الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٦٨ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 95 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٨ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ) أي : بالتكذيب والاستهزاء ( فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) أي : حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب ( وإما ينسينك الشيطان ) والمراد بهذا كل فرد ، فرد من آحاد الأمة ، ألا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله ويضعونها على غير مواضعها ، فإن جلس أحد معهم ناسيا ( فلا تقعد بعد الذكرى ) بعد التذكر ( مع القوم الظالمين ) ولهذا ورد في الحديث : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وقال السدي ، عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله : ( وإما ينسينك الشيطان ) قال : إن نسيت فذكرت ، فلا تجلس معهم .
وكذا قال مقاتل بن حيان .
وهذه الآية هي المشار إليها في قوله : ( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ) الآية [ النساء : 140 ] أي : إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك ، فقد ساويتموهم في الذي هم فيه .
القول في تأويل قوله : وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإذا رأيت، يا محمد، المشركين الذين يخوضون في آياتنا التي أنـزلناها إليك, ووحينا الذي أوحيناه إليك, = و " خوضهم فيها "، كان استهزاءَهم بها، وسبَّهم من أنـزلها وتكلم بها، وتكذيبهم بها (60) =" فأعرض عنهم "، يقول: فصد عنهم بوجهك, وقم عنهم، ولا تجلس معهم (61) =" حتى يخوضوا في حديث غيره "، يقول: حتى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله من حديثهم بينهم =" وإما ينسينك الشيطان " ، يقوله: وإن أنساك الشيطان نهينا إياك عن الجلوس معهم والإعراض عنهم في حال خوضهم في آياتنا، ثم ذكرت ذلك, فقهم عنهم، ولا تقعد بعد ذكرك ذلك مع القوم الظالمين الذين خاضوا في غير الذي لهم الخوضُ فيه بما خاضوا به فيه.
وذلك هو معنى " ظلمهم " في هذا الموضع.
(62) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: 13386 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره "، قال: نهاه الله أن يجلس مع الذين يخوضون في آيات الله يكذبون بها، فإن نسي فلا يقعد بعد الذكر مع القوم الظالمين.
(63) 13387-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، أخبرنا معمر, عن قتادة بنحوه.
13388 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن السدي, عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا "، قال: الذين يكذبون بآياتنا.
13389 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين "، قال: كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فسبوه واستهزءوا به, فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره .
وأما قوله: " وإما ينسينك الشيطان "، يقول: نَهْيَنَا فتقعد معهم, (64) فإذا ذكرت فقم.
13390 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " يخوضون في آياتنا "، قال: يكذبون بآياتنا .
13391 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض, عن ليث, عن أبي جعفر قال: لا تجالسوا أهل الخصومات, فإنهم الذين يخوضون في آيات الله .
13392 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا " , وقوله: الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [سورة الأنعام: 159] ؛ وقوله: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [سورة آل عمران: 105] ؛ وقوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [سورة الشورى: 13] ، ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة, وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمِراء والخصومات في دين الله .
13393 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا "، قال: يستهزئون بها.
قال: نُهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقعد معهم إلا أن ينسى، فإذا ذكر فليقم.
فذلك قوله: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " = قال ابن جريج: كان المشركون يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحبون أن يسمعوا منه, فإذا سمعوا استهزءوا، فنـزلت: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم " ، الآية.
(65) 13394- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا "، قال: يكذبون.
13395 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله, عن إسرائيل, عن السدي, عن أبي مالك قوله: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره " ، يعني المشركين =" وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين "، إن نسيت فذكرتَ فلا تجلس معهم.
* * * --------------- الهوامش: (60) انظر تفسير"الخوض" فيما سلف 9: 320.
(61) انظر تفسير"الإعراض" فيما سلف ص: 337 ، تعليق: 1 ، والمراجع كلها.
(62) انظر تفسير"الظلم" في فهارس اللغة فيما سلف (ظلم).
(63) في المطبوعة: "بعد الذكرى" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض ، كما سترى في التفسير ص: 439.
(64) في المطبوعة: "يقول: نسيت فتعقد معهم" ، وهو لا معنى له ، وفي المخطوطة: "نهينا فتعقد معهم" ، وهو مضطرب ، واستظهرت صوابها من تفسير الآية فيما سلف.
وقوله: "نهينا" مفعول قوله في الآية: "وإما ينسينك الشيطان" ، وذلك على عادة أهل التأويل الأوائل في الاختصار.
(65) الأثر: 13393 - سيأتي ، تفسير ابن جريج فيما بعد بتمامه رقم: 13396.
قوله تعالى : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمينقوله تعالى وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والرد والاستهزاء فأعرض عنهم والخطاب مجرد للنبي صلى الله عليه وسلم .
وقيل : إن المؤمنين داخلون في الخطاب معه .
وهو صحيح ; فإن العلة سماع الخوض في آيات الله ، وذلك يشملهم وإياه .
وقيل : المراد به النبي صلى الله عليه وسلم وحده ; لأن قيامه عن المشركين كان يشق عليهم ، ولم يكن المؤمنون عندهم كذلك ; فأمر أن ينابذهم بالقيام عنهم إذا استهزءوا وخاضوا ليتأدبوا بذلك ويدعوا الخوض والاستهزاء .
والخوض أصله في الماء ، ثم استعمل بعد في غمرات الأشياء التي هي مجاهل ، تشبيها بغمرات الماء فاستعير من المحسوس للمعقول .
وقيل : هو مأخوذ من الخلط .
وكل شيء خضته فقد خلطته ; ومنه خاض الماء بالعسل خلطه .
فأدب الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الآية ; لأنه كان يقعد إلى قوم من المشركين يعظهم ويدعوهم فيستهزئون بالقرآن ; فأمره الله أن يعرض عنهم إعراض منكر .
ودل بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكرا وعلم أنه لا يقبل منه فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه .
وروى شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا قال : هم الذين يستهزئون بكتاب الله ، نهاه الله عن أن يجلس معهم إلا أن ينسى فإذا ذكر قام .
وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : هم الذين يقولون في القرآن غير الحق .
الثانيةفي هذه الآية رد من كتاب الله عز وجل على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج وأتباعهم لهم أن يخالطوا الفاسقين ويصوبوا آراءهم تقية .
وذكر الطبري عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه أنه قال : لا تجالسوا أهل الخصومات ، فإنهم الذين يخوضون في [ ص: 14 ] آيات الله .
قال ابن العربي : وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل .
قال ابن خويز منداد : من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر ، مؤمنا كان أو كافرا .
قال : وكذلك منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم والبيع ، ومجالس الكفار وأهل البدع ، وألا تعتقد مودتهم ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم .
وقد قال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي : اسمع مني كلمة ، فأعرض عنه وقال : ولا نصف كلمة .
ومثله عن أيوب السختياني .
وقال الفضيل بن عياض : من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه ، ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها ، ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة ، وإذا علم الله عز وجل من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له .
وروى أبو عبد الله الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام .
فبطل بهذا كله قول من زعم أن مجالستهم جائزة إذا صانوا أسماعهم .قوله تعالى وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين فيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : وإما ينسينك إما شرط ، فيلزمها النون الثقيلة في الأغلب وقد لا تلزم ; كما قال :إما يصبك عدو في مناوأة يوما فقد كنت تستعلي وتنتصروقرأ ابن عباس وابن عامر " ينسينك " بتشديد السين على التكثير ; يقال : نسى وأنسى بمعنى واحد لغتان ; قال الشاعر :قالت سليمى أتسري اليوم أم تقل وقد ينسيك بعض الحاجة الكسلوقال امرؤ القيس :ومثلك بيضاء العوارض طفلةلعوب تنسيني إذا قمت سرباليالمعنى : يا محمد إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فجالستهم بعد النهي فلا تقعد بعد الذكرى أي إذا ذكرت فلا تقعد مع القوم الظالمين يعني المشركين .
والذكرى اسم للتذكير .قيل : هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ; ذهبوا إلى تبرئته عليه السلام من [ ص: 15 ] النسيان .
وقيل : هو خاص به ، والنسيان جائز عليه .
قال ابن العربي : وإن عذرنا أصحابنا في قولهم إن قوله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك خطاب للأمة باسم النبي صلى الله عليه وسلم لاستحالة الشرك عليه ، فلا عذر لهم في هذا لجواز النسيان عليه .
قال عليه السلام ; نسي آدم فنسيت ذريته خرجه الترمذي وصححه .
وقال مخبرا عن نفسه : إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني .
خرجه في الصحيح ، فأضاف النسيان إليه .
وقال وقد سمع قراءة رجل : لقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها .
واختلفوا بعد جواز النسيان عليه ; هل يكون فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع أم لا ؟
فذهب إلى الأول فيما ذكره القاضي عياض عامة العلماء والأئمة النظار ; كما هو ظاهر القرآن والأحاديث ، لكن شرط الأئمة أن الله تعالى ينبهه على ذلك ولا يقره عليه .
ثم اختلفوا هل من شرط التنبيه اتصاله بالحادثة على الفور ، وهو مذهب القاضي أبي بكر والأكثر من العلماء ، أو يجوز في ذلك التراخي ما لم ينخرم عمره وينقطع تبليغه ، وإليه نحا أبو المعالي .
ومنعت طائفة من العلماء السهو عليه في الأفعال البلاغية والعبادات الشرعية ; كما منعوه اتفاقا في الأقوال البلاغية ، واعتذروا عن الظواهر الواردة في ذلك ; وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق .
وشذت الباطنية وطائفة من أرباب علم القلوب فقالوا : لا يجوز النسيان عليه ، وإنما ينسى قصدا ويتعمد صورة النسيان ليسن .
ونحا إلى هذا عظيم من أئمة التحقيق وهو أبو المظفر الإسفراييني في كتابه " الأوسط " وهو منحى غير سديد ، وجمع الضد مع الضد مستحيل بعيد .
المراد بالخوض في آيات الله: التكلم بما يخالف الحق، من تحسين المقالات الباطلة، والدعوة إليها، ومدح أهلها، والإعراض عن الحق، والقدح فيه وفي أهله، فأمر الله رسوله أصلا، وأمته تبعا، إذا رأوا من يخوض بآيات الله بشيء مما ذكر، بالإعراض عنهم، وعدم حضور مجالس الخائضين بالباطل، والاستمرار على ذلك، حتى يكون البحث والخوض في كلام غيره، فإذا كان في كلام غيره، زال النهي المذكور.
فإن كان مصلحة كان مأمورا به، وإن كان غير ذلك، كان غير مفيد ولا مأمور به، وفي ذم الخوض بالباطل، حث على البحث، والنظر، والمناظرة بالحق.
ثم قال: { وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ } أي: بأن جلست معهم، على وجه النسيان والغفلة.
{ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } يشمل الخائضين بالباطل، وكل متكلم بمحرم، أو فاعل لمحرم، فإنه يحرم الجلوس والحضور عند حضور المنكر، الذي لا يقدر على إزالته.هذا النهي والتحريم، لمن جلس معهم، ولم يستعمل تقوى الله، بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم، وعن الإنكار، فإن استعمل تقوى الله تعالى، بأن كان يأمرهم بالخير، وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم، فيترتب على ذلك زوال الشر أو تخفيفه، فهذا ليس عليه حرج ولا إثم
قوله عز وجل : ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ) يعني : في القرآن بالاستهزاء ( فأعرض عنهم ) فاتركهم [ ولا تجالسهم ] ( حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك ) قرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد السين وقرأ الآخرون بسكون النون وتخفيف السين ، ( الشيطان ) نهينا ، ( فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) يعني : إذا جلست معهم ناسيا فقم من عندهم بعدما تذكرت .
«وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا» القرآن بالاستهزاء «فأعرض عنهم» ولا تجالسهم «حتى يخوضوا في حديث غيره وإما» فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة «يُنسِيَنَّكَ» بسكون النون والتخفيف وفتحها والتشديد «الشيطان» فقعدت معهم «فلا تقعد بعد الذكرى» أي تذكرة «مع القوم الظالمين» فيه وضع الظاهر موضع المضمر وقال المسلمون إن قمنا كلما خاضوا لم نستطيع أن نجلس في المسجد وأن نطوف فنزل.
وإذا رأيت -أيها الرسول- المشركين الذين يتكلمون في آيات القرآن بالباطل والاستهزاء، فابتعد عنهم حتى يأخذوا في حديث آخر، وإن أنساك الشيطان هذا الأمر فلا تقعد بعد تذكرك مع القوم المعتدين، الذين تكلموا في آيات الله بالباطل.
ثم أمر الله - تعالى - رسوله وأتباعه بأن يهجروا المجالس التى لا توقر فيه آيات الله وشرائعه ، فقال - تعالى - :{ وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } .قال الراغب : الخوض هو الشروع فى الماء والورود فيه ، ثم استعير للأخذ فى الحديث فقيل : تخاوضوا فى الحديث ، أى : أخذوا فيه على غير هدى ، وأكثر ما ورد فى القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه نحو قوله - تعالى - { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } والمعنى : وإذا رأيت أيها النبى الكريم ، أو أيها المؤمن العاقل ، الذين يخوضون فى آياتنا بالتكذيب والطعن والاستهزاء فأعرض عنهم .
وانصرف عن مجالسهم ، وأرهم من نفسك الاحتقار لتصرفاتهم ، ولا تعد إلى مجالسهم حتى يخوضوا فى حديث آخر ، لأن آياتنا المنسوبة إلينا من حقها أن تعظم وأن تحترم لا أن تكون محل تهكم واستهزاء .قال ابن جريج : كان المشركون يجلسون إلى النبى صلى الله عليه وسلم يحبون أن يسمعوا منه ، فإذا سمعوا استهزأوا فنزلت هذه الآية فجعل صلى الله عليه وسلم إذا استهزأوا قام فحذروا وقالوا : لا تستهزئوا فيقوم .وإنما عبر عن انتقالهم إلى حديث آخر بالخوض ، لأنهم لا يتحدثون إلا فيما لا جدوى فيه ولا منفعة من ورائه غالباً .وقوله { وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين } أى : وإما ينسينك الشيطان ما أمرت به من ترك مجالسة الخائضين على سبيل الفرض والتقدير فلا تقعد بعد التذكر مع القوم الظالمين لأنفسهم بتكذيب آيات ربهم والاستهزاء بها ، وقد جاء الشرط الأول بإذا لأن خوضهم فى الآيات محقق ، وجاء الشرط الثانى بأن لأن إنساء الشيطان له قد يقع وقد لا يقع .فإن قيل : النسيان فعل الله فلم أضيف إلى الشيطان؟
أجيب بأن السبب من الشيطان وهو الوسوسة والإعراض عن الذكر فأضيف إليه لذلك ، كما أن من ألقى غيره فى النار فمات يقال : إنه القاتل وإن كان الإحراق فعل الله .هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أحكاما من أهمها ما يأتى :1 - وجوب الإعراض عن مجالسة المستهزئين بآيات الله أو برسله ، وأن لا يقعد لأن فى القعود إظهار عدم الكراهة ، وذلك لأن التكليف عام لنا ولرسوله صلى الله عليه وسلم .قال القرطبى : من خاض فى آيات الله تركت مجالسته وهجرته ، مؤمنا كان أو كافراً ، وقد منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم وبيعهم ، وكذلك منعوا مجالسة الكفار وأهل البدع .
فقد قال بعض أهل البدع لأبى عمران النخعى : اسمع منى كلمة فأعرض عنه وقال : ولا نصف كلمة .وروى الحاكم عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من وقر صاحب بدعة فقد أعانه على هدم الإسلام " .وقال صاحب المنار : وسبب هذا النهى أن الإقبال على الخائضين والقعود معهم أقل ما فيه أنه إقرار لهم على خوضهم وإغراء لهم بالتمادى فيه وأكبره أنه رضاء به ومشاركة فيه والمشاركة فى الكفر والاستهزاء كفر ظاهر لا يقترفه باختياره إلا منافق مراء أو كافر مجاهر قال - تعالى - { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } 2 - جواز مجالسة الكفار مع عدم الخوض .
لأنه إنما أمرنا بالإعراض فى حالة الخوض ، وأيضا فقد قال - تعالى - { حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } .قال بعض العلماء : " حتى غاية الإعراض ، لأنه إعراض فيه توقيف دعوتهم زمانا أوجبته رعاية المصلحة ، فإذا زال موجب ذلك عادت محاولة هدايتهم وإرشادهم إلى أصلها لأنها تمحضت للمصحلة " .3 - استدل بهذه الآية على أن الناسى غير مكلف ، وأنه إذا ذكر عاد إليه التكليف فيعفى عما ارتكبه حال نسيانه ففى الحديث الشريف " إن الله رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " .
رواه الطبرانى عن ثوبان مرفوعا وإسناده صحيح .4 - قال القرطبى : قال بعضهم إن الخطاب فى الآية للنبى صلى الله عليه وسلم والمقصود أمته ، ذهبوا إلى ذلك لتبرئته صلى الله عليه وسلم من النسيان .وقال آخرون إن الخطاب له صلى الله عليه وسلم والنسيان جائز عليه فقد قال صلى الله عليه وسلم خبرا عن نفسه : " إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكرونى " فأضاف النسيان إليه .
واختلفوا بعد جواز النسيان عليه هل يكون فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع أولا؟
فذهب إلى الأول - فيما ذكره القاضى عياض - عامة العلماء والأئمة كما هو ظاهر القرآن والأحاديث ، لكن اشترط الأئمة أن الله - تعالى - ينبهه على ذلك ولا يقره عليه .
ومنعت طائفة من العلماء السهو عليه فى الأفعال البلاغية والعبادات الشرعية كما منعوه اتفاقا فى الأقوال البلاغية " .وقال الآلوسى : " وأنا أرى أن محل الخلاف النسيان الذى لا يكون منشؤه اشتغال السر بالوساوس والخطرات الشيطانية فإن ذلك مما لا يرتاب مؤمن فى استحالته على رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى: ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ فبين به أن الذين يكذبون بهذا الدين فإنه لا يجب على الرسول أن يلازمهم وأن يكون حفيظاً عليهم ثم بين في هذه الآية أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مقارنتهم وترك مجالستهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ﴾ قيل إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، وقيل: الخطاب لغيره أي إذا رأيت أيها السامع الذين يخوضون في آياتنا.
ونقل الواحدي أن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن، فشتموا واستهزؤوا فأمرهم أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره.
ولفظ الخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه العبث واللعب، قال تعالى حكاية عن الكفار: ﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائضين ﴾ وإذا سئل الرجل عن قوم فقال: تركتهم يخوضون أفاد ذلك أنهم شرعوا في كلمات لا ينبغي ذكرها ومن الحشوية من تمسك بهذه الآية في النهي عن الاستدلال والمناظرة في ذات الله تعالى وصفاته.
قال: لأن ذلك خوض في آيات الله، والخوض في آيات الله حرام بدليل هذه الآية، والجواب عنه: أنا نقلنا عن المفسرين أن المراد من الخوض الشروع في آيات الله تعالى على سبيل الطعن والاستهزاء.
وبينا أيضاً أن لفظ الخوض وضع في أصل اللغة لهذا المعنى فسقط هذا الاستدلال والله أعلم.
المسألة الثانية: قرأ ابن عامر ﴿ يُنسِيَنَّكَ ﴾ بالتشديد وفعل وأفعل يجريان مجرى واحد كما بينا ذلك في مواضع.
وفي التنزيل ﴿ فَمَهّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ﴾ والاختيار قراءة العامة لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان ﴾ ومعنى الآية: إن نسيت وقعدت فلا تقعد بعد الذكرى، وقم إذا ذكرت.
والذكرى اسم للتذكرة قاله الليث.
وقال الفراء: الذكرى يكون بمعنى الذكر، وقوله: ﴿ مَعَ القوم الظالمين ﴾ يعني مع المشركين.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ وهذا الإعراض يحتمل أن يحصل بالقيام عنهم ويحتمل بغيره.
فلما قال بعد ذلك ﴿ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى ﴾ صار ذلك دليلاً على أن المراد أن يعرض عنهم بالقيام من عندهم وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: هل يجوز هذا الإعراض بطريق آخر سوى القيام عنهم؟
والجواب: الذين يتمسكوا بظواهر الألفاظ ويزعمون وجوب إجرائها على ظواهرها لا يجوزون ذلك، والذين يقولون المعنى هو المعتبر جوزوا ذلك قالوا: لأن المطلوب إظهار الإنكار، فكل طريق أفاد هذا المقصود فإنه يجوز المصير إليه.
السؤال الثاني: لو خاف الرسول من القيام عنهم، هل يجب عليه القيام مع ذلك؟
الجواب: كل ما أوجب على الرسول فعله وجب عليه ذلك سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر فإنا إن جوزنا منه ترك الواجب بسبب الخوف، سقط الاعتماد عن التكاليف التي بلغها إلينا أما غير الرسول فإنه عند شدة الخوف قد يسقط عنه الفرض، لأنه إقدامه على الترك لا يفضي إلى المحذور المذكور.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى ﴾ يفيد أن التكليف ساقط عن الناسي قال الجبائي: إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف.
وهذا يدل على أن تكليف مالا يطاق لا يقع، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لما كانت حاصلة قبل الفعل.
فوجب أن لا يكون الكافر قادراً على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان.
واعلم أن هذه الكلمات كثر ذكرها في هذا الكتاب مع الجواب فلا نطول الكلام بذكر الجواب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَخُوضُونَ فِي ءاياتنا ﴾ في الاستهزاء بها والطعن فيها؛ وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ فلا تجالسهم وقم عنهم ﴿ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ فلا بأس أن تجالسهم حينئذ ﴿ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان ﴾ وإن شغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم ﴿ فَلاَ تَقْعُدْ ﴾ معهم ﴿ بَعْدَ الذكرى ﴾ بعد أن تذكر النهي.
وقرئ: ﴿ ينسينك ﴾ بالتشديد.
ويجوز أن يراد: وإن كان الشيطان ينسينك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول ﴿ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى ﴾ بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم ﴿ وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْء ﴾ وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيء مما يحاسبون عليه من ذنوبهم ﴿ ولكن ﴾ عليهم أن يذكروهم ﴿ ذكرى ﴾ إذا سمعوهم يخوضون، بالقيام عنهم، وإظهار الكراهة لهم، وموعظتهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ لعلهم يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم.
ويجوز أن يكون الضمير للذين يتقون، أي يذكرونهم إرادة أن يثبتوا على تقواهم ويزدادوها.
وروي: أن المسلمين قالوا: لئن كنا نقوم كلما استهزؤا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف، فرخص لهم.
فإن قلت: ما محل ﴿ ذكرى ﴾ ؟
قلت: يجوز أن يكون نصباً على: ولكن يذكرونهم ذكرى، أي تذكيراً.
ورفعاً على: ولكن عليهم ذكرى.
ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل ﴿ مِن شَيْء ﴾ ، كقولك: ما في الدار من أحد ولكن زيد، لأنّ قوله: ﴿ مِنْ حِسَابِهِم ﴾ يأبى ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ ﴾ خَبَرٍ يُرِيدُ بِهِ إمّا بِالعَذابِ أوِ الإيعادِ بِهِ.
﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ وقْتُ اسْتِقْرارٍ ووُقُوعٍ.
﴿ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ عِنْدَ وُقُوعِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا ﴾ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِها والطَّعْنِ فِيها.
﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ فَلا تُجالِسْهم وقُمْ عَنْهم.
﴿ حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ أعادَ الضَّمِيرَ عَلى مَعْنى الآياتِ لِأنَّها القُرْآنُ.
﴿ وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ ﴾ بِأنْ يَشْغَلَكَ بِوَسْوَسَتِهِ حَتّى تَنْسى النَّهْيَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ يُنَسِّيَنَّكَ بِالتَّشْدِيدِ.
﴿ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى ﴾ بَعْدَ أنْ تَذْكُرَهُ.
﴿ مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ مَعَهُمْ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ دَلالَةً عَلى أنَّهم ظَلَمُوا بِوَضْعِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ والِاسْتِعْظامِ.
<div class="verse-tafsir"
{وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} أي القرآن يعني يخوضون فى الاستهزاء بها والطعن فيها وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ولا تجالسهم وقم عنهم {حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} غير القرآن مما يحل فحينئذ يجوز أن تجالسهم {وَإِمَّا ينسينك الشيطان} ما نهيت
الأنعام (٦٨ _ ٧١)
عنه يُنسِيَنَّكَ
شامي نسّي وأنسى واحد {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى} بعد أن تذكر {مَعَ القوم الظالمين}
﴿ وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا ﴾ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِها والطَّعْنِ فِيها كَما هو دَأْبُ قُرَيْشٍ ودَيْدَنُهم في أنْدِيَتِهِمْ وهُمُ المُرادُ بِالمَوْصُولِ، وعَنْ مُجاهِدِ أهْلِ الكِتابِ فَإنَّ دَيْدَنُهم ذَلِكَ أيْضًا ولِذا أُتِيَ بِإذا الدّالَّةِ عَلى التَّحْقِيقِ وهَذا بِخِلافِ النِّسْيانِ الآتِي، وأصْلُ الخَوْضِ مِن خاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ وتَخاوَضُوا إذا تَفاوَضُوا فِيهِ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الخَوْضُ التَّخْلِيطُ في المُفاوَضَةِ عَلى سَبِيلِ العَبَثِ واللَّعِبِ وتَرْكِ التَّفَهُّمِ والتَّبْيِينِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: أصْلُ مَعْنى الخَوْضِ عُبُورُ الماءِ اسْتُعِيرَ لِلتَّفاوُضِ في الأُمُورِ، وأكْثَرُ ما ورَدَ في القُرْآنِ لِلذَّمِّ ﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أيِ اتْرُكْهم ولا تُجالِسْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ أيْ كَلامٍ غَيْرِهِ أيْ غَيْرِ آياتِنا، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِها حَدِيثًا فَإنَّ وصَفَ الحَدِيثِ بِمُغايَرَتِها مُشِيرٌ إلى اعْتِبارِها بِعُنْوانِ الحَدِيثِيَّةِ، وقِيلَ بِاعْتِبارِ كَوْنِها قُرْآنًا، والمُرادُ بِالخَوْضِ هُنا التَّفاوُضُ لا بِقَيْدِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ المَعْنى حَتّى يَشْتَغِلُوا بِحَدِيثٍ غَيْرِهِ وأنَّ ذِكْرَ (يَخُوضُوا) لِلْمُشاكَلَةِ واسْتَظْهَرَ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى الخَوْضِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ العُلَماءِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ (إذا) تُفِيدُ التَّكْرارَ لِحُرْمَةِ القُعُودِ مَعَ الخائِضِ كُلَّما خاضَ ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ التَّكْرارَ لَيْسَ مِن (إذا) بَلْ مِن تَرَتُّبِ الحُكْمِ عَلى مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ واسْتِدْلالُ بَعْضِ الحَشَوِيَّةِ بِها عَلى النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ والمُناظَرَةِ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ زاعِمًا أنَّ ذَلِكَ خَوْضٌ في آياتِ اللَّهِ تَعالى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، ﴿ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ ﴾ بِأنْ يَشْغَلَكَ فَتَنْسى الأمْرَ بِالإعْراضِ عَنْهم فَتُجالِسَهُمُ ابْتِداءً أوْ بَقاءً وهَذا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ إذْ لَمْ يَقَعْ وأنّى لِلشَّيْطانِ سَبِيلٌ إلى إشْغالِ رَسُولِ اللَّهِ ولِذا عُبِّرَ بِـ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ المَزِيدَةِ ما بَعْدَها وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الخِطابَ هُنا وفِيما قَبْلُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُرادُ غَيْرُهُ، وقِيلَ: لِغَيْرِهِ ابْتِداءً أيْ إذا رَأيْتَ أيُّها السّامِعُ وإنْ أنْساكَ أيُّها السّامِعُ، والمَشْهُورُ عَنِ الرّافِضَةِ اخْتِيارُ أنَّ النَّبِيَّ مُنَزَّهٌ عَنِ النِّسْيانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ وإنَّ غَيْرَهم ذَهَبَ إلى جَوازِهِ وعَلى نِسْبَةِ الأوَّلِ إلَيْهِمْ نَصَّ صاحِبُ الأحْكامِ والجَبائِيُّ وغَيْرُهُما، وقالَ الأخِيرُ: إنَّ الآيَةَ دَلِيلُ بُطْلانِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، والَّذِي وقَفْتُ عَلَيْهِ في مُعْتَبَراتِ كُتُبِهِمْ أنَّهم لا يُجَوِّزُونَ النِّسْيانَ وكَذا السَّهْوَ عَنِ النَّبِيِّ وكَذا عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيما يُؤَدِّيهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى مِنَ القُرْآنِ والوَحْيِ وأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَيُجَوِّزُونَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَنْساهُ ما لَمْ يُؤَدِّ إلى إخْلالٍ بِالدِّينِ وأنا ما أرى أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ النِّسْيانُ الَّذِي لا يَكُونُ مَنشَؤُهُ اشْتِغالَ السِّرِّ بِالوَساوِسِ والخَطَراتِ الشَّيْطانِيَّةِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَرْتابُ مُؤْمِنٌ في اسْتِحالَتِهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ عَلى ما في مُعْتَبَراتِ كُتُبِنا أنَّ مَذْهَبَ جُمْهُورِ العُلَماءِ جَوازُ النِّسْيانِ عَلَيْهِ في أحْكامِ الشَّرْعِ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ والأحادِيثِ لَكِنِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُقَرُّ عَلَيْهِ بَلْ يُعْلِمُهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ثُمَّ قالَ الأكْثَرُونَ يُشْتَرَطُ تَنَبُّهُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الفَوْرِ مُتَّصِلًا بِالحادِثَةِ ولا يَقَعُ فِيهِ تَأْخِيرٌ، وجَوَّزَتْ طائِفَةٌ تَأْخِيرَهُ مُدَّةَ حَيّاتِهِ واخْتارَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ ومَنَعَتْ ذَلِكَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ في الأفْعالِ البَلاغِيَّةِ والعِباداتِ كَما أجْمَعُوا عَلى مَنعِهِ واسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ في الأقْوالِ البَلاغِيَّةِ وأجابُوا عَنِ الظَّواهِرِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ وإلَيْهِ مالَ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرائِينِيُّ وصَحَّحَ النَّوَوِيُّ الأوَّلَ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي النُّبُوَّةَ، وإذا لَمْ يُقَرُّ عَلَيْهِ لَمْ يَتَحَصَّلْ مِنهُ مَفْسَدَةٌ ولا يُنافِي الأمْرَ بِالِاتِّباعِ بَلْ يَحْصُلُ مِنهُ فائِدَةٌ وهو بَيانُ أحْكامِ النّاسِي وتَقَرُّرِ الأحْكامِ وذَكَرَ القاضِي أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في جَوازِ السَّهْوِ عَلَيْهِ في الأُمُورِ الَّتِي لا تَتَعَلَّقُ بِالبَلاغِ وبَيانِ أحْكامِ الشَّرْعِ مِن أفْعالِهِ وعاداتِهِ وأذْكارِ قَلْبِهِ فَجَوَّزَهُ الجُمْهُورُ، وأمّا السَّهْوُ في الأقْوالِ البَلاغِيَّةِ فَأجْمَعُوا عَلى مَنعِهِ كَما أجْمَعُوا عَلى امْتِناعِ تَعَمُّدِهِ، وأمّا السَّهْوُ في الأقْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ وفِيما لَيْسَ سَبِيلُهُ البَلاغَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ ولا أخْبارِ القِيامَةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها ولا يُضافُ إلى وحْيٍ فَجَوَّزَهُ قَوْمٌ إذْ لا مَفْسَدَةَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: والحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ تَرْجِيحُ قَوْلِ مَن قالَ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في كُلِّ خَبَرٍ مِنَ الأخْبارِ كَما لا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ خُلْفٌ في خَبَرٍ لا عَمْدًا ولا سَهْوًا لا في صِحَّةٍ ولا مَرَضٍ ولا رِضًى ولا غَضَبٍ، وحَسْبُكَ في ذَلِكَ أنَّ سِيَرَهُ وكَلامَهُ وأفْعالَهُ مَجْمُوعَةٌ يُعْتَنى بِها عَلى مَرِّ الزَّمانِ ويَتَناوَلُها المُوافِقُ والمُخالِفُ والمُؤْمِنُ والمُرْتابُ فَلَمْ يَأْتِ في شَيْءٍ مِنها اسْتِدْراكُ غَلَطٍ في قَوْلٍ ولا اعْتِرافٍ بِوَهْمٍ في كَلِمَةٍ ولَوْ كانَ لَنُقِلَ كَما نُقِلَ سَهْوُهُ في الصَّلاةِ ونَوْمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْها واسْتِدْراكُهُ رَأْيَهُ في تَلْقِيحِ النَّخْلِ وفي نُزُولِهِ بِأدْنى مِياهِ بَدْرٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا جَوازُ السَّهْوِ في الِاعْتِقاداتِ في أُمُورِ الدُّنْيا فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ عَلى هَذا المَبْحَثِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ الآيَةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (يُنَسِّيَنَّكَ) بِتَشْدِيدِ السِّينِ ونَسّى بِمَعْنى أنْسى وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَسّى أبْلَغُ مَن أنْسى والنُّونُ في القِراءَتَيْنِ مُشَدَّدَةٌ وهي نُونُ التَّوْكِيدِ، والمَشْهُورُ أنَّها لازِمَةٌ في الفِعْلِ الواقِعِ بَعْدَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ المَصْحُوبَةِ بِما الزّائِدَةِ، وقِيلَ: لا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ وعَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: أما تَرى رَأْسِي حاكى لَوْنُهُ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيال الدُّجى ﴿ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى ﴾ أيْ بَعْدَ تَذَكُّرِ الأمْرِ بِالإعْراضِ كَما عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى بَعْدَ أنْ تُذَكِّرَهم بِدُعائِكَ إيّاهم إلى الدِّينِ ونَهْيِكَ لَهم عَنِ الخَوْضِ في الآياتِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ الذِّكْرى بِمَعْنى تَذْكِيرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، وأنَّ المَعْنى وإنْ كانَ الشَّيْطانُ يُنْسِيكَ قَبْلَ النَّهْيِ قُبْحَ مُجالَسَةِ المُسْتَهْزِئِينَ لِأنَّها مِمّا تُنْكِرُهُ العُقُولُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ أنْ ذَكَّرْناكَ قُبْحَها ونَبَّهْناكَ عَلَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ وجْهٌ بَعِيدٌ مَبْنِيٌّ عَلى قاعِدَةِ القُبْحِ والحُسْنِ الَّتِي هَدَمَتْها مَعاوِلُ أفْكارِ العُلَماءِ الرّاسِخِينَ، ثُمَّ إنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ مُجالَسَةَ المُسْتَهْزِئِينَ مِمّا يُنْكِرُهُ العُقُولُ مُطْلَقًا، وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ اللّائِقَ عَلى ما قالَ وإنْ أنْساكَ دُونَ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ عَلى أنَّ إنْساءَ الشَّيْطانِ إنْ صَحَّ فَعَنِ السِّمْعِيِّ أيْسَرُ، ولَيْسَ هَذا أوَّلَ خَوْضٍ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَأْوِيلِ الآياتِ بَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُ مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ 86 - أيْ مَعَهم فَوَضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ أنَّهم بِذَلِكَ الخَوْضِ ظالِمُونَ واضِعُونَ لِلتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ والتَّعْظِيمِ راسِخُونَ في ذَلِكَ، وفي الآيَةِ -كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- إيذانٌ بِعَدَمِ تَكْلِيفِ النّاسِي، وهَذِهِ المَسائِلُ المُتَنازَعُ فِيها بَيْنَهم وعَنْوَنُوها بِمَسْألَةِ تَكْلِيفِ الغافِلِ وعَدُّوا مِنهُ النّاسِيَ.
ولِلْأشْعَرِيِّ فِيها قَوْلانِ وصَوَّبَ عَدَمَ التَّكْلِيفِ لِعَدَمِ الفائِدَةِ فِيهِ أصْلًا بِخِلافِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ ونَقَلَ ابْنُ بُرْهانَ في الأوْسَطِ عَنِ الفُقَهاءِ القَوْلَ بِصِحَّةِ تَكْلِيفِهِ عَلى مَعْنى ثُبُوتِ الفِعْلِ بِالذِّمَّةِ، وعَنِ المُتَكَلِّمِينَ المَنعُ إذْ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وقَدْ يُظَنُّ أنَّ الشّافِعِيَّ لِنَصِّهِ عَلى تَكْلِيفِ السَّكْرانِ يُرى تَكْلِيفُ الغافِلِ وهو مِن بَعْضِ الظَّنِّ فَإنَّهُ إنَّما كَلَّفَ السَّكْرانَ عُقُوبَةً لَهُ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ بِمُحَرَّمٍ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِ؛ ولِهَذا وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ بِخِلافِ الغافِلِ.
وأُورِدَ عَلى القَوْلِ بِالِامْتِناعِ أنَّ العَبْدَ مُكَلَّفٌ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِدُونِ العِلْمِ بِالأمْرِ وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِمَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ وارِدٌ، فَلا جائِزَ أنْ يَكُونَ وارِدًا بَعْدَ حُصُولِها لِامْتِناعِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ فَيَكُونُ وارِدًا قَبْلَهُ فَيَسْتَحِيلُ الِإطْلاقُ عَلى هَذا الأمْرِ لِأنَّ مَعْرِفَةَ أمْرِهِ تَعالى بِدُونِ مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ مُسْتَحِيلٌ فَقَدْ كُلِّفَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى مَعَ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ وأُجِيبَ: بِأنَّ المَعْرِفَةَ الإجْمالِيَّةَ كافِيَةٌ في انْتِفاءِ الغَفْلَةِ؛ والمُكَلَّفُ بِهِ هو المَعْرِفَةُ التَّفْصِيلِيَّةُ أوْ بِأنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ إنَّما هو فَهْمُ المُكَلَّفِ لَهُ بِأنْ يَفْهَمَ الخِطابَ قَدْرَ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِامْتِثالُ لا بِأنَّ يُصَدِّقَ بِتَكْلِيفِهِ وإلّا لَزِمَ الدَّوْرُ وعَدَمُ تَكْلِيفِ الكُفّارِ، وهو هُنا قَدْ فُهِمَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُصَدَّقْ بِهِ.
وصاحِبُ المِنهاجِ تَبَعًا لِصاحِبِ الحاصِلِ أجابَ بِأنَّ التَّكْلِيفَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى خارِجٌ عَنِ القاعِدَةِ بِالإجْماعِ؛ وتَمامُ البَحْثِ يُطْلَبُ مِن كُتُبِ الأُصُولَ <div class="verse-tafsir"
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ يعني: بالقرآن وَهُوَ الْحَقُّ يعني: القرآن قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ يعني: بحفيظ ومسلط.
وهذا قبل الأمر بالقتال.
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ المستقر: هو غاية ينتهي إليها.
يقال: لكل قول وفعل حقيقة ما كان منه في الدنيا فستعرفونه، وما كان منه في الآخرة فسوف تبدو لكم، وستعلمون ذلك في الدنيا وفي الآخرة ويقال: معناه: سوف أؤمر بقتالكم إذا جاء وقته وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ في ذلك الوقت.
قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا يعني: يستهزئون بالقرآن فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ يعني: قم من عندهم، واترك مجالستهم حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أي: حتى يكون خوضهم واستهزاؤهم في غير القرآن وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ يقول: إن أنساك الشيطان وصية الله تعالى، فتجلس معهم فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يقول: قم إذا ذكرت، ودع القوم الظالمين.
يعني: المشركين.
قرأ ابن عامر: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ بنصب النون، وتشديد السين.
وقرأ الباقون: بالتخفيف والجزم.
وهما لغتان: نسيته وأنسيته.
ثم قال: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ يعني: الشرك والاستهزاء مِنْ حِسابِهِمْ يعني: من آثامهم مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى يعني: ذكروهم بالقرآن إذا فعلوا ذلك لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: لكي يتقوا الاستهزاء.
قال الكلبي: وذلك أن أصحاب رسول الله قالوا: يا رسول الله: لئن قلنا كلما استهزءوا بالقرآن، قمنا من عندهم لا نستطيع أن نجلس في المسجد الحرام.
فنزل وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ الآية.
قوله تعالى: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً قال الضحاك: يعني: كفار قريش نصبوا أصنامهم في المسجد الحرام إلى أنصاب الحرم، وقرطوها بالمقراط، وعلقوا بيض النعامة في أعناقها.
فنزل وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وقال الكلبي: إِنَّ الله تعالى جعل لكل قوم عيداً يعظمونه، ويصلون فيه لله تعالى، وكل قوم اتخذوا دينهم يعني: عيدهم لعباً ولهواً إلا هذه الأمة، فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة لله، وحصناً للصدقة، وهي الجمعة والفطر والأضحى.
قال مقاتل: اتخذوا دينهم الإسلام لعباً يعني: باطلاً ولهواً عنه.
ثم قال: وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ يعني: عِظْ وَخَوِّفْ بالقرآن أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ يعني: لكي لا تهلك نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يعني: بما عملت ويقال: تحبس نفس يعني تسلم نفس بذنوبها إلى النار وهذا قول الضحاك.
وقال الأخفش: أن ترهن نفس بما عملت.
ويقال: تحبس.
وقال القتبي: أي تسلم للهلكة.
ويقال: تخذل ولا تنصر.
ثم قال: لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ يعني: إذا وقع في العذاب، لم يكن لها مانع يمنعها من العذاب وَلا شَفِيعٌ يشفع لها وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْها يقول: لو جاءت بعدل نفسها رجلاً مكانها أو يفتدي بما في الأرض جميعاً لا يؤخذ يعني: لا يقبل منها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا يعني: أهلكوا.
ويقال: أسلموا بذنوبهم إلى النار لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ يعني: ماء حار قد انتهى حره وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ في الدنيا.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
نَزَلَتْ فِي المؤمنينَ، قال الطَّبريُّ «١» وغيره: مُمْتَنِعٌ أن يكون النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تعوَّذ لأمَّته مِنْ هذه الأشياءِ الَّتي توعَّد بها الكُفَّار، وهَوَّنَ الثالثةَ لأنَّها بالمعنى هي التي دعا فيها، فمنع حسب حديثِ «المُوطَّإ» وغيره، ومِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ: لفظٌ عامٌّ للمنطبقِينَ علَىَ الإنسان، وقال السُّدِّيُّ، عن أبي مالِكٍ: مِنْ فَوْقِكُمْ: الرَّجْم، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ
: الخَسْف «٢» وقاله سعيدُ بن جُبَيْر ومجاهد «٣» .
وقوله سبحانه: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً: معناه: يخلِّطكم فِرَقاً، والبأْسُ: القَتْل، وما أشبهه من المَكَارِهِ، وفي قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ: استرجاعٌ لهم، وإنْ كان لفظها لَفْظَ تعجيب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم فمضمَّنها أنَّ هذه الآياتِ والدلائلَ إنما هي لاستصرافهم عن طريقِ غَيِّهم، والفِقْهُ: الفَهْمُ.
وقوله تعالى: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ، الضمير في بِهِ عائدٌ على القُرآن الذي فيه جاءَ تصريفُ الآياتِ قاله السُّدِّيُّ «٤» ، وهذا هو الظاهرُ، ويحتملُ أنْ يعود الضميرُ على الوَعِيدِ الذي تضمَّنَتْه الآيةُ، ونحا إليه الطبريُّ «٥» ، وقوله: قُلْ لَسْتُ/ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ: معناه: لسْتُ بمدفوعٍ إلى أخْذكم بالإيمان والهدى، وهذا كان قَبْلَ نزول آياتِ الجهادِ والأمْرِ بالقتالِ، ثم نُسِخَ.
وقوله سبحانه: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ: أيْ: غايةٌ يعرف عندها صدقه من كذبه، وسَوْفَ تَعْلَمُونَ: تهديد محض ووعيد.
وقوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
: هذا خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمؤمنون داخلُونَ في الخطاب معه، هذا هو الصحيحُ لأنَّ علَّة النهْي، وهي سماعُ الخَوْض في آياتِ اللَّه، تَشْمَلُهُمْ وإيَّاه، فأُمِرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم هو والمؤمنون أنْ ينابذُوا الكُفَّار بالقيام عنهم، إذا استهزءوا وخاضوا ليتأدَّبوا بذلك، ويدَعُوا الخَوْضَ والاستهزاءَ، قلْتُ: ويدلُّ على دخولِ المؤمنينَ مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الخطابِ- قولُهُ تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء: ١٤٠] .
انتهى.
والخَوْضُ: أصله في الماءِ، ثم يستعملُ بعدُ في غمرات الأشياء التي هي مجاهلُ تشبيهاً بغَمَرَات الماء.
وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ: «إما» : شرط، وتلزمها النونُ الثقيلة في الأغلب، وقرأ ابن عامر «١» وحده: «يُنَسِّيَنَّكَ» - بتشديدِ السينِ، وفتحِ النونِ-، والمعنى واحدٌ إلا أن التشديد أكثر مبالغةً، والذِّكْرى والذِّكْر واحدٌ في المعنى، ووصْفُهم ب الظَّالِمِينَ متمكِّن لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه، وفَأَعْرِضْ في هذه الآية: بمعنى المفارقة على حقيقة الإعراض، وأكملِ وجوهه ويدُلُّ على ذلك: فَلا تَقْعُدْ.
وقوله سبحانه: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وروي أنه لما نزلَتْ: فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ [النساء: ١٤٠] قال المؤمنون: إذا كنا لا نقْرَبُ المشركين، ولا نسمع أقوالهم، فلا يمكننا طَوَافٌ ولا قضاءُ عبادةٍ في الحرمِ، فنزلَتْ لذلك: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ...
الآية.
قال ع «٢» : فالإباحة في هذا هي في القَدْر الذي يحتاجُ إلَيْه من التصرُّف بَيْن المشركين في عبادةٍ ونحوها، وقيل: إن هذه الآية الأخيرةَ ليْسَتْ إباحة بوجه، وإنما معناها: لا تَقْعُدوا معهم، ولا تَقْرَبوهم حتى تسمعوا استهزاءهم وخوضهم، وليس نهيكم عن القعود لأنَّ عليكم شيئاً من حسابهم، وإنما هو ذكرى لكم، ويحتملُ المعنى: ولكنْ ذكرى لعلَّهم إذا جانبتموهم، يتقون بالإمساكِ عن الاستهزاءِ، ويحتمل المعنى: ولكن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا ﴾ فِيمَن أُرِيدَ بِهَذِهِ الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المُشْرِكُونَ.
والثّانِي: اليَهُودَ: والثّالِثُ: أصْحابُ الأهْواءِ.
والآَياتُ: القُرْآَنُ.
وخَوْضُ المُشْرِكِينَ فِيهِ: تَكْذِيبُهم بِهِ واسْتِهْزاؤُهم، ويُقارِبُهُ خَوْضُ اليَهُودِ، وخَوْضُ أهْلِ الأهْواءِ بِالمِراءِ والخُصُوماتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أيْ: فاتْرُكْ مُجالَسَتَهم، حَتّى يَكُونَ خَوْضُهم في غَيْرِ القُرْآَنِ.
﴿ وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "يُنْسِيَنَّكَ"، بِفَتْحِ النُّونِ، وتَشْدِيدِ السِّينِ، والنُّونِ الثّانِيَةِ، ومِثْلُ هَذا: غَرَّمْتُهُ وأغْرَمْتُهُ.
وفي التَّنْزِيلِ: ﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهُمْ ﴾ والمَعْنى: إذا أنْساكَ الشَّيْطانُ، فَقَعَدْتَ مَعَهم ناسِيًا نَهَيْنا لَكَ، فَلا تَقْعُدُ بَعْدَ الذِّكْرى.
والذِّكْرُ والذِّكْرى: واحِدٌ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُمْ إذا ذَكَرْتَهُ؛ والظّالِمُونَ: المُشْرِكُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِكْرى مَعَ القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ لَفْظُ هَذا الخِطابِ مُجَرَّدٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحْدَهُ؛ واخْتُلِفَ في مَعْناهُ؛ فَقِيلَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ داخِلُونَ في الخِطابِ مَعَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ عِلَّةَ النَهْيِ - وهي سَماعُ الخَوْضِ في آياتِ اللهِ تَعالى - تَشْمَلُهم وإيّاهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقِيلَ: بَلِ المَعْنى أيْضًا أُرِيدَ بِهِ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحْدَهُ؛ لِأنَّ قِيامَهُ عَنِ المُشْرِكِينَ كانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ؛ وفِراقَهُ لَهم عَلى مُغاضَبَةٍ؛ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُؤْمِنُونَ عِنْدَهم كَذَلِكَ؛ فَأُمِرَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُنابِذَهم بِالقِيامِ عنهم إذا اسْتَهْزَؤُوا وخاضُوا؛ لِيَتَأدَّبُوا بِذَلِكَ؛ ويَدَعُوا الخَوْضَ والِاسْتِهْزاءَ؛ وهَذا التَأْوِيلُ يَتَرَكَّبُ عَلى كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ - يَرْحَمُهُ اللهُ.
والخَوْضُ أصْلُهُ في الماءِ؛ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بَعْدُ في غَمَراتِ الأشْياءِ الَّتِي هي مَجاهِلُ؛ تَشْبِيهًا بِغَمَراتِ الماءِ.
"وَإمّا": شَرْطٌ؛ وتَلْزَمُها النُونُ الثَقِيلَةُ في الأغْلَبِ؛ وقَدْ لا تَلْزَمُ؛ كَما قالَ: إمّا يُصِبْكَ عَدُوٌّ في مُناوَأةٍ ∗∗∗................
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ "يُنَسِّيَنَّكَ"؛ بِتَشْدِيدِ السِينِ؛ وفَتْحِ النُونِ؛ والمَعْنى واحِدٌ؛ إلّا أنَّ التَشْدِيدَ أكْثَرُ مُبالَغَةً.
والذِكْرى؛ والذِكْرُ واحِدٌ في المَعْنى؛ وإنَّما هو تَأْنِيثٌ لَفْظِيٌّ؛ ووَصْفُهم هُنا بِـ "اَلظّالِمِينَ"؛ مُتَمَكِّنٌ؛ لِأنَّهم وضَعُوا الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ و"أعْرِضْ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى المُفارَقَةِ؛ عَلى حَقِيقَةِ الإعْراضِ؛ وأكْمَلِ وُجُوهِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ: "فَلا تَقْعُدْ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المُرادُ بِـ "اَلَّذِينَ"؛ هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ والضَمِيرُ في "حِسابِهِمْ"؛ عائِدٌ عَلى "اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ"؛ ومَن قالَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ داخِلُونَ في قَوْلِهِ: "فَأعْرِضْ"؛ قالَ: إنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - داخِلٌ في هَذا القَصْدِ بِـ "اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ"؛ والمَعْنى عِنْدَهم - عَلى ما رُوِيَ - أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا - لَمّا نَزَلَتْ: "فَلا تَقْعُدْ" - مَعَهُمْ: "إذا كُنّا لا نَقْرَبُ المُشْرِكِينَ؛ ولا نَسْمَعُ أقْوالَهُمْ؛ فَما يُمْكِنُنا طَوافٌ؛ ولا قَضاءُ عِبادَةٍ في الحَرَمِ"؛ فَنَزَلَتْ لِذَلِكَ: ﴿ وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالإباحَةُ في هَذا هي في القَدْرِ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ التَصَرُّفِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ؛ في عِبادَةٍ؛ ونَحْوِها؛ وقالَ بَعْضُ مَن يَقُولُ: "إنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - داخِلٌ فِي: ﴿ الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ ؛ وإنَّ المُؤْمِنِينَ داخِلُونَ في الخِطابِ الأوَّلِ": إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الأخِيرَةَ لَيْسَتْ إباحَةً بِوَجْهٍ؛ وإنَّما مَعْناها: "لا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ؛ ولا تَقْرَبُوهُمْ؛ حَتّى لا تَسْمَعُوا اسْتِهْزاءَهُمْ؛ وخَوْضَهُمْ؛ ولَيْسَ نَهْيُكم عَنِ القُعُودِ لِأنَّ عَلَيْكم شَيْئًا مِن حِسابِهِمْ؛ وإنَّما هو ذِكْرى لَكُمْ"؛ ويَحْتَمِلُ المَعْنى أنْ يَكُونَ لَهُمْ: "لَعَلَّهم إذا جانَبْتُمُوهم يَتَّقُونَ بِالإمْساكِ عَنِ الاسْتِهْزاءِ"؛ وأمّا مَن قالَ: "إنَّ الخِطابَ الأوَّلَ هو مُجَرَّدٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِثِقَلِ مُفارَقَتِهِ مُغْضَبًا عَلى الكُفّارِ"؛ فَإنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ الثانِيَةِ: إنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ؛ ومَعْناها الإباحَةُ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فَلا تَقْعُدْ مَعَهم يا مُحَمَّدُ؛ وأمّا المُؤْمِنُونَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِن حِسابِهِمْ؛ فَإنْ قَعَدُوا فَلْيُذَكِّرُوهم لَعَلَّهم يَتَّقُونَ اللهَ تَعالى في تَرْكِ ما هم فِيهِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَوْلُ أشارَ إلَيْهِ النَقّاشُ ؛ ولَمْ يُوَضِّحْهُ؛ وفِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ؛ وقالَ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ هَذِهِ الإباحَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ نُسِخَتْ بِآيَةِ "اَلنِّساءِ"؛ قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ ؛ وكَذَلِكَ أيْضًا مَن قالَ أوَّلًا: "إنَّ الإباحَةَ كانَتْ بِحَسَبِ العِباداتِ"؛ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في "اَلنِّساءِ" ناسِخَةٌ لِذَلِكَ؛ إذْ هي مَدَنِيَّةٌ؛ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "وَقَدْ نَزَّلَ"؛ إلَيْها بِنَفْسِها؛ فَتَأمَّلْهُ؛ وإلّا فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الناسِخُ غَيْرَها؛ و"ذِكْرى"؛ عَلى هَذا القَوْلِ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: "ذَكِّرُوهم ذِكْرى"؛ ويُحْتَمَلُ: "وَلَكِنْ أعْرِضُوا مَتى أعْرَضْتُمْ في غَيْرِ وقْتِ العِبادَةِ ذِكْرى"؛ و"ذِكْرى"؛ عَلى كُلِّ قَوْلٍ؛ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ بِإضْمارِ فِعْلٍ؛ أو رَفْعٍ بِإضْمارِ مُبْتَدَإٍ.
ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَمْتَثِلَ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ المُلْحِدِينَ؛ وأهْلِ الجِدالِ والخَوْضِ فِيهِ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ قالَ: "لا تُجالِسُوا أهْلَ الخُصُوماتِ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِ اللهِ تَعالى ".
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ وكذّب به قومك ﴾ [الأنعام: 66].
والعدول عن الإتيان بالضمير إلى الإتيان بالاسم الظاهر وهو اسم الموصول، فلم يقل: وإذا رأيتهم فأعرض عنهم، يدلّ على أنّ الذي يخوضون في الآيات فريق خاص من القوم الذين كذّبوا بالقرآن أو بالعذاب.
فعُمُوم القوم أنكروا وكذّبوا دون خَوض في آيات القرآن، فأولئك قسم، والذين يخوضون في الآيات قسم كان أبذَى وأقذَع، وأشدّ كفراً وأشنع، وهم المتصدّون للطعن في القرآن.
وهؤلاء أُمِر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن مجادلتهم وترك مجالسهم حتَّى يرعُووا عن ذلك.
ولو أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالإعراض عن جميع المكذّبين لتعطَّلت الدّعوة والتبليغ.
ومعنى ﴿ إذا رأيتَ الذين يخوضون ﴾ إذا رأيتهم في حال خوضهم.
وجاء تعريف هؤلاء بالموصولية دون أن يقال الخائضين أو قوماً خائضين لأنّ الموصول فيه إيماء إلى وجه الأمر بالإعراض لأنَّه أمر غريب، إذ شأن الرسول عليه الصلاة والسلام أن يمارس الناس لعرض دعوة الدين، فأمرُ الله إيَّاه بالإعراض عن فريق منهم يحتاج إلى توجيه واستئناس.
وذلك بالتعليل الذي أفاده الموصول وصلته، أي فأعرض عنهم لأنَّهم يخوضون في آياتنا.
وهذه الآية أحسن ما يمثّل به، لمجيء الموصول للإيماء إلى إفادة تعليل ما بني عليه من خبر أو إنشاء، ألا ترى أنّ الأمر بالإعراض حُدّد بغاية حصول ضدّ الصلة.
وهي أيضاً أعدل شاهد لصحة ما فسّر به القطب الشيرازي في «شرح المفتاح» قولَ السكاكي (أو أن توميء بذلك إلى وجه بناء الخبر) بأنّ وجه بناء الخبر هو علَّته وسببه، وإن أبى التفتزاني ذلك التفسير.
والخوض حقيقته الدخول في الماء مشياً بالرّجْلين دون سباحة ثم استعير للتصرّف الذي فيه كلفة أو عنت، كما استعير التعسّف وهو المشي في الرمل لذلك.
واستعير الخوض أيضاً للكلام الذي فيه تكلَّف الكذب والباطل لأنَّه يتكلَّف له قائله، قال الراغب: وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يُذمّ الشروع فيه، قال تعالى: ﴿ يخوضون في آياتنا ﴾ ، ﴿ نخوض ونلعب ﴾ [التوبة: 65]، ﴿ وخضتم كالذي خاضوا ﴾ [التوبة: 69]، ﴿ ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ [الأنعام: 91].
فمعنى ﴿ يخوضون في آياتنا ﴾ يتكلَّمون فيها بالباطل والاستهزاء.
والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة وحكم بقية المسلمين كحكمه، كما قال في ذكر المنافقين في سورة النساء (140) ﴿ فلا تقعدوا معهم حتَّى يخوضوا في حديث غيره.
﴾ والإعراض تقدّم تفسيره عند قوله تعالى: ﴿ فأعرض عنهم وعِظهم ﴾ في سورة النساء (63).
والإعراض عنهم هنا هو ترك الجلوس إلى مجالسهم، وهو مجاز قريب من الحقيقة لأنَّه يلزمه الإعراض الحقيقي غالباً، فإن هم غشُوا مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام فالإعراض عنهم أن يقوم عنهم وعن ابن جريج: فجَعَل إذَا استهزأوا قام فحذِروا وقالوا لا تستهزءوا فيقومَ.
وفائدة هذا الإعراض زجرهم وقطع الجدال معهم لعلَّهم يرجعون عن عنادهم.
وحتَّى} غاية للإعراض لأنَّه إعراض فيه توقيف دعوتهم زماناً أوجبه رعي مصلحة أخرى هي من قبيل الدعوة فلا يضرّ توقيف الدعوة زماناً، فإذا زال موجب ذلك عادت محاولة هديهم إلى أصلهم لأنَّها تمحَّضت للمصلحة.
وإنَّما عبّر عن انتقالهم إلى حديث آخر بالخوض لأنَّهم لا يتحدّثون إلاّ فيما لا جدوى له من أحوال الشرك وأمور الجاهلية.
و ﴿ غيرِه ﴾ صفة لِ ﴿ حديث ﴾ .
والضمير المضاف إليه عائد إلى الخوض باعتبار كونه حديثاً حسبما اقتضاه وصف ﴿ حديث ﴾ بأنَّه غيره.
وقوله ﴿ وإمَّا ينسينَّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ﴾ عطف حالة النّسيان زيادة في تأكيد الأمر بالإعراض.
وأسند الإنساء إلى الشيطان فدلّنا على أنّ النسيان من آثار الخلقة التي جعل الله فيها حظّاً العلم الشيطان.
كما ورد أنّ التثاؤب من الشيطان، وليس هذا من وَسْوسة الشيطان في أعمال الإنسان لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من وسوسة الشيطا في ذلك، فالنسيان من الأعراض البشرية الجائزة على الأنبياء في غير تبليغ ما أمروا بتبليغه، عند جمهور علماء السنّة من الأشاعرة وغيرهم.
قال ابن العربي في «الأحكام»: إنّ كبار الرافضة هم الذين ذهبوا إلى تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم من النسيان اه.
وهو قول لبعض الأشعرية وعزي إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفِرائيني فيما حكاه نور الدين الشيرازي في «شرح للقصيدة النونية» لشيخه تاج الدين السبكي.
ويتعيّن أنّ مراده بذلك فيما طريقه البلاغ كما يظهر ممّا حكاه عنه القرطبي: وقد نَسي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلَّم من ركعتين في الصلاة الرباعية، ونسي آيات من بعض السور تذّكرها لمّا سمع قراءة رجل في صلاة الليل، كما في الصحيح.
وفي الحديث الصحيح: «إنّما أنا بَشَر أنسَى كما تنسَوْن فإذا نسيتُ فذكّروني» فذلك نسيان استحضارها بعد أن بلَّغها.
وليس نظرنا في جواز ذلك وإنَّما نظرنا في إسناد ذلك إلى الشيطان فإنَّه يقتضي أنّ للشيطان حظّاً له أثر في نفس الرسول، فيجوز أن تكون بعض الأعراض البشرية التي يجوز طروّها على الأنبياء قد جعلها الله في أصل الخلقة من عمل الشياطين، كما جعل بعض الأعراض موكولة للملائكة، ويكون النسيان من جملة الأعراض الموكولة إلى الشياطين كما تكرّر إسناده إلى الشيطان في آيات كثيرة منها.
وهذا مثل كون التثاؤب من الشيطان، وكوْن ذات الجَنْب من الشيطان.
وقد قال أيّوب ﴿ أنِّي مسَّني الشيطان بنُصب وعَذَاب ﴾ [ص: 41]، وحينئذٍ فالوجه أنّ الأعراض البشرية الجائزة على الأنبياء التي لا تخلّ بتبليغ ولا تُوقعُ في المعصية قد يكون بعضها من أثر عمل الشيطان وأنّ الله عصمهم من الشيطان فيما عدا ذلك.
ويجوز أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم قد خصّ من بين الأنبياء بأن لا سلطة لعمل شيطاني عليه ولو كان ذلك من الأعراض الجائزة على مقام الرسالة، فإنَّما يتعلَّق به من تلك الأعراض ما لا أثر للشيطان فيه.
وقد يدلّ لهذا ما ورد في حديث شقّ الصدر: أنّ جبريل لمَّا استخرج العلقة قال: هذا حظّ الشيطان منك، يعني مركز تصرّفاته، فيكون الشيطان لا يتوصّل إلى شيء يقع في نفس نبيّنا صلى الله عليه وسلم إلاّ بواسطة تدبير شيء يشغل النبي حتَّى ينسى مثل ما ورد في حديث «الموطأ» حين نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ووكَّل بلالاً بأن يكلأ لهم الفجر، فنام بلال حتَّى طلعت الشمس، فإنّ النبي قال: " إنّ الشيطَان أتى بلالاً فلم يزل يُهَدّئُه كما يُهَدّأ الصبيّ حتّى نام " فأمّا نوم النبي والمسلمين عدا بلالاً فكان نوماً معتاداً ليس من عمل الشيطان.
وإلى هذا الوجه أشار عياض في «الشفاء».
وقريب منه ما ورد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ليلة القدر، فخرج ليُعلم الناس فتَلاحَى رجلان فرُفعت.
فإنّ التلاحي من عمل الشيطان، ولم يكن يستطيع رفع ليلة القدر بنفسه فوسوس بالتلاحي.
والحاصل أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم معصوم من الوسوسة، وأمّا ما دونها مثل الإنساء والنزْغ فلا يلزم أن يعصم منه.
وقد يفرّق بين الأمرين: أنّ الوسوسة آثارها وجودية والإنساء والنزغ آثارهما عدمية، وهي الذهول والشغل ونحو ذلك.: فالمعنى إن أنساك الشيطان الإعراض عنهم فإن تذكّرتَ فلا تقعد معهم، فهذا النسيان ينتقل به الرسول صلى الله عليه وسلم من عبادة إلى عبادة، ومن أسلوب في الدّعوة إلى أسلوب آخر، فليس إنساء الشيطان إيَّاه إيقاعاً في معصية إذ لا مفسدة في ارتكاب ذلك ولا يحصل به غرض من كيد الشيطان في الضلال، وقد رفع الله المؤاخذة بالنسيان، ولذلك قال: ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ﴾ ، أي بعد أن تتذكَّر الأمر بالإعراض.
فالذكرى اسم للتذكّر وهو ضدّ النّسيان، فهي اسم مصدر، أي إذا أغفلت بَعد هذا فقعدت إليهم فإذا تذكَّرت فلا تقعد، وهو ضدّ فأعرض، وذلك أنّ الأمر بالشيء نهي عن ضدّه.
وقرأ الجمهور: ﴿ يُنْسِيَنّك ﴾ بسكون النون وتخفيف السين.
وقرأه ابن عامر بفتح النون وتشديد السين من التنسية، وهي مبالغة في أنساه.
ومن العلماء من تأوّل هذه الآية بأنَّها مما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمَّته، كقوله تعالى: ﴿ لئن أشركت ليحبطنّ عملك ﴾ [الزمر: 65] قال أبو بكر بن العربي إذا عذرنا أصحابنا في قولهم ذلك في والقوم الظالمون هم الذين يخوضون في آيات الله، فهذا من الإظهار في مقام الإضمار لزيادة فائدة وصفهم بالظلم، فيعلم أنّ خوضهم في آيات الله ظلم، فيعلم أنَّه خوض إنكار للحقّ ومكابرة للمشاهدة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ ﴾ وفِيما كَذَّبُوا بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: تَصْرِيفُ الآياتِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
﴿ وَهُوَ الحَقُّ ﴾ يَعْنِي ما كَذَّبُوا بِهِ، والفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ والصَّوابِ أنَّ الحَقَّ قَدْ يُدْرَكُ بِغَيْرِ طَلَبٍ، والصَّوابُ لا يُدْرَكُ إلّا بِطَلَبٍ.
﴿ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ لَسْتُ عَلَيْكم بِحَفِيظٍ لِأعْمالِكم لِأُجازِيَكم عَلَيْها، وإنَّما أنا مُنْذِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: لَسْتُ عَلَيْكم بِحَفِيظٍ أمْنَعُكم مِن أنْ تَكْفُرُوا، كَما يَمْنَعُ الوَكِيلُ عَلى الشَّيْءِ مِن إلْحاقِ الضَّرَرِ بِهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ لَسْتُ آخُذُكم بِالإيمانِ اضْطِرارًا وإجْبارًا، كَما يَأْخُذُ الوَكِيلُ بِالشَّيْءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أنْ لِكُلِّ خَبَرٍ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن وعْدٍ أوْ وعِيدٍ مُسْتَقَرًّا في مُسْتَقْبَلِ الوَقْتِ أوْ ماضِيهِ أوْ حاضِرِهِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِينَ في الآخِرَةِ لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِما يَنْزِلُ بِهِمْ في الدُّنْيا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ مِن حِسابِ الكُفّارِ فِيما فَعَلُوهُ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ مَآثِمُ يُؤاخَذُونَ بِها، ولَكِنْ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم بِاللَّهِ وآياتِهِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ مِنَ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ ما عَلى الكُفّارِ في الحِسابِ مِنَ التَّشْدِيدِ والتَّغْلِيظِ لِأنَّ مُحاسَبَةَ المُتَّقِينَ ذِكْرى وتَخْفِيفٌ، ومُحاسَبَةُ الكُفّارِ تَشْدِيدٌ وتَغْلِيظٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ إذا عَلِمُوا ذَلِكَ.
والثّالِثُ: وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ فِيما فَعَلُوهُ مِن رَدٍّ وصَدِّ حِسابٍ، ولَكِنِ اعْدِلُوا إلى الذِّكْرى لَهم بِالقَوْلِ قَبْلَ الفِعْلِ، لَعَلَّهم يَتَّقُونَ إذا عَلِمُوا.
وَيَحْتَمِلُ هَذا التَّأْوِيلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَتَّقُونَ الِاسْتِهْزاءَ والتَّكْذِيبَ.
والثّانِي: يَتَّقُونَ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ﴾ ونحو هذا في القرآن قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ﴾ قال: نهاه الله أن يجلس مع الذين يخوصون في آيات الله يكذبون بها، فإن نسى فلا يقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ﴾ قال: يستهزئون بها، نهى محمد صلى الله عليه وسلم أن يقعد معهم إلا أن ينسى، فإذا ذكر فليقم، وذلك قول الله: ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ﴾ قال: الذين يكذبون بآياتنا يعني المشركين ﴿ وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ بعد ما تذكر.
قال: إن نسيت فذكرت فلا تجلس معهم ﴿ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ﴾ قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك ﴿ ولكن ذكرى لعلهم يتقون ﴾ ذكروهم ذلك وأخبروهم أنه يشق عليكم مساءتكم، ثم أنزل الله: ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب ﴾ [ النساء: 140] الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فسبوه واستهزأوا به، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن سيرين في قوله: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ﴾ قال: كان يرى أن هذه الآية نزلت في أهل الأهواء.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر قال: لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن علي قال: أن أصحاب الأهواء من الذين يخوضون في آيات الله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عي ابن جريج قال: كان المشركون يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحبون أن يسمعوا منه، فإذا سمعوا استهزأوا، فنزلت {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم.
...} الآية.
قال فجعلوا إذا استهزأوا قام فحذروا، وقالوا: لا تستهزأوا فيقوم، فذلك قوله: ﴿ لعلهم يتقون ﴾ إن يخوضوا فيقوم، ونزل ﴿ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ﴾ أن تقعد معهم ولكن لا تعقد، ثم نسخ ذلك قوله بالمدينة ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم ﴾ [ النساء: 140] إلى قوله: ﴿ إنكم إذاً مثلهم ﴾ [ النساء: 140] نسخ قوله: ﴿ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ﴾ الآية.
﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ﴾ قال: هم أهل الكتاب، نهى أن يقعد معهم إذا سمعهم يقولون في القرآن غير الحق.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي وائل قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الكذب ليضحك بها جلساءه فيسخط الله عليه، فذكر ذلك لإِبراهيم النخعي فقال: صدق، أو ليس ذلك في كتاب الله ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم...
﴾ الآية.
وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل قال: كان المشركون بمكة إذا سمعوا القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاضوا واستهزأوا، فقال المسلمون: لا يصلح لنا مجالستهم نخاف أن نخرج حين نسمع قولهم ونجالسهم فلا نعيب عليهم، فأنزل الله في ذلك ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم...
﴾ الآية.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا...
﴾ الآية.
قال: نسختها هذه الآية التي في سورة النساء ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ﴾ [ النساء: 140] الآية.
ثم أنزل بعد ذلك ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] .
وأخرج النحاس في ناسخة عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ﴾ قال: هذه مكية نسخت بالمدينة بقوله: ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ﴾ [ النساء: 140] الآية.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ﴾ إن قعدوا ولكن لا تقعد.
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: لما هاجر المسلمون إلى المدينة جعل المنافقون يجالسونهم، فإذا سمعوا القرآن خاضوا واستهزأوا كفعل المشركين بمكة، فقال المسلمون: لا حرج علينا قد رخص الله لنا في مجالستهم، وما علينا من خوضهم فنزلت بالمدينة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة قال: أتى عمر بن عبد العزيز بقوم قعدوا على شراب معهم رجل صائم، فضربه وقال: ﴿ لا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا ﴾ الآية، قال المفسرون (١) ﴿ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ ).
وهذا قول ابن عباس (٢) (٣) (٤) (٥) ﴿ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا ﴾ أي: بالتكذيب والاستهزاء)، قال ابن عباس: (أمر الله رسوله فقال: إذا رأيت المشركين يكذبون بالقرآن وبك ويستهزئون فاترك مجالستهم ﴿ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ يقول: حتى يكون خوضهم في غير القرآن) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ ﴾ وقرأ ابن عامر (٧) ﴿ يُنْسِيَنَّكَ ﴾ بالتشديد، وفعّل وأفعل يجريان مجرى واحداً كما بينّا ذلك في مواضع [و] (٨) ﴿ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴾ ، والاختيار قرأه العامة لقوله تعالى (٩) ﴿ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: إن نسيت فقعدت ﴿ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى ﴾ وقم إذا ذكرت) (١٠) ﴿ الذِّكْرَى ﴾ : اسم للتذكرة، قاله الليث (١١) وقال الفراء: (الذكرى يكون بمعنى: الذكر، كقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى ﴾ يكون بمعنى: التذكير، كقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ ذِكْرَى ﴾ ) (١٢) (١٣) ﴿ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ قال ابن عباس: (يعني: المشركين) (١٤) (١) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 228، و"معاني النحاس" 2/ 442، و"تفسير السمرقندي" 1/ 492، و"الكشف" للثعلبي 179 أ، و"أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 739.
(٢) سوف يأتي تخريجه.
(٣) أخرجه الطبري 8/ 228، من طرق جيدة عن سعيد بن جير والسدى ومجاهد وأبي مالك غزوان الغفاري، وقتادة، وابن جريج، وأخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1314 - 1315، من طرق جيدة عن سعيد بن جبير والسدي، وأبي مالك ومقاتل بن حيان.
(٤) "تفسير مقاتل" 1/ 567.
(٥) وهو قول مجاهد في "تفسيره" 1/ 217، وأخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 212 بسند جيد عن قتادة، وذكره عن عامة المفسرين، السيوطي في "الدر" 3/ 39.
(٦) "تنوير المقباس" 2/ 29، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 61.
وأخرج الطبري 7/ 228، وابن أبي حاتم 4/ 14/ 13 بسند جيد عنه قال: (أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله) ا.
هـ وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 37.
(٧) ) قرأ ابن عامر: ﴿ يُنْسِيَنَّكَ ﴾ بفتح النون الأولى وتشديد السين، وقرأ الباقون.
بسكون النون الأولى وتخفيف السنن.
انظر: "السبعة" ص 260، و"المبسوط" ص 170، و"التذكرة" 2/ 401، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 259.
(٨) لفظ: (الواو)، ساقط من (ش).
(٩) انظر: "معاني القراءات" 1/ 363، و"إعراب القراءات" 1/ 160، و"الحجة" لابن خالويه ص 142، ولأبي علي 3/ 324، ولابن زنجلة ص 256، و"الكشف" 1/ 436.
(١٠) "تنوير المقباس" 2/ 29، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 61، وابن الجوزي 3/ 62.
(١١) "تهذيب اللغة" 2/ 1287، وانظر: "العين" 5/ 346 (ذكر)، و"مجاز القرآن" 1/ 194.
(١٢) "تهذيب اللغة" 2/ 1287، وفيه: (يكون بمعنى: الذكر، وبمعنى: التذكر) ا.
هـ.
ولم أقف عليه في "معانيه" والذِّكْر والذِّكْرى بالكسر خلاف النسيان، وكذلك الذُّكْرَة بالضم، والذِّكر بالكسر: الصيت والثناء، وقال الراغب في "المفردات" ص 329 (الذَّكرى كثرة الذِّكر وهو أبلغ من الذِّكر.
والتَّذكِرة: ما يُتذكر به الشيء، وهو أعم من الدلالة والأمارة) ا.
هـ، وانظر: "الجمهرة" 2/ 694، و"الصحاح" 2/ 664، و"مقاييس اللغة" 2/ 358، و"اللسان" 3/ 1507 (ذكر).
(١٣) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 48 ب.
(١٤) "تنوير المقباس" 2/ 29 ،وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 61، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 62.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ الذين يتقون هم المؤمنون والضمير في حسابهم للكفار والمستهزئين، والمعنى ليس على المؤمنين شيء من حساب الكفار على استهزائهم وإضلالهم، وقيل: إن ذلك يقتضي إباحة جلوس المؤمنين مع الكافرين، لأنهم شق عليهم النهي عن ذلك؛ إذا كانوا لابد لهم ممن مخالطتهم في طلب المعاش، وفي الطواف بالبيت وغير ذلك، ثم نسخت بآية النساء، وهي ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيات الله ﴾ [النساء: 39] الآية، وقيل: إنها لا تقتضي إباحة العقود ﴿ ولكن ذكرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ فيه وجهان أحدهما أن المعنى ليس على المؤمنين حساب الكفار، ولكن عليهم تذكيراً لهم، ووعظ، وإعراب ذكرى على هذا نصب على المصدر وتقديره يذكرونهم ذكرى، أو رفع على المبتدأ تقديره عليهم ذكرى، والضمير في لعلهم عائد على الكفار: أي يذكرونهم رجاء أن يتقوا أو عائد على المؤمنين أي يذكرونهم ليكون تذكيرهم ووعظهم تقوى الله.
الوجه الثاني: أن المعنى ليس نهي المؤمنين عن القعود مع الكافرين بسبب أن عليهم من حسابهم شيء، وإنما هو ذكرى للمؤمنين، وإعراب ذكرى على هذا خبر ابتداء مضمر تقديره: ولكن نهيهم ذكرى أو مفعول من أجله تقديره: إنما نهوا ذكرى، والضمير في لعلهم على هذا للمؤمنين لا غير.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ توفته ﴾ و ﴿ استهوته ﴾ ممالة: حمزة الباقون: بتاء التأنيث ﴿ قل من ينجيكم ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وعباس.
الباقون: بالتشديد ﴿ وخفية ﴾ بالكسر حيث كان: أبو بكر وحماد.
الباقون: بالضم ﴿ أنجانا ﴾ ممالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ أنجانا ﴾ بدون الإمالة: عاصم.
الباقون ﴿ أنجيتنا ﴾ ﴿ قل الله ينجيكم ﴾ بالتشديد: يزيد وحمزة وخلف وعاصم وهشام.
الباقون: بالتخفيف ﴿ بعضٍ انظر ﴾ وأشباه ذلك بكسر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن شنبوذ عن أهل مكة، وابن ذكوان ﴿ ينسينك ﴾ بالتشديد: ابن عامر.
الوقوف: ﴿ حفظة ﴾ ط ﴿ لا يفرطون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الحاسبين ﴾ ه ﴿ وخفية ﴾ ط لاحتمال الإضمار أي يقولون لئن أنجيتنا، وتعلق "لئن" بمعنى القول في ﴿ تدعونه ﴾ أصح ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ بأس بعض ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ وهو الحق ﴾ ط ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ط للإبتداء بــ"سوف" على التهديد مع شدة اتصال المعنى ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ ولا شفيع ﴾ ط للشرط مع العطف ﴿ بما كسبوا ﴾ لا لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، أو لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ وقوله ﴿ لهم شراب ﴾ خبر ﴿ الهدى ائتنا ﴾ ج ﴿ هو الهدى ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ لا لأن التقدير وأمرنا بأن أقيموا الصلاة ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ في الصور ﴾ ط ﴿ والشهادة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه.
التفسير: من الدلائل الدالة على كمال قدرته وحكمته قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ والمراد منه الفوقية بالقدرة والتسخير كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان أي أنه أعلى وأنفذ منه، ولا ريب أن الممكنات بأسرها تحت تصرف الواجب ينقلها من حيز العدم إلى حالة الوجود وبالعكس، ويتصرف فيها كيف يشاء، علويات كن أو سفليات، ذوات أو صفات، نفوساً أو أبداناً، أخلاطاً وأركاناً.
ومن جملة قهره إرسال الحفظة - وهي جمع حافظ - على عبيده بضبط أعمالهم من الطاعات والمعاصي والمباحات لأنهم مطلعون على أقوال بني آدم لقوله ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ وعلى أفعالهم بقوله ﴿ يعلمون ما تفعلون ﴾ وأما صفات القلوب كالجهل والعلم فليس في الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها.
وعن ابن عباس أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار: انتظر لعله يتوب عنها فإن لم يتوب عنها فإن لم يتب كتب عليه.
قالت العلماء: من فوائد هذه الكتبة أن المكلف إذا علم أن الملائكة الموكلين عليه يكتبون أعماله في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك زجراً له عن القبائح.
ومنها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة فإن وزن الأعمال غير ممكن.
ومنها التعبد فعلى الملكلف أن يؤمن بكل ما ورد به الشرع وإن لم يعرف وجه الحكمة في بعض ذلك.
وقال بعض الحكماء: الحفظة النفوس والقوى الجسمانية التي تحفظ الأركان مع طبائعها المتضادة على امتزاجها.
وقال بعض القدماء: منهم النفوس البشرية والأرواح السفلية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها، فبعضها خيرة وبعضها شريرة، وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والخساسة، ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب المشفق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظتها ومنامها على سبيل الرؤيا تارة، وعلى سبيل الإلهامات أخرى.
فالأرواح الخيرة لها مبادٍ من عالم الأفلاك وكذا الأرواح الشريرة وتلك المبادىء في مصطلحهم تسمى بالطباع التام لأن تلك الأرواح في تلك الطبائع والأخلاق تامة كلها وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته، لأصحاب الطلسمات والعزائم في هذا الباب كلام كثير.
وقيل: إن النفوس المفارقة تميل إلى ما يناسبها ويساويها في الطبيعة والماهية من النفوس المتعلقة بالأبدان فتحفظها وتعينها ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ أي وقته أو أماراته ﴿ توفته رسلنا ﴾ أي بإذننا وتفويضنا فالمتوفى بالحقيقة هو الله كما قال الله ﴿ يتوفى الأنفس حين موتها ﴾ .
وهؤلاء الرسل أتباع ملك الموت في قوله ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهل هم الحفظة بأعيانهم أم غيرهم فيه قولان: أشهرهما الثاني لكون ملائكة الروح والريحان وهم الريحانيون غير ملائكة الكرب والأحزان وهم الكروبيون.
وعن مجاهد: جعلت الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين.
﴿ وهم لا يفرطون ﴾ لا يقصرون فيما أمرهم الله به وفيه مدح لهم بالعصمة ﴿ ثم ردوا إلى الله ﴾ أي إلى حكمه وجزائه ﴿ مولاهم الحق ﴾ صفتان والضمير في ﴿ ردوا ﴾ إما للملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أولئك الملائكة، أو إلى البشر أي أنهم بعد موتهم يردون إلى الله والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب، فإذا ماتوا انتقلوا إلى تصرف المولى الحق.
وفيه إشعار بأن الإنسان شيء آخر وراء هذا الهيكل المحسوس فإن هذا الهيكل يبقى ميتاً والإنسان مردود إليه .
وفي لفظ الرد إشارة إلى أن الروح كان موجوداً قبل البدن وقد تعلق به زماناً ثم ردّ إلى موضعه الأصلي وهو عالم الأرواح بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ ألا له الحكم ﴾ كقوله: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ حساباً قيل: إنه يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة فلا يشغله كلام عن كلام.
وقيل: يحاسب كل إنسان واحد من الملائكة بإذن الله تعالى لأنه لو حاسب الكفار بذاته لتكلم معهم وهو محال لقوله ﴿ ولا يكلمهم الله ﴾ وقال الحكيم: معنى سرعة المحاسبة ظهور الملكات في الهيآت على النفس في آن قطع التعلق، قليلة كانت أو كثيرة، حميدة أو ذميمة، وبعد تعارض البعض بالبعض يبقى ما هو أغلب وبحسب ذلك يكون الثواب أو ضده.
وذلك أنه لا يحصل للإنسان لحظة ولا لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويظهر منها في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو ضدها قل أو كثر وهو المراد بكتبة الأعمال.
قال الجبائي - ههنا: لو كان كلامه قديماً لوجب أن يكون متكلماً بالمحاسبة الآن وقبل خلقه وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم.
وعورض بالعلم فإنه كان قبل العالم عالماً بأنه سيوجد وبعد وجوده صار عالماً بأنه وجد ولا يلزم منه تغير العلم.
ثم عدّد لطفه وإحسانه بقوله ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ﴾ مجازاً عن مخاوفهما وأهوالهما يقال ليوم الكربة: يوم مظلم وذو كواكب كأنه أظلم عليه وجه الخلاص، ويحتمل أن تكون الظلمات بالحقيقة.
وظلمات البر ظلمة الليل وظلمة السحاب، وظلمات البحر هما مع ظلمة الماء.
﴿ تدعونه ﴾ في موضع الحال ﴿ تضرعاً وخفية ﴾ مفعول لأجلهما أو تمييز أو مصدر خاص.
والمراد أن الإنسان عند حصول هذه الشدائد يأتي بأمور: أحدها الدعاء.
الثاني التضرع.
والثالث: الإخلاص بالقلب وهو المعني بقوله ﴿ وخفية ﴾ ورابعها: التزام الشكر هو المراد من قوله ﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الظلم والشدة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ فبين الله أنه إذا شهدت الفطرة السليمة في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله ولا معول إلا عليه وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات.
ثم بين أنه ينجيهم من تلك المخاوف ومن سائر موجبات الحزن والكرب، ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك الجلي وهو عبادة الأوثان أو الخفي وهو اتباع الهوى.
وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك إذا شاهدوا الخوف أخلصوا، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا.
ثم ذكر نوعاً آخر من دلائل التوحيد مقروناً بنوع من التخويف فقال ﴿ قل هو القادر ﴾ واللام للعهد أو للجنس فيفيد أنه هو الذي عرفتموه قادر، وهو الكامل القدرة ﴿ على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ كالمطر أو الحجارة مثل ما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ كما أغرق فرعون وخسف بقارون.
وقيل: من قبل أكابركم وسلاطينكم أو من جهة سفلتكم وعبيدكم.
وقيل: هو حبس المطر والنبات ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ هي جمع شيعة أي يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام.
ومعنى خلطهم أن يوقع القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال.
عن رسول الله "سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف" قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ دلالة على أن الأهواء المختلفة والآراء الفاسدة والبدع كلها من الله وفي قوله ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ إشارة إلى أن أن المعاصي وأنواع الظلم مستندة إلى الله وقالت المعتزلة: الآية لا تدل إلا على أنه تعالى قادر على القبيح والنزاع في أنه هل يفعل ذلك أم لا؟
وأجيب بأن الآية دلت على أن القدرة على هذه الأمور تختص به، وهذه الأمور واقعة فيكون هو فاعلها بالضرورة ﴿ انظر كيف نصرف الآيات ﴾ نقرر الدلائل الواضحات.
وقد قال مثل ذلك فيما قبل فالتقدير: انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون فلا نعرض عنهم بل نكررها ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ ﴿ وكذب به ﴾ أي بالعذاب المذكور في الآية السابقة ﴿ قومك ﴾ يعني قريشاً ومن دان بدينهم ﴿ وهو الحق ﴾ أي لا بد أن ينزل بهم.
وقيل: أي بالقرآن وهو الحق لأنه كتاب منزل من عند الله.
وقيل: أي بتصريف الآيات لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات.
﴿ قل لست عليكم بوكيل ﴾ أي بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل إنما أنا منذر.
﴿ لكل نبأ لكل ﴾ خبره يخبره الله ﴿ مستقر ﴾ أي استقرار أو موضع استقرار.
والمراد بالنبأ المنبأ به لأن النبأ قد حصل، والمقصود أن لعذاب الله أو لاستيلاء المسلمين على الكفار بالقتل والأسر والقهر وقتاً ومكاناً يحصل فيه من غير خلف ولا تأخير ﴿ وسوف تعلمون ﴾ فيه من التهديد ما فيه.
ثم بين أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مجالستهم فقال ﴿ وإذا رأيت ﴾ أيها السامع ﴿ الذين يخوضون في آياتنا ﴾ والخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه اللغو والعبث، ويقرب منه قول المفسرين إنه في الآية الشروع في آيات الله على سبيل الطعن والاستهزاء وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك ﴿ فأعرض عنهم ﴾ بالقيام عنهم لقوله بعد ذلك ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ وقيل: المطلوب إظهار الإنكار وكل طريق أفاد هذا الغرض وإن كان غير القيام عن مجلسهم فإنه يجوز المصير إليه، هذا عند عدم الخوف، أما مع الخوف فهذا الفرض ساقط والتقية واجبة.
نعم كل ما أوجب على الرسول فعله وجب عليه، سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر وإلا لم يبق الاعتماد على التكاليف التي يبلغها ﴿ وإما ينسينك الشيطان ﴾ أي يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ بعد أن تذكر النهي ﴿ مع القوم الظالمين ﴾ أي معهم فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم.
قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.
وقال الفراء: هي الذكر.
قال في الكشاف بناء على مذهبه: يجوز أن يراد وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد الذكرى، بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم.
قال الجبائي: إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، وهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق لا يقع، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لم يكن الكافر قادراً على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان.
قال ابن عباس: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزلت الرخصة أن يقعدوا معهم ويذكروهم ويفهموهم بقوله ﴿ وما على الذين يتقون ﴾ أي الشرك والكبائر والفواحش ﴿ من حسابهم ﴾ من ذنوبهم التي يحاسبون عليها ﴿ من شيء ولكن ذكرى ﴾ أي ولكن يذكرونهم تذكيراً، أو ولكن عليهم أن يذكروهم، أو ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى.
ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل ﴿ من شيء ﴾ كقول القائل: ما في الدار من أحد ولكن زيد لأن قوله ﴿ من حسابهم ﴾ يأبى ذلك فإن الذكرى ليس من حساب المشركين.
ثم أكد الإعراض عنهم بقوله ﴿ وذر الذين ﴾ والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم والمبالاة بهم لا ترك إنذارهم وتخويفهم كقوله ﴿ فأعرض عنهم وعظهم ﴾ وصفهم بوصفين الأوّل أنهم ﴿ اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ وفيه وجوه: اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً حيث سخروا به واستهزؤا، أو أتخذوا ما هو لعب ولهو يعني عبادة الأوثان وغيرها ديناً لهم، أو المراد ما كانوا يحكمون به بمجرد التقليد والهوى كتحريم البحائر والسوائب، أو المراد أن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا أعيادهم لعباً ولهواً لا كالمسلمين حيث اتخذوا عيدهم كما شرعه الله .
قال ابن عباس: أو هو إشارة إلى من جعل دين الإسلام وسيلة إلى المناصب والرياسات والغلبة والجلال لا لأنه حق وصدق في نفسه.
ويؤكد هذا الوجه الوصف الثاني وهو قوله ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ كأنهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا ﴿ وذكر به ﴾ أي بالقرآن أو بالدين القويم مخافة ﴿ أن تبسل نفس ﴾ قال الحسن ومجاهد: أن تسلم إلى الهلاك والعذاب وترتهن بسوء فعلها وأصله المنع فالمسلم إليه وهو العذاب يمنع المسلم ومنه الباسل الشجاع لامتناعه من قرنه.
وقال قتادة: تحبس في جهنم.
وعن ابن عباس: تفتضح ﴿ ليس لها ﴾ أي النفس ﴿ من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل ﴾ إن تفد كل فداء لأن الفادي يعدل المفدى بمثله ﴿ لا يؤخذ منها ﴾ قال في الكشاف: فاعل ﴿ يؤخذ ﴾ قوله ﴿ منها ﴾ لا ضمير العدل لأن العدل ههنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ.
وأما في قوله ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ فبمعنى المفدى به فصح إسناده.
قلت: إن فسر الأخذ بالقبول كما في قوله ﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ ارتفع الفرق.
﴿ أولئك ﴾ المتخذون ﴿ هم الذين أبسلوا بما كسبوا ﴾ ثم بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين بقوله ﴿ لهم شراب من حميم ﴾ ثم رد على عبدة الأصنام بقوله ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ النافع الضار ﴿ ما لا ينفعنا ولا يضرنا ﴾ أي لا يقدر على النفع والضر ﴿ ونرد ﴾ داخل في الاستفهام أي أنرجع إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله منه وهدانا للإسلام، فإن الردة عود إلى الحالة الأولى التي كان الإنسان عليها من الجهل كقوله ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ ﴿ كالذي استهوته ﴾ محله النصب على الحال من الضمير في ﴿ نرد ﴾ أي أننكص على العقبين مشبهين من استهوته وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هويه أي سقوطه من الموضع العالي إلى الوهدة العميقة كقوله: ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ﴾ وقيل: اشتقاقه من اتباع الهوى و ﴿ حيران ﴾ حال أخرى لكن من الضمير في ﴿ استهوته ﴾ وكذا الجملة بعده.
ومعنى الحيرة التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه منه.
ومنه تحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء.
﴿ له ﴾ أي لهذا المستهوي ﴿ أصحاب ﴾ رفقة ﴿ يدعونه إلى الهدى ﴾ أي إن يهدوه الطريق المستوي فيكون مصدراً.
وسمي الطريق المستقيم بالهدى يقولون له ﴿ ائتنا ﴾ أو الدعاء في معنى القول وهذا بناء على ما تزعمه العرب وتعتقده من أن الجن والغيلان تستهوي الإنسان وتستولي عليه، فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إلى الحق وقد اعتسف المهمة تابعاً للجن غير ملتفت اليهم.
وقيل: إن لذلك الكافر أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى.
وروي أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فإنه كان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان ﴿ قل إن هدى الله ﴾ وهو الإسلام ﴿ هو ﴾ الذي يحق أن يسمى هدى وما وراءه غي وضلال ﴿ وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا ﴾ قال الزجاج: لا بد من تأويل ليستقيم العطف فالتقدير: وأمرنا لنسلم ولنقيم، أو أمرنا أن أسلموا وأن أقيموا: قيل: والسر في العدول عن الظاهر أن المكلف كالغائب ما لم يسلم فإذا أسلم صار كالحاضر.
وتقرير الآية أن متعلق الأمر إما أن يكون من باب الأفعال أو من باب التروك.
والأول إما أن يكون من أفعال القلوب أو من أفعال الجوارح، ورئيس أفعال القلوب الإيمان بالله والإسلام وهو قوله ﴿ لنسلم ﴾ ورئيس أعمال الجوارح الصلاة وهو قوله ﴿ وأن أقيموا ﴾ ثم أشار إلى جوامع التروك بقوله ﴿ واتقوه ﴾ ثم قال ﴿ وهو الذي إليه تحشرون ﴾ ليعلم أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر.
ثم دل على وجود الحاشر بقوله ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض ﴾ قائما أو ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ بالحكم اللطيفة والغايات الصحيحة والأغراض المطابقة، وذلك أنه أودع في هذه الأجرام قوى وخواص وآثاراً تتضمن مصالح الأبدان ومباهج نوع الإنسان وهكذا خلق ﴿ يوم يقول كن فيكون قوله الحق ﴾ فقوله فاعل ﴿ يكون ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ والمعنى أنه خلق العالم من الأفلاك والطبائع والعناصر والمواليد، وخلق يوم القيامة لرد الأرواح إلى الأجساد بطريق "كن فيكون" وعلى هذا يجوز أن يكون قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ وخبراً مستأنفاً، أو قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ يوم يقول ﴾ ظرف دال على الخبر مثل "يوم الجمعة القتال" أي القتال واقع يوم الجمعة.
والمراد أن قضاءه في ذلك اليوم حق وصدق خالٍ عن الجور والعبث ﴿ ويوم ينفخ ﴾ ظرف لقوله ﴿ وله الملك ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ والمقصود أنه لا ملك في ذلك اليوم إلا له من غير دافع ولا منازع.
والصور باتفاق أكثر أهل الإسلام قرن ينفخ فيه ملك من الملائكة كما جاء في مواضع من القرآن ﴿ ونفخ في الصور فصعق ﴾ ففزع ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة.
وخطأه الأئمة فقالوا: كل جمع على لفظ الواحد سبق جمعه واحده فواحده بزيادة هاء فيه كالصوف، أما إذا سبق الواحد الجمع فليس كذلك كغرفة وغرف ولهذا يجمع صورة الإنسان على صور بالفتح كقوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ ومن أسكن فقد أخطأ، ومما يدل على أن الصور هو القرن لا جمع صورة الإنسان أنه لم يضف النفخ إلى نفسه كما قال ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ ﴿ فنفخنا فيها من روحنا ﴾ ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] ثم لما بين كمال قدرته بقوله وله الملك ذكر كمال علمه بقوله ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات ﴿ وهو الحكيم ﴾ المصيب في أقواله وأفعاله ﴿ الخبير ﴾ النافذ علمه في بواطن الحقائق من غير اشتباه والتباس، فإن أمر البعث لا يتم إلا بقدرة كاملة وعلم تام كيلا يشتبه المطيع والعاصي والصديق والزنديق.
التأويل: ﴿ وهو القاهر ﴾ بوصف الجلال للأولياء، قهار بوصف الجبروت للأعداء.
﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ من صفات قهره حتى لو أرادت نفسه الخروج عن قيد مجاهدتها قهرتها سطوات العتاب فردتها إلى بذل الجهد، وإن أراد قلبه فرجة عن مطالبات العزة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحاً من الحرقات قهرته بوارق التجلي فردته إلى بذل المهجة ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ يعني الفناء عن أوصاف الوجود ﴿ توفته ﴾ رسل صفات قهرنا وهم لا يقصرون في إفناء الأوصاف ﴿ ثم ردوا ﴾ إلى البقاء بالله ﴿ قل الله ينجيكم من ظلمات ﴾ بر الأجسام وبحر الأرواح فإن عالم الأرواح بالنسبة إلى عالم الألوهية ظلمانية.
﴿ تدعونه تضرعا ﴾ بالجسم ﴿ وخفية ﴾ بالروح ﴿ ومن كل كرب ﴾ آفة وفتنة ﴿ ثم أنتم تشركون ﴾ حين يتجلى لكم نور من أنوار صفاته، فبعضكم يقول: أنا الحق وبعضكم يقول: سبحاني ما أعظم شأني ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ بسدل حجاب العزة والغيرة بينه وبينكم ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ حجاباً من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ بجعل الخلق فيكم فرقاً.
فمن قائل هم الصديقون، ومن قائل هم الزنديقون ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ بالقتل والصلب وقطع الأطراف ﴿ انظر كيف نصرف ﴾ آيات المصارف للسائرين إلى الله ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ لشرائط السير ولا يفقهون في مقام دون الفناء عن كلية الوجود بالبقاء بشهود المعبود ﴿ وكذب ﴾ بهذا المقام ﴿ قومك ﴾ المنكرون ﴿ وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ﴾ لا أسلك طريق هذا المقام بوكالتكم لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى كما قال ﴿ لكل نبأ مستقر ﴾ أي لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب أو دركات البعد ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون ﴾ في أحوال الرجال ولا حظ لهم منها ﴿ فأعرض عنهم ﴾ ولا تجالسهم ﴿ حتى يخوضوا في حديث ﴾ غير تلك الطامات التي هي ريح في شبح.
﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ لأن همهم من لبس الخرقة والتزيي بزي الطالبين إنما هو الدنيا وقبول الحق ﴿ أن تبسل نفس ﴾ أي كراهة أن يبطل استعدادها بالكلية ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ بمقامات الرجال من الوصول والوصال ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ أنطلب غير الله الذي هو النافع الضار.
والنفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه، والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه.
﴿ ونرد على أعقابنا ﴾ إلى مقام الإثنينية التي كنا فيها بعد أن هدانا الله إلى الوحدة كالذي أضلته شياطين الجن والإنس في أرض البشرية باتباع الهوى ﴿ حيران ﴾ من إغوائهم.
﴿ وأمرنا لنسلم ﴾ بترك الوجود كالكرة في ميدان القدرة مستسلماً لصولجان القضاء ﴿ وأن أقيموا الصلاة ﴾ بمحافظة الأسرار عن الأغيار والاتقاء به عن غيره ليحشر إليه لا إلى الجنة أو النار كما قال: ألا من طلبني وجدني.
﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي لإظهار صفاته، فجعل المخلوقات مرآة لجماله وجلاله وإذا أراد أن يرى عبداً من عباده تلك الصفات يقول له: كن رائياً فيكون، ولن يصير رائياً بمجرد سعيه لأن قوله في حق الإنسان كن رائياً هو الحق وله ملك الإراءة وملك الرؤية، ينفخ الإراءة في صور القلب ﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما اختص الإنسان بإراءة الآيات ﴿ الخبير ﴾ بمن يخصه من بين الناس بالإراءة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ .
يشبه أن يكون قوله: ﴿ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ \[أن يكون\] أي: يكفرون بها ويستهزئون بها؛ كما قال في سورة النساء: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا ﴾ فيكون خوضهم في الآيات الكفر بها والاستهزاء بها، ويكون قوله - -: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ، أي: لا تقعد معهم؛ كما قال: ﴿ فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .
يحتمل: النهي عن القعود معهم على ما ذكرنا من قوله: ﴿ فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ ﴾ .
ويحتمل الإعراض: الصفح عنهم وترك المجازاة لمساويهم؛ كقوله - -: ﴿ فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ ﴾ ؛ [و] كقوله : ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ وفيه الأمر بالتبليغ فينهى عن القعود معهم والأمر بالتبليغ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ معناه - والله أعلم -: أن الشيطان إذا أنساك القعود معهم فلا تقعد بعد ذكر الذكرى، ومعنى النهي بعد ما أنساه الشيطان، أي: لا تكن بالمحل الذي يجد الشيطان إليك سبيلا في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ .
قيل فيه رخصه الجلوس معهم؛ وهو كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ثم نسخ ذلك بقوله - -: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ وكان النهي عن مجالستهم ليس للجلوس نفسه، ولكن ما ذكرنا من خوضهم في آيات الله بالاستهزاء بها [والكفر بها] هو الذي كان يحملهم على ذلك، ليس ألا يجوز أن تجالسهم، وكذلك ما نهانا أن نسبهم ليس ألا يجوز لنا أن نسبهم، ولكن لما كان سبنا إياهم هو الذي يحملهم على سب الله.
﴿ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ .
يحتمل النهي عن القعود معهم وجهين.
[أحدهما]: نهى هؤلاء عن القعود معهم لما كان أهل النفاق يجالسونهم، ويستهزئون بالآيات ويكفرون بها، فنهى هؤلاء عن ذلك؛ ليرتدع أهل النفاق عن مجالستهم.
والثاني: أنه نهى المؤمنين عن مجالستهم؛ ليمتنعوا عن صنيعهم حياء منهم؛ لأنهم لو امتنعوا عن مجالستهم فيمنعهم ذلك عن الاستهزاء بها والكفر بها، لما كانوا يرغبون في مجالسة المؤمنين، فيتذكرون عند قيامهم عنهم، فيتقون الخوض والاستهزاء، ولا يخافون أن يعرفوا في الناس بترك مجالستهم المؤمنين، فيحملهم ذلك على الكف عن الاستهزاء بالآيات وبرسول الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾ أي: وذر الذين اتخذوا لعبا ولهوا دينا؛ على التقديم والتأخير.
والثاني: اتخذوا اللعب واللهو دينهم؛ حتى لا يفارقوا اللعب واللهو؛ لأن الدين إنما يتخذ للأبد، فعلى ذلك اتخذ أولئك اللعب واللهو للأبد كالدين.
ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: اتخذوا دينهم عبادة ما لا ينفع ولا يضر، ولا يبصر ولا يسمع ولا يعلم، ومن عبد من هذا وصفه، واتخذ ذلك دينا - فهو عابث لاعب.
والثاني: اتخذوا دينهم ما هوته أنفسهم، ودعتهم الشياطين إليه، ومن اتخذ دينه بهوى نفسه، وما دعته نفسه إليه - فهو عابث لاعب.
والثالث: صار دينهم لعباً وعبثاً؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، ومن لم يقصد بدينه الذي دان به عاقبة فهو عابث مبطل؛ كقوله - -: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...
﴾ الآية [المؤمنون: 115] صير عدم الرجوع إليه عبثاً.
وقوله: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
أي: شغلهم ما اختاروا من الحياة الدنيا والميل إليها عن النظر في الآيات والبراهين والحجج.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ﴾ ، أي: اغتروا بالحياة الدنيا؛ أضاف التغرير إلى الحياة الدنيا [لما بها] اغتروا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ .
قيل: وذكر به قبل أن تبسل نفس بما كسبت، وإنما يذكرهم بهذا لئلا يقولوا غداً: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ ﴾ .
وأصل الإبسال: الإهلاك، أو الإسلام للجناية والهلاك.
ثم اختلف في قوله: ﴿ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ : عن ابن عباس قال: أن تفضح نفس بما كسبت.
وقيل: تبسل: تؤخذ وتحبس؛ وهو قول قتادة؛ وكذلك قال في قوله: ﴿ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ ﴾ ، أي: حبسوا بما كسبوا.
وعن ابن عباس - -: ﴿ أُبْسِلُواْ ﴾ أي: فضحوا؛ على ما قال في ﴿ تُبْسَلَ ﴾ .
وعن الحسن: ﴿ تُبْسَلَ ﴾ ، [أي]: تسلم وعن مجاهد كذلك.
قال أبو عوسجة: ﴿ تُبْسَلَ نَفْسٌ ﴾ : أي: تسلم، وذلك أن الرجل يجني جناية، فيسلم إلى أهل الجناية.
وقال القتبي: ﴿ تُبْسَلَ ﴾ أي تسلم للهلكة.
وعن الكيساني: ﴿ تُبْسَلَ ﴾ : تجزي نفس بما كسبت.
وقال الفراء: ﴿ تُبْسَلَ ﴾ : ترهن.
وأصل الإبسال: هو الإسلام، [وتفسيره] ما ذكر على أثره، وهو قوله: ﴿ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ﴾ ؛ كما يكون بعضهم شفيعاً لبعض في الدنيا، وأعواناً لهم وأنصاراً في دفع المضار والمظالم عنهم وجر المنافع إليهم، وأما في الآخرة: فإن كل نفس تسلم بما كسبت، لا شفيع لها ولا ولي؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...
﴾ .
وكقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً ﴾ ، وغير ذلك من الآيات تسلم كل نفس إلى كسبها لا شفيع لها ولا ولي.
وقوله: ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾ ، يحتمل بالقرآن والآيات ويحتمل ﴿ بِهِ ﴾ ، أي: بالله، أي: عظ به أن تهلك نفس بما كسبت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: العدل: الفداء؛ يقول: وإن فدت [نفس] كل الفداء لتتخلص مما حل بها، لم يؤخذ منها ولم يقبل منها ذلك.
وقال الحسن: العدل: كل عمل البر والخير، أي: وإن عملت كل عمل البر والخير من الفداء والتوبة، لم يقبل منها ذلك؛ يخبر أن الدار الآخرة ليست بدار العمل، ولا يقبل فيها الرشا كما تقبل في الدنيا، وأخبر ألا يكون شفعاء يشفعون لهم، ولا أولياء ينصرونهم، ليس كالدنيا؛ لأن من أصابه في هذه الدنيا شيء، أو حل به عذاب أو غرامة - فإنما يدفع بإحدى هذه الخلال الثلاثة، إما بشفعاء يشفعونه، أو بأولياء ينصرونه، أو بالرشا، فأخبر أن الآخرة ليست بدار تقبل فيها الرشا، فتدفع ما حل بهم، أو أولياء ينصرونهم في دفع ذلك عنهم، أو شفعاء يشفعونهم.
فإن قيل: ما معنى ذكر العدل والفداء، وليس عنده ما يفدي [ولا يبذل وما يمكَّن] من العمل؟
قيل: معناه - والله أعلم - أي: لو مكن لهم من الفداء ما يفدون في دفع ذلك عن أنفسهم، ومكن لهم من العمل ما لو عملوا، لم يقبل ذلك منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ ﴾ .
قد ذكرنا الاختلاف في الإبسال، وأصله: الإسلام يسلمون لما اكتسبوا لا يكون لهم شفعاء ولا أولياء، ولا يقبل منهم الرشا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ ﴾ .
قيل: الحميم: هو ماء حار قد انتهى حره يغلي ما في البطن إذا وصل إليه، فيشبه أن يكون لهم من الشراب ما ذكر؛ لما تناولوا في الدنيا من الشراب المحرم، فكان لهم في الآخرة الحميم مكان ذلك، والعذاب الأليم؛ لما أعطوا أنفسهم في الدنيا من الشهوات واللذات جزاء ذلك.
<div class="verse-tafsir"
وإذا رأيت -أيها الرسول- المشركين يتكلمون في آياتنا بالسخرية والاستهزاء، فابتعد عنهم حتى يدخلوا في حديث خال من السخرية والاستهزاء بآياتنا، وإذا أنساك الشيطان وجلست معهم، ثم تذكرت فغادر مجلسهم ولا تجلس مع هؤلاء المعتدين.
من فوائد الآيات إثبات أن النومَ موتٌ، وأن الأرواح تُقْبض فيه، ثم تُرَد عند الاستيقاظ.
الاستدلال على استحقاق الله تعالى لألوهية بدليل الفطرة، فإن أهل الكفر يؤمنون بالله تعالى ويرجعون لفطرتهم عند الاضطرار والوقوع في المهالك، فيسألون الله تعالى وحده.
إلزام المشركين بمقتضى سلوكهم، وإقامة الدليل على انقلاب فطرتهم، بكونهم يستغيثون بالله في البحر عند الشدة، ويشركون به حين يسلمهم وينجيهم إلى البر.
عدم جواز الجلوس في مجالس أهل الباطل واللغو، ومفارقتهم، وعدم العودة لهم إلا في حال إقلاعهم عن ذلك.
<div class="verse-tafsir" id="91.EBKry"