الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٦٠ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 86 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٠ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى أنه يتوفى عباده في منامهم بالليل ، وهذا هو التوفي الأصغر كما قال تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي [ ومطهرك من الذين كفروا ] ) [ آل عمران : 55 ] ، وقال تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) [ الزمر : 42 ] ، فذكر في هذه الآية الوفاتين : الكبرى والصغرى ، وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى ، فقال : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) أي : ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار .
وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم ، في حال سكونهم وفي حال حركتهم ، كما قال : ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ) [ الرعد : 10 ] ، وكما قال تعالى : ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ) أي : في الليل ( ولتبتغوا من فضله ) [ القصص : 73 ] أي : في النهار ، كما قال : ( وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا ) [ النبأ : 10 ، 11 ; ولهذا قال هاهنا : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) أي : ما كسبتم بالنهار ) ثم يبعثكم فيه ) أي : في النهار .
قاله مجاهد وقتادة والسدي .
وقال ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير : أي في المنام .
والأول أظهر .
وقد روى ابن مردويه بسنده عن الضحاك ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ، ويرد إليه .
فإن أذن الله في قبض روحه قبضه ، وإلا رد إليه " ، فذلك قوله : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ) وقوله ( ليقضى أجل مسمى ) يعني به : أجل كل واحد من الناس ( ثم إليه مرجعكم ) أي : يوم القيامة ( ثم ينبئكم ) أي : فيخبركم ( بما كنتم تعملون ) أي : ويجزيكم على ذلك إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
القول في تأويل قوله : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: وقل لهم، يا محمد, والله أعلم بالظالمين، والله هو الذي يتوفى أرواحكم بالليل فيقبضها من أجسادكم =" ويعلم ما جرحتم بالنهار " ، يقول: ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار.
ومعنى " التوفي"، في كلام العرب استيفاء العدد, (1) كما قال الشاعر: (2) إِنَّ بَنِــي الأدْرَم لَيْسُــوا مِـنْ أَحَـدْ وَلا تَوَفَّــاهُمْ قُــرَيْشٌ فِـي العَـدَدْ (3) بمعنى: لم تدخلهم قريش في العدد.
* * * وأما " الاجتراح " عند العرب، فهو عمل الرجل بيده أو رجله أو فمه, وهي" الجوارح " عندهم، جوارح البدن فيما ذكر عنهم.
ثم يقال لكل مكتسب عملا " جارح ", لاستعمال العرب ذلك في هذه " الجوارح ", ثم كثر ذلك في الكلام حتى قيل لكل مكتسب كسبًا، بأيّ أعضاء جسمه اكتسب: " مجترِح ".
(4) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: 13309 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: " وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار "، أما " يتوفاكم بالليل " ففي النوم = وأما " يعلم ما جرحتم بالنهار "، فيقول: ما اكتسبتم من الإثم.
13310 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار "، يعني: ما اكتسبتم من الإثم .
13311 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن قتادة: " ما جرحتم بالنهار " ، قال: ما عملتم بالنهار .
13312- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, مثله .
13313 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله : " وهو الذي يتوفاكم بالليل "، يعني بذلك نومهم =" ويعلم ما جرحتم بالنهار " ، أي: ما عملتم من ذنب فهو يعلمه, لا يخفى عليه شيء من ذلك.
13314 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار "، قال: أمّا وفاته إياهم بالليل، فمنامهم = وأما " ما جرحتم بالنهار "، فيقول: ما اكتسبتم بالنهار.
* * * قال أبو جعفر: وهذا الكلام وإن كان خبرًا من الله تعالى عن قدرته وعلمه, فإنّ فيه احتجاجًا على المشركين به، الذين كانوا ينكرون قدرته على إحيائهم بعد مماتهم وبعثهم بعد فنائهم.
فقال تعالى ذكره محتجًا عليهم: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى) ، يقول: فالذي يقبض أرواحكم بالليل ويبعثكم في النهار, لتبلغوا أجلا مسمى، وأنتم ترون ذلك وتعلمون صحّته, غير منكرٍ له القدرة على قبض أرواحكم وإفنائكم، ثم ردِّها إلى أجسادكم، وإنشائكم بعد مماتكم, فإن ذلك نظير ما تعاينون وتشاهدون, وغير منكر لمن قدر على ما تعاينون من ذلك، القدرةُ على ما لم تعاينوه.
وإن الذي لم تروه ولم تعاينوه من ذلك، شبيه ما رأيتم وعاينتم.
* * * القول في تأويل قوله : ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) (5) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: " ثم يبعثكم ", يثيركم ويوقظكم من منامكم (6) =" فيه " يعني في النهار، و " الهاء " التي في" فيه " راجعة على " النهار " (7) =" ليقضى أجلٌ مسمى "، يقول: ليقضي الله الأجل الذي سماه لحياتكم, وذلك الموت, فيبلغ مدته ونهايته (8) =" ثم إليه مرجعكم " ، يقول: ثم إلى الله معادكم ومصيركم (9) =" ثم ينبئكم بما كنتم تعملون "، يقول: ثم يخبركم بما كنتم تعملون في حياتكم الدنيا, (10) ثم يجازيكم بذلك, إن خيرًا فخيرًا وإن شرًّا فشرًّا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: 13315 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ثم يبعثكم فيه "، قال: في النهار.
13316 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن قتادة: " ثم يبعثكم فيه "، في النهار, و " البعث "، اليقظة .
13317- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة مثله .
13318 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ثم يبعثكم فيه "، قال: بالنهار.
(11) 13319 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: " ثم يبعثكم فيه "، قال: يبعثكم في المنام.
* * * =" ليقضى أجل مسمى "، وذلك الموت.
* ذكر من قال ذلك: 13320 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ليقضى أجل مسمى "، وهو الموت .
13321 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ليقضى أجل مسمى "، قال: هو أجل الحياة إلى الموت .
13322 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: " ليقضى أجل مسمى "، قال: مدّتهم .
------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير : التوفي" فيما سلف 6: 455 ، 456/8 : 73/9 : 100/11 : 239 (2) هو منظور الوبري.
(3) اللسان (وفي) ، وسيأتي في التفسير 21: 61 (بولاق) ، وكان في المطبوعة هنا: "إن بني الأدم" ، وفي اللسان"إن بني الأدرد" ، وهما خطأ ، صوابه ما جاء في التفسير بعد.
و"بنو الأدرم" هو بنو"تيم بن غالب بن فهر بن مالك" ، وهم من قريش الظواهر ، لا قريش الأباطح .
وهذا الراجز يهجوهم بأن قريشًا أهل الأباطح ، لا يجعلون بني الأدرم (وهم من قريش الظواهر) تمامًا لعددهم ، ولا يستوفون بهم عددهم إذا عدوا.
(4) انظر تفسير"الجوارح" و"الاجتراح" فيما سلف 9: 543 ، 544.
(5) أسقط في المطبوعة والمخطوطة: "ثم يبعثكم فيه" ، وهو نص التلاوة.
(6) انظر تفسير"البعث" فيما سلف 2: 84 ، 85/5 : 457/10 : 229.
(7) في المطبوعة والمخطوطة: "والهاء التي فيه راجعة" ، بإسقاط"في" ، والصواب إثباتها.
(8) انظر تفسير"أجل مسمى" فيما سلف 6: 43/11 : 259.
(9) انظر تفسير"المرجع" فيما سلف 6: 464/10 : 391/11 : 154.
(10) انظر تفسير"النبأ" فيما سلف ص: 335 تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(11) في المطبوعة: "في النهار" ، وأثبت ما في المخطوطة.
قوله تعالى وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون قوله تعالى وهو الذي يتوفاكم بالليل أي ينيمكم فيقبض نفوسكم التي بها تميزون ، وليس ذلك موتا حقيقة بل هو قبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت .
والتوفي استيفاء الشيء .
وتوفي الميت استوفى عدد أيام عمره ، والذي ينام كأنه استوفى حركاته في اليقظة .
والوفاة الموت .
وأوفيتك المال ، وتوفيته ، واستوفيته إذا أخذته أجمع .
وقال الشاعر :إن بني الأدرد ليسوا من أحد ولا توفاهم قريش في العددويقال : إن الروح إذا خرج من البدن في المنام تبقى فيه الحياة ; ولهذا تكون فيه الحركة والتنفس ، فإذا انقضى عمره خرج روحه وتنقطع حياته ، وصار ميتا لا يتحرك ولا يتنفس .
وقال بعضهم : لا تخرج منه الروح ، ولكن يخرج منه الذهن .
ويقال : هذا أمر لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى .
وهذا أصح الأقاويل ، والله أعلم .ثم يبعثكم فيه أي في النهار ; ويعني اليقظة .ليقضى أجل مسمى أي ليستوفي كل إنسان أجلا ضرب له .
وقرأ أبو رجاء وطلحة بن مصرف " ثم يبعثكم فيه ليقضي أجلا مسمى " أي عنده .
وجرحتم : كسبتم .
وقد تقدم في المائدةوفي الآية تقديم وتأخير ، والتقدير : وهو الذي يتوفاكم بالليل ثم يبعثكم بالنهار ويعلم ما جرحتم فيه ; فقدم الأهم الذي من أجله وقع البعث في النهار .
وقال ابن جريج ثم يبعثكم فيه أي في المنام .
ومعنى الآية : إن إمهاله تعالى للكفار ليس لغفلة عن كفرهم فإنه أحصى كل شيء عددا وعلمه وأثبته ، ولكن ليقضي أجلا مسمى من رزق وحياة ، ثم يرجعون إليه فيجازيهم .
وقد دل على الحشر والنشر بالبعث ; لأن النشأة الثانية منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقظة بعد النوم في أن من قدر على أحدهما فهو قادر على الآخر .
هذا كله، تقرير لألوهيته، واحتجاج على المشركين به، وبيان أنه تعالى المستحق للحب والتعظيم، والإجلال والإكرام، فأخبر أنه وحده، المتفرد بتدبير عباده، في يقظتهم ومنامهم، وأنه يتوفاهم بالليل، وفاة النوم، فتهدأ حركاتهم، وتستريح أبدانهم، ويبعثهم في اليقظة من نومهم، ليتصرفوا في مصالحهم الدينية والدنيوية وهو -تعالى- يعلم ما جرحوا وما كسبوا من تلك الأعمال.
ثم لا يزال تعالى هكذا، يتصرف فيهم، حتى يستوفوا آجالهم.
فيقضى بهذا التدبير، أجل مسمى، وهو: أجل الحياة، وأجل آخر فيما بعد ذلك، وهو البعث بعد الموت، ولهذا قال: { ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } لا إلى غيره { ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من خير وشر.
قوله تعالى : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ) أي : يقبض أرواحكم إذا نمتم بالليل ، ( ويعلم ما جرحتم ) كسبتم ، ( بالنهار ثم يبعثكم فيه ) أي : يوقظكم في النهار ، ( ليقضى أجل مسمى ) يعني : أجل الحياة إلى الممات ، يريد استيفاء العمر على التمام ، ( ثم إليه مرجعكم ) في الآخرة ، ( ثم ينبئكم ) يخبركم ، ( بما كنتم تعملون ) .
«وهو الذي يتوفاكم بالليل» يقبض أرواحكم عند النوم «ويعلم ما جرحتم» كسبتم «بالنهار ثم يبعثكم فيه» أي النهار برد أرواحكم «ليُقضى أجل مسمى» هو أجل الحياة «ثم إليه مرجعكم» «ثم ينبئكم بما كنتم تعملون» فيجازيكم به.
وهو سبحانه الذي يقبض أرواحكم بالليل بما يشبه قبضها عند الموت، ويعلم ما اكتسبتم في النهار من الأعمال، ثم يعيد أرواحكم إلى أجسامكم باليقظة من النوم نهارًا بما يشبه الأحياء بعد الموت؛ لتُقضى آجالكم المحددة في الدنيا، ثم إلى الله تعالى معادكم بعد بعثكم من قبوركم أحياءً، ثم يخبركم بما كنتم تعملون في حياتكم الدنيا، ثم يجازيكم بذلك.
وبعد أن بين - سبحانه - : شمول علمه لكل شىء ، أتبع ذلك بالحديث عن كمال قدرته ، ونفاذ إرادته فقال - تعالى : { وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم .
.
.
.
} .قوله - تعالى - : { وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل } أى : ينيمكم فيه .
والتوفى أخذ الشىء وافياً ، أى تاما كاملا .
والتوفى يطلق حقيقة على الإماتة ، وإطلاقه على النوم - كما هنا - مجاز لشبه النوم بالموت فى انقطاع الإدراك والعمل والإحساس قال - تعالى - : { الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التي قضى عَلَيْهَا الموت وَيُرْسِلُ الأخرى إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } فهذه الآية صريحة فى أن التوفى أعم من الموت ، فقد صرحت بأن الأنفس التى تتوفى فى منامها غير ميتة ، فهناك وفاتان : وفاة كبرى وتكون بالموت ، ووفاة صغرة وتكون بالنوم .
والمعنى : وهو - سبحانه - الذى يتوفى أنفسكم فى حالة نومكم بالليل ، دون غيره لأن غيره لا يملك موتاً ولا حياة ولا نشورا .{ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار } أى : ما كسبتم وعملتهم فيه من أعمال .
وأصل الجرح تمزيق جلد الحى بشىء محدد مثل السكين والسيف والظفر والناب وأطلق هنا على ما يكتسبه الإنسان بجوارحه من يد أو رجل أو لسان .وتخصيص الليل بالنوم ، والنهار بالكسب جرياً على المعتاد ، لأن الغالب أن يكون النوم ليلا ، وأن يكون الكسب والعمل نهاراً ، قال - تعالى- :{ وَجَعَلْنَا الليل لِبَاساً وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً } { ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ليقضى أَجَلٌ مُّسَمًّى } أى : ثم إن بعد توفيكم بالنوم يوقظكم منه فى النهار ، لأجل أن يقضى كل فرد أجله المسمى فى علم الله - تعالى - ، والمقدر له فى هذه الدنيا ، فقد جعل - سبحانه - لأعماركم آجالا محددة لا بد من قضائها وإتمامها .وجملة { ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } معطوفة على { يَتَوَفَّاكُم بالليل } فتكون ثم للمهلة الحقيقة وهو الأظهر .{ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أى : ثم إليه وحده يكون رجوعكم بعد انقضاء حياتكم فى هذه الدنيا ، فيحاسبكم على أعمالكم التى اكتسبتموها فيها ، إن خيراً فخير وإن شرا فشر .فالآية الكريمة تسوق للناس مظهراً من مظاهر قدرة الله وتبرهن لهم على صحة البعث والحساب يوم القيامة ، لأن النشأة الثانية - كما يقول القرطبى - منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقظة بعد النوم فى أن من قدر على أحدهما فهو قادر على الأخرى .هذا ، ويرى جمهور المفسرين أن ظاهر الخطاب فى الآية للمؤمنين والكافرين ، ولكن الزمخشرى خالف فى ذلك فجعلها خطابا للكافرين فقال : { وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل } الخطاب للكفرة ، أى : أنتم منسدحون الليل كله كالجيف - أى مسطحون على القفا - { وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار } ما كسبتم من الآثام فيه { ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } من القبور فى شأن ذلك الذى قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار { ليقضى أَجَلٌ مُّسَمًّى } وهو الأجل الذى سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم ) .والذى نراه أن رأى الجمهور أرجح لأنه لم يرد نص يدل على تخصيص الخطاب فى الاية للكافرين .
؟
اعلم أنه تعالى لما بين كمال علمه بالآية الأولى بين كمال قدرته بهذه الآية وهو كونه قادراً على نقل الذوات من الموت إلى الحياة ومن النوم إلى اليقظة واستقلاله بحفظها في جميع الأحوال وتدبيرها على أحسن الوجوه حالة النوم واليقظة.
فأما قوله: ﴿ الذى يتوفاكم بالليل ﴾ فالمعنى أنه تعالى ينيمكم فيتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز كما قال جل جلاله: ﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتى لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التى قضى عَلَيْهَا الموت وَيُرْسِلُ الأخرى إلى أَجَلٍ مسمى ﴾ ، فالله جل جلاله يقبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت، وهاهنا بحث: وهو أن النائم لا شك أنه حي ومتى كان حياً لم تكن روحه مقبوضة البتة، وإذا كان كذلك لم يصح أن يقال إن الله توفاه فلابد هاهنا من تأويل وهو أن حال النوم تغور الأرواح الحساسة من الظاهر في الباطن فصارت الحواس الظاهرة معطلة عن أعمالها، فعند النوم صار ظاهر الجسد معطلاً عن بعض الأعمال، وعند الموت صارت جملة البدن معطلة عن كل الأعمال، فحصل بين النوم وبين الموت مشابهة من هذا الاعتبار، فصح إطلاق لفظ الوفاة والموت على النوم من هذا الوجه.
ثم قال: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار ﴾ يريد ما كسبتم من العمل بالنهار قال تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح ﴾ والمراد منها الكواسب من الطير والسباع واحدتها جارحة.
قال تعالى: ﴿ والذين اجترحوا السيآت ﴾ أي اكتسبوا.
وبالجملة فالمراد منه أعمال الجوارح.
ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ أي يرد إليكم أرواحكم في النهار، والبعث هاهنا اليقظة.
ثم قال: ﴿ لّيُقْضي أَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ أي أعماركم المكتوبة، وهي قوله: ﴿ وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ﴾ والمعنى يبعثكم من نومكم إلى أن تبلغوا آجالكم، ومعنى القضاء فصل الأمر على سبيل التمام، ومعنى قضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت.
واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه ينيمهم أولاً ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جارياً مجرى الإحياء بعد الإماتة، لا جرم استدل بذلك على صحة البعث والقيامة.
فقال: ﴿ ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ في ليلكم ونهاركم وفي جميع أحوالكم وأعمالكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهُوَ الذى يتوفاكم باليل ﴾ الخطاب للكفرة، أي أنتم منسدحون الليل كله كالجيف ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار ﴾ ما كسبتم من الآثام فيه ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ ثم يبعثكم من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم، من النوم بالليل، وكسب الأثام بالنهار، ومن أجله، كقولك: فيم دعوتني؟
فتقول: في أمر كذا ﴿ ليقضى أَجَلٌ مّسَمًّى ﴾ وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم.
﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ وهو المرجع إلى موقف الحساب ﴿ ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ في ليلكم ونهاركم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ﴾ يُنِيمُكم فِيهِ ويُراقِبُكُمُ، اسْتُعِيرَ التَّوَفِّي مِنَ المَوْتِ لِلنَّوْمِ لِما بَيْنَهم مِنَ المُشارَكَةِ في زَوالِ الإحْساسِ والتَّمْيِيزِ فَإنَّ أصْلَهُ قَبْضُ الشَّيْءِ بِتَمامِهِ.
﴿ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ﴾ كَسَبْتُمْ فِيهِ خَصَّ اللَّيْلَ بِالنَّوْمِ والنَّهارَ بِالكَسْبِ جَرْيًا عَلى المُعْتادِ.
﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ ﴾ يُوقِظُكم أطْلَقَ البَعْثَ تَرْشِيحًا لِلتَّوَفِّي ﴿ فِيهِ ﴾ في النَّهارِ.
﴿ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ﴾ لِيَبْلُغَ المُتَيَقِّظُ آخِرَ أجَلِهِ المُسَمّى لَهُ في الدُّنْيا ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ بِالمَوْتِ.
﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ بِالمُجازاةِ عَلَيْهِ.
وقِيلَ الآيَةُ خِطابٌ لِلْكَفَرَةِ، والمَعْنى أنَّكم مُلْقَوْنَ كالجِيَفِ بِاللَّيْلِ وكاسِبُونَ لِلْآثامِ بِالنَّهارِ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِكم يَبْعَثُكم مِنَ القُبُورِ في شَأْنِ ذَلِكَ الَّذِي قَطَعْتُمْ بِهِ أعْمارَكم مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ وكَسْبِ الآثامِ بِالنَّهارِ، لِيَقْضِيَ الأجَلَ الَّذِي سَمّاهُ وضَرَبَهُ لِبَعْثِ المَوْتى وجَزائِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم بِالحِسابِ، ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ بِالجَزاءِ.
<div class="verse-tafsir"
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)
ثم خاطب الكفرة بقوله {وَهُوَ الذي يتوفاكم بالليل} أي يقبض أنفسكم عن التصرف بالتمام في المنام {وَيَعْلَمَ مَا جَرَحْتُم بالنهار} كسبتم فيه من الآثام {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} ثم يوقظكم في النهار أو التقدير ثم يبعثكم في النهار ويعلم ما جرحتم فيه فقدم الكسب لأنه أهم وليس فيه أنه لا يعلم ما جرحنا بالليل ولا أنه لا يتوفانا بالنهار فدل أن تخصيص الشئ بالذكر لا يدل على نفي ما عداه {ليقضى أَجَلٌ مّسَمًّى} لتوفى الآجال على الاستكمال {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} رجوعكم بالبعث بعد الموت {ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} في ليلكم ونهاركم قال بعض أهل الكلام أن لكل حاسة من هذه الحواس روجا تقبض عند النوم ثم ترد إليها إذا ذهب النوم فأما الروح التي تحيا بها النفس فإنها لا تقبض إلا عند انقضاء الأجل والمراد بالأرواح المعاني والقوى التي تقوم بالحواس ويكون بها السمع والبصر والأخذ والمثنى والشم ومعنى ثم يبعثكم فيه أى يوقظكم ويرد إليكم أرواح الحواس فيستدل به على منكري البعث لأنه بالنوم يذهب أرواح هذه الحواس ثم يردها إليها فكذا يحيي الأنفس بعد موتها
﴿ وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ﴾ أيْ يُنِيمُكم فِيهِ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ والجَبائِيِّ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ حَيْثُ اسْتُعِيرَ التَّوَفِّي مِنَ المَوْتِ لِلنَّوْمِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشارَكَةِ في زَوالِ إحْساسِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والتَّمْيِيزِ، قِيلَ: والباطِنَةِ أيْضًا، وأصْلُهُ قَبَضَ الشَّيْءَ بِتَمامِهِ، ويُقالُ: تَوَفَّيْتُ الشَّيْءَ واسْتَوْفَيْتُهُ بِمَعْنًى، ﴿ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ﴾ أيْ ما كَسَبْتُمْ وعَمِلْتُمْ فِيهِ مِنَ الإثْمِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةَ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ فَإنَّهُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّوْبِيخِ، ولِهَذا أُوثِرَ يَتَوَفّاكم عَلى يُنِيمُكم ونَحْوِهِ، و ﴿ جَرَحْتُمْ ﴾ عَلى كَسَبْتُمُ ادِّخالًا لِلْمُخاطَبِينَ الكَفَرَةِ في جِنْسِ جَوارِحِ الطَّيْرِ والسِّباعِ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ الخِطابَ عامًّا، والمُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ الجِنْسُ المُتَحَقِّقُ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِما، إدْ بِالتَّوَفِّي والبَعْثِ المَوْجُودِينَ فِيهِما مُتَحَقِّقُ قَضاءِ الأجَلِ المُسَمّى المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِما، والباءُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى كَما أشَرْنا إلَيْهِ والمُرادُ بِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ ذَلِكَ كَما قِيلَ: عِلْمُهُ قَبْلَ الجَرْحِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَقْدِيمُ ذِكْرِهِ عَلى البَعْثِ أيْ يَعْلَمُ ما تَجْرَحُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ وتَخْصِيصِ التَّوَفِّي بِاللَّيْلِ والجَرْحِ بِالنَّهارِ لِلْجَرْيِ عَلى السَّنَنِ المُعْتادِ وإلّا فَقَدَ يُعْكَسُ ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ ﴾ أيْ يُوقِظُكم في النَّهارِ وهَلْ هو حَقِيقَةٌ في هَذا المَعْنى أوْ مَجازٌ فِيهِ قَوْلانِ، والمُتَبادِرُ مِنهُ في عُرْفِ الشَّرْعِ إحْياءُ المَوْتى في الآخِرَةِ وجَعَلُوهُ تَرْشِيحًا لِلتَّوَفِّي وهو ظاهِرٌ جِدًّا عَلى المُتَبادِرِ في عُرْفِ الشَّرْعِ لِاخْتِصاصِهِ بِالمُشَبَّهِ بِهِ، ويُقالُ غَيْرُهُ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في التَّرْشِيحِ اخْتِصاصُهُ بِالمُشَبَّهِ بِهِ بَلْ أنْ يَكُونَ أخَصَّ بِهِ بِوَجْهٍ كَما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِ لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ والبَعْثُ في المَوْتى أقْوى لِأنَّ عَدَمَ الإحْساسِ فِيهِ كَذَلِكَ فَإزالَتُهُ أشُدُّ، وقَدْ صَرَّحُوا أيْضًا أنَّ التَّرْشِيحَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ تابِعًا لِلِاسْتِعارَةِ لا يُقْصَدُ بِهِ إلّا تَقْوِيَتُها ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعارًا مِن مُلائِمِ المُسْتَعارِ مِنهُ لِمُلائِمِ المُسْتَعارِ لَهُ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (يَتَوَفّاكُمْ) وتَوْسِيطُ (ويَعْلَمُ) إلَخْ بَيْنَهُما لِبَيانِ ما في بَعْثِكم مِن عَظِيمِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يَكْسِبُونَهُ مِنَ الإثْمِ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا يَسْتَأْهِلُونَ بِهِ إبْقاءَهم عَلى التَّوَفِّي بَلْ إهْلاكَهم بِالمَرَّةِ يَفِيضُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ الحَياةَ ويُمْهِلُهم كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَلِمَةُ التَّراخِي كَأنَّهُ قِيلَ: هو الَّذِي يَتَوَفّاكم في جِنْسِ اللَّيالِي ثُمَّ يَبْعَثُكم في جِنْسِ الأنْهُرِ مَعَ عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِما تَرْتَكِبُونَ فِيها ﴿ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ﴾ مُعَيَّنٌ لِكُلِّ فَرْدِ وهو أجَلُ بَقائِهِ في الدُّنْيا، وتَكَلَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ فَجَعَلَ ضَمِيرَ (فِيهِ) جارِيًا مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ عائِدًا عَلى مَضْمُونِ كَوْنِهِمْ مُتَوَفَّيْنَ وكاسِبِينَ و(فِي) بِمَعْنى لامِ العِلَّةِ كَما في قَوْلِكَ: فِيمَ دَعَوْتَنِي، والأجَلُ المُسَمّى هو الكَوْنُ في القُبُورِ أيْ ثُمَّ يَبْعَثُكم مِنَ القُبُورِ في شَأْنِ ذَلِكَ الَّذِي قَطَعْتُمْ بِهِ أعْمارَكم مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ وكَسْبِ الآثامِ بِالنَّهارِ ومِن أجْلِهِ لِيُقْضى الأجَلُ الَّذِي سَمّاهُ سُبْحانَهُ وضَرَبَهُ لِبَعْثِ المَوْتى وجَزائِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، وما ذَكَرْناهُ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ والجَبائِيُّ وغالِبُ المُفَسِّرِينَ وهو عَرِيٌ عَنِ التَّكَلُّفِ الَّذِي لا حاجَةَ إلَيْهِ وزَعْمُ بَعْضِهِمْ أنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ﴾ دالٌّ عَلى حالِ اليَقَظَةِ وكَسْبِهِمْ فِيها، وكَلِمَةُ (ثُمَّ) تَقْتَضِي تَأْخِيرَ البَعْثِ عَنْها فَلِهَذا عَدَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى ما عَدَلَ إلَيْهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (ويَعْلَمُ) إلَخْ إشارَةٌ إلى ما كَسَبَ في النَّهارِ السّابِقِ عَلى ذَلِكَ اللَّيْلِ، والواوُ لِلْحالِ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الإيقاظِ مِن هَذا التَّوَفِّي وأنَّ الإيقاظَ مُتَأخِّرٌ عَنِ التَّوَفِّي وأنَّ قَوْلَنا: يَفْعَلُ ذَلِكَ التَّوَفِّي لِتُقْضى مُدَّةُ الحَياةِ المُقَدَّرَةِ؛ كَلامٌ مُنْتَظِمٌ غايَةَ الِانْتِظامِ، ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا أيْضًا مَعَ أنَّ واوَ الحالِ لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ إلّا شُذُوذًا أوْ ضَرُورَةً في المَشْهُورِ، ووَجَّهُ سِنانُ التَّراخِيَ المُفادَ بِـ (ثُمَّ) بِأنَّ حَقِيقَةَ الإماتَةِ في اللَّيْلِ تَتَحَقَّقُ في أوَّلِهِ والإيقاظَ مُتَراخٍ عَنْهُ وإنْ لَمْ يَتَراخَ عَنْ جَماعَتِهِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا وجْهَ لِتَوْسِيطِ ﴿ ويَعْلَمُ ﴾ إلَخْ بَيْنَهُما وفِيهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ ﴾ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ أصْلًا ﴿ مَرْجِعُكُمْ ﴾ أيْ رُجُوعُكم ومَصِيرُكم بِالمَوْتِ ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ 60 - بِالمُجازاةِ بِأعْمالِكُمُ الَّتِي كُنْتُمْ داوَمْتُمْ عَلى عَمَلِها في الدُّنْيا
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ يعني: يقبض أرواحكم في منامكم وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ يعني: ما كسبتم من خير أو شر بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ يعني: من النوم في النهار ويرد إليكم أرواحكم لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى يعني: ليتم أجلكم وتأكلون رزقكم إلى آخر العمر.
قال بعضهم: إذا نام الإنسان تخرج منه روحه كما روي في الخبر «الأَرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَة فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» يعني: الأرواح إذا تعارفت وقعت الألفة بين الأبدان.
وإذا لم تتعارف الأرواح تناكرت الأبدان وقال: إن الروح إذا خرجت في المنام من البدن يبقى فيه الحياة، فلهذا تكون فيه الحركة والنفس.
وإذا انقضى عمره خرجت روحه وتنقطع حياته، وصار ميتاً لا يتحرك، ولا يتنفس.
فإن قيل: لو خرجت روحه فكيف لا يتوجع لخروجه إذا نام؟
قيل: لأنه يخرج بطيبة نفسه، ويعلم أنه يعود.
وأما إذا انقطع عمره خرج بالكره، فتوجع له.
وقال بعضهم: لا تخرج منه الروح، ولكن يخرج منه الذهن.
وهو الذي يسمى بالفارسية روان وقال بعضهم: إنما هو ثقل يدخل في نفسه، وهو سبب لراحة البدن وغذائه كقوله: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً [النبأ: 9] أي: راحة ويقال: هذا أمر لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى، وهذا أصح الأقاويل.
وقوله تعالى: ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ يعني: مصيركم في الآخرة ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من خير أو شر فيجازيكم بذلك.
وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤] » انتهى «١» .
وقوله سبحانه: مِنْ وَرَقَةٍ، أي: من وَرَقِ النَّبَاتِ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ، يريدُ: في أشدِّ حالِ التَّغَيُّبِ، وحكى بعضُ النَّاسِ عن جَعْفَرِ بنِ محمَّد قولاً: / أنَّ الورقَةَ يُرَادُ بها السِّقْطُ مِنْ أولادِ بني آدم، والحَبَّة: يرادُ بها الذي لَيْسَ بِسِقْطٍ، والرَّطْب يرادُ به الحَيُّ، واليابسُ يراد به المَيِّت، وهذا قولٌ جارٍ على طريقةِ الرُّمُوز، ولا يصحُّ عن جعفر بن محمَّد، ولا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إلَيْه «٢» .
وقوله تعالى: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ، قيل: يعني كتاباً على الحقيقةِ، ووجْهُ الفائدة فيه امتحان ما يكتبه الحَفَظَةُ، وذلك أنَّه رُوِيَ أنَّ الحَفَظَةَ يرفَعُونَ مَا كَتَبُوهُ، ويُعَارِضُونَهُ بهذا الكِتَابِ المُشَارِ إلَيْه ليتحقَّقوا صِحَّة ما كتبوه، وقيل: المراد بقوله: إِلَّا فِي كِتابٍ: عِلْمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ المحيطِ بكلِّ شيءٍ.
قال الفَخْرُ «٣» : وهذا هو الأصْوَبُ، ويجوزُ أنْ يقالَ: ذَكر تعالى ما ذَكَر مِنَ الوَرَقَةِ وَالحَبَّة تنبيهاً للمكلَّفين على أمر الحساب.
انتهى.
قال مَكِّيٌّ: قالَ عبْدُ اللَّه بْنُ الحارِثِ: ما في الأرْض شَجَرٌ، ولا مَغْرَزُ إبرةٍ إلاَّ علَيْها مَلَكٌ، موكَّل، يأتي اللَّه بعلْمها بيَبَسِها إذا يَبِسَتْ، ورُطُوبَتِها إذا رَطِبَتْ «٤» .
وقيل: المعنى في كَتْبِها أنه لتعظيمِ الأمرِ، ومعناه: اعلموا أنَّ هذا الذي لَيْسَ فيه ثوابٌ ولا عقابٌ- مكتوبٌ فكيف ما فِيهِ ثوابٌ أو عقاب.
انتهى من «الهداية» .
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)
وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ، يعني به: النّوم، ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ، أي: مَا كَسَبْتم بالنَّهار، ويحتمل أنْ يكون جَرَحْتُمْ هنا من الجرح كأن الذنْبَ جرح في الدِّين، والعربُ تقولُ:
............
...
وَجُرْحُ اللّسان كجرح اليد «١»
ويَبْعَثُكُمْ: يريد به الإيقاظَ، والضميرُ في فِيهِ عائدٌ على النهار قاله مجاهد وغيره «٢» ، ويحتملُ أنْ يعود الضمير على التوفِّي، أي: يوقظُكُم في التوفِّي، أي: في خلالِهِ وتضاعِيفِهِ قاله عبد الله بن «٣» كثير.
ولِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى: المراد به آجالُ بني آدمَ، ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ يريدُ:
بالبَعْثِ والنشورِ، ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ، أي: يُعْلِمُكُمْ إعلامَ توقيفٍ، ومحاسبةٍ، ففي هذه الآية إيضاحُ الآياتِ المنصوبةِ للنَّظَر، وفيها ضَرْبُ مثالٍ للبعْثِ من القبور لأن هذا أيضاً إماتةٌ وبعْثٌ على نَحوٍ مَّا.
وقوله سبحانه: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ: القاهرُ إنْ أُخِذَ صِفَةَ فِعْلٍ، أي: مظهر القَهْر بالصواعقِ والرياحِ والعذابِ، فيصحُّ أنْ تجعل فَوْقَ ظرفيةً للجهةِ لأن هذه الأشياء إنما تعاهَدَها العبادُ مِنْ فوقهم، وإنْ أُخِذَ الْقاهِرُ صفَةَ ذَاتٍ، بمعنى القُدْرة والاستيلاء، ف فَوْقَ: لا يجوزُ أنْ تكون للجهةِ، وإنما هي لعلُوِّ القَدْر والشِّأن على حد ما تقولُ: اليَاقُوتُ فَوْقَ الحديد، والأحرار فوق العبيد، ويُرْسِلُ عَلَيْكُمْ: معناه: يبثّهم فيكم، وحَفَظَةً: جمع حَافِظٍ، والمراد بذلكَ الملائكةُ الموكَّلون بكَتْبِ الأعمال، ورُوِيَ أنهم الملائكةُ الَّذين قالَ فيهِمُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يتعاقب فيكم ملائكة باللّيل وملائكة
بِالنَّهَارِ» «١» وقال السُّدِّيُّ وقتادة «٢» ، وقال بعْض المفسِّرين: حَفَظَةً يَحفظُونَ الإنسانَ مِنْ كلِّ شيءٍ حتى يأتي أجله، والأول أظهر.
وقرأ «٣» حمزةُ وحْده: «تَوَفَّاهُ» .
وقوله تعالى: رُسُلُنا: يريد به على ما ذكر ابنُ عباس، وجميعُ أهل التأويل:
ملائكةً مقترنينَ بمَلَكِ المَوْت، يعاونونه ويَأْتَمِرُونَ له «٤» ، ثُمَّ رُدُّوا، أي: العبادُ، إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ، وقوله: الْحَقِّ: نعْتٌ ل مَوْلاهُمُ، ومعناه: الذي لَيْسَ/ بباطلٍ، ولا مَجَاز، أَلا لَهُ الْحُكْمُ: كلامٌ مضمَّنه التنبيهُ، وهَزُّ النفوسِ، وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ:
قيل لِعَليٍّ (رضي اللَّه عنه) : كَيْفَ يُحَاسِبُ اللَّهُ العِبَادَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؟!
قَالَ: كَمَا يَرْزُقُهُمْ فِي الدُّنْيَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ» «٥» .
وقوله تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ...
الآية: هذا تَمَادٍ في توبيخِ العادِلِينَ باللَّه الأوثانَ، وتركِهِمْ عبادَةَ الرَّحْمَنِ الذي يُنْجِي من الهَلَكَاتِ، ويُلْجَأُ إليه في الشّدائد، ودفع الملمّات، وظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ: يريدُ بها شدائِدَهُما، فهو لفظٌ عامٌّ يستغرقُ ما كان مِنَ الشدائدِ بظلمةٍ حقيقيةٍ، وما كان بغَيْر ظلمةٍ، والعَرَبُ تقول: عَامٌ أَسْوَدُ، ويَوْمٌ مُظْلِمٌ، ويَوْمٌ ذو كواكِبَ، يريدُونَ به الشِّدَّة، قال قتادة وغيره: المعنى: مِنْ كَرْبِ البَرِّ والبَحْرِ، وتَدْعُونَهُ: في موضعِ الحالِ، والتَّضَرُّعُ: صفَةٌ باديةٌ على الإنسانِ، وخُفْيَة: معناه: الاختفاء «٦» ، وقرأ عاصمٌ «٧» في رواية أبي بكر: «وخفية»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ النَّوْمَ لِأنَّهُ يَقْبِضُ الأرْواحَ عَنَ التَّصَرُّفِ بِالنَّوْمِ، كَما يَقْبِضُ بِالمَوْتِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَقْبِضُ أرْواحَكم في مَنامِكم.
وجُرِحْتُمْ: بِمَعْنى كَسَبْتُمْ.
"ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ" أيْ يُوقِظُكم فِيهِ، أيْ: في النَّهارِ ﴿ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ﴾ أيْ: لِتَبْلُغُوا الأجَلَ المُسَمّى لانْقِطاعِ حَياتِكم، فَدَلَّ بِاليَقَظَةِ بَعْدَ النَّوْمِ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ "مَفاتِحُ": جَمْعُ "مِفْتَحٌ"؛ وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ؛ عِبارَةٌ عَنِ التَوَصُّلِ إلى الغُيُوبِ؛ كَما يُتَوَصَّلُ في الشاهِدِ بِالمِفْتاحِ إلى المُغَيَّبِ عَنِ الإنْسانِ؛ ولَوْ كانَ جَمْعَ "مِفْتاحٌ"؛ لَقالَ: "مَفاتِيحُ"؛ ويَظْهَرُ أيْضًا أنَّ "مَفاتِحُ"؛ جَمْعُ "مَفْتَحٌ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ أيْ: مَواضِعُ تُفَتَّحُ عَنِ المُغَيَّباتِ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ السُدِّيِّ ؛ وغَيْرِهِ: "مَفاتِحُ الغَيْبِ": خَزائِنُ الغَيْبِ؛ فَأمّا "مِفْتَحٌ"؛ بِالكَسْرِ؛ فَهو بِمَعْنى "مِفْتاحٌ"؛ وقالَ الزَهْراوِيُّ: و"مِفْتَحٌ"؛ أفْصَحُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ: اَلْإشارَةُ بَـ "مَفاتِحُ الغَيْبِ"؛ هي إلى الخَمْسَةِ الَّتِي في آخِرِ "لُقْمانَ": ﴿ إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ ﴾ ؛ اَلْآيَةِ؛ لِأنَّها تَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ؛ ثُمَّ قَوّى البَيانَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ ؛ تَنْبِيهًا عَلى أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ المُجاوِرَةِ لِلْبَشَرِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "مِن ورَقَةٍ"؛ ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ في ورَقِ النَباتِ؛ و"مِن"؛ زائِدَةٌ؛ و ﴿ "إلا يَعْلَمُها"؛ ﴾ يُرِيدُ: عَلى الإطْلاقِ؛ وقَبْلَ السُقُوطِ؛ ومَعَهُ؛ وبَعْدَهُ؛ و ﴿ وَلا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ﴾ ؛ يُرِيدُ: في أشَدِّ حالِ التَغَيُّبِ؛ وهَذا كُلُّهُ - وإنْ كانَ داخِلًا في قَوْلِهِ: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ﴾ ؛ عِنْدَ مَن رَآها في الخَمْسَةِ؛ وغَيْرِها - فَفِيهِ البَيانُ؛ والإيضاحُ؛ والتَنْبِيهُ عَلى مَواضِعِ العِبَرِ؛ أيْ: "إذا كانَتْ هَذِهِ المَحْقُوراتُ مَعْلُومَةً؛ فَغَيْرُها مِنَ الجَلائِلِ أحْرى".
﴿ وَلا رَطْبٍ ولا يابِسٍ ﴾ ؛ عُطِفَ عَلى اللَفْظِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا رَطْبٌ ولا يابِسٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ في "وَرَقَةٍ"؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: "وَما تَسْقُطُ ورَقَةٌ"؛ و ﴿ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ ؛ قِيلَ: يَعْنِي "كِتابًا"؛ عَلى الحَقِيقَةِ؛ ووَجْهُ الفائِدَةِ فِيهِ امْتِحانُ ما يَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ الحَفَظَةَ يَرْفَعُونَ ما كَتَبُوهُ؛ ويُعارِضُونَهُ بِهَذا الكِتابِ المُشارِ إلَيْهِ؛ لِيَتَحَقَّقُوا صِحَّةَ ما كَتَبُوهُ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ ؛ عِلْمُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ وحَكى النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَوْلًا: "إنَّ الوَرَقَةَ يُرادُ بِها السَقْطُ مِن أولادِ بَنِي آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والحَبَّةَ يُرادُ بِها الَّذِي لَيْسَ يَسْقُطُ؛ والرَطْبَ يُرادُ بِهِ الحَيُّ؛ واليابِسَ يُرادُ بِهِ المَيْتُ".
وهَذا قَوْلٌ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الرُمُوزِ؛ ولا يَصِحُّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ ولا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَيْلِ ويَعْلَمُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ فِيها إيضاحُ الآياتِ المَنصُوبَةِ لِلنَّظَرِ؛ وفِيها ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ؛ أنَّ هَذا أيْضًا إماتَةٌ وبَعْثٌ عَلى نَحْوٍ ما.
والتَوَفِّي هو اسْتِيفاءُ عَدَدٍ؛ قالَ الشاعِرُ: إنَّ بَنِي الأدْرَمِ لَيْسُوا مِن أحَدْ ∗∗∗ ولا تَوَفّاهم قُرَيْشٌ في العَدَدْ وصارَتِ اللَفْظَةُ عُرْفًا في المَوْتِ؛ وهي في النَوْمِ عَلى بَعْضِ التَجَوُّزِ.
و"جَرَحْتُمْ" مَعْناهُ: كَسَبْتُمْ؛ ومِنهُ جَوارِحُ الصَيْدِ؛ أيْ: كَواسِبُهُ؛ ومِنهُ جَوارِحُ البَدَنِ؛ لِأنَّها كَواسِبُ النَفْسِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "جَرَحْتُمْ"؛ هُنا؛ مِن "اَلْجَرْحُ"؛ كَأنَّ الذَنْبَ جَرْحٌ في الدِينِ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "جَرْحُ اللِسانِ كَجَرْحِ اليَدِ"؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - أو سَلْمانَ - شَكَّ ابْنُ دِينارٍ - أنَّهُ قالَ: "إنَّ هَذِهِ الذُنُوبَ جِراحاتٌ؛ فَمِنها شَوًى؛ ومِنها مَقْتَلَةٌ؛ ألا وإنَّ الشِرْكَ بِاللهِ تَعالى مَقْتَلَةٌ".
و"يَبْعَثُكُمْ"؛ يُرِيدُ الإيقاظَ؛ فَفي "فِيهِ"؛ عائِدٌ عَلى النَهارِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وذَكَرَ النَوْمَ مَعَ اللَيْلِ؛ واليَقَظَةَ مَعَ النَهارِ؛ بِحَسَبِ الأغْلَبِ؛ وإنْ كانَ النَوْمُ يَقَعُ بِالنَهارِ؛ واليَقَظَةُ بِاللَيْلِ؛ فَنادِرٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى التَوَفِّي؛ أيْ: "يُوقِظُكم في التَوَفِّي"؛ أيْ: "فِي خِلالِهِ؛ وتَضاعِيفِهِ"؛ قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَيْلِ؛ وهَذا قَلَقٌ في اللَفْظِ؛ وهو في المَعْنى نَحْوٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وأبُو رَجاءٍ: "لِيَقْضِيَ أجَلًا مُسَمًّى"؛ والمُرادُ بِالأجَلِ آجالُ بَنِي آدَمَ؛ ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ ؛ يُرِيدُ: بِالبَعْثِ؛ والنُشُورِ؛ ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ ﴾ ؛ أيْ: يُعْلِمُكم إعْلامَ تَوْقِيفٍ؛ ومُحاسَبَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
عطف جملة ﴿ وهو الذي يتوفَّاكم ﴾ على جملة ﴿ وما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها ﴾ [الأنعام: 59] انتقالاً من بيان سعة علمه إلى بيان عظيم قدرته لأنّ ذلك كلَّه من دلائل الإلهية تعليماً لأوليائه ونعياً على المشركين أعدائه.
وقد جرت عادة القرآن بذكر دلائل الوحدانية في أنفس الناس عقب ذكر دلائلها في الآفاق فجمع ذلك هنا على وجه بديع مؤذن بتعليم صفاته في ضمن دليل وحدانيته.
وفي هذا تقريب للبعث بعد الموت.
فقوله: ﴿ وهو الذي يتوفَّاكم ﴾ صيغة قصر لتعريف جزأي الجملة، أي هو الذي يتوفَّى الأنفس دون الأصنام فإنَّها لا تملك موتاً ولا حياة.
والخطاب موجه إلى المشركين كما يقتضيه السياق السابق من قوله: ﴿ لَقُضي الأمر بيني وبينكم ﴾ [الأنعام: 58] واللاحق من قوله ﴿ ثم أنتم تشركون ﴾ [الأنعام: 64] ويقتضيه طريق القصر.
ولمَّا كان هذا الحال غير خاصّ بالمشركين علم منه أنّ الناس فيه سواء.
والتوفّي حقيقته الإماتة، لأنَّه حقيقة في قبض الشيء مستوفى.
وإطلاقه على النوم مجاز لشبه النوم بالموت في انقضاع الإدراك والعمل.
ألا ترى قوله تعالى: ﴿ الله يتوفَّى الأنفسَ حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمَّى ﴾ [الزمر: 42].
وقد تقدّم تفصيله عند قوله تعالى: ﴿ إذ قال الله يا عيسى إنِّي متوفِّيك ﴾ في سورة [آل عمران: 55].
والمراد بقوله: يتوفَّاكم } ينيمكم بقرينة قوله: ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ ، أي في النهار، فأراد بالوفاة هنا النوم على التشبيه.
وفائدته أنّه تقريب لكيفية البعث يوم القيامة، ولذا استعير البعث للإفاقة من النوم ليتمّ التقريب في قوله: ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ .
ومعنى ﴿ جرحتم ﴾ كسبتم، وأصل الجرح تمزيق جلد الحيّ بشيء محدّد مثل السكين والسيف والظُفُر والناب.
وتقدّم في قوله: ﴿ والجروح قصاص ﴾ في سورة [العقود: 45].
وأطلق على كلاب الصيد وبزاته ونحوها اسمُ الجوارح لأنَّها تجرح الصيد ليُمسكه الصائد.
قال تعالى: ﴿ وما عَلَّمتم من الجوارح مكلِّبين ﴾ وتقدّم في سورة [العقود: 4].
كما سمَّوها كواسب، كقول لبيد: غُضْفا كَواسبَ ما يُمَنّ طَعَامُها *** فصار لفظ الجوارح مرادفاً للكواسب؛ وشاع ذلك فأطلق على الكسب اسم الجرح، وهو المراد هنا.
وقال تعالى: ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيّئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [الجاثية: 21].
وجملة: ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ معترضة لقصد الامتنان بنعمة الإمهال، أي ولولا فضله لما بعثكم في النهار مع علمه بأنَّكم تكتسبون في النهار عبادة غيره ويكتسب بعضكم بعض ما نهاهم عنه كالمؤمنين.
ووقع الاقتصار على الإخبار بعلمه تعالى ما يكسب الناس في النهار دون الليل رعياً للغالب، لأنّ النهار هو وقت أكثر العمل والاكتساب، ففي الإخبار أنّه يعلم ما يقع فيه تحذير من اكتساب ما لا يرضَى الله باكتسابه بالنسبة للمؤمنين، وتهديد للمشركين.
وجملة: ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ معطوفة على ﴿ يتوفَّاكم بالليل ﴾ فتكون (ثُمّ) للمهلة الحقيقية، وهو الأظهر.
ولك أن تجعل (ثم) للترتيب الرتبي فتعطف على جملة ﴿ ويعلم ما جرحتم ﴾ ؛ أي وهو يعلم ما تكتسبون من المناهي ثم يردّكم ويمهلكم.
وهذا بفريق المشركين أنسب.
و (في) للظرفية.
والضمير للنهار.
والبعثُ مستعار للإفاقة من النوم لأنّ البعث شاع في إحياء الميّت وخاصّة في اصطلاح القرآن ﴿ قالوا أئذا متنا وكنَّا تراباً وعظاماً أإنَّا لمبعوثون ﴾ [المؤمنون: 82] وحسَّن هذه الاستعارة كونها مبنية على استعارة التوفِّي للنوم تقريباً لكيفية البعث التي حارت فيها عقولهم، فكلّ من الاستعارتين مرشِّح للأخرى.
واللاّم في ﴿ ليقضى أجل مُسمّى ﴾ لام التعليل لأنّ من الحكم والعلل التي جعل الله لها نظام اليقظة والنوم أن يكون ذلك تجزئة لعُمُر الحي، وهو أجله الذي أجِّلت إليه حياته يومَ خلقه، كما جاء في الحديث «يؤمر بكتب رزقه وأجله وعمله» فالأجل معدود باللأيام والليالي، وهي زمان النوم واليقظة.
والعلَّةُ التي بمعنى الحكمة لا يلزم اتِّحادها فقد يكون لِفعل الله حِكَم عديدة.
فلا إشكال في جَعل اللاّم للتعليل.
وقضاء الأجل انتهاؤه.
ومعنى كونه مُسمَّى أنَّه معيَّن محدّد.
والمرجع مصدر ميمي، فيجوز أن يكون المراد الرجوع بالموت، لأنّ الأرواح تصير في قبضة الله ويبطل ما كان لها من التصرّف بإرادتها.
ويجوز أن يكون المراد بالرجوع الحشر يوم القيامة، وهذا أظهر.
وقوله: ﴿ ثُم يُنَبّئكم بما كنتم تعملون ﴾ أي يحاسبكم على أعمالكم بعد الموت، فالمهلة في (ثم) ظاهرة، أو بعد الحشر، فالمهلةُ لأنّ بين الحشر وبين ابتداء الحساب زمناً، كما ورد في حديث الشفاعة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ﴾ يَعْنِي بِهِ النَّوْمَ، لِأنَّهُ يَقْبِضُ الأرْواحَ فِيهِ عَنِ التَّصَرُّفِ، كَما يَقْبِضُها بِالمَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ إنَّ بَنِي الأدْرَدِ لَيْسُوا مِن أحَدْ ولاَ تَوَفّاهم قُرَيْشٌ في العَدَدْ أيْ لا تُقَبِّضُهم.
﴿ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ﴾ أيْ ما كَسَبْتُمْ لِأنَّهُ مُسْتَفادٌ بِعَمَلِ الجارِحَةِ، ومِنهُ جَوارِحُ الطَّيْرِ لِأنَّها كَواسِبُ بِجَوارِحِها، وجَرْحُ الشَّهادَةِ هو الطَّعْنُ فِيها لِأنَّهُ مَكْسَبُ الإثْمِ، قالَهُ الأعْشى: وهو الدّافِعُ عَنْ ذِي كُرْبَةٍ ∗∗∗ أيْدِي القَوْمِ إذا الجانِي اجْتَرَحْ ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ ﴾ يَعْنِي في النَّهارِ بِاليَقَظَةِ، وتُصْرَفُ الرُّوحُ بَعْدَ قَبْضِها بِالنَّوْمِ.
﴿ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ﴾ يَعْنِي اسْتِكْمالَ العُمْرِ وانْقِضاءَ الأجَلِ بِالمَوْتِ.
﴿ ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ يَعْنِي بِالبَعْثِ والنُّشُورِ في القِيامَةِ.
﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أعْلى قَهْرًا، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ والثّانِي: أنَّ الأقْدَرَ إذا اسْتَحَقَّ صِفَةَ المُبالَغَةِ عُبِّرَ عَنْهُ بِمِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، فَقِيلَ: هو فَوْقَهُ في القُدْرَةِ أيْ أقْدَرُ، وفَوْقَهُ في العِلْمِ أيْ أعْلَمُ.
﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَوارِحُهُمُ الَّتِي تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ.
وَيُحْتَمَلُ ﴿ حَفَظَةً ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: حِفْظُ النُّفُوسِ مِنَ الآفاتِ.
والثّانِي: حِفْظُ الأعْمالِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، لِيَكُونَ العِلْمُ بِإتْيانِها أزْجَرَ عَنِ الشَّرِّ، وأبْعَثَ عَلى الخَيْرِ.
﴿ حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ يَعْنِي أسْبابَ المَوْتِ، بِانْقِضاءِ الأجَلِ.
فَإنْ قِيلَ: المُتَوَلِّي لِقَبْضِ الرُّوحِ مَلَكُ المَوْتِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ فَكَيْفَ قالَ: ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ﴾ والرُّسُلُ جَمْعٌ.
قِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ أعانَ مَلَكَ المَوْتِ بِأعْوانٍ مِن عِنْدِهِ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ، فَصارَ التَّوَفِّي مِن فِعْلِ أعْوانِهِ، وهو مُضافٌ إلَيْهِ لِمَكانِ أمْرِهِ، كَما يُضافُ إلى السُّلْطانِ فِعْلُ أعْوانِهِ مِن قَتْلٍ، أوْ جَلْدٍ، إذا كانَ عَنْ أمْرِهِ.
﴿ وَهم لا يُفَرِّطُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يُؤَخِّرُونَ.
الثّانِي: لا يُضَيِّعُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ وفي مُتَوَلِّي الرَّدِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ الَّتِي تَوَفَّتْهم.
والثّانِي: أنَّهُ اللَّهُ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ.
وَفي رَدِّهِمْ إلى اللَّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ رَدُّهم إلى تَدْبِيرِ اللَّهِ وحْدَهُ، لِأنَّ اللَّهَ دَبَّرَهم عِنْدَ خَلْقِهِمْ وإنْشائِهِمْ، مَكَّنَهم مِنَ التَّصَرُّفِ فَصارُوا في تَدْبِيرِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ كَفَّهم عَنْهُ بِالمَوْتِ فَصارُوا في تَدْبِيرِ اللَّهِ كالحالَةِ الأوْلى، فَصارُوا بِذَلِكَ مَرْدُودِينَ إلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهم رُدُّوا إلى المَوْضِعِ الَّذِي لا يَمْلِكُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ فِيهِ إلّا اللَّهُ، فَجُعِلَ الرَّدُّ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ رَدًّا إلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ: ﴿ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ وقَدْ قالَ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ﴾ .
قِيلَ: عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ هَذا لِأنَّهم دَخَلُوا في جُمْلَةِ غَيْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ المَرْدُودِينَ فَعَمَّهُمُ اللَّفْظُ.
والثّانِي: أنَّ المَوْلى قَدْ يُعَبِّرُ بِهِ عَنِ النّاصِرِ تارَةً وعَنِ السَّيِّدِ أُخْرى، واللَّهُ لا يَكُونُ ناصِرًا لِلْكافِرِينَ، وهو سَيِّدُ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ.
و ﴿ الحَقِّ ﴾ هُنا يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ هو مِن أسْمائِهِ تَعالى.
والثّانِي: لِأنَّهُ مُسْتَحِقٌّ الرَّدَّ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: لِحُكْمِهِ فِيهِمْ بِالرَّدِّ.
﴿ ألا لَهُ الحُكْمُ ﴾ يَعْنِي القَضاءَ بَيْنَ عِبادِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ جُعِلَ لِغَيْرِهِ الحُكْمُ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَهُ الحُكْمَ في يَوْمِ القِيامَةِ وحْدَهُ.
والثّانِي: أنَّ غَيْرَهُ يَحْكُمُ بِأمْرِهِ فَصارَ الحُكْمُ لَهُ.
وَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ ألا لَهُ الحُكْمُ ﴾ وجْهًا ثانِيًا: أنَّ لَهُ أنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ فَصارَ بِهَذا الحُكْمِ مُخْتَصًّا.
﴿ وَهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي سُرْعَةَ الحُكْمِ بَيْنَ العِبادِ لِتَعْجِيلِ الفَصْلِ، وعَبَّرَ عَنِ الحُكْمِ بِالحِسابِ مِن تَحْقِيقِ المُسْتَوْفِي بِهِما مِن قَلِيلٍ وكَثِيرٍ.
والثّانِي: وهو الظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ سُرْعَةَ مُحاسَبَةِ العِبادِ عَلى أعْمالِهِمْ.
وَيَحْتَمِلُ مُرادُهُ بِسُرْعَةِ حِسابِهِ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: إظْهارُ قُدْرَتِهِ بِتَعْجِيلِ ما يَعْجِزُ عَنْهُ غَيْرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ يُبَيِّنُ بِهِ تَعْجِيلَ ما يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِن ثَوابٍ، وتَعْجِيلَ ما يَسْتَحِقُّ عَلى غَيْرِهِ مِن عِقابٍ جَمْعًا بَيْنَ إنْصافِهِ وانْتِصافِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مع كل انسان ملك إذا نام يأخذ نفسه، فإن أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا رد إليه» ، فذلك قوله: ﴿ يتوفاكم بالليل ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عكرمة في قوله: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ قال: يتوفى الأنفس عند منامها، ما من ليلة الا والله يقبض الأرواح كلها فيسأل كل نفس عما عمل صاحبها من النهار، ثم يدعو ملك الموت فيقول: اقبض هذا اقبض هذا، وما من يوم إلا وملك الموت ينظر في كتاب حياة الناس.
قائل يقول ثلاثاً، وقائل يقول خمساً.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل....
﴾ الآية.
قال: أما وفاتهم بالليل فمنامهم، وأما ما جرحتم بالنهار فيقول: ما اكتسبتم بالنهار ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ قال: في النهار.
﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ وهو الموت.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ يعني بذلك نومهم ﴿ ويعلم ما جرحتم ﴾ قال: ما عملتم من الأثم بالنهار ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ قال: في النهار، والبعث اليقظة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ويعلم ما جرحتم ﴾ قال: ما كسبتم من الاثم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: قال عبد الله بن كثير في قوله: ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ قال: ليقضي الله إليهم مدتهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ﴾ قال ابن عباس: (يقبض أرواحكم في منامكم) (١) ﴿ يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ﴾ أي: ينيمكم فيتوفى نفوسكم التي بها تميزون (٢) ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾ ) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما كسبتم من العمل بالنهار) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ قال ابن عباس: (يرد عليكم أرواحكم في النهار) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ﴾ أي: أعماركم المكتوبة، وهو قوله: ﴿ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ .
قال السدي: يعني: أجل الحياة إلى الموت) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١) "تنوير المقباس" 2/ 26، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 54، وابن الجوزي 3/ 55.
(٢) في (ش): (يميزون).
(٣) "معاني القرآن" 2/ 257، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 2/ 437.
(٤) "تنوير المقباس" 2/ 26، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 54، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 214، وابن أبي حاتم 4/ 1305 بسند جيد عن ابن عباس قال: (ما اكتسبتم من الإثم)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30.
(٥) انظر: "البسيط" نسخة جامعة الإمام 3/ 11 ب.
(٦) "تنوير المقباس" 2/ 26، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 54.
(٧) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 208، والطبري 7/ 215، وابن أبي حاتم 4/ 1306 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30.
(٨) "معاني القرآن" 2/ 258.
(٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 215 بسند جيد.
(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 215، و"معاني النحاس" 2/ 438، و"تفسير السمرقندي" 1/ 490.
(١١) "معاني القرآن" 2/ 258.
(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2986 (قضى).
(١٣) ذكر هذا المعنى الثعلبي في "الكشف" 178 ب، والقرطبي في "تفسيره" 7/ 6.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يتوفاكم باليل ﴾ أي إذا نمتم، وفي ذلك اعتبار واستدلال على البعث الأخروي ﴿ مَا جَرَحْتُم ﴾ أي ما كسبتم من الأعمال ﴿ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ أي يوقظكم من النوم، والضمير عائد على النهار لأن غالب اليقظة فيه، وغالب النوم بالليل ﴿ أَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ أجل الموت.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بالغدوة ﴾ مضموم الغين ساكن الدال مفتوح الواو وكذا في الكهف: ابن عامر الباقون: بفتح الغين والدال وبالألف ﴿ أنه ﴾ بالفتح ﴿ فإنه ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع.
وقرأ ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب جميعاً بالفتح.
الباقون: بالكسر فيهما ﴿ وليستبين ﴾ بياء الغيبة: زيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.
الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ سبيل ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وزيد.
الباقون: بالرفع ﴿ يقص ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وعاصم.
الباقون ﴿ يقضي الحق ﴾ .
الوقوف: ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ من بيننا ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بكس الألف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ أهواءكم ﴾ لا لتعيين "إذا" بما قبله أي قد ضللت "إذا" اتبعت ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ وكذبتم به ﴾ ط ﴿ تستعجلون به ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ الفاصلين ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد المقصود.
﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين أمر الرسول بالإنذار وهو الإعلام بموضع المخافة فقال له ﴿ وأنذر به ﴾ قال ابن عباس والزجاج: أي بالقرآن وهو المذكور هنا في قوله ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليّ ﴾ وقال الضحاك: أي بالله.
قيل: والأول أولى لأن الإنذار والتخويف إنما يقع بالقول وفيه نظر، لأن الإنذار لا نزاع فيه أنه قول ولكن المنذر به قلما يكون قولاً لقوله ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ ﴿ فأنذرتكم ناراً تلظى ﴾ ولو زعم أن المراد وأنذرهم النار والعذاب بواسطة القرآن قلنا: فقدر مثله ههنا، والمعنى أنذرهم العذاب بقول ينبىء عن شدة سخط الله وعقوبته.
أما ﴿ الذين يخافون أن يحشروا ﴾ فقيل: إنهم الكافرون الذين سبق ذكرهم، فلعل ناساً من المشركين من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقاً فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار فأمر أن ينذر هؤلاء دون المتمردين منهم.
ثم قال هذا القائل ولا يجوز حمله على المؤمنين لأنهم يعلمون أنهم يحشرون، والعلم خلاف الخوف والظن.
وضعف بأن الخوف شامل للناس كافة لعدم الجزم بالثواب وقبول الطاعة وإن كانوا مقرين بصحة الحشر والنشر فالظاهر أن الضمير يتناول الكل لأن العاقل لا بد أن يخاف الحشر سواء كان جازماً به أو شاكاً فيه.
وأيضاً إنه مأمور بتبليغ الكل فلا وجه للتخصيص.
وقيل: إنهم قوم مسلمون مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه لعلهم يدخلون في زمرة أهل التقوى من المسلمين.
وقيل: هم أهل الكتاب لأنهم مقرون بالعبث.
ومعنى ﴿ إلى ربهم ﴾ إلى حكمه وقضائه فلا يلزم منه مكان ولا جهة.
أما قوله ﴿ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ﴾ فقال الزجاج: إن الجملة في موضع الحال من ضمير ﴿ يحشروا ﴾ أي يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم.
فإن كان الضمير للكفار فظاهر، وإن كان للمؤمنين فشفاعة الملائكة والرسل إذا كانت بإذن الله فإنها تكون بالحقيقة من الله فصح أنه ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع، ولا بد من هذه الحال لأن الحشر مطلقاً ليس مخوفا وإنما المخوف هو الحشر على هذه الحالة لأنهم اعتقدوا أن لا ناصر ولا شفيع إلا الله وإذا لم يكن الله ناصراً وشفيعاً لزم أن لا يكون ناصراً أصلاً.
﴿ لعلهم يتقون ﴾ قال ابن عباس: لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي.
قالت المعتزلة: فيه دلالة على أنه أراد من الكفار التقوى والطاعة.
وأجيب بأن الترجي راجع إلى العباد.
ولما أمر بإنذار عموم المكلفين ليتقوا أردفهم بذكر المتقين وأمر بتقريبهم وإكرامهم.
"روي عن ابن مسعود أن الملأ من قريش مروا على رسول الله - وعنده صهيب وبلال وخباب وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين - فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء أتريد أن نكون تبعاً لهؤلاء؟
اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك.
فقال : ما أنا بطارد المؤمنين.
فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت.
فقال: نعم طمعاً في إيمانهم" .
وروي أن عمر قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون.
ثم إنهم قالوا للرسول : اكتب بذلك كتاباً، فدعا الصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت ﴿ ولا تطرد ﴾ الآية.
فرمى بالصحيفة واعتذر عمر عن مقالته.
قال سلمان وخباب: فينا نزلت.
فكان رسول الله يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ﴾ فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه.
وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات، أثنى الله عليهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي.
قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أي يصلون صلاة الصبح والعصر.
وقيل: أي يذكرون ربهم طرفي النهار، والمراد بالغداة والعشي الدوام.
والغداة لغة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والعشي ما بين الزوال إلى الغروب.
قال الجوهري: غدوة بالتنوين نكرة وبدونه معرفة غير مصروفة كسحر.
ومحل ﴿ يريدون وجهه ﴾ نصب على الحال أو على الاستئناف كأنه قيل: ما أرادوا بالمواظبة على الدعاء؟
فأجيب بقوله ﴿ يريدون وجهه ﴾ ولا يثبت به لله عضو كما زعمت المجسمة ولكن المراد به التعظيم، فقد يعبر به عن ذات الشيء أو حقيقته كما يقال: هذا وجه الرأي وذاك وجه الدليل.
وأيضاً المحبة تستلزم طلب رؤية الوجه فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا.
ثم علل النهي بقوله ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ قيل: الضمير عائد إلى المشركين أي لا يؤاخذوا بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويدعوك ذلك إلى أن تطرد المؤمنين، والأولى أن يعود إلى الفقراء ليناسب قوله ﴿ فتطردهم ﴾ كما في قصة نوح ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم كان الأمر على ما زعموا فيما يلزمك إلا اعتبار الظاهر إن كان لهم باطن غير مرضي فحسابهم لا يتعدى إليك كما أن حسابك لا يتعدى إليهم، فالجملتان لهما مؤدى واحد وهو المفهوم من قوله ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه.
وقيل: ما عليك من حساب رزقهم من شيء ولا من حساب رزقك عليهم من شيء.
وإنما الرازق لك ولهم هو الله فدعهم يكونوا عندك، أما قوله ﴿ فتطردهم ﴾ فهو جواب النفي في ﴿ ما عليك ﴾ وفي انتصاب ﴿ فتكون ﴾ وجهان: أحدهما أنه جواب النهي، والثاني أنه عطف على ﴿ فتطردهم ﴾ على وجه التسبب، لأن كونه ظالماً معلوم من طردهم ومسبب عنه، فإن طرد من يستوجب التقريب والترحيب وضع للشيء في غير موضعه ومن هنا طعن بعض الناس في عصمة النبي قالوا: كان يقول كلما دخل أولئك الفقراء عليه بعد هذه الواقعة مرحباً بمن عاتبني ربي فيهم أو لفظ هذا معناه.
والجواب أنه ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما أفرد لهم مجلساً تألفاً لقلوبالمشركين وتكثيراً لسواد الإسلام مع علمه بأنه لا يفوت الفقراء بهذه المصالحة أمر مهم في الدنيا ولا في الدين، فغاية ذلك أنه يكون من باب تبرك الأولى والأفضل، ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الفتن العظيم ﴿ فتنا ﴾ ابتلينا بعض الناس ببعض، فأحد الفريقين وهم الكفار يرى الآخر مقدماً عليه في المناصب الدينية فيقول ﴿ أهؤلاء ﴾ المسترذلون ﴿ منّ الله عليهم من بيننا ﴾ كقوله: ﴿ أألقي الذكر عليه من بيننا ﴾ والفريق الآخر يرى الأول مقدماً عليه في الخيرات العاجلة والخصب والسعة الراحة والدعة فيقول: أهذا هو الذي فضله الله علينا.
وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله فهو صواب، ولا اعتراض عليه بحكم المالكية وبحسب رعاية الأصلح.
وبالجملة فصفات الكمال غير محصورة ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة بل هي موزعة على الخلائق وكلها محبوبة لذاتها.
فكل إنسان يحسد صاحبه على ما آتاه الله من صفة الكمال، فمن عرف سر القدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض لغيره وعاش عيشاً طيباً في الدنيا والآخرة.
قال هشام بن الحكم الافتتان الاختبار والامتحان، وفيه دليل على أنه لا يعلم الجزيئات إلا عن حدوثها.
والجواب أنه يعامل المكلف معاملة المختبر وقد مر مراراً.
وقالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال لأن تلك الفتنة التي ألقاها الله ليست إلا اعتراضهم على الله والاعتراض عليه كفر.
فهو خالق للكفر.
وأيضاً منة الله عليهم ليست إلا بالإيمان ومتابعة الرسول، فلو كان الموجد للإيمان هو العبد كان العبد هو المان على نفسه.
أجاب المعتزلة بأن معنى فتناهم ليقولوا خذلناهم حتى آل أمرهم إلى أن قالوا: فتكون اللام لام العاقبة، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع أنا ننقل الكلام إلى الخذلان فلا بد من الانتهاء إليه تعالى ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ بمن يصرف كل ما أنعم به عليه فيما أعطاه لأجله فيظهر أفعاله على حسب معلوم الله .
وقال في الكشاف: أي الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان، وبمن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق.
﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيّه عن طردهم وكان إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" .
وقال ماهان الحنفي: أتى قوم النبي فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً، وأظهروا الندامة والأسف فما أخاله رد عليهم بشيء.
فلما ذهبوا وتولوا نزلت الآية.
قال في التفسير الكبير: الأقرب أن تحمل الآية على عمومها، فكل من آمن بآيات الله يدخل تحت هذا التشريف والإكرام ثم أبدى إشكالاً وهو أن المفسرين اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من جميع آي هذه السورة إنها نزلت بسبب الأمر الفلاني؟
قلت: لا استبعاد في أن تنزل السورة دفعة وينزل الصحابة كل آية منها على واقعة تناسبها، كيف وهم أعرف بحقائق التنزيل وأعلم بدقائق التأويل لأنهم أهل مشاهدة الوحي وأرباب مزاولة الأمر والنهي؟!
واعلم أن ما سوى الله فهو آيات وجود الله،وأنها لا تكاد تنحصر فيجب على المكلف أن يكون مدة حياته كالسابح في تلك البحار والسائح في هذه القفار ليكون دائماً مترقياً في معارجها مترقباً أن تفيض عليه الأنوار من مدارجها فيستعد لبشارة ﴿ سلام عليكم ﴾ ويستأهل لكرامة ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم.
قال الزجاج: ﴿ سلام ﴾ إما مصدر "سلمت سلاماً وتسليماً" مثل: كلمت كلاماً وتكليماً.
ومعناه الدعاء بأن يسلم من الآفات في نفسه ودينه، وإما أن يكون جمع سلامة.
وقيل: السلام هو الله أي الله عليكم أي على حفظكم ولعل هذا الوجه إنما يتأتى في المعرف لا في المنكر.
﴿ كتب ربكم ﴾ من جملة المقول لهم تبشيراً بسعة رحمة الله وقبوله التوبة.
ومعنى كتب على نفسه أوجب على ذاته إيجاب الكرم لا إيجاباً يستحق بتركه الذم.
وقالت المعتزلة: كونه عالماً بقبح القبائح وباستغنائه عنها يمنعه عن الإقدام عليها ولو فعل كان ظلماً، وإيجاب الرحمة ينافي القول بأنه منع الكافر من الإيمان ثم أمره حال ذلك المنع بالإيمان ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان، وأجيب بأنه فاعل لما يشاء ولا اعتراض عليه.
﴿ أنه من عمل ﴾ من قرأ بالفتح فعلى الإبدال من الرحمة، ومن قرأ بالكسر فعلى الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: إنه من عمل ﴿ منكم سوءاً بجهالة ﴾ وهو في موضع الحال أي عمله وهو جاهل.
والمراد أنه فاعل فعل الجهال لأن من عمل ما يضره في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه لا من أهل الحكمة والتدبير، أو أنه جاهل بعاقبته ومن حق الحكيم أن لا يقدم على ما لا يعرف مآل حاله.
﴿ ثم تاب من بعده ﴾ بأن يندم على ما فعله ﴿ وأصلح ﴾ العمل في المستقبل ﴿ فأنه غفور ﴾ يزيل العقاب عنه ﴿ رحيم ﴾ يوصل الثواب إليه من قرأ بالكسر فعلى: أن الجملة جزاء للشرط، ومن قرأ بالفتحفعلى أن الخبر أو المبتدأ محذوف أي فغفرانه كائن أو فأمره أنه غفور.
قيل: إن الآية نزلتفي عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما طلبوا ولم يعلم أنها مفسدة.
﴿ وكذلك ﴾ أي كما فصلنا في هذه السورة دلائلنا على التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ﴿ نفصل الآيات ﴾ ونميزها لك في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل ﴿ وليستبين ﴾ معطوف على محذوف كأنه قيل: ليظهر الحق وليستبين، أو معلق بمحذوف أي وليستبين سبيل المجرمين فصلنا ذلك التفصيل البين.
من رفع "السبيل" قرأ ﴿ ليستبين ﴾ بالياء أو بالتاء لأن السبيل يذكر ويؤنث، ومن نصب السبيل قرأ ﴿ لتستبين ﴾ بتاء الخطاب مع الرسول يقال: استبان الأمر وتبين واستبنته وتبينته واستبانة سبيل المجرمين تستلزم استبانة طريق المحقين، فلذلك اقتصر على أحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ ولم يذكر البرد.
وإنما ذكر المجرمين دون المحقين لأن طريق الحق واحد والمجرمون أصناف يشتبه أمرهم، فمنهم من هو مطبوع على قلبه، ومنهم من يرجى فيهم قبول الإسلام، ومنهم من دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده فينبغي أن يستوضح سبيلهم ليعامل كلاً منهم بما يجب، ومن جملة ذلك أنه نهى عن عبادة معبوداتهم وذلك قوله ﴿ قل إني نهيت ﴾ أي صرفت بدلائل العقلية والسمعية ﴿ أن أعبد الذين تدعون ﴾ تعبدون ﴿ من دون الله قل لا أتبع أهواءكم ﴾ لأن عبادة المصنوع والمخلوف محض التقليد وعين الهواى ﴿ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ﴾ أثبت الضلال إذ ذاك ونفى الهدى مع أنهما متلازمان للتقرير والتأكيد، وفيه تعريض بهم أنهم كذلك.
ثم نبه على ما يجب اتباعه بقوله ﴿ قل إني على بينة من ربي ﴾ على حجة واضحة من مغفرة ربي وأنه لا معبود سواه ﴿ وكذبتم ﴾ أنتم به حيث أشركتم به غيره.
يقال: أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه إذا كان ثابتاً عنده بدليل.
وقيل: أي على حجة من جهة ربي وهي القرآن ﴿ وكذبتم به ﴾ أي بالبينة وذكر الضمير على تأويل القرآن أو البيان.
﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحرث ورؤساء قريش كانوا يقولون: يا محمد آتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم.
﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ مطلق يتناول الكل.
فقال الأشاعرة: لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله فيمتنع منه فعل الكفر إلا بإرادة الله، واحتجت المعتزلة بقوله ﴿ يقضي الحق ﴾ أي كل ما قضى به فهو الحق، وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس بحق.
ويمكن أن يقال: إن جميع أحكامه حق وصدق ولا اعتراض لأحد عليه بحكم المالكية.
وانتصاب ﴿ الحق ﴾ على أنه صفة مصدر أي يقضي القضاء الحق، أو مفعول به من قولهم: قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره.
ومثله من قرأ ﴿ يقصر الحق ﴾ كقوله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ أي يقول الحق أو يتبعه من قص أثره ﴿ وهو خير الفاصلين ﴾ أي القاضي، وإنما كتب ﴿ يقض ﴾ في المصاحف بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، وليوافق قراءة ﴿ يقص ﴾ ﴿ قل لو أن عندي ﴾ أي في قدرتي وإمكاني ﴿ ما تستعجلون ﴾ من العذاب ﴿ لقضي الأمر ﴾ أمر الإهلاك ﴿ بيني وبينكم ﴾ عاجلاً غضباً لربي ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ فيؤخر عقابهم إلى وقته وأنا لا أعلم ما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره.
فإن قلت: أما يناقض هذا قوله ﴿ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ﴾ فإن استعجال الهلاك ينافي الحرص على الإيمان، لأن من حرص على إيمان أحد حرص على طول حياته طمعاً في إيمانه.
قلت: لا، بل يؤكده لاشتراك كل من الحكمين في الاستعجال اللازم للبشرية في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولا ﴾ ثم بين أعلميته بقوله على سبيل الاستعارة ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ أراد أن المتوصل إلى المغيبات وحده كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها ولم يمنعه من ذلك مانع، والمفاتح جمع مفتح وهو المفتاح، أو جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن، قال الحكيم في بيانه: إن العلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول وكل ما سوى الواجب فإنه موجود بإيجاده وتكوينه بواسطة أو بوسائط، فعلمه بذاته يوجب العلم بجميع آثاره على ترتيبها المعتبر - كليات كانت أو جزيئات - وعلمه بذاته لم يحصل إلا لذاته فصح ان يقال: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.
وفيه أنه لا ضد له ولا ند إذ لو كان في الوجود واجب آخر لكانت مفاتح الغيب حاصلة أيضاً عنده فيبطل هذا الحصر، ولا يمكن أن تكون هذه المفاتح عند شيء من الممكنات لأن المحاط لا يحيط بمحيطه فلا يحيط ما دون الواجب بالواجب، فلا يكون المفتاح الأوّل للعلم بجميع المعلومات إلا عنده.
ثم إن قوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ قضية معقولة مجردة، والإنسان الذي يقوي على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جداً والقرآن إنما نزل لينتفع به جميع الناس فذكر من الأمور المحسوسة الداخلة تحت تلك القضية الكلية أمثالاً لها ليعين الحس العقل فقال ﴿ ويعلم ما في البر والبحر ﴾ لأن ذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظيمة لذلك المعقول، وقدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر وكثرة ما فيه من المدن والقرى والجبال والتلال والمعادن والنبات والحيوان، وأما البحر فإحاطة الحس بأحواله أقل مع كثرة ما فيها من العجائب والغرائب أيضاً.
ثم أفرد من هذه المحسوسات قسماً فقال ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ﴾ أي لا يتغير حال ورقة إلا والحق يعلمها.
ثم عدل عن التعجيب من كثرة المدركات إلى التعجيب من صغر المدرك وخفائه فقال ﴿ ولا حبة في ظلمات الأرض ﴾ وفي تخصيص الحبة والورقة تنبيه للمكلفين على أمر الحساب لأنه إذا كان بحيث لا يهمل أمر الأشياء التي ليس لها ثواب ولا عقاب فلأن لا يهمل أمر المكلفين أولى.
ثم عاد إلى ذكر القضية الكلية المجردة بعبارة أخرى فقال ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ قال في الكشاف: ولا حبة ولا رطب ولا يابس عطف على ورقة وداخل في حكمها كأنه قيل: وما يسقط شيء من هذه الأشياء إلا وهو يعلمه.
وقوله ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ إلا يعلمها ﴾ ومعنى ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ واحد.
والكتاب المبين علم الله أو اللوح.
قال علماء التفسير: يجوز أن يكون الله جل شأنه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق لتقف الملائكة على نفاذ علمه في المعلومات وأنه لا يغيب عنه شيء، فيكون في ذلك عبرة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في العالم فيجدونه موافقاً له.
أو لأنه إذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع تغيرها وإلا لزم الكذب أو الجهل فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب سبباً تاماً في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم.
ثم لما بين كمال علمه أردفه ببيان كمال قدرته بقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم ﴾ أي يتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز.
وذلك أن الأرواح الجسمانية تغور حالة النوم من الظاهر إلى الباطن فتتعطل الحواس عن بعض الاعمال، وأما عند الموت فتصير جملة البدن معطلة عن كل الأعمال فلهذا كان النوم أخا الموت فصح إطلاق لفظ الوفاة على النوم من هذا الوجه ﴿ ويعلم ما جرحتم ﴾ أي ما كسبتم من العمل بالنهار ومنه الجوارح للأعضاء وللسباع ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ أي يردّ إليكم أرواحكم بالنهار ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ أي أعماركم المكتوبة.
وقضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت.
ثم لما ذكر أنه يميتهم أولاً ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جارياً مجرى الإحياء بعد الإماتة فلا جرم استدل بذلك على صحة البعث في القيامة فقال ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ في ليلكم ونهاركم وجميع أحوالكم وأوقاتكم.
واعلم أن في هذه الآية إشكالاً لأن قوله ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ كان ينبغي أن يكون بعد قوله ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ فإن البعث في النهار مقدم على الكسب فيه بل على تعلق العلم بالكسب.
ويمكن أن يجاب بأن المراد ويعلم ما جرحتم في النهار الماضي بدليل قوله ﴿ جرحتم ﴾ دون "تجرحون" ثم يبعثكم في النهار الآتي.
والغرض بيان إحاطة علمه وقدرته بالزمانين المحيطين بالليل.
ولعل صاحب الكشاف لمكان هذا الإشكال عدل عن هذا التفسير إلى أن قال: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ والخطاب للكفرة أي أنتم منسدحون الليل كالحيف.
والانسداح الانبطاح أو الاستلقاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ ما كسبتم من الآثام فيه ﴿ ثم يبعثكم ﴾ من القبور ﴿ فيه ﴾ أي في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام في النهار ومن أجله كقولك: فيم دغوتني؟
فيقول: في أمر كذا ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم ﴿ ثم إليه مرجعكم ﴾ وهو المرجع إلى موقف الحساب.
والأصوب عندي أن يقال: الخطاب عام، وكذا الكسب في النهار فينبغي أن لا يقيد بالآثام.
أما الضمير في ﴿ فيه ﴾ فيكون جارياً مجرى اسم الإشارة إلى الكسب.
والبعث هو البعث من القبور إلى آخر ما قال والله علم.
التأويل: ﴿ وأنذر به ﴾ أي بهذه الحقائق والمعاني ﴿ الذين يخافون ﴾ أي يرجون ﴿ أن يحشروا إلى ربهم ﴾ بجذبات العناية ويتحقق لهم أن ﴿ ليس لهم ﴾ في الوصول إلى الله ﴿ من دونه ولي ﴾ من الأولياء ﴿ ولا شفيع ﴾ يعني من الأنبياء، لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق.
﴿ ولا تطرد الذين يدعون ﴾ أخبر عن الفقراء أنهم جلساؤه بالغداة والعشي كما قال "أنا جليس من ذكرني" فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك لا يريدون الدنيا ولا الآخرة ولكن يريدون وجهه.
وكل له سؤل ودين ومذهب *** ووصلكم سؤلي وديني رضاكم قال المحققون: الإرادة اهتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصلإلى الله.
فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ولا يجد من دون الوصول إلى الله سكوناً ولا قراراً ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ يعني الذي لنا معك في الحساب من المواصلة والتوحيد في الخلوة فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك ثقلاً ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ أي الذي لنا معهم في الحساب من التفرد للوصول والوصال ليس لك إلى ذلك حاجة ليثقل عليهم ﴿ فتطردهم ﴾ فتكسر قلوبهم بالطرد ﴿ فتكون من الظالمين ﴾ بوضع الكسر مقام الجبر فإنك بعثت لجبر قلوبهم لا لكسر قلوبهم كقوله ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ ليشكر الفاضل وليصبر المفضول فيستويان في الفضل فلهذا قيل: لسليمان ولأيوب كليهما: نعم العبد.
مع قدرة سليمان على أسباب الطاعة وعجز أيوب عنها.
ومن فتنة الفاضل في المفضول رؤية فضله على المفضول أو تحقيره، ومنع حقه عنه في فضله، ومن فتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخطه عليه في منع حقه من فضله عنه، فإن المعطي والمانع هو الله.
ومنه أن لا يرىالفاضل مستحقاً للفضل ليقولوا ﴿ أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إنه من كمال فضله على الفقراء حملهم محمل الأكابر والملوك في الدنيا فقال لنبيه : "كن مبتدئاً بالسلام عليهم وفي الآخرة فألهم الملائكة أن يسلموا عليهم في الجنة" { ﴿ سلام عليكم طبتم ﴾ بل سلم بذاته عليهم ﴿ سلام قولاً من رب رحيم ﴾ وكل ذلك نتيجة سلامتهم من ظلمة الخلقة بإصابة رشاش النور في الأزل فلهذا قال ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ أي الرحمة الخاصة كما خص الخضر في قوله ﴿ وآتيناه رحمة من عندنا ﴾ والرحمة العامة كما في الحديث الرباني للجنة "إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" ﴿ أنه من عمل منكم ﴾ أي من المؤمنين ﴿ سوءاً بجهالة ﴾ أي بجهالة الجهولية التي جبل الإنسان عليها لا بجهالة الضلالة التي هي نتيجة إخطاء النور فإن هذه لا توبة لها ﴿ ثم تاب من بعده ﴾ أي رجع إلى الله بقدم السير من بعد إفساد الاستعداد الفطري وأصلح الاستعداد بالأعمال الصالحة لقبول الفيض.
﴿ قل إني نهيت ﴾ في الأزل بإصابة النور المرشش.
﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ من عبادة الهوى ﴿ لقضي الأمر ﴾ يعني أمر القتال والخصومات ولاسترحت من أذيتكم لأن الشيء إنما ينفعل عن ضده لا عن شبيهه ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ يعني العلوم العقلية التي هي سبب فتح باب صور عالم الشهادة كالنقاش ينشيء الصور في ذهنه ثم يصوّرها في الخارج.
وإنما وحد الغيب وجمع المفاتح لأن عالم الغيب عالم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة يعلم التكوين ﴿ ويعلم ما في البر ﴾ وهو عالم الشهادة ﴿ والبحر ﴾ وهو عالم الغيب ﴿ و ﴾ بهذا العلم ﴿ ما تسقط من ورقة ﴾ عن شجرة الوجود ﴿ إلا يعلمها ﴾ لأنه مكونها ومسقطها ﴿ ولا حبة ﴾ هي حبة الروح ﴿ في ظلمات ﴾ صفات أرض النفس، أو حبة المحبة في ظلمات أرض القلب ﴿ ولا رطب ولا يابس ﴾ الرطب المؤمن، واليابس ما سيصير موجوداً وما قد صار.
أو الرطب الروحانيات.
واليابس الجمادات.
أو الرطب المؤمن، واليابس الكافر.
أو الرطب العالم، واليابس الجاهل.
أو الرطب العارف، واليابس الزاهد.
أو الرطب أهل المحبة، واليابس أهل السلوة.
أو الرطب صاحب الشهود، اليابس صاحب الوجود.
أو الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنصيبه ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ ليل القضاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ نهار القدر أو الليل، ليل صفات البشرية والنهار نهار الشهود في عالم الوحدة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
هذا - والله أعلم - يحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ ، وصلة قوله: ﴿ مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ ؛ كانوا يطلبون منه ويسألونه أشياء من التوسيع في الرزق، وغير ذلك مما كان يعدهم من الكرامة والمنزلة والسعة، وكان يوعدهم بالعذاب ويخوفهم بالهلاك، فيستعجلون ذلك منه ويطلبون منه ما أوعدهم فقال: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ ﴾ ، ليس ذلك عندي، لا يعلم ذلك إلا هو.
ومفاتح: من المفتح، ليس من المفتاح [؛ لأن المفتاح] يكون جمعه مفاتيح، والمفتح: يقال في النصر والمعونة؛ يقال: فتح الله عليه بلدة كذا، أي: نصره وجعله غالباً عليهم، ويقال فيما يحدثه ويستفيد منه: فتح فلان على فلان باب كذا، أي: علمه علم ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
أي: من عنده يستفاد ذلك ومنه يكون، ومن نصر آخر إنما ينصر به، ومن علم آخر علما إنما يعلمه به، ومن وسع على آخر رزقاً إنما يوسعه بالله، كل هذا يشبه أن يخرج تأويل الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .
هذا يحتمل وجوهاً؛ يحتمل [أي يعلم] ما في البر والبحر من الدواب، وما يسكن فيها من ذي الروح، كثرتها وعددها وصغيرها [وكبيرها] لا يخفى عليه شيء.
والثاني: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ ، أي: يعلم رزق كل ما في البر والبحر من الدواب ويعلم حاجته، ثم يسوق إلى كل من ذلك رزقه.
يذكر هذا - والله أعلم - ليعلموا أنه لما ضمن للخلق لكل منهم رزقه، يسوق إليه رزقه من غير تكلف ولا طلب؛ [كما يسوق أرزاق] كل ما في البر والبحر من غير طلب ولا تكلف، لا تضيق قلوبهم لذلك، فما بالكم تضيق قلوبكم على ذلك، وقد ضمن ذلك لكم كما ضمن لأولئك؟!
والثالث: يعلم ما في البر والبحر من اختلاط الأقطار بعضها ببعض، ومن دخول بعض في بعض، يخرج هذا على الوعيد: أنه لما كان عالماً بهذا كله يعلم بأعمالكم ومقاصدكم.
فإن قيل: هذا الذي ذكر كله في الظاهر دعوى، فما الدليل على أنه كذلك؟
قيل: اتساق التدبير في كل شيء وآثاره فيه يدل على أنه كان بتدبير واحد؛ لأن آثار التدبير في كل شيء واتساقه على سنن واحد ظاهرة بادية، فذلك يدل على ما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ...
﴾ \[الآية\].
يحتمل الكتاب - هاهنا -: التقدير والحكم اختلف فيه؛ قال بعضهم: قوله: ﴿ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: محفوظ كله عنده؛ يقول الرجل لآخر: عملك كله عندي مكتوب، يريد الحفظ، أي: محفوظ عندي، وذلك جائز في الكلام.
وقيل: الكتاب - هاهنا -: [هو] اللوح المحفوظ، أي: كله مبين فيه.
وقال الحسن - رحمه الله -: إن الله يخرج كتاباً في كل ليلة قدر، ويدفعه إلى الملائكة، وفيه مكتوب كل ما يكون في تلك السنة؛ ليحفظوه على ما يكون.
أو كلام نحو هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ﴾ .
قال بعض أهل الكلام: إن لكل حاسة من هذه الحواس روحاً تقبض عند النوم، ثم ترد إليها، سوى روح الحياة فإنها لا تقبض؛ لأنه يكون أصم بصيراً متكلماً ناطقاً، ويكون أعمى سميعاً، ويكون أخرس سميعاً بصيراً، فثبت أن لكل حاسة من حواس النفس روحاً على حدة تقبض عند النوم، ثم ترد إليها إذا ذهب النوم.
وأما الروح التي بها تحيا النفس: فإنه لا يقبض ذلك منه إلا عند انقضاء أجله وهو الموت.
وقالت الفلاسفة: الحواس هي التي تدرك صور الأشياء بطينتها.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ﴾ .
فيه دلالة أن ليس ذكر الحكم في حال أو تخصيص الشيء في حال دلالة سقوط ذلك في حال أخرى؛ لأنه قال: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ﴾ ، ليس فيه أنه لا يعلم ما جرحنا بالليل، بل يعلم ما يكون منا بالليل والنهار جميعاً، وليس فيه أنه لا يتوفانا بالنهار وألا نجرح بالليل، لكنه ذكر الجرح بالنهار والوفاة بالليل؛ [لما أن الغالب أن يكون النوم بالليل والجرح بالنهار؛ فهو كقوله - : ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾ ليس ألا يبصر بالليل، لكن ذكر النهار] لما أن الغالب مما يبصر إنما يكون بالنهار؛ فعلى ذلك الأول.
ثم فيه دلالة أن النائم غير مخاطب في حال نومه؛ حيث ذكر الوعيد فيما يجرحون بالنهار ولم يذكر بالليل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ﴾ .
قال بعضهم: جرحتم، أي: أثمتم بالنهار.
وقيل: يعلم ما كسبتم بالنهار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ .
يستدل بقوله: ﴿ يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ على الإحياء بعد الموت؛ لأنه يذهب أرواح هذه الحواس ثم يردها إليها من غير أن يبقى لها أثر، فكيف تنكرون البعث بعد الموت وإن لم يبق من أثر الحياة [شيء]؟!
ثم القول في الجمع بعد التفرق مما الخلق يفعل ذلك ويقدر عليه؛ نحو ما يجمع من التراب المتفرق فيجعله طيناً، ورفع البناء من مكان، ووضعه في مكان آخر، وغير ذلك من جمع بعض إلى بعض، وتركيب بعض على بعض؛ فدل أن الأعجوبة في ردّ ما ذهب كله حتى لم يبق له أثر، لا في جمع ما تفرق، والله أعلم.
وقوله - عز جل -: ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ .
أي: يوقظكم، ويرد إليكم أرواح الحواس.
﴿ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ .
أي: مسمى العمر إلى الموت.
﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
خرج هذا على الوعيد لما ذكرنا؛ ليكونوا على حذر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .
يعلم كل ما يغيب عن الخلق ولا يخفى عليه شيء؛ لأنه عالم بذاته لا يحجبه شيء، ليس كعلم من يعلم بغيره، فيحول بينه وبين العلم بالأشياء الحجب والأستار، فأما الله - وتعالى - فعالم بذاته لا يعزب عنه شيء، ولا يكون له حجاب عن شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً ﴾ : فيه جميع ما يحتاج أهل التوحيد في التوحيد؛ لأنه أخبر أنه قاهر لخلقه وهم مقهورون، ومن البعيد أن يشبه القاهر المقهور بشيء، أو يشبه المقهور القاهر بوجه، أو يكون المقهور شريك القاهر في معنى؛ لأنه لو كان شيء من ذلك لم يكن قاهرا من جميع الوجوه، ولا كان الخلق مقهوراً في الوجوه كلها، فإذا كان الله قاهراً بذاته الخلق كله كانت آثار قهره فيهم ظاهرة، وأعلام سلطانه فيهم بادية؛ دل على تعاليه عن الأشباه والأضداد، وأنه كما وصف ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ .
يكون على وجهين: أحدهما: وهو القاهر وهو فوق عباده.
الثاني: على التقديم والتأخير؛ وهو فوق عباده القاهر.
ويحتمل قوله: ﴿ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ : بالنصر لهم والمعونة والدفع عنهم؛ كقوله: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ ، أي: بالنصر والمعونة، والعظمة والرفعة والجلال، ونفاذ السلطان والربوبية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً ﴾ .
أخبر أنه القاهر فوق عباده، وأنه أرسل عليهم الحفظة؛ ليعلموا أن إرسال الحفظة عليهم لا لحاجة له [في ذلك لما أخبر [أنه] قاهر فوق عباده ولو كان ذلك لحاجة له] لم يكن قاهراً؛ لأن كل من وقعت له حاجة صار مقهوراً تحت قهر آخر، فالله - - يتعالى عن أن تمسه حاجة، أو يصيبه شيء مما يصيب الخلق، بل إنما أرسلهم عليهم لحاجة الخلق: إما امتحاناً منه للحفظة على محافظة أعمال العباد والكتابة عليهم، من غير أن تقع له في ذلك حاجة، يمتحنهم على ذلك، ولله أن يمتحن عباده بما شاء من أنواع المحن، وإن أكرمهم ووصفهم بالطاعة في الأحوال كلها بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ، وغير ذلك من الآيات.
والثاني: يرسلهم عليهم بمحافظة أعمالهم والكتابة عليهم؛ ليكونوا على حذر في ذلك [العمل]، [وذلك في الزجر أبلغ وأكثر؛ لأن من علم أن عليه رقيباً في عمله وفعله كان أحذر في ذلك العمل].
وأنظر فيه، وأحفظ له ممن لم يكن عليه ذلك، وإن كان يعلم كل مسلم أن الله عالم الغيب لا يخفى عليه شيء، عالم بما كان منهم وبما يكون أنه كيف يكون؟
ومتى يكون؟
ثم اختلف في الحفظة هاهنا: قال بعضهم: هم الذين قال الله [فيهم]: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ يكتبون أعمالهم ويحفظونها عليهم.
وقال آخرون: هم الذين يحفظون أنفاس الخلق، ويعدون عليهم إلى وقت انقضائها وفنائها، ثم تقبض منه الروح ويموت؛ ألا ترى أنه قال على أثره: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ﴾ ؛ دل على أن الحفظة - هاهنا - هم الذين سلطوا على حفظ الأنفاس، والعد عليهم إلى وقت الموت، والله أعلم.
ثم في قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه ذكر مجيء الموت وتوفي الرسل، وقال: ﴿ خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ ﴾ ومجيء الموت هو توفي الرسل وتوفي الرسل هو مجيء الموت.
ثم أخبر أنه خلق الموت دل أنه خلق توفيهم، فاحتال بعض المعتزلة في هذا وقال: إن الملك هو الذي ينزع الروح ويجمعه في [موضع]، ثم إن الله يتلفه ويهلكه.
فلئن كان ما قال، فإذن لا يموت بتوفي الرسل أبداً؛ لأنهم إذا نزعوا وجمعوا في موضع تزداد حياة الموضع الذي جمعوا فيه؛ لأنه اجتمع كل روح النفس في ذلك الموضع، فإن لم يكن دل أن ذلك خيال، والوجه فيه ما ذكرنا من الدلالة، وهو ظاهر بحمد الله، يعرفه كل عاقل يتأمل فيه ولم يعاند، وبالله التوفيق.
ثم اختلف في قوله: ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ : قال بعضهم: هو ملك الموت وحده، وإن خرج الكلام مخرج العموم بقوله: ﴿ رُسُلُنَا ﴾ ، والمراد منه الخصوص؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ ، أخبر أنه هو الموكل والمسلط على ذلك.
وقال آخرون: يتوفاه أعوان ملك الموت، ثم يقبضه ملك الموت ويتوفاه.
وقال قائلون: يكون معه ملائكة تقبض الأنفس، ويتوفاه ملك الموت.
لكن [ذكر] ذلك لا ندري أن كيف هو،؟
ليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة، ولكن إلى معرفة ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ﴾ فيه إخبار عن شدة طاعة الملائكة ربهم، وأن الرأفة لا تأخذهم فيما فيه تأخير أمر الله وتفريطه؛ لأن من دخل على من في النزع، أخذته من الرأفة ما لو ملك حياته لبذل له، فأخبر عز وجل أنهم لا يفرطون فيما أمروا ولا يؤخرونه؛ لتعظيمهم أمر الله وشدة طاعتهم له، وعلى ذلك وصفهم: ﴿ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ ﴾ .
ذكر الرد إلى الله، وأنه مولاهم الحق، وإن كانوا في الأحوال كلها مردودين إلى الله، وكان مولاهم الحق في الدنيا والآخرة.
وكذلك قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ وكذلك قوله: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ﴾ كان الملك له في الدنيا والآخرة، وكانوا بارزين له جميعاً في الأوقات كلها؛ لما كانوا أصحاب الشكوك، فارتفع ذلك عنهم، وخلص بروزهم وردهم إلى الله خالصاً لا شك فيه؛ وكذلك كان الملك [له] في الدنيا والآخرة وهي الأيام كلها، لكن نازعه غيره في الملك في الدنيا، ولا أحد ينازعه في ذلك اليوم في الملك، فقال: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ ؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ ﴾ ، كان مولاهم الحق في الأوقات كلها والأحوال، ولكن عند ذلك يظهر لهم أنه كان مولاهم الحق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل: ردوا إلى ما وعدهم وأوعد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ ﴾ : في تأخير الموت والحياة، وقبض الأرواح، وتوفي الأنفس.
ويحتمل [قوله]: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ ﴾ في التعذيب في النار والثواب والعقاب ليس يدفع ذلك عنهم دافع سواه، ولا ينازعه أحد في الحكم.
﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ ﴾ .
عن الحسن قال: هو سريع العقاب؛ لأنه إنما يحاسب ليعذب كما روي: "من نوقش الحساب عذب" وهو أسرع الحاسبين؛ لأنه لا يحاسب عن حفظ ولا تفكر، ولا يشغله شيء، وأما غيره: فإنما يحاسب عن حفظ وتفكر وعن شغل، فهو أسرع الحاسبين؛ إذ لا يشغله شيء.
<div class="verse-tafsir"
والله هو الذي يقبض أرواحكم عند النوم قبضًا مؤقتًا، وهو الذي يعلم ما كسبتم من الأعمال في النهار وقت نشاطكم، ثم يبعثكم في النهار بعد قبض أرواحكم بالنوم لتقوموا بأعمالكم، حتى تنتهي آجال حياتكم المقدرة عند الله، ثم إليه وحده رجوعكم بالبعث يوم القيامة، ثم يخبركم بما كنتم تعملونه في حياتكم الدنيا، ويجازيكم عليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.D4znD"