الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٥٧ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 91 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٧ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( قل إني على بينة من ربي ) أي : على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها إلي ) وكذبتم به ) أي : بالحق الذي جاءني من [ عند ] الله ( ما عندي ما تستعجلون به ) أي : من العذاب ( إن الحكم إلا لله ) أي : إنما يرجع أمر ذلك إلى الله إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك ، وإن شاء أنظركم وأجلكم ; لما له في ذلك من الحكمة العظيمة .
ولهذا قال ( إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ) أي : وهو خير من فصل القضايا ، وخير الفاتحين الحاكمين بين عباده .
القول في تأويل قوله : قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم, الداعين لك إلى الإشراك بربك =" إني على بيّنة من ربي"، أي إني على بيان قد تبينته، وبرهان قد وضح لي =" من ربي"، يقول: من توحيدي, (18) وما أنا عليه من إخلاص عُبُودته (19) من غير إشراك شيء به.
* * * وكذلك تقول العرب: " فلان على بينة من هذا الأمر "، إذا كان على بيان منه, (20) ومن ذلك قول الشاعر: (21) أَبَيِّنَــةً تَبْغُــونَ بَعْــدَ اعْتِرَافِــهِ وقَــوْلِ سُـوَيْدٍ قَـدْ كَفَيْتُكُـمُ بِشْـرَا (22) * * * " وكذبتم به " يقول: وكذبتم أنتم بربكم = و " الهاء " في قوله " به " من ذكر الرب جلّ وعز =" ما عندي ما تستعجلون به "، يقول: ما الذي تستعجلون من نقم الله وعذابه بيدي, ولا أنا على ذلك بقادر.
وذلك أنهم قالوا حين بعث الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتوحيده, فدعاهم إلى الله، وأخبرهم أنه رسوله إليهم: هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [سورة الأنبياء: 3] .
وقالوا للقرآن: هو أضغاث أحلام .
وقال بعضهم: بل هو اختلاق اختلقه.
وقال آخرون: بل محمد شاعر, فليأتنا بآية كما أرسل الأولون = فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: أجبهم بأن الآيات بيد الله لا بيدك, وإنما أنت رسول, وليس عليك إلا البلاغ لما أرسلت به, وأنّ الله يقضي الحق فيهم وفيك، ويفصل به بينك وبينهم، فيتبين المحقُّ منكم والمبطل (23) =" وهو خير الفاصلين " ، أي: وهو خير من بيّن وميّز بين المحق والمبطل وأعدلهم, لأنه لا يقع في حكمه وقضائه حَيْف إلى أحد لوسيلة له إليه ولا لقرابة ولا مناسبة, ولا في قضائه جور، لأنه لا يأخذ الرشوة في الأحكام فيجور, فهو أعدل الحكام وخيرُ الفاصلين.
وقد ذكر لنا في قراءة عبد الله: (وَهُو أَسْرَعُ الْفَاصِلِينَ).
13302 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير: أنه قال: في قراءة عبد الله: (يَقْضِي الْحَقَّ وَهُو أَسْرَعُ الْفَاصِلِينَ).
* * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: " يقصُّ الحق ".
(24) فقرأه عامة قرأة الحجاز والمدينة وبعض قرأة أهل الكوفة والبصرة: " إنِ الْحُكْمُ إلا لِلهِ يَقُصُّ الْحَقَّ" ، بالصاد، بمعنى " القصص "، وتأوّلوا في ذلك قول الله تعالى ذكره: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [سورة يوسف: 3] .
وذكر ذلك عن ابن عباس.
13303 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن عطاء, عن ابن عباس قال،" يقص الحق " , وقال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ .
* * * وقرأ ذلك جماعة من قرأة الكوفة والبصرة: ( إنِ الْحُكْمُ إلا لِلهِ يَقْضِي الْحَقَّ) بالضاد، من " القضاء "، بمعنى الحكم والفصل بالقَضَاء، (25) واعتبروا صحة ذلك بقوله: " وهو خير الفاصلين "، وأن " الفصل " بين المختلفين إنما يكون بالقضاء لا بالقَصَص.
* * * وهذه القراءة عندنا أولى القراءَتين بالصواب، لما ذكرنا لأهلِها من العلّة.
* * * فمعنى الكلام إذًا: ما الحكم فيما تستعجلون به، أيها المشركون، من عذاب الله وفيما بيني وبينكم, إلا الله الذي لا يجور في حكمه, وبيده الخلق والأمر, يقضي الحق بيني وبينكم, وهو خير الفاصلين بيننا بقضائه وحكمه.
---------------------- الهوامش : (18) في المطبوعة: "توحيده" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(19) في المطبوعة: "عبوديته" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(20) انظر تفسير"البينة" فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
(21) لم أعرف قائله.
(22) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 193.
(23) انظر تفسير"الفصل" فيما سلف 5: 338.
(24) في المطبوعة والمخطوطة: "يقضي الحق" ، وهو سهو هنا ، والصواب ما أثبته.
(25) انظر تفسير"قضى" فيما سلف 2: 542 ، 543 ، وسائر فهارس اللغة.
قوله تعالى : قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين قوله تعالى : قل إني على بينة من ربي أي : دلالة ويقين وحجة وبرهان ، لا على هوى ; ومنه البينة لأنها تبين الحق وتظهره .
وكذبتم به أي : بالبينة لأنها في معنى البيان ، كما [ ص: 344 ] قال : وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه على ما بيناه هناك .
وقيل يعود على الرب ، أي : كذبتم بربي لأنه جرى ذكره .
وقيل : بالعذاب .
وقيل : بالقرآن .
وفي معنى هذه الآية والتي قبلها ما أنشده مصعب بن عبد الله بن الزبير لنفسه ، وكان شاعرا محسنا رضي الله عنه :أأقعد بعدما رجفت عظامي وكان الموت أقرب ما يليني أجادل كل معترض خصيموأجعل دينه غرضا لديني فأترك ما علمت لرأي غيريوليس الرأي كالعلم اليقين وما أنا والخصومة وهي شيءيصرف في الشمال وفي اليمين وقد سنت لنا سنن قواميلحن بكل فج أو وجين وكان الحق ليس به خفاءأغر كغرة الفلق المبين وما عوض لنا منهاج جهمبمنهاج ابن آمنة الأمين فأما ما علمت فقد كفانيوأما ما جهلت فجنبونيقوله تعالى : ما عندي ما تستعجلون به أي العذاب ; فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء ، نحو قولهم : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء .
وقيل : ما عندي من الآيات التي تقترحونها .
إن الحكم إلا لله أي : ما الحكم إلا لله في تأخير العذاب وتعجيله .
وقيل : الحكم الفاصل بين الحق والباطل لله .
( يقص الحق ) أي : يقص القصص الحق ; وبه استدل من منع المجاز في القرآن ، وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم ومجاهد والأعرج وابن عباس ; قال ابن عباس : قال الله عز وجل : نحن نقص عليك أحسن القصص والباقون " يقض الحق " بالضاد المعجمة ، وكذلك قرأ علي - رضي الله عنه - وأبو عبد الرحمن السلمي ، وسعيد بن المسيب ، وهو مكتوب في المصحف بغير ياء ، ولا ينبغي الوقف عليه ، وهو من القضاء ; ودل على ذلك أن بعده وهو خير الفاصلين والفصل لا يكون إلا قضاء دون قصص ، ويقوي ذلك قوله قبله : إن الحكم إلا لله ، ويقوي ذلك أيضا قراءة ابن مسعود ( إن الحكم إلا لله يقضي بالحق ) فدخول الباء يؤكد معنى القضاء .
قال النحاس : هذا لا يلزم ; لأن معنى " يقضي " يأتي ويصنع فالمعنى : يأتي الحق ، ويجوز أن يكون المعنى : يقضي القضاء [ ص: 345 ] الحق .
قال مكي : وقراءة الصاد أحب إلي ; لاتفاق الحرميين وعاصم على ذلك ، ولأنه لو كان من القضاء للزمت الباء فيه كما أتت في قراءة ابن مسعود .
قال النحاس : وهذا الاحتجاج لا يلزم ; لأن مثل هذه الباء تحذف كثيرا .
وأما ما أنا عليه، من توحيد الله وإخلاص العمل له، فإنه هو الحق الذي تقوم عليه البراهين والأدلة القاطعة.وأنا { عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي } أي: على يقين مبين، بصحته، وبطلان ما عداه، وهذه شهادة من الرسول جازمة، لا تقبل التردد، وهو أعدل الشهود على الإطلاق.
فصدق بها المؤمنون، وتبين لهم من صحتها وصدقها، بحسب ما مَنَّ الله به عليهم.
{ وَ } لكنكم أيها المشركون - { كذبتم به } وهو لا يستحق هذا منكم، ولا يليق به إلا التصديق، وإذا استمررتم على تكذيبكم، فاعلموا أن العذاب واقع بكم لا محالة، وهو عند الله، هو الذي ينزله عليكم، إذا شاء، وكيف شاء، وإن استعجلتم به، فليس بيدي من الأمر شيء { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ } فكما أنه هو الذي حكم بالحكم الشرعي، فأمر ونهى، فإنه سيحكم بالحكم الجزائي، فيثيب ويعاقب، بحسب ما تقتضيه حكمته.
فالاعتراض على حكمه مطلقا مدفوع، وقد أوضح السبيل، وقص على عباده الحق قصا، قطع به معاذيرهم، وانقطعت له حجتهم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة { وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ } بين عباده، في الدنيا والآخرة، فيفصل بينهم فصلا، يحمده عليه، حتى من قضى عليه، ووجه الحق نحوه.
( قل إني على بينة ) أي : على بيان وبصيرة وبرهان ، ( من ربي وكذبتم به ) أي : ما جئت به ، ( ما عندي ما تستعجلون به ) قيل : أراد به استعجالهم العذاب ، كانوا يقولون : " إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة " ( الأنفال ، 32 ) الآية ، قيل : أراد به القيامة ، قال الله تعالى : " يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها " ( الشورى ، 18 ) ، ( إن الحكم إلا لله يقص الحق ) قرأ أهل الحجاز وعاصم يقص بضم القاف والصاد مشددا أي يقول الحق ، لأنه في جميع المصاحف بغير ياء ، ولأنه قال الحق ولم يقل بالحق ، وقرأ الآخرون ( يقضي ) بسكون القاف والضاد مكسورة ، من قضيت ، أي : يحكم بالحق بدليل أنه قال : ( وهو خير الفاصلين ) والفصل يكون في القضاء وإنما حذفوا الياء لاستثقال الألف واللام ، كقوله تعالى : ( صال الجحيم ) ونحوها ، ولم يقل بالحق لأن الحق صفة المصدر ، كأنه قال : يقضي القضاء الحق .
«قل إني على بيِّنة» بيان «من ربي و» قد «كذَّبتم به» بربي حيث أشركتم «ما عندي ما تستعجلون به» من العذاب «إن» ما «الحكم» في ذلك وغيره «إلا لله يقضي» القضاء «الحق وهو خير الفاصلين» الحاكمين، وفي قراءة يقصُّ أي يقول.
قل -أيها الرسول لهؤلاء المشركين-: إني على بصيرة واضحة من شريعة الله التي أوحاها إليَّ، وذلك بإفراده وحده بالعبادة، وقد كذَّبتم بهذا، وليس في قدرتي إنزال العذاب الذي تستعجلون به، وما الحكم في تأخر ذلك إلا إلى الله تعالى، يقصُّ الحقَّ، وهو خير مَن يفصل بين الحق والباطل بقضائه وحكمه.
وبعد أن أمر الله - تعالى - نبيه بمصاحرة المشركين بأنه لن يكون فى يوم من الأيام متبعاً لأهوائهم ، أمره أن يخبرهم بأنه على الحق الواضح الذى لا يضل متبعه ، وبأن الله وحده هو الذى سيقضى بينه وبينهم فقال - تعالى - : { قُلْ إِنِّي على بَيِّنَةٍ .
.
.
} .البينة : الدلالة الواضحة من بان يبين إذا ظهر ، أو الحجة الفاصلة بين الحق والباطل على أنها من البينونة أى الانفصال .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يريدون منك اتباع أهوائهم كيف يتأتى لى ذلك وأنا على شريعة واضحة وملة صحيحة لا يعتريها شك ، ولا يخالطها زيغ لأنها كائنة من ربى الذى لا يضل ولا ينسى .والتنوين فى كلمة { بَيِّنَةٍ } للتفخيم والتعظيم ، وهى صفة لموصوف محذوف للعلم به فى الكلام ، أى : على حجة بينة واضحة محقة للحق ومبطلة للباطل فأنا لن أتزحزح عنها أبدا .وفى ذلك تعريض بالمشركين بأنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم ، وإنما هم قد اتبعوا ما وجدوا عليه آبائهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير .وجملة { وَكَذَّبْتُم بِهِ } فى موضع حال من { بَيِّنَةٍ } وهى تفيد التعجب منهم حيث كذبوا بما دلت عليه البينات ، واتفقت على صحته العقول السليمة .والضمير فى قوله { بِهِ } يعود على الله - تعالى - أى : وكذبتم بالله مع أن دلائل توحيده ظاهرة واضحة .وقيل : يعود على البينة والتذكير باعتبار أنها بمعنى البينان .وقيل : يعود على القرآن أى والحال أنكم كذبتم بالقرآن الذى هو بينتى من ربى .وقوله : { مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } أى : ليس فى مقدورى أن أنزل بكم ما تستعجلونه من العذاب ، وإنما ذلك مرجعه إلى الله وحده .وهذه الجملة الكريمة رد على المشركين الذين استعجلوا نزول العذاب عندما أنذرهم النبى صلى الله عليه وسلم بسوء المصير إذا ما استمروا فى ضلالهم ، فقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا { وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } فكان رد النبى صلى الله عليه وسلم عليهم بأن الذى يملك إنزال العذاب بهم إنما هو الله وحده ، وتأخير العذاب عنهم إنما هو لحكمة يعملها الله ، فهو وحده الذى يقدر وقت نزوله .وقوله { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } أى : ما الحكم فى تعجيل العذاب أو تأخيره وفى كل شأن من شئون الخلق إلا لله وحده فهو - سبحانه - الذى ينزل قضاءه حسب سنته الحكيمة ، وموازينه الدقيقة .وقرأ الكسائى وغيره " يقص الحق " ، أى : يقص - سبحانه - القضاء الحق فى كل شأن من شئونه .وقوله { يَقُصُّ الحق } أى : يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدره { وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين } أى : القاضين بين عباده .قال ابن جرير : { وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين } أى : وهو من ميز بين المحق والمبطل وأعدلهم ، لأنه لا يقع فى حكمه وقضائه حيف إلى أحد لوسيلة إليه ولا لقرابة ولا مناسبة ، ولا فى قضائه جور لأنه لا يأخذ الرشوة فى الأحكام فيجور ، فهو أعدل الحكام وخير الفاصلين " .
قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نفَصّلُ الأيات وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين ﴾ .
المراد كما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا على صحة التوحيد والنبوة والقضاء والقدر، فكذلك نميز ونفصل لك دلائلنا وحججنا في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل وقوله: ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين ﴾ عطف على المعنى كأنه قيل ليظهر الحق وليستبين، وحسن هذا الحذف لكونه معلوماً واختلف القراء في قوله: ﴿ ليستبين ﴾ فقرأ نافع ﴿ لتستبين ﴾ بالتاء ﴿ وسبيل ﴾ بالنصب والمعنى لتستبين يا محمد سبيل هؤلاء المجرمين.
وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ ليستبين ﴾ بالياء ﴿ مّن سَبِيلٍ ﴾ بالرفع والباقون بالتاء ﴿ وسبيل ﴾ بالرفع على تأنيث سبيل.
وأهل الحجاز يؤنثون السبيل، وبنو تميم يذكرونه.
وقد نطق القرآن بهما فقال سبحانه: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ﴾ وقال: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ .
فإن قيل: لم قال: ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين ﴾ ولم يذكر سبيل المؤمنين.
قلنا: ذكر أحد القسمين يدل على الثاني.
كقوله: ﴿ سَرَابِيلَ تقيكم الحر ﴾ ولم يذكر البرد.
وأيضاً فالضدان إذا كانا بحيث لا يحصل بينهما واسطة، فمتى بانت خاصية أحد القسمين بانت خاصية القسم الآخر والحق والباطل لا واسطة بينهما، فمتى استبانت طريقة المجرمين فقد استبانت طريقة المحقين أيضاً لا محالة.
قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ من المهتدين قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة ما يدل على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين، ذكر في هذه الآية أنه تعالى نهى عن سلوك سبيلهم.
فقال: ﴿ قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ وبين أن الذين يعبدونها إنما يعبدونها بناء على محض الهوى والتقليد، لا على سبيل الحجة والدليل، لأنها جمادات وأحجار وهي أخس مرتبة من الإنسان بكثير، وكون الأشرف مشتغلاً بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل.
وأيضاً أن القوم كانوا ينحتون تلك الأصنام ويركبونها، ومن المعلوم بالبديهة أنه يقبح من هذا العامل الصانع أن يعبد معموله ومصنوعه.
فثبت أن عبادتها مبنية على الهوى.
ومضادة للهدى، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ ﴾ ثم قال: ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ مِنَ المهتدين ﴾ أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال وما أنا من المهتدين في شيء.
والمقصود كأنه يقول لهم أنتم كذلك.
ولما نفى أن يكون الهوى متبعاً، على ما يجب اتباعه بقوله: ﴿ قُلْ إِنّى على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى ﴾ أي في أنه لا معبود سواه.
وكذبتم أنتم حيث أشركتم به غيره.
واعلم أنه عليه الصلاة والسلام، كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك.
والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب.
فقال تعالى قل يا محمد: ﴿ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ يعني قولهم: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ والمراد أن ذلك العذاب ينزله الله في الوقت الذي أراد إنزاله فيه.
ولا قدرة لي على تقديمه أو تأخيره.
ثم قال: ﴿ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ﴾ وهذا مطلق يتناول الكل.
والمراد هاهنا إن الحكم إلا لله فقط في تأخير عذابهم ﴿ يَقْضِى الحق ﴾ أي القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين ﴾ أي القاضين، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بقوله: ﴿ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ﴾ على أنه لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله به، فيمتنع منه فعل الكفر إلا إذا قضى الله به وحكم به.
وكذلك في جميع الأفعال.
والدليل عليه أنه تعالى قال: ﴿ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ﴾ وهذا يفيد الحصر، بمعنى أنه لا حكم إلا لله.
واحتج المعتزلة بقوله: ﴿ يَقْضِى الحق ﴾ ومعناه أن كل ما قضى به فهو الحق.
وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر.
ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس الحق.
والله أعلم.
المسألة الثانية: قرأ ابن كثير ونافع وعاصم ﴿ يَقُصُّ الحق ﴾ بالصاد من القصص، يعني أن كل ما أنبأ الله به وأمر به فهو من أقاصيص الحق، كقوله: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص ﴾ وقرأ الباقون ﴿ يَقْضِ الحق ﴾ والمكتوب في المصاحف يقض بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين كما كتبوا ﴿ سَنَدْعُ الزبانية ﴾ ﴿ فما تغن النذر ﴾ وقوله: ﴿ يقضى الحق ﴾ قال الزجاج: فيه وجهان: جائز أن يكون ﴿ الحق ﴾ صفة المصدر والتقدير: يقض القضاء الحق.
ويجوز أن يكون ﴿ يقضى الحق ﴾ يصنع الحق، لأن كل شيء صنعه الله فهو حق.
وعلى هذا التقدير ﴿ الحق ﴾ يكون مفعولاً به وقضى بمعنى صنع.
قال الهذلي: وعليهما مسرودتان قضاهما *** داود أو صنع السوابغ تبع أي صنعهما داود واحتج أبو عمرو على هذه القراءة بقوله: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين ﴾ قال والفصل يكون في القضاء، لا في القصص.
أجاب أبو علي الفارسي فقال القصص هاهنا بمعنى القول.
وقد جاء الفصل في القول قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ وقال: ﴿ أُحْكِمَتْ ءاياته ثم فُصِلَتْ ﴾ وقال: ﴿ نُفَصِّلُ الآيات ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ نُهِيتُ ﴾ صرفت وزجرت، بما ركب فيّ من أدلة العقل، وبما أوتيت من أدلة السمع عن عبادة ما تعبدون ﴿ مِن دُونِ الله ﴾ وفيه استجهال لهم ووصف بالاقتحام فيما كانوا فيه على غير بصيرة ﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ ﴾ أي لا أجري في طريقتكم التي سلكتموها في دينكم من اتباع الهوى دون اتباع الدليل، وهو بيان للسبب الذي منه وقعوا في الضلال، وتنبيه لكل من أراد إصابة الحق ومجانبة الباطل ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً ﴾ أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال وما أنا من الهدى في شيء يعني أنكم كذلك.
ولما نفى أن يكون الهوى متبعاً نبه على ما يجب اتباعه بقوله: ﴿ قُلْ إِنّى على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى ﴾ ومعنى قوله: ﴿ إِنّى على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ : إني من معرفة ربي وأنه لا معبود سواه، على حجة واضحة وشاهد صدق ﴿ وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ أنتم حيث أشركتم به غيره.
ويقال: أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه، إذا كان ثابتاً عندك بدليل.
ثم عقبه بما دل على استعظام تكذيبهم بالله وشدة غضبه عليهم لذلك وأنهم أحقاء بأن يغافصوا بالعذاب المستأصل فقال: ﴿ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء ﴾ [الأنفال: 32] ﴿ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ﴾ في تأخير عذابكم ﴿ يَقْضي الحق ﴾ أي القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل في أقسامه ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين ﴾ أي القاضين.
وقرئ: ﴿ يقص الحق ﴾ أي يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدّره، من قص أثره ﴿ لَّوْ أَنَّ عِندِى ﴾ أي في قدرتي وإمكاني ﴿ مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ من العذاب ﴿ لَقُضِىَ الامر بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ لأهلكتكم عاجلاً غضباً لربي وامتعاضاً من تكذيبكم به.
ولتخلصت منكم سريعاً ﴿ والله أَعْلَمُ بالظالمين ﴾ وبما يجب في الحكمة من كنه عقابهم.
وقيل ﴿ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى ﴾ على حجة من جهة ربي وهي القرآن ﴿ وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ أي بالبينة.
وذكر الضمير على تأويل البيان أو القرآن.
فإن قلت: بم انتصب الحق؟
قلت: بأنه صفة لمصدر يقضي أي يقضي القضاء الحق.
ويجوز أن يكون مفعولاً به من قولهم: قضى الدرع إذا صنعها، أي يصنع الحق ويدبره.
وفي قراءة عبد الله: ﴿ يقضى بالحق ﴾ فإن قلت: لم أسقطت الياء في الخط؟
قلت: إتباعاً للخط اللفظ، وسقوطها في اللفظ لالتقاء الساكنين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى ما يَجِبُ اتِّباعُهُ بَعْدَ ما بَيَّنَ ما لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ.
والبَيِّنَةُ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ الَّتِي تَفْصِلُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ وقِيلَ المُرادُ بِها القُرْآنُ والوَحْيُ، أوِ الحُجَجُ العَقْلِيَّةُ أوْ ما يَعُمُّها.
﴿ مِن رَبِّي ﴾ مِن مَعْرِفَتِهِ وأنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِبَيِّنَةٌ.
﴿ وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ﴾ الضَّمِيرُ لِرَبِّي أيْ كَذَّبْتُمْ بِهِ حَيْثُ أشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْرَهُ، أوْ لِلْبَيِّنَةِ بِاعْتِبارِ المَعْنى.
﴿ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ يَعْنِي العَذابَ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ في تَعْجِيلِ العَذابِ وتَأْخِيرِهِ.
يَقْضِي بِالحَقِّ أيِ القَضاءَ الحَقَّ، أوْ يَصْنَعُ الحَقَّ ويُدَبِّرُهُ مِن قَوْلِهِمْ قَضى الدِّرْعَ إذا صَنَعَها، فِيما يَقْضِي مِن تَعْجِيلٍ وتَأْخِيرٍ وأصْلُ القَضاءِ الفَصْلُ بِتَمامِ الأمْرِ، وأصْلُ الحُكْمِ المَنعُ فَكَأنَّهُ مَنَعَ الباطِلَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ ﴿ يَقُصُّ ﴾ مِن قَصَّ الأثَرَ، أوْ مِن قَصَّ الخَبَرَ.
﴿ وَهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ ﴾ القاضِينَ.
﴿ قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ﴾ أيْ في قُدْرَتِي ومُكْنَتِي.
﴿ ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ مِنَ العَذابِ.
﴿ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ لَأهْلَكْتُكم عاجِلًا غَضَبًا لِرَبِّي، وانْقَطَعَ ما بَيْنِي وبَيْنَكم.
﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ ﴾ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قالَ: ولَكِنَّ الأمْرَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أعْلَمُ بِمَن يَنْبَغِي أنْ يُؤْخَذَ وبِمَن يَنْبَغِي أنْ يُمْهَلَ مِنهم.
<div class="verse-tafsir"
ولما نفي أن يكون الهوى متبعاً نبه على ما يجب اتباعه بقوله {قُلْ إِنّي على بَيّنَةٍ مِّن رَّبّي} أي إني من معرفة ربي وأنه لا معبود سواه على حجة واضحة {وَكَذَّبْتُم بِهِ} حيث أشركتم به غيره وقيل على بينة من ربي على حجة من جهة ربي وهو القرآن وكذبتم به بالبينة وذكر الضمير على تأويل البرهان أو البيان أو القرآن ثم عقبه بما دل على أنهم أحقاء بأن يعاقبوا بالعذاب فقال {مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حجارة من السماء {إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ} في تأخير عذابكم {يَقُصُّ الحق} حجازي
وعاصم أي يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدره من قص آثره الباقون بقص الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل فالحق أى القضاء الحق صفة لمصدر يقضي وقوله {وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين} أي القاضين بالقضاء الحق إذ الفصل هو القضاء وسقوط الياء من الخط لاتباع اللفظ لالتقاء الساكنين
﴿ قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ ﴾ تَبْيِينٌ لِلْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ، وبَيانٌ لِاتِّباعِهِ إيّاهُ إثْرَ إبْطالِ الباطِلِ الَّذِي فِيهِ الكَفَرَةُ، وبَيانُ عَدَمِ اتِّباعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ في وقْتِ مِنَ الأوْقاتِ.
والبَيِّنَةُ -كَما قالَ الرّاغِبُ -: الدَّلالَةُ الواضِحَةُ مِن بانَ يَبِينُ إذا ظَهَرَ أوِ الحُجَّةُ الفاصِلَةُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ عَلى أنَّها مِنَ البَيْنُونَةِ أيِ الِانْفِصالُ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِها القُرْآنُ -كَما قالَ الجَبائِيُّ- وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ إنِّي عَلى يَقِينٍ.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِها النُّبُوَّةُ وهو غَيْرُ ظاهِرٍ كَتَفْسِيرِها بِالحُجَجِ العَقْلِيَّةِ أوْ ما يَعُمُّها، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أنَّ ”بَيِّنَةٍ“ جَلِيلَةُ الشَّأْنَ ﴿ مِن رَبِّي ﴾ أيْ كائِنَةٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ.
ووَصَفَها بِذَلِكَ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ التَّنْوِينُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (مِن) اتِّصالِيَّةً، وفي الكَلامِ مُضافٌ أيْ: بَيِّنَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِمَعْرِفَةِ رَبِّي، وقِيلَ: هي أجَلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ ويُقَدَّرُ المُضافُ أيْضًا أيْ كائِنٌ عَلى بَيِّنَةٍ لِأجْلِ مَعْرِفَةِ رَبِّي والأوَّلُ أظْهَرُ.
وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ مِنَ التَّشْرِيفِ ورَفْعِ المَنزِلَةَ ما لا يَخْفى وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَذَّبْتُمْ بِهِ ﴾ -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- جُمْلَةٌ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ في المَشْهُورِ جِيءَ بِها لِاسْتِقْباحِ مَضْمُونِها واسْتِبْعادِ وُقُوعِهِ مَعَ تَحَقُّقُ ما يَقْتَضِي عَدَمَهُ أوْ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَهُمْ، والضَّمِيرُ لِلْبَيِّنَةِ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى المُرادِ، وقالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّها بِمَعْنى البَيانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِرَبِّي عَلى مَعْنى إنِّي صَدَّقْتُ بِهِ ووَحَّدْتُهُ وأنْتُمْ كَذَّبْتُمْ بِهِ وأشْرَكْتُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِخَطَئِهِمْ في شَأْنِ ما جَعَلُوهُ مَنشَأً لِتَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ وهو عَدَمُ مَجِيءِ ما وعَدَ فِيهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِقَوْلِهِمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ أوِ الإلْزامِ بِزَعْمِهِمْ (مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)، وقالَ الإمامُ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُخَوِّفُهم بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذا الشَّرَكِ والقَوْمُ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ فَقالَ لَهم: ﴿ ما عِنْدِي ﴾ إلَخْ، وكَأنَّ الكَلامَ مُبَيِّنٌ أيْضًا لِخَطَئِهِمْ في شَأْنِ ما جَعَلُوهُ مَنشَأً لِعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى نَهْيِ الرَّسُولِ عَنْهُ والإخْبارِ بِنُزُولِ العَذابِ بِسَبَبِهِ أيْ لَيْسَ عِنْدِي ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ المَوْعُودِ بِهِ وتَجْعَلُونَ تَأخُّرَهُ ذَرِيعَةً إلى تَكْذِيبِ القُرْآنِ أوْ عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى النَّهْيِ عَنْهُ والوَعِيدِ عَلَيْهِ في حُكْمِي وقُدْرَتِي حَتّى أجِيءَ بِهِ أيْ لَيْسَ أمْرُهُ مُفَوَّضًا إلَيَّ (إنِ الحُكْمُ) أيْ ما الحُكْمُ في تَأْخِيرِ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ دَخَلٌ ما فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ واخْتارَ بَعْضُهُمُ التَّعْمِيمَ في مُتَعَلِّقِ الحُكْمِ أيْ ما الحُكْمُ في ذَلِكَ تَأْخِيرًا أوْ تَعْجِيلًا أوْ ما الحُكْمُ في جَمِيعِ الأشْياءِ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (إنِ الحُكْمُ) إلَخْ، التَّأسُّفُ عَلى وُقُوعِ خِلافِ المَطْلُوبِ كَما يَشْهَدُ بِهِ مَوارِدُ اسْتِعْمالِهِ وهو عَلى التَّأْخِيرِ فَقَطْ (يَقُصُّ) أيْ يَتْبَعُ الحَقَّ والحِكْمَةَ فِيما يَحْكُمُ بِهِ ويُقَدِّرُهُ كائِنًا ما كانَ أوْ يُبَيِّنُهُ بَيانًا شافِيًا مِن قَصِّ الأثَرِ أوِ الخَبَرِ وهو مِن قَبِيلِ التَّكْمِيلِ لِلْخاصِّ عَلى ما اخْتَرْناهُ بِإرْدافِهِ بِأمْرٍ عامٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ (يَقْضِي) مِنَ القَضاءِ وحُذِفَتِ الياءُ في الخَطِّ تَبَعًا لِحَذْفِها في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِالباءِ لا بِنَفْسِهِ فَنَصَبَ (الحَقَّ) إمّا عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ قامَتْ مَقامَهُ أيْ يَقْضِي القَضاءَ الحَقَّ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، و(يَقْضِي) مُتَضَمِّنٌ مَعْنى يُنْفِذُ أوْ هو مُتَعَدٍّ مِن قَضى الدِّرْعَ إذا صَنَعَها أيْ يَصْنَعُ الحَقَّ ويُدَبِّرُهُ كَقَوْلِ الهُذَلِيِّ: مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ.
وفي الكَلامِ عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، واحْتَجَّ مُجاهِدٌ لِلْقِراءَةِ الأوْلى بِعَدَمِ الياءِ المُحْتاجِ إلَيْها في الثّانِيَةِ وقَدْ عَلِمْتَ فَسادَهُ واحْتَجَّ أبُو عَمْرُو لِلثّانِيَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ ﴾ 75 - فَإنَّ الفَصْلَ إنَّما يَكُونُ في القَضاءِ لا في القِصَصِ ولَوْ كانَ ذَلِكَ في الآيَةِ لَقِيلَ: خَيْرُ القاصِّينَ.
وأجابَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّ القَصَصَ هَهُنا بِمَعْنى القَوْلِ وقَدْ جاءَ الفَصْلُ فِيهِ قالَ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ ﴿ كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ ﴿ ونُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ عَلى أنَّكَ تَعْلَمُ بِأدْنى التِفاتٍ إلى أنَّ القَصَّ هُنا قَدْ يُؤَوَّلُ بِلا تَكَلُّفٍ وبُعْدٍ إلى مَعْنى القَضاءِ.
وفِيِ إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ أصْلَ القَضاءِ الفَصْلُ بِتَمامِ الأمْرِ، وأصْلُ الحُكْمِ المَنعُ فَكَأنَّهُ يَمْنَعُ الباطِلَ عَنْ مُعارَضَةِ الحَقِّ أوِ الخَصْمَ عَنِ التَّعَدِّي إلى صاحِبِهِ، وجُمْلَةُ ﴿ وهُوَ خَيْرُ ﴾ إلَخْ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُشِيرٌ إلى أنَّ قَصَّ الحَقِّ هَهُنا بِطَرِيقٍ خاصٍّ هو الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فافْهَمْ واحْتَجَّ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنِ الحُكْمُ ﴾ إلَخْ لِإفادَتِهِ الحَصْرَ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ تَعالى بِهِ فَيَمْتَنِعُ مِنهُ فِعْلُ الكُفْرِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ تَعالى بِهِ وحَكَمَ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ الأفْعالِ.
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (يَقْضِي الحَقَّ) مَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما يَقْضِي بِهِ فَهو الحَقُّ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ والمَعْصِيَةَ مِنَ العاصِي لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقٍّ ولا يَخْفى ما فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي يعني: على أمر بيّن.
ويقال: على دين من ربي.
وَكَذَّبْتُمْ بِهِ يعني: بالقرآن.
ويقال: بالعذاب.
وذلك أن النضر بن الحارث قال: إن كان ما تقوله حقاً فأتنا بعذاب الله فنزل: مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يعني: العذاب إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يعني: ما القضاء في ذلك إلا لله في نزول العذاب يَقُصُّ الْحَقَّ بنزول العذاب.
وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم: يَقُصُّ الْحَقَّ بالصاد يعني: يبين الحق.
ويقال: يأمر بالحق وقرأ الباقون: يَقْضِ الحق بالضاد، ولكن لا يكتب بالياء.
لأن الياء سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، ويقوم الكسر مقام الياء كقوله تعالى: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: 18] فحذفت الواو.
وتفسيره يقضي قضاء الحق، وقرأ ابن عباس : يَقْضِي بِالْحَقِّ.
ثم قال: وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ يعني: الحاكمين القاضين ثم قال: قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يعني: العذاب لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ بالعذاب وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ يعني: بعقوبة الظالمين، هو أعلم متى ينزل بهم العذاب.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ قلتُ: قال الغَزَّالِيُّ في «الجَوَاهر» : النيةُ والعَمَلُ بهما تمامُ العبادةِ، فالنِّيَّة أحد جُزْأيِ العبَادةِ، لكنها خير الجزأَيْن، ومعنى النيَّة إرادةُ وَجْه اللَّه سبحانه بالعَمَلِ، قال اللَّه تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، ومعنى إخلاصها تصفيةُ الباعِثِ عن الشوائِبِ، ثم قال الغَزَّالِيُّ: وإذا عرفْتَ فَضْل النية، وأنَّها تحلُّ حَدَقَةَ المقْصود، فاجتهد أنْ تستكثر مِنَ النِّيَّة في جميع أعمالِكَ حتى تنوي بعملٍ واحدٍ نيَّاتٍ كثيرة، ولو صَدَقَتْ رغبتُكَ، لَهُدِيتَ لطريقِ رشدك.
انتهى.
وقوله سبحانه: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، قال الحَسَنُ والجمهورُ: أيْ: مِنْ حسابِ عملهم، والمعنى: أنك لم تُكَلَّفْ شيئاً غيْرَ دعائهم «١» ، وقوله: فَتَطْرُدَهُمْ: هو جوابُ النفْيِ في قوله: مَا عَلَيْكَ، وقوله: فَتَكُونَ: جوابُ النهْيِ في قوله: وَلا تَطْرُدِ.
وفَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، أي: ابتلينا، ولِيَقُولُوا: معناه: ليصيرَ بحُكْم القَدَرِ أمرُهُمْ إلى أن يقولُوا على جهة الاِستخْفَافِ والهُزْء: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، فاللامُ في لِيَقُولُوا: لامُ الصَّيْرورة.
وقوله سبحانه: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ، أي: يا أيّها المستخفُّون، ليس الأمر أمر استخفاف، فاللَّه أعلَمُ بمن يشكر نعمه.
وقوله سبحانه: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ...
الآية: قال جمهور المفسِّرين: هؤلاءِ هم الذينَ نَهَى اللَّهُ عَنْ طردهم، وشَفَعَ ذلك بِأنْ أَمَرَ سبحانه أنْ يسلِّم النبيُّ- عليه السلام- عليهم، ويُؤْنِسَهُمْ، قال خَبَّابُ بْنُ الأَرَتَّ: لما نزلَتْ: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ...
الآية، فكنّا نأتي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فيقولُ لنا: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، ونقعُدُ معه، فإذا أراد أنْ يقوم، قَامَ، وتركَنا، فأنزل اللَّه تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ...
«١» [الكهف: ٢٨] الآية، فكان يَقْعُدُ معنا، فإذا بَلَغَ الوقْتَ الذي يقوم فيه، قمنا وتركناه، حتّى يقوم، وسَلامٌ عَلَيْكُمْ: ابتداءٌ، والتقديرُ: سَلاَمٌ ثابتٌ أو واجبٌ عليكم، والمعنَى: أمَنَةً لكُمْ مِنْ عذاب اللَّه في الدنيا والآخرة، ولفظه لفظُ الخَبَر، وهو في معنى الدُّعَاء، قال الفَخْر «٢» قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ: النّفس هاهنا:
بمعنى الذَّات، والحقيقةِ، لا بمعنى الجِسْمِ، واللَّهُ تعالى مقدَّس عنه.
انتهى.
قلتُ: قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في كتاب «تفسير الأَفْعَال الواقعة في القُرآن» : قوله تعالى:
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، قال علماؤنا: كَتَبَ: معناه أَوْجَبَ، وعندي أنه كتب حقيقة، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكتب، فَكَتَبَ مَا يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» «٣» .
انتهى.
وقرأ عاصمٌ «١» ، وابنُ عَامِرٍ أنَّهُ- بفَتْحِ الهَمْزةِ في الأولى- والثانيةِ «فأنَّهُ» : الأولى بدلٌ من الرَّحْمَةَ، و «أنّه» الثانية: خبر ابتداء مضمر، تقديره: فأمره أنّه عفور رحيمٌ، هذا مذْهَبُ سيبَوَيْه، وقرأ ابنُ كَثِيرٍ، وأبو عَمْرٍو، وحمزة، والكسائي «إنَّهُ» - بكسر الهمزة في الأولى والثانية-، وقرأ نافعٌ بفَتْح الأولى وكَسْر الثانية، والجهالةُ في هذا الموضِعِ: تعمُّ التي تُضَادُّ العِلْمَ، والتي تُشَبَّه بها وذلك أنَّ المتعمِّد لفعْلِ الشيء الذي قَدْ نُهِيَ عنه تسمى معصيته تِلْكَ جِهَالَةً، قال مجاهدٌ: مِنَ الجهالةِ ألاَّ يعلم حَلاَلاً مِنْ حرامٍ «٢» ، ومن جهالته أنْ يركِّب الأمر.
قُلْتُ: أيْ: يتعمَّده، ومن الجهالة الَّتي لا تُضَادُّ العلم قوله صلّى الله عليه وسلّم في استعاذته: «أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» «٣» ومنها قولُ الشَّاعر: [الوافر]
أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أحد علينا ...
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
«٤»
قال الفخْر «١» : قال الحَسَنُ: كُلُّ مَنْ عَمِلَ معصيةً، فهو جاهلٌ، فقيل: المعنى أنه جاهلٌ بمقدارِ ما فاتَهُ منَ الثَّواب، وما استحقه من العقابِ، قلْتُ: وأيضاً فهو جاهلٌ بقَدْر مَنْ عصاه.
انتهى.
والإشارةُ بقوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ، إلى ما تقدَّم من النهْيِ عن طَرْدِ المؤمنين، وبَيَانِ فَسَادِ مَنْزَعِ العارضين لذلك، وتفضيل الآياتِ: تبيينُها وشَرْحُها وإظهارُها، قلْتُ: ومما يناسِبُ هذا المَحَلَّ ذِكْرُ شيء ممَّا ورد في فَضْلِ المُصَافَحَة، وقد أسند أبُو عُمَر في «التمهيد» ، عن عبد الرحْمَنِ بْنِ الأسود «٢» ، عن أَبِيهِ وعلقمة أنهما قَالاَ: «مَنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ المُصَافَحَةُ» ، وروى مالكٌ في «الموطإ» ، عن عطاءٍ الخراسانيّ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تَصَافَحُوا يَذْهَبُ الغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا، وَتَذْهَب «٣» الشَّحْنَاءُ» ، قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديث يتَّصلُ مِنْ وجوه شتى حِسَانٍ كلُّها، ثم أسند أبو عُمَر من طريقِ أبي دَاوُد وغَيْره، عن البَرَاءِ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَتَصَافَحَانِ إلاَّ غُفِرَ لهما قبل أن يتفرّقا» «٤» ، ثم أسند أبو عُمَرَ عن البَرَاء بنِ عازب، قال:
«لقيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ كُنْتُ لأحْسِبُ أَنَّ المُصَافَحَةَ لِلْعَجَمِ فَقَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالمُصَافَحَةِ مِنْهُمْ مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ مَوَدَّةً بَيْنَهُمَا، ونَصِيحَةً، إلاَّ أُلْقِيَتْ ذُنُوبُهُمَا بَيْنَهُمَا» «٥» ، وأسند أبو عُمَرَ عن عمر بْنِ الخَطَّابِ، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذَا التقى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ تِسْعُونَ مِنْهَا لِلَّذِي بَدَأَ بِالمُصَافَحَةِ، وَعَشَرَةٌ لِلَّذِي صُوفِحَ، وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إلَى اللَّهِ أحسنهما بشرا بصاحبه» «٦» .
انتهى.
وقد ذكرنا/ طَرَفاً مِنْ آدَابِ المُصَافحة فِي غَيْرِ هذا الموضعِ، فَقِفْ عليه، واعمل به، تَرْشَدْ، فإنَّ العلْم إنما يرادُ للعَمَل، وباللَّه التوفيق.
وخُصَّ سبيلُ المُجْرمينَ بالذِّكْر لأنهم الذين آثَرُوا ما تقدَّم من الأقوال، وهو أهَمُّ في هذا الموضِعِ لأنها آياتُ رَدٍّ علَيْهم.
وأيضاً: فتَبْيِينُ سَبِيلِهِمْ يتضمَّن بيانَ سَبِيلِ المُؤْمنين، وتَأوَّلَ ابنُ زَيْد أنَّ قوله:
الْمُجْرِمِينَ مَعْنِيٌّ به الآمِرُونَ بطَرْد الضَّعَفَةِ «١» .
وقوله سبحانه: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ ...
الآية: أَمَرَ اللَّهُ سبحانه نَبيَّه- عليه السلام- أنْ يجاهرهم بالتبرّي ممّا هم فيه، وتَدْعُونَ: معناه تعبدون، ويْحْتَمَلُ أنْ يريدَ: تَدْعُونَ في أموركُمْ، وذلك مِنْ معنى العبَادةِ، واعتقادهم الأصنامَ آلهة.
وقوله تعالى: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي: المعنى: قل إني على أمْر بيِّن، وَكَذَّبْتُمْ بِهِ، الضمير في «بِهِ» عائدٌ على «بَيِّن» ، أو علَى الرَّبِّ، وقيل: على القُرآن، وهو جليٌّ، وقال بعضُ المفسِّرين: الضميرُ في «به» الثانِي عائدٌ على «مَا» ، والمُرَادُ بها الآياتُ المقْتَرَحَةُ على ما قال بعض المفسِّرين، وقيل: المرادُ به العذابُ، وهو يترجَّح من وجْهَيْن:
أحدهما: مِنْ جهة المعنى وذلك أنَّ قوله: وَكَذَّبْتُمْ بِهِ يتضمَّن أنَّكم واقعتم مَا تَسْتَوْجِبُون به العَذَابَ إلاَّ أنه ليس عنْدِي.
والآخَرُ: مِنْ جهة لَفْظِ الاستعجالِ الذي لَمْ يأت في القُرآن إلاَّ للعذابِ.
وأما اقتراحهم للآيَاتِ، فَلمْ يكُنْ باستعجال.
وقوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، أي: القضاء والإنفاذ، ويَقُصُّ الْحَقَّ، أيْ: يخبر به والمعنى: يقُصُّ القَصَص الحَقَّ، وقرأ حمزةُ «٢» والكِسَائيُّ وغيرهما: «يَقْضِي الحَقَّ» ، أي: ينفذه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ وسائِرَ قُرَيْشٍ قالُوا لَلنَّبِيِّ : يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ، اسْتِهْزاءً؛ وقامَ النَّضْرُ عِنْدَ الكَعْبَةِ وقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ ما يَقُولُ حَقًّا، فائْتِنا بِالعَذابِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَأمّا البَيِّنَةُ، فَهي الدَّلالَةُ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أنا عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ، لا مُتَّبِعٍ لِهَوًى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الرَّبِّ.
والثّانِي: تَرْجِعُ إلى البَيانِ.
والثّالِثُ: تَرْجِعُ إلى العَذابِ الَّذِي طَلَبُوهُ اسْتِهْزاءً قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ أيْ: ما بِيَدِي.
وفي الَّذِي اسْتَعْجَلُوا بِهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ الآَياتُ الَّتِي كانُوا يَقْتَرِحُونَها؛ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الحُكْمُ الَّذِي يَفْصِلُ بِهِ بَيْنَ المُخْتَلِفَيْنِ بِإيجابِ الثَّوابِ والعِقابِ.
والثّانِي: أنَّهُ القَضاءُ بِإنْزالِ العَذابِ عَلى المُخالِفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُصُّ الحَقَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ "يَقُصُّ الحَقَّ" بِالصّادِّ المُشَدَّدَةِ، مِنَ القَصَصِ؛ والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما أخْبَرَ بِهِ فَهو حَقٌّ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يَقْضِي الحَقَّ" مِنَ القَضاءِ؛ والمَعْنى يَقْضِي القَضاءَ الحَقَّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِن المُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ ﴾ ﴿ قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكم واللهُ أعْلَمُ بِالظالِمِينَ ﴾ أمَرَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُجاهِرَهم بِالتَبَرِّي مِمّا هم فِيهِ؛ و"أنْ أعْبُدَ"؛ هو بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ؛ والتَقْدِيرُ: "عن عِبادَةِ"؛ ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ؛ فَتَسَلَّطَ الفِعْلُ؛ ثُمَّ وُضِعَ "أنْ أعْبُدَ"؛ مَوْضِعَ المَصْدَرِ؛ وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "اَلَّذِينَ"؛ عَلى زَعْمِ الكُفّارِ؛ حِينَ أنْزَلُوها مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ؛ و"تَدْعُونَ"؛ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: تَدْعُونَ في أُمُورِكُمْ؛ وذَلِكَ مِن مَعْنى العِبادَةِ واعْتِقادِها آلِهَةً.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "قَدْ ضَلَلْتُ"؛ ﴾ بِفَتْحِ اللامِ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "ضَلِلْتُ"؛ بِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ و"إذًا"؛ في هَذا المَوْضِعِ مُتَوَسِّطَةٌ؛ وما بَعْدَها مُعْتَمِدٌ عَلى ما قَبْلَها؛ فَهي غَيْرُ عامِلَةٍ؛ إلّا أنَّها تَتَضَمَّنُ مَعْنى الشَرْطِ؛ فَهي بِتَقْدِيرِ: "إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ"؛ و"أهْواءَ": جَمْعُ "هَوًى"؛ وهو الإرادَةُ والمَحَبَّةُ في المُرْدِياتِ مِنَ الأُمُورِ؛ هَذا غالِبُ اسْتِعْمالِ الهَوى؛ وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: هَذِهِ الآيَةُ تَمادٍ في إيضاحِ مُبايَنَتِهِ لَهُمْ؛ والمَعْنى: "قُلْ إنِّي عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ"؛ فَحُذِفَ المَوْصُوفُ؛ ثُمَّ دَخَلَتْ هاءُ المُبالَغَةِ؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الهاءُ في "بَيِّنَةٍ"؛ مُجَرَّدَةً لِلتَّأْنِيثِ؛ ويَكُونَ بِمَعْنى البَيانِ؛ كَما قالَ: ﴿ وَيَحْيا مَن حَيَّ عن بَيِّنَةٍ ﴾ ؛ والمُرادُ بِالآيَةِ: "إنِّي أيُّها المُكَذِّبُونَ؛ في اعْتِقادِي؛ ويَقِينِي؛ وما حَصَلَ في نَفْسِي مِنَ العِلْمِ؛ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي".
"وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما"؛ اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى "بَيِّنٍ"؛ في تَقْدِيرِ هاءِ المُبالَغَةِ؛ أو عَلى "اَلْبَيانِ"؛ اَلَّتِي هي "بَيِّنَةٍ"؛ بِمَعْناهُ في التَأْوِيلِ الآخَرِ؛ أو عَلى الرَبِّ؛ وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ؛ وهو - وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ جَلِيٌّ - فَإنَّهُ بَعْضُ البَيانِ الَّذِي مِنهُ حَصَلَ الِاعْتِقادُ واليَقِينُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَيَصِحُّ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أُمُورٌ أُخَرُ؛ غَيْرُ القُرْآنِ؛ وقَعَ لَهُ العِلْمُ أيْضًا مِن جِهَتِها؛ كَتَكْلِيمِ الحِجارَةِ لَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ورُؤْيَتِهِ لِلْمَلَكِ قَبْلَ الوَحْيِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى "ما"؛ والمُرادُ بِها الآياتُ المُقْتَرَحَةُ - عَلى ما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ -؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِها العَذابُ؛ وهَذا يَتَرَجَّحُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما مِن جِهَةِ المَعْنى؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: "وَكَذَّبْتُمْ بِهِ"؛ يَتَضَمَّنُ أنَّكم واقَعْتُمْ ما تَسْتَوْجِبُونَ بِهِ العَذابَ؛ إلّا أنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي؛ والآخَرُ مِن جِهَةِ اللَفْظِ؛ وهو الِاسْتِعْجالُ الَّذِي لَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ "اِسْتِعْجالُهُمْ"؛ إلّا لِلْعَذابِ؛ لِأنَّ اقْتِراحَهم بِالآياتِ لَمْ يَكُنْ بِاسْتِعْجالٍ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ ؛ أيِ القَضاءُ والإنْفاذُ؛ "يَقُصُّ الحَقَّ"؛ أيْ يُخْبِرُ بِهِ؛ والمَعْنى: يَقُصُّ القَصَصَ الحَقَّ.
وهَذِهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٍ ؛ ونافِعٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ "يَقْضِ الحَقَّ"؛ أيْ: يُنْفِذُهُ؛ وتُرَجَّحُ هَذِهِ القِراءَةُ بِقَوْلِهِ: "اَلْفاصِلِينَ"؛ لِأنَّ الفَصْلَ مُناسِبٌ لِلْقَضاءِ؛ وقَدْ جاءَ أيْضًا الفَصْلَ والتَفْصِيلَ مَعَ القَصَصِ؛ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَهُوَ أسْرَعُ الفاصِلِينَ"؛ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: وقَرَأ عَبْدُ اللهِ ؛ وأُبَيٌّ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وطَلْحَةُ ؛ والأعْمَشُ: "يَقْضِي بِالحَقِّ"؛ بِزِيادَةِ باءِ الجَرِّ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "يَقْضِي الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "لَوْ كانَ عِنْدِي الآياتُ المُقْتَرَحَةُ - أوِ العَذابُ؛ عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ - لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ أيْ: "لَوَقَعَ الِانْفِصالُ؛ وتَمَّ النِزاعُ؛ لِظُهُورِ الآيَةِ المُقْتَرَحَةِ؛ أو لِنُزُولِ العَذابِ"؛ بِحَسَبِ التَأْوِيلَيْنِ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ المَعْنى: "لَقامَتِ القِيامَةُ"؛ ورَواهُ النَقّاشُ عن عِكْرِمَةَ ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْنى "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ أيْ: لَذُبِحَ المَوْتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ قائِلَهُ سَمِعَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ ؛ وذَبْحُ المَوْتِ هُنا لائِقٌ؛ فَنَقَلَهُ إلى هَذا المَوْضِعِ دُونَ شَبَهٍ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ إلى ابْنِ جُرَيْجٍ ؛ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِهَذِهِ السُورَةِ؛ والظَنُّ بِابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ إنَّما فَسَّرَ الَّذِي في يَوْمِ الحَسْرَةِ؛ ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِالظالِمِينَ ﴾ ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ والتَهْدِيدَ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي انتقل به الكلام من إبطال الشرك بدليل الوحي الإلهي المؤيِّد للأدلَّة السابقة إلى إثبات صدق الرسالة بدليل من الله مؤيِّد للأدلّة السابقة أيضاً، لييأسوا من محاولة إرجاع الرسول عليه الصلاة والسلام عن دعوته إلى الإسلام وتشكيكه في وحيه بقولهم: ساحر، مجنون، شاعر، أساطيرُ الأولين، ولييأسوا أيضاً من إدخال الشكّ عليه في صدق إيمان أصحابه، وإلقاء الوحشة بينه وبينهم بما حاولوا من طرده أصحابَه عن مجلسه حين حضور خصومه، فأمره الله أن يقول لهم إنَّه على يقين من أمر رَبِّه لا يتزعزعُ.
وعطف على ذلك جواب عن شبهة استدلالهم على تكذيب الوعيد بما حلّ بالأمم من قبلهم بأنَّه لو كان صدقاً لعجّل لهم العذاب، فقد كانوا يقولون: ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتِنا بعذاب أليم ﴾ [الأنفال: 32] ويقولون: ﴿ ربَّنا عجِّل لنا قطّنا قبل يوم الحساب ﴾ [ص: 16]، فقال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ قُل لو أنّ عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم ﴾ [الأنعام: 58]، وأكَّد الجملة بحرف التأكيد لأنَّهم ينكرون أن يكون على بيِّنه من ربِّه.
وإعادة الأمر بالقول لتكرير الاهتمام الذي تقدّم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ﴾ [الأنعام: 40].
والبيِّنة في الأصل وصف مُؤنّثُ بَيِّن، أي الواضحة، فهي صفة جرت على موصوف محذوف للعلم به في الكلام، أي دلالة بيِّنة أو حجّة بيِّنة.
ثم شاع إطلاق هذا الوصف فصار اسماً للحجّة المثبِتة للحقّ التي لا يعتريها شك، وللدلالة الواضحة، وللمعجزة أيضاً، فهي هنا يجوز أن تكون بمعنى الدلالة البيِّنة، أي اليقين.
وهو أنسب ب ﴿ على ﴾ الدالة على التمكّن، كقولهم: فلان على بصيرة، أي أنّي متمكِّن من اليقين في أمر الوحي.
ويجوز أن يكون المراد بالبيِّنة القرآن، وتكون (على) مستعملة في الملازمة مجازاً مرسلاً لأنّ الاستعلاء يستلزم الملازمة، أي أنِّي لا أخالف ما جاء به القرآن.
و ﴿ مِن ربِّي ﴾ صفة ل ﴿ بيّنة ﴾ يفيد تعظيمها وكمالها.
و(مِنْ) ابتدائية، أي بيّنة جائية إليّ من ربّي، وهي الأدلَّة التي أوحاها الله إليه وجاء بها القرآن وغيرُه.
ويجوز أن تكون (مِنْ) اتّصالية، أي على يقين متّصل بربِّي، أي بمعرفته توحيده، أي فلا أتردّد في ذلك فلا تطمعوا في صرفي عن ذلك، أي أنِّي آمنتُ بإله واحد دلَّت على وجوده ووحدانيته دلائل خلقه وقدرته، فأنا موقن بما آمنت به لا يتطرّقني شك.
وهذا حينئذٍ مسوق مساق التعريض بالمشركين في أنَّهم على اضطراب من أمر آلهتهم وعلى غير بصيرة.
وجملة ﴿ وكذّبتم به ﴾ في موضع الحال من ﴿ بيّنة ﴾ .
وهي تفيد التعجّب منهم أنْ كذّبوا بما دلَّت عليه البيّنة.
ويجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ إنِّي على بيِّنة من ربِّي ﴾ ، أي أنا على بيِّنة وأنتم كذّبتم بما دلَّت عليه البيِّنات فشتَّان بيني وبينكم.
والضمير في قوله: ﴿ به ﴾ يعود إلى البيِّنة باعتبار تأويلها بالبيان أو باعتبار أن ماصْدَقَها اليقين أو القرآن على وجه جَعْل (مِنْ) ابتدائية، أي وكذّبتم باليقين مكابرة وعناداً، ويعود إلى ربِّي على وجه جعل (مِنْ) اتِّصالية، أي كنت أنا على يقين في شأن ربّي وكذّبتم به مع أنّ دلائل توحيده بيِّنة واضحة.
ويعود إلى غير مذكور في الكلام، وهو القرآن لشهرة التداول بينهم في شأنه فإذا أطلق ضمير الغائب انصرف إليه بالقرينة.
والباء التي عدّي بها فعل ﴿ كذّبتم ﴾ هي لتأكيد لصوق معنى الفعل بمفعوله، كما في قوله تعالى: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6].
فلذلك يدلّ فعل التكذيب إذا عدّي بالباء على معنى الإنكار، أي التكذيب القويّ.
ولعلّ الاستعمال أنّهم لا يُعدّون فعل التكذيب بالباء إلاّ إذا أريد تكذيب حجّة أو برهان ممّا يحسب سببَ تصديق، فلا يقال: كذّبتُ بفلان، بل يقال: كذّبت فلاناً قال تعالى: ﴿ لَمَّا كذبوا الرسل ﴾ [الفرقان: 37] وقال: ﴿ كذّبت ثمودُ بالنُذُر ﴾ [القمر: 23].
والمعنى التعريضيّ بهم في شأن اعتقادهم في آلهتهم باق على ما بيَّنّاه.
وقوله: ﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ استئناف بياني لأنّ حالهم في الإصرار على التكذيب ممّا يزيدهم عناداً عند سماع تسفيه أحلامهم وتنقّص عقائدهم فكانوا يقولون: لو كان قولك حقّاً فأين الوعيد الذي تَوعّدتنا.
فإنّهم قالوا: ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [الأنفال: 32] وقالوا: ﴿ أو تُسْقِط السماء علينا كما زعمت كِسَفا ﴾ [الإسراء: 92] فأمر بأن يجيب أن يقول ﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ .
والاستعجال طلب التعجيل بشيء، فهو يتعدّى إلى مفعول واحد، وهو المطلوب منه تعجيل شيء.
فإذا أريد ذكر الأمر المعجّل عدّي إليه بالباء.
والباء فيه للتعدية.
والمفعول هنا محذوف دلّ عليه قوله: ﴿ ما عندي ﴾ .
والتقدير: تستعجلونني به.
وأمّا قوله تعالى: ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ [النحل: 1] فالأظهرُ أنّ ضمير الغائب عائد لاسم الجلالة، وسيأتي في أوّل سورة النحل.
ومعنى ﴿ ما عندي ﴾ أنّه ليس في مقدرتي، كما يقال: ما بيدي كذا.
فالعندية مجاز عن التصرّف بالعلم والمقدرة.
والمعنى: أنِّي لست العليم القدير، أي لست إلهاً ولكنّني عبد مرسل أقف عند ما أرسلتُ به.
وحقيقة (عندَ) أنَّها ظرف المكان القريب.
وتستعمل مجازاً في استقرار الشيء لشيء وملكه إيَّاه، كقوله: ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ [الأنعام: 59].
وتستعمل مجازاً في الاحتفاظ بالشيء، كقوله: ﴿ وعنده علم الساعة ﴾ [الزخرف: 85] ﴿ وعند الله مَكْرُهم ﴾ [إبراهيم: 46] ولا يحسن في غير ذلك.
والمراد ب ﴿ ما تستعجلون به ﴾ العذاب المتوعَّد به.
عبَّر بطريق الموصولية لما تنبئ به الصلة من كونه مؤخّراً مدّخراً لهم وأنّهم يستعجلونه وأنّه واقع بهم لا محالة، لأنّ التعجيل والتأخير حالان للأمر الواقع؛ فكان قوله: ﴿ تستعجلون ﴾ في نفسه وعيداً.
وقد دلّ على أنَّه بيد الله وأنّ الله هو الذي يقدّر وقته الذي ينزل بهم فيه، لأنّ تقديم المسند الظرف أفاد قصر القلب، لأنّهم توهّموا من توعّد النبي صلى الله عليه وسلم إيَّاهم أنّه توعّدهم بعقاب في مقدرته.
فجعلوا تأخّره إخلافاً لتوعّده، فردّ عليهم بأنّ الوعيد بيد الله، كما سيصرّح به في قوله: ﴿ إننِ الحكم إلاّ لله ﴾ .
فقوله: ﴿ إن الحكم إلاّ لله ﴾ تصريح بمفهوم القصر، وتأكيد له.
وعلى وجه كون ضمير ﴿ به ﴾ للقرآن، فالمعنى كذّبتهم بالقرآن وهو بيِّنة عظيمة، وسألتم تعجيل العذاب تعجيزاً لي وذلك ليس بيدي.
وجملة ﴿ يقصّ الحقّ ﴾ حال من اسم الجلالة أو استئناف، أي هو أعلم بالحكمة في التأخير أو التعجيل.
وقرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، وأبو جعفر ﴿ يقُصّ ﴾ بضمّ القاف وبالصاد المهملة فهو من الاقتصاص، وهو اتِّباع الأثر، أي يجري قدره على أثر الحقّ، أي على وفقه؛ أو هو من القصص، وهو الحكاية أي يحكي بالحق، أي أنّ وعده واقع لا محالة فهو لا يخبر إلاّ بالحق.
و ﴿ الحقّ ﴾ منصوب على المفعولية به على الاحتمالين.
وقرأ الباقيون ﴿ يَقْض ﴾ بسكون القاف وبضاد معجمة مكسورة على أنَّه مضارع (قضى)، وهو في المصحف بغير ياء.
فاعتُذر عن ذلك بأنّ الياء حُذفت في الخطّ تبعاً لحذفها في اللفظ في حال الوصل، إذ هو غير محلّ وقف، وذلك ممّا أجري فيه الرسم على اعتبار الوصل على النادر كما كتب ﴿ سندعُ الزبانيةُ ﴾ [العلق: 18].
قال مكِّي قراءة الصّاد (أي المهملة) أحبّ إليّ لاتّفاق الحرمييْن (أي نافع وابن كثير) عليها ولأنَّه لو كان من القضاء للزمت الباء الموحَّدة فيه، يعني أن يقال: يقص بالحق.
وتأويله بأنّه نصب على نزع الخافض نادر.
وأجاب الزّجاج بأنّ ﴿ الحقّ ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، أي القضاء الحقّ، وعلى هذه القراءة ينبغي أن لا يوقف عليه لئلاّ يضطرّ الواقف إلى إظهار الياء فيخالف الرسم المصحفي.
وجملة: ﴿ وهو خير الفاصلين ﴾ أي يقصّ ويخبر بالحقّ، وهو خير من يفصل بين الناس، أو يقضي بالحقّ، وهو خير من يفصل القضاء.
والفصْل يطلق بمعنى القضاء.
قال عُمر في كتابه إلى أبي موسى «فإنّ فصْل القضاء يورث الضغائن».
ويطلق بمعنى الكلام الفاصل بين الحقّ والباطل، والصواب والخطأ، ومنه قوله تعالى: ﴿ وآتيناه الحكمة وفصْلَ الخطاب ﴾ [ص: 20] وقوله: ﴿ إنَّه لَقَوْل فصْل ﴾ [الطارق: 13].
فمعنى ﴿ خير الفاصلين ﴾ يشمل القول الحقّ والقضاء العدل.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ في البَيِّنَةِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: الحَقُّ الَّذِي بانَ لَهُ.
والثّانِي: المُعْجِزُ في القُرْآنِ.
﴿ وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وكَذَّبْتُمْ بِالبَيِّنَةِ.
والثّانِي: وكَذَّبْتُمْ بِرَبِّكم.
﴿ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي أُوعِدُوا بِهِ قَبْلَ وقْتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: ما اسْتَعْجَلُوهُ مِنِ اقْتِراحِ الآياتِ لِأنَّهُ طَلَبُ الشَّيْءِ في غَيْرِ وقْتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الحُكْمُ في الثَّوابِ والعِقابِ.
والثّانِي: الحُكْمُ في تَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ.
﴿ يَقُصُّ الحَقَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ ﴿ يَقُصُّ ﴾ بِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مِنَ القَصَصِ وهو الإخْبارُ بِهِ، وقَرَأ الباقُونَ "يَقْضِي" بِالضّادِ مُعْجَمَةً مِنَ القَضاءِ، وهو صُنْعُ الحَقِّ وإتْمامُهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ والأرْزاقِ والأقْدارِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الوُصُولُ إلى العِلْمِ بِالغَيْبِ.
﴿ وَيَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ما في البَرِّ ما عَلى الأرْضِ، وما في البَحْرِ ما عَلى الماءِ، وهو الظّاهِرُ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّ البَرَّ القَفْرُ، والبَحْرَ القُرى لِوُجُودِ الماءِ فِيها، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بَحْرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ﴾ يَعْنِي قَبْلَ يُبْسِها وسُقُوطِها.
﴿ وَلا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما في بَطْنِها مِن بَذْرٍ.
والثّانِي: ما تُخْرِجُهُ مِن زَرْعٍ.
﴿ وَلا رَطْبٍ ولا يابِسٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّطْبَ النَّباتُ واليابِسَ الجَواهِرُ.
والثّانِي: أنَّ الرَّطْبَ الحَيُّ، واليابِسَ المَيِّتُ.
﴿ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ يَعْنِي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الشعبي أنه قرأ ﴿ يقضي الحق ﴾ وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن أبي بن كعب قال: أقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً ﴿ يقص الحق وهو خير الفاصلين ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس.
أنه كان يقرأ ﴿ يقص الحق ﴾ ويقول ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ [ لقمان: 34] .
وأخرج ابن الأنباري عن هرون قال: في قراءة عبد الله ﴿ يقص الحق ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد الأنباري عن هرون قال: في قراءة عبد الله ﴿ يقص الحق ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد أنه كان يقرأ ﴿ يقص الحق ﴾ وقال: لو كانت يقضي، كانت بالحق.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله: ﴿ لقضي الأمر بيني وبينكم ﴾ قال: لقامت الساعة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾ الآية.
معنى البينة: الدلالة التي تفصل الحق من الباطل (١) (٢) وقال أبو إسحاق: (أنا على أمر بين لا متّبع لهوًى) (٣) وقال بعض أهل المعاني: (البيّنة هاهنا المعجزة يعني: القرآن) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ﴾ هذه الهاء كناية عن البيان، أيَ: وكذبتم بالبيان؛ لأن البيّنة والبيان بمعنى واحد، ويجوز أن تكون الكناية عن معنى البيّنة، وهو ما أتاهم به من القرآن؛ لأنه هو البيّنة، فيكون المعنى: وكذبتم بما أتيتكم به، هذا قول الزجاج (٥) وقال غيره: (معناه: وكذبتم بربي؛ لأنه قد جرى ذكره) (٦) وقوله تعالى: ﴿ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ قال ابن عباس (٧) (٨) ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا ﴾ ) الآية [الأنفال: 32].
قال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون الذي استعجلوا به الآيات التي اقترحوها عليه، فأعلم الله أن ذلك عنده فقال: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ ) (٩) قال ابن عباس: (يريد: أن ذلك عند ربي) (١٠) قال أهل المعاني: قوله تعالى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ (أي: الحكم الذي يفصل به بين المختلفين بإيجاب الثواب والعقاب أو الحكم الذي يفصل كل حق من باطل لا يكون على هذا الإطلاق إلا لله جل وعز) (١١) وقوله تعالى: ﴿ يَقُصُّ الْحَقَّ ﴾ ، أي: يقول الحق، ومعناه: أن جميع ما أنبأ به وأمر به فهو من أقاصيص الحق (١٢) ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ﴾ ، هذه قراءة أهل الحجاز (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) ﴿ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) ﴾ و ﴿ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ يَقُصُّ الْحَقَّ ﴾ (١٧) ﴿ الْحَقَّ ﴾ صفة للمصدر، المعنى: يقضي القضاء الحق، ويجوز أن يكون ﴿ يَقْضِ الْحَقَّ ﴾ : يصنع الحق؛ لأن كل شيء صنعه الله عز وجل فهو حق) (١٨) (١٩) وَعَلَيْهَما مَسْروُدتانِ قَضاهُما ...
داوُدُ ....................) (٢٠) أي: صنعهما داود، واحتج أبو عمرو لهذه القراءة (٢١) ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ﴾ قال: (والفصل في القضاء ليس في القصص) (٢٢) ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ ، وقال: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ ، وقال: ﴿ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ ﴾ فقد حمل الفصل على القول واستعمل معه كما جاء مع القضاء) (٢٣) (١) انظر: "زاد المسير" 3/ 51.
(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 50، وقال في "تنوير المقباس" 2/ 25: (على بيان من ربي وبصيرة من أمري وديني) ا.
هـ.
(٣) "معانى القرآن" 2/ 255 - 256.
(٤) انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 218.
(٥) "معاني الزجاج" 2/ 256.
(٦) هذا قول الطبري 7/ 211، ورجحه أبو حيان في "البحر" 4/ 142، والسمين في "الدر" 4/ 657، وانظر: ابن الجوزي 3/ 51، والقرطبي 6/ 438.
(٧) "تنوير المقباس" 2/ 25، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 51، وابن الجوزي 3/ 51، عن ابن عباس والحسن.
(٨) ذكره الماوردي 1/ 121.
(٩) "معاني الزجاج" 2/ 256، وأكثرهم على أن المراد العذاب والظاهر العموم من العذاب والآيات، انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 564، والطبري 7/ 213، و"معاني النحاس" 2/ 432، والسمرقندي 1/ 489، وابن عطية 5/ 219، والقرطبي 6/ 439، و"البحر" 4/ 142، وابن كثير 2/ 153.
(١٠) "تنوير المقباس" 2/ 25 وفيه: (ما الحكم بنزول العذاب إلا لله) ا.
هـ (١١) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 7.
(١٢) هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 257.
(١٣) (قرأ ابن كثير وعاصم ونافع: (يَقُصُّ) بضم القاف وصاد مهملة مشددة مرفوعة، من القصص، وقرأ الباقون بسكون القاف وضاد معجمة مخففة مكسورة من القضاء، ولا خلاف أنه بغير ياء في الوصل).
انظر: "السبعة" ص 259، و"المبسوط" ص 169، و"التذكرة" 2/ 400، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 258.
(١٤) في النسخ (يقضي) بالياء، وهو خلاف الرسم.
(١٥) في (أ): (يقضي) بالياء، وهو خلاف الرسم.
(١٦) انظر: "الحجة" لابن خالويه ص 140، و"الكشف" 1/ 434.
(١٧) في النسخ (يقضي) بالياء.
(١٨) "معاني القرآن" للزجاج 2/ 256، وفيه زاد: (فهو حق وحِكمةٌ، إلا أن ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ﴾ يدل على معنى القضاء الذي هو الحكم، فأما قضى في معنى صنع فمثله قول الهذلي ...) ا.
هـ وبمثل قول الزجاج قال الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 359 - 360، وأبو علي في "الحجة" 3/ 319.
(١٩) الهذلي: خُوَيْلد بن خالد بن مُحرّث الهذلي، أبو ذؤيب، تقدمت ترجمته.
(٢٠) "شرح أشعار الهذليين" 1/ 39، و"مجاز القرآن" 1/ 52 - 275، و"معاني القراءات" 1/ 359، و"الحجة لأبي علي" 3/ 319، 4/ 254، و"اللسان" 1/ 418 (تبع)، و"الدر المصون" 2/ 86، وتكملته: (أو صَنَعُ السَّوابغ تُبَّعُ) وهو من قصيدة من عيون المراثي قالها في رثاء أبنائه الذين أصابهم الطاعون، المسرودتان: درعان، وأصل السَّرْد الخرز في الأديم، والصنع: الحاذق بالعمل، وتبع، بالضم: ملك تصنع له الدروع، انظر: "جمهرة أشعار العرب" 247.
(٢١) ذكره أبو علي في "الحجة" 3/ 318، وابن خالويه في "إعراب القراءات" 1/ 159 ، وابن زنجلة في "الحجة" ص 254.
(٢٢) "معاني القرآن للنحاس" 2/ 434 - 435.
(٢٣) "الحجة" لأبي علي 3/ 318 - 319.
<div class="verse-tafsir"
﴿ على بَيِّنَةٍ ﴾ أي على أمر بيِّن من معرفة ربي والهاء في بينة للمبالغة أو للتأنيث ﴿ وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ الضمير عائد على الرب أو على البينة ﴿ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ أي العذاب الذي طلبوه في قولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء، وقيل: الآيات التي اقترحوها والأول أظهر ﴿ يَقُصُّ الحق ﴾ من القصص وقرئ يقضي بالضاد المعجمة من القضاء وهو أرجح لقوله: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين ﴾ أي الحاكمين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بالغدوة ﴾ مضموم الغين ساكن الدال مفتوح الواو وكذا في الكهف: ابن عامر الباقون: بفتح الغين والدال وبالألف ﴿ أنه ﴾ بالفتح ﴿ فإنه ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع.
وقرأ ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب جميعاً بالفتح.
الباقون: بالكسر فيهما ﴿ وليستبين ﴾ بياء الغيبة: زيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.
الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ سبيل ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وزيد.
الباقون: بالرفع ﴿ يقص ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وعاصم.
الباقون ﴿ يقضي الحق ﴾ .
الوقوف: ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ من بيننا ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بكس الألف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ أهواءكم ﴾ لا لتعيين "إذا" بما قبله أي قد ضللت "إذا" اتبعت ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ وكذبتم به ﴾ ط ﴿ تستعجلون به ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ الفاصلين ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد المقصود.
﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين أمر الرسول بالإنذار وهو الإعلام بموضع المخافة فقال له ﴿ وأنذر به ﴾ قال ابن عباس والزجاج: أي بالقرآن وهو المذكور هنا في قوله ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليّ ﴾ وقال الضحاك: أي بالله.
قيل: والأول أولى لأن الإنذار والتخويف إنما يقع بالقول وفيه نظر، لأن الإنذار لا نزاع فيه أنه قول ولكن المنذر به قلما يكون قولاً لقوله ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ ﴿ فأنذرتكم ناراً تلظى ﴾ ولو زعم أن المراد وأنذرهم النار والعذاب بواسطة القرآن قلنا: فقدر مثله ههنا، والمعنى أنذرهم العذاب بقول ينبىء عن شدة سخط الله وعقوبته.
أما ﴿ الذين يخافون أن يحشروا ﴾ فقيل: إنهم الكافرون الذين سبق ذكرهم، فلعل ناساً من المشركين من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقاً فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار فأمر أن ينذر هؤلاء دون المتمردين منهم.
ثم قال هذا القائل ولا يجوز حمله على المؤمنين لأنهم يعلمون أنهم يحشرون، والعلم خلاف الخوف والظن.
وضعف بأن الخوف شامل للناس كافة لعدم الجزم بالثواب وقبول الطاعة وإن كانوا مقرين بصحة الحشر والنشر فالظاهر أن الضمير يتناول الكل لأن العاقل لا بد أن يخاف الحشر سواء كان جازماً به أو شاكاً فيه.
وأيضاً إنه مأمور بتبليغ الكل فلا وجه للتخصيص.
وقيل: إنهم قوم مسلمون مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه لعلهم يدخلون في زمرة أهل التقوى من المسلمين.
وقيل: هم أهل الكتاب لأنهم مقرون بالعبث.
ومعنى ﴿ إلى ربهم ﴾ إلى حكمه وقضائه فلا يلزم منه مكان ولا جهة.
أما قوله ﴿ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ﴾ فقال الزجاج: إن الجملة في موضع الحال من ضمير ﴿ يحشروا ﴾ أي يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم.
فإن كان الضمير للكفار فظاهر، وإن كان للمؤمنين فشفاعة الملائكة والرسل إذا كانت بإذن الله فإنها تكون بالحقيقة من الله فصح أنه ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع، ولا بد من هذه الحال لأن الحشر مطلقاً ليس مخوفا وإنما المخوف هو الحشر على هذه الحالة لأنهم اعتقدوا أن لا ناصر ولا شفيع إلا الله وإذا لم يكن الله ناصراً وشفيعاً لزم أن لا يكون ناصراً أصلاً.
﴿ لعلهم يتقون ﴾ قال ابن عباس: لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي.
قالت المعتزلة: فيه دلالة على أنه أراد من الكفار التقوى والطاعة.
وأجيب بأن الترجي راجع إلى العباد.
ولما أمر بإنذار عموم المكلفين ليتقوا أردفهم بذكر المتقين وأمر بتقريبهم وإكرامهم.
"روي عن ابن مسعود أن الملأ من قريش مروا على رسول الله - وعنده صهيب وبلال وخباب وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين - فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء أتريد أن نكون تبعاً لهؤلاء؟
اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك.
فقال : ما أنا بطارد المؤمنين.
فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت.
فقال: نعم طمعاً في إيمانهم" .
وروي أن عمر قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون.
ثم إنهم قالوا للرسول : اكتب بذلك كتاباً، فدعا الصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت ﴿ ولا تطرد ﴾ الآية.
فرمى بالصحيفة واعتذر عمر عن مقالته.
قال سلمان وخباب: فينا نزلت.
فكان رسول الله يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ﴾ فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه.
وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات، أثنى الله عليهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي.
قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أي يصلون صلاة الصبح والعصر.
وقيل: أي يذكرون ربهم طرفي النهار، والمراد بالغداة والعشي الدوام.
والغداة لغة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والعشي ما بين الزوال إلى الغروب.
قال الجوهري: غدوة بالتنوين نكرة وبدونه معرفة غير مصروفة كسحر.
ومحل ﴿ يريدون وجهه ﴾ نصب على الحال أو على الاستئناف كأنه قيل: ما أرادوا بالمواظبة على الدعاء؟
فأجيب بقوله ﴿ يريدون وجهه ﴾ ولا يثبت به لله عضو كما زعمت المجسمة ولكن المراد به التعظيم، فقد يعبر به عن ذات الشيء أو حقيقته كما يقال: هذا وجه الرأي وذاك وجه الدليل.
وأيضاً المحبة تستلزم طلب رؤية الوجه فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا.
ثم علل النهي بقوله ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ قيل: الضمير عائد إلى المشركين أي لا يؤاخذوا بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويدعوك ذلك إلى أن تطرد المؤمنين، والأولى أن يعود إلى الفقراء ليناسب قوله ﴿ فتطردهم ﴾ كما في قصة نوح ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم كان الأمر على ما زعموا فيما يلزمك إلا اعتبار الظاهر إن كان لهم باطن غير مرضي فحسابهم لا يتعدى إليك كما أن حسابك لا يتعدى إليهم، فالجملتان لهما مؤدى واحد وهو المفهوم من قوله ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه.
وقيل: ما عليك من حساب رزقهم من شيء ولا من حساب رزقك عليهم من شيء.
وإنما الرازق لك ولهم هو الله فدعهم يكونوا عندك، أما قوله ﴿ فتطردهم ﴾ فهو جواب النفي في ﴿ ما عليك ﴾ وفي انتصاب ﴿ فتكون ﴾ وجهان: أحدهما أنه جواب النهي، والثاني أنه عطف على ﴿ فتطردهم ﴾ على وجه التسبب، لأن كونه ظالماً معلوم من طردهم ومسبب عنه، فإن طرد من يستوجب التقريب والترحيب وضع للشيء في غير موضعه ومن هنا طعن بعض الناس في عصمة النبي قالوا: كان يقول كلما دخل أولئك الفقراء عليه بعد هذه الواقعة مرحباً بمن عاتبني ربي فيهم أو لفظ هذا معناه.
والجواب أنه ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما أفرد لهم مجلساً تألفاً لقلوبالمشركين وتكثيراً لسواد الإسلام مع علمه بأنه لا يفوت الفقراء بهذه المصالحة أمر مهم في الدنيا ولا في الدين، فغاية ذلك أنه يكون من باب تبرك الأولى والأفضل، ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الفتن العظيم ﴿ فتنا ﴾ ابتلينا بعض الناس ببعض، فأحد الفريقين وهم الكفار يرى الآخر مقدماً عليه في المناصب الدينية فيقول ﴿ أهؤلاء ﴾ المسترذلون ﴿ منّ الله عليهم من بيننا ﴾ كقوله: ﴿ أألقي الذكر عليه من بيننا ﴾ والفريق الآخر يرى الأول مقدماً عليه في الخيرات العاجلة والخصب والسعة الراحة والدعة فيقول: أهذا هو الذي فضله الله علينا.
وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله فهو صواب، ولا اعتراض عليه بحكم المالكية وبحسب رعاية الأصلح.
وبالجملة فصفات الكمال غير محصورة ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة بل هي موزعة على الخلائق وكلها محبوبة لذاتها.
فكل إنسان يحسد صاحبه على ما آتاه الله من صفة الكمال، فمن عرف سر القدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض لغيره وعاش عيشاً طيباً في الدنيا والآخرة.
قال هشام بن الحكم الافتتان الاختبار والامتحان، وفيه دليل على أنه لا يعلم الجزيئات إلا عن حدوثها.
والجواب أنه يعامل المكلف معاملة المختبر وقد مر مراراً.
وقالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال لأن تلك الفتنة التي ألقاها الله ليست إلا اعتراضهم على الله والاعتراض عليه كفر.
فهو خالق للكفر.
وأيضاً منة الله عليهم ليست إلا بالإيمان ومتابعة الرسول، فلو كان الموجد للإيمان هو العبد كان العبد هو المان على نفسه.
أجاب المعتزلة بأن معنى فتناهم ليقولوا خذلناهم حتى آل أمرهم إلى أن قالوا: فتكون اللام لام العاقبة، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع أنا ننقل الكلام إلى الخذلان فلا بد من الانتهاء إليه تعالى ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ بمن يصرف كل ما أنعم به عليه فيما أعطاه لأجله فيظهر أفعاله على حسب معلوم الله .
وقال في الكشاف: أي الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان، وبمن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق.
﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيّه عن طردهم وكان إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" .
وقال ماهان الحنفي: أتى قوم النبي فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً، وأظهروا الندامة والأسف فما أخاله رد عليهم بشيء.
فلما ذهبوا وتولوا نزلت الآية.
قال في التفسير الكبير: الأقرب أن تحمل الآية على عمومها، فكل من آمن بآيات الله يدخل تحت هذا التشريف والإكرام ثم أبدى إشكالاً وهو أن المفسرين اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من جميع آي هذه السورة إنها نزلت بسبب الأمر الفلاني؟
قلت: لا استبعاد في أن تنزل السورة دفعة وينزل الصحابة كل آية منها على واقعة تناسبها، كيف وهم أعرف بحقائق التنزيل وأعلم بدقائق التأويل لأنهم أهل مشاهدة الوحي وأرباب مزاولة الأمر والنهي؟!
واعلم أن ما سوى الله فهو آيات وجود الله،وأنها لا تكاد تنحصر فيجب على المكلف أن يكون مدة حياته كالسابح في تلك البحار والسائح في هذه القفار ليكون دائماً مترقياً في معارجها مترقباً أن تفيض عليه الأنوار من مدارجها فيستعد لبشارة ﴿ سلام عليكم ﴾ ويستأهل لكرامة ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم.
قال الزجاج: ﴿ سلام ﴾ إما مصدر "سلمت سلاماً وتسليماً" مثل: كلمت كلاماً وتكليماً.
ومعناه الدعاء بأن يسلم من الآفات في نفسه ودينه، وإما أن يكون جمع سلامة.
وقيل: السلام هو الله أي الله عليكم أي على حفظكم ولعل هذا الوجه إنما يتأتى في المعرف لا في المنكر.
﴿ كتب ربكم ﴾ من جملة المقول لهم تبشيراً بسعة رحمة الله وقبوله التوبة.
ومعنى كتب على نفسه أوجب على ذاته إيجاب الكرم لا إيجاباً يستحق بتركه الذم.
وقالت المعتزلة: كونه عالماً بقبح القبائح وباستغنائه عنها يمنعه عن الإقدام عليها ولو فعل كان ظلماً، وإيجاب الرحمة ينافي القول بأنه منع الكافر من الإيمان ثم أمره حال ذلك المنع بالإيمان ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان، وأجيب بأنه فاعل لما يشاء ولا اعتراض عليه.
﴿ أنه من عمل ﴾ من قرأ بالفتح فعلى الإبدال من الرحمة، ومن قرأ بالكسر فعلى الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: إنه من عمل ﴿ منكم سوءاً بجهالة ﴾ وهو في موضع الحال أي عمله وهو جاهل.
والمراد أنه فاعل فعل الجهال لأن من عمل ما يضره في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه لا من أهل الحكمة والتدبير، أو أنه جاهل بعاقبته ومن حق الحكيم أن لا يقدم على ما لا يعرف مآل حاله.
﴿ ثم تاب من بعده ﴾ بأن يندم على ما فعله ﴿ وأصلح ﴾ العمل في المستقبل ﴿ فأنه غفور ﴾ يزيل العقاب عنه ﴿ رحيم ﴾ يوصل الثواب إليه من قرأ بالكسر فعلى: أن الجملة جزاء للشرط، ومن قرأ بالفتحفعلى أن الخبر أو المبتدأ محذوف أي فغفرانه كائن أو فأمره أنه غفور.
قيل: إن الآية نزلتفي عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما طلبوا ولم يعلم أنها مفسدة.
﴿ وكذلك ﴾ أي كما فصلنا في هذه السورة دلائلنا على التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ﴿ نفصل الآيات ﴾ ونميزها لك في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل ﴿ وليستبين ﴾ معطوف على محذوف كأنه قيل: ليظهر الحق وليستبين، أو معلق بمحذوف أي وليستبين سبيل المجرمين فصلنا ذلك التفصيل البين.
من رفع "السبيل" قرأ ﴿ ليستبين ﴾ بالياء أو بالتاء لأن السبيل يذكر ويؤنث، ومن نصب السبيل قرأ ﴿ لتستبين ﴾ بتاء الخطاب مع الرسول يقال: استبان الأمر وتبين واستبنته وتبينته واستبانة سبيل المجرمين تستلزم استبانة طريق المحقين، فلذلك اقتصر على أحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ ولم يذكر البرد.
وإنما ذكر المجرمين دون المحقين لأن طريق الحق واحد والمجرمون أصناف يشتبه أمرهم، فمنهم من هو مطبوع على قلبه، ومنهم من يرجى فيهم قبول الإسلام، ومنهم من دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده فينبغي أن يستوضح سبيلهم ليعامل كلاً منهم بما يجب، ومن جملة ذلك أنه نهى عن عبادة معبوداتهم وذلك قوله ﴿ قل إني نهيت ﴾ أي صرفت بدلائل العقلية والسمعية ﴿ أن أعبد الذين تدعون ﴾ تعبدون ﴿ من دون الله قل لا أتبع أهواءكم ﴾ لأن عبادة المصنوع والمخلوف محض التقليد وعين الهواى ﴿ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ﴾ أثبت الضلال إذ ذاك ونفى الهدى مع أنهما متلازمان للتقرير والتأكيد، وفيه تعريض بهم أنهم كذلك.
ثم نبه على ما يجب اتباعه بقوله ﴿ قل إني على بينة من ربي ﴾ على حجة واضحة من مغفرة ربي وأنه لا معبود سواه ﴿ وكذبتم ﴾ أنتم به حيث أشركتم به غيره.
يقال: أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه إذا كان ثابتاً عنده بدليل.
وقيل: أي على حجة من جهة ربي وهي القرآن ﴿ وكذبتم به ﴾ أي بالبينة وذكر الضمير على تأويل القرآن أو البيان.
﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحرث ورؤساء قريش كانوا يقولون: يا محمد آتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم.
﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ مطلق يتناول الكل.
فقال الأشاعرة: لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله فيمتنع منه فعل الكفر إلا بإرادة الله، واحتجت المعتزلة بقوله ﴿ يقضي الحق ﴾ أي كل ما قضى به فهو الحق، وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس بحق.
ويمكن أن يقال: إن جميع أحكامه حق وصدق ولا اعتراض لأحد عليه بحكم المالكية.
وانتصاب ﴿ الحق ﴾ على أنه صفة مصدر أي يقضي القضاء الحق، أو مفعول به من قولهم: قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره.
ومثله من قرأ ﴿ يقصر الحق ﴾ كقوله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ أي يقول الحق أو يتبعه من قص أثره ﴿ وهو خير الفاصلين ﴾ أي القاضي، وإنما كتب ﴿ يقض ﴾ في المصاحف بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، وليوافق قراءة ﴿ يقص ﴾ ﴿ قل لو أن عندي ﴾ أي في قدرتي وإمكاني ﴿ ما تستعجلون ﴾ من العذاب ﴿ لقضي الأمر ﴾ أمر الإهلاك ﴿ بيني وبينكم ﴾ عاجلاً غضباً لربي ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ فيؤخر عقابهم إلى وقته وأنا لا أعلم ما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره.
فإن قلت: أما يناقض هذا قوله ﴿ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ﴾ فإن استعجال الهلاك ينافي الحرص على الإيمان، لأن من حرص على إيمان أحد حرص على طول حياته طمعاً في إيمانه.
قلت: لا، بل يؤكده لاشتراك كل من الحكمين في الاستعجال اللازم للبشرية في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولا ﴾ ثم بين أعلميته بقوله على سبيل الاستعارة ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ أراد أن المتوصل إلى المغيبات وحده كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها ولم يمنعه من ذلك مانع، والمفاتح جمع مفتح وهو المفتاح، أو جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن، قال الحكيم في بيانه: إن العلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول وكل ما سوى الواجب فإنه موجود بإيجاده وتكوينه بواسطة أو بوسائط، فعلمه بذاته يوجب العلم بجميع آثاره على ترتيبها المعتبر - كليات كانت أو جزيئات - وعلمه بذاته لم يحصل إلا لذاته فصح ان يقال: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.
وفيه أنه لا ضد له ولا ند إذ لو كان في الوجود واجب آخر لكانت مفاتح الغيب حاصلة أيضاً عنده فيبطل هذا الحصر، ولا يمكن أن تكون هذه المفاتح عند شيء من الممكنات لأن المحاط لا يحيط بمحيطه فلا يحيط ما دون الواجب بالواجب، فلا يكون المفتاح الأوّل للعلم بجميع المعلومات إلا عنده.
ثم إن قوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ قضية معقولة مجردة، والإنسان الذي يقوي على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جداً والقرآن إنما نزل لينتفع به جميع الناس فذكر من الأمور المحسوسة الداخلة تحت تلك القضية الكلية أمثالاً لها ليعين الحس العقل فقال ﴿ ويعلم ما في البر والبحر ﴾ لأن ذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظيمة لذلك المعقول، وقدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر وكثرة ما فيه من المدن والقرى والجبال والتلال والمعادن والنبات والحيوان، وأما البحر فإحاطة الحس بأحواله أقل مع كثرة ما فيها من العجائب والغرائب أيضاً.
ثم أفرد من هذه المحسوسات قسماً فقال ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ﴾ أي لا يتغير حال ورقة إلا والحق يعلمها.
ثم عدل عن التعجيب من كثرة المدركات إلى التعجيب من صغر المدرك وخفائه فقال ﴿ ولا حبة في ظلمات الأرض ﴾ وفي تخصيص الحبة والورقة تنبيه للمكلفين على أمر الحساب لأنه إذا كان بحيث لا يهمل أمر الأشياء التي ليس لها ثواب ولا عقاب فلأن لا يهمل أمر المكلفين أولى.
ثم عاد إلى ذكر القضية الكلية المجردة بعبارة أخرى فقال ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ قال في الكشاف: ولا حبة ولا رطب ولا يابس عطف على ورقة وداخل في حكمها كأنه قيل: وما يسقط شيء من هذه الأشياء إلا وهو يعلمه.
وقوله ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ إلا يعلمها ﴾ ومعنى ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ واحد.
والكتاب المبين علم الله أو اللوح.
قال علماء التفسير: يجوز أن يكون الله جل شأنه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق لتقف الملائكة على نفاذ علمه في المعلومات وأنه لا يغيب عنه شيء، فيكون في ذلك عبرة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في العالم فيجدونه موافقاً له.
أو لأنه إذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع تغيرها وإلا لزم الكذب أو الجهل فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب سبباً تاماً في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم.
ثم لما بين كمال علمه أردفه ببيان كمال قدرته بقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم ﴾ أي يتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز.
وذلك أن الأرواح الجسمانية تغور حالة النوم من الظاهر إلى الباطن فتتعطل الحواس عن بعض الاعمال، وأما عند الموت فتصير جملة البدن معطلة عن كل الأعمال فلهذا كان النوم أخا الموت فصح إطلاق لفظ الوفاة على النوم من هذا الوجه ﴿ ويعلم ما جرحتم ﴾ أي ما كسبتم من العمل بالنهار ومنه الجوارح للأعضاء وللسباع ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ أي يردّ إليكم أرواحكم بالنهار ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ أي أعماركم المكتوبة.
وقضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت.
ثم لما ذكر أنه يميتهم أولاً ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جارياً مجرى الإحياء بعد الإماتة فلا جرم استدل بذلك على صحة البعث في القيامة فقال ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ في ليلكم ونهاركم وجميع أحوالكم وأوقاتكم.
واعلم أن في هذه الآية إشكالاً لأن قوله ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ كان ينبغي أن يكون بعد قوله ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ فإن البعث في النهار مقدم على الكسب فيه بل على تعلق العلم بالكسب.
ويمكن أن يجاب بأن المراد ويعلم ما جرحتم في النهار الماضي بدليل قوله ﴿ جرحتم ﴾ دون "تجرحون" ثم يبعثكم في النهار الآتي.
والغرض بيان إحاطة علمه وقدرته بالزمانين المحيطين بالليل.
ولعل صاحب الكشاف لمكان هذا الإشكال عدل عن هذا التفسير إلى أن قال: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ والخطاب للكفرة أي أنتم منسدحون الليل كالحيف.
والانسداح الانبطاح أو الاستلقاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ ما كسبتم من الآثام فيه ﴿ ثم يبعثكم ﴾ من القبور ﴿ فيه ﴾ أي في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام في النهار ومن أجله كقولك: فيم دغوتني؟
فيقول: في أمر كذا ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم ﴿ ثم إليه مرجعكم ﴾ وهو المرجع إلى موقف الحساب.
والأصوب عندي أن يقال: الخطاب عام، وكذا الكسب في النهار فينبغي أن لا يقيد بالآثام.
أما الضمير في ﴿ فيه ﴾ فيكون جارياً مجرى اسم الإشارة إلى الكسب.
والبعث هو البعث من القبور إلى آخر ما قال والله علم.
التأويل: ﴿ وأنذر به ﴾ أي بهذه الحقائق والمعاني ﴿ الذين يخافون ﴾ أي يرجون ﴿ أن يحشروا إلى ربهم ﴾ بجذبات العناية ويتحقق لهم أن ﴿ ليس لهم ﴾ في الوصول إلى الله ﴿ من دونه ولي ﴾ من الأولياء ﴿ ولا شفيع ﴾ يعني من الأنبياء، لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق.
﴿ ولا تطرد الذين يدعون ﴾ أخبر عن الفقراء أنهم جلساؤه بالغداة والعشي كما قال "أنا جليس من ذكرني" فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك لا يريدون الدنيا ولا الآخرة ولكن يريدون وجهه.
وكل له سؤل ودين ومذهب *** ووصلكم سؤلي وديني رضاكم قال المحققون: الإرادة اهتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصلإلى الله.
فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ولا يجد من دون الوصول إلى الله سكوناً ولا قراراً ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ يعني الذي لنا معك في الحساب من المواصلة والتوحيد في الخلوة فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك ثقلاً ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ أي الذي لنا معهم في الحساب من التفرد للوصول والوصال ليس لك إلى ذلك حاجة ليثقل عليهم ﴿ فتطردهم ﴾ فتكسر قلوبهم بالطرد ﴿ فتكون من الظالمين ﴾ بوضع الكسر مقام الجبر فإنك بعثت لجبر قلوبهم لا لكسر قلوبهم كقوله ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ ليشكر الفاضل وليصبر المفضول فيستويان في الفضل فلهذا قيل: لسليمان ولأيوب كليهما: نعم العبد.
مع قدرة سليمان على أسباب الطاعة وعجز أيوب عنها.
ومن فتنة الفاضل في المفضول رؤية فضله على المفضول أو تحقيره، ومنع حقه عنه في فضله، ومن فتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخطه عليه في منع حقه من فضله عنه، فإن المعطي والمانع هو الله.
ومنه أن لا يرىالفاضل مستحقاً للفضل ليقولوا ﴿ أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إنه من كمال فضله على الفقراء حملهم محمل الأكابر والملوك في الدنيا فقال لنبيه : "كن مبتدئاً بالسلام عليهم وفي الآخرة فألهم الملائكة أن يسلموا عليهم في الجنة" { ﴿ سلام عليكم طبتم ﴾ بل سلم بذاته عليهم ﴿ سلام قولاً من رب رحيم ﴾ وكل ذلك نتيجة سلامتهم من ظلمة الخلقة بإصابة رشاش النور في الأزل فلهذا قال ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ أي الرحمة الخاصة كما خص الخضر في قوله ﴿ وآتيناه رحمة من عندنا ﴾ والرحمة العامة كما في الحديث الرباني للجنة "إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" ﴿ أنه من عمل منكم ﴾ أي من المؤمنين ﴿ سوءاً بجهالة ﴾ أي بجهالة الجهولية التي جبل الإنسان عليها لا بجهالة الضلالة التي هي نتيجة إخطاء النور فإن هذه لا توبة لها ﴿ ثم تاب من بعده ﴾ أي رجع إلى الله بقدم السير من بعد إفساد الاستعداد الفطري وأصلح الاستعداد بالأعمال الصالحة لقبول الفيض.
﴿ قل إني نهيت ﴾ في الأزل بإصابة النور المرشش.
﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ من عبادة الهوى ﴿ لقضي الأمر ﴾ يعني أمر القتال والخصومات ولاسترحت من أذيتكم لأن الشيء إنما ينفعل عن ضده لا عن شبيهه ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ يعني العلوم العقلية التي هي سبب فتح باب صور عالم الشهادة كالنقاش ينشيء الصور في ذهنه ثم يصوّرها في الخارج.
وإنما وحد الغيب وجمع المفاتح لأن عالم الغيب عالم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة يعلم التكوين ﴿ ويعلم ما في البر ﴾ وهو عالم الشهادة ﴿ والبحر ﴾ وهو عالم الغيب ﴿ و ﴾ بهذا العلم ﴿ ما تسقط من ورقة ﴾ عن شجرة الوجود ﴿ إلا يعلمها ﴾ لأنه مكونها ومسقطها ﴿ ولا حبة ﴾ هي حبة الروح ﴿ في ظلمات ﴾ صفات أرض النفس، أو حبة المحبة في ظلمات أرض القلب ﴿ ولا رطب ولا يابس ﴾ الرطب المؤمن، واليابس ما سيصير موجوداً وما قد صار.
أو الرطب الروحانيات.
واليابس الجمادات.
أو الرطب المؤمن، واليابس الكافر.
أو الرطب العالم، واليابس الجاهل.
أو الرطب العارف، واليابس الزاهد.
أو الرطب أهل المحبة، واليابس أهل السلوة.
أو الرطب صاحب الشهود، اليابس صاحب الوجود.
أو الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنصيبه ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ ليل القضاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ نهار القدر أو الليل، ليل صفات البشرية والنهار نهار الشهود في عالم الوحدة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ هذا يدل على أن النهي عن الطرد ليس للإبعاد خاصة في المجلس، ولكن في كل شيء في بشاشة الوجه واللطف في الكلام وفي كل شيء؛ لأنه قال ﴿ فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ قال بعضهم ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ هو أن يبدأهم بالسلام فذلك الذي كتب على نفسه الرحمة.
وقال بعضهم قوله ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ أي: لم يأخذهم في أول ما وقعوا في المعصية ولكن أمهلهم إلى وقت وجعل لهم المخرج من ذلك بالتوبة وعلى ذلك ما روي عن ابن عباس - - أنه قال: "فتح الله للعبد التوبة إلى أن يأتيه الموت".
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي: كل من عمل سوءاً بجهالة ثم تاب من بعد ذلك وأصلح أنه يغفر له ما كان منه.
ومن قرأها بالنصب عطفه على قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لذلك.
وجائز أن يكون قوله ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ﴾ أي: كتب على خلقه الرحمة أن يرحم بعضهم بعضاً.
وجائز ما ذكرنا أنه كتب على نفسه الرحمة أي: أوجب أن يرحم ويغفر لمن تاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ﴾ جائز أن يكون الآية في الكافر إذا تاب يغفر الله له ما كان منه في حال الكفر والشرك كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ...
﴾ الآية، وقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
وجائز أن تكون في المؤمنين.
ثم ذكر عملا بجهالة وإن لم يكن يعمل بالجهل لأن الفعل فعل الجهل وإن كان فعله لم يكن على الجهل؛ وكذلك ما ذكر من النسيان والخطأ في الفعل؛ لأن فعله فعل ناس وفعل مخطىء وإن لم يفعله الكافر على النسيان والخطأ، وإلا لو كان على حقيقة الخطأ والنسيان لكان لا يؤاخذ به؛ لقوله ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ ﴾ لكن الوجه ما ذكرنا أن الفعل فعل نسيان وخطأ وإن لم يكن ناسياً ولا مخطئاً فيه، وعلى ذلك [الفعل] فعل جهل وإن لم يكن جاهلا والفعل فعل جهل وإن لم يكن بالجهل، والمؤمن جميع ما يتعاطى من المساوي يكون لجهالة؛ لأنه إنما يعمل السوء إما لغلبة شهوة أو للاعتماد على كرم ربه بالعفو عنه والصفح عن ذلك ويعمل السوء على نية التوبة والعزم عليها في آخره.
على هذه الوجوه الثلاثة يقع المؤمن في المعصية وأما على التعمد فلا يعمل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ قرئ بالياء والتاء جميعاً.
فمن قرأ بالتاء نصب السبيل بجعل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه سلم، أي: لتعرف سبيل المجرمين.
ومن قرأ بالياء رفع "السبيل" كأنه قال نفصل الآيات وجوهاً.
أي: نبين الآيات ما يعرف السامعون أنها آيات من عند الله غير مخترعة من عند الخالق ولا مفتراة ما يبين سبيل المجرمين من سبيل المهتدين.
والثاني: نفصل الآيات ما بالخلق حاجة إليها وإلى معرفتها.
والثالث: نبين من الآيات ما بين المختلفين، أي: بين سبيل المجرمين وبين سبيل المهتدين.
﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ تأويله ما ذكرنا أن من قرأ بالتاء حمله على خطاب رسول الله أي: نبين من الآيات لتعرف سبيل المجرمين بالنصب.
ومن قرأ بالياء نبين من الآيات ليتبين سبيل المجرمين من سبيل غير المجرمين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ معناه - والله أعلم -: إني نهيت بما أكرمت من العقل واللب أن أعبد الذين تعبدون من دون الله.
أو يقول: إني نهيت بما أكرمت من الوحي والرسالة أن أعبد الذين تدعون من دون الله.
﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ ثم أخبر أن ما يعبدون هم من دون الله إنما يعبدونه اتباعاً لهوى أنفسهم وأن ما يعبده هو ليس يتبع هوى نفسه، ولكن إنما يتبع الحجة والسمع وما يستحسنه العقل؛ ألا ترى أنه قال ﴿ قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي ﴾ أي: على حجة من ربي؟!
يخبر أن ما يعبده هو يعبده اتباعاً للحجة والعقل، وما يعبدون اتباعاً لهوى أنفسهم، وما يتبع بالهوى يجوز أن يترك أتباعه ويتبع غيره لما تهوى نفسه هذا ولا تهوى الأول وأما ما يتبع بالحجة والسمع وما يستحسنه العقل فإنه لا يجوز أن يترك اتباعه ويتبع غيره وفيه تعريض بسفههم؛ لأنه قال ﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ أي: لو اتبعت هواكم لضللت أنا، وأنتم إذا اتبعتم أهواءكم لعبادتكم غير الله ضلال ولستم من المهتدين؛ فهو تعريض بالتسفيه لهم والشتم منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ قيل: على بيان من ربي وحجة، وقيل على دين من ربي.
وقوله عز وجل ﴿ وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ قيل بالقرآن، وقيل: العذاب ما أوعدتكم ويحتمل كذبتم ما وعدتكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ أي: العذاب كقوله - -: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ﴾ وغيره فقال ما عندي ما تستعجلون به من العذاب.
ثم هذا يدل على أن قوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ أن المراد بالخزائن العذاب أي: ليس عندي ذلك، إنما ذلك إلى الله وعنده ذلك وهو قوله: ﴿ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ ﴾ ، أي: ما الحكم والقضاء إلا لله.
﴿ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ ﴾ اختلف في تلاوته وتأويله: قرأ بعضهم بالضاد وآخرون بالصاد.
فمن قرأ بالصاد ﴿ يَقُصُّ ﴾ يقول يبين الحق؛ لأن القصص هو البيان.
وقال آخر ﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ ﴾ أي: خير المبينين.
ومن قرأ بالضاد يقول يقضي بحكم.
ثم اختلف فيه: قال بعضهم أي: يقضي بالحق وكذلك روي في حرف ابن مسعود أنه قرأ (يقضي بالحق) وقيل فيه إضمار، أي: يقضي ويحكم وحكمه الحق.
﴿ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ ﴾ أي: القاضين والفصل والقضاء واحد؛ لأنه بالقضاء يفصل والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ عن ابن عباس - -: ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ لأهلكتكم.
وقيل: ﴿ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ ، أي: لعجلته لكم بالقضاء [فيما بيننا، يخبر] عن رحمة الله وحلمه، أي: لو كان بيدي لأرسلته عليكم، لكن الله بفضله ورحمته يؤخر ذلك عنكم.
ثم فيه نقض على المعتزلة في قولهم بأن الله لا يفعل بالعبد إلا الأصلح في الدين؛ لأنه قال: ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ ، ثم لا يحتمل أن تأخير العذاب والهلاك خير لهم وأصلح، ثم هو يهلكهم ويكون عظة لغيرهم وزجراً لهم، ثم إن الله - - أخر ذلك العذاب عنهم وإن كان فيه شر لهم؛ فدل أن الله قد يفعل بالعبد ما ليس ذلك بأصلح له في الدين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
أي: عليم بمن الظالم منا؟
وهم كانوا ظلمة.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إني على برهان واضح من ربي، لا على هوى، وأنتم كذبتم بهذا البرهان، ليس عندي ما تستعجلون به من العذاب والآيات الخارقة التي طلبتموها، إنما ذلك بيد الله، فليس الحكم -ومن جملته ما طلبتم- إلا لله وحده، يقول الحق ويحكم به، وهو سبحانه خير من بيّن وميّز المُحِقَّ من المُبطِل.
<div class="verse-tafsir" id="91.pmZge"