الآية ٦٣ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٦٣ من سورة الأنعام

قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةًۭ لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ٦٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٣ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٣ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى ممتنا على عباده في إنجائه المضطرين منهم ( من ظلمات البر والبحر ) أي : الحائرين الواقعين في المهامه البرية ، وفي اللجج البحرية إذا هاجت الريح العاصفة ، فحينئذ يفردون الدعاء له وحده لا شريك له ، كما قال : ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه [ فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ] ) [ الإسراء : 67 ] وقال تعالى : ( هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ) [ يونس : 22 ] وقال تعالى : ( أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون ) [ النمل : 63 ] .

وقال في هذه الآية الكريمة : ( قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية ) أي : جهرا وسرا ( لئن أنجانا من هذه ) أي : من هذه الضائقة ( لنكونن من الشاكرين ) أي : بعدها

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم، الداعين إلى عبادة أوثانهم: من الذين ينجيكم =" من ظلمات البر "، إذا ضللتم فيه فتحيَّرتم، فأظلم عليكم الهدى والمحجة = ومن ظلمات البحر إذا ركبتموه، فأخطأتم فيه المحجة، فأظلم عليكم فيه السبيل، فلا تهتدون له = غير الله الذي إليه مفزعكم حينئذ بالدعاء (24) =" تضرعًا "، منكم إليه واستكانة جهرًا (25) =" وخفية "، يقول: وإخفاء للدعاء أحيانًا, وإعلانًا وإظهارًا تقولون: لئن أنجيتنا من هذه يا رب (26) = أي من هذه الظلمات التي نحن فيها =" لنكونن من الشاكرين "، يقول: لنكونن ممن يوحدك بالشكر، ويخلص لك العبادة، دون من كنا نشركه معك في عبادتك.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13342 - حدثني محمد بن سعيد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعًا وخفية "، يقول: إذا أضل الرجل الطريق، دعا الله: " لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ".

(27) 13343 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر " ، يقول: من كرْب البر والبحر.

----------------- الهوامش : (24) في المطبوعة: "الذي مفزعكم" ، والصواب من المخطوطة.

(25) انظر تفسير"التضرع" فيما سلف ص: 355.

(26) في المطبوعة والمخطوطة ، كان نص الآية {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذِهِ} وهي قراءة باقي السبعة ، وقراءتنا المثبتة في مصحفنا هي قراءة الكوفيين.

وقد جرى أبو جعفر في تفسيره على قراءة عامة الناس ، ولم يشر إلى قراءتنا ، وجرى على ذلك في تفسيره الآية.

وقال القرطبي: قرأ الكوفيون"لئن أنجانا" ، واتساق المعنى بالتاء ، كما قرأ أهل المدينة والشام.

وانظر معاني القرآن للفراء 1: 338.

وظني أن أبا جعفر قد اختصر التفسير في هذا الموضع اختصارًا شديدًا ، فترك كثيرًا كان يظن به أن يقوله.

(27) تركت الخبر على قراءة الناس لا قراءتنا في مصحفنا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرينقوله تعالى قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر أي شدائدهما ; يقال : يوم مظلم أي شديد .

قال النحاس : والعرب تقول : يوم مظلم إذا كان شديدا ، فإن عظمت ذلك قالت : يوم ذو كواكب ; وأنشد سيبويه :بني أسد هل تعلمون بلاءنا إذا كان يوم ذو كواكب أشنعاوجمع الظلمات على أنه يعني ظلمة البر وظلمة البحر وظلمة الليل وظلمة الغيم ، أي إذا أخطأتم الطريق وخفتم الهلاك دعوتموهلئن أنجانا من هذه أي من هذه الشدائدلنكونن من الشاكرين أي من الطائعين .

فوبخهم الله في دعائهم إياه عند الشدائد ، وهم يدعون معه في حالة الرخاء غيره بقوله : ثم أنتم تشركون .

وقرأ الأعمش " وخيفة " من [ ص: 10 ] الخوف ، وقرأ أبو بكر عن عاصم " خفية " بكسر الخاء ، والباقون بضمها ، لغتان .

وزاد الفراء خفوة وخفوة .

قال : ونظيره حبية وحبية وحبوة وحبوة .

وقراءة الأعمش بعيدة ; لأن معنى تضرعا : أن تظهروا التذلل ، وخفية أن تبطنوا مثل ذلك .

وقرأ الكوفيون لئن أنجانا واتساق المعنى بالتاء ; كما قرأ أهل المدينة وأهل الشام .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي { قُلْ } للمشركين بالله، الداعين معه آلهة أخرى، ملزما لهم بما أثبتوه من توحيد الربوبية، على ما أنكروا من توحيد الإلهية { مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } أي: شدائدهما ومشقاتهما، وحين يتعذر أو يتعسر عليكم وجه الحيلة، فتدْعون ربكم تضرعا بقلب خاضع، ولسان لا يزال يلهج بحاجته في الدعاء، وتقولون وأنتم في تلك الحال: { لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ } الشدة التي وقعنا فيها { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } لله، أي المعترفين بنعمته، الواضعين لها في طاعة ربهم، الذين حفظوها عن أن يبذلوها في معصيته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( قل من ينجيكم ) قرأ يعقوب بالتخفيف ، وقرأ العامة بالتشديد ، ( من ظلمات البر والبحر ) أي : من شدائدهما وأهوالهما ، كانوا إذا سافروا في البر والبحر فضلوا الطريق وخافوا الهلاك ، دعوا الله مخلصين له الدين فينجيهم ، فذلك قوله تعالى : ( تدعونه تضرعا وخفية ) أي : علانية وسرا ، قرأ أبو بكر عن عاصم " وخفية " بكسر الخاء هاهنا وفي الأعراف ، وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان ، ( لئن أنجانا ) أي : يقولون لئن أنجيتنا ، وقرأ أهل الكوفة : لئن أنجانا الله ، ( من هذه ) يعني : من هذه الظلمات ، ( لنكونن من الشاكرين ) والشكر : هو معرفة النعمة مع القيام بحقها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» يا محمد لأهل مكة «من ينجيِكم من ظلمات البر والبحر» أهوالهما في أسفاركم حين «تدعونه تضرعا» علانية «وخفية» سرا تقولون «لئن» لام قسم «أنجيتنا» وفي قراءة أنجانا أي الله «من هذه» الظلمات والشدائد «لنكونن من الشاكرين» المؤمنين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: من ينقذكم من مخاوف ظلمات البر والبحر؟

أليس هو الله تعالى الذي تدعونه في الشدائد متذللين جهرًا وسرًّا؟

تقولون: لئن أنجانا ربنا من هذه المخاوف لنكونن من الشاكرين بعبادته عز وجل وحده لا شريك له.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق القرآن لوناً آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله وسابغ رحمته وفضله وإحسانه فقال - تعالى - : { قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ البر والبحر } .قال صاحب الكشاف : ظلمات البر والبحر مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما .يقال لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب ، أى اشتدت ظلمته حتى عاد كالليل " .وقيل : حمله على الحقيقة أولى فظلمة البر هى ما اجتمع فيه من ظلمة الليل ومن ظلمة السحاب فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء إلى الطريق الصواب ، وظلمة البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة الرياح العاصفة والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضاً الخوف الشديد من الوقوع فى الهلاك .والتضرع : المبالغة فى الضراعة مع الذل والخضوع .

والخفية- بالضم والكسر - الخفاء والاستتار .

وللكرب الغم الشديد مأخوذ من كرب الأرض وهو إثارتها وقلبها بالحفر .

فالغم يثير النفس كما يثير الأرض كاربها .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الغافلين من الذى ينجيكم من ظلمات البر والبحر عندما تغشاكم بأهوالها المرعبة ، وشدائدها المدهشة ، إنكم فى هذه الحالة تلجأون إلى الله وحده تدعونه إعلانا وإسرارا بذلة وخضوع وإخلاص قائلين له : لئن أنجيتنا يا ربنا من هذه الشدائد والدواهى المظلمة لنكونن لك من الراسخين فى الشكر المداومين عليه

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال القدرة الإلهية، وكمال الرحمة والفضل والإحسان.

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ ﴾ بالتشديد في الكلمتين، والباقون بالتخفيف.

قال الواحدي: والتشديد والتخفيف لغتان منقولتان من نجا، فإن شئت نقلت بالهمزة، وإن شئت نقلت بتضعيف العين: مثل: أفرحته وفرحته، وأغرمته وغرمته، وفي القرآن ﴿ فأنجيناه والذين مَعَهُ  ﴾ وفي آية أخرى ﴿ وَنَجَّيْنَا الذين ءامَنُواْ  ﴾ ولما جاء التنزيل باللغتين معاً ظهر استواء القراءتين في الحسن، غير أن الاختيار التشديد، لأن ذلك من الله كان غير مرة، وأيضاً قرأ عاصم في رواية أبي بكر خفية بكسر الخاء والباقون بالضم، وهما لغتان، وعلى هذا الاختلاف في سورة الأعراف، وعن الأخفش في خفية وخفية أنهما لغتان، وأيضاً الخفية من الإخفاء، والخيفة من الرهب، وأيضاً ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا ﴾ من هذه.

قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ لَّئِنْ أنجانا ﴾ على المغايبة، والباقون ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا ﴾ على الخطاب، فأما الأولون: وهم الذين قرؤا على المغايبة، فقد اختلفوا.

قرأ عاصم بالتفخيم، والباقون بالإمالة، وحجة من قرأ على المغايبة أن ما قبل هذا اللفظ، وما بعده مذكور بلفظ المغايبة، فأما ما قبله فقوله: ﴿ تَدْعُونَهُ ﴾ وأما ما بعده فقوله: ﴿ قُلِ الله يُنَجّيكُمْ مّنْهَا ﴾ وأيضاً فالقراءة بلفظ الخطاب توجب الإضمار، والتقدير: يقولون لئن أنجيتنا، والإضمار خلاف الأصل.

وحجة من قرأ على المخاطبة قوله تعالى في آية أخرى: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين ﴾ .

المسألة الثانية: ﴿ ظلمات البر والبحر ﴾ مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما.

يقال: لليوم الشديد يوم مظلم.

ويوم ذو كواكب أي اشتدت ظلمته حتى عادت كالليل، وحقيقة الكلام فيه أنه يشتد الأمر عليه، ويشتبه عليه كيفية الخروج، ويظلم عليه طريق الخلاص، ومنهم من حمله على حقيقته فقال: أما ظلمات البحر فهي أن تجتمع ظلمة الليل، وظلمة البحر وظلمة السحاب، ويضاف الرياح الصعبة والأمواج الهائلة إليها، فلم يعرفوا كيفية الخلاص وعظم الخوف، وأما ظلمات البر فهي ظلمة الليل وظلمة السحاب والخوف الشديد من هجوم الأعداء، والخوف الشديد من عدم الاهتداء إلى طريق الصواب، والمقصود أن عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان إلا إلى الله تعالى، وهذا الرجوع يحصل ظاهراً وباطناً، لأن الإنسان في هذه الحالة يعظم إخلاصه في حضرة الله تعالى، وينقطع رجاؤه عن كل ما سوى الله تعالى، وهو المراد من قوله: ﴿ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ فبين تعالى أنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله، ولا تعويل إلا على فضل الله، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات، لكنه ليس كذلك، فإن الإنسان بعد الفوز بالسلامة والنجاة.

يحيل تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية، ويقدم على الشرك، ومن المفسرين من يقول: المقصود من هذه الآية الطعن في إلهية الأصنام والأوثان، وأنا أقول: التعلق بشيء مما سوى الله في طريق العبودية يقرب من أن يكون تعلقاً بالوثن، فإن أهل التحقيق يسمونه بالشرك الخفي، ولفظ الآية يدل على أن عند حصول هذه الشدائد يأتي الإنسان بأمور: أحدها: الدعاء.

وثانيها: التضرع.

وثالثها: الإخلاص بالقلب، وهو المراد من قوله: ﴿ وَخُفْيَةً ﴾ .

ورابعها: التزام الاشتغال بالشكر، وهو المراد من قوله: ﴿ لَئِنْ أَنجَيتنا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين ﴾ ثم بين تعالى أنه ينجيهم من تلك المخاوف، ومن سائر موجبات الخوف والكرب.

ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك، ونظير هذه الآية قوله: ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ ﴾ وقوله: ﴿ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ ﴾ وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك.

إذا شاهدوا الأمر الهائل أخصلوا، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ظلمات البر والبحر ﴾ مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما.

يقال لليوم الشديد: يوم مظلم، ويوم ذو كواكب.

أي اشتدت ظلمته حتى عاد كالليل؛ ويجوز أن يراد.

ما يشفون عليه من الخسف في البر والغرق في البحر بذنوبهم، فإذا دعوا وتضرعوا كشف الله عنهم الخسف والغرق فنجوا من ظلماتها ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا ﴾ على إرادة القول ﴿ مِنْ هذه ﴾ من هذه الظلمة الشديدة.

وقرئ: ﴿ يُنَجّيكُمْ ﴾ بالتشديد والتخيف، وأنجانا، وخفية، بالضم والكسر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ مِن شَدائِدِهِما، اسْتُعِيرَتِ الظُّلْمَةُ لِلشِّدَّةِ لِمُشارَكَتِهِما في الهَوْلِ وإبْطالِ الإبْصارِ فَقِيلَ لِلْيَوْمِ الشَّدِيدِ يَوْمٌ مُظْلِمٌ ويَوْمٌ ذُو كَواكِبَ، أوْ مِنَ الخَسْفِ في البَرِّ والغَرَقِ في البَحْرِ.

وَقَرَأ يَعْقُوبُ يُنْجِيكم بِالتَّخْفِيفِ والمَعْنى واحِدٌ.

﴿ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً ﴾ مُعْلِنِينَ ومُسِرِّينَ، أوْ إعْلانًا وإسْرارًا وقَرَأ أبُو بَكْرٍ هُنا وفي «الأعْرافِ» وخِفْيَةً بِالكَسْرِ وقُرِئَ «خِيفَةً» .

﴿ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ تَقُولُونَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا.

وقَرَأ الكُوفِيُّونَ «لَئِنْ أنْجانا» لِيُوافِقَ قَوْلَهُ تَدْعُونَهُ وهَذِهِ إشارَةٌ إلى الظُّلْمَةِ.

﴿ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ﴾ شَدَّدَهُ الكُوفِيُّونَ وهِشامٌ وخَفَّفَهُ الباقُونَ.

﴿ وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ غَمٍّ سِواها.

﴿ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ تَعُودُونَ إلى الشِّرْكِ ولا تُوفُونَ بِالعَهْدِ، وإنَّما وُضِعَ تُشْرِكُونَ مَوْضِعَ لا تَشْكُرُونَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أشْرَكَ في عِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَكَأنَّهُ لَمْ يَعْبُدْهُ رَأْسًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣)

{قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ} يُنَجِّيكُمْ ابن عباس {مِّن ظلمات البر والبحر} مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما أو ظلمات البر الصواعق والبحر

الأنعام (٦٣ _ ٦٨)

الأمواج وكلاهما في الغيم والليل {تَدْعُونَهُ} حال من ضمير المفعول في يُنَجِّيكُمْ {تَضَرُّعًا} معلنين الضراعة وهو مصدر في موضع الحال وكذا {وَخُفْيَةً} أي مسرين في أنفسكم خفية حيث كان أبو بكر وهما لغتان {لَّئِنْ أنجانا} عاصم وبالإمالة حمزة وعلي الباقون أَنْجَيْتَنَا والمعنى يقولون لئن خلصنا {مِنْ هذه} الظلمات {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين} لله تعالى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكم مَن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ أيْ قُلْ لَهم تَقْرِيرًا بِانْحِطاطِ شُرَكائِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الأُلُهِيَّةِ، والمُرادُ مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما شَدائِدُهُما وأهْوالُهُما الَّتِي تُبْطِلُ الحَواسَّ وتُدْهِشُ العُقُولَ، والعَرَبُ كَما قالَ الزَّجّاجُ تَقُولُ لِلْيَوْمِ الَّذِي يُلْقى فِيهِ شِدَّةٌ يَوْمٌ مُظْلِمٌ حَتّى أنَّهم يَقُولُونَ: يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أيْ أنَّهُ يَوْمٌ قَدِ اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ حَتّى صارَ كاللَّيْلِ في ظُلْمَتِهِ، وأُنْشِدَ: بَنِي أُسْدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاءَنا إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أشْهَبُ، ومِنَ الأمْثالِ القَدِيمَةِ رَأى الكَواكِبَ ظُهْرًا أيْ أظْلَمَ عَلَيْهِ يَوْمُهُ لِاشْتِدادِ الأمْرِ فِيهِ حَتّى كَأنَّهُ أبْصَرَ النَّجْمَ نَهارًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ طُرْفَةَ: إنْ تُنَوِّلْهُ فَقَدْ تَمْنَعُهُ ∗∗∗ وتَرَيْهِ النَّجْمَ يَجْرِي بِالظُّهُرِ، وقِيلَ: المُرادُ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ السَّحابِ وظُلْمَةُ البَحْرِ، وقِيلَ: ظُلْمَةُ البَرِّ بِالخَسْفِ فِيهِ وظُلْمَةُ البَحْرِ بِالغَرَقِ فِيهِ، والظُّلُماتُ عَلى الأوَّلِ كَما قِيلَ اسْتِعارَةٌ وعَلى الأخِيرَيْنِ حَقِيقَةً ومِنهم مَن جَعَلَها كِنايَةً عَنِ الخَسْفِ والغَرَقِ، والكَلامُ في الكِنايَةِ مَعْلُومٌ، ومَن جَوَّزَ جَمْعَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ فَسَّرَ الظُّلُماتِ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ والغَيْمِ والبَحْرِ والتِّيهِ والخَوْفِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ وسَهْلٌ (يُنْجِيكُمْ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْجاءِ والمَعْنى واحِدٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَدْعُونَهُ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ (يُنَجِّيكُمْ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ، والضَّمِيرُ لِمَن أيْ مِن يُنَجِّيكم مِنها حالَ كَوْنِكم داعِينَ لَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِهِ أيْ مِن يُنَجِّيكم مِنها حالَ كَوْنِهِ مَدْعُوًّا مِن جِهَتِكم ﴿ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً ﴾ أيْ إعْلانًا وإسْرارًا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والحَسَنِ فَنَصَبَها عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: بِنَزْعِ الخافِضِ، والإعْلانُ والإسْرارُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِما ما بِاللِّسانِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِما ما بِاللِّسانِ والقَلْبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا مَنصُوبَيْنِ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ تَدْعُونَ أيْ مُعْلِنِينَ ومُسِرِّينَ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ خِفْيَةً بِكَسْرِ الخاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ كالأُسْوَةِ والإسْوَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَئِنْ أنْجانا ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ تَدْعُونَ أيْضًا أيْ قائِلِينَ: لَئِنْ أنْجَيْتَنا والكُوفِيُّونَ يَحْكُونَ بِما يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَوْلِ كَتَدْعُونَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ والصَّحِيحُ التَّقْدِيرُ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ تَفْسِيرٌ لِلدُّعاءِ فَلا مَحَلَّ لَها، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ ﴿ أنْجانا ﴾ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ مُراعاةً لِتَدْعُونَهُ دُونَ حِكايَةِ خِطابِهِمْ في حالَةِ الدُّعاءِ غَيْرَ أنَّ عاصِمًا قَرَأ بِالتَّفْخِيمِ والباقُونَ بِالإمالَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ مِن هَذِهِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما هم فِيها المُعَبَّرِ عَنْها بِالظُّلُماتِ ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ 36 - أيِ الرّاسِخِينَ في الشُّكْرِ المُداوِمِينَ عَلَيْهِ لِأجْلِ هَذِهِ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ أوْ جَمِيعِ النِّعَمِ الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني: من أهواله وشدائدهِ، والظلمات كناية عن الأهوال والشدائد تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وقال الكلبي: سراً وعلانية.

وقال مقاتل: يعني.

في خفض وسكون.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر خُفْيَةً بكسر الخاء، والباقون بالضم.

وهما لغتان وكلاهما واحد لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ يعني: من غمّ هذه الأهوال والشدائد لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ يعني: من الموحدين.

قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها يعني: من أهوال البر والبحر وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ يعني: ينجيكم من كل كرب.

يعني: من كل غم وشدة ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ يعني: ترجعون إلى الشرك.

وقرأ بعضهم يُنَجِّيكُمْ بالتخفيف والقراءة المعروفة بالتشديد وقرأ عاصم وحمزة والكسائي لَئِنْ أَنْجانا بالألف يعني: أنجانا الله تعالى.

وقرأ الباقون لاِن أَنْجَيْتَنَا على معنى المخاطبة.

وقرأ عاصم وحمزة والكسائي قُلِ الله يُنَجّيكُمْ مّنْهَا بالتشديد.

وقرأ الباقون بالتخفيف ومعناهما واحد.

ويقال: أنْجَى يُنْجِي ونَجَّى يُنَجِّي.

وقوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ يعني: الحصب بالحجارة كما فعل بقوم لوط، والغرق كما أرسل على قوم نوح.

يعني: إن استكبرتم، وأصررتم، وكذبتم رسلي مثل ما فعل قوم نوح، أو فعلتم الفعلة التي فعل قوم لوط ثم قال: أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ يعني يخسف بكم كما خسف بقارون ومن معه، إن استكبرتم واغتررتم بالدنيا كما فعل قارون.

ثم قال: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً يعني: الأهوال المختلفة، كما ألبس بني إسرائيل إن تركتم أمر رسولي، واتبّعتم هواكم كما فعل بنو إسرائيل وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ يعني يقتل بعضكم بعضاً بالسيف كما فعل بالأمم الخالية، إن فعلتم مثل ما فعلوا.

فلما نزلت هذه الآية قال النبيّ:  «يَا جِبْرِيلُ ما بَقَاءُ أُمَّتِي عَلَى ذلك؟» قال له جبريل: إنما أنا عَبْدٌ مِثْلُكَ فادْعُ رَبَّكَ وَسَلْهُ لأمَّتِكَ فقام النبِي  فتوضأ، وأسبغ الوضوء، فأحسن الصلاة، ثم دعا فنزل جبريل فقال: إنَّ الله تعالَى سَمِعَ مَقَالَتَكَ، وَأَجَارَهُمْ مِنْ خَصْلَتَيْنِ، وَهُوَ العَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ، وَمِن تحت أَرْجُلِهِمْ.

فَقَالَ: «يَا جِبْرِيلُ ما بَقَاءُ أُمَّتِي إذا كان فِيهِمْ أَهْوَاءَ مُخْتَلِفَةٌ وَيُذِيقُ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ؟» فنزل جبريل بهذه الآية الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا [العنكبوت: 1- 2] الآية وقال النبي  : «افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ عَلَى إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفَتَرِقُ أُمَّتِي اثْنَانَ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إلاَّ وَاحِدَةَ» .

قالوا: يا رسول الله ما هذه الواحدة؟

قال: «أهْلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ الَّذِي أنا عَلَيْهِ، وأصْحَابِي» .

وفي خبر آخر.

«السَّوَادُ الأعْظَمُ» .

وروى عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أنه قال: لما نزلت هذه الآية قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قال رسول الله  : «أعُوذُ بِوَجْهِ الله» فلما نزلت أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال: «هاتان أهون» ويقال: عذابا من فوقكم يعني: سلطاناً جائراً، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ من سفهائكم يقلبون عليكم أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً، وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ يعني: الفتنة بين المحلتين أو القريتين.

ثم قال: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ يعني: نبين الآيات من البلاء والعذاب في القرآن لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ يعني: يعقلون ما هم عليه.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤] » انتهى «١» .

وقوله سبحانه: مِنْ وَرَقَةٍ، أي: من وَرَقِ النَّبَاتِ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ، يريدُ: في أشدِّ حالِ التَّغَيُّبِ، وحكى بعضُ النَّاسِ عن جَعْفَرِ بنِ محمَّد قولاً: / أنَّ الورقَةَ يُرَادُ بها السِّقْطُ مِنْ أولادِ بني آدم، والحَبَّة: يرادُ بها الذي لَيْسَ بِسِقْطٍ، والرَّطْب يرادُ به الحَيُّ، واليابسُ يراد به المَيِّت، وهذا قولٌ جارٍ على طريقةِ الرُّمُوز، ولا يصحُّ عن جعفر بن محمَّد، ولا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إلَيْه «٢» .

وقوله تعالى: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ، قيل: يعني كتاباً على الحقيقةِ، ووجْهُ الفائدة فيه امتحان ما يكتبه الحَفَظَةُ، وذلك أنَّه رُوِيَ أنَّ الحَفَظَةَ يرفَعُونَ مَا كَتَبُوهُ، ويُعَارِضُونَهُ بهذا الكِتَابِ المُشَارِ إلَيْه ليتحقَّقوا صِحَّة ما كتبوه، وقيل: المراد بقوله: إِلَّا فِي كِتابٍ: عِلْمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ المحيطِ بكلِّ شيءٍ.

قال الفَخْرُ «٣» : وهذا هو الأصْوَبُ، ويجوزُ أنْ يقالَ: ذَكر تعالى ما ذَكَر مِنَ الوَرَقَةِ وَالحَبَّة تنبيهاً للمكلَّفين على أمر الحساب.

انتهى.

قال مَكِّيٌّ: قالَ عبْدُ اللَّه بْنُ الحارِثِ: ما في الأرْض شَجَرٌ، ولا مَغْرَزُ إبرةٍ إلاَّ علَيْها مَلَكٌ، موكَّل، يأتي اللَّه بعلْمها بيَبَسِها إذا يَبِسَتْ، ورُطُوبَتِها إذا رَطِبَتْ «٤» .

وقيل: المعنى في كَتْبِها أنه لتعظيمِ الأمرِ، ومعناه: اعلموا أنَّ هذا الذي لَيْسَ فيه ثوابٌ ولا عقابٌ- مكتوبٌ فكيف ما فِيهِ ثوابٌ أو عقاب.

انتهى من «الهداية» .

وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)

وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ، يعني به: النّوم، ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ، أي: مَا كَسَبْتم بالنَّهار، ويحتمل أنْ يكون جَرَحْتُمْ هنا من الجرح كأن الذنْبَ جرح في الدِّين، والعربُ تقولُ:

............

...

وَجُرْحُ اللّسان كجرح اليد «١»

ويَبْعَثُكُمْ: يريد به الإيقاظَ، والضميرُ في فِيهِ عائدٌ على النهار قاله مجاهد وغيره «٢» ، ويحتملُ أنْ يعود الضمير على التوفِّي، أي: يوقظُكُم في التوفِّي، أي: في خلالِهِ وتضاعِيفِهِ قاله عبد الله بن «٣» كثير.

ولِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى: المراد به آجالُ بني آدمَ، ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ يريدُ:

بالبَعْثِ والنشورِ، ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ، أي: يُعْلِمُكُمْ إعلامَ توقيفٍ، ومحاسبةٍ، ففي هذه الآية إيضاحُ الآياتِ المنصوبةِ للنَّظَر، وفيها ضَرْبُ مثالٍ للبعْثِ من القبور لأن هذا أيضاً إماتةٌ وبعْثٌ على نَحوٍ مَّا.

وقوله سبحانه: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ: القاهرُ إنْ أُخِذَ صِفَةَ فِعْلٍ، أي: مظهر القَهْر بالصواعقِ والرياحِ والعذابِ، فيصحُّ أنْ تجعل فَوْقَ ظرفيةً للجهةِ لأن هذه الأشياء إنما تعاهَدَها العبادُ مِنْ فوقهم، وإنْ أُخِذَ الْقاهِرُ صفَةَ ذَاتٍ، بمعنى القُدْرة والاستيلاء، ف فَوْقَ: لا يجوزُ أنْ تكون للجهةِ، وإنما هي لعلُوِّ القَدْر والشِّأن على حد ما تقولُ: اليَاقُوتُ فَوْقَ الحديد، والأحرار فوق العبيد، ويُرْسِلُ عَلَيْكُمْ: معناه: يبثّهم فيكم، وحَفَظَةً: جمع حَافِظٍ، والمراد بذلكَ الملائكةُ الموكَّلون بكَتْبِ الأعمال، ورُوِيَ أنهم الملائكةُ الَّذين قالَ فيهِمُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يتعاقب فيكم ملائكة باللّيل وملائكة

بِالنَّهَارِ» «١» وقال السُّدِّيُّ وقتادة «٢» ، وقال بعْض المفسِّرين: حَفَظَةً يَحفظُونَ الإنسانَ مِنْ كلِّ شيءٍ حتى يأتي أجله، والأول أظهر.

وقرأ «٣» حمزةُ وحْده: «تَوَفَّاهُ» .

وقوله تعالى: رُسُلُنا: يريد به على ما ذكر ابنُ عباس، وجميعُ أهل التأويل:

ملائكةً مقترنينَ بمَلَكِ المَوْت، يعاونونه ويَأْتَمِرُونَ له «٤» ، ثُمَّ رُدُّوا، أي: العبادُ، إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ، وقوله: الْحَقِّ: نعْتٌ ل مَوْلاهُمُ، ومعناه: الذي لَيْسَ/ بباطلٍ، ولا مَجَاز، أَلا لَهُ الْحُكْمُ: كلامٌ مضمَّنه التنبيهُ، وهَزُّ النفوسِ، وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ:

قيل لِعَليٍّ (رضي اللَّه عنه) : كَيْفَ يُحَاسِبُ اللَّهُ العِبَادَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؟!

قَالَ: كَمَا يَرْزُقُهُمْ فِي الدُّنْيَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ» «٥» .

وقوله تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ...

الآية: هذا تَمَادٍ في توبيخِ العادِلِينَ باللَّه الأوثانَ، وتركِهِمْ عبادَةَ الرَّحْمَنِ الذي يُنْجِي من الهَلَكَاتِ، ويُلْجَأُ إليه في الشّدائد، ودفع الملمّات، وظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ: يريدُ بها شدائِدَهُما، فهو لفظٌ عامٌّ يستغرقُ ما كان مِنَ الشدائدِ بظلمةٍ حقيقيةٍ، وما كان بغَيْر ظلمةٍ، والعَرَبُ تقول: عَامٌ أَسْوَدُ، ويَوْمٌ مُظْلِمٌ، ويَوْمٌ ذو كواكِبَ، يريدُونَ به الشِّدَّة، قال قتادة وغيره: المعنى: مِنْ كَرْبِ البَرِّ والبَحْرِ، وتَدْعُونَهُ: في موضعِ الحالِ، والتَّضَرُّعُ: صفَةٌ باديةٌ على الإنسانِ، وخُفْيَة: معناه: الاختفاء «٦» ، وقرأ عاصمٌ «٧» في رواية أبي بكر: «وخفية»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: " قُلْ مَن يُنَجِّيكم قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ" مُشَدَّدَيْنِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ، والقَزّازُ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: بِسُكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمُشَدَّدَةُ أجْوَدُ لَلْكَثْرَةِ.

وظُلُماتُ البَرِّ والبَحْرِ: شَدائِدُها؛ والعَرَبُ تَقُولُ لَلْيَوْمِ الَّذِي تَلْقى فِيهِ شِدَّةً يَوْمٌ مُظْلِمٌ، حَتّى إنَّهم يَقُولُونَ: يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ، أيْ: قَدِ اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ حَتّى صارَ كاللَّيْلِ.

قالَ الشّاعِرُ: فَدى لِبَنِي ذُهَلِ بْنِ شَيَّبانَ ناقَتِي إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشَنْعا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا ﴾ أيْ مُظْهِرِينَ الضَّراعَةَ، وهي شِدَّةُ الفَقْرِ إلى الشَّيْءِ، والحاجَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخُفْيَةً ﴾ قَرَأ عاصِمٌ إلّا حَفْصًا: "وَخُفْيَةً" بِكَسْرِ الخاءِ؛ وكَذَلِكَ في [الأعْرافِ] .

وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الخاءِ، وهُما لُغَتانِ.

قالَ الفَرّاءُ: وفِيها لُغَةٌ أُخْرى بِالواوِ، ولا تَصْلُحُ في القِراءَةِ، خِفْوَةً، وخَفْوَةً.

ومَعْنى الكَلامِ، أنَّكم تَدْعُونَهُ في أنْفُسِكم، كَما تَدْعُونَهُ ظاهِرًا: "لَئِنْ أنْجَيْتَنا" كَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لَئِنْ أنْجَيْتَنا" وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لَئِنْ أنْجانا" بِألْفٍ، لِمَكانِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: "تَدْعُونَهُ" .

وكانَ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: وخَلْفٌ يُمِيلُونَ الجِيمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن هَذِهِ ﴾ يَعْنِي: في أيِّ شِدَّةٍ وقَعْتُمْ، قُلْتُمْ: "لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ" .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: و"الشّاكِرُونَ" هاهُنا: المُؤْمِنُونَ.

وكانَتْ قُرَيْشٌ تُسافِرُ في البَرِّ والبَحْرِ، فَإذا ضَلُّوا الطَّرِيقَ وخافُوا الهَلاكَ، دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ، فَأنْجاهم.

فَأمّا "الكَرْبُ" فَهو الغَمُّ الَّذِي يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ، ومِنهُ اشْتُقَّتِ الكُرْبَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكم مَن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مَن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مَن الشاكِرِينَ ﴾ ﴿ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ هَذا تَمادٍ في تَوْبِيخِ العادِلِينَ بِاللهِ تَعالى الأوثانَ؛ وتَوْقِيفِهِمْ عَلى سُوءِ الفِعْلِ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ؛ وتَرْكِهِمُ الَّذِي يُنْجِي مِنَ المُهْلِكاتِ؛ ويُلْجَأُ إلَيْهِ في الشَدائِدِ.

و"مَن"؛ اِسْتِفْهامٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "مَن يُنَجِّيكُمْ"؛ "قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ"؛ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ؛ وفَتْحِ النُونِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ؛ عنهُ؛ وحُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ؛ ويَعْقُوبَ: "يُنْجِيكُمْ"؛ بِتَخْفِيفِ الجِيمِ؛ وسُكُونِ النُونِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ بِالتَشْدِيدِ في الأُولى؛ والتَخْفِيفِ في الثانِيَةِ؛ فَجَمَعُوا بَيْنَ التَعْدِيَةِ بِالألِفِ؛ والتَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ؛ كَما جاءَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا  ﴾ .

وَ ﴿ ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ شَدائِدُها؛ فَهو لَفْظٌ عامٌّ؛ يَسْتَغْرِقُ ما كانَ مِنَ الشَدائِدِ بِظُلْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ؛ وما كانَ بِغَيْرِ ظُلْمَةٍ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "عامٌ أسْوَدُ"؛ و"يَوْمٌ مُظْلِمٌ"؛ و"يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ"؛ ونَحْوَ هَذا؛ يُرِيدُونَ بِهِ الشِدَّةَ؛ قالَ قَتادَةُ: اَلْمَعْنى: "مِن كَرْبِ البَرِّ والبَحْرِ"؛ وقالَهُ الزَجّاجُ ؛ و"تَدْعُونَهُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ و"تَضَرُّعًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ والعامِلُ فِيهِ "تَدْعُونَهُ"؛ والتَضَرُّعُ صِفَةٌ بادِيَةٌ عَلى الإنْسانِ؛ و"وَخُفْيَةً"؛ مَعْناهُ: اَلِاخْتِفاءُ؛ والسِرُّ؛ فَكَأنَّ نَسَقَ القَوْلِ: "تَدْعُونَهُ جَهْرًا؛ وسِرًّا"؛ هَذِهِ العِبارَةُ بِمَعانٍ زائِدَةٍ.

وقَرَأ الجَمِيعُ - غَيْرَ عاصِمٍ -: "وَخُفْيَةً"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَخِفْيَةً"؛ بِكَسْرِ الخاءِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَخِيفَةً"؛ مِن "اَلْخَوْفُ"؛ وقَرَأ الحِجازِيُّونَ؛ وأهْلُ الشامِ: "أنْجَيْتَنا"؛ وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: "أنْجانا"؛ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ؛ وأمالَ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ الجِيمَ؛ و"مِنَ الشاكِرِينَ"؛ أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ؛ والشُكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ - في قَوْلِهِ: "ظُلُماتِ" - أنَّهُ ضَلالُ الطُرُقِ في الظُلُماتِ؛ ونَحْوُهُ؛ وحَكى السُدِّيُّ أنَّهُ ظَلامُ اللَيْلِ؛ والغَيْمِ؛ والبَحْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ؛ وإنَّما هو لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ الشَدائِدِ في المَعْنى؛ وخُصَّ لَفْظُ "اَلظُّلُماتِ"؛ بِالذِكْرِ؛ لِما تَقَرَّرَ في النُفُوسِ مِن هَوْلِ الظُلْمَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ ﴾ ؛ سَبَقَ في المُجادَلَةِ إلى الجَوابِ؛ إذْ لا مَحِيدَ عنهُ؛ ﴿ وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ أيْضًا؛ لِيَتَّضِحَ العُمُومُ الَّذِي في الظُلُماتِ؛ ويَصِحُّ أنْ يُتَأوَّلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ ؛ تَخْصِيصُ الظُلُماتِ قَبْلُ؛ ونُصَّ عَلَيْها لِهَوْلِها؛ وعُطِفَ في هَذا المَوْضِعِ بِـ "ثُمَّ"؛ لِلْمُهْلَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ قُبْحَ فِعْلِهِمْ؛ أيْ: "ثُمَّ بَعْدَ مَعْرِفَتِكم بِهَذا كُلِّهِ وتَحَقُّقِهِ بِهِ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي.

ولمَّا كان هذا الكلام تهديداً وافتتح بالاستفهام التقريري تعيَّن أنّ المقصود بضمائر الخطاب المشركون دون المسلمين.

وأصرح من ذلك قوله: ﴿ ثم أنتم تشركون ﴾ .

وإعادة الأمر بالقول للاهتمام، كما تقدّم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ قل أرأيتِكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ﴾ [الأنعام: 40] الآية.

والاستفهام مستعمل في التقرير والإلجاء، لكون ذلك لا ينازعون فيه بحسب عقائد الشرك.

والظلمات قيل على حقيقتها، فيتعيَّن تقدير مضاف، أي من إضرار ظلمات البرّ والبحر، فظلمات البرّ ظلمة الليل التي يلتبس فيها الطريق للسائر والتي يخشى فيها العدوّ للسائر وللقاطن، أي ما يحصل في ظلمات البرّ من الآفات.

وظلمات البحر يخشى فيها الغرق والضلال والعدوّ.

وقيل: أطلقت الظلمات مجازاً على المخاوف الحاصلة في البرّ والبحر، كما يقال: يوم مُظلم إذا حصلت فيه شدائد.

ومن أمثال العرب (رأى الكواكب مُظْهِراً)، أي أظلم عليه يومه إظلاماً في عينيه لما لاقاه من الشدائد حتَّى صار كأنَّه ليل يرى فيه الكواكب.

والجمع على الوجهين روعي فيه تعدّد أنواع ما يعرض من الظلمات، على أنَّنا قدّمنا في أوّل السورة أنّ الجمع في لفظ الظلمات جَرى على قانون الفصاحة.

وجملة: ﴿ تدعونه ﴾ حال من الضمير المنصوب في ﴿ يُنَجِّكُمْ ﴾ .

وقرئ ﴿ من ينجِّيكم ﴾ بالتشديد لنافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبي جعفر، وخلف.

وقرأه يعقوب بالتخفيف.

والتضرّع: التذلّل، كما تقدّم في قوله: ﴿ لعلَّهم يتضرّعون ﴾ في هذه السورة [42].

وهو منصوب على الحال مؤوّلاً باسم الفاعل.

والخفية بضم الخاء وكسرها ضد الجهر.

وقرأه الجمهور بضم الخاء.

وقرأه أبو بكر عن عاصم بكسر الخاء وهو لغة مثل أسوة وإسوة.

وعطف خفية } على ﴿ تضرّعاً ﴾ إمَّا عطف الحال على الحال كما تعطف الأوصاف فيكون مصدراً مؤوّلاً باسم الفاعل، وإما أن يكون عطف المفعول المطلق على الحال على أنَّه مبيّن لنوع الدعاء، أي تدعونه في الظلمات مخفين أصواتكم خشية انتباه العدوّ من النّاس أو الوحوش.

وجملة ﴿ لئِن أنجيتنا ﴾ في محلّ نصب بقول محذوف، أي قائلين.

وحذف القول كثير في القرآن إذا دلَّت عليه قرينة الكلام.

واللام في ﴿ لئن ﴾ الموّطئة للقسم، واللام في ﴿ لَنكوننّ ﴾ لام جواب القسم.

وجيء بضمير الجمع إمَّا لأنّ المقصود حكاية اجتماعهم على الدعاء بحيث يدعو كلّ واحد عن نفسه وعن رفاقه.

وإمَّا أريد التعبير عن الجمع باعتبار التوزيع مثل: ركِبَ القوم خَيْلَهم، وإنَّما ركب كلّ واحد فَرَساً.

وقرأ الجمهور ﴿ أنجيتنا ﴾ بمثناة تحتية بعد الجيم ومثناة فوقية بعد التحتية.

وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي وخلف ﴿ أنجانا ﴾ بألف بعد الجيم والضمير عائد إلى ﴿ مَنْ ﴾ في قوله: ﴿ قل من ينجيّكم ﴾ .

والإشارة ب ﴿ هذه ﴾ إلى الظلمة المشاهدة للمتكلِّم باعتبار ما ينشأ عنها، أو باعتبار المعنى المجازي وهو الشدّة، أو إلى حالة يعبّر عنها بلفظ مؤنّث مثل الشدّة أو الورطة أو الربْقة.

والشاكر هو الذي يراعي نعمة المنعم فيحسن معاملته كلّما وجد لذلك سبيلاً.

وقد كان العرب يرون الشكر حقَّاً عظيماً ويعيّرون من يكفر النعمة.

وقولهم: ﴿ من الشاكرين ﴾ أبلغ من أن يقال: لنكوننَّ شاكرين، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين ﴾ [لأنعام: 56].

وجملة: ﴿ قل الله ينجيكم منها ﴾ تلقين لجواب الاستفهام من قوله: ﴿ مَنْ يُنجّيكم ﴾ أن يُجيب عن المسؤولين، ولذلك فصلت جملة ﴿ قل ﴾ لأنَّها جارية مجرى القول في المحاورة، كما تقدّم في هذه السورة.

وتولَّى الجواب عنهم لأنّ هذا الجواب لا يسعهم إلاّ الاعتراف به.

وقدّم المسند إليه على الخبر الفعلي لإفادة الاختصاص، أي الله ينجيكم لا غيره، ولأجل ذلك صرّح بالفعل المستفهم عنه.

ولولا هذا لاقتصر على ﴿ قل الله ﴾ .

والضمير في ﴿ منها ﴾ للظلمات أو للحادثة.

وزاد ﴿ مِنْ كلّ كرب ﴾ لإفادة التعميم، وأنّ الاقتصار على ظلمات البرّ والبحر بالمعنيين لمجرّد المثال.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وهشام عن ابن عامر، ويعقوب ﴿ يُنجيكم ﴾ بسكون النون وتخفيف الجيم على أنَّه من أنجاه، فتكون الآية جمعت بين الاستعمالين.

وهذا من التفنّن لتجنّب الإعادة.

ونظيره ﴿ فمهِّل الكافرين أمْهِلْهُم ﴾ [الطارق: 17].

وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو جعفر، وخلف، وعاصم، وحمزة، والكسائي ﴿ يُنجِّيكم ﴾ بالتشديد مثل الأولى.

و ﴿ ثم ﴾ من قوله: ﴿ ثم أنتم تشركون ﴾ للترتيب الرتبي لأنّ المقصود أنّ إشراكهم مع اعترافهم بأنَّهم لا يلجأون إلاّ إلى الله في الشدائد أمر عجيب، فليس المقصود المهلة.

وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لمجرّد الاهتمام بخبر إسناد الشرك إليهم، أي أنتم الذين تتضرّعون إلى الله باعترافكم تُشركون به من قَبل ومن بعد، من باب ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ [البقرة: 85]، ومن باب: لو غيرُك قالها، ولو ذاتُ سِوار لَطَمَتْنِي.

وجيء بالمسند فعلاً مضارعاً لإفادة تجدّد شركهم وأنّ ذلك التجدّد والدوامَ عليه أعجب.

والمعنى أنّ الله أنجاكم فوعدتم أن تكونوا من الشاكرين فإذا أنتم تشركون.

وبيْن ﴿ الشاكرين ﴾ و ﴿ تشركون ﴾ الجناس المحرّف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ العَذابَ الَّذِي مِن فَوْقِهِمُ الرَّجْمُ، واَلَّذِي مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمُ الخَسْفُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ.

والثّانِي: أنَّ العَذابَ الَّذِي مِن فَوْقِهِمْ أئِمَّةُ السُّوءِ، والعَذابُ الَّذِي مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ عَبِيدُ السُّوءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي مِن فَوْقِهِمُ الطُّوفانُ، واَلَّذِي مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمُ الرِّيحُ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَيُحْتَمَلُ أنَّ العَذابَ الَّذِي مِن فَوْقِهِمْ طَوارِقُ السَّماءِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن أفْعالِ العِبادِ لِأنَّها فَوْقَهم، والَّتِي مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ما كانَ مِن أفْعالِ العِبادِ لِأنَّ الأرْضَ تَحْتَ أرْجُلِ جَمِيعِهِمْ.

﴿ أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الأهْواءُ المُخْتَلَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها الفِتَنُ والِاخْتِلافُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: أيْ يُسَلِّطُ عَلَيْكم أتْباعَكُمُ الَّذِينَ كانُوا أشْياعَكم، فَيَصِيرُوا لَكم أعْداءً بَعْدَما كانُوا أوْلِياءَ، وهَذا مِن أشَدِّ الِانْتِقامِ أنْ يَسْتَعْلِيَ الأصاغِرُ عَلى الأكابِرِ.

رُوِيَ أنَّ مُوسى بْنَ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمٍ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أوْ لَيْسَ هَذا هو العَذابَ العاجِلَ الألِيمَ.

هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ مِن أهْلِ الظّاهِرِ، وتَأوَّلَ بَعْضُ المُتَعَمِّقِينَ في غَوامِضِ المَعانِي ﴿ عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ ﴾ مَعاصِي السَّمْعِ والبَصَرِ واللِّسانِ ﴿ أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ المَشْيُ إلى المَعاصِي حَتّى يُواقِعُوها، وما بَيْنَهُما يَأْخُذُ بِالأقْرَبِ مِنهُما ﴿ أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ﴾ يَرْفَعُ مِن بَيْنِكُمُ الأُلْفَةَ.

﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ تَكْفِيرُ أهْلِ الأهْوالِ بَعْضَهم بَعْضًا، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ يَعْنِي بِالحُرُوبِ والقَتْلِ حَتّى يُفْنِيَ بَعْضُهم بَعْضًا، لِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الظَّفْرَ لِبَعْضِهِمْ فَيَبْقى.

﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: نُفَصِّلُ آياتِ العَذابِ وأنْواعَ الِانْتِقامِ.

والثّانِي: نُصَرِّفُ كُلَّ نَوْعٍ مِنَ الآياتِ إلى قَوْمٍ ولا يُعْجِزُنا أنْ نَجْمَعَها عَلى قَوْمٍ.

﴿ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ ﴾ أيْ يَتَّعِظُونَ فَيَنْزَجِرُونَ.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها في أهْلِ الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، «وَأنَّ نُزُولَها شَقَّ عَلى النَّبِيِّ  ، [فَقامَ] فَصَلّى صَلاةَ الضُّحى وأطالَها فَقِيلَ لَهُ: ما أطَلْتَ صَلاةً كاليَوْمِ، فَقالَ: (إنَّها صَلاةُ رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ، إنِّي سَألْتُ رَبِّي أنْ يُجِيرَنِي مِن أرْبَعٍ فَأجارَنِي مِن خَصْلَتَيْنِ ولَمْ يُجِرْنِي مِن خَصْلَتَيْنِ: سَألْتُهُ ألّا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِعَذابٍ مِن فَوْقِهِمْ كَما فَعَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ، وبِقَوْمِ لُوطٍ فَأجارَنِي، وسَألْتُهُ ألّا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِعَذابٍ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ كَما فَعَلَ بِقارُونَ فَأجارَنِي، وسَألْتُهُ ألّا يُفَرِّقَهم شِيَعًا فَلَمْ يُجِرْنِي، وسَألْتُهُ ألّا يُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ فَلَمْ يُجِرْنِي ونَزَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الم ﴾ ﴿ أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ﴾ » [العَنْكَبُوتَ: ١-٢] والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ﴾ يقول: من كرب البر والبحر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية ﴾ يقول: إذا أضل الرجل الطريق دعا الله ﴿ لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ الآية.

قرئ (١) ﴿ يُنَجِّيكُمْ ﴾ بالتشديد، وكذلك قوله: ﴿ قُلِ الله يُنَجِّيكُمْ ﴾ [(والتشديد والتخفيف لغتان منقولتان من نجا، فإن شئت نقلت بالهمز، وإن شئت نقلت بتضعيف العين نحو: أفرحته وفرحته وأغرمته وغرمته وما أشبه ذلك، وفي التنزيل: ﴿ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ  ﴾ ﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ  ﴾ وفيه (٢) ﴿ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ ، فإذا جاء التنزيل باللغتين جميعًا تبيّنت استواء القراءتين في الحسن) (٣) غير أن الاختيار التشديد؛ لأن ذلك كان لهم من الله غير مرةٍ (٤) وقوله تعالى: ﴿ مَنْ يُنَجِّيكُمْ ﴾ سؤال توبيخ لهم وتقرير أن الله يفعل ذلك (٥) ﴿ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ قال ابن عباس: (من أهوالهما وكرباتهما قال: وكانت قريش تسافر في البر والبحر فإذا ضلوا الطريق وخافوا الهلاك دعوا الله مخلصين فأنجاهم) (٦) (٧) ﴿ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ شدائد البر والبحر، والعرب تعبر عن الشدة بالظلمة، يقولون لليوم الذي يلقى فيه شدة: يوم مظلم، حتى أنهم يقولون: يوم ذو كواكب، أي: قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل، وأنشد (٨) بَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلمُونَ بَلاَءَنا ...

إذاً كَانَ يَوْمَ ذَا كَواكِبَ مظلم) وقال غيره: (أراد ظلمة الليل وظلمة الغيم في البر والبحر، فجمع لفظه ليدل على معنى الجميع) (٩) وقوله تعالى: ﴿ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ تقديره: ﴿ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ ﴾ داعين ﴿ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ (١٠) ﴿ وَخُفْيَةً ﴾ (١١) (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ تَضَرُّعًا ﴾ علانية ﴿ وَخُفْيَةً ﴾ سرًّا بالنية).

قال أبو إسحاق: (المعنى: تدعونه مظهرين الضراعة، وهو شدة الفقر إلى الشيء والحاجة، وتدعونه خفية أي: في أنفسكم تضمرون (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا ﴾ وقرأ الكوفيون [[قرأ: عاصم وحمزة والكسائي ﴿ لَئِنْ أَنْجَانَا ﴾ بألف بعد الجيم من غير تاء ولا ياء وأمال الجيم، حمزة والكسائي، وفتح عاصم، وقرأ الباقون (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا] بالياء والتاء من غير ألف.

انظر: "السبعة" ص 259، و"المبسوط" ص 169، و"التذكرة" 2/ 401، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 259.]]: ﴿ لَئِنْ أَنْجَانَا ﴾ حملوه على الغيبة لقوله قبله: ﴿ تَدْعُونَهُ ﴾ ﴿ لَئِنْ أَنْجَانَا ﴾ (١٧) ﴿ قُلْ الله يُنَجِّيكُمْ  ﴾ ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ  ﴾ فأنجانا أولى من ﴿ أَنْجَيْتَنَا ﴾ لكونه على ما قبله وما بعده [من لفظ الغيبة، وفيه إضمار على تقدير: يقولون: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا ﴾ في موضع الحال مثل ﴿ تَدْعُونَهُ ﴾ ، ومن قرأ: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا ﴾ فالتقدير عنده: داعين وقائلين ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا ﴾ ، فواجه بالخطاب، ولم يراع ما راعاه الكوفيون من المشاكلة بما قبله وما بعده] (١٨) ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ  ﴾ .

وأمال (١٩) ﴿ أَنْجَانَا ﴾ وهو مذهب حسن؛ لأن هذا النحو من الفعل إذا كان على أربعة أحرف استمرت فيه الإمالة لانقلاب الألف إلى الياء في المضارع (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ قال ابن عباس: (من المؤمنين) (٢١) (٢٢) (١) قرأ أبو عمرو في رواية ويعقوب: (قُلْ مَن يُنْجِيكُم) مخففة الجيم ساكنة النون، وقرأ الباقون بفتح النون وتشديد الجيم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي (قُلِ الله يُنَجَّيكُم) بفتح النون وتشديد الجيم، وقرأ الباقون بإسكان النون مع تخفيف الجيم.

انظر: "السبعة" 259، و"المبسوط" ص 169، و"التذكرة" 2/ 400، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 258.

(٢) لفظ: (فيه) ساقط من (ش).

(٣) ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 3/ 322 - 323، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 362، و"الحجة" لابن خالويه ص 141، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 159 - 160، و"الحجة" لابن زنجلة ص 255.

(٤) قال مكي في "الكشف" 1/ 436: (القراءتان متعادلتان، غير أن التشديد فيه معنى التكرير للفعل على معنى نجاة بعد نجاة) اهـ.

وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 258، و"تفسير الفخر الرازي" 13/ 20.

(٥) انظر: "الفريد" 2/ 164، "الدر المصون" 4/ 669.

(٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 56، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 58، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 219، وابن أبي حاتم 4/ 1308 بسند ضعيف من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: (يقول: إذا أضل الرجل الطريق دعا الله: ﴿ لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ .

(٧) "معاني الزجاج" 2/ 259.

(٨) البيت لعمرو بن شأس الأسدي شاعر مخضرم، في "الكتاب" 1/ 47، وبلا نسبة في "معاني النحاس" 2/ 440، و"الكشاف" 1/ 404، والقرطبي 7/ 8، و"البحر" 4/ 122، ورواية الأكثر: أَشْنَعَا: مكان مظلم، ويروى: أشهب، وانظر: "المعاني الكبير" 2/ 973.

(٩) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 565، والطبري 7/ 219، والأولى العموم، قال ابن عطية 5/ 228: (التخصيص لا وجه له، وهو لفظ عام لأنواع الشدائد) ا.

هـ.

ملخصًا، وانظر: "البحر" 4/ 150.

(١٠) أي في محل نصب على الحال من مفعول ﴿ يُنَجِّيكُمْ ﴾ و ﴿ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ مصدر في موضع الحال.

انظر: "الفريد" 2/ 165، و"الدر المصون" 4/ 669.

(١١) قرأ عاصم في رواية أبي بكر (خِفْيَة) بكسر الخاء، وقرأ الباقون بضمها.

انظر: "السبعة" ص 259، و"المبسوط" ص 170، و"التذكرة" 2/ 400، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 259.

(١٢) انظر: "معاني القراءات" 1/ 362، و"إعراب القراءات" 1/ 159، و"الحجة" لابن خالويه ص 141، ولأبي علي 3/ 317، ولابن زنجلة ص 255، و"الكشف" 1/ 435.

(١٣) "تنوير المقباس" 2/ 27، وقال السيوطي في "الدر" 3/ 31، أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً  ﴾ ، قال: (السر).

(١٤) ذكره أبو علي الفارسي في "الحجة" 3/ 317، قال: (روي عن الحسن: التضرع العلانية والخفية بالنية) ا.

هـ (١٥) في (ش): (يضمرون).

(١٦) "معاني القرآن" 2/ 259، ونحوه ذكر النحاس في "معانيه" 2/ 440.

(١٧) جاء في (ش): تكرار قوله: (حملوه على الغيبة؛ لقوله قبله ﴿ تَدْعُونَهُ ﴾ ﴿ لَئِنْ أَنْجَانَا ﴾ ).

(١٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

(١٩) في (أ): (وأما حمزة)، وهو تحريف.

(٢٠) هذا قول أبي علي الفارسي في "الحجة" 3/ 323 - 324، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 362، و"إعراب القراءات وعللها" 1/ 160، و"الحجة" لابن خالويه ص 141/ 142، و"الحجة" لابن زنجلة ص 255، و"الكشف" 1/ 435، وانظر: "تعريف الإمالة" ومراجعها فيما سبق.

(٢١) "تنوير المقباس" 2/ 27 - 28، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 58.

(٢٢) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ حَفَظَةً ﴾ جمع حافظ وهم الملائكة الكاتبون ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ أي الملائكة الذين مع ملك الموت ﴿ ثُمَّ ردوا ﴾ خروج من الخطاب إلى الغيبة، والضمير لجميع الخلق ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ ﴾ الآية: إقامة حجة، وظلمات البر والبحر: عبارة عن شدائدهما وأهوالهما كما يقال لليوم الشديد: مظلم ﴿ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ قيل: الذي من فوق إمطار الحجارة، ومن تحت الخسف، وقيل: من فوقكم: تسليط أكابركم، ومن تحت أرجلكم: تسليط أسافلكم، وهذا بعيد ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ أي يخلطكم فرقاً مختلفين ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ بالقتال، واختلف هل الخطاب بهذه الآية للكفار أو المؤمنين؟

وروي أنه لما نزلت أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهه، فلما نزلت من تحت أرجلكم قال: أعوذ بوجهك، فلما نزلت أو يلبسكم شيعا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا أهون» ، فقضى الله على هذه الأمة بالفتن والقتال إلى يوم القيامة ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ ﴾ الضمير عائد على القرآن، أو على الوعيد المتقدم، وقومك هم قريش ﴿ لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ أي بحفيظ ومتسلط، وفي ذلك كتاركه نسختها آية القتال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ توفته ﴾ و ﴿ استهوته ﴾ ممالة: حمزة الباقون: بتاء التأنيث ﴿ قل من ينجيكم ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وعباس.

الباقون: بالتشديد ﴿ وخفية ﴾ بالكسر حيث كان: أبو بكر وحماد.

الباقون: بالضم ﴿ أنجانا ﴾ ممالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ أنجانا ﴾ بدون الإمالة: عاصم.

الباقون ﴿ أنجيتنا ﴾ ﴿ قل الله ينجيكم ﴾ بالتشديد: يزيد وحمزة وخلف وعاصم وهشام.

الباقون: بالتخفيف ﴿ بعضٍ انظر ﴾ وأشباه ذلك بكسر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن شنبوذ عن أهل مكة، وابن ذكوان ﴿ ينسينك ﴾ بالتشديد: ابن عامر.

الوقوف: ﴿ حفظة ﴾ ط ﴿ لا يفرطون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الحاسبين ﴾ ه ﴿ وخفية ﴾ ط لاحتمال الإضمار أي يقولون لئن أنجيتنا، وتعلق "لئن" بمعنى القول في ﴿ تدعونه ﴾ أصح ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ بأس بعض ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ وهو الحق ﴾ ط ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ط للإبتداء بــ"سوف" على التهديد مع شدة اتصال المعنى ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ ولا شفيع ﴾ ط للشرط مع العطف ﴿ بما كسبوا ﴾ لا لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، أو لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ وقوله ﴿ لهم شراب ﴾ خبر ﴿ الهدى ائتنا ﴾ ج ﴿ هو الهدى ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ لا لأن التقدير وأمرنا بأن أقيموا الصلاة ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ في الصور ﴾ ط ﴿ والشهادة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه.

التفسير: من الدلائل الدالة على كمال قدرته وحكمته قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ والمراد منه الفوقية بالقدرة والتسخير كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان أي أنه أعلى وأنفذ منه، ولا ريب أن الممكنات بأسرها تحت تصرف الواجب ينقلها من حيز العدم إلى حالة الوجود وبالعكس، ويتصرف فيها كيف يشاء، علويات كن أو سفليات، ذوات أو صفات، نفوساً أو أبداناً، أخلاطاً وأركاناً.

ومن جملة قهره إرسال الحفظة - وهي جمع حافظ - على عبيده بضبط أعمالهم من الطاعات والمعاصي والمباحات لأنهم مطلعون على أقوال بني آدم لقوله ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  ﴾ وعلى أفعالهم بقوله ﴿ يعلمون ما تفعلون  ﴾ وأما صفات القلوب كالجهل والعلم فليس في الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها.

وعن ابن عباس أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار: انتظر لعله يتوب عنها فإن لم يتوب عنها فإن لم يتب كتب عليه.

قالت العلماء: من فوائد هذه الكتبة أن المكلف إذا علم أن الملائكة الموكلين عليه يكتبون أعماله في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك زجراً له عن القبائح.

ومنها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة فإن وزن الأعمال غير ممكن.

ومنها التعبد فعلى الملكلف أن يؤمن بكل ما ورد به الشرع وإن لم يعرف وجه الحكمة في بعض ذلك.

وقال بعض الحكماء: الحفظة النفوس والقوى الجسمانية التي تحفظ الأركان مع طبائعها المتضادة على امتزاجها.

وقال بعض القدماء: منهم النفوس البشرية والأرواح السفلية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها، فبعضها خيرة وبعضها شريرة، وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والخساسة، ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب المشفق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظتها ومنامها على سبيل الرؤيا تارة، وعلى سبيل الإلهامات أخرى.

فالأرواح الخيرة لها مبادٍ من عالم الأفلاك وكذا الأرواح الشريرة وتلك المبادىء في مصطلحهم تسمى بالطباع التام لأن تلك الأرواح في تلك الطبائع والأخلاق تامة كلها وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته، لأصحاب الطلسمات والعزائم في هذا الباب كلام كثير.

وقيل: إن النفوس المفارقة تميل إلى ما يناسبها ويساويها في الطبيعة والماهية من النفوس المتعلقة بالأبدان فتحفظها وتعينها ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ أي وقته أو أماراته ﴿ توفته رسلنا ﴾ أي بإذننا وتفويضنا فالمتوفى بالحقيقة هو الله  كما قال الله ﴿ يتوفى الأنفس حين موتها  ﴾ .

وهؤلاء الرسل أتباع ملك الموت في قوله ﴿ يتوفاكم ملك الموت  ﴾ وهل هم الحفظة بأعيانهم أم غيرهم فيه قولان: أشهرهما الثاني لكون ملائكة الروح والريحان وهم الريحانيون غير ملائكة الكرب والأحزان وهم الكروبيون.

وعن مجاهد: جعلت الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين.

﴿ وهم لا يفرطون ﴾ لا يقصرون فيما أمرهم الله  به وفيه مدح لهم بالعصمة ﴿ ثم ردوا إلى الله ﴾ أي إلى حكمه وجزائه ﴿ مولاهم الحق ﴾ صفتان والضمير في ﴿ ردوا ﴾ إما للملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أولئك الملائكة، أو إلى البشر أي أنهم بعد موتهم يردون إلى الله  والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب، فإذا ماتوا انتقلوا إلى تصرف المولى الحق.

وفيه إشعار بأن الإنسان شيء آخر وراء هذا الهيكل المحسوس فإن هذا الهيكل يبقى ميتاً والإنسان مردود إليه  .

وفي لفظ الرد إشارة إلى أن الروح كان موجوداً قبل البدن وقد تعلق به زماناً ثم ردّ إلى موضعه الأصلي وهو عالم الأرواح بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ألا له الحكم ﴾ كقوله: ﴿ إن الحكم إلا لله  ﴾ ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ حساباً قيل: إنه  يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة فلا يشغله كلام عن كلام.

وقيل: يحاسب كل إنسان واحد من الملائكة بإذن الله تعالى لأنه لو حاسب الكفار بذاته لتكلم معهم وهو محال لقوله ﴿ ولا يكلمهم الله  ﴾ وقال الحكيم: معنى سرعة المحاسبة ظهور الملكات في الهيآت على النفس في آن قطع التعلق، قليلة كانت أو كثيرة، حميدة أو ذميمة، وبعد تعارض البعض بالبعض يبقى ما هو أغلب وبحسب ذلك يكون الثواب أو ضده.

وذلك أنه لا يحصل للإنسان لحظة ولا لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويظهر منها في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو ضدها قل أو كثر وهو المراد بكتبة الأعمال.

قال الجبائي - ههنا: لو كان كلامه قديماً لوجب أن يكون متكلماً بالمحاسبة الآن وقبل خلقه وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم.

وعورض بالعلم فإنه كان قبل العالم عالماً بأنه سيوجد وبعد وجوده صار عالماً بأنه وجد ولا يلزم منه تغير العلم.

ثم عدّد لطفه وإحسانه بقوله ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ﴾ مجازاً عن مخاوفهما وأهوالهما يقال ليوم الكربة: يوم مظلم وذو كواكب كأنه أظلم عليه وجه الخلاص، ويحتمل أن تكون الظلمات بالحقيقة.

وظلمات البر ظلمة الليل وظلمة السحاب، وظلمات البحر هما مع ظلمة الماء.

﴿ تدعونه ﴾ في موضع الحال ﴿ تضرعاً وخفية ﴾ مفعول لأجلهما أو تمييز أو مصدر خاص.

والمراد أن الإنسان عند حصول هذه الشدائد يأتي بأمور: أحدها الدعاء.

الثاني التضرع.

والثالث: الإخلاص بالقلب وهو المعني بقوله ﴿ وخفية ﴾ ورابعها: التزام الشكر هو المراد من قوله ﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الظلم والشدة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ فبين الله  أنه إذا شهدت الفطرة السليمة في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله ولا معول إلا عليه وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات.

ثم بين أنه ينجيهم من تلك المخاوف ومن سائر موجبات الحزن والكرب، ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك الجلي وهو عبادة الأوثان أو الخفي وهو اتباع الهوى.

وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك إذا شاهدوا الخوف أخلصوا، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا.

ثم ذكر نوعاً آخر من دلائل التوحيد مقروناً بنوع من التخويف فقال ﴿ قل هو القادر ﴾ واللام للعهد أو للجنس فيفيد أنه هو الذي عرفتموه قادر، وهو الكامل القدرة ﴿ على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ كالمطر أو الحجارة مثل ما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ كما أغرق فرعون وخسف بقارون.

وقيل: من قبل أكابركم وسلاطينكم أو من جهة سفلتكم وعبيدكم.

وقيل: هو حبس المطر والنبات ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ هي جمع شيعة أي يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام.

ومعنى خلطهم أن يوقع القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال.

عن رسول الله  "سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف" قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ دلالة على أن الأهواء المختلفة والآراء الفاسدة والبدع كلها من الله  وفي قوله ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ إشارة إلى أن أن المعاصي وأنواع الظلم مستندة إلى الله  وقالت المعتزلة: الآية لا تدل إلا على أنه تعالى قادر على القبيح والنزاع في أنه هل يفعل ذلك أم لا؟

وأجيب بأن الآية دلت على أن القدرة على هذه الأمور تختص به، وهذه الأمور واقعة فيكون هو فاعلها بالضرورة ﴿ انظر كيف نصرف الآيات ﴾ نقرر الدلائل الواضحات.

وقد قال مثل ذلك فيما قبل فالتقدير: انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون فلا نعرض عنهم بل نكررها ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ ﴿ وكذب به ﴾ أي بالعذاب المذكور في الآية السابقة ﴿ قومك ﴾ يعني قريشاً ومن دان بدينهم ﴿ وهو الحق ﴾ أي لا بد أن ينزل بهم.

وقيل: أي بالقرآن وهو الحق لأنه كتاب منزل من عند الله.

وقيل: أي بتصريف الآيات لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات.

﴿ قل لست عليكم بوكيل ﴾ أي بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل إنما أنا منذر.

﴿ لكل نبأ لكل ﴾ خبره يخبره الله  ﴿ مستقر ﴾ أي استقرار أو موضع استقرار.

والمراد بالنبأ المنبأ به لأن النبأ قد حصل، والمقصود أن لعذاب الله  أو لاستيلاء المسلمين على الكفار بالقتل والأسر والقهر وقتاً ومكاناً يحصل فيه من غير خلف ولا تأخير ﴿ وسوف تعلمون ﴾ فيه من التهديد ما فيه.

ثم بين أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مجالستهم فقال ﴿ وإذا رأيت ﴾ أيها السامع ﴿ الذين يخوضون في آياتنا ﴾ والخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه اللغو والعبث، ويقرب منه قول المفسرين إنه في الآية الشروع في آيات الله على سبيل الطعن والاستهزاء وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك ﴿ فأعرض عنهم ﴾ بالقيام عنهم لقوله بعد ذلك ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ وقيل: المطلوب إظهار الإنكار وكل طريق أفاد هذا الغرض وإن كان غير القيام عن مجلسهم فإنه يجوز المصير إليه، هذا عند عدم الخوف، أما مع الخوف فهذا الفرض ساقط والتقية واجبة.

نعم كل ما أوجب على الرسول  فعله وجب عليه، سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر وإلا لم يبق الاعتماد على التكاليف التي يبلغها ﴿ وإما ينسينك الشيطان ﴾ أي يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ بعد أن تذكر النهي ﴿ مع القوم الظالمين ﴾ أي معهم فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم.

قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.

وقال الفراء: هي الذكر.

قال في الكشاف بناء على مذهبه: يجوز أن يراد وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد الذكرى، بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم.

قال الجبائي: إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، وهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق لا يقع، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لم يكن الكافر قادراً على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان.

قال ابن عباس: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزلت الرخصة أن يقعدوا معهم ويذكروهم ويفهموهم بقوله ﴿ وما على الذين يتقون ﴾ أي الشرك والكبائر والفواحش ﴿ من حسابهم ﴾ من ذنوبهم التي يحاسبون عليها ﴿ من شيء ولكن ذكرى ﴾ أي ولكن يذكرونهم تذكيراً، أو ولكن عليهم أن يذكروهم، أو ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى.

ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل ﴿ من شيء ﴾ كقول القائل: ما في الدار من أحد ولكن زيد لأن قوله ﴿ من حسابهم ﴾ يأبى ذلك فإن الذكرى ليس من حساب المشركين.

ثم أكد الإعراض عنهم بقوله ﴿ وذر الذين ﴾ والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم والمبالاة بهم لا ترك إنذارهم وتخويفهم كقوله ﴿ فأعرض عنهم وعظهم  ﴾ وصفهم بوصفين الأوّل أنهم ﴿ اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ وفيه وجوه: اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً حيث سخروا به واستهزؤا، أو أتخذوا ما هو لعب ولهو يعني عبادة الأوثان وغيرها ديناً لهم، أو المراد ما كانوا يحكمون به بمجرد التقليد والهوى كتحريم البحائر والسوائب، أو المراد أن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا أعيادهم لعباً ولهواً لا كالمسلمين حيث اتخذوا عيدهم كما شرعه الله  .

قال ابن عباس: أو هو إشارة إلى من جعل دين الإسلام وسيلة إلى المناصب والرياسات والغلبة والجلال لا لأنه حق وصدق في نفسه.

ويؤكد هذا الوجه الوصف الثاني وهو قوله ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ كأنهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا ﴿ وذكر به ﴾ أي بالقرآن أو بالدين القويم مخافة ﴿ أن تبسل نفس ﴾ قال الحسن ومجاهد: أن تسلم إلى الهلاك والعذاب وترتهن بسوء فعلها وأصله المنع فالمسلم إليه وهو العذاب يمنع المسلم ومنه الباسل الشجاع لامتناعه من قرنه.

وقال قتادة: تحبس في جهنم.

وعن ابن عباس: تفتضح ﴿ ليس لها ﴾ أي النفس ﴿ من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل ﴾ إن تفد كل فداء لأن الفادي يعدل المفدى بمثله ﴿ لا يؤخذ منها ﴾ قال في الكشاف: فاعل ﴿ يؤخذ ﴾ قوله ﴿ منها ﴾ لا ضمير العدل لأن العدل ههنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ.

وأما في قوله ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ فبمعنى المفدى به فصح إسناده.

قلت: إن فسر الأخذ بالقبول كما في قوله ﴿ ويأخذ الصدقات  ﴾ ارتفع الفرق.

﴿ أولئك ﴾ المتخذون ﴿ هم الذين أبسلوا بما كسبوا ﴾ ثم بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين بقوله ﴿ لهم شراب من حميم ﴾ ثم رد على عبدة الأصنام بقوله ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ النافع الضار ﴿ ما لا ينفعنا ولا يضرنا ﴾ أي لا يقدر على النفع والضر ﴿ ونرد ﴾ داخل في الاستفهام أي أنرجع إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله  منه وهدانا للإسلام، فإن الردة عود إلى الحالة الأولى التي كان الإنسان عليها من الجهل كقوله ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً  ﴾ ﴿ كالذي استهوته ﴾ محله النصب على الحال من الضمير في ﴿ نرد ﴾ أي أننكص على العقبين مشبهين من استهوته وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هويه أي سقوطه من الموضع العالي إلى الوهدة العميقة كقوله: ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء  ﴾ وقيل: اشتقاقه من اتباع الهوى و ﴿ حيران ﴾ حال أخرى لكن من الضمير في ﴿ استهوته ﴾ وكذا الجملة بعده.

ومعنى الحيرة التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه منه.

ومنه تحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء.

﴿ له ﴾ أي لهذا المستهوي ﴿ أصحاب ﴾ رفقة ﴿ يدعونه إلى الهدى ﴾ أي إن يهدوه الطريق المستوي فيكون مصدراً.

وسمي الطريق المستقيم بالهدى يقولون له ﴿ ائتنا ﴾ أو الدعاء في معنى القول وهذا بناء على ما تزعمه العرب وتعتقده من أن الجن والغيلان تستهوي الإنسان وتستولي عليه، فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إلى الحق وقد اعتسف المهمة تابعاً للجن غير ملتفت اليهم.

وقيل: إن لذلك الكافر أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى.

وروي أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فإنه كان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان ﴿ قل إن هدى الله ﴾ وهو الإسلام ﴿ هو ﴾ الذي يحق أن يسمى هدى وما وراءه غي وضلال ﴿ وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا ﴾ قال الزجاج: لا بد من تأويل ليستقيم العطف فالتقدير: وأمرنا لنسلم ولنقيم، أو أمرنا أن أسلموا وأن أقيموا: قيل: والسر في العدول عن الظاهر أن المكلف كالغائب ما لم يسلم فإذا أسلم صار كالحاضر.

وتقرير الآية أن متعلق الأمر إما أن يكون من باب الأفعال أو من باب التروك.

والأول إما أن يكون من أفعال القلوب أو من أفعال الجوارح، ورئيس أفعال القلوب الإيمان بالله والإسلام وهو قوله ﴿ لنسلم ﴾ ورئيس أعمال الجوارح الصلاة وهو قوله ﴿ وأن أقيموا ﴾ ثم أشار إلى جوامع التروك بقوله ﴿ واتقوه ﴾ ثم قال ﴿ وهو الذي إليه تحشرون ﴾ ليعلم أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر.

ثم دل على وجود الحاشر بقوله ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض ﴾ قائما أو ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ بالحكم اللطيفة والغايات الصحيحة والأغراض المطابقة، وذلك أنه أودع في هذه الأجرام قوى وخواص وآثاراً تتضمن مصالح الأبدان ومباهج نوع الإنسان وهكذا خلق ﴿ يوم يقول كن فيكون قوله الحق ﴾ فقوله فاعل ﴿ يكون ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ والمعنى أنه  خلق العالم من الأفلاك والطبائع والعناصر والمواليد، وخلق يوم القيامة لرد الأرواح إلى الأجساد بطريق "كن فيكون" وعلى هذا يجوز أن يكون قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ وخبراً مستأنفاً، أو قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ يوم يقول ﴾ ظرف دال على الخبر مثل "يوم الجمعة القتال" أي القتال واقع يوم الجمعة.

والمراد أن قضاءه في ذلك اليوم حق وصدق خالٍ عن الجور والعبث ﴿ ويوم ينفخ ﴾ ظرف لقوله ﴿ وله الملك ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم  ﴾ والمقصود أنه لا ملك في ذلك اليوم إلا له من غير دافع ولا منازع.

والصور باتفاق أكثر أهل الإسلام قرن ينفخ فيه ملك من الملائكة كما جاء في مواضع من القرآن ﴿ ونفخ في الصور فصعق  ﴾ ففزع ﴿ فإذا نقر في الناقور  ﴾ وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة.

وخطأه الأئمة فقالوا: كل جمع على لفظ الواحد سبق جمعه واحده فواحده بزيادة هاء فيه كالصوف، أما إذا سبق الواحد الجمع فليس كذلك كغرفة وغرف ولهذا يجمع صورة الإنسان على صور بالفتح كقوله ﴿ فأحسن صوركم  ﴾ ومن أسكن فقد أخطأ، ومما يدل على أن الصور هو القرن لا جمع صورة الإنسان أنه  لم يضف النفخ إلى نفسه كما قال ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ ﴿ فنفخنا فيها من روحنا  ﴾ ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] ثم لما بين كمال قدرته بقوله وله الملك ذكر كمال علمه بقوله ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات ﴿ وهو الحكيم ﴾ المصيب في أقواله وأفعاله ﴿ الخبير ﴾ النافذ علمه في بواطن الحقائق من غير اشتباه والتباس، فإن أمر البعث لا يتم إلا بقدرة كاملة وعلم تام كيلا يشتبه المطيع والعاصي والصديق والزنديق.

التأويل: ﴿ وهو القاهر ﴾ بوصف الجلال للأولياء، قهار بوصف الجبروت للأعداء.

﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ من صفات قهره حتى لو أرادت نفسه الخروج عن قيد مجاهدتها قهرتها سطوات العتاب فردتها إلى بذل الجهد، وإن أراد قلبه فرجة عن مطالبات العزة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحاً من الحرقات قهرته بوارق التجلي فردته إلى بذل المهجة ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ يعني الفناء عن أوصاف الوجود ﴿ توفته ﴾ رسل صفات قهرنا وهم لا يقصرون في إفناء الأوصاف ﴿ ثم ردوا ﴾ إلى البقاء بالله ﴿ قل الله ينجيكم من ظلمات ﴾ بر الأجسام وبحر الأرواح فإن عالم الأرواح بالنسبة إلى عالم الألوهية ظلمانية.

﴿ تدعونه تضرعا ﴾ بالجسم ﴿ وخفية ﴾ بالروح ﴿ ومن كل كرب ﴾ آفة وفتنة ﴿ ثم أنتم تشركون ﴾ حين يتجلى لكم نور من أنوار صفاته، فبعضكم يقول: أنا الحق وبعضكم يقول: سبحاني ما أعظم شأني ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ بسدل حجاب العزة والغيرة بينه وبينكم ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ حجاباً من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ بجعل الخلق فيكم فرقاً.

فمن قائل هم الصديقون، ومن قائل هم الزنديقون ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ بالقتل والصلب وقطع الأطراف ﴿ انظر كيف نصرف ﴾ آيات المصارف للسائرين إلى الله ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ لشرائط السير ولا يفقهون في مقام دون الفناء عن كلية الوجود بالبقاء بشهود المعبود ﴿ وكذب ﴾ بهذا المقام ﴿ قومك ﴾ المنكرون ﴿ وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ﴾ لا أسلك طريق هذا المقام بوكالتكم لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى كما قال ﴿ لكل نبأ مستقر ﴾ أي لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب أو دركات البعد ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون ﴾ في أحوال الرجال ولا حظ لهم منها ﴿ فأعرض عنهم ﴾ ولا تجالسهم ﴿ حتى يخوضوا في حديث ﴾ غير تلك الطامات التي هي ريح في شبح.

﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ لأن همهم من لبس الخرقة والتزيي بزي الطالبين إنما هو الدنيا وقبول الحق ﴿ أن تبسل نفس ﴾ أي كراهة أن يبطل استعدادها بالكلية ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ بمقامات الرجال من الوصول والوصال ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ أنطلب غير الله الذي هو النافع الضار.

والنفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه، والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه.

﴿ ونرد على أعقابنا ﴾ إلى مقام الإثنينية التي كنا فيها بعد أن هدانا الله إلى الوحدة كالذي أضلته شياطين الجن والإنس في أرض البشرية باتباع الهوى ﴿ حيران ﴾ من إغوائهم.

﴿ وأمرنا لنسلم ﴾ بترك الوجود كالكرة في ميدان القدرة مستسلماً لصولجان القضاء ﴿ وأن أقيموا الصلاة ﴾ بمحافظة الأسرار عن الأغيار والاتقاء به عن غيره ليحشر إليه لا إلى الجنة أو النار كما قال: ألا من طلبني وجدني.

﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي لإظهار صفاته، فجعل المخلوقات مرآة لجماله وجلاله وإذا أراد أن يرى عبداً من عباده تلك الصفات يقول له: كن رائياً فيكون، ولن يصير رائياً بمجرد سعيه لأن قوله في حق الإنسان كن رائياً هو الحق وله ملك الإراءة وملك الرؤية، ينفخ الإراءة في صور القلب ﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما اختص الإنسان بإراءة الآيات ﴿ الخبير ﴾ بمن يخصه من بين الناس بالإراءة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ ليس هذا على الأمر له، ولكن على المحاجة؛ كقوله -  -: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ  ﴾ ، ليس على الأمر بالسير في الأرض، ولكن على الاعتبار بأولئك الذين كانوا من قبل، والنظر في آثارهم وأعلامهم [أن] كيف صاروا بتكذيبهم الرسل، وماذا أصابهم بذلك؛ فعلى ذلك هذا، فيه الأمر بالمحاجة معهم في آلهتهم: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ آلهتكم التي تعبدون من دون الله، وتشركونها في ألوهيته وربوبيته، أو الله الذي خلقكم؟

فسخرهم حتى قالوا: [الله] هو الذي ينجينا من ذلك، فقال: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ ، فإذا كان هو الذي ينجيكم من هذا لا آلهتكم التي تبعدونها؛ فكذلك هو الذي ينجيكم من كل كرب ومن كل شدة.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .

أي: لا أحد ينجيكم من ظلمات البر والبحر؛ كقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ ، أي: لا أحد أظلم من تخافون على آلهتكم الهلاك كما تخافون على أنفسكم؟

فلا أحد سواه ينجيكم من ذلك ومن كل كرب.

قال أبو بكر الكيساني: هم عرفوا في الدنيا أنه هو الذي ينجيهم من ذلك كله، وهو الذي يعطي لهم ما أعطوا بما قامت عليهم الحجج، ولم يعرفوا أنه هو الذي ينجيهم في الآخرة ويهلكهم، وهو هكذا: عرفوا الله في الدنيا، ولم يعرفوه في الآخرة.

ثم اختلف في ظلمات البر والبحر: قال بعضهم: الظلمات: هي الشدائد والكروب التي تصيبهم بالسلوك في البر والبحر.

وقال آخرون: الظلمات هي الظلمات لأن أسفار البحار والمفاوز إنما تقطع بأعلام السماء، فإذا أظلمت السماء بقوا متحيرين لا يعرفون إلى أي ناحية يسلكون، ومن أي طريق يأخذون، فعند ذلك يدعون الله تضرعاً وخفية.

قال الحسن: التضرع: هو ما يرفع به الصوت، والخفية: هي ما يدعي سرّاً وهو من الإخفاء.

وفي حرف ابن مسعود: (تدعونه تضرعاً وخيفة) وهي من الخوف.

قال الكلبي: في خفض وسكون، وتضرع إلى الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ .

قال أبو بكر لنكونن من الشاكرين، أي: لا نوجه الشكر إلى غيرك، والشكر - هاهنا -: هو التوحيد، أي: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الموحدين لك من بعد؛ لأنهم كانوا يوحدون الله في ذلك الوقت، لكنهم إذا نجوا من ذلك أشركوا غيره في ألوهيته.

ألا ترى أنه قال: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ بعد علمكم أن الأصنام التي تعبدونها لم تملك الشفاعة لكم، ولا الزلفى إلى الله؛ يذكر سفههم في عبادتهم الأوثان على علم منهم أنها لا تشفع [لهم]، ولا تملك دفع شيء عنهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ .

اختلف في نزول الآية فيمن نزلت؟

قال بعضهم: نزلت في مشركي العرب - وهو قول أبي بكر الأصم - لأنها نزلت على أثر آيات نزلت في أهل الشرك، من ذلك قوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ...

﴾ الآية [الأنعام: 46].

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً...

 ﴾ إلى قوله -  -: ﴿ ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ  ﴾ : هذه الآيات كلها نزلت في أهل الشرك، فهذه كذلك نزلت فيهم؛ لأنها ذكرت على أثرها؛ ولأن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك، إلا آيات منها نزلت في أهل الكتاب، وسورة المائدة نزل أكثرها في محاجة أهل الكتاب؛ لأنه يذكر فيها: ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ  ﴾ .

ومنهم من يقول: نزلت في أهل الإسلام، وهو قول أبي بن كعب، وقال: هن أربع، فجاء منهن ثنتان بعد وفاة رسول الله  : ألبسهم شيعاً، وأذاق بعضهم بأس بعض.

أما لبس الشيع: هي الأهواء المختلفة، ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ هو السيف والقتل، هذان قد كانا في المسلمين، وبقى ثنتان لا بد واقعتان.

ومنهم من يقول: كان ثنتان في المشركين من أهل الكتاب، وثنتان في أهل الإسلام، وهو قول الحسن قال: قد ظهر في أهل الإسلام الأهواء المختلفة والقتل والفتن، وأما اللذان في أهل الشرك من أهل الكتاب: فهما الخسف في الأرض، والحجارة من السماء.

ثم اختلف في قوله: ﴿ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: ﴿ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ ﴾ ، أي: من أمرائكم، ﴿ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ .

أي: من سفلتكم؛ لأن الفتن ونحوها إنما تهيج من الأمراء الجائرين ومن أتباعهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ .

قال: الأهواء المختلفة.

وقوله -  -: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ .

أي: يسلط بعضهم على بعض بالقتل والعذاب.

ومن قال بأن الآية نزلت في أهل الشرك يقول: كان في أشياعهم ذلك كله، أما العذاب من الفوق فهو الحصب بالحجارة؛ كما فعل بقوم لوط، ومن تحت أرجلهم وهو الخسف؛ كما فعل بقارون ومن معه.

وقوله: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ .

يقول: فرقاً وأحزاباً، وكانت اليهود والنصارى فرقاً مختلفة، اليهود فرقاً والنصارى كذلك؛ كقوله: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ .

هو الحرب والقتال.

وقول الحسن ما ذكرنا أنه ظهر في أهل الإسلام الأهواء المختلفة وظهر الحرب والقتل.

وأما الخسف والحصب: فلم يظهرا؛ فهما في أهل الشرك.

ويحتمل قوله: ﴿ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ ﴾ أرسلها عليهم؛ لأنهم قد أقروا أنه [هو] رفع السماء، فمن قدر على رفع شيء يقدر على إرساله.

وقوله: ﴿ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ .

لأنهم عرفوا أنه بسط الأرض، ومن ملك بسط شيء يملك طيه ويخسف بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ﴾ .

قيل: أي: نردد الآيات [ليعلم] كل مزدجره.

أو يقول: كيف نصرف الآيات ليعلم كل صدقها وحقيقتها أنها من الله جاءت.

﴿ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ : يحتمل وجوهاً: صرفها ليفقهوا، وذلك يرجع إلى المؤمنين خاصة.

والثاني: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ ، أي: ليلزمهم أن يفقهوا، وقد ألزم الكل أن يفقهوا، لكن من لم يفقه إنما لم يفقه؛ لأنه نظر إليه بعين الاستخفاف.

والثالث: ﴿ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ﴾ أي: نصرف الرسل ونبلغها إليهم على رجاء أن يفقهوا، لكي يفقهوا؛ إن نظروا فيها وتأملوها.

وذكر ﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ ؛ لأن منهم من فقه، ومنهم من لم يفقه.

﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ ﴾ .

يحتمل به: القرآن، ويحتمل: بما ذكر من الآيات، ويحتمل: الإيمان به والتوحيد.

﴿ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ وكذب به قومك.

وهم أحق أن يصدقوك بما جئت به وأنبأتهم؛ لأنك نشأت بين أظهرهم، فلم تأت كذباً قط، ولا رأوك تختلف إلى أحد يعلمك، فهم أحق أن يصدقوك بما جئت به وأنبأتهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: الوكيل: الحفيظ، والوكيل: هو القائم في الأمر، أي: لست بقائم عليكم؛ لأكرهكم على التوحيد والإيمان شئتم أو أبيتم، ولست بحافظ على أعمالكم إنما عليَّ التبليغ؛ كقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ﴾ قال بعضهم: لكل أمر حقيقة.

وقيل: لكل خبر غاية ينتهي إليها.

ويحتمل: أن يكون صلة قوله: ﴿ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ ؛ ﴿ لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ﴾ ، أي: لست عليكم بوكيل، لكن لكل نبإ مستقر في أن أغنم أموالكم وأسبي ذراريكم؛ كقوله: ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ  إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ ﴾ أي: بما كان وعد وأوعد، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنا نعلم أن للخلق حقيقة الفعل في القتل والحرب والأهواء المختلفة، ثم أضاف ذلك إلى نفسه؛ دل أن له صنعاً في أفعالهم، وليس كما تقول المعتزلة: إنه لا يملك ذلك.

وكذلك ما ذكر من إضافة تلبيس الشيع إليه رد لقولهم؛ لأنهم يقولون: هم يختلفون، وقد أخبر أنه هو يجعلهم شيعاً، وذلك ظاهر النقض عليهم؛ لأنه أخبر أنه يذيق بعضهم بأس بعض، وهم يقولون: هو لا يذيق ولكن ذلك القاتل أو الضارب أو المعذب هو يذيقهم دون رب العالمين؛ وكذلك قوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ  ﴾ ، وهم يقولون: هو لا يعذبهم ولكن الخلق يعذبونهم؛ وكذلك قوله: ﴿ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا  ﴾ ، وهم يقولون: هو لا يملك تعذيبهم بأيديهم، وذلك رد لظاهر الآية وتركها جانباً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: من ينقذكم ويُسَلِّمُكم من المهالك التي تَلقَونها في ظلمات البر والبحر؟

تدعونه وحده متذللين مُسْتكينين في السر والعلن: لئن سلَّمَنا ربنا من هذه المهالك لنكونن من الشاكرين لنعمه علينا بألا نعبد غيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.On0a1"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله