى البناء فَإِنَّهُ بالكسر على معنى الابتداء.
وقرأ الباقون: كلاهما بالكسر على معنى الابتداء.
ثم قال: <div class="verse-tafsir"
قال الحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: بَغْتَةً لَيْلاً، وجَهْرَةً»
: نهارا.
وقال مجاهد: بَغْتَةً فجاءة آمنين.
وجَهْرَةً: وهم ينظرون «٢» .
قال أبو حَيَّان «٣» : هَلْ يُهْلَكُ؟
«هل» حَرْفُ استفهام، معناه هنا النَّفْيُ، أي: ما يهلك ولذلك دخَلَتْ «إلاَّ» على ما بعدها.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ، أي: إلاَّ ليبشِّروا بإنعامنا وَرَحْمَتِنَا مَنْ آمن، ومُنْذِرِينَ بعذابنا وعِقَابنا مَنْ كَذَّب وكَفَر، قال أبو حَيَّان: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ:
حالٌ فيها معنَى العِلِّيَّة، أي: أرسلناهم للتبشير والإنذار.
انتهى.
ثم وَعَدَ سبحانَهُ مَنْ سلَكَ طريقَ البِشَارة، فآمَنَ وأصْلَح في امتثال الطاعةِ، وأوعد الآخرين.
قُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)
وقوله تعالى: قُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ...
الآية: هذا مِنَ الرَّدِّ على القائلين: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ [الأنعام: ٣٧] والطَّالِبِينَ أنْ ينزَّل ملَكٌ، أو تكونَ له جَنَّةٌ أو كَنْزٌ، ونَحْوُ هَذَا، والمعنى: إنما أنا بشر، وإنما أَتَّبِعُ ما يوحى إليَّ، وهو القرآنُ وسَائِرُ ما يأتيه مِنَ اللَّه سبحانه، أي: وفي ذلك عِبَرٌ وآياتٌ لمن تأمَّل.
وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، أي: هل يستوي المؤمِنُ المُفَكِّرُ في الآياتِ، معِ الكافِرِ المُعْرِضِ عَنِ النَّظَر أفلا تتفكَّرون، وجاء الأمر بالفِكْرة في عبارة العرض والتّحضيض/.
وقوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ، أي: وأنذر بالقرآن الذين هُمْ مَظِنَّةُ الإيمان، وأهْلٌ للاِنتفاعِ، والضميرُ في بِهِ عائدٌ على ما يوحى.
وقوله سبحانه: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ: إخبارٌ من اللَّه سبحانه عَنْ صفة الحالِ يَوْمَ الحَشْرِ، قال الفَخْر «١» : قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: قال ابن عَبَّاس: معناه:
وأنذرهم لكَيْ يخافوا في الدنيا، وينتهوا عن الكُفْر والمعاصِي.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: المرادُ ب الَّذِينَ ضَعَفَةَ المُؤْمنين في ذلك الوَقْت في أمور الدُّنْيا كَبَلاَلٍ.
وصُهَيْبٍ، وعَمَّارٍ، وَخَبَّابٍ «٢» ، وصُبَيْحٍ، وذي الشِّمَالَيْنِ والمِقْدَادِ، ونحوِهِمْ، وسببُ الآية أنَّ بعض أشراف الكفّار قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: نَحْنُ لِشَرَفِنَا وأقْدَارِنَا لاَ يُمْكِنُنَا أنْ نختلطَ بهؤلاءِ، فلو طَرَدْتَّهم، لأتَّبَعْنَاكَ، وَرَدَ في ذلك حديثٌ عن ابْنِ مسعود، وظاهر الأمر أنهم أرادوا بذلك الخديعة، فنزلت الآية، ويَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: قال الحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن «٣» : المراد به صلاةُ مكَّة الَّتي كانَتْ مرَّتين في اليومِ بُكْرةً وعَشِيًّا، وقيل: قوله: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: عبارةٌ عن استمرار الفعْلِ، وأنَّ الزمان معمورٌ به، والمرادُ على هذا التأويل، قيل: الصلواتُ الخَمْس قاله ابنُ عَبَّاس وغيره «٤» ، وقيل: الدُّعاء، وذِكْرُ اللَّه، واللفظةُ على وجهها، وقيل: القُرآنُ وتعلُّمه قاله أبو جعفر «٥» ، وقيل: العبادة قاله الضّحّاك «٦» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ المَعْنى: وكَما ابْتَلَيْنا قَبْلَكَ الغَنِيَّ بِالفَقِيرِ، ابْتَلَيْنا أيْضًا بَعْضَهم بِبَعْضٍ.
"وَفَتَنّا" بِمَعْنى: ابْتَلَيْنا واخْتَبَرْنا؛ "لِيَقُولُوا"، يَعْنِي الكُبَراءَ "أهَؤُلاءِ" يَعْنُونَ الفُقَراءَ والضُّعَفاءَ ﴿ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ بِالهُدى؟
وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، كَأنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَكُونُوا سَبَقُوهم بِفَضِيلَةٍ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: ابْتَلى اللَّهُ الرُّؤَساءَ بِالمَوالِي، فَإذا نَظَرَ الشَّرِيفُ إلى الوَضِيعِ قَدْ آَمَنَ قَبْلَهُ، أنِفَ أنْ يُسْلِمَ، ويَقُولُ: سَبَقَنِي هَذا؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ ﴾ أيْ: بِالَّذِينِ يَشْكُرُونَ نِعْمَتَهُ إذا مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ.
والمَعْنى: إنَّما يَهْدِي اللَّهُ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ يَشْكُرُ.
والِاسْتِفْهامُ في "ألَيْسَ"، مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، أيْ: إنَّهُ كَذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِن الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مَنَّ بَيْنِنا ألَيْسَ اللهُ بِأعْلَمَ بِالشاكِرِينَ ﴾ اَلْمُرادُ بَـ "اَلَّذِينَ"؛ ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ؛ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ في أُمُورِ الدُنْيا: بِلالٌ ؛ وعَمّارٌ ؛ وابْنُ أُمِّ عَبْدٍ؛ ومَرْثَدٌ الغَنَوِيُّ؛ وخَبّابٌ ؛ وصُهَيْبٌ ؛ وصُبَيْحٌ؛ وذُو الشِمالَيْنِ؛ والمِقْدادُ ؛ ونَحْوُهم.
وسَبَبُ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ قالَ بَعْضُهم لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "نَحْنُ لِشَرَفِنا؛ وأقْدارِنا؛ لا يُمْكِنُنا أنْ نَخْتَلِطَ بِهَؤُلاءِ؛ فَلَوْ طَرَدْتَهم لاتَّبَعْناكَ؛ وجالَسْناكَ"؛ ورَدَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وقِيلَ: إنَّما قالَ هَذِهِ المَقالَةَ أبُو طالِبٍ؛ عَلى جِهَةِ النُصْحِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ لَهُ: "لَوْ أزَلْتَ هَؤُلاءِ لاتَّبَعَكَ أشْرافُ قَوْمِكَ"؛ ورُوِيَ أنَّ مَلَأ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا إلى أبِي طالِبٍ في ذَلِكَ؛ وظاهِرُ الأمْرِ أنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ الخَدِيعَةَ؛ فَصَوَّبَ هَذا الرَأْيَ مِن أبِي طالِبٍ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وغَيْرُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: إنَّ بَعْضَ الكُفّارِ إنَّما طَلَبَ أنْ يُؤَخَّرَ هَؤُلاءِ عَنِ الصَفِّ الأوَّلِ في الصَلاةِ؛ ويَكُونُوا هم مَوْضِعَهُمْ؛ ويُؤْمِنُوا إذا طَرَدَ هَؤُلاءِ مِنَ الصَفِّ الأوَّلِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ أسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ «أنَّ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ؛ ومَن شابَهَهُ مِن أشْرافِ العَرَبِ؛ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اِجْعَلْ لَنا مِنكَ مَجْلِسًا لا يُخالِطُنا فِيهِ العُبُدُ؛ والحُلَفاءُ؛ واكْتُبْ لَنا كِتابًا"؛ فَهَمَّ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ في نُزُولِ الآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ؛ وهَؤُلاءِ الأشْرافُ لَمْ يَفِدُوا إلّا في المَدِينَةِ؛ وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ هَذا القَوْلُ مِنهُمْ؛ ولَكِنَّهُ إنْ كانَ وقَعَ فَبَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِمُدَّةٍ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً؛ قالَ خَبّابٌ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ فَكُنّا نَأْتِي فَيَقُولُ لَنا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "سَلامٌ عَلَيْكُمْ"؛ ونَقْعُدُ مَعَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَإذا أرادَ أنْ يَقُومَ قامَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَرَكَنا؛ فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ فَكانَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقْعُدُ مَعَنا؛ فَإذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قُمْنا وتَرَكْناهُ حَتّى يَقُومَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
و ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ ؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اَلْمُرادُ بِهِ صَلاةُ مَكَّةَ؛ الَّتِي كانَتْ مَرَّتَيْنِ في اليَوْمِ؛ بُكْرَةً؛ وعَشِيًّا؛ وقِيلَ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿ بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ ؛ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ؛ وأنَّ الزَمَنَ مَعْمُورٌ بِهِ؛ كَما تَقُولُ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا"؛ فَإنَّما تُرِيدُ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ وقْتٍ"؛ والمُرادُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - قِيلَ: هو الصَلَواتُ الخَمْسُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وإبْراهِيمُ؛ وقِيلَ: اَلدُّعاءُ؛ وذِكْرُ اللهِ تَعالى ؛ واللَفْظَةُ عَلى وجْهِها؛ وقالَ بَعْضُ القُصّاصِ: إنَّهُ الِاجْتِماعُ إلَيْهِمْ غُدْوَةً وعَشِيًّا؛ فَأنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيِّبِ ؛ وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي عَمْرَةَ؛ وغَيْرُهُما؛ وقالُوا: إنَّما الآيَةُ في الصَلَواتِ في الجَماعَةِ؛ وقِيلَ: قِراءَةُ القُرْآنِ؛ وتَعَلُّمُهُ؛ قالَ أبُو جَعْفَرٍ: ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ ؛ وقِيلَ: اَلْعِبادَةُ؛ قالَهُ الضَحّاكُ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ ؛ والحَسَنُ ؛ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "بِالغُدْوَةِ والعَشِيِّ"؛ ورُوِيَ عن أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ: "بِالغُدُوِّ"؛ بِغَيْرِ تاءٍ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِالغُدُواتِ والعَشِيّاتِ"؛ بِألِفٍ فِيهِما؛ عَلى الجَمْعِ؛ و"غُدْوَةٌ": مَعْرِفَةٌ؛ لِأنَّها جُعِلَتْ عَلَمًا لِوَقْتٍ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ؛ وجازَ إدْخالُ الألِفِ واللامِ عَلَيْها؛ كَما حَكى أبُو زَيْدٍ: "لَقِيتُهُ فَيْنَةَ"؛ غَيْرَ مَصْرُوفٍ؛ و"اَلْفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةِ"؛ فَألْحَقُوا لامَ المَعْرِفَةِ ما اسْتُعْمِلَ مَعْرِفَةً؛ وحَمْلًا عَلى ما حَكاهُ الخَلِيلُ أنَّهُ يُقالُ: "لَقِيتُهُ اليَوْمَ غَدْوَةً"؛ مُنَوَّنًا؛ ولِأنَّ فِيها مَعَ تَعْيِينِ اليَوْمِ إمْكانُ تَقْدِيرِ مَعْنى الشَياعِ؛ ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.
و"وَجْهَهُ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ مَعْناهُ: جِهَةَ التَزَلُّفِ إلَيْهِ؛ كَما تَقُولُ: "خَرَجَ فُلانٌ في وجْهِ كَذا"؛ أيْ: "فِي مَقْصِدٍ؛ وجِهَةٍ".
و ﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ ؛ مَعْناهُ: لَمْ تُكَلَّفْ شَيْئًا غَيْرَ دُعائِهِمْ؛ فَتُقَدِّمَ أنْتَ وتُؤَخِّرَ؛ ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "حِسابِهِمْ"؛ و"عَلَيْهِمْ"؛ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ أرادُوا طَرْدَ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: "ما عَلَيْكَ مِنهُمْ؛ آمَنُوا أو كَفَرُوا؛ فَتَطْرُدَ هَؤُلاءِ رَعْيًا لِذَلِكَ"؛ والضَمِيرُ في "فَتَطْرُدَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى الضَعَفَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ما بَعْدَ الفاءِ - أبَدًا - سَبَبُ ما قَبْلَها؛ وذَلِكَ لا يَبِينُ إذا كانَتِ الضَمائِرُ كُلُّها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ الحِسابَ؛ هُنا؛ إنَّما هو في رِزْقِ الدُنْيا؛ أيْ: "لا تَرْزُقُهُمْ؛ ولا يَرْزُقُونَكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَعَلى هَذا تَجِيءُ الضَمائِرُ كُلُّها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ؛ وذَكَرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ مِن حِسابِ عَمَلِهِمْ؛ كَما قالَ الجُمْهُورُ؛ و"مِن"؛ اَلْأُولى لِلتَّبْعِيضِ؛ والثانِيَةُ زائِدَةٌ؛ مُؤَكِّدَةٌ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "فَتَطْرُدَهُمْ"؛ ﴾ جَوابُ النَفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ "ما عَلَيْكَ"؛ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ "فَتَكُونَ"؛ ﴾ جَوابُ النَهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ "وَلا تَطْرُدِ"؛ ﴾ و ﴿ "مِنَ الظالِمِينَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "اَلَّذِينَ يَضَعُونَ الشَيْءَ غَيْرَ مَواضِعِهِ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "فَتَنّا"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ مَعْناهُ: اِبْتَلَيْنا؛ فابْتِلاءُ المُؤْمِنِينَ بِالمُشْرِكِينَ هو ما يَلْقَوْنَ مِنهم مِنَ الأذى؛ وابْتِلاءُ المُشْرِكِينَ بِالمُؤْمِنِينَ هو أنْ يَرى الرَجُلُ الشَرِيفُ مِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمًا لا شَرَفَ لَهم قَدْ عَظَّمَهم هَذا الدِينُ؛ وجَعَلَ لَهم عِنْدَ نَبِيِّهِ قَدْرًا ومَنزِلَةً؛ والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ"؛ إلى ما ذُكِرَ مِن طَلَبِهِمْ أنْ يَطْرُدَ الضَعَفَةَ؛ و"لِيَقُولُوا"؛ مَعْناهُ: "لِيَصِيرَ بِحُكْمِ القَدَرِ أمْرُهم إلى أنْ يَقُولُوا..."؛ فَهي لامُ الصَيْرُورَةِ؛ كَما قالَ تَعالى ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ ؛ أيْ: لِيَصِيرَ مِثالُهُ أنْ يَكُونَ لَهم عَدُوًّا؛ وقَوْلُ المُشْرِكِينَ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ -: ﴿ أهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مَنَّ بَيْنِنا ﴾ ؛ هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ والهَزْءِ؛ ويَحْتَمِلُ الكَلامُ مَعْنًى آخَرَ؛ وهو أنْ تَكُونَ اللامُ في "لِيَقُولُوا"؛ عَلى بابِها في لامِ "كَيْ"؛ وتَكُونَ المَقالَةُ مِنهُمُ اسْتِفْهامًا لِأنْفُسِهِمْ؛ ومُباحَثَةً لَها؛ وتَكُونَ سَبَبَ إيمانِ مَن سَبَقَ إيمانُهُ مِنهُمْ؛ فَمَعْنى الآيَةِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ -: "وَكَذَلِكَ ابْتَلَيْنا أشْرافَ الكُفّارِ بِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ؛ لِيَتَعَجَّبُوا في نُفُوسِهِمْ مِن ذَلِكَ؛ ويَكُونَ سَبَبَ نَظَرٍ لِمَن هُدِيَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أسْبَقُ؛ والثانِي يُتَخَرَّجُ؛ و"مَنَّ"؛ عَلى كِلا التَأْوِيلَيْنِ إنَّما هي عَلى مُعْتَقَدِ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: "هَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ؛ بِزَعْمِهِمْ أنَّ دِينَهم مِنَّةٌ".
وقَوْلُهُ: ﴿ ألَيْسَ اللهُ بِأعْلَمَ بِالشاكِرِينَ ﴾ ؛ أيْ: "يا أيُّها المُسْتَخِفُّونَ - أوِ المُتَعَجِّبُونَ؛ عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ - لَيْسَ الأمْرُ أمْرَ اسْتِخْفافٍ؛ ولا تَعَجُّبٍ؛ فاللهُ تَعالى أعْلَمُ بِمَن يَشْكُرُ نِعْمَتَهُ؛ وبِالمَواضِعِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُوضَعَ فِيها؛ فَجاءَ إعْلامُهم بِذَلِكَ في لَفْظِ التَقْدِيرِ؛ إذْ ذَلِكَ بَيِّنٌ؛ لا تُمْكِنُهم فِيهِ مُعانَدَةٌ".
<div class="verse-tafsir"
الواو استئنافية كما هي في نظائره.
والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّ السامع لمَّا شعر بقصّة أومأ إليها قوله تعالى: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربَّهم ﴾ [الأنعام: 52] الآية يأخذه العجب من كبرياء عظماء أهل الشرك وكيف يرضَوْن البقاء في ضلالة تكبّراً عن غشيَان مجلس فيه ضعفاء الناس من الصالحين، فأجيب بأنّ هذا الخلق العجيب فتنة لهم خلقها الله في نفوسهم بسوء خلُقهم.
وقعت هذه الجملة اعتراضاً بين الجملتين المتعاطفتين تعجيلاً للبيان، وقرنت بالواو للتنبيه على الاعتراض، وهي الواو الاعتراضية، وتسمَّى الاستئنافية؛ فبيَّن الله أنّ داعيهم إلى طلب طردهم هو احتقار في حسد؛ والحسد يكون أعظم ما يكون إذا كان الحاسد يرى نفسه أولى بالنعمة المحسود عليها، فكان ذلك الداعي فتنة عظيمة في نفوس المشركين إذ جمعتْ كبراً وعُجباً وغروراً بما ليس فيهم إلى احتقار للأفاضل وحسد لهم، وظلم لأصحاب الحق، وإذ حالت بينهم وبين الإيمان والانتفاع بالقرب من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم والتشبيه مقصود منه التعجيب من المشبّه بأنَّه بلغ الغاية في العجب.
واسم الإشارة عائد إلى الفتون المأخوذ من «فتنّا» كما يعود الضمير على المصدر في نحو ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ ، أي فتنّا بعضهم ببعض فتوناً يرغب السامع في تشبيهه وتمثيله لتقريب كنهه فإذا رام المتكلّم أن يقرّبه له بطريقة التشبيه لم يجد له شبيهاً في غرائبه وفظاعته إلاّ أن يشبّهه بنفسه إذ لا أعجب منه، على حدّ قولهم: والسفاعة كاسمها.
وليس ثمّة إشارة إلى شيء متقدّم مغاير للمشبّه.
وجيء باسم إشارة البعيد للدلالة على عظم المشار إليه.
وقد تقدّم تفصيل مثل هذا التشبيه عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً ﴾ في سورة [البقرة: 143].
والمراد بالبعض المنصوب المشركون فهم المفتونون، وبالبعض المجرور بالباء المؤمنون، أي فتنَّا عظماءَ المشركين في استمرار شركهم وشِرْك مقلِّديهم بحال الفقراء من المؤمنين الخالصين كما دلّ عليه قوله: ﴿ لِيَقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ﴾ [الأنعام: 53] فإنّ ذلك لا يقوله غير المشركين، وكما يؤيِّده قوله تعالى في تذييله ﴿ أليس الله بأعلمَ بالشاكرين ﴾ .
والقول يحتمل أن يكون قولاً منهم في أنفسهم أو كلاماً قالوه في مَلئهم.
وأيّاً ما كان فهم لا يقولونه إلاّ وقد اعتقدوا مضمونه، فالقائلون ﴿ أهؤلاء مَنّ الله عليهم ﴾ هم المشركون.
واللام في قوله: ﴿ ليقولوا ﴾ لام التعليل، ومدخولها هو أثرُ العلّة دالّ عليها بعد طيِّها على طريقة الإيجاز.
والتقدير: فتنَّاهم ليَرَوْا لأنفسهم شفوفاً واستحقاقاً للتقدّم في الفضائل اغتراراً بحال الترفّه فيعجبوا كيف يُدعى أنّ الله يمنّ بالهدى والفضل على ناس يرونهم أحطّ منهم، وكيف يُعَدّونهم دونَهم عند الله، وهذا من الغرور والعُجب الكاذب.
ونظيره في طيّ العلَّة والاقتصار على ذكر أثرها قول إياس بن قبيصة الطائي: وأقدمتُ والخَطِّيُّ يَخطِرُ بَيْنَنَا *** لأعْلَمَ مَنْ جَبَانُهَا من شُجاعها أي ليظهر الجَبَان والشجاع فأعلَمَهُمَا.
والاستفهام مستعمل في التعجّب والإنكار، كما هو في قوله ﴿ أألقي الذكرُ عليه من بيننا ﴾ [القمر: 25].
والإشارة مستعملة في التحقير أو التعجيب كما هي في قوله تعالى حكاية عن قول المشركين ﴿ أهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ في سورة [الأنبياء: 36].
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لقصد تقوية الخبر.
وقولهم: مَنّ الله عليهم } قالوه على سبيل التهكّم ومجاراة الخصم، أي حيث اعتقد المؤمنون أنّ الله منّ عليهم بمعرفة الحق وحَرم صناديد قريش، فلذلك تعجَّب أولئك من هذا الاعتقاد، أي كيف يُظنّ أنّ الله يمنّ على فقراء وعبيد ويترك سادة أهل الوادي.
وهذا كما حكى الله عنهم ﴿ وقالوا لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31].
وهذه شنشنة معروفة من المستكبرين والطغاة.
وقد حدث بالمدينة مثل هذا.
روى البخاري أنّ الأقرع بن حابس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّما بايعَك سُرّاقُ الحجيج مِنْ أسْلَمَ وغِفار ومُزَيْنَة وجُهَيْنَة فقال له رسول الله: أرأيْتَ إنْ كانت أسْلَمُ وغِفَارُ ومزينةُ وجهينةُ خيراً من بني تميم وبني عامر وأسد وغطفانُ أخابوا وخسروا (أي أخاب بنو تميم ومن عُطف عليهم) فقال: نعم قال: فَوالذي نفسي بيده إنّهم لَخير منهم.
وفي الآية معنى آخر، وهو أن يكون القول مضمراً في النفس، وضميرُ ﴿ ليقولوا ﴾ عائداً إلى المؤمنين الفقراء، فيكونوا هم البعض المفتونين، ويكون البعض المجرور بالباء صادقاً على أهل النعمة من المشركين، وتكون إشارة ﴿ هؤلاء ﴾ راجعة إلى عظماء المشركين ويكون المراد بالمَنّ إعطاء المال وحُسْن حال العيش، ويكون الاستفهام مستعملاً في التحيّر على سبيل الكناية، والإشارةُ إلى المشركين معتبر فيها ما عرفوا به من الإشراك وسوء الاعتقاد في الله.
والمعنى: وكذلك الفتوننِ الواقع لِعظماء المشركين، وهو فتون الإعجاب والكبرياء حين ترفّعوا عن الدخول فيما دخل فيه الضعفاء والعبيد من تصديق محمد صلى الله عليه وسلم وصحبته استكباراً عن مساواتهم، كذلك كان فتون بعض آخر وهم بعض المؤمنين حين يشاهدون طيب عيش عظماء المشركين في الدنيا مع إشراكهم بربِّهم فيعجبون كيف منّ الله بالرزق الواسع على من يكفرون به ولم يمُنّ بذلك على أوليائه وهم أولى بنعمة ربِّهم.
وقد أعرض القرآن عن التصريح بفساد هذا الخاطر النفساني اكتفاء بأنَّه سمَّاه فتنة، فعلم أنّه خاطر غير حقّ، وبأنّ قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ مشير إلى إبطال هذه الشبهة.
ذلك بأنَّها شبهة خلطت أمر شيئين متفارقين في الأسباب، فاشتبه عليهم الجزاء على الإيمان وما أعدّ الله لأهله من النعيم الخالد في الآخرة، المترتِّب عليه ترتّب المسبّب على السبب المجعول عن حكمة الله تعالى، بالرزق في الدنيا المترتِّب على أسباب دنيوية كالتجارة والغزو والإرث والهبات.
فالرزق الدنيوي لا تسبّب بينه وبين الأحوال القلبية ولكنّه من مسبّبات الأحوال الماديَّة فالله أعلم بشكر الشاكرين، وقد أعدّ لهم جزاء شكرهم، وأعلمُ بأسباب رزق المرزوقين المحْظوظين.
فالتخليط بين المقامين من ضعف الفكر العارض للخواطر البشرية والناشئ عن سوء النظر وترك التأمّل في الحقائق وفي العلل ومعلولاتها.
وكثيراً ما عرضت للمسلمين وغيرهم شُبه وأغلاط في هذا المعنى صرفتهم عن تطلّب الأشياء من مظانّها وقعدت بهم عن رفْو أخْلالهم في الحياة الدنيا أو غرّتْهُم بالتفريط فيما يجب الاستعداد له كل ذلك للتخليط بين الأحوال الدينية الأخروية وبين السنن الكونية الدنيوية، كما عرض لابن الراوندي من حيرة الجهل في قوله: كَمْ عالممٍ عَالم أعْيَتْ مذاهبُه *** وجَاهللٍ جاهللٍ تلقّاه مرزوقاً هَذا الذي ترك الأوْهَامَ حائِرَةً *** وصَيَّرَ العالم النِّحْرير زنديقاً ولا شكّ أنّ الذين استمعوا القرآن ممّن أنزل عليه صلى الله عليه وسلم قد اهتدوا واستفاقوا، فمن أجل ذلك تأهَّلوا لامتلاك العالم ولاَقُوا.
و ﴿ مِنْ ﴾ في قوله ﴿ مِنْ بيننا ﴾ ابتدائية.
و(بين) ظرف يدلّ على التوسّط، أي مَنّ الله عليهم مختاراً لهم من وسطنا، أي منّ عليهم وتركنا، فيؤول إلى معنى من دوننا.
وقوله: ﴿ أليس الله بأعلمَ بالشاكرين ﴾ تذييل للجملة كلّها، فهو من كلام الله تعالى وليس من مقول القول، ولذلك فصل.
والاستفهام تقريري.
وعديّ ﴿ أعلَمَ ﴾ بالباء لأنَّه بصيغة التفضيل صار قاصراً.
والمعنى أنّ الله أعلم بالشاكرين من عباده فلذلك منّ على الذين أشاروا إليه بقولهم: ﴿ أهؤلاء مَنّ الله عليهم ﴾ بمنَّة الإيمان والتوفيق.
ومعنى علمه تعالى بالشاكرين أنَّه أعلم بالذين جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مستجيبين لدعوته بقريحة طالبين النجاة من الكفر راغبين في حسن العاقبة، فهو يلطف بهم ويسهِّل لهم الإيمان ويحبِّبه إليهم ويزيّنه في قلوبهم ويزيدهم يوماً فيوماً تمكّناً منه وتوفيقاً وصلاحاً، فهو أعلم بقلوبهم وصدقهم من الناس الذين يحسبون أنّ رثاثة حال بعض المؤمنين تطابق حالة قلوبهم في الإيمان فيأخذون الناس ببزّاتهم دون نيَّاتهم.
فهذا التذييل ناظر إلى قوله: ﴿ إنّما يستجيب الذين يسمعون ﴾ [الأنعام: 36].
وقد عُلم من قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ أنَّه أيضاً أعلم بأضدادهم.
ضدّ الشكر هو الكفر، كما قال تعالى: ﴿ لئن شكرتم لأزيدنَّكم ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد ﴾ [إبراهيم: 7] فهو أعلم بالذين يأتون الرسول عليه الصلاة والسلام مستهزئين متكبِّرين لا هَمّ لهم إلاّ تحقير الإسلام والمسلمين، وقد استفرغوا وسعهم ولبّهم في مجادلة الرسول صلى الله عليه وسلم وتضليل الدهماء في حقيقة الدين.
ففي الكلام تعريض بالمشركين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الرِّزْقُ، أيْ لا أقْدِرُ عَلى إغْناءِ فَقِيرٍ، ولا إفْقارِ غَنِيٍّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: مَفاتِيحُ خَزائِنِ العَذابِ لِأنَّهُ خَوَّفَهم مِنهُ، فَقالُوا مَتى يَكُونُ هَذا؟
قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عِلْمُ الغَيْبِ في نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ مَتى يَكُونُ؟
قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: عِلْمُ جَمِيعِ ما غابَ مِن ماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ، إلّا أنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ أوْ مَن أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عِلْمِهِ مِن أنْبِيائِهِ، وأمّا الماضِي فَقَدْ يَعْلَمُهُ المَخْلُوقُونَ مَن أحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا مِن مُعايَنَةٍ أوْ خَبَرٍ، فَإنْ كانَ الإخْبارُ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ، فَهو مِن آياتِ اللَّهِ المُعْجِزَةِ، وإنْ كانَ عَنْ ماضٍ فَإنْ عَلِمَ بِهِ غَيْرُ المُخْبِرِ والمُخْبَرُ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا، وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أحَدٌ وعَلِمَ بِهِ المُخْبِرُ وحْدَهُ كانَ مُعْجِزًا، فَنَفى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ عِلْمَ الغَيْبِ، لِأنَّهُ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، وإنَّ ما أخْبَرَ بِهِ مِن غَيْبٍ فَهو عَنِ اللَّهِ ووَحْيِهِ.
﴿ وَلا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ما يَعْجِزُ عَنْهُ العِبادُ، وإنْ قَدَرَتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، لِيَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ غُلُوَّ النَّصارى في المَسِيحِ وقَوْلَهُمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.
ثُمَّ في نَفْيِهِ أنْ يَكُونَ مَلَكًا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَيَّنَ بِذَلِكَ فَضْلَ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، لِأنَّهُ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَنزِلَةً لَيْسَتْ لَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ إنِّي لَسْتُ مَلَكًا في السَّماءِ، فَأعْلَمُ غَيْبَ السَّماءِ الَّذِي تُشاهِدُهُ المَلائِكَةُ ويَغِيبُ عَنِ البَشَرِ، وإنْ كانَ الأنْبِياءُ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ غَيْبِهِمْ عَمّا تُشاهِدُهُ المَلائِكَةُ.
﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ أُخْبِرَكم إلّا بِما أخْبَرَنِي اللَّهُ بِهِ.
والثّانِي: أنْ أفْعَلَ إلّا ما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ.
﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الجاهِلُ والعالِمُ.
والثّانِي: الكافِرُ والمُؤْمِنُ.
﴿ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِيما ضَرَبَهُ اللَّهُ مِن مَثَلِ الأعْمى والبَصِيرِ.
الثّانِي: فِيما بَيَّنَهُ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ رُوِيَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ المَلَأ مِن قُرَيْشٍ أتَوُا النَّبِيَّ وعِنْدَهُ جَماعَةٌ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ مِثْلَ بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ اطْرُدْ عَنّا مَوالِيَنا وحُلَفاءَنا فَإنَّما هم عَبِيدُنا وعُتَقاؤُنا، فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم نَتْبَعُكَ، فَقالَ عُمَرُ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ حَتّى نَعْلَمَ ما الَّذِي يُرِيدُونَ وإلامَ يَصِيرُونَ، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِكَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وَنَزَلَ في المَلَإ مِن قُرَيْشٍ ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ الآيَةَ، فَأقْبَلَ عُمَرُ فاعْتَذَرَ مِن مَقالَتِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ الآيَةَ.
» وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.
والثّالِثُ: تَعْظِيمُ القُرْآنِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ عِبادَةُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُونَ بِدُعائِهِمْ، لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ وجْهَ الشَّيْءِ إرادَةً لَهُ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هَذا وجْهُ الصَّوابِ تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا.
والثّانِي: مَعْناهُ يُرِيدُونَ طاعَتَهُ لِقَصْدِهِمُ الوَجْهَ الَّذِي وجَّهَهم إلَيْهِ.
﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَعْنِي ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.
﴿ وَما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ يَعْنِي وما مِن حِسابِ عَمَلِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مُؤاخَذٌ بِحِسابِ عَمَلِهِ دُونَ غَيْرُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: مَعْناهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ رِزْقِهِمْ وفَقْرِهِمْ مِن شَيْءٍ.
والثّالِثُ: ما عَلَيْكَ كِفايَتُهم ولا عَلَيْهِمْ كِفايَتُكَ، والحِسابُ الكِفايَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَطاءً حِسابًا ﴾ أيْ تامًّا كافِيًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ يَعْنِي لِاخْتِلافِهِمْ في الأرْزاقِ، والأخْلاقِ، والأحْوالِ.
وَفي إفْتانِ اللَّهِ تَعالى لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ابْتِلاؤُهم واخْتِبارُهم لِيَخْتَبِرَ بِهِ شُكْرَ الأغْنِياءِ وصَبْرَ الفُقَراءِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: تَكْلِيفُ ما يَشُقُّ عَلى النَّفْسِ مَعَ قُدْرَتِها عَلَيْهِ.
﴿ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ﴾ وهَذا قَوْلُ المَلَإ مِن قُرَيْشٍ لِلضُّعَفاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللُّطْفِ في إيمانِهِمْ.
والثّانِي: ما ذَكَرَهُ مِن شُكْرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ﴾ يَعْنِي بِهِ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ وما كانَ مِن شَأْنِ عُمَرَ.
﴿ فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ مِن نَفْسِهِ تَكْرِمَةً لَهم، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
وَفي السَّلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمَعَ السَّلامَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ السَّلامُ هو اللَّهُ ومَعْناهُ ذُو السَّلامِ.
﴿ كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أوْجَبَ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ.
والثّانِي: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عَلى نَفْسِهِ.
وَ ﴿ الرَّحْمَةَ ﴾ يَحْتَمِلُ المُرادُ بِها هُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: المَعُونَةُ.
والثّانِي: العَفْوُ.
﴿ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ﴾ في الجَهالَةِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الخَطِيئَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: ما جُهِلَ كَراهِيَةُ عاقِبَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: أنَّ الجَهالَةَ هُنا ارْتِكابُ الشُّبْهَةِ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ.
﴿ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ ﴾ يَعْنِي تابَ مِن عَمَلِهِ الماضِي وأصْلَحَ في المُسْتَقْبَلِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن مسعود قال: مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب، وعمار، وبلال، وخباب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك منّ الله عليهم من بيننا، أو نحن نكون تبعاً لهؤلاء؟
أطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك.
فأنزل فيهم القرآن ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ إلى قوله: ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ .
وأخرج أبن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال مشى عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وقرظة بن عبد، عمر، وابن نوفل، والحارث بن عامر بن نوفل، ومطعم بن عدي بن الخيار بن نوفل، في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد فانهم عبيدنا وعسفاؤنا كان أعظم له في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه، فذكر ذلك أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب: لو فلعت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم وما يصيرون إليه من أمرهم، فأنزل الله: ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ إلى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ قالوا: وكانوا بلالاً، وعمار بن ياسر، وسالماً مولى أبي حذيفة، وصبحاً مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمر، وذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد، وأشباههم ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا ﴾ الآية.
فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مقالته، فأنزل الله: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وأبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن خباب قال «جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال، وصهيب، وعمار، وخباب، في أناس ضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به، فقالوا: انا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب ستأتيك فنستحي أن ترانا العرب قعوداً مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت.
قال: نعم.
قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً، فدعا بالصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الآية ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى قوله: ﴿ فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعا فأتيناه وهو يقول ﴿ سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه...
﴾ [ الكهف: 28] الآية.
قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، تركناه حتى يقوم» .
وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن عمر بن عبد الله بن المهاجر مولى غفرة، أنه قال في أسطوان التوبة: كان أكثر نافلة النبي صلى الله عليه وسلم إليها، وكان إذا صلى الصبح انصرف إليها وقد سبق إليها الضعفاء، والمساكين، وأهل الضر، وضيفان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤلفة قلوبهم، ومن لا مبيت له إلا المسجد.
قال: وقد تحلقوا حولها حلقاً بعضها دون بعض فينصرف إليهم من مصلاه من الصبح، فيتلو عليهم ما أنزل الله عليه من ليلته، ويحدثهم ويحدثونه حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطول والشرف والغني فلم يجدوا إليه مخلصاً، فتاقت أنفسهم إليه وتاقت نفسه إليهم، فأنزل الله عز وجل ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه....
﴾ [ الكهف: 28] إلى منتهى الآيتين، فلما نزل ذلك فيهم قالوا: يا رسول الله لو طردتهم عنا ونكون نحن جلساءك وإخوانك لا نفارقك، فأنزل الله عز وجل ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى منتهى الآيتين.
وأخرج الفربابي وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة، أنا، وعبد الله بن مسعود، وبلال، ورجل من هذيل، واثنين، قالوا: يا رسول الله أطردهم فانا نستحي أن نكون تبعاً لهؤلاء، فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: المصلين بلال، وابن أم عبد، كانا يجالسان محمداً صلى الله عليه وسلم فقالت قريش تحقره لهما: لولاهما واشباههما لجالسناه، فنهى عن طردهم حتى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: كان رجال يستبقون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم بلال، وصهيب، وسلمان، فيجيء أشراف قومه وسادتهم وقد أخذ هؤلاء المجلس فيجلسون ناحية فقالوا: صهيب رومي، وسلمان فارسي، وبلال حبشي، يجلسون عنده ونحن نجيء فنجلس ناحية، حتى ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انا سادة قومك وأشرافهم، فلو أدنيتنا منك إذا جئنا؟
قال: فهم إن فعل، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم...
﴾ الآية.
وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: كان أشراف قريش يأتون النبي صلى الله عليه وسلم وعنده بلال، وسلمان، وصهيب، وغيرهم مثل ابن أم عبد، وعمار، وخباب، فإذا أحاطوا به قال أشراف قريش: بلال حبشي، وسلمان فارسي، وصهيب رومي، فلو نحاهم لأتيناه، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ يعني يعبدون ربهم بالغداة والعشي، يعني الصلاة المكتوبة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال الصلاة المفروضة، الصبح والعصر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: هم أهل الذكر لا تطردهم عن الذكر قال سفيان: هم أهل الفقر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ يعني أنه جعل بعضهم اغنياء وبعضهم فقراء، فقال الأغيناء للفقراء ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ﴾ يعني هؤلاء هداهم الله، وإنما قالوا ذلك استهزاءً وسخرياً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ يقول: ابتلينا بعضهم ببعض.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ﴾ لو كان بهم كرامة على الله ما أصابهم هذا من الجهد.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض...
﴾ الآية.
قال: هم أناس كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من الفقراء، فقال أناس من أشراف الناس: نؤمن لك، فإذا صلينا معك فأخر هؤلاء الذين معك فليصلوا خلفنا.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد ومسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ماهان قال: أتى قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: انا أصبنا ذنوباً عضاماً؟
فما رد عليهم شيئاً، فانصرفوا فأنزل الله: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا...
﴾ الآية.
فدعاهم فقرأها عليهم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير قال: أخبرت أن قوله: ﴿ سلام عليكم ﴾ قال: كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم بدأهم فقال: سلام عليكم، وإذا لقيهم فكذلك أيضاً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وكذلك نفصل الآيات ﴾ قال: نبين الآليات.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولتستبين سبيل المجرمين ﴾ قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء.
قوله تعالى ﴿ قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ أخرج ابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم عن هزيل بن شرحبيل قال: جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة فسألهما عن ابنة وابنة ابن وأخت؟
فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائت عبد الله فإنه سيتابعنا، فأتى عبد الله فأخبره فقال: ﴿ قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ الآية، قال المفسرون (١) ﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ لِلَّذِينَ (٢) ﴿ إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ ، ابتلينا أيضًا هؤلاء بعضهم ببعضٍ، كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ ) [الفرقان: 20]، وهذا معنى قول ابن عباس (٣) وقال الكلبي: (ابتلينا الشريف بالوضيع، وابتلى هؤلاء الرؤساء من قريش بالموالي، فإذا نظر الشريف إلى الوضيع قد آمن قبله حمي (٤) (٥) ﴿ فَتَنّا ﴾ وهو تعالى لا يحتاج إلى الاختبار؛ لأنه عاملهم معامله المختبر) (٦) وقوله تعالى ﴿ لِيَقُولُوا ﴾ هذه اللام تسمى لام العاقبة (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ يعني: الضعفاء والفقراء والاستفهام معناه: الإنكار (٩) ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾ أي: بالذين يشكرون نعمته إذا منّ عليهم بالهداية أي: إنما يهدي إلى دينه من يعلم أنه يشكر نعمته، هذا معنى قول المفسرين (١٠) ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ ﴾ تقرير: أي أنه كذلك (١١) أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المطَايَا (١٢) (١) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 206، والسمرقندي 1/ 487، والماوردي 2/ 118، وأخرجه الطبري بسند جيد عن قتادة.
(٢) هكذا جاء سياق الآية ولعله وهم، فليس فيها: للذين استضعفوا.
(٣) أخرج الطبري 7/ 206، وابن أبي حاتم 4/ 1299 بسند جيد عنه قال: (جعل بعضهم أغنياء وبعضم فقراء، فقال الآغنياء للفقراء: ﴿ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ﴾ أي: هداهم الله، وإنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية) ا.
هـ.
وانظر: "الدر المنثور" 3/ 26، ومعاني الفتنة في "تأويل مشكل القرآن" ص 472 - 474.
(٤) حمى بفتح الحاء وكسر الميم من الشيء حَمِيَّة، ورجل حمي الأنف، أي: أنف أن يضام، وفلان ذو حمية أي: غضب وأنَفَة: انظر: "اللسان" 2/ 1014 (حمى)، وأَنِف بفتح الهمزة والنون: استنكف وكره، ويقال: هو أنف بسكون النون للعضو أي: اشتد غضبه وغيظه من طريق الكناية، والمراد هنا أخذته الحِميَة من الغيرة والغضب.
انظر: "اللسان" 1/ 152 (أنف).
(٥) ذكره الثعلبي في "الكشف" ص 178/ أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 47، وابن الجوزي 3/ 47، وفي "تنوير المقباس" 2/ 23 (نحوه).
(٦) انظر: "المفردات" ص 623 (فتن)، و"بدائع التفسير لابن القيم" 2/ 150.
(٧) أي: لبيان عاقبة الشيء ومآله، ويسميها الكوفيون لام الصيرورة، وبعضهم يسميها لام العلة؛ لأنها مستعارة لما يشبه التعليل، قال ابن هشام في "المغني" 1/ 214: (ومن معاني اللام الصيرورة وتسمى لام العاقبة ولام المآل.
وأنكر البصريون ومن تابعهم لام العاقبة) ا.
هـ.
وانظر: "اللامات للزجاج" ص 119، و"معاني الحروف للرماني" ص 56، و"الصاحبي" ص 152، و"اللامات للهروي" ص 182، و"رصف المباني" ص 301.
(٨) قال السمين في "الدر" 4/ 647: (الأظهر -وعليه، أكثر المعربين والمفسرين- أنها لام كي، والتقدير: ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا هذه المقالة ابتلاءً وامتحانًا.
وقيل: إنها لام الصيرورة، أي: العاقبة، ويكون ما بعدها صادرا على سبيل الاستخفاف) ا.
هـ ملخصًا، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 549، و"المشكل" 1/ 253، و"التبيان" 1/ 335، و"الفريد" 2/ 154، ورجح كونها لام العاقبة ابن عطية 5/ 211.
(٩) انظر: "الفريد" 2/ 154.
(١٠) انظر: الطبري 7/ 207، والسمرقندي 1/ 487، وابن عطية 5/ 212، و"بدائع التفسير" 2/ 151.
(١١) انظر: "الفريد" 2/ 155.
(١٢) "ديوانه" ص 77، و"مجاز القرآن" 1/ 36، و"طبقات فحول الشعراء" 2/ 379 - 410، 418، 494، و"الشعر والشعراء" ص 307، و"الخصائص" 3/ 269، و"اللسان" 8/ 4524 (نقص)، و"المغني لابن هشام" 1/ 17، وبلا نسبة في "المقتضب" 3/ 292، الخصائص 2/ 463، و"رصف المباني" ص 136، وتكملته: وَأَنْدَى العَالَمِينَ بطُونَ رَاحِ والمطايا: جمع مطية، وهي الدابة، وأندى: أسخى، وراح: جمع راحة، وهي الكف.
والشاهد: (ألستم) حيث جاءت همزة الاستفهام للإيجاب والتقرير وتحقق الكلام، أي: أنتم خير من ركب المطايا، انظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 1/ 43.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ أي ابتلينا الكفار بالمؤمنين، وذلك أن الكفار كانوا يقولون أهؤلاء العبيد والفقراء منَّ الله عليهم بالتوفيق للحق والسعادة دوننا، ونحن أشراف أغنياء، وكان هذا الكلام منهم على وجه الاستبعاد بذلك ﴿ أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين ﴾ ردّ على الكفار في قولهم المتقدّم ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ ﴾ هم الذين نُهيَ النبي صلى الله عليه وسلم عن طردهم بل أمر بأن يسلم عليهم إكراماً لهم وأن يؤنسهم بما بعد هذا ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ أي: حتّمها وفي الصحيح: إن الله كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي ﴿ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سواءا ﴾ الآية، وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وأصلح، وهو خطاب للقوم المذكورين قبل، وحكمها عام فيهم وفي غيرهم والجهالة قد ذكرت في [النساء: 16] وقيل: نزلت بسبب أن عمر بن الخطاب أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد الضعفاء عسى أن يسلم الكفار، فلما نزلت لا تطرد ندم عمر على قوله وتاب منه فنزلت الآية، وقرئ أنه بالفتح على البدل من الرحمة وبالكسر على الاستئناف وكذلك فإنه غفور رحيم بالكسر على الاستئناف وبالفتح خبر ابتداء مضمر تقديره فأمره أنه غفور رحيم، وقيل: تكرار للأولى لطول الكلام.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بالغدوة ﴾ مضموم الغين ساكن الدال مفتوح الواو وكذا في الكهف: ابن عامر الباقون: بفتح الغين والدال وبالألف ﴿ أنه ﴾ بالفتح ﴿ فإنه ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع.
وقرأ ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب جميعاً بالفتح.
الباقون: بالكسر فيهما ﴿ وليستبين ﴾ بياء الغيبة: زيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.
الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ سبيل ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وزيد.
الباقون: بالرفع ﴿ يقص ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وعاصم.
الباقون ﴿ يقضي الحق ﴾ .
الوقوف: ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ من بيننا ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بكس الألف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ أهواءكم ﴾ لا لتعيين "إذا" بما قبله أي قد ضللت "إذا" اتبعت ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ وكذبتم به ﴾ ط ﴿ تستعجلون به ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ الفاصلين ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد المقصود.
﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين أمر الرسول بالإنذار وهو الإعلام بموضع المخافة فقال له ﴿ وأنذر به ﴾ قال ابن عباس والزجاج: أي بالقرآن وهو المذكور هنا في قوله ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليّ ﴾ وقال الضحاك: أي بالله.
قيل: والأول أولى لأن الإنذار والتخويف إنما يقع بالقول وفيه نظر، لأن الإنذار لا نزاع فيه أنه قول ولكن المنذر به قلما يكون قولاً لقوله ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ ﴿ فأنذرتكم ناراً تلظى ﴾ ولو زعم أن المراد وأنذرهم النار والعذاب بواسطة القرآن قلنا: فقدر مثله ههنا، والمعنى أنذرهم العذاب بقول ينبىء عن شدة سخط الله وعقوبته.
أما ﴿ الذين يخافون أن يحشروا ﴾ فقيل: إنهم الكافرون الذين سبق ذكرهم، فلعل ناساً من المشركين من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقاً فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار فأمر أن ينذر هؤلاء دون المتمردين منهم.
ثم قال هذا القائل ولا يجوز حمله على المؤمنين لأنهم يعلمون أنهم يحشرون، والعلم خلاف الخوف والظن.
وضعف بأن الخوف شامل للناس كافة لعدم الجزم بالثواب وقبول الطاعة وإن كانوا مقرين بصحة الحشر والنشر فالظاهر أن الضمير يتناول الكل لأن العاقل لا بد أن يخاف الحشر سواء كان جازماً به أو شاكاً فيه.
وأيضاً إنه مأمور بتبليغ الكل فلا وجه للتخصيص.
وقيل: إنهم قوم مسلمون مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه لعلهم يدخلون في زمرة أهل التقوى من المسلمين.
وقيل: هم أهل الكتاب لأنهم مقرون بالعبث.
ومعنى ﴿ إلى ربهم ﴾ إلى حكمه وقضائه فلا يلزم منه مكان ولا جهة.
أما قوله ﴿ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ﴾ فقال الزجاج: إن الجملة في موضع الحال من ضمير ﴿ يحشروا ﴾ أي يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم.
فإن كان الضمير للكفار فظاهر، وإن كان للمؤمنين فشفاعة الملائكة والرسل إذا كانت بإذن الله فإنها تكون بالحقيقة من الله فصح أنه ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع، ولا بد من هذه الحال لأن الحشر مطلقاً ليس مخوفا وإنما المخوف هو الحشر على هذه الحالة لأنهم اعتقدوا أن لا ناصر ولا شفيع إلا الله وإذا لم يكن الله ناصراً وشفيعاً لزم أن لا يكون ناصراً أصلاً.
﴿ لعلهم يتقون ﴾ قال ابن عباس: لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي.
قالت المعتزلة: فيه دلالة على أنه أراد من الكفار التقوى والطاعة.
وأجيب بأن الترجي راجع إلى العباد.
ولما أمر بإنذار عموم المكلفين ليتقوا أردفهم بذكر المتقين وأمر بتقريبهم وإكرامهم.
"روي عن ابن مسعود أن الملأ من قريش مروا على رسول الله - وعنده صهيب وبلال وخباب وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين - فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء أتريد أن نكون تبعاً لهؤلاء؟
اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك.
فقال : ما أنا بطارد المؤمنين.
فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت.
فقال: نعم طمعاً في إيمانهم" .
وروي أن عمر قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون.
ثم إنهم قالوا للرسول : اكتب بذلك كتاباً، فدعا الصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت ﴿ ولا تطرد ﴾ الآية.
فرمى بالصحيفة واعتذر عمر عن مقالته.
قال سلمان وخباب: فينا نزلت.
فكان رسول الله يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ﴾ فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه.
وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات، أثنى الله عليهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي.
قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أي يصلون صلاة الصبح والعصر.
وقيل: أي يذكرون ربهم طرفي النهار، والمراد بالغداة والعشي الدوام.
والغداة لغة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والعشي ما بين الزوال إلى الغروب.
قال الجوهري: غدوة بالتنوين نكرة وبدونه معرفة غير مصروفة كسحر.
ومحل ﴿ يريدون وجهه ﴾ نصب على الحال أو على الاستئناف كأنه قيل: ما أرادوا بالمواظبة على الدعاء؟
فأجيب بقوله ﴿ يريدون وجهه ﴾ ولا يثبت به لله عضو كما زعمت المجسمة ولكن المراد به التعظيم، فقد يعبر به عن ذات الشيء أو حقيقته كما يقال: هذا وجه الرأي وذاك وجه الدليل.
وأيضاً المحبة تستلزم طلب رؤية الوجه فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا.
ثم علل النهي بقوله ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ قيل: الضمير عائد إلى المشركين أي لا يؤاخذوا بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويدعوك ذلك إلى أن تطرد المؤمنين، والأولى أن يعود إلى الفقراء ليناسب قوله ﴿ فتطردهم ﴾ كما في قصة نوح ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم كان الأمر على ما زعموا فيما يلزمك إلا اعتبار الظاهر إن كان لهم باطن غير مرضي فحسابهم لا يتعدى إليك كما أن حسابك لا يتعدى إليهم، فالجملتان لهما مؤدى واحد وهو المفهوم من قوله ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه.
وقيل: ما عليك من حساب رزقهم من شيء ولا من حساب رزقك عليهم من شيء.
وإنما الرازق لك ولهم هو الله فدعهم يكونوا عندك، أما قوله ﴿ فتطردهم ﴾ فهو جواب النفي في ﴿ ما عليك ﴾ وفي انتصاب ﴿ فتكون ﴾ وجهان: أحدهما أنه جواب النهي، والثاني أنه عطف على ﴿ فتطردهم ﴾ على وجه التسبب، لأن كونه ظالماً معلوم من طردهم ومسبب عنه، فإن طرد من يستوجب التقريب والترحيب وضع للشيء في غير موضعه ومن هنا طعن بعض الناس في عصمة النبي قالوا: كان يقول كلما دخل أولئك الفقراء عليه بعد هذه الواقعة مرحباً بمن عاتبني ربي فيهم أو لفظ هذا معناه.
والجواب أنه ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما أفرد لهم مجلساً تألفاً لقلوبالمشركين وتكثيراً لسواد الإسلام مع علمه بأنه لا يفوت الفقراء بهذه المصالحة أمر مهم في الدنيا ولا في الدين، فغاية ذلك أنه يكون من باب تبرك الأولى والأفضل، ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الفتن العظيم ﴿ فتنا ﴾ ابتلينا بعض الناس ببعض، فأحد الفريقين وهم الكفار يرى الآخر مقدماً عليه في المناصب الدينية فيقول ﴿ أهؤلاء ﴾ المسترذلون ﴿ منّ الله عليهم من بيننا ﴾ كقوله: ﴿ أألقي الذكر عليه من بيننا ﴾ والفريق الآخر يرى الأول مقدماً عليه في الخيرات العاجلة والخصب والسعة الراحة والدعة فيقول: أهذا هو الذي فضله الله علينا.
وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله فهو صواب، ولا اعتراض عليه بحكم المالكية وبحسب رعاية الأصلح.
وبالجملة فصفات الكمال غير محصورة ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة بل هي موزعة على الخلائق وكلها محبوبة لذاتها.
فكل إنسان يحسد صاحبه على ما آتاه الله من صفة الكمال، فمن عرف سر القدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض لغيره وعاش عيشاً طيباً في الدنيا والآخرة.
قال هشام بن الحكم الافتتان الاختبار والامتحان، وفيه دليل على أنه لا يعلم الجزيئات إلا عن حدوثها.
والجواب أنه يعامل المكلف معاملة المختبر وقد مر مراراً.
وقالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال لأن تلك الفتنة التي ألقاها الله ليست إلا اعتراضهم على الله والاعتراض عليه كفر.
فهو خالق للكفر.
وأيضاً منة الله عليهم ليست إلا بالإيمان ومتابعة الرسول، فلو كان الموجد للإيمان هو العبد كان العبد هو المان على نفسه.
أجاب المعتزلة بأن معنى فتناهم ليقولوا خذلناهم حتى آل أمرهم إلى أن قالوا: فتكون اللام لام العاقبة، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع أنا ننقل الكلام إلى الخذلان فلا بد من الانتهاء إليه تعالى ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ بمن يصرف كل ما أنعم به عليه فيما أعطاه لأجله فيظهر أفعاله على حسب معلوم الله .
وقال في الكشاف: أي الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان، وبمن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق.
﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيّه عن طردهم وكان إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" .
وقال ماهان الحنفي: أتى قوم النبي فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً، وأظهروا الندامة والأسف فما أخاله رد عليهم بشيء.
فلما ذهبوا وتولوا نزلت الآية.
قال في التفسير الكبير: الأقرب أن تحمل الآية على عمومها، فكل من آمن بآيات الله يدخل تحت هذا التشريف والإكرام ثم أبدى إشكالاً وهو أن المفسرين اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من جميع آي هذه السورة إنها نزلت بسبب الأمر الفلاني؟
قلت: لا استبعاد في أن تنزل السورة دفعة وينزل الصحابة كل آية منها على واقعة تناسبها، كيف وهم أعرف بحقائق التنزيل وأعلم بدقائق التأويل لأنهم أهل مشاهدة الوحي وأرباب مزاولة الأمر والنهي؟!
واعلم أن ما سوى الله فهو آيات وجود الله،وأنها لا تكاد تنحصر فيجب على المكلف أن يكون مدة حياته كالسابح في تلك البحار والسائح في هذه القفار ليكون دائماً مترقياً في معارجها مترقباً أن تفيض عليه الأنوار من مدارجها فيستعد لبشارة ﴿ سلام عليكم ﴾ ويستأهل لكرامة ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم.
قال الزجاج: ﴿ سلام ﴾ إما مصدر "سلمت سلاماً وتسليماً" مثل: كلمت كلاماً وتكليماً.
ومعناه الدعاء بأن يسلم من الآفات في نفسه ودينه، وإما أن يكون جمع سلامة.
وقيل: السلام هو الله أي الله عليكم أي على حفظكم ولعل هذا الوجه إنما يتأتى في المعرف لا في المنكر.
﴿ كتب ربكم ﴾ من جملة المقول لهم تبشيراً بسعة رحمة الله وقبوله التوبة.
ومعنى كتب على نفسه أوجب على ذاته إيجاب الكرم لا إيجاباً يستحق بتركه الذم.
وقالت المعتزلة: كونه عالماً بقبح القبائح وباستغنائه عنها يمنعه عن الإقدام عليها ولو فعل كان ظلماً، وإيجاب الرحمة ينافي القول بأنه منع الكافر من الإيمان ثم أمره حال ذلك المنع بالإيمان ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان، وأجيب بأنه فاعل لما يشاء ولا اعتراض عليه.
﴿ أنه من عمل ﴾ من قرأ بالفتح فعلى الإبدال من الرحمة، ومن قرأ بالكسر فعلى الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: إنه من عمل ﴿ منكم سوءاً بجهالة ﴾ وهو في موضع الحال أي عمله وهو جاهل.
والمراد أنه فاعل فعل الجهال لأن من عمل ما يضره في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه لا من أهل الحكمة والتدبير، أو أنه جاهل بعاقبته ومن حق الحكيم أن لا يقدم على ما لا يعرف مآل حاله.
﴿ ثم تاب من بعده ﴾ بأن يندم على ما فعله ﴿ وأصلح ﴾ العمل في المستقبل ﴿ فأنه غفور ﴾ يزيل العقاب عنه ﴿ رحيم ﴾ يوصل الثواب إليه من قرأ بالكسر فعلى: أن الجملة جزاء للشرط، ومن قرأ بالفتحفعلى أن الخبر أو المبتدأ محذوف أي فغفرانه كائن أو فأمره أنه غفور.
قيل: إن الآية نزلتفي عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما طلبوا ولم يعلم أنها مفسدة.
﴿ وكذلك ﴾ أي كما فصلنا في هذه السورة دلائلنا على التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ﴿ نفصل الآيات ﴾ ونميزها لك في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل ﴿ وليستبين ﴾ معطوف على محذوف كأنه قيل: ليظهر الحق وليستبين، أو معلق بمحذوف أي وليستبين سبيل المجرمين فصلنا ذلك التفصيل البين.
من رفع "السبيل" قرأ ﴿ ليستبين ﴾ بالياء أو بالتاء لأن السبيل يذكر ويؤنث، ومن نصب السبيل قرأ ﴿ لتستبين ﴾ بتاء الخطاب مع الرسول يقال: استبان الأمر وتبين واستبنته وتبينته واستبانة سبيل المجرمين تستلزم استبانة طريق المحقين، فلذلك اقتصر على أحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ ولم يذكر البرد.
وإنما ذكر المجرمين دون المحقين لأن طريق الحق واحد والمجرمون أصناف يشتبه أمرهم، فمنهم من هو مطبوع على قلبه، ومنهم من يرجى فيهم قبول الإسلام، ومنهم من دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده فينبغي أن يستوضح سبيلهم ليعامل كلاً منهم بما يجب، ومن جملة ذلك أنه نهى عن عبادة معبوداتهم وذلك قوله ﴿ قل إني نهيت ﴾ أي صرفت بدلائل العقلية والسمعية ﴿ أن أعبد الذين تدعون ﴾ تعبدون ﴿ من دون الله قل لا أتبع أهواءكم ﴾ لأن عبادة المصنوع والمخلوف محض التقليد وعين الهواى ﴿ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ﴾ أثبت الضلال إذ ذاك ونفى الهدى مع أنهما متلازمان للتقرير والتأكيد، وفيه تعريض بهم أنهم كذلك.
ثم نبه على ما يجب اتباعه بقوله ﴿ قل إني على بينة من ربي ﴾ على حجة واضحة من مغفرة ربي وأنه لا معبود سواه ﴿ وكذبتم ﴾ أنتم به حيث أشركتم به غيره.
يقال: أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه إذا كان ثابتاً عنده بدليل.
وقيل: أي على حجة من جهة ربي وهي القرآن ﴿ وكذبتم به ﴾ أي بالبينة وذكر الضمير على تأويل القرآن أو البيان.
﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحرث ورؤساء قريش كانوا يقولون: يا محمد آتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم.
﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ مطلق يتناول الكل.
فقال الأشاعرة: لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله فيمتنع منه فعل الكفر إلا بإرادة الله، واحتجت المعتزلة بقوله ﴿ يقضي الحق ﴾ أي كل ما قضى به فهو الحق، وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس بحق.
ويمكن أن يقال: إن جميع أحكامه حق وصدق ولا اعتراض لأحد عليه بحكم المالكية.
وانتصاب ﴿ الحق ﴾ على أنه صفة مصدر أي يقضي القضاء الحق، أو مفعول به من قولهم: قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره.
ومثله من قرأ ﴿ يقصر الحق ﴾ كقوله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ أي يقول الحق أو يتبعه من قص أثره ﴿ وهو خير الفاصلين ﴾ أي القاضي، وإنما كتب ﴿ يقض ﴾ في المصاحف بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، وليوافق قراءة ﴿ يقص ﴾ ﴿ قل لو أن عندي ﴾ أي في قدرتي وإمكاني ﴿ ما تستعجلون ﴾ من العذاب ﴿ لقضي الأمر ﴾ أمر الإهلاك ﴿ بيني وبينكم ﴾ عاجلاً غضباً لربي ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ فيؤخر عقابهم إلى وقته وأنا لا أعلم ما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره.
فإن قلت: أما يناقض هذا قوله ﴿ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ﴾ فإن استعجال الهلاك ينافي الحرص على الإيمان، لأن من حرص على إيمان أحد حرص على طول حياته طمعاً في إيمانه.
قلت: لا، بل يؤكده لاشتراك كل من الحكمين في الاستعجال اللازم للبشرية في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولا ﴾ ثم بين أعلميته بقوله على سبيل الاستعارة ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ أراد أن المتوصل إلى المغيبات وحده كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها ولم يمنعه من ذلك مانع، والمفاتح جمع مفتح وهو المفتاح، أو جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن، قال الحكيم في بيانه: إن العلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول وكل ما سوى الواجب فإنه موجود بإيجاده وتكوينه بواسطة أو بوسائط، فعلمه بذاته يوجب العلم بجميع آثاره على ترتيبها المعتبر - كليات كانت أو جزيئات - وعلمه بذاته لم يحصل إلا لذاته فصح ان يقال: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.
وفيه أنه لا ضد له ولا ند إذ لو كان في الوجود واجب آخر لكانت مفاتح الغيب حاصلة أيضاً عنده فيبطل هذا الحصر، ولا يمكن أن تكون هذه المفاتح عند شيء من الممكنات لأن المحاط لا يحيط بمحيطه فلا يحيط ما دون الواجب بالواجب، فلا يكون المفتاح الأوّل للعلم بجميع المعلومات إلا عنده.
ثم إن قوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ قضية معقولة مجردة، والإنسان الذي يقوي على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جداً والقرآن إنما نزل لينتفع به جميع الناس فذكر من الأمور المحسوسة الداخلة تحت تلك القضية الكلية أمثالاً لها ليعين الحس العقل فقال ﴿ ويعلم ما في البر والبحر ﴾ لأن ذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظيمة لذلك المعقول، وقدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر وكثرة ما فيه من المدن والقرى والجبال والتلال والمعادن والنبات والحيوان، وأما البحر فإحاطة الحس بأحواله أقل مع كثرة ما فيها من العجائب والغرائب أيضاً.
ثم أفرد من هذه المحسوسات قسماً فقال ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ﴾ أي لا يتغير حال ورقة إلا والحق يعلمها.
ثم عدل عن التعجيب من كثرة المدركات إلى التعجيب من صغر المدرك وخفائه فقال ﴿ ولا حبة في ظلمات الأرض ﴾ وفي تخصيص الحبة والورقة تنبيه للمكلفين على أمر الحساب لأنه إذا كان بحيث لا يهمل أمر الأشياء التي ليس لها ثواب ولا عقاب فلأن لا يهمل أمر المكلفين أولى.
ثم عاد إلى ذكر القضية الكلية المجردة بعبارة أخرى فقال ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ قال في الكشاف: ولا حبة ولا رطب ولا يابس عطف على ورقة وداخل في حكمها كأنه قيل: وما يسقط شيء من هذه الأشياء إلا وهو يعلمه.
وقوله ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ إلا يعلمها ﴾ ومعنى ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ واحد.
والكتاب المبين علم الله أو اللوح.
قال علماء التفسير: يجوز أن يكون الله جل شأنه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق لتقف الملائكة على نفاذ علمه في المعلومات وأنه لا يغيب عنه شيء، فيكون في ذلك عبرة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في العالم فيجدونه موافقاً له.
أو لأنه إذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع تغيرها وإلا لزم الكذب أو الجهل فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب سبباً تاماً في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم.
ثم لما بين كمال علمه أردفه ببيان كمال قدرته بقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم ﴾ أي يتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز.
وذلك أن الأرواح الجسمانية تغور حالة النوم من الظاهر إلى الباطن فتتعطل الحواس عن بعض الاعمال، وأما عند الموت فتصير جملة البدن معطلة عن كل الأعمال فلهذا كان النوم أخا الموت فصح إطلاق لفظ الوفاة على النوم من هذا الوجه ﴿ ويعلم ما جرحتم ﴾ أي ما كسبتم من العمل بالنهار ومنه الجوارح للأعضاء وللسباع ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ أي يردّ إليكم أرواحكم بالنهار ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ أي أعماركم المكتوبة.
وقضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت.
ثم لما ذكر أنه يميتهم أولاً ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جارياً مجرى الإحياء بعد الإماتة فلا جرم استدل بذلك على صحة البعث في القيامة فقال ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ في ليلكم ونهاركم وجميع أحوالكم وأوقاتكم.
واعلم أن في هذه الآية إشكالاً لأن قوله ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ كان ينبغي أن يكون بعد قوله ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ فإن البعث في النهار مقدم على الكسب فيه بل على تعلق العلم بالكسب.
ويمكن أن يجاب بأن المراد ويعلم ما جرحتم في النهار الماضي بدليل قوله ﴿ جرحتم ﴾ دون "تجرحون" ثم يبعثكم في النهار الآتي.
والغرض بيان إحاطة علمه وقدرته بالزمانين المحيطين بالليل.
ولعل صاحب الكشاف لمكان هذا الإشكال عدل عن هذا التفسير إلى أن قال: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ والخطاب للكفرة أي أنتم منسدحون الليل كالحيف.
والانسداح الانبطاح أو الاستلقاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ ما كسبتم من الآثام فيه ﴿ ثم يبعثكم ﴾ من القبور ﴿ فيه ﴾ أي في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام في النهار ومن أجله كقولك: فيم دغوتني؟
فيقول: في أمر كذا ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم ﴿ ثم إليه مرجعكم ﴾ وهو المرجع إلى موقف الحساب.
والأصوب عندي أن يقال: الخطاب عام، وكذا الكسب في النهار فينبغي أن لا يقيد بالآثام.
أما الضمير في ﴿ فيه ﴾ فيكون جارياً مجرى اسم الإشارة إلى الكسب.
والبعث هو البعث من القبور إلى آخر ما قال والله علم.
التأويل: ﴿ وأنذر به ﴾ أي بهذه الحقائق والمعاني ﴿ الذين يخافون ﴾ أي يرجون ﴿ أن يحشروا إلى ربهم ﴾ بجذبات العناية ويتحقق لهم أن ﴿ ليس لهم ﴾ في الوصول إلى الله ﴿ من دونه ولي ﴾ من الأولياء ﴿ ولا شفيع ﴾ يعني من الأنبياء، لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق.
﴿ ولا تطرد الذين يدعون ﴾ أخبر عن الفقراء أنهم جلساؤه بالغداة والعشي كما قال "أنا جليس من ذكرني" فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك لا يريدون الدنيا ولا الآخرة ولكن يريدون وجهه.
وكل له سؤل ودين ومذهب *** ووصلكم سؤلي وديني رضاكم قال المحققون: الإرادة اهتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصلإلى الله.
فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ولا يجد من دون الوصول إلى الله سكوناً ولا قراراً ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ يعني الذي لنا معك في الحساب من المواصلة والتوحيد في الخلوة فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك ثقلاً ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ أي الذي لنا معهم في الحساب من التفرد للوصول والوصال ليس لك إلى ذلك حاجة ليثقل عليهم ﴿ فتطردهم ﴾ فتكسر قلوبهم بالطرد ﴿ فتكون من الظالمين ﴾ بوضع الكسر مقام الجبر فإنك بعثت لجبر قلوبهم لا لكسر قلوبهم كقوله ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ ليشكر الفاضل وليصبر المفضول فيستويان في الفضل فلهذا قيل: لسليمان ولأيوب كليهما: نعم العبد.
مع قدرة سليمان على أسباب الطاعة وعجز أيوب عنها.
ومن فتنة الفاضل في المفضول رؤية فضله على المفضول أو تحقيره، ومنع حقه عنه في فضله، ومن فتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخطه عليه في منع حقه من فضله عنه، فإن المعطي والمانع هو الله.
ومنه أن لا يرىالفاضل مستحقاً للفضل ليقولوا ﴿ أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إنه من كمال فضله على الفقراء حملهم محمل الأكابر والملوك في الدنيا فقال لنبيه : "كن مبتدئاً بالسلام عليهم وفي الآخرة فألهم الملائكة أن يسلموا عليهم في الجنة" { ﴿ سلام عليكم طبتم ﴾ بل سلم بذاته عليهم ﴿ سلام قولاً من رب رحيم ﴾ وكل ذلك نتيجة سلامتهم من ظلمة الخلقة بإصابة رشاش النور في الأزل فلهذا قال ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ أي الرحمة الخاصة كما خص الخضر في قوله ﴿ وآتيناه رحمة من عندنا ﴾ والرحمة العامة كما في الحديث الرباني للجنة "إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" ﴿ أنه من عمل منكم ﴾ أي من المؤمنين ﴿ سوءاً بجهالة ﴾ أي بجهالة الجهولية التي جبل الإنسان عليها لا بجهالة الضلالة التي هي نتيجة إخطاء النور فإن هذه لا توبة لها ﴿ ثم تاب من بعده ﴾ أي رجع إلى الله بقدم السير من بعد إفساد الاستعداد الفطري وأصلح الاستعداد بالأعمال الصالحة لقبول الفيض.
﴿ قل إني نهيت ﴾ في الأزل بإصابة النور المرشش.
﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ من عبادة الهوى ﴿ لقضي الأمر ﴾ يعني أمر القتال والخصومات ولاسترحت من أذيتكم لأن الشيء إنما ينفعل عن ضده لا عن شبيهه ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ يعني العلوم العقلية التي هي سبب فتح باب صور عالم الشهادة كالنقاش ينشيء الصور في ذهنه ثم يصوّرها في الخارج.
وإنما وحد الغيب وجمع المفاتح لأن عالم الغيب عالم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة يعلم التكوين ﴿ ويعلم ما في البر ﴾ وهو عالم الشهادة ﴿ والبحر ﴾ وهو عالم الغيب ﴿ و ﴾ بهذا العلم ﴿ ما تسقط من ورقة ﴾ عن شجرة الوجود ﴿ إلا يعلمها ﴾ لأنه مكونها ومسقطها ﴿ ولا حبة ﴾ هي حبة الروح ﴿ في ظلمات ﴾ صفات أرض النفس، أو حبة المحبة في ظلمات أرض القلب ﴿ ولا رطب ولا يابس ﴾ الرطب المؤمن، واليابس ما سيصير موجوداً وما قد صار.
أو الرطب الروحانيات.
واليابس الجمادات.
أو الرطب المؤمن، واليابس الكافر.
أو الرطب العالم، واليابس الجاهل.
أو الرطب العارف، واليابس الزاهد.
أو الرطب أهل المحبة، واليابس أهل السلوة.
أو الرطب صاحب الشهود، اليابس صاحب الوجود.
أو الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنصيبه ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ ليل القضاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ نهار القدر أو الليل، ليل صفات البشرية والنهار نهار الشهود في عالم الوحدة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ .
يعلم بالإحاطة أن هذا ونحوه خرج على الجواب لأسئلة كانت منهم لرسول الله لكن لسنا نعلم ما كانت تلك الأسئلة [التي] كانت من أولئك، حتى كان هذا جواباً لهم، فلا نفسر، ولكن نقف؛ مخافة الشهادة على الله.
ويحتمل: أن يكون جواباً لما ذكر في آية أخرى، وهو قولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ ﴾ ، فقال: عند ذلك: ﴿ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ ، [وقال:] ﴿ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ جواباً لسؤال [عن] وقت الساعة، أو وقت نزول العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ جواب لقولهم: ﴿ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ فقال عند ذلك: لا أقول: إني أعلم الغيب؛ حتى أعلم وقت نزول العذاب أو قيام الساعة، ولا أقول: إني ملك حتى أرقى في السماء.
وقوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
أي: تعرفون أنتم أنه لا يستوي الأعمى، أي: من عمي بصره، والبصير: أي: من لم يعم بصره، فكيف لا تعرفون أنه لا يستوي من عمي عن الآيات ومن لم يعم عنها؟!
أو نقول: إذا لم يستو الأعمى والبصير، كيف يستوي من يتعامى عن الحق ومن لم يتعام؟!
﴿ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ أنهما لا يستويان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
في آيات الله وما ذكركم.
أو نقول: ﴿ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ في وعظكم، بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ...
﴾ الآية، أيئس الكفرة عما سألوا من الأشياء رسول الله ثم أمر بالإنذار الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم وهم المؤمنون، أي: يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم، وأن ليس لهم [ولي] يدفع عنهم ما يحل بهم، ولا شفيع يسأل لهم ما لم يعطوا.
وجائز أن يكون تخصيص الأمر بإنذار المؤمنين لما كان الإنذار ينفعهم ولا ينفع غيرهم، وليس فيه لا ينذر غيرهم؛ وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ليس فيه أنه لا ينذر من لم يتبع الذكر ولا خشي الرحمن ولكن أنبأ أنه إنما ينفع هؤلاء؛ كقوله : ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين ولا تنفع أولئك، ينذر الفريقين: من اتبع، ومن لم يتبع، ومن انتفع، ومن لم ينتفع، ويكون قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ ﴾ ، يعني: ليس لأولئك أولياء ولا شفعاء؛ لأنهم يقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ونحوه أخبر أن ليس لهم ولي ولا شفيع دونه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ...
﴾ .
يذكر في بعض القصة أن رجالا من أصحاب رسول الله كانوا يسبقون إلى مجلس رسول الله فيجلسون قريباً منه، فيجيء أشراف القوم وساداتهم، وقد أخذ أولئك المجلس فيجلس هؤلاء ناحية، فقالوا: نحن نجيء فنجلس ناحية، فذكروا ذلك لرسول الله فقالوا: إنا سادات قومك وأشرافهم، فلو أدنيتنا منك [في] المجلس، فهمّ أن يفعل ذلك، فأنزل الله هذه الآية يعاتب نبيه [بقوله]: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ...
﴾ الآية.
وإلى هذا يذهب عامة أهل التأويل، لكنه بعيد؛ إذ ينسبون رسول الله إلى أوحش فعل وأفحشه ما لو كان فيه إسقاط نبوته ورسالته؛ إذ لا يحتمل أن يكون [النبي] يقرب أعداءه ويدني مجلسهم منه، ويبعد الأولياء، هذا لا يفعله سفيه فضلا أن يفعله رسول الله المصطفى على جميع بريته، أو يخطر بباله شيء من ذلك، وكان فيه ما يجد الكفرة فيه مطعنا يقولون: يدعو الناس إلى التوحيد والإيمان به والاتباع له، فإذا فعلوا ذلك وأجابوه طردهم وأبعد مجلسهم [منه]، هذا لعمري مدفوع في عقل كل عاقل، ولكن إن كان فجائز أن يكون منهم طلب ذلك طلبوا منه أن يدني مجلسهم ويبعد أولئك؛ هذا يحتمل، وأما أن يهم أن يفعل ذلك أو خطر بباله شيء من ذلك فلا يحتمل.
وجائز أن يكون هذا من الله ابتداء تأديباً وتعليماً؛ يعلم رسوله صحبة أصحابه ومعاملته معهم؛ كقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ﴾ ، ونهاه أن يمد عينه إلى ما متع أولئك؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...
﴾ الآية [طه: 131] ويخبره عن عظيم قدرهم عند الله.
وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي والحظر، بل العصمة تزيد في النهي والزجر، وأخبر أن ليس عليه من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، فإنما عليك البلاغ وعليهم الإجابة؛ وهو كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ﴾ .
يشبه أن يكونوا يجتمعون إلى رسول الله في كل غداة ومساء، فيسمعون منه، ثم يفترقون على ما عليه أمر الناس من الاجتماع في كل غداة ومساء عند الفقهاء وأهل العلم.
وجائز أن يكون ذكر الغداة والعشي كناية عن الليل كله وعن النهار جملة؛ كقوله: ﴿ وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴾ ليس يريد بـ ﴿ وَٱلضُّحَىٰ ﴾ الضحوة خاصة ولكن النهار كله.
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴾ ذكر الليل دل أنه كان الضحى كناية عن النهار جملة؛ فعلى ذلك الغداة والعشي يجوز أن يكون كناية عن الليل والنهار جملة، والله أعلم.
وجائز أن يكون أصحاب الحرف والمكاسب، لا يتفرغون للاجتماع إلى رسول الله والاستماع منه في عامة النهار، ولكن يجتمعون إليه ويستمعون منه بالغداة والعشي، فكان ذكر الغداة والعشي لذلك أو لما ذكرنا.
وجائز أن يكون المراد بذكر الغداة والعشي صلاة الغداة، وصلاة العشاء؛ يقول: لا تطرد من يشهد هاتين الصلاتين، وإنما [كان] يشهدهما أهل الإيمان، وأما أهل النفاق: فإنهم [كانوا] لا يشهدون هاتين الصلاتين، ويحتمل [غير] ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
[الظلم] على وجوه: ظلم كفر، وظلم شرك، وظلم يكون بدونه، وهو أن يمنع أحدا حقه أو أخذ منه حقا بغير حق؛ فهو كله ظلم.
والظلم - هاهنا والله أعلم -: يشبه أن يكون هو وضع الحكمة في غير أهلها؛ لأنه لو كان منه ما ذكر من [طرد أولئك وإدناء أولئك] لم يكن أهلا للحكمة، ويجوز أن يوصف واضع الحكمة في غير موضعها بالظلم؛ على ما روي في الخبر: "أن من وضع الحكمة في غير أهلها فقد ظلمها، ومن منعها عن أهلها فقد ظلمهم" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ .
قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ﴾ لا يتكلم إلا على أمر سبق، فهو - والله أعلم - يحتمل أن يقول لما قالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء الأعبد من قومك، أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء، ونحن سادة القوم وأشرافهم؟!
فقال عند ذلك: ﴿ وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ أي: كما فضلتكم على هؤلاء في أمر الدنيا فكذلك فضلتهم عليكم في أمر الدين، ويكونون هم المقربين إلى رسول الله والمدنين مجلسهم إليه، وأنتم أتباعهم في أمر الدين، وإن كانوا هم أتباعكم في أمر الدنيا؛ فكذلك امتحان بعضهم ببعض.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يقال: كما كان له امتحان كل في نفسه ابتداء محنة؛ كقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ .
وكقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ...
﴾ الآية [البقرة: 155].
فعلى ذلك له أن يمتحن بعضكم ببعض.
وأشد المحن أن يؤمر المتبوع ومن يرى لنفسه فضلا بالخضوع للتابع ومن هو دونه عنده، يشتد ذلك عليه ويتعذر؛ لما كانوا يرون هم لأنفسهم الفضل والمنزلة في أمر الدنيا، فظنوا أنهم كذلك يكونون في أمر الدين؛ وعلى ذلك يخرج امتحانه إبليس بالسجود لآدم لما رأى لنفسه فضلا عليه فقال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾ ولم ير الخضوع لمن دونه عدلا وحكمة، فصار ما صار؛ فعلى ذلك هؤلاء لم يروا أولئك الضعفة أن يكونوا متبوعين عدلا وحكمة، وظنوا أنهم لما كانوا مفضلين في أمر الدنيا، وكان لهؤلاء إليهم حاجة - يكونون في أمر الدين كذلك، ويقولون: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ﴾ ونحوه من الكلام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ .
قال بعضهم: هو موصول بالأول بقوله: ﴿ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ ﴾ يقول الكافر قول الكفر والمؤمن قول الإيمان.
ثم ابتدأ فقال: ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ ﴾ أي: يقول الكفرة ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ ليس بمفصول من قوله ﴿ لِّيَقُولوۤاْ ﴾ ولكن موصول به ﴿ لِّيَقُولوۤاْ ﴾ يعني الكفرة ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ .
ثم يحتمل قوله ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ بالحظ بالتقريب والإدناء في المجلس وجعلهم متبوعين من بيننا بعد ما كانوا أتباعاً لنا فقال عند ذلك ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ ﴾ أي: عرف هؤلاء نعمة الله ، ووجهوا شكر نعمه إليه وأنتم وجهتم شكر نعمه إلى غيره بعد ما عرفتم أنه هو المنعم عليكم والمسدي إليكم.
<div class="verse-tafsir"
وكذلك ابتلينا بعضهم ببعض، فجعلناهم متفاوتين في حظوظهم الدنيوية، ابتليناهم بذلك ليقول الكافرون الأغنياء لفقراء المؤمنين: أهؤلاء الفقراء تفضل الله عليهم بالهداية من بيننا؟!
لو كان الإيمان خيرًا ما سبقونا إليه، فنحن أهل السَّبْق.
أليس الله بأعلم بالشاكرين لنعمه، فَيُوَفِّقَهُم للإيمان، وأعلم بالكافرين لها فَيَخْذُلَهُم فلا يؤمنون؟!
بلى إن الله أعلم بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.LlLDQ"