الآية ٧٤ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٧٤ من سورة الأنعام

۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٧٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 136 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٤ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٤ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الضحاك ، عن ابن عباس : إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر ، إنما كان اسمه تارح .

رواه ابن أبي حاتم .

وقال أيضا : حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل ، حدثنا أبي ، حدثنا أبو عاصم شبيب ، حدثنا عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ) يعني بآزر : الصنم ، وأبو إبراهيم اسمه تارح وأمه اسمها مثاني وامرأته اسمها سارة وأم إسماعيل اسمها هاجر ، وهي سرية إبراهيم .

وهكذا قال غير واحد من علماء النسب : إن اسمه تارح .

وقال مجاهد والسدي : آزر : اسم صنم .

قلت : كأنه غلب عليه آزر لخدمته ذلك الصنم ، فالله أعلم وقال ابن جرير : وقال آخرون : " هو سب وعيب بكلامهم ، ومعناه : معوج " ولم يسنده ولا حكاه عن أحد .

وقد قال ابن أبي حاتم : ذكر عن معتمر بن سليمان ، سمعت أبي يقرأ : ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ) قال : بلغني أنها أعوج ، وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم - عليه السلام - .

ثم قال ابن جرير : والصواب أن اسم أبيه آزر .

ثم أورد على نفسه قول النسابين أن اسمه تارح ثم أجاب بأنه قد يكون له اسمان ، كما لكثير من الناس ، أو يكون أحدهما لقبا وهذا الذي قاله جيد قوي ، والله أعلم .

واختلف القراء في أداء قوله تعالى : ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ) فحكى ابن جرير ، عن الحسن البصري وأبي يزيد المدني أنهما كانا يقرآن : ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة ) معناه : يا آزر ، أتتخذ أصناما آلهة .

وقرأ الجمهور بالفتح ، إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف ، وهو بدل من قوله : ( لأبيه ) أو عطف بيان ، وهو أشبه .

وعلى قول من جعله نعتا لا ينصرف أيضا كأحمر وأسود .

فأما من زعم أنه منصوب لكونه معمولا لقوله : ( أتتخذ أصناما ) تقديره : يا أبت ، أتتخذ آزر أصناما آلهة ، فإنه قول بعيد في اللغة ; لأن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله ; لأن له صدر الكلام ، كذا قرره ابن جرير وغيره .

وهو مشهور في قواعد العربية .

والمقصود أن إبراهيم - عليه السلام - ، وعظ أباه في عبادة الأصنام ، وزجره عنها ، ونهاه فلم ينته ، كما قال : ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة ) أي : أتتأله لصنم تعبده من دون الله ( إني أراك وقومك ) أي : السالكين مسلكك ( في ضلال مبين ) أي : تائهين لا يهتدون أين يسلكون ، بل في حيرة وجهل وأمركم في الجهالة والضلال بين واضح لكل ذي عقل صحيح .

وقال تعالى : ( واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ) [ مريم : 41 - 48 ] فكان إبراهيم - عليه السلام - ، يستغفر لأبيه مدة حياته ، فلما مات على الشرك وتبين إبراهيم ذلك ، رجع عن الاستغفار له ، وتبرأ منه ، كما قال تعالى : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ) [ التوبة : 114 ] .

وثبت في الصحيح : أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة فيقول له أبوه : يا بني ، اليوم لا أعصيك ، فيقول إبراهيم : أي رب ، ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟

فيقال : يا إبراهيم انظر ما وراءك .

فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه ، فيلقى في النار

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر، يا محمد = لحجاجك الذي تحاجّ به قومك، وخصومتك إياهم في آلهتهم، وما تراجعهم فيها, مما نلقيه إليك ونعلمكه من البرهان والدلالة على باطل ما عليه قومك مقيمون، وصحة ما أنت عليه مقيم من الدين، وحقيقة ما أنت عليهم به محتج (1) = (2) حِجَاج إبراهيم خليلي قومَه, ومراجعته إياهم في باطل ما كانوا عليه مقيمين من عبادة الأوثان, وانقطاعه إلى الله والرضا به وليًّا وناصرًا دون الأصنام، (3) فاتخذه إمامًا واقتد به, واجعل سيرته في قومك لنفسك مثالا = إذ قال لأبيه مفارقًا لدينه، وعائبًا عبادته الأصنام دون بارئه وخالقه: يا آزر .

(4) * * * ثم اختلف أهل العلم في المعنيّ ب "آزر ", وما هو، اسم هو أم صفة؟

(5) وإن كان اسمًا, فمن المسمى به؟

فقال بعضهم: هو اسم أبيه.

* ذكر من قال ذلك: 13434 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر "، قال: اسم أبيه "آزر ".

13435 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني محمد بن إسحاق قال: "آزر "، أبو إبراهيم.

وكان، فيما ذكر لنا والله أعلم، رجلا من أهل كُوثَى, من قرية بالسواد, سواد الكوفة .

13436 - حدثني ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز يذكر قال: هو "آزر ", وهو " تارح ", مثل " إسرائيل " و " يعقوب ".

* * * وقال آخرون: إنه ليس أبا إبراهيم.

* ذكر من قال ذلك: 13437 - حدثنا محمد بن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد قال: ليس "آزر "، أبا إبراهيم.

13437- حدثني الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا الثوري قال، أخبرني رجل, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر "، قال: "آزر " لم يكن بأبيه، إنما هو صنم.

13439- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: "آزر " اسم، صنم.

13440 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: " وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر "، قال: اسم أبيه، ويقال: لا بل اسمه " تارح ", واسم الصنم "آزر ".

يقول: أتتخذ آزرَ أصنامًا آلهة.

(6) * * * وقال آخرون: هو سبٌّ وعيب بكلامهم, ومعناه: معوَجٌّ .

كأنه تأوّل أنه عابه بزَيْغه واعوجاجه عن الحق.

(7) * * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الأمصار: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ ) بفتح "آزر " على اتباعه " الأب " في الخفض, ولكنه لما كان اسمًا أعجميًّا فتحوه، إذ لم يجروه، وإن كان في موضع خفض.

* * * وذكر عن أبي زيد المديني والحسن البصري أنهما كانا يقرآن ذلك: (آزَرُ) بالرفع على النداء, بمعنى: يا آزر.

* * * فأما الذي ذكر عن السديّ من حكايته أن "آزر " اسم صنم, وإنما نصبَه بمعنى: أتتخذ آزر أصنامًا آلهة = فقولٌ من الصواب من جهة العربية بعيدٌ.

وذلك أن العرب لا تنصب اسمًا بفعلٍ بعد حرف الاستفهام, لا تقول: " أخاك أكلمت " ؟

وهي تريد: أكلمت أخاك.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي, قراءةُ من قرأ بفتح " الراء " من (آزَرَ)، على اتباعه إعراب " الأب ", وأنه في موضع خفض ففتح، إذ لم يكن جاريًا، لأنه اسم عجمي.

وإنما اخترتُ قراءة ذلك كذلك، (8) لإجماع الحجة من القرأة عليه.

وإذْ كان ذلك هو الصواب من القراءة، وكان غير جائز أن يكون منصوبًا بالفعل الذي بعد حرف الاستفهام, صحَّ لك فتحه من أحد وجهين: إما أن يكون اسمًا لأبي إبراهيم صلوات الله عليه وعلى جميع أنبيائه ورسله, فيكون في موضع خفض ردًّا على " الأب ", ولكنه فتح لما ذكرت من أنه لمّا كان اسمًا أعجميًّا ترك إجراؤه ففتح، كما تفعل العرب في أسماء العجم.

(9) = أو يكون نعتًا له, فيكون أيضًا خفضًا بمعنى تكرير اللام عليه, (10) ولكنه لما خرج مخرج " أحمر " و " أسود " ترك إجراؤه، وفعل به كما يفعل بأشكاله.

فيكون تأويل الكلام حينئذ: وإذ قال إبراهيم لأبيه الزائغ: أتتخذ أصنامًا آلهة.

(11) وإذ لم يكن له وِجهة في الصواب إلا أحد هذين الوجهين, فأولى القولين بالصواب منهما عندي قولُ من قال: " هو اسم أبيه "، لأن الله تعالى ذكره أخبر أنه أبوه، وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم، دون القول الآخر الذي زعم قائلُه أنه نعتٌ.

* * * فإن قال قائل: فإن أهل الأنساب إنما ينسبون إبراهيم إلى " تارح ", فكيف يكون "آزر " اسمًا له، والمعروف به من الاسم " تارح "؟

قيل له: غير محال أن يكون له اسمان, كما لكثير من الناس في دهرنا هذا, وكان ذلك فيما مضى لكثير منهم .

وجائز أن يكون لقبًا يلقّب به.

(12) * * * القول في تأويل قوله : أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيل إبراهيم لأبيه آزر أنه قال: " أتتخذ أصنامًا آلهة "، تعبدها وتتخذها ربًّا دون الله الذي خلقك فسوَّاك ورزقك ؟

و " الأصنام ": جمع " صنم ", و " الصنم " التمثال من حجر أو خشب أو من غير ذلك في صورة إنسان, وهو " الوثن ".

وقد يقال للصورة المصوّرة على صورة الإنسان في الحائط وغيره: " صنم " و " وثن ".

* * * =" إني أراك وقومَك في ضلال مبين " ، يقول: " إني أراك "، يا آزر،" وقومَك " الذين يعبدون معك الأصنام ويتخذونها آلهة =" في ضلال "، يقول: في زوال عن محجّة الحق, وعدول عن سبيل الصواب =" مبين "، يقول: يتبين لمن أبصَره أنه جوْرٌ عن قصد السبيل، وزوالٌ عن محجة الطريق القويم.

يعني بذلك أنه قد ضلّ هو وهم عن توحيد الله وعبادته، الذي استوجب عليهم إخلاص العبادة له بآلائه عندهم, دون غيره من الآلهة والأوثان.

(13) -------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة: "وحقية ما أنت عليهم محتج" ، وفي المخطوطة: "وحقيقة أنعم عليهم محتج".

فعل ناشر المطبوعة في"حقيقة" ما فعل في أشباهها ، كما سلف ص: 434 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

وأما ما كان في المخطوطة: "ما أنعم عليهم محتج" ، فالصواب فيما أرجح أن الناسخ جمع الكلمتين في كلام واحد ، فكتب"ما أنت به" ، "ما أنعم".

(2) السياق: "واذكر ، يا محمد ، .

.

.

حجاج إبراهيم".

(3) في المطبوعة والمخطوطة: "واليا وناصرًا" ، والصواب ما أثبت.

(4) السياق: "واذكر يا محمد ، .

.

.

حجاج إبراهيم .

.

.

إذ قال لأبيه .

.

.

يا آزر" (5) في المطبوعة: "اسم أم صفة" ، حذف"هو"!

(6) في المخطوطة: "أتتخذ أصنامًا آلهة" ، ليس فيها"آزر" ، وما في المطبوعة قريب من الصواب إن شاء الله ، لما سيأتي في نقد أبي جعفر مقالة السدي بعد قليل.

(7) انظر معاني القرآن للفراء 1: 340.

(8) في المطبوعة: "وإنما أجيزت قراءة ذلك" ، وهو كلام فاسد ، والصواب ما أثبت وهو في المخطوطة غير منقوط بتمامه.

(9) في المطبوعة: "كما فتح العرب" ، والصواب من المخطوطة.

(10) في المخطوطة: "تكرير الأمر عليه" ، والصواب ما في المطبوعة.

(11) في المطبوعة والمخطوطة: "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصنامًا آلهة" ، وهو نص الآية ، لا تأويل لها على النعت.

وأما تأويل النعت الذي ذكره آنفًا في أن"آزر" سب وعيب في كلامهم ومعناه"معوج" ، لزيغه واعوجاجه عن الحق = فهو الذي أثبت ، وهو الصواب إن شاء الله.

(12) في المطبوعة: "وجائز أن يكون لقبا والله تعالى أعلم" ، حذف"يلقب به" ، وهو وهو ثابت في المخطوطة ، وزاد ما ليس في المخطوطة.

(13) انظر تفسير"الضلال" و"مبين" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) (بين).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين قوله تعالى وإذ قال إبراهيم تكلم العلماء في هذا ; فقال أبو بكر محمد بن محمد بن الحسن الجويني الشافعي الأشعري في النكت من التفسير له : وليس بين الناس اختلاف في أن اسم والد إبراهيم تارح .

والذي في القرآن يدل على أن اسمه آزر .

وقيل : آزر عندهم ذم في لغتهم ; كأنه قال : وإذ قال لأبيه يا مخطئ أتتخذ أصناما آلهة وإذا كان كذلك فالاختيار الرفع .

وقيل : آزر اسم صنم .

وإذا كان كذلك فموضعه نصب على إضمار الفعل ; كأنه قال : وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر إلها ، أتتخذ أصناما آلهة .

قلت : ما ادعاه من الاتفاق ليس عليه وفاق ; فقد قال محمد بن إسحاق والكلبي والضحاك : إن آزر أبو إبراهيم عليه السلام وهو تارح ، مثل إسرائيل ويعقوب ; قلت فيكون له اسمان كما تقدم .

وقال مقاتل : آزر لقب ، وتارح اسم ، وحكاه الثعلبي عن ابن إسحاق القشيري .

ويجوز أن يكون على العكس .

قال الحسن : كان اسم أبيه آزر .

وقال سليمان التيمي : هو سب وعيب ، ومعناه في كلامهم : المعوج .

وروى المعتمر بن سليمان عن أبيه قال : بلغني أنها أعوج ، وهي أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه .

وقال الضحاك : معنى آزر الشيخ الهم بالفارسية .

وقال الفراء : هي صفة ذم بلغتهم ; كأنه قال يا مخطئ ; فيمن رفعه .

أو كأنه قال : وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ ; فيمن خفض .

ولا ينصرف لأنه على أفعل ; قاله النحاس .

وقال الجوهري : آزر اسم أعجمي ، وهو مشتق من آزر فلان فلانا إذا عاونه ; فهو مؤازر قومه على عبادة الأصنام وقيل : هو مشتق من القوة ، والأزر : القوة ; عن ابن فارس .

وقال مجاهد ويمان : آزر اسم صنم .

وهو في هذا التأويل في موضع نصب ، التقدير : أتتخذ آزر إلها ، أتتخذ أصناما .

وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، التقدير : أتتخذ آزر أصناما .

قلت : فعلى هذا آزر اسم جنس .

والله أعلم .

وقال الثعلبي في كتاب العرائس : إن اسم [ ص: 22 ] أبي إبراهيم الذي سماه به أبوه تارح ، فلما صار مع النمروذ قيما على خزانة آلهته سماه آزر .

وقال مجاهد : إن آزر ليس باسم أبيه وإنما هو اسم صنم .

وهو إبراهيم بن تارح بن ناخور بن ساروع بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام .

و آزر فيه قراءات : " أإزرا " بهمزتين ، الأولى مفتوحة والثانية مكسورة ; عن ابن عباس .

وعنه " أأزرا " بهمزتين مفتوحتين .

وقرئ بالرفع ، وروي ذلك عن ابن عباس .

وعلى القراءتين الأوليين عنه تتخذ بغير همزة .

قال المهدوي : أإزرا ؟

فقيل : إنه اسم صنم ; فهو منصوب على تقدير أتتخذ إزرا ، وكذلك أأزرا .

ويجوز أن يجعل أإزرا على أنه مشتق من الأزر وهو الظهر فيكون مفعولا من أجله ; كأنه قال : أللقوة تتخذ أصناما .

ويجوز أن يكون إزر بمعنى وزر ، أبدلت الواو همزة .

قال القشيري : ذكر في الاحتجاج على المشركين قصة إبراهيم ورده على أبيه في عبادة الأصنام .

وأولى الناس باتباع إبراهيم العرب ; فإنهم ذريته .

أي واذكر إذ قال إبراهيم .

أو وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت وذكر إذ قال إبراهيم .

وقرئ " آزر " أي يا آزر ، على النداء المفرد ، وهي قراءة أبي ويعقوب وغيرهما .

وهو يقوي قول من يقول : إن آزر اسم أبي إبراهيم .أتتخذ أصناما آلهة مفعولان لتتخذ وهو استفهام فيه معنى الإنكار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: واذكر قصة إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، مثنيا عليه ومعظما في حال دعوته إلى التوحيد، ونهيه عن الشرك، وإذ قال لأبيه { آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً } أي: لا تنفع ولا تضر وليس لها من الأمر شيء، { إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } حيث عبدتم من لا يستحق من العبادة شيئا، وتركتم عبادة خالقكم، ورازقكم، ومدبركم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ) قرأ يعقوب " آزر " بالرفع ، يعني : " آزر " والقراءة المعروفة بالنصب ، وهو اسم أعجمي لا ينصرف فينتصب في موضع الخفض .

قال محمد بن إسحاق والضحاك والكلبي : آزر اسم أبي إبراهيم وهو تارخ أيضا مثل إسرائيل ويعقوب وكان من كوثى قرية من سواد الكوفة ، وقال مقاتل بن حيان وغيره : آزر لقب لأبي إبراهيم ، واسمه تارخ وقال سليمان التيمي : هو سب وعيب ، ومعناه في كلامهم المعوج ، وقيل : معناه الشيخ الهم بالفارسية ، وقال سعيد بن المسيب ومجاهد : آزر اسم صنم ، فعلى هذا يكون في محل النصب تقديره أتتخذ آزر إلها ، قوله ( أصناما آلهة ) دون الله ، ( إني أراك وقومك في ضلال مبين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكر «إذ قال إبراهيم لأبيه آزرَ» هو لقبه واسمه تارخ «أتتخذ أصناما آلهة» تعبدها إستفهام توبيخ «إني أراك وقومك» باتخاذها «في ضلال» عن الحق «مبين» بيِّن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها الرسول- مُحاجَّة إبراهيم عليه السلام لأبيه آزر، إذ قال له: أتجعل من الأصنام آلهة تعبدها من دون الله تعالى؟

إني أراك وقومك في ضلال بيِّن عن طريق الحق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن ساق القرآن ألواناً من الأدلة على وحدانية الله وسعة علمه وقدرته أخذ فى التدليل على بطلان الشرك وإثبات التوحيد عن طريق القصة ، فحكى لنا جابناً مما قاله إبراهيم لأبيه وقومه فقال - تعالى - : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ .

.

.

.

} .المعنى : واذكر يا محمد وذكر قومك ليعتبروا ويتعظوا وقت أن قال إبراهيم لأبيه آزر منكراً عليه عبادة الأصنام { أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً } تعبدها من دون الله الذى خلقك فسواك فعدلك { إني أَرَاكَ وَقَوْمَكَ } الذين يتبعونك فى عبادتها فى ضلال مبين ، أى فى انحراف ظاهر بين عن الطريق المستقيم .قال الآلوسى : ( وآزر بزنة آدم علم أعجمى لأبى إبراهيم - عليه السلام - وكان من قرية من سواد الكوفة ، وهو بدل من إبراهيم أو عطف بيان عليه ، وقيل : إنه لقب لأبى إبراهيم واسمه الحقيقى تارخ وأن آزر لقبه ، وقيل هو اسم جده ومنهم من قال اسم عمه ، والعم والجد يسميان أبا مجازا ) .والاستفهام فى قوله { أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً } للإنكار .

والتعبير بقوله { أَتَتَّخِذُ } الذى هو افتعال من الأخذ ، فيه إشارة بأن عبادته هو وقومه لها شىء مصطنع ، والأصنام ليست أهلا للألوهية ، وفى ذلك ما فيه من التعريض بسخافة عقولهم ، وسوء تفكيرهم .والرؤية يجوز أن تكون بصرية قصد منها فى كلام إبراهيم أن ضلال أبيه وقومه صار كالشىء المشاهد لوضوحه ، وعليه فقوله { فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } فى موضع المفعول الثانى .ووصف الضلال بأنه مبين يدل على شدة فساد عقولهم حيث لم يتفطنوا لضلالهم مع أنه كالمشاهد المرئى .قال الشيخ القاسمى : قال بعض مفسرى الزيدية : ثمرة الآية الدلالة على وجوب النصحية فى الدين لا سيما للأقارب ، فإن من كان أقرب فهو أهم ، ولهذا قال - تعالى - { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين } وقال - تعالى - : { قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً } وقال صلى الله عليه وسلم " أبدأ بنفسك ثم بمن تعول " ولهذا بدأ النبى صلى الله عليه وسلم بعلى وخديجة وزيد وكانوا معه فى الدار فآمنوا وسبقوا ، ثم بسائر قريش ، ثم بالعرب ، ثم بالموالى ، وبدأ إبراهيم بأبيه ثم بقومه ، وتدل هذه الآية - أيضا - على أن النصيحة فى الدين ، والذم والتوبيخ لأجله ليس من العقوق ، وقد ثبت فى الصحيح عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة " وعلى وجه آزر قترة وغبره " فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصنى؟

فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك .

فيقول إبراهيم : يا رب إنك وعدتنى أن لا تخزنى يوم يبعثون ، فأى خزى أخزى من أبى الأبعد؟

فيقول الله - تعالى - " إنى حرمت الجنة على الكافرين " " .ثم قال الشيخ القاسمى : والآية حجة على الشيعة فى زعمهم أنه لم يكن أحد من آباء الأنبياء كافرا ، وأن آزر عم إبراهيم لا أبوه ، وذلك لأن الأصل فى الإطلاق الحقيقة ومصله لا يجزم به من غير نقل " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه سبحانه كثيراً يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم عليه السلام وذلك لأنه يعترف بفضله جميع الطوائف والملل فالمشركون كانوا معترفين بفضله مقرين بأنهم من أولاده واليهود والنصارى والمسلمون كلهم معظمون له معترفون بجلالة قدره.

فلا جرم ذكر الله حكاية حاله في معرض الاحتجاج على المشركين.

واعلم أن هذا المنصب العظيم وهو اعتراف أكثر أهل العلم بفضله وعلو مرتبته لم يتفق لأحد كما اتفق للخليل عليه السلام، والسبب فيه أنه حصل بين الرب وبين العبد معاهدة.

كما قال: ﴿ أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ فإبراهيم وفى بعهد العبودية، والله تعالى شهد بذلك على سبيل الإجمال تارة وعلى سبيل التفصيل أخرى.

أما الإجمال ففي آيتين إحداهما قوله: ﴿ وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ  ﴾ وهذا شهادة من الله تعالى بأنه تمم عهد العبودية.

والثانية قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين  ﴾ وأما التفصيل: فهو أنه عليه السلام ناظر في إثبات التوحيد وإبطال القول بالشركاء والأنداد في مقامات كثيرة.

فالمقام الأول: في هذا الباب مناظراته مع أبيه حيث قال له: ﴿ ياأبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً  ﴾ .

والمقام الثاني: مناظرته مع قومه وهو قوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل  ﴾ .

والمقام الثالث: مناظرته مع ملك زمانه، فقال: ﴿ رَبّىَ الذي يُحْىِ وَيُمِيتُ  ﴾ .

والمقام الرابع: مناظرته مع الكفارة بالفعل، وهو قوله تعالى: ﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ  ﴾ ثم إن القوم قالوا: ﴿ حَرّقُوهُ وانصروا ءالِهَتَكُمْ  ﴾ ثم إنه عليه السلام بعد هذه الواقعة بذل ولده فقال: ﴿ إِنّى أرى فِي المنام أَنّى أَذْبَحُكَ  ﴾ فعند هذا ثبت أن إبراهيم عليه السلام كان من الفتيان، لأنه سلم قلبه للعرفان ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، ثم إنه عليه السلام سأل ربه فقال: ﴿ واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِي الأخرين  ﴾ فوجب في كرم الله تعالى أنه يجيب دعاءه ويحقق مطلوبه في هذا السؤال، فلا جرم أجاب دعاءه، وقبل نداءه وجعله مقبولاً لجميع الفرق والطوائف إلى قيام القيامة، ولما كان العرب معترفين بفضله لا جرم جعل الله تعالى مناظرته مع قومه حجة على مشركي العرب.

المسألة الثانية: اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكاً يساويه في الوجوب والقدرة والعلم والحكمة، لكن الثنوية يثبتون إلهين، أحدهما حكيم يفعل الخير، والثاني سفيه يفعل الشر، وأما الاشتغال بعبادة غير الله.

ففي الذاهبين إليه كثرة.

فمنهم عبدة الكواكب، وهم فريقان منهم من يقول إنه سبحانه خلق هذه الكواكب، وفوض تدبير هذا العالم السفلي إليها، فهذه الكواكب هي المدبرات لهذا العالم، قالوا: فيجب علينا أن نعبد هذه الكواكب، ثم إن هذه الأفلاك والكواكب تعبد الله وتطبعه، ومنهم قوم غلاة ينكرون الصانع، ويقولون هذه الأفلاك والكواكب أجسام واجبة الوجود لذواتها ويمتنع عليها العدم والفناء، وهي المدبرة لأحوال هذا العالم الأسفل، وهؤلاء هم الدهرية الخالصة، وممن يعبد غير الله النصارى الذين يعبدون المسيح ومنهم أيضاً عبدة الأصنام.

واعلم أن هنا بحثاً لابد منه وهو أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأصنام، والدليل عليه أن أقدم الأنبياء الذين وصل إلينا تواريخهم على سبيل التفصيل هو نوح عليه السلام، وهو إنما جاء بالرد على عبدة الأصنام كما قال تعالى حكاية عن قومه أنهم قالوا: ﴿ لاَ تَذَرُنَّ وُدّاً ولا سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً  ﴾ وذلك يدل على أن دين عبدة الأصنام قد كان موجوداً قبل نوح عليه السلام وقد بقي ذلك الدين إلى هذا الزمان فإن أكثر سكان أطراف الأرض مستمرون على هذا الدين والمذهب الذي هذا شأنه يمتنع أن يكون معلوم البطلان في بديهة العقل، لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماء والأرض علم ضروري، والعلم الضروري يمتنع إطباق الخلق الكثير على إنكاره، فظهر أنه ليس دين عبدة الأصنام كون الصنم خالقاً للسماء والأرض، بل لابد وأن يكون لهم فيه تأويل، والعلماء ذكروا فيه وجوهاً كثيرة وقد ذكرنا هذا البحث في أول سورة البقرة، ولا بأس بأن نعيده هاهنا تكثيراً للفوائد.

فالتأويل الأول: وهو الأقوى أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم الأسفل مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب، فإن بحسب قرب الشمس وبعدها من سمت الرأس تحدث الفصول الأربعة، وبسبب حدوث الفصول الأربعة تحدث الأحوال المختلفة في هذا العالم، ثم إن الناس ترصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا ارتباط السعادات والنحوسات بكيفية وقوعها في طوالع الناس على أحوال مختلفة فلما اعتقدوا ذلك غلب على ظنون أكثر الخلق أن مبدأ حدوث الحوادث في هذا العالم هو الاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها ثم منهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها ومنهم من اعتقد حدوثها وكونها مخلوقة للإله الأكبر، إلا أنهم قالوا إنها وإن كانت مخلوقة للإله الأكبر، إلا أنها هي المدبرة لأحوال هذا العالم وهؤلاء هم الذين أثبتوا الوسائط بين الإله الأكبر، وبين أحوال هذا العالم.

وعلى كلا التقديرين فالقوم اشتغلوا بعبادتها وتعظيمها ثم إنهم لما رأوا أن هذه الكواكب قد تغيب عن الأبصار في أكثر الأوقات اتخذوا لكل كوكب صنماً من الجوهر المنسوب إليه واتخذوا صنم الشمس من الذهب وزينوه بالأحجار المنسوبة إلى الشمس وهي الياقوت والألماس واتخذوا صنم القمر من الفضة وعلى هذا القياس ثم أقبلوا على عبادة هذه الأصنام وغرضهم من عبادة هذه الأصنام هو عبادة تلك الكواكب والتقرب إليها وعند هذا البحث يظهر أن المقصود الأصلي من عبادة هذه الأصنام هو عبادة الكواكب.

وأما الأنبياء صلوات الله عليهم فلهم هاهنا مقامان: أحدهما: إقامة الدلائل على أن هذه الكواكب لا تأثير لها البتة في أحوال هذا العالم كما قال الله تعالى: ﴿ أَلاَ لَهُ الخلق والأمر  ﴾ بعد أن بين في الكواكب أنها مسخرة.

والثاني: أنها بتقدير أنها تفعل شيئاً ويصدر عنها تأثيرات في هذا العالم إلا أن دلائل الحدوث حاصلة فيها فوجب كونها مخلوقة والاشتغال بعبادة الأصل أولى من الاشتغال بعبادة الفرع، والدليل على أن حاصل دين عبدة الأصنام ما ذكرناه أنه تعالى لما حكى عن الخليل صلوات الله عليه أنه قال لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة؟

إني أراك وقومك في ضلال مبين فأفتى بهذا الكلام أن عبادة الأصنام جهل، ثم لما اشتغل بذكر الدليل أقام الدليل على أن الكواكب والقمر والشمس لا يصلح شيء منها للإلهية وهذا يدل على أن دين عبدة الأصنام حاصله يرجع إلى القول بإلهية هذه الكواكب وإلا لصارت هذه الآية متنافية متنافرة.

وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا طريق إلى إبطال القول بعبادة الأصنام إلا بإبطال كون الشمس والقمر وسائر الكواكب آلهة لهذا العالم مدبرة له.

الوجه الثاني: في شرح حقيقة مذهب عبدة الأصنام ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي رحمه الله فقال في بعض كتبه: إن كثيرا من أهل الصين والهند كانوا يثبتون الإله والملائكة إلا أنهم يعتقدون أنه تعالى جسم وذو صورة كأحسن ما يكون من الصور وللملائكة أيضاً صور حسنة إلا أنهم كلهم محتجبون عنا بالسموات، فلا جرم اتخذوا صوراً وتماثيل أنيقة المنظر حسنة الرؤيا والهيكل فيتخذون صورة في غاية الحسن ويقولون إنها هيكل الإله، وصورة أخرى دون الصورة الأولى ويجعلونها على صورة الملائكة، ثم يواظبون على عبادتها قاصدين بتلك العبادة طلب الزلفى من الله تعالى ومن الملائكة، فإن صح ما ذكره أبو معشر فالسبب في عبادة الأوثان اعتقاد أن الله تعالى جسم وفي مكان.

الوجه الثالث: في هذا الباب أن القوم يعتقدون أن الله تعالى فوض تدبير كل واحد من الأقاليم إلى ملك بعينه.

وفوض تدبير كل قسم من أقسام ملك العالم إلى روح سماوي بعينه فيقولون مدبر البحار ملك، ومدبر الجبال ملك آخر، ومدبر الغيوم والأمطار ملك، ومدبر الأرزاق ملك، ومدبر الحروب والمقاتلات ملك آخر، فلما اعتقدوا ذلك اتخذوا لكل واحد من أولئك الملائكة صنماً مخصوصاً وهيكلاً مخصوصاً ويطلبون من كل صنم ما يليق بذلك الروح الفلكي من الآثار والتدبيرات، وللقوم تأويلات أخرى سوى هذه الثلاثة ذكرناها في أول سورة البقرة، ولنكتف هاهنا بهذا القدر من البيان والله أعلم.

المسألة الثالثة: ظاهر هذه الآية يدل على أن اسم والد إبراهيم هو آزر، ومنهم من قال اسمه تارح.

قال الزجاج: لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح، ومن الملحدة من جعل هذا طعناً في القرآن.

وقال هذا النسب خطأ وليس بصواب، وللعلماء هاهنا مقامان: المقام الأول: أن اسم والد إبراهيم عليه السلام هو آزر، وأما قولهم أجمع النسابون على أن اسمه كان تارح.

فنقول هذا ضعيف لأن ذلك الإجماع إنما حصل لأن بعضهم يقلد بعضاً، وبالآخرة يرجع ذلك الإجماع إلى قول الواحد والاثنين مثل قول وهب وكعب وغيرهما، وربما تعلقوا بما يجدونه من أخبار اليهود والنصارى، ولا عبرة بذلك في مقابلة صريح القرآن.

المقام الثاني: سلمنا أن اسمه كان تارح ثم لنا هاهنا وجوه: الوجه الأول: لعل والد إبراهيم كان مسمى بهذين الاسمين، فيحتمل أن يقال إن اسمه الأصلي كان آزر وجعل تارح لقباً له، فاشتهر هذا اللقب وخفي الاسم.

فالله تعالى ذكره بالاسم، ويحتمل أن يكون بالعكس، وهو أن تارح كان اسماً أصلياً وآزر كان لقباً غالباً.

فذكره الله تعالى بهذا اللقب الغالب.

الوجه الثاني: أن يكون لفظة آزر صفة مخصوصة في لغتهم، فقيل إن آزر اسم ذم في لغتهم وهو المخطئ كأنه قيل، وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ كأنه عابه بزيغه وكفره وانحرافه عن الحق، وقيل آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية، وهو أيضاً فارسية أصلية.

واعلم أن هذين الوجهين إنما يجوز المصير إليهما عند من يقول بجواز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب.

والوجه الثالث: أن آزر كان اسم صنم يعبده والد إبراهيم، وإنما سماه الله بهذا الاسم لوجهين: أحدهما: أنه جعل نفسه مختصاً بعبادته ومن بالغ في محبة أحد فقد يجعل اسم المحبوب اسماً للمحب.

قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم  ﴾ .

وثانيها: أن يكون المراد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

الوجه الرابع: أن والد إبراهيم عليه السلام كان تارح وآزر كان عماً له، والعم قد يطلق عليه اسم الأب، كما حكى الله تعالى عن أولاد يعقوب أنهم قالوا: ﴿ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق  ﴾ ومعلوم أن إسماعيل كان عماً ليعقوب.

وقد أطلقوا عليه لفظ الأب فكذا هاهنا.

واعلم أن هذه التكلفات إنما يجب المصير إليها لو دل دليل باهر على أن والد إبراهيم ما كان اسمه آزر وهذا الدليل لم يوجد ألبتة، فأي حاجة تحملنا على هذه التأويلات، والدليل القوي على صحة أن الأمر على ما يدل عليه ظاهر هذه الآية، أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا في غاية الحرص على تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام وإظهار بغضه، فلو كان هذا النسب كذباً لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه وحيث لم يكذبوه علمنا أن هذا النسب صحيح والله أعلم.

المسألة الرابعة: قالت الشيعة: إن أحداً من آباء الرسول عليه الصلاة والسلام وأجداده ما كان كافراً وأنكروا أن يقال أن والد إبراهيم كان كافراً وذكروا أن آزر كان عم إبراهيم عليه السلام.

وما كان والداً له واحتجوا على قولهم بوجوه: الحجة الأولى: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفاراً ويدل عليه وجوه: منها قوله تعالى: ﴿ ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ  وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّٰجِدِينَ  ﴾ .

قيل معناه: إنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد وبهذا التقدير: فالآية دالة على أن جميع آباء محمد عليه السلام كانوا مسلمين.

وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم عليه السلام كان مسلماً.

فإن قيل: قوله: ﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين ﴾ يحتمل وجوهاً أخر: أحدها: إنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الليلة على بيوت الصحابة لينظر ماذا يصنعون لشدة حرصه على ما يظهر منهم من الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير لكثرة ما سمع من أصوات قراءتهم وتسبيحهم وتهليلهم.

فالمراد من قوله: ﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين ﴾ طوافه صلوات الله عليه تلك الليلة على الساجدين.

وثانيها: المراد أنه عليه السلام كان يصلي بالجماعة فتقلبه في الساجدين معناه: كونه فيما بينهم ومختلطاً بهم حال القيام والركوع والسجود.

وثالثها: أن يكون المراد أنه ما يخفى حالك على الله كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في الاشتغال بأمور الدين.

ورابعها: المراد تقلب بصره فيمن يصلي خلفه، والدليل عليه قوله عليه السلام: «أتموا الركوع والسجود فإني أراكم من وراء ظهري» فهذه الوجوه الأربعة مما يحتملها ظاهر الآية، فسقط ما ذكرتم.

والجواب: لفظ الآية محتمل للكل، فليس حمل الآية على البعض أولى من حملها على الباقي.

فوجب أن نحملها على الكل وحينئذ يحصل المقصود، ومما يدل أيضاً على أن أحداً من آباء محمد عليه السلام ما كان من المشركين قوله عليه السلام: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ  ﴾ وذلك يوجب أن يقال: إن أحداً من أجداده ما كان من المشركين.

إذا ثبت هذا فنقول: ثبت بما ذكرنا أن والد إبراهيم عليه السلام ما كان مشركاً، وثبت أن آزر كان مشركاً.

فوجب القطع بأن والد إبراهيم كان إنساناً آخر غير آزر.

الحجة الثانية: على أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام.

أن هذه الآية دالة على أن إبراهيم عليه السلام شافه آزر بالغلظة والجفاء.

ومشافهة الأب بالجفاء لا تجوز، وهذا يدل على أن آزر ما كان والد إبراهيم، إنما قلنا: إن إبراهيم شافه آزر بالغلظة والجفاء في هذه الآية لوجهين: الأول: أنه قرئ ﴿ وَإِذْ قَالَ إبراهيم لاِبِيهِ ءَازَرَ ﴾ بضم آزر وهذا يكون محمولاً على النداء ونداء الأب بالاسم الأصلي من أعظم أنواع الجفاء.

الثاني: أنه قال لآزر: ﴿ إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ وهذا من أعظم أنواع الجفاء والإيذاء.

فثبت أنه عليه السلام شافه آزر بالجفاء، وإنما قلنا: أن مشافهة الأب بالجفاء لا تجوز لوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا  ﴾ وهذا عام في حق الأب الكافر والمسلم، قال تعالى: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا  ﴾ وهذا أيضاً عام.

والثاني: أنه تعالى لما بعث موسى عليه السلام إلى فرعون أمره بالرفق معه فقال: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى  ﴾ والسبب فيه أن يصير ذلك رعاية لحق تربية فرعون.

فهاهنا الوالد أولى بالرفق.

الثالث: أن الدعوة مع الرفق أكثر تأثيراً في القلب، أما التغليظ فإنه يوجب التنفير والبعد عن القبول.

ولهذا المعنى قال تعالى لمحمد عليه السلام: ﴿ وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ فكيف يليق بإبراهيم عليه السلام مثل هذه الخشونة مع أبيه في الدعوة؟

الرابع: أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام الحلم، فقال: ﴿ إِنَّ إبراهيم لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ  ﴾ وكيف يليق بالرجل الحليم مثل هذا الجفاء مع الآب؟

فثبت بهذه الوجوه أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام بل كان عماً له، فأما والده فهو تارح والعم قد يسمى بالأب على ما ذكرنا أن أولاد يعقوب سموا إسماعيل بكونه أباً ليعقوب مع أنه كان عماً له.

وقال عليه السلام: «ردوا علي أبي» يعني العم العباس وأيضاً يحتمل أن آزر كان والد أم إبراهيم عليه السلام وهذا قد يقال له الأب.

والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاوُودَ وسليمان  ﴾ إلى قوله: ﴿ وعِيسَى  ﴾ فجعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أن إبراهيم عليه السلام كان جداً لعيسى من قبل الأم.

وأما أصحابنا فقد زعموا أن والد رسول الله كان كافراً وذكروا أن نص الكتاب في هذه الآية تدل على أن آزر كان كافراً وكان والد إبراهيم عليه السلام.

وأيضاً قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لاِبِيهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ  ﴾ وذلك يدل على قولنا، وأما قوله: ﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين ﴾ قلنا: قد بينا أن هذه الآية تحتمل سائر الوجوه قوله تحمل هذه الآية على الكل، قلنا هذا محال لأن حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه لا يجوز، وأيضاً حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معاً لا يجوز، وأما قوله عليه السلام: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» فذلك محمول على أنه ما وقع في نسبه ما كان سفاحاً، أما قوله التغليظ مع الأب لا يليق بإبراهيم عليه السلام.

قلنا: لعله أصر على كفره فلأجل الإصرار استحق ذلك التغليط.

والله أعلم.

المسألة الخامسة: قرئ ﴿ ءَازَرَ ﴾ بالنصب وهو عطف بيان لقوله: ﴿ لاِبِيهِ ﴾ وبالضم على النداء، وسألني واحد فقال: قرئ ﴿ ءَازَرَ ﴾ بهاتين القراءتين، وأما قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ موسى لاِخِيهِ هارون ﴾ قرئ ﴿ هارون ﴾ بالنصب وما قرئ البتة بالضم فما الفرق؟

قلت القراءة بالضم محمولة على النداء والنداء بالاسم استخفاف بالمنادى.

وذلك لائق بقصة إبراهيم عليه السلام لأنه كان مصراً على كفره فحسن أن يخاطب بالغلظة زجراً له عن ذلك القبيح، وأما قصة موسى عليه السلام فقد كان موسى عليه السلام يستخلف هرون على قومه فما كان الاستخفاف لائقاً بذلك الموضع، فلا جرم ما كانت القراءة بالضم جائزة.

المسألة السادسة: اختلف الناس في تفسير لفظ الإله والأصح أنه هو المعبود، وهذه الآية تدل على هذا القول لأنهم ما أثبتوا للأصنام إلا كونها معبودة، ولأجل هذا قال إبراهيم لأبيه: ﴿ أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ وذلك يدل على أن تفسير لفظ الإله هو المعبود.

المسألة السابعة: اشتمل كلام إبراهيم عليه السلام في هذه الآية على ذكر الحجة العقلية على فساد قول عبدة الأصنام من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة الآلهة؛ إلا أن القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلي الذي فهم من قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ والثاني: أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافياً، فلما لم يكن الواحد كافياً دل ذلك على أنها وإن كثرت فلا نفع فيها ألبتة.

المسألة الثامنة: احتج بعضهم بهذه الآية على أن وجوب معرفة الله تعالى ووجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع.

قال لأن إبراهيم عليه السلام حكم عليهم بالضلال، ولولا الوجوب العقلي لما حكم عليهم بالضلال.

لأن ذلك المذهب كان متقدماً على دعوة إبراهيم.

ولقائل أن يقول: إنه كان ضلالاً بحكم شرع الأنبياء الذين كانوا متقدمين على إبراهيم عليه السلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ءَازَرَ ﴾ اسم أبي إبراهيم عليه السلام.

وفي كتب التواريخ أنّ اسمه بالسريانية تارح.

والأقرب أن يكون وزن ﴿ ءَازَرَ ﴾ فاعل مثل تارح وعابر وعازر وشالخ وفالغ وما أشبهها من أسمائهم، وهو عطف بيان لأبيه.

وقرئ: ﴿ آزر ﴾ بالضم على النداء.

وقيل: ﴿ آزر ﴾ اسم صنم، فيجوز أن ينبز به للزومه عبادته، كما نبز ابن قيس بالرقيات اللاتي كان يشبب بهنّ، فقيل: ابن قيس الرقيات.

وفي شعر بعض المحدثين: أُدْعَى بَأَسْمَاءَ نَبْزاً في قَبَائِلِهَا ** كَأَنَّ أَسْمَاءَ أَضْحَتْ بَعْدُ أَسْمَائِي أو أريد عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

وقرئ: ﴿ ءأزر ﴾ تتخذ أصناماً آلهة بفتح الهمزة وكسرها بعد همزة الاستفهام وزاي ساكنة وراء منصوبة منونة، وهو اسم صنم.

ومعناه: أتعبد آزراً على الإنكار؟

ثم قال: تتخذ أصناماً آلهة تثبيتاً لذلك وتقريراً، وهو داخل في حكم الإنكار، لأنه كالبيان له ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ عطف على قال إبراهيم لأبيه: وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم ﴾ جملة معترض بها بين المعطوف والمعطوف عليه.

والمعنى: مثل ذلك التعريف والتبصير نعرف إبراهيم ونبصره.

ملكوت السموات والأرض: يعني الربوبية والإلهية ونوفقه لمعرفتها ونرشده بما شرحنا صدره وسدّدنا نظره وهديناه لطريق الاستدلال.

وليكون من الموقنين: فعلنا ذلك.

ونروي: حكاية حال ماضية، وكان أبوه آزر وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤدّ إلى أن شيئاً منها لا يصحّ أن يكون إلها، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثاً أحدثها، وصانعاً صنعها، مدبراً دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها ﴿ هذا رَبّى ﴾ قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه.

لأن ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب، ثم يكرّ عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ لا أحبّ عبادة الأرباب المتغيرين من حال إلى حال، المتنقلين من مكان إلى آخر، المحتجبين بستر، فإنّ ذلك من صفات الأجرام ﴿ بَازِغاً ﴾ مبتدئاً في الطلوع ﴿ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى ﴾ تنبيه لقومه على أنّ من اتخذ القمر إلها وهو نظير الكوكب في الأفول، فهو ضال، وأنّ الهداية إلى الحق بتوفيق الله ولطفه ﴿ هذا أَكْبَرُ ﴾ من باب استعمال النصفة أيضاً مع خصومه ﴿ إِنّى بَرِيء مّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها ﴿ إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السماوات والأرض ﴾ أي للذي دلت هذه المحدثات عليه وعلى أنه مبتدؤها ومبتدعها.

وقيل: هذا كان نظره واستدلاله في نفسه، فحكاه الله.

والأوّل أظهر لقوله: ﴿ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى ﴾ وقوله: ﴿ قَالَ ياقوم إِنّى بَرِيء مّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ .

فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ، وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟

قلت: الاحتجاج بالأفول أظهر، لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب.

فإن قلت: ما وجه التذكير في قوله: ﴿ هذا رَبّى ﴾ والإشارة للشمس؟

قلت: جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارة عن شيء واحد، كقولهم: ما جاءت حاجتك، ومن كانت أمك، و ﴿ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ﴾ [الأنعام: 23] وكان اختيار هذه الطريقة واجباً لصيانة الرب عن شبهة التأنيث.

ألا تراهم قالوا في صفة الله ﴿ علام ﴾ ولم يقولوا ﴿ علامة ﴾ وإن كان العلامة أبلغ، احترازاً من علامة التأنيث.

وقرئ: ﴿ تري إبراهيمَ ملكوتُ السموات والأرض ﴾ بالتاء ورفع الملكوت.

ومعناه: تبصره دلائل الربوبية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ ﴾ هو عَطْفُ بَيانٍ لِأبِيهِ، وفي كُتُبِ التَّوارِيخِ أنَّ اسْمَهُ تارِحُ فَقِيلَ هُما عَلَمانِ لَهُ كَإسْرائِيلَ ويَعْقُوبَ، وقِيلَ العَلَمُ تارِحُ وآزَرُ وصْفٌ مَعْناهُ الشَّيْخُ أوِ المِعْوَجُّ، ولَعَلَّ مَنعَ صَرْفِهِ لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ حُمِلَ عَلى مُوازِنِهِ أوْ نَعْتٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الآزَرِ أوِ الوِزْرِ، والأقْرَبُ أنَّهُ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ عَلى فاعِلٍ كَعابِرٍ وشالِخَ، وقِيلَ اسْمُ صَنَمٍ يَعْبُدُهُ فَلُقِّبَ بِهِ لِلُزُومِ عِبادَتِهِ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِحَذْفِ المُضافِ.

وقِيلَ المُرادُ بِهِ الصَّنَمُ ونَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ أتَعَبَّدُ آزَرَ ثُمَّ قالَ: ﴿ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً ﴾ تَفْسِيرًا وتَقْرِيرًا.

ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ «أزَرًا»، تَتَّخِذُ أصْنامًا بِفَتْحِ هَمْزَةِ آزَرَ وكَسْرِها وهو اسْمُ صَنَمٍ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالضَّمِّ عَلى النِّداءِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ.

﴿ إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ ﴾ عَنِ الحَقِّ.

﴿ مُبِينٍ ﴾ ظاهِرِ الضَّلالَةِ.

﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ ﴾ ومِثْلُ هَذا التَّبْصِيرِ نُبَصِّرُهُ، وهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.

وقُرِئَ: «تَرى» بِالتّاءِ ورَفْعِ المَلَكُوتِ ومَعْناهُ تُبَصِّرُهُ دَلائِلُ الرُّبُوبِيَّةِ.

﴿ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ رُبُوبِيَّتَها ومِلْكَها.

وقِيلَ عَجائِبَها وبَدائِعَها والمَلَكُوتُ أعْظَمُ المُلْكِ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ أيْ لِيَسْتَدِلَّ ولِيَكُونَ، أوْ وفَعَلْنا ذَلِكَ لِيَكُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)

{وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} هو اسم أبيه أو لقبه لأنه خلاف بين النسابين أن اسم أبيه تارح وهو عطف بيان لأبيه وزنه فاعل {أَتَتَّخِذُ أصناما آلهة} استفهام توبيخ أى أتتخذها آلهة

الأنعام (٧٤ _ ٧٨)

وهي لا تستحق الإلهية {إِنّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضلال مُّبِينٍ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ ﴾ نُصِبَ -عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ- عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ قُلْ أنَدْعُو ﴾ لا عَلى (أقِيمُوا) لِفَسادِ المَعْنى أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ بَعْدَ أنْ أنْكَرْتَ عَلَيْهِمْ عِبادَةَ مالا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ وحَقَّقْتَ أنَّ الهُدى هو هُدى اللَّهِ تَعالى وما يَتْبَعُهُ مِن شُؤُونِهِ تَعالى وقْتَ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ مُوَبِّخًا ﴿ لأبِيهِ آزَرَ ﴾ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُبَكِّتُهم ويُنادِي بِفَسادِ طَرِيقَتِهِمْ.

وآزَرُ بِزِنَةِ آدَمِ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ لِأبِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مِن قَرْيَةٍ مِن سَوادِ الكُوفَةِ، وهو بَدَلٌ مِن (إبْراهِيمُ) أوْ عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ بَيْنَ النَّسّابِينَ اخْتِلافٌ في أنَّ اسْمَ أبِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تارَحُ بِتاءٍ مُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وألِفٍ بَعْدَها راءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وحاءٌ مُهْمَلَةٌ، ويُرْوى بِالخاءِ المُعْجَمَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ اسْمَهُ تَيْرَحُ أوْ تارَحُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اسْمَ أبِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ يازَرُ واسْمُ أُمِّهِ مُثْلى.

وإلى كَوْنِ آزر لَيْسَ اسْمًا لَهُ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وغَيْرُهُما.

واخْتَلَفَ الذّاهِبُونَ إلى ذَلِكَ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ آزر لَقَبٌ لِأبِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهم مَن قالَ: اسْمُ جَدِّهِ، ومِنهم مَن قالَ: اسْمُ عَمِّهِ، والعَمُّ والجَدُّ يُسَمَّيانِ أبًا مَجازًا، ومِنهم مَن قالَ: هو اسْمُ صَنَمٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

ومِنهم مَن قالَ: هو وصْفٌ في لُغَتِهِمْ ومَعْناهُ المُخْطِئُ، وعَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ مَعْناهُ الأعْوَجُ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ الشَّيْخُ الهَرِمُ بِالخَوارِزْمِيَّةِ.

وعَلى القَوْلِ بِالوَصْفِيَّةِ يَكُونُ مَنعُ صَرْفِهِ لِلْحَمْلِ عَلى مَوازِنِهِ وهو فاعَلُ المَفْتُوحُ العَيْنِ فَإنَّهُ يَغْلِبُ مَنعُ صَرْفِهِ لِكَثْرَتِهِ في الأعْلامِ الأعْجَمِيَّةِ، وقِيلَ الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ فَأُلْحِقَ بِالعَلَمِ.

وبَعْضُهم يَجْعَلُهُ نَعْتًا مُشْتَقًّا مِنَ الأزْرِ بِمَعْنى القُوَّةِ أوِ الوِزْرِ بِمَعْنى الإثْمِ.

ومُنِعَ صَرْفُهُ حِينَئِذٍ لِلْوَصْفِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ لِأنَّهُ عَلى وزْنِ أفْعَلَ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ بِمَعْنى الصَّنَمِ يَكُونُ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ أيْ عابِدُ آزَرَ وقَرَأ يَعْقُوبُ (آزَرُ) بِالضَّمِّ عَلى النِّداءِ.

واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى العَلَمِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُحْذَفُ النِّداءُ إلّا مِنَ الأعْلامِ وحَذْفُهُ مِنَ الصِّفاتِ شاذٌّ أيْ يا آزر ﴿ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً ﴾ أيْ أتَجْعَلُها لِنَفْسِكَ ءالِهَةً عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى اتِّخاذِ الجِنْسِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الجَمْعِيَّةِ وإنَّما يُرادُ صِيغَةُ الجِنْسِ بِاعْتِبارِ الوُقُوعِ.

وقُرِئَ (أأزَرًا) بِهَمْزَتَيْنِ الأُولى اسْتِفْهامِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ ومَكْسُورَةٌ، وهي إمّا أصْلِيَّةٌ أوْ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ.

ومَن قَرَأ بِذَلِكَ قَرَأ (تَتَّخِذُ) بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ.

وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ أتَعْبُدُ آزَرًا؟

عَلى أنَّهُ اسْمُ صَنَمٍ ويَكُونُ (تَتَّخِذُ) إلَخْ بَيانًا لِذَلِكَ وتَقْرِيرًا وهو داخِلٌ تَحْتَ الإنْكارِ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى القُوَّةِ أيْ ألِأجْلِ القُوَّةِ تَتَّخِذُ أصْنامًا ءالِهَةً؟

والكَلامُ إنْكارٌ لِتَعَزُّزِهِ بِها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا أوْ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ (تَتَّخِذُ) وأعْرَبَ بَعْضُهم (آزر) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِمَحْذُوفٍ وهو بِمَعْنى الصَّنَمِ أيْضًا أيْ أتَعْبُدُونَ آزر؟

وجَعَلَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ (أتَتَّخِذُ) إلَخْ تَفْسِيرًا وتَقْرِيرًا بِمَعْنى أنَّهُ قَرِينَةٌ عَلى الحَذْفِ لا بِمَعْنى التَّفْسِيرِ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في بابِ الِاشْتِغالِ لِأنَّ ما بَعْدَ الهَمْزَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها؛ وما لا يَعْمَلُ لا يُفَسِّرُ عامِلًا كَما تَقَرَّرَ عِنْدَهم.

والَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الجَمُّ الغَفِيرُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ آزر لَمْ يَكُنْ والِدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وادَّعَوْا أنَّهُ لَيْسَ في آباءِ النَّبِيِّ  كافِرٌ أصْلًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَمْ أزَلْ أُنْقَلُ مِن أصْلابِ الطّاهِرِينَ إلى أرْحامِ الطّاهِراتِ والمُشْرِكُونَ نَجَسٌ».

وتَخْصِيصُ الطَّهارَةِ بِالطَّهارَةِ مِنَ السِّفاحِ لا دَلِيلَ لَهُ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ وقَدْ ألَّفُوا في هَذا المَطْلَبِ الرَّسائِلَ واسْتَدَلُّوا لَهُ بِما اسْتَدَلُّوا، والقَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الشِّيعَةِ كَما ادَّعاهُ الإمامُ الرّازِّيُّ نِاشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّتَبُّعِ، وأكْثَرُ هَؤُلاءِ عَلى أنْ آزر اسْمٌ لِعَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وجاءَ إطْلاقُ الأبِ عَلى العَمِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ﴾ وفِيهِ إطْلاقُ الأبِ عَلى الجَدِّ أيْضًا وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: الخالُ والِدٌ والعَمُّ والِدٌ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وفي الخَبَرِ «رُدُّوا عَلَيَّ أبِي العَبّاسِ» وأيَّدَ بَعْضُهم دَعْوى أنَّ أبا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الحَقِيقِيَّ لَمْ يَكُنْ كافِرًا وإنَّما الكافِرُ عَمُّهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ في تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدٍ، قالَ: لَمّا أرادُوا أنْ يُلْقُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في النّارِ جَعَلُوا يَجْمَعُونَ الحَطَبَ حَتّى إنْ كانَتِ العَجُوزُ لَتَجْمَعُ الحَطَبَ فَلَمّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ قالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ تَعالى ونَعِمَ الوَكِيلُ، فَلَمّا ألْقَوْهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ ﴾ فَكانَتْ، فَقالَ عَمُّهُ: مِن أجْلِي دُفِعَ عَنْهُ فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَرارَةً مِنَ النّارِ فَوَقَعَتْ عَلى قَدَمِهِ فَأحْرَقَتْهُ وبِما أُخْرِجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِمْ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَزَلْ يَسْتَغْفِرُ لِأبِيهِ حَتّى ماتَ فَلَمّا ماتَ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ فَلَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ، ثُمَّ هاجَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ وواقِعَةِ النّارِ إلى الشّامِ، ثُمَّ دَخَلَ مِصْرَ واتَّفَقَ لَهُ مَعَ الجَبّارِ ما اتُّفِقَ ثُمَّ رَجَعَ إلى الشّامِ ومَعَهُ هاجَرُ ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَنْقُلَها ووَلَدَها إسْماعِيلَ إلى مَكَّةَ فَنَقَلَها، ودَعا هُناكَ فَقالَ: ﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ ﴾ ، فَإنَّهُ يُسْتَنْبَطُ مِن ذَلِكَ أنَّ المَذْكُورَ في القُرْءانِ بِالكُفْرِ هو عَمُّهُ، حَيْثُ صُرِّحَ في الأثَرِ الأوَّلِ أنَّ الَّذِي هَلَكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ هو عَمُّهُ، ودَلَّ الأثَرُ الثّانِي عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِوالِدَيْهِ كانَ بَعْدَ هَلاكِ أبِيهِ بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ فَلَوْ كانَ الهالِكُ هو أبُوهُ الحَقِيقِيُّ لَمْ يَصِحَّ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الِاسْتِغْفارُ لَهُ أصْلًا، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الهالِكَ هو العَمُّ الكافِرُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالأبِ مَجازًا وذَلِكَ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ بَعْدَ المَوْتِ، وإنَّ المُسْتَغْفَرَ لَهُ إنَّما هو الأبُ الحَقِيقِيُّ ولَيْسَ بِآزَرَ، وكانَ في التَّعْبِيرِ بِالوالِدِ في آيَةِ الِاسْتِغْفارِ وبِالأبِ في غَيْرِها إشارَةٌ إلى المُغايَرَةِ ومِنَ النّاسِ مَنِ احْتَجَّ أنَّ آزَرَ ما كانَ والِدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ هَذِهِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شافَهَهُ بِالغِلْظَةِ والجَفاءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَكَ في عِباداتِها ﴿ فِي ضَلالٍ ﴾ عَظِيمٍ عَنِ الحَقِّ ﴿ مُبِينٍ ﴾ 47 - أيْ ظاهِرٍ لا اشْتِباهَ فِيهِ أصْلًا، ومُشافَهَةُ الأبِ بِالجَفاءِ لا يَجُوزُ لِما فِيهِ مِنَ الإيذاءِ، وآيَةُ التَّأْفِيفِ بِفَحْواها تَعُمُّ سائِرَ أنْواعِ الإيذاءاتِ كَعُمُومِها لِلْأبِ الكافِرِ والمُسْلِمِ، وأيْضًا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَعَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى فِرْعَوْنَ أمَرَهُ بِالرِّفْقِ مَعَهُ والقَوْلِ اللَّيِّنِ لَهُ رِعايَةً لِحَقِّ التَّرْبِيَةِ وهي في الوالِدِ أتَمُّ، وأيْضًا الدَّعْوَةُ بِالرِّفْقِ أكْثَرُ تَأْثِيرًا فَإنَّ الخُشُونَةَ تُوجِبُ النُّفْرَةَ فَلا تَلِيقُ مِن غَيْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ الأجانِبِ فَكَيْفَ تَلِيقُ مِنهُ مَعَ أبِيهِ وهو الأوّاهُ الحَلِيمُ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ الإيذاءِ المُحَرَّمِ في شَيْءٍ ولَيْسَ مُقْتَضى المَقامِ إلّا ذاكَ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الدّاعِيَ لِأمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللِّينِ مَعَ فِرْعَوْنَ مُجَرَّدُ رِعايَةِ حَقِّ التَّرْبِيَةِ، وقَدْ يَقْسُو الإنْسانُ أحْيانًا عَلى شَخْصٍ لِمَنفَعَتِهِ كَما قالَ أبُو تَمّامٍ: فَقَسا لِيَزْدَجِرُوا ومَن يَكُ حازِمًا فَلْيَقْسُ أحْيانًا عَلى مَن يَرْحَمُ وقالَ أبُو العَلاءِ المُعَرِّي: اضْرِبْ ولِيَدَكَ وادْلُلْهُ عَلى رُشْدٍ ولا تَقُلْ هو طِفْلٌ غَيْرُ مُحْتَلِمِ فَرُبَّ شِقٍّ بِرَأْسٍ جَرَّ مَنفَعَةً ∗∗∗ وقِسْ عَلى شِقِّ رَأْسِ السَّهْمِ والقَلَمِ وقالَ أبُو خَفاجَةَ الأنْدَلُسِيُّ: نَبِّهْ ولِيَدَكَ مِن صِباهُ بِزَجْرِهِ ∗∗∗ فَلَرُبَّما أغْفى هُناكَ ذَكاؤُهُ وانْهَرْهُ حَتّى تَسْتَهِلَّ دُمُوعُهُ ∗∗∗ في وجْنَتَيْهِ وتَلْتَظِي أحْشاؤُهُ فالسَّيْفُ لا يَذْكُو بِكَفِّكَ نارُهُ ∗∗∗ حَتّى يَسِيلَ بِصَفْحَتَيْهِ ماؤُهُ وكَوْنُ الرِّفْقِ أكْثَرَ تَأْثِيرًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى الِإطْلاقِ فَإنَّ المَقاماتِ مُتَفاوِتَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تارَةً: ﴿ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ وأُخْرى ﴿ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ نَعَمْ لَوِ ادُّعِيَ أنَّ ما ذُكِرَ مُؤَيِّدٌ لَكَوْنِ آزَرَ لَيْسَ أبًا حَقِيقِيًّا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَرُبَّما قُبِلَ، وحَيْثُ ادُّعِيَ أنَّهُ حُجَّةٌ عَلى ذَلِكَ فَلا يُقْبَلُ فَتَدَبَّرْ، والرُّؤْيَةُ إمّا عِلْمِيَّةٌ والظَّرْفُ مَفْعُولُها الثّانِي، وإمّا بَصَرِيَّةٌ فَهو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، ومَنشَأُ ضَلالِ عَبَدَةِ الأصْنامِ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ أبِي مَعْشَرٍ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ المُنَجِّمِ البَلْخِيِّ في بَعْضِ كُتُبِهِ اعْتِقادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى جِسْمٌ؛ فَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ الإمامُ أنَّهُ قالَ: إنَّ كَثِيرًا مِن أهْلِ الصِّينِ والهِنْدِ كانُوا يُثْبِتُونَ الإلَهَ والمَلائِكَةَ إلّا أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ جِسْمٌ ذُو صُورَةٍ كْأحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ الصُّوَرِ، ولِلْمَلائِكَةِ أيْضًا صُوَرٌ حَسَنَةٌ إلّا أنَّهم كُلَّهم مُحْتَجِبُونَ بِالسَّماواتِ عِنْدَهم فَلا جَرَمَ اتَّخَذُوا صُوَرًا وتَماثِيلَ أنِيقَةَ المَنظَرِ حَسَنَةَ الرِّواءِ والهَيْكَلِ وجَعَلُوا الأحْسَنَ هَيْكَلَ الإلَهِ وما دُونَهُ هَيْكَلُ المَلَكِ وواظَبُوا عَلى عِبادَةِ ذَلِكَ قاصِدِينَ الزُّلْفى مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنَ المَلائِكَةِ.

وذَكَرَ الإمامُ نَفْسُهُ في أصْلِ عِبادَةِ الأصْنامِ أنَّ النّاسَ رَأوْا تَغَيُّراتِ أحْوالِ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ مَرْبُوطَةً بِتَغَيُّراتِ أحْوالِ الكَواكِبِ فَزَعَمُوا ارْتِباطَ السَّعادَةِ والنُّحُوسَةِ بِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها في الطَّوالِعِ.

ثُمَّ غَلَبَ عَلى ظَنِّ أكْثَرِ الخَلْقِ أنَّ مَبْدَأ حُدُوثِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ هو الِاتِّصالاتُ الفَلَكِيَّةُ والمُناسِباتُ الكَوْكَبِيَّةُ؛ فَبالَغُوا في تَعْظِيمِ الكَواكِبِ.

ثُمَّ مِنهم مَنِ اعْتَقَدَ أنَّها واجِبَةُ الوُجُودِ لِذاتِها، ومِنهم مَنِ اعْتَقَدَ حُدُوثَها وكَوْنَها مَخْلُوقَةً لِلْإلَهِ الأكْبَرِ إلّا أنَّهم قالُوا: إنَّها مَعَ ذَلِكَ هي المُدَبِّرَةُ لَأحْوالِ العالَمِ.

وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ اشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها ولَمّا رَأوْها قَدْ تَغِيبُ عَنِ الأبْصارِ اتَّخَذُوا لِكُلِّ كَوْكَبٍ صَنَمًا مِنَ الجَوْهَرِ المَنسُوبِ إلَيْهِ بِزَعْمِهِمْ وأقْبَلُوا عَلى عِبادَتِهِ وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ عِبادَةُ تِلْكَ الكَواكِبِ والتَّقَرُّبُ إلَيْها.

ولِهَذا أقامَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الأدِلَّةَ عَلى أنَّ الكَواكِبَ لا تَأْثِيرَ لَها البَتَّةَ في أحْوالِ هَذا العالَمِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ ﴾ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ أنَّ الكَواكِبَ مُسَخَّرَةٌ.

وعَلى أنَّها لَوْ قُدِّرَ صُدُورُ فِعْلٍ مِنها وتَأْثِيرٌ في هَذا العالَمِ لا تَخْلُو عَنْ دَلائِلِ الحُدُوثِ وكَوْنِها مَخْلُوقَةً فَيَكُونُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الفَرْعِ دُونَ عِبادَةِ الأصْلِ ضَلالًا مَحْضًا.

ويُرْشِدُ إلى أنَّ حاصِلَ دِينِ عَبَدَةِ الأصْنامِ ما ذُكِرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ حَكى تَوْبِيخَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ عَلى اتِّخاذِها؛ أقامَ الدَّلِيلَ عَلى أنَّ الكَواكِبَ والقَمَرَ لا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنها لِلْإلَهِيَّةِ.

وأنا أقُولُ: لَعَلَّ هَذا سَبَبٌ في عِبادَةِ الأصْنامِ أوَّلًا.

وأمّا سَبَبُ عِبادَةِ العَرَبِ لَها فَغَيْرُ ذَلِكَ.

قالَ ابْنُ هِشامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ - وهو أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ- خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلى الشّامِ في بَعْضِ أسْفارِهِ فَلَمّا قَدِمَ أرْضَ البَلْقاءِ وبِها يَوْمَئِذٍ العَمالِقَةُ أوْلادُ عِمْلاقٍ ويُقالُ عِمْلِيقُ بْنُ وُدِّ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ رَآهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ فَقالَ لَهم: ما هَذِهِ الَّتِي أراكم تَعْبُدُونَ؟

فَقالُوا: هَذِهِ الأصْنامُ نَعْبُدُها ونَسْتَمْطِرُ بِها فَتُمْطِرُنا ونَسْتَنْصِرُ بِها فَتَنْصُرُنا فَقالَ لَهم: ألا تُعْطُونِي مِنها صَنَمًا فَأسِيرُ بِهِ إلى أرْضِ العَرَبِ فَيَعْبُدُونَهُ فَأعْطَوْهُ صَنَمًا يُقالُ لَهُ هُبَلٌ فَقَدِمَ بِهِ مَكَّةَ فَنَصَبَهُ وأمَرَ النّاسَ بِعِبادَتِهِ.

وقالَ ابْنُ إسْحَقَ: يَزْعُمُونَ أنَّ أوَّلَ ما كانَتْ عِبادَةُ الحِجارَةِ في بَنِي إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَظْعَنُ مِن مَكَّةَ ظاعِنٌ مِنهم حِينَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ والتَمَسُوا الفُسَحَ في البِلادِ إلّا حَمَلَ مَعَهُ حَجَرًا مِن حِجارَةِ الحَرَمِ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ فَحَيْثُ ما نَزَلُوا وضَعُوهُ فَطافُوا بِهِ كَطَوافِهِمْ بِالكَعْبَةِ حَتّى خَلَفَهُمُ الخَلَفُ ونَسُوا ما كانُوا عَلَيْهِ واسْتَبْدَلُوا بِدِينِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ غَيْرَهُ فَعَبَدُوا الأوْثانَ فَصارُوا عَلى ما كانَتِ الأُمَمُ قَبْلَهم مِنَ الضَّلالاتِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ وكان اسم أبيه تارح بن ناخور بلغة قومه، وبلغة غيرهم كان آزر.

وقال السدي: كان اسم أبيه آزر.

وهكذا قال الكلبي.

وقال بعضهم: لم يكن آزر اسم أبيه، ولكن كان اسم كبير أصنامهم.

فقال أبوه لإبراهيم: ربي آزر.

فقال إبراهيم على وجه التعجب: آزر.

أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً وقال مجاهد: آزر ليس اسم أبيه، وإنما هو اسم صنم.

وقال الضحاك عن ابن عباس: أن في هذه الآية تقديماً فكأنه قال: أتتخذ آزر أصناماً آلهة يعني: أتتخذ الصنم إلهاً.

ويقال: آزر بلغتهم المخطئ الضال.

ومعناه: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ يا آزر المخطئ أتتخذ أصناماً آلهة.

وقرأ الحسن ويعقوب الحضرمي: آزَرَ بالضم ويكون معناه: وَإِذْ قَالَ إبراهيم لاِبِيهِ: يا آزر.

والقراءة المعروفة بالنصب لأنه على ميزان أفعل.

ينصرف فصار نصباً.

وهو بموضع الخفض.

ولأنه اسم أعجمي فلا ينصرف.

ثم قال إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: في خطأ وجهل بَيِّنٍ بعبادتكم الأصنام.

ثم قال وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ والملكوت والملك بمعنى واحد.

إلا أن الملكوت أبلغ مثل: رَهَبُوت وَرَحَمُوت كما يقال في المثل: رَهَبُوت خير من رَحَمُوت يعني: لأن ترهب خير من أن ترحم.

يعني: لما أن إبراهيم برىء من دين أبيه أراه الله ملكوت السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: عجائب السموات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ يعني: لكي يكون من الموقنين.

والواو زيادة كقوله: وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [العنكبوت: 12] يعني: لكي نحمل، وكذلك هاهنا لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ يعني: حتى يثبت على اليقين.

قال بعضهم: صارت فرجة في السماء حتى رأى إلى سبع سماوات.

وصارت فرجة في الأرض حتى رأى إلى تحت الصخرة.

ويقال: حين عرج به إلى السماء، فنظر إلى عجائب السموات.

وروي عن عطاء أنه قال: لما رفع إبراهيم في ملكوت السماوات، أشرف على عبد يزني فدعا عليه، فهلك.

ثم أشرف على آخر يزني فدعا عليه، فهلك.

ثم رأى آخر فأراد أن يدعو عليه، فقال له ربه عز وجل: على رِسْلِك يا إبراهيم، فإنك مستجاب لك، وإني من عبدي على إحدى ثلاث خلال: إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن أُخرِج منه ذرية طيبة، وإما أن يتمادى فيما هو فيه، فأنا من ورائه أي أنا قادر عليه.

وروي عن سلمان الفارسي أنه قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السموات، رأى عَبْداً على فاحشة، فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة، فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه، قال الله تعالى: أنْزِلوا عبدي كي لا يهلك عبادي.

ويقال: إنه كان يقول: أنا أرحم الخلق.

فلما رأى المعصية فدعا عليهم، قال الله تعالى: إِنَّا أرحم بعبادي منك، اهبط لعلّهم يرجعون.

ويقال إن نمرود بن كنعان قالت له كهنته: يولد في هذه السنة غلام ينازعك في ملكك، فأمر بذبح كل غلام يولد في تلك السنة.

ويقال: رأى في المنام، أن كبشاً دخل عليه، فنطح سريره بقرنه، فسأل المعبِّرين فأخبروه، أنه يولد غلام ينازعك في ملكك.

فأمر بذبح كل غلام يولد.

فحملت أم إبراهيم بإبراهيم، ولم يتبيّن حملها، ولم يعرف أحد أنها حامل، حتى أخذها الطَّلْق فخرَّت إلى جبل من الجبال، ودخلت في غار فولدت إبراهيم.

وخرجت ووضعت صخرة على باب الغار.

فجاءه جبريل-  - ووضع إبهامه في فمه، وكان يمصه ويخرج منه اللبن، وكان يجعل سبّابته في فمه فيمصها، ويخرج منها العسل.

حتى كبر وأدرك في أيام قليلة.

ويقال: إن أمه كانت تختلف إليه وترضعه حتى أرضعته سنتين، وتحمل إليه الطعام حتى أدرك في المدة التي يدرك فيها الصبيان فخرج من الغار فنظر إلى السماء، وإلى الأرض، وإلى الجبال، فتفكَر في نفسه ثم قال: إِنَّ لهذه الأشياء خالقاً خلقها.

والذي خلق هذه الأشياء هو الذي خلقني فذلك قوله وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ وكان في ذلك التفكير إذا نظر إلى نجم يضيء وهو المشتري، فرآه أضوَأ الكواكب.

وقد علم أن الله تعالى أعلى الأشياء ولا يشبهه شيء من خلقه.

ورأى الكواكب أعلى الأشياء وكان أحسنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ لِلصَّعْقِ ثُمَّ لِلْبَعْثِ» «١» ، وباقي الآية بيّن.

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)

وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، قال الطبري «٢» : نبه الله نبيّنا محمدا صلّى الله عليه وسلّم على الاقتداء بإبراهيم في محاجّته قومه إذا كانوا أهل أصنام، وكان قوم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أهل أصنام، وقوله: أَصْناماً آلِهَةً:

مفعولانِ، وذُكِرَ أن آزر أبا إبراهيِمَ- عليه السلام- كَانَ نَجَّاراً محسناً، ومهنْدِساً، وكان نُمْرُود يتعلَّق بالهندسةِ والنجُومِ، فحَظِيَ عنده آزر لذلك، وكان على خُطَّةِ عملِ الأَصنامِ تُعْمَلُ بأمره وتَدْبيره، ويَطْبَع هو في الصنمِ بخَتْمٍ معلومٍ عنده وحينئذٍ يُعْبَدُ ذلك الصنمُ، فلما نشأ إبراهيمُ ابنه على الصفة التي تأتي بعْدُ، كان أبوه يكلِّفه ببيعها، فكان إبراهيم ينادِي عليها: مَنْ يَشْتَري ما يضرُّه ولا ينفعه، ويستخفُّ بها، ويجعلها في الماءِ منكوسةً، ويقول لها: اشربي، فلما اشتهر أمْرُه بذلك، وأخذ في الدعاءِ إلى اللَّه عزَّ وجلَّ، قال لأبيه هذه المقالة، وأَراكَ في هذا الموضعِ: يشترك فيها القلبُ والبصرُ، ومُبِينٍ: بمعنى:

ظاهر واضح.

وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: الآيةُ المتقدِّمةُ تقْضِي بهدايةِ إبْرَاهيم- عليه السلام-، والإشارةُ ب «ذلك» هي إلى تلك الهداية، أي: وكما هدَيْنَاه إلى الدعاء إلى الله وإنكار الكفر، أريناه ملكوت، ونُرِي: لفظها: الاستقبال، ومعناها: المضيُّ، وهذه الرؤْية قيل: هي رؤية البَصَر، ورُوِيَ في ذلك أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ فرج لإِبراهيم- عليه السلام- السمواتِ والأرْضَ حتى رأَى ببَصَره الملكوتَ الأعلى، والملكوتَ الأسفلَ وهذا هو قولُ مجاهدٍ «٣» قال: تفرّجت له السموات والأرضون، فرأى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ ﴾ في آَزَرَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ أبِيهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْمُ صَنَمٍ، فَأمّا اسْمُ أبِي إبْراهِيمَ، فَتارِحُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

فَيَكُونُ المَعْنى: أتَتَّخِذُ آَزَرَ أصْنامًا؟

فَكَأنَّهُ جَعَلَ أصْنامًا بَدَلًا مِن آَزَرَ، والِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ الإنْكارُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ، إنَّما هو سَبٌّ بِعَيْبٍ، وفي مَعْناهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المُعْوَجُّ، كَأنَّهُ عابَهُ نَرِيغُهُ وتَعْوِيجُهُ عَنِ الحَقِّ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّهُ المُخْطِئُ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا مُخْطِئٌ أتَتَّخِذُ أصْنامًا؟

ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَقَبٌ لِأبِيهِ، ولَيْسَ بِاسْمِهِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قَدْ يَغْلُبُ عَلى اسْمِ الرَّجُلِ لَقَبُهُ، حَتّى يَكُونَ بِهِ أشْهَرَ مِنهُ بِاسْمِهِ.

والجُمْهُورُ عَلى قِراءَةِ "آَزَرَ" بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ فَمَوْضِعُ "آَزَرَ" خَفْضٌ بَدَلًا مِن أبِيهِ؛ ومَن رَفَعَ فَعَلى النِّداءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ اَلْعامِلُ في "وَإذْ"؛ فِعْلٌ مُضْمَرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ"؛ أو: "قُصَّ"؛ قالَ الطَبَرِيُّ: نَبَّهَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الِاقْتِداءِ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ في مُحاجَّتِهِ قَوْمَهُ؛ إذْ كانُوا أهْلَ أصْنامٍ؛ وكانَ قَوْمُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أهْلَ أصْنامٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ يَلْزَمُ هَذا مِن لَفْظِ الآيَةِ؛ أما إنَّ جَمِيعَ ما يَجِيءُ مِن مِثْلِ هَذا عُرْضَةٌ لِلِاقْتِداءِ.

وقَرَأ السَبْعَةُ؛ وجُمْهُورُ الناسِ: "آزَرَ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ الَّتِي قَبْلَ الألِفِ؛ وفَتْحِ الزايِ؛ والراءِ؛ قالَ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ إسْحاقَ ؛ وسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: هو اسْمُ أبِي إبْراهِيمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ ثَبَتَ أنَّ اسْمَهُ "تارَحُ"؛ فَلَهُ عَلى هَذا القَوْلِ اسْمانِ؛ كَـ "يَعْقُوبُ"؛ و"إسْرائِيلُ"؛ وهو في الإعْرابِ - عَلى هَذا - بَدَلٌ مِنَ الأبِ المُضافِ؛ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ وهو اسْمُ عَلَمٍ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ هو اسْمُ صَنَمٍ؛ وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أتَتَّخِذُ آزَرَ؟

أتَتَّخِذُ أصْنامًا؟".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا ضَعْفٌ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هو صِفَةٌ؛ ومَعْناهُ هُوَ: اَلْمُعْوَجُّ؛ المُخْطِئُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُعْتَرَضُ هَذا بِأنَّ "آزَرَ"؛ إذا كانَ صِفَةً؛ فَهو نَكِرَةٌ؛ ولا يَجُوزُ أنْ تَنْعَتَ المَعْرِفَةَ بِالنَكِرَةِ؛ ويُوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى تَحامُلٍ بِأنْ يُقالَ: زِيدَتْ فِيهِ الألِفُ واللامُ؛ وإنْ لَمْ يُلْفَظْ بِها؛ وإلى هَذا أشارَ الزَجّاجُ ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: "لِأبِيهِ المُخْطِئِ"؛ وبِأنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أذُمُّ المُعْوَجَّ"؛ أو: "اَلْمُخْطِئَ"؛ ولا تَبْقى فِيهِ الصِفَةُ بِهَذِهِ الحالُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقِيلَ: نَصْبُهُ عَلى الحالِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ؛ وهو في حالِ عِوَجٍ؛ وخَطَإٍ".

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ بِضَمِّ الراءِ؛ عَلى النِداءِ؛ ويَصِحُّ - مَعَ هَذا - أنْ يَكُونَ "آزَرَ"؛ اِسْمَ أبِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "اَلْمُعْوَجُّ"؛ و"اَلْمُخْطِئُ"؛ وقالَ الضَحّاكُ: "آزَرَ"؛ بِمَعْنى: "شَيْءٌ"؛ ولا يَصِحُّ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "آزَرَ"؛ صِفَةً؛ وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "يا آزَرُ"؛ بِثُبُوتِ حَرْفِ النِداءِ؛ "اِتَّخَذْتَ أصْنامًا"؛ بِالفِعْلِ الماضِي؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - فِيما رُوِيَ عنهُ أيْضًا -: "أأزْرًا تَتَّخِذُ"؛ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ؛ وفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن "أزْرًا"؛ وسُكُونِ الزايِ؛ ونَصْبِ الراءِ؛ وتَنْوِينِها؛ وإسْقاطِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ مِن "أتَتَّخِذُ"؛ ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: "أعَضُدًا؛ وقُوَّةً؛ ومُظاهَرَةً عَلى اللهِ تَعالى ؛ تَتَّخِذُ...؟"؛ وهو مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ اشْدُدْ بِهِ أزْرِي  ﴾ ؛ وقَرَأ أبُو إسْماعِيلَ - رَجُلٌ مِن أهْلِ الشامِ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن هَذا التَرْتِيبِ؛ ذَكَرَها أبُو الفُتُوحِ؛ ومَعْناها أنَّها مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ؛ كَـ "وِسادَةٌ"؛ و"إسادَةٌ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "أوِزْرًا ومَأْثَمًا تَتَّخِذُ أصْنامًا؟"؛ ونَصْبُهُ - عَلى هَذا - بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ ورُوِيَتْ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "إزْرًا تَتَّخِذُ"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وسُكُونِ الزايِ؛ دُونَ ألِفِ تَوْقِيفٍ؛ و"أصْنامًا آلِهَةً"؛ مَفْعُولانِ.

وذُكِرَ أنَّ آزَرَ؛ أبا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ نَجّارًا مُحْسِنًا؛ ومُهَنْدِسًا؛ وكانَ نَمْرُودُ يَتَعَلَّقُ بِالهَنْدَسَةِ والنُجُومِ؛ فَحَظِيَ عِنْدَهُ آزَرُ لِذَلِكَ؛ وكانَ عَلى خُطَّةِ عَمَلِ الأصْنامِ؛ تُعْمَلُ بِأمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ؛ ويَطْبَعُ هو في الصَنَمِ بِخَتْمٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ؛ وحِينَئِذٍ يُعْبَدُ ذَلِكَ الصَنَمُ؛ فَلَمّا نَشَأ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - ابْنُهُ - عَلى الصِفَةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدُ؛ كانَ أبُوهُ يُكَلِّفُهُ بِبَيْعِها؛ فَكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - يُنادِي عَلَيْها: "مَن يَشْتَرِي ما يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ؟"؛ ويَسْتَخِفُّ بِها؛ ويَجْعَلُها في الماءِ مَنكُوسَةً؛ ويَقُولُ: "اِشْرَبِي"؛ فَلَمّا شُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ؛ وأخَذَ - عَلَيْهِ السَلامُ - في الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى ؛ قالَ لِأبِيهِ هَذِهِ المَقالَةَ.

و"أراكَ" - في هَذا المَوْضِعِ - يَشْتَرِكُ فِيها البَصَرُ؛ والقَلْبُ؛ لِأنَّها رُؤْيَةُ قَلْبٍ؛ ومَعْرِفَتُهُ؛ وهي مُتَرَكِّبَةٌ عَلى رُؤْيَةِ بَصَرٍ؛ و"مُبِينٍ"؛ بِمَعْنى: واضِحٍ؛ ظاهِرٍ؛ وهو مِن "أبانَ الشَيْءُ"؛ إذا ظَهَرَ؛ لَيْسَ بِالفِعْلِ المُتَعَدِّي المَنقُولِ مِن: "بانَ؛ يَبِينُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَنقُولَ؛ ويَكُونَ المَفْعُولُ مُقَدَّرًا؛ تَقْدِيرُهُ: "فِي ضَلالٍ مُبِينٍ كُفْرَكُمْ".

وَقِيلَ: كانَ آزَرُ رَجُلًا مِن أهْلِ "كَوْثًا"؛ مِن سَوادِ الكُوفَةِ؛ قالَ النَقّاشُ: وبِها وُلِدَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقِيلَ: كانَ مِن أهْلِ "حَرّانَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ ؛ اَلْآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ تَقْضِي بِهِدايَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والإشارَةُ هُنا بِـ "ذَلِكَ"؛ هي إلى تِلْكَ الهِدايَةِ؛ أيْ: "وَكَما هَدَيْناهُ إلى الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى وإنْكارِ الكُفْرِ؛ أرَيْناهُ مَلَكُوتَ..."؛ و"نُرِي"؛ لَفْظُها الِاسْتِقْبالُ؛ ومَعْناها المُضِيُّ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ المَعْنى: "وَكَما هَدَيْناكَ يا مُحَمَّدُ؛ فَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ...".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا بَعِيدٌ؛ إذِ اللَفْظُ لا يُعْطِيهِ؛ و"نُرِي"؛ هُنا مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولَيْنِ؛ لا غَيْرُ؛ فَهي إمّا مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ؛ وإمّا مِن "أرى"؛ اَلَّتِي هي بِمَعْنى "عَرَّفَ"؛ ولَوْ كانَتْ مِن "أرى"؛ بِمَعْنى "أعْلَمَ"؛ وجَعَلَنا "أعْلَمَ" مَنقُولَةً مِن "عَلِمَ"؛ اَلَّتِي تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ لَوَجَبَ أنْ تَتَعَدّى "أرى"؛ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ الثالِثَ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ إذْ هو الخَبَرُ في الجُمْلَةِ الَّتِي يَدْخُلُ عَلَيْها "عَلِمْتُ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ وإنَّما هي مِن "عَلِمَ"؛ بِمَعْنى "عَرَفَ"؛ ثُمَّ نُقِلَتِ الهَمْزَةِ؛ فَتَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ؛ ثُمَّ جُعِلَتْ "أرى"؛ بِمَنزِلَتِها؛ في هَذِهِ الحالِ.

وهَذِهِ الرُؤْيَةُ: قِيلَ: رُؤْيَةُ البَصَرِ؛ ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - فَرَجَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - السَماواتِ والأرْضِينَ؛ حَتّى رَأى بِبَصَرِهِ المَلَكُوتَ الأعْلى؛ والمَلَكُوتَ الأسْفَلَ؛ فَإنْ صَحَّ هَذا المَنقُولُ؛ فَفِيهِ تَخْصِيصٌ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ بِما لَمْ يُدْرِكْهُ غَيْرُهُ قَبْلَهُ؛ ولا بَعْدَهُ؛ وهَذا هو قَوْلُ مُجاهِدٍ ؛ قالَ: "تَفَرَّجَتْ لَهُ السَماواتُ والأرْضُونَ؛ فَرَأى مَكانَهُ في الجَنَّةِ"؛ وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ ؛ وقِيلَ: هي رُؤْيَةُ بَصَرٍ في ظاهِرِ المَلَكُوتِ؛ وقَعَ لَهُ مَعَها مِنَ الِاعْتِبارِ؛ ورُؤْيَةِ القَلْبِ؛ ما لَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ مِن أهْلِ زَمَنِهِ؛ الَّذِينَ بُعِثَ - عَلَيْهِ السَلامُ - إلَيْهِمْ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ؛ فَفي هَذا تَخْصِيصٌ ما؛ عَلى جِهَةِ التَقْيِيدِ بِأهْلِ زَمَنِهِ؛ وقِيلَ: هي رُؤْيَةُ قَلْبٍ؛ رَأى بِها مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ؛ بِفِكْرَتِهِ؛ ونَظَرِهِ؛ وذَلِكَ - ولا بُدَّ - مُتَرَكِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن رُؤْيَتِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِبَصَرِهِ؛ وإدْراكِهِ في الجُمْلَةِ بِحَواسِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذانِ القَوْلانِ الأخِيرانِ يُناسِبانِ الآيَةَ؛ لِأنَّ الغايَةَ الَّتِي نُصِبَتْ لَهُ إنَّما هي أنْ يُؤْمِنَ؛ ويَكُونَ مِن جُمْلَةِ مُوقِنِينَ كَثَرَةٍ؛ والإشارَةُ - لا مَحالَةَ - إلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ؛ والمُؤْمِنِينَ؛ وبَعْدَهُ؛ واليَقِينُ يَقَعُ لَهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - ولِغَيْرِهِ بِالرُؤْيَةِ في ظاهِرِ المَلَكُوتِ؛ والِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى الصانِعِ؛ والخالِقِ؛ لا إلَهَ إلّا هو.

و"مَلَكُوتَ"؛ بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ كَـ "جَبَرُوتٌ"؛ و"رَهَبُوتٌ"؛ و"رَحَمُوتٌ"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: هو "مَلَكُوثى"؛ بِاليُونانِيَّةِ؛ أو بِالنَبَطِيَّةِ؛ وقَرَأ "مَلَكُوثَ"؛ بِالثاءِ مُثَلَّثَةً؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "مَلْكُوتَ"؛ بِإسْكانِ اللامِ؛ وهي لُغَةٌ؛ و"مَلَكُوتٌ": بِمَعْنى: "اَلْمُلْكُ"؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "لِفُلانٍ مَلَكُوتُ اليَمَنِ"؛ أيْ: مُلْكُهُ.

واللامُ في "وَلِيَكُونَ"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ أرَيْناهُ"؛ و"اَلْمُوقِنُ": اَلْعالِمُ بِالشَيْءِ عِلْمًا لا يُمْكِنُ أنْ يَطْرَأ لَهُ فِيهِ شَكٌّ؛ وقالَ الضَحّاكُ ؛ ومُجاهِدٌ أيْضًا: إنَّ الإشارَةَ هَهُنا بِـ "مَلَكُوتَ السَماواتِ"؛ هي إلى الكَواكِبِ؛ والشَمْسِ؛ والقَمَرِ؛ وهَذا راجِعٌ وداخِلٌ فِيما قَدَّمْناهُ مِن أنَّها رُؤْيَةُ بَصَرٍ في ظاهِرِ المَلَكُوتِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في تَفْسِيرِ ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ - قالَ: جَلّى لَهُ الأُمُورَ؛ سِرَّها وعَلانِيَتَها؛ فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِ الخَلائِقِ؛ فَلَمّا جَعَلَ يَلْعَنُ أصْحابَ الذُنُوبِ؛ قالَ اللهُ تَعالى "إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ هَذا"؛ فَرَدَّهُ لا يَرى أعْمالَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على الجمل السابقة التي أولاها ﴿ وكذّب به قومك وهو الحقّ ﴾ [الأنعام: 66] المشتملة على الحجج والمجادلة في شأن إثبات التوحيد وإبطال الشرك، فعُقّبت تلك الحجج بشاهد من أحوال الأنبياء بذكر مجادلة أول رسول أعلَن التوحيد وناظر في إبطال الشرك بالحجّة الدامغة والمناظرة الساطعة، ولأنَّها أعدل حجَّة في تاريخ الدين إذ كانت مجادلة رسول لأبيه ولقومه، وكانت أكبر حجّة على المشركين من العرب بأنّ أباهم لم يكن مشركاً ولا مُقِرّاً للشرك في قومه، وأعظم حجَّة للرسول صلى الله عليه وسلم إذ جاءهم بالإقلاع عن الشرك.

والكلام في افتتاح القصّة ب ﴿ إذْ ﴾ بتقدير اذْكُر تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربّك للملائكة إنٌّي جاعل في الأرض خليفة ﴾ في سورة [البقرة: 30].

وآزر} ظاهر الآية أنَّه أبو إبراهيم.

ولا شكّ أنّه عُرف عند العرب أنّ أبا إبراهيم اسمُه آزر فإنّ العرب كانوا معتنين بذكر إبراهيم عليه السلام ونسبِه وأبنائه.

وليس من عادة القرآن التعرّض لذكر أسماء غير الأنبياء فما ذكر اسمه في هذه الآية إلاّ لقصد سنذكره.

ولم يُذكر هذا الاسم في غير هذه الآية.

والذي في كتب الإسرائيليّين أنّ اسم أبي إبراهيم (تارح) بمثناة فوقية فألف فراء مفتوحة فحاء مهملة.

قال الزجاج: لا خلاف بين النسّابين في أنّ اسم أبي إبراهيم تارح.

وتبعه محمد بن الحسن الجويني الشافعي في «تفسير النكت».

وفي كلامهما نظر لأنّ الاختلاف المنفي إنَّما هو في أنّ آزر اسم لأبي إبراهيم ولا يقتضي ذلك أنه ليس له اسم آخر بين قومه أو غيرهم أو في لغة أخرى غير لغة قومه.

ومثل ذلك كثير.

وقد قيل: إنّ (آزر) وصف.

قال الفخر: قيل معناه الهرم بلغة خوارزم، وهي الفارسية الأصلية.

وقال ابن عطية عن الضحّاك: (آزر) الشيخ.

وعن الضحَّاك: أنّ اسم أبي إبراهيم بلغة الفرس (آزر).

وقال ابن إسحاق ومقاتل والكلبي والضحَّاك: اسم أبي إبراهيم تارح وآزر لقب له مثل يعقوب الملقب إسرائيل، وقال مجاهد: (آزر) اسم الصنم الذي كان يعبده أبو إبراهيم فلقّب به.

وأظهر منه أن يقال: أنَّه الصنم الذي كان أبو إبراهيم سادن بيته.

وعن سليمان التيْمي والفرّاء: (آزر) كلمةُ سبّ في لغتهم بمعنى المعْوَجّ، أي عن طريق الخير.

وهذا وهم لأنَّه يقتضي وقوع لفظ غير عربي ليس بعلم ولا بمعرّب في القرآن.

فإنّ المعرّب شرطه أن يكون لفظاً غير علم نقله العرب إلى لغتهم.

وفي «تفسير الفخر»: أنّ من الوجوه أن يكون (آزر) عمّ إبراهيم وأطلق عليه اسم الأب لأنّ العمّ قد يقال له: أب.

ونسب هذا إلى محمد بن كعب القرظي.

وهذا بعيد لا ينبغي المصير إليه فقد تكرّر في القرآن ذكر هذه المجادلة مع أبيه، فيبعد أن يكون المراد أنَّه عمّه في تلك الآيات كلِّها.

قال الفخر: وقالت الشيعة: لا يكون أحد من آباء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجداده كافراً.

وأنكروا أنّ (آزر) أب لإبراهيم وإنَّما كان عمّه.

وأمَّا أصحابنا فلم يلتزموا ذلك.

قلت: هو كما قال الفخر من عدم التزام هذا وقد بيّنتُ في «رسالة» لي في طهارة نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ الكفر لا ينافي خلوص النسب النبوي خلوصاً جبليّاً لأنّ الخلوص المبحوث عنه هو الخلوص ممَّا يتعيّر به في العادة.

والذي يظهر لي أنَّه: أنّ (تارح) لُقِّب في بلد غربة بلقب (آزر) باسم البلد الذي جاء منه، ففي «معجم ياقوت» آزر بفتح الزاي وبالراء ناحية بين سوق الأهواز ورامهرمز.

وفي الفصل الحادي عشر من سفر التكوين من التوراة أنّ بلد تارح أبي إبراهيم هو (أور الكَلْدَانيين).

وفي «معجم ياقوت» (أور) بضم الهمزة وسكون الواو من أصقاع رامهرمز من خوزستان».

ولعلّه هو أور الكلدانيين أو جزء منه أضيف إلى سكّانه.

وفي سفر التكوين أنّ (تارح) خرج هو وابنه إبراهيم من بلده أور الكلدانيين قاصديْن أرض كنعان وأنهما مرّا في طريقهما ببلد (حَاران) وأقاما هناك ومات تارح في حَاران.

فلعلّ أهل حاران دعَوه آزر لأنَّه جاء من صقع آزر.

وفي الفصل الثاني عشر من سفر التكوين ما يدلّ على أنّ إبراهيم عليه السلام نُبِّئ في حاران في حياة أبيه.

ولم يرد في التوراة ذكر للمحاورة بين إبراهيم وأبيه ولا بينه وبين قومه.

ولذا فالأظهر أن يكون ﴿ آزر ﴾ في الآية منادى وأنَّه مبني على الفتح.

ويؤيد ذلك قراءة يعقوب ﴿ آزر ﴾ مضموماً.

ويؤيّده أيضاً ما روي: أنّ ابن عباس قرأه أإزر بهمزتين أولاهما مفتوحة والثانية مكسورة، وروي: عنه أنَّه قرأه بفتح الهمزتين وبهذا يكون ذكر اسمه حكاية لخطاب إبراهيم إيّاه خطاب غلظة، فذلك مقتضى ذكر اسمه العلم.

وقرأ الجمهور ﴿ آزر ﴾ بفتح الراء وقرأه يعقوب بضمّها.

واقتصر المفسّرون على جعله في قراءة فتح الراء بياناً من ﴿ أبيه ﴾ ، وقد علمت أنَّه لا مقتضي له.

والاستفهام في ﴿ أتتَّخذ أصناماً آلهة ﴾ استفهام إنكار وتوبيخ.

والظاهر أنّ المحكي في هذه الآية موقف من مواقف إبراهيم مع أبيه، وهو موقف غلظة، فيتعيَّن أنَّه كان عندما أظهر أبوه تصلّباً في الشّرك.

وهو ما كان بعد أن قال له أبوه ﴿ لئن لم تنته لأرجمنَّك ﴾ [مريم: 46] وهو غير الموقف الذي خاطبه فيه بقوله: ﴿ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ﴾ الآيات في سورة [مريم: 42].

و ﴿ تتّخذ ﴾ مضارع اتّخذ، وهو افتعال من الأخذ، فصيغة الافتعال فيه دالَّة على التكلّف للمبالغة في تحصيل الفعل.

قال أهل اللغة: قلبت الهمزة الأصلية تاء لقصد الإدغام تخفيفاً وليَّنوا الهمزة ثم اعتبروا التاء كالأصلية فربما قالوا: تخذ بمعنى اتّخذ، وقد قرئ بالوجهين قوله تعالى: ﴿ لو شئت لاتَّخذت عليه أجراً ﴾ [الكهف: 77] و ﴿ قالوا أتتَّخذنا هزؤاً ﴾ في سورة [البقرة: 67] بأن نبيِّن استعمال (اتَّخذ) وتعديته في هذه السورة.

ومعنى تتّخذ هنا تصطفي وتختار؛ فالمراد أتعبد أصناماً.

وفي فعل تتّخذ } إشعار بأنّ ذلك شيء مصطنع مفتعل وأنّ الأصنام ليست أهلاً للإلهية.

وفي ذلك تعريض بسخافة عقله أن يجعل إلهه شيئاً هو صنعه.

والأصنام جمع صنم، والصنم الصورة التي تمثّل شكل إنسان أو حيوان، والظاهر أنّ اعتبار كونه معبوداً داخل في مفهوم اسم صنم كما تظافرت عليه كلمات أهل اللغة فلا يطلق على كلّ صورة، وفي «شفاء الغليل»: أنّ صنم مُعرّب عن (شَمَن)، وهو الوثن، أي مع قلب في بعض حروفه، ولم يذكر اللغة المعرّب منها، وعلى اعتبار كون العبادة داخلة في مفهوم الاسم يكون قوله ﴿ أصناماً ﴾ مفعول ﴿ تتَّخذ ﴾ على أن تتّخذ متعدّ إلى مفعول واحد على أصل استعماله ومحلّ الإنكار هو المفعول، أي ﴿ أصناماً ﴾ ، ويكون قوله ﴿ آلهة ﴾ حالاً من ﴿ أصناماً ﴾ مؤكّدة لمعنى صاحب الحال، أو بدلاً من ﴿ أصناماً ﴾ .

وهذا الذي يناسب تنكير ﴿ أصناماً ﴾ لأنَّه لو كان مفعولاً أوّل ل ﴿ تتّخذ ﴾ لكان معرّفاً لأنّ أصله المبتدأ.

وعلى احتمال أنّ الصنم اسم للصورة سواء عبدت أم لم تعبد يكون قوله ﴿ آلهة ﴾ مفعولاً ثانياً ل ﴿ تتّخذ ﴾ على أنّ ﴿ تتّخذ ﴾ مضمّن معنى تجعل وتصيِّر، أي أتجعل صوراً آلهة لك كقوله ﴿ أتعبدون ما تنحتون ﴾ [الصافات: 95].

وقد تضمَّن ما حكي من كلام إبراهيم لأبيه أنَّه أنكر عليه شيئين: أحدهما جعله الصور آلهة مع أنَّها ظاهرة الانحطاط عن صفة الإلهية، وثانيهما تعدّد الآلهة ولذلك جُعل مفعولا ﴿ تتّخذ ﴾ جَمْعَيْن، ولم يُقل: أتتّخذ الصنم إلهاً.

وجملة: ﴿ إنِّي أراك وقومك في ضلال ﴾ مبيِّنَة للإنكار في جملة: ﴿ أتتَّخذ أصناماً آلهة ﴾ .

وأكّد الإخبار بحرف التأكيد لما يتضمَّنه ذلك الإخبار من كون ضلالهم بيّناً، وذلك ممَّا ينكره المخاطب؛ ولأنّ المخاطب لَمَّا لم يكن قد سمع الإنكارَ عليه في اعتقاده قبْل ذلك يحسب نفسه على هدى ولا يحسب أنّ أحداً ينكر عليه ما هو فيه، ويظن أنّ إنكار ابنه عليه لا يبلغ به إلى حدّ أن يراه وقومه في ضلال مبين.

فقد يتأوّله بأنَّه رام منه ما هو أولَى.

والرؤية يجوز أن تكون بصرية قصد منها في كلام إبراهيم أنّ ضلال أبيه وقومه صار كالشيء المشاهَد لوضوحه في أحوال تقرّباتهم للأصنام من الحجارة فهي حالة مشاهد ما فيها من الضلال.

وعليه فقوله: ﴿ في ضلال مبين ﴾ في موضع الحال.

ويجوز كون الرؤية علمية، وقوله: ﴿ في ضلال مبين ﴾ في موضع المفعول الثاني.

وفائدة عطف ﴿ وقومك ﴾ على ضمير المخاطب مع العلم بأنّ رؤيته أباه في ضلال يقتضي أن يرى مماثليه في ضلال أيضاً لأنّ المقام مقام صراحة لا يكتفي فيه بدلالة الالتزام ولينبئه من أول وهلة على أنّ موافقة جمع عظيم إياه على ضلاله لا تعصّد دينه ولا تشكّك من ينكر عليه ما هو فيه.

و ﴿ مبين ﴾ اسم فاعل من أبان بمعنى بان، أي ظاهر.

ووصف الضلال ب ﴿ مبين ﴾ نداء على قوة فساد عقولهم حيث لم يتفطّنوا لضلالهم مع أنَّه كالمشاهد المرئي.

ومباشرتُه إيَّاه بهذا القول الغليظ كانت في بعض مجادلاته لأبيه بعد أن تقدّم له بالدعوة بالرفق، كما حكى الله عنه في موضع آخر ﴿ يا أبَت لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يُبصر ولا يغني عنك شيئاً يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتَّبعني أهْدك صراطاً سويّاً إلى قوله سلام عليك سأستغفر لك ربِّي إنَّه كان بي حفيّاً ﴾ [مريم: 42 47].

فلما رأى تصميمه على الكفر سلك معه الغلظة استقصاء لأساليب الموعظة لعلّ بعضها أن يكون أنجع في نفس أبيه من بعض فإنّ للنفوس مسالك ولمجال أنظارها ميادين متفاوتة، ولذلك قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ ادْعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ [النحل: 125]، وقال له في موضع آخر ﴿ واغلُظْ عليهم ﴾ [التوبة: 73].

فحكى الله تعالى عن إبراهيم في هذه الآية بعض مواقفه مع أبيه وليس في ذلك ما تنافي البُرور به لأنّ المجاهرة بالحقّ دون سبّ ولا اعتداء لا ينافي البرور.

ولم يزل العلماء يخطّئون أساتذتهم وأئمّتهم وآباءهم في المسائل العلمية بدون تنقيص.

وقد قال أرسطاليس في اعتراض على أفلاطون: أفلاطون صديق والحقّ صديق لكن الحقّ أصدق.

على أنّ مراتب برّ الوالدين متفاوتة في الشرائع.

وقد قال أبناء يعقوب ﴿ تالله إنَّك لفي ضلالك القديم ﴾ [يوسف: 95].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّ آزَرَ اسْمُ أبِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، قالَ مُحَمَّدٌ: كانَ رَجُلًا مِن أهْلِ كُوتى قَرْيَةٌ مِن سَوادِ الكُوفَةِ.

والثّانِي: أنَّ آزَرَ اسْمُ صَنَمٍ، وكانَ اسْمُ أبِيهِ تارِحَ، قالَ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ، وإنَّما هو صِفَةُ سَبٍّ بِعَيْبٍ، ومَعْناهُ مِعْوَجٌّ، كَأنَّهُ عابَهُ بِاعْوِجاجِهِ عَنِ الحَقِّ، قالَهُ الفَرّاءُ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ مِن إبْراهِيمَ - وهو نَبِيٌّ - سَبَّ أباهُ؟

قِيلَ: لِأنَّهُ سَبَّهُ بِتَضْيِيعِهِ حَقَّ اللَّهِ تَعالى، وحَقُّ الوالِدِ يَسْقُطُ في تَضْيِيعِ حَقِّ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ذَلِكَ وذاكَ وذا: إشاراتٌ، إلّا أنَّ ذا لِما قَرُبَ، وذَلِكَ لِما بَعُدَ، وذاكَ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ ما بَعُدَ.

وَفي المُرادِ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا فِيهِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَلَكُوتَ هو المُلْكُ بِالنَّبَطِيَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ المُلْكُ بِالعَرَبِيَّةِ، يُقالُ مُلْكٌ ومَلَكُوتٌ كَما يُقالُ رَهْبَةٌ ورَهَبُوتٌ، ورَحْمَةٌ ورَحَمُوتٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: رَهَبُوتُ خَيْرٍ مِن رَحَمُوتٍ، أيْ أنْ نُرْهَبَ خَيْرٌ مِن أنْ نُرْحَمَ، قالَهُ الأخْفَشُ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ آياتُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: هو الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أنَّ مَلَكُوتَ السَّماواتِ: القَمَرُ، والنُّجُومُ، والشَّمْسُ، ومَلَكُوتُ الأرْضِ: الجِبالُ، والشَّجَرُ، والبِحارُ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِنَ المُوقِنِينَ لِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ.

والثّانِي: مِنَ المُوقِنِينَ نُبُوَّتُهُ وصِحَّةُ رِسالَتِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: ذَكَرَ لَنا أنَّهُ رَأى الزُّهْرَةَ طَلُعَتْ عِشاءً.

﴿ قالَ هَذا رَبِّي ﴾ ومَعْنى جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، أيْ سَتْرِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً لِأنَّ الشَّجَرَ يَسْتُرُها، والجِنُّ لِاسْتِتارِهِمْ عَنِ العُيُونِ، والجُنُونِ لِأنَّهُ يَسْتُرُ العَقْلَ، والجَنِينَ لِأنَّهُ مَسْتُورٌ في البَطْنِ، والمِجَنِّ لِأنَّهُ يَسْتُرُ المُتَتَرِّسَ، قالَ الهُذَلِيُّ وماءٌ ورَدَتْ قُبَيْلَ الكَرى وقَدْ جَنَّهُ السُّدْفُ الأدْهَمُ وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذا رَبِّي ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ قالَ: هَذا رَبِّي في ظَنِّي، لِأنَّهُ في حالِ تَقْلِيبٍ واسْتِدْلالٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اعْتِقادًا أنَّهُ رَبُّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ في حالِ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ، لِأنَّ أُمَّهُ ولَدَتْهُ في مَغارَةٍ حَذَرًا عَلَيْهِ مِن نَمْرُودَ، فَلَمّا خَرَجَ عَنْهُ قالَ هَذا القَوْلَ قَبْلَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، لِأنَّها حالٌ لا يَصِحُّ فِيها كُفْرٌ ولا إيمانٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ بَعْدَ البُلُوغِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ قَوْلَ مُعْتَقَدٍ، وإنَّما قالَهُ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَإذا كانَ الكَوْكَبُ والشَّمْسُ والقَمَرُ وما لَمْ تَصْنَعْهُ يَدٌ ولا عَمِلَهُ بَشَرٌ لَمْ تَكُنْ مَعْبُودَةً لِزَوالِها، فالأصْنامُ الَّتِي هي دُونَها أوْلى ألّا تَكُونَ مَعْبُودَةً.

والخامِسُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَوْبِيخًا عَلى وجْهِ الإنْكارِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ وتَقْدِيرُهُ: أهَذا رَبِّي، كَما قالَ الشّاعِرُ: رَفَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لا تَرْعَ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوَجْهَ هم هُمْ بِمَعْنى أهم هُمْ؟

﴿ فَلَمّا أفَلَ ﴾ أيْ غابَ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفَلاتِ الدَّوالِكَ ﴿ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ يَعْنِي حُبَّ رَبٍّ مَعْبُودٍ، وإلّا فَلا حَرَجَ في مَحَبَّتِهِمْ غَيْرَ حُبِّ الرَّبِّ.

﴿ فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا ﴾ أيْ طالِعًا، وكَذَلِكَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ أيْ طَلَعَتْ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ كانَ أُفُولُها دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ عِبادَتُها وقَدْ عَبَدَها مَعَ العِلْمِ بِأُفُولِها خَلْقٌ مِنَ العُقَلاءِ؟

قِيلَ لِأنَّ تَغَيُّرَها بِالأُفُولِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها مُدَبَّرَةٌ مُحْدَثَةٌ، وما كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ إلَهًا مَعْبُودًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: آزر الصنم، وأبو إبراهيم اسمه يازر، وأمه اسمها مثلى، وامرأته استمها سارة، وسريته أم إسماعيل اسمها هاجر، وداود بن أمين، ونوح بن لمك ويونس بن متى.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: آزر لم يكن بأبيه ولكنه اسم صنم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: اسم أبيه تارح، وأسم الصنم آزر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ﴾ قال: ليس آزر بأبيه ولكن ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ﴾ وهن الآلهة، وهذا من تقديم القرآن، إنما هو إبراهيم بن تيرح.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سليمان التيمي أنه قرأ ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ﴾ قال: بلغني أنها أعوج، وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ قال: كان يقول أعضد، أتعتضد بالآلهة من دون الله لا تفعل؟

ويقول: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر وإنما اسمه تارح.

قال أبو زرعة: بهمزتين (أءزر).

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في الآية قال: آزر أبو إبراهيم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ ﴾ قال محمد بن إسحاق (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وقال سليمان (٨) (٩) قال أبو إسحاق (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقال ابن الأنباري: (قد يغلب على اسم الرجل لقبه حتى يكون به أشهر منه باسمه، فيمكن أن يكون آزر اسم أبي (١٤) (١٥) (١٦) (١) أخرجه الطبري 7/ 242، وابن أبي حاتم 4/ 1325 بسند جيد.

(٢) ذكره الثعلبي 179 ب، والبغوي 3/ 158، والقرطبي 7/ 22 عن الضحاك وابن إسحاق والكلبي.

(٣) في (ش): (تارخ) وأكثر المصادر تذكره بالحاء المهملة، قال ابن كثير في البداية والنهاية 1/ 142: (ابن عباس والجمهور على أن اسم أبيه تارح، وأهل الكتاب يقولون: تارخ بالخاء المعجمة) ا.

هـ.

بتصرف، وانظر: "عرائس المجالس" ص 72، و"تفسير مبهمات القرآن" 1/ 431.

(٤) ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 448، وذكره الماوردي 2/ 134، وابن الجوزي 3/ 70 عن الحسن والسدي.

(٥) أخرجه الطبري 7/ 242 بسند جيد، وذكره السمرقندي 1/ 495 عن السدي والكلبي.

(٦) ذكره الثعلبي 179 ب، والبغوي 3/ 158، وابن الجوزي 3/ 71، والقرطبي 7/ 22.

(٧) لفظ: (له) ساقط من (ش).

(٨) سليمان بن طرخان القيسي التيمي أبو المعتمر البصري، إمام عابد تابعي محدث علامة، وثقه وأثنى عليه العلماء، توفي سنة 143هـ، وله 97 سنة.

انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 252، و"الجرح والتعديل" 4/ 124، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 195، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 150، و"تهذيب التهذيب" 2/ 99.

(٩) أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1325 بسند صعيف، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 448، والثعلبي 179 ب، والبغوي 3/ 158.

(١٠) "معانى الزجاج" 2/ 265 بتصرف، وزاد: (وقيل: آزر: اسم صنم).

(١١) في (ش): (تارخ)، بالخاء المعجمة، وعند الزجاج بالمهملة.

(١٢) لفظ: (أن) ساقط من (أ).

(١٣) "معاني الفراء" 1/ 340.

(١٤) جاء في (أ): (أب)، في كل المواضع السابقة.

(١٥) في (ش): (تارخ)، في كل المواضع السابقة.

(١٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 66، وابن الجوزي 3/ 71، والراجح أن آزر اسم أبي إبراهيم، وهو علم وليس لقب؛ لأن ظاهر القرآن والمحفوظ عن أهل العلم وغيره مجرد احتمالات ودعوى تحتاج إلى دليل، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 7/ 242 - 243، وابن كثير 2/ 168، وغيرهما، وانظر: "المعارف" لابن قتيبة ص 30، وابن عطية 5/ 5251، و"المعرب" للجواليقي ص 134، والرازي 13/ 37، والقرطبي 7/ 22.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لأَبِيهِ آزَرَ ﴾ هو اسم أبي إبراهيم، فإعرابه عطف بيان أو بدل، ومنع من الصرف للعجمة والعلمية، لا للوزن لأنه وزنه فاعل نحو عابر وشالح، وقرئ بالرفع على النداء بالرفع على النداء، وقيل: أنه اسم صنم لأنه ثبت أن اسم أبي إبراهيم تارخ، فعلى هذا يحتمل أن يكون لقب به لملازمته له، أو أريد عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وذلك بعيد، ولا يبعد أن يكون له اثنان ﴿ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض ﴾ قيل: إنه فرج الله السموات والأرض حتى رأى ببصره الملك الأعلى والأسفل، وهذا يحتاج إلى صحة نقل، وقيل: رأى ما يراه الناس من الملكوت، ولكنه وقع له بها من الاعتبار والاستدلال ما لم يقع لأحد من أهل زمانه ﴿ وَلِيَكُونَ ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: وليكون من الموقنين فعلنا به ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أراك ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ لأبيه آزر ﴾ بالضم على النداء: يعقوب ﴿ رأى كوكباً ﴾ بإمالة الهمزة: أبو عمرو غير عباس والنجاري عن ورش.

وكذلك ﴿ رآه ﴾ و ﴿ رآك ﴾ وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وعباس وهبيرة من طريق الخراز بكسر الراء والهمزة.

وافق ابن ذكوان في ﴿ رأى ﴾ فقط وخالفهم فيما اتصلت بالكاف والهاء في سورة النجم.

وافق مجاهد والنقاش بالإمالة وكسر الراء في سورة "اقرأ باسم" ﴿ رأى القمر ﴾ و ﴿ رأى الشمس ﴾ ونحوهما بكسر الراء وفتح الهمزة: حمزة وخلف ونصر وعباس ويحي والخراز.

وروى خلف عن يحي بكسر الراء والهمزة ﴿ أتحاجوني ﴾ بتخفيف النون: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان.

الباقون: بإدغام نون الإعراب في نون الوقاية ﴿ وقد هدان ﴾ بالإمالة: علي.

وقرأ سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الحالين، وافق أبو عمرو ويزيد واسماعيل في الوصل.

﴿ درجات ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.

الوقوف: ﴿ آلهة ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الموقنين ﴾ ه ﴿ رأى كوكباً ﴾ ج لأن جواب "لما" قوله "رأى" مع اتحاد الكلام بلا عطف ﴿ ربي ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع فاء التعقيب فيها.

﴿ الآفلين ﴾ ه ﴿ هذا ربي ﴾ ج لذلك ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ هذا أكبر ﴾ ج لذلك ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ المشركين ﴾ ج لاحتمال الواو الحال أي وقد حاجه.

﴿ قومه ﴾ ط ﴿ هدان ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ شيئا ﴾ ط ﴿ علما ﴾ ط ﴿ تتذكرون ﴾ ه ﴿ سلطانا ﴾ ط للاستفهام بعد تمام الاستفهام ﴿ بالأمن ﴾ ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف التقدير: إن كنتم تعلمون فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿ تعلمون ﴾ ه لتناهي الاستفهام وابتداء إخبار، ولو وصل اتصل بما قبله ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ على قومه ﴾ ط ﴿ من نشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: إنه  كثيراً ما يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم صلوات الرحمن عليه لأنه يعرف بالفضل والتقدم عند جميع الطوائف، وذلك أنه سلم قلبه للرحمن ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان.

ثم إن بظاهر الآية يدل على أن اسم والد ابراهيم هو آزر، ومنهم من قال: اسمه تارح.

قال الزجاج: لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح، فمن الملحدة من طعن في هذا النسب لهذا السبب.

والجواب أن إجماع النسابة لا عبرة به لأن ذلك ينتهي إلى قول الواحد أو الأثنين - مثل وهب وكعب - أو غيرهما.

سلمنا أن اسمه كان "تارح" لكنه من المحتمل أن يكون أحدهما لقباً والآخر اسماً أصلياً، أو يكون آزر صفة مخصوصة في لغتهم كالمخطىء والمخذول.

وقيل: إن آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية وهذا عند من يجوز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب.

وقيل: إن آزر اسم صنم يجوز أن ينبز به للزومه عبادته، فإن من بالغ في محبة واحد فقد يجعل اسم المحبوب اسماً للمحب قال  ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم  ﴾ وقال الشاعر: أدعى بأسماء نبزاً في قبائلها *** كأن أسماء أضحت بعض أسمائي.

أو أريد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

وقيل: إن والد إبراهيم كان تارح وكان آزر عماً له والعم قد يطلق عليه اسم الأب بدليل قوله ﴿ نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق  ﴾ ومعلوم أن إسماعيل كان عماً ليعقوب.

ومما يدل على صحة ظاهر الآية أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا حراصاً متهالكين على تكذيب الرسول  وإظهار نقصه، فلو كان النسب كذباً لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه، وحيث لم يكذبوه علمنا أن النسب صحيح، قالت المعتزلة ومن يجري مجراهم: إن أحداً من آباء الرسول  ما كان كافراً وفسروا قوله ﴿ وتقلبك في الساجدين  ﴾ بانتقاله من ساجد إلى ساجد وأكدوه بما روي أنه  قال: "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وإن آزر كان عم إبراهيم وما كان والداً له لأن إبراهيم شافهه بالغلظة والجفاء في قوله: ﴿ إني أراك وقومك في ضلال مبين ﴾ وقد قال  ﴿ ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما  ﴾ ولأنه ناداه بالاسم في قراءة من قرأ "آزر" بالضم.

والنداء بالاسم دليل الاستخفاف ولهذا لم يقرأ بالضم في قوله ﴿ وقال موسى لأخيه هارون اخلفني  ﴾ وأجيب بأن قوله ﴿ وتقلبك في الساجدين  ﴾ يحتمل وجوهاً أخرى سوف يجيء ذكرها، وبأن قوله "لم أزل أنتقل" محمول على أنه لم يقع في نسبه ما كان سفاحاً.

والتغليظ من إبراهيم إنما كان لأجل إصرار أبيه على الكفر كما قال ﴿ فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه  ﴾ لا لأجل السفه والجفاء لقوله ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب  ﴾ ثم إن إبراهيم احتج على فساد اعتقاد عبدة الأصنام بقوله منكراً على آزر وقومه ﴿ أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ أي معبودين.

وذلك أن الأصنام لو كان لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافياً فلما لم يكن الواحد كافياً دل ذلك على عجزها وإن كثرت، واحتج بعضهم بالآية على وجوب معرفة الله  ،وعلى أن وجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع لأن إبراهيم حكم عليهم بالضلال من حيث النظر والاستدلال، وأجيب بأنه لعله عرف ضلالهم بحكم شرع الأنبياء المتقدمين عليه ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام والاشتغال بغير الله ﴿ نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ﴾ والنكتة فيه أن التخلي عن غير الله يوجب رفع الحجاب وبقدر ذلك يكون حصول التجلي والتحلي بالله وإنما لم يقل "أريناه" بلفظ الماضي لأنه أراد الحكاية كأنه قيل: كيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ في قوة الدين والذب عنه؟

فأجيب أنا كنا نريه الملكوت وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه، أو المقصود بيان ارتفاعه في معارج الكمال وازدياده في ذلك على سبيل الدوام والاستمرار فإن مخلوقاته تعالى وإن كانت متناهية في الذات وفي الصفات إلا أن جهات دلالاتها على ذاته وصفاته  غير متناهية كما قال إمام الحرمين: معلومات الله غير متناهية، ومعلوماته في تلك المعلومات أيضاً غير متناهية.

فإن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل، فكل تلك الأحوال التقديرية معلومة لله  ، وكل تلك الأحوال دالة على حكمة الله  وعظمة قدرته، وإذا كان الجوهر الفرد كذلك فكيف كل الملكوت!

ولهذا قيل: السفر إلى الله  له نهاية، فأما السفر في الله  فإنه بلا نهاية.

والملكوت هو الملك والتاء للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت ومن الرهبة.

قال بعضهم: إنه  أراه الملكوت بالعين.

قالوا: شق له تحت السموات حتى رأى العرش والكرسي إلى منتهى الأجرام العلوية، وشق له الأرض إلى ما تحت الثرى فرأى ما فيها من البدائع والعجائب.

عن ابن عباس أنه قال: لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وأري ما فيها وما في الأرض من العجائب رأى عبداً على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك، فقال الله  له: كف عن عبادي فهم بين خلال ثلاث: إما أن أجعل منهم ذرية طيبة، أو يتوبون فأغفر لهم، أو النار من ورائهم.

وقال الأكثرون: إن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة، لأن ملك السموات والأرض لا يرى وإنما يعرف بالعقل ولو أريد نفس السموات والأرض صار لفظ الملكوت ضائعاً.

وأيضاً قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ جارٍ مجرى الشرع والتفسير لتلك الإراءة فثبت أنه استدل بتغير الأجرام وإمكانها وحدوثها على وجود الإله الواجب الحكيم.

ثم قال بالآخرة ﴿ وتلك حجتنا ﴾ والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه.

وأيضاً الإراءة بالعين تفيد العلم الضروري بالإله القادر ومثل هذه المعرفة لا توجب المدح والثواب كما للكفار في الأخرة.

وأيضاً اليقين عبارة عن تحصيل علم بالتأمل إذا كان مسبوقاً بالشك، فالمراد نري إبراهيم ليستدل بها وليكون من الموقنين، أو ليكون من الموقنين نريه، أو فعلنا ذلك وذلك أن الإراءة قد تصير سبباً للجحود لا الإيقان كما في حق فرعون ﴿ ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى  ﴾ وأيضاً الإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال، وبتقدير الإمكان لا يكون لها دوام وبقاء، وبتقدير البقاء تكون شاغلة للرائي عن الله.

أما إذا نظر بعين البصيرة في المخلوقات وعرف حدوثها وإمكانها، وعرف أن كل ممكن يحتاج إلى الصانع الحق الواجب فكأنه بهاتين المقدمتين قد طالع صفحة الملكوت بعين عقله وسمعبأذن قلبه شهادتها بالاحتياج والانقياد لله، وهذه الرؤية باقية غير زائلة ولا شاغلة عن الله بل هي شاغلة للقلب والروح بالله.

وهذه الرؤية وإن كانت حاصلة لجميع الموحدين لقوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ إلا أن الاطلاع على تفاصيل آثار حكمة الله  في كل واحد من مخلوقات هذه العوالم بحسب أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها وعوارضها ولواحقها كما هي، لا تحصل إلا لأكابر الأنبياء ولهذا قال  في دعائه "أرني الأشياء كما هي" ثم إن الإنسان في أول استدلاله لا ينفك قلبه عن اختلاج شبهة فيه، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت كان لكل واحد منها نوع تأثير وقوة، ويكون جارياً مجرى تكرار الدرس الواحد وتزداد النفس بكل منها نوراً وإشراقاً وانبساطاً إلى أن يحصل الجزم ويكمل الإيقان وتطلع شمس العلم والعرفان إلى حيث أتيح لها من الارتقاء والتصاعد وذلك قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ قال في الكشاف: إنه معطوف على قوله ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ وقوله ﴿ وكذلك نرى ﴾ جملة وقعت اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه.

يقال: جن عليه الليل وأجنه الليل.

والتركيب يدور على الستر ومنه الجنة والجن والمجنون والجنين.

وقيل: جن عليه الليل أي أظلم عليه ولأجل هذا التضمين عدي بــ"على".

وأما "أجنة" فمعناه ستره من غير تضمين معنى أظلم.

واعلم أن كثيراً من المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه.

فأمر بذبح كل غلام يولد فحملت أم إبراهيم  به وما أظهرت حملها للناس، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر فجاء جبريل  فوضع أصبعه في فيه فمصه فخرج منه رزقه، وكان يتعهده جبريل  وكانت الأم تأتيه أحياناً وترضعه.

وبقي في الغار حتى كبر وعرف أن له رباً فسأل الأم فقال لها: من ربي؟

فقالت: أنا.

فقال: من ربك؟

فقالت: أبوك.

فقال لأبيه: من ربك؟

فقال: ملك البلد.

فعرف إبراهيم جهلهما بربهما.

فنظر من باب ذلك الغار ليرى ما يستدل به على وجود الرب  فرأى النجم الذي كان أصغر النجوم في السماء فقال: هذا ربي إلى آخر القصة.

ثم منهم من قال: كان هذا بعد البلوغ وأوان التكليف، ومنهم من قال: كان هذا قبل البلوغ.

وأكثر المحققين على فساد هذا القول لوجوه منها: أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر لا يجوز على الأنبياء بالاتفاق.

ومنها أن إبراهيم كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة لأن الله  أخبر عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد بالرفق مراراً بقوله ﴿ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر  ﴾ الآيات.

وفي هذا الموضع دعا أباه إلى التوحيد بالكلام الخشن، والدعوة بالرفق مقدمة على الدعوة بالخشونة والغلظة.

ومنها أن هذه الواقعة كانت بعد أن أراه ملكوت السموات والأرض بدليل فاء التعقيب في قوله ﴿ فلما جن ﴾ ومنها أنه تعالى وصفه بقوله ﴿ إذ جاء ربه بقلب سليم  ﴾ ومدحه بقوله ﴿ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل  ﴾ أي من أول زمان الفطرة.

ومنها قوله عقيب هذه القصة ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ﴾ ولم يقل "على نفسه".

ومنها أنه قال بعد القصة ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم.

ومنها قوله ﴿ وحاجة قومه ﴾ وفيه دليل على أنه إنما اشتغل بالنظر في الكواكب بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فقال ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ رداً وتنبيهاً على فساد قولهم، ويؤكده قوله ﴿ كيف أخاف ما أشركتم ﴾ لأنه يدل على أنهم كانوا قد خوفوه بالأصنام كما في قصة هود ﴿ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء  ﴾ ومنها أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، وكان ينبغي أن يستدل أوّلاً بغروب الشمس على عدم إلهيتها ثم يبطل إلهية القمر وسائر الكواكب بالطريق الأولى، ولما لم يكن كذلك علمنا أن المقصود إلزام القوم وإفحامهم.

والابتداء بأفول الكوكب لأنه اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلعت الشمس.

ثم ههنا احتمالان: الأول أن يقال إن هذا كلام إبراهيم بعد البلوغ ولكنه ذكره بلفظهم حتى يرجع إليه فيبطله، مثاله: أن يقول في مناظرة من يزعم قدم الجسم: الجسم قديم فإن كان كذلك فلم نشاهده ونراه متركباً متغيراً.

فقولك "الجسم قديم" إعادة لكلام الخصم لإلزام الحجة عليه، أو المراد هذا ربي في زعمكم واعتقادكم كقول الموحد للجسم: الإله جسم محدود أي في زعمه واعتقاده.

قال  ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي  ﴾ وقال ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم  ﴾ أي عند نفسك.

وكان  يقول: " يا إله الآلهة في زعمهم" .

أو المراد منه لاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام لدلالة الكلام، أو أضمر القول أي يقولون هذا ربي وإضمار القول كثير ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا  ﴾ أي يقولان ربنا ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم  ﴾ أي يقولون: ما نعبدهم ﴿ إلا ليقربونا  ﴾ أو ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء، أو أنه  قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة لم يقبلوا قوله فمال إلى الاستدراج وذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم مع أن إبراهيم كان مطمئناً بالإيمان فكان بمنزلة المكره على كلمة الكفر حيث لم يجد إلى الدعوة المأمور بها طريقاً سوى ذلك.

وإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة تعود إلى شخص واحد لقوله  ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ فلأن يجوز ذكرها لتخليص جم غفير من الكفر والعقاب الأبدي أولى.

قالت العلماء: إن المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر.

ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فههنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال حتى لو صلى وترك القتال أثم.

وإن من كان في الصلاة فرأى طفلاً أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذهما ومثل هذه الواقعة قوله ﴿ فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم  ﴾ وذلك أنهم كانوا يستدلون بعلم النجوم على الحوادث المستقبلة فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظاهر مع إنه كان بريئاً عنه في الباطن ليتوصل بذلك إلى كسر الأصنام قال المتكلمون: إنه يصح من الله  إظهار خوارق العادات على يد من يدعي الإلهية، لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على كذبه فلا يروج التلبيس ولكنه لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوّة كاذباً لأن التلبيس يروج حينئذ فكذا ههنا قوله ﴿ هذا ربي ﴾ لا يوجب الضلال لأن دلائل بطلانه جلية وفي ذلك استدراج لهم لقبول الدليل فكان جائزاً.

الاحتمال الثاني: أنه ذكر ذلك قبل البلوغ فلعله خطر بباله لشدة ذكائه قبل بلوغه إثبات الصانع  فتفكر فرأى النجم فقال ﴿ هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ﴾ ثم إنه  أكمل بلوغه في أثناء هذا الفكر فقال عند أفول الشمس ﴿ إني بريء مما تشركون ﴾ واعلم أن القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم  ولد في الغار وتركته أمه وكان جبريل يربيه محتملة في الجملة، لأن الإرهاص - وهو تقديم المعجز على وقت الدعوى - جائز عندنا.

ولم يجوّزه القاضي إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من الله  فتكون تلك الخوارق معجزة لذلك الرسول.

قال في الكشاف: فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟

قلت الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب.

وأنا أقول: الاحتجاج بالبزوغ في الآية لا يصح لأنه  بين أنه نظر إلى الكوكب وقت كونه طالعاً لا حين بزوغه ليلزم مشاهدة التغير والانتقال، وكذا إلى القمر وإلى الشمس دليله أنه لم يقل رأى القمر يبزغ بل بازغاً.

ولو سلم فإن أحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص والأوساط والعوام، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان فكل ممكن محتاج والمحتاج لا يجوز أن يكون منقطع الحاجات فلا بد من الانتهاء إلى الواجب بالذات.

وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة، فكل متحرك محدث وكل محدث فهو محتاج إلى القديم.

وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب، فكل كوكب يغرب فإنه يزول نوره ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن كان كذلك فإنه لا يصلح للإلهية، أقصى ما في الباب أن يقال:إن لهاتأثيرات في أحوال العالم السفلى، ولكن تلك التأثيرات لما لم تكن لها بذاتها لزم استناد الكل إلى الواجب  وهو الإله الأعظم القادر على خلق السموات والنجوم النيرات، فيجب أن يكون قادراً على خلق البشر وعلى تدبير السفليات بالطريق الأولى فلا يلزم من وضع الواسطة رفع المبدأ بحال،ويعلم من قوله ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ أنه  ليس بجسم وإلا كان غائباً عنا فكان آفلاً، وإنه لا يصح عليه المجيء والذهاب والنزول والصعود ولا الصفات المحدثة.

وفيه أن معارف الأنبياء استدلالية لا ضرورية وأنه لا سبيل إلى معرفته تعالى إلى النظر والاستدلال.

أما قوله ﴿ فلما رأى القمر بازغاً ﴾ يقال بزغ القمر أو الشمس إذا ابتدأ بالطلوع.

وأصل البزغ الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً قاله الأزهري.

وفي قوله ﴿ إن لم يهدني ربي ﴾ إشارة إلى أن الهداية ليست إلا من الله  .

والمعتزلة حملوها على التمكين وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل، وزيف بأن كل ذلك كان حاصلاً فالهداية التي كان يطلبها بعد ذلك لا بد أن تكون زائدة عليها ﴿ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ﴾ أراد هذا الطالع أو هذا المرئي، أو ذكر بتأويل الضياء والنور، أو باعتبار الخبر وهو رب مع رعاية الأدب وهو ترك التأنيث عند اللفظ الدال على الربوبية كما لم يقولوا في صفة الله علامة وإن كانت بتاء مبالغة ﴿ هذا أكبر ﴾ أي أكبر الكواكب جرماً ونوراً، وقد برهن في الهيئة على أنها مائة وستة وستون مثلاً لكرة الأرض كلها.

وإنما لم يقتصر على ذكر الشمس أوّلاً مع أنه يلزم منه عدم ربوبية ما دونها من القمر والكواكب، لأنه أراد الأخذ من الأدون إلى الأعلى لمزيد التقرير والتصوير ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ قيل: لا يلزم من نفي ربوبية النجوم نفي الشريك مطلقاً.

والجواب أن القوم لم ينازعوه إلا في الصور المذكورة، فلما أثبت أنها ليست أرباباً ثبت بالاتفاق نفي الشركاء على الإطلاق.

ومعنى ﴿ وجهت وجهي للذي فطر ﴾ وجهت عبادتي لأجله فإن من كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره فإنه يوجه وجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة.

وأصل الفطر الشق يقال: تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما، والحنيف المائل عن كل معبود سوى الله  .

قال أبو العالية: الذي يستقبل البيت في صلاته.

ثم إن قومه حاجوه متمسكين بالتقليد تارة كقولهم ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة  ﴾ وكقولهم للرسول  ﴿ أجعل الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عجاب  ﴾ ومخوّفين إياه بالأصنام أخرى فأجابهم بقوله ﴿ أتحاجوني في الله وقد هدان ﴾ أي لما ثبت بالدليل الموجب للهداية صحة قولي فكيف ألتفت إلى حجتكم الواهية؟

﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر ﴿ إلا أن يشاء ﴾ إلا وقت مشيئة ﴿ ربي ﴾ شيئاً يخاف.

فحذف المضاف أي إلا إن أذنبت فيشاء إنزال العقوبة بي، أو إلا أن يريد ابتلائي بمحنة، أو إلا أن يمكن بعض تلك الأصنام من ضري مثل أن يرجمني بكوكب، أو كان قد أودع فيها طلسم فيصيبني مكروه من جهته بإذن الله  ، وفائدة الاستثناء أنه لو حدث به شيء من المكاره في الأيام المستقبلة لم يحمله الحمقى والجهلة على قدرة الأصنام ﴿ وسع ربي كل شيء علماً ﴾ فلا يفعل إلا الخير والصلاح ﴿ أفلا تتذكرون ﴾ أن نفي الأنداد عن رب الأرباب لا يوجد حلول العقاب ونزول العذاب، وأن الصحيح لا يساوي الفاسد، والعاجز لا يساوي القادر؟

ثم أكد ذلك بقوله ﴿ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً ﴾ إذ لا سلطان فينزل.

وقيل: إنه لا يمتنع عقلاً أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للصلاة والدعاء، ولكنه لم يؤمر به.

والمعنى ما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم إلا من في موضع الخوف؟

ثم قال ﴿ فأي الفريقين ﴾ يعني فريقي المشركين والموحدين.

ولم يقل "فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم" اجتناباً عن تزكية نفسه.

والغرض إني أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية، والمعنى أن الذي حصل لهم الأمن المطلق هم المستجمعون لكمال القوة النظرية وسنامه الإيمان، ولكمال القوة العلمية وهو وضع الأشياء في موضعها وإليه الإشارة بقوله ﴿ ولم يلبسوا ﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم ﴿ بظلم ﴾ .

قالت الأشاعرة: شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم، ولو كان ترك الظلم داخلاً في الإيمان لم يكن لهذا التقييد فائدة فثبت أن الفاسق مؤمن.

وقالت المعتزلة: شرط في حصول الأمن حصول الأمرين: الإيمان وعدم الظلم.

فوجب أن لا يحصل إلا من الفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له أبداً.

وأجيب بأن الظلم ههنا الشرك لقوله ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ واجتماعه مع الإقرار بالصانع ممكن وحينئذ يصح إطلاق اللبس بمعنى الخلط ويكون المراد: الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا له شريكاً في المعبودية، ويؤيده أن القصة وردت في نفس الأضداد والأنداد.

وأيضاً لا يلزم من عدم الأمن المطلق حصول القطع بالعذاب الأبدي.

واعلم أن المحاجة في الله تارة تكون موجبة للذم والإنكار كمحاجة قوم إبراهيم، وتارة تكون موجبة للمدح وذلك إذا كان الغرض تقريراً لدين الحق والمذهب الصدق كمحاجة إبراهيم من قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ إلى ههنا وإليها الإشارة بقوله ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ﴾ أرشدناه إليها ووفقناه لها ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأنه رفع يتعدى إلى واحد، ومن قرأ بالتنوين فيكون كقوله ﴿ ورفع بعضهم درجات  ﴾ وقد تقدم في البقرة، واختلف في تلك الدرجات فقيل: أعماله في الآخرة، وقيل: تلك الحجج درجات رفيعة لأنها تقتضي ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني إلى أعلى العالم الروحاني، وقيل: نرفع من نشاء في الدنيا بالنبوة والحكمة، وفي الآخرة بالجنة والثواب.

أو نرفع درجات من نشاء بالحكمة والعلم ﴿ إن ربك حكيم عليم ﴾ فيرفع الدرجات بمقتضى الحكمة والعلم لا لموجب التشهي والشهوة.

التأويل: رأى إبراهيم ملكوت الأشياء أي بواطنها ليكون من الموقنين عند كشفها كما كان موقناً عند كشف الضلال المودع في آزر وقومه ﴿ فلما جن عليه ﴾ ظلمة ليل البشرية أمطر سحاب العناية غيث الهداية على أرض قلبه فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه، فرأى نور الرشد في صورة الكوكب طالعاً من أفق سماء روحانيته فقال: ﴿ هذا ربي ﴾ أراد به سره المكوكب لا الكوكب وإن لم يشعر به نفسه كما قيل: هوى فؤادي ولم يعلم به بدني *** فالجسم في غربة والروح في وطن فإن كذبت النفس فيما قالت للكواكب "هذا ربي" ما كذب الفؤاد ما رأى من الكوكب.

فقال ﴿ هذا ربي ﴾ فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب قال سره ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ فلما تسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر ﴿ قال هذا ربي فلما أفل ﴾ عند رجوعه إلى أوصافه ازداد الشوق قال إن ﴿ لم يهدني ربي ﴾ برفع حجب الأوصاف ويبقني على وجود الخليقة ﴿ لأكونن من القوم الضالين ﴾ عن الحق كآزر وقومه.

فلما انخرقت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية، وأشرقت أرض القلب بنور ربها ﴿ قال هذا ربي فلما أفلت ﴾ شمس الهداية تعززاً وتعظماً ليغرب إبراهيم  عن شرك الأنانية.

إن شمس النهار تغرب بالليل *** وشمس القلوب ليست تغيب.

تبرأ عن الأضداد والأنداد ونزعته همة الخلة عن الجهات وخلصه تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال.

فقال ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ وقد يدور في الخلد أن إبراهيم صلوات الله الرحمن عليه جن عليه ظلمة الشهبة فنظر أولاً في عالم الأجسام فوجدها آفلة في أفق التغير فلم يرها تصلح للإلهية، فارتقى منها إلى عالم النفوس المدبرة للأجسام فرآها آفلة في أفق الاستكمال فكان حكمها حكم ما دونها فصعد منها إلى عالم العقول المجردة، فصادفها آفلة في أفق الإمكان فلم يبقَ إلا الواجب الحق.

ومن الناس من حمل الكوكب على الحس، والقمر على الخيال، والشمس على الوهم والعقل، ومراده أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية القوة، ومدبر العالم قاهر لها مستولٍ عليها ﴿ وحاجة قومه ﴾ ليسبلوا ستور شبههم على شموس عرفانه، وقد هداني إليه بالعيان بعد توالي البرهان ﴿ إلا أن يشاء ربي شيئاً ﴾ من الخذلان وهذا محال لأنه ﴿ وسع ربي كل شيء علماً ﴾ فهو أعلم بأهل العرفان وبأصحاب الخذلان ﴿ ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان حتى قال لجبريل: أما إليك فلا ﴿ وتلك ﴾ يعني إراءة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق والتبري عما سواه والخلاص عن شرك الأنانية والإيمان الحقيقي بالعيان حتى ارتقى من الأفعال إلى الصفات ثم إلى الذات ﴿ آتيناها إبراهيم ﴾ بذاتنا من غير واسطة حتى جعلها حجة على قومه ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ بجذبات الألوهية عن حضيض الأنانية الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ ﴾ .

قيل: آزر: هو اسم أبي إبراهيم،  .

والحسن يقرأ: ﴿ آزَرَ ﴾ ، بالرفع ويجعله اسم أبيه.

وقال آخرون: هو اسم صنم، فهو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر أصنامناً آلهة.

وقوله: ﴿ أَتَتَّخِذُ ﴾ .

استعظاماً لما يعبد من الأصنام دون الله؛ لأن مثل هذا إنما يقال على العظيم من الفعل.

وقال أبو بكر الكيساني: قوله: ﴿ آزَرَ ﴾ قيل: هو اسم عيب عندهم؛ كأنه قال: يا ضال أتتخذ أصناماً آلهة؛ كقول الرجل لآخر: يا ضال.

وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة كان اسم أبيه أو اسم صنم.

وفي الآية دلالة أن أباه كان من رؤساء قومه بقوله: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

وفيه دلالة أن لا بأس للرجل أن يشتم أباه لمكان ربه؛ لأن إبراهيم -  - سماه ضالا.

وفيه دلالة أن الإيمان والتوحيد يلزم أهل الفترة في حال الفترة؛ لأن إبراهيم -  - سماهم ضلالا وهو لم يكن في ذلك [الوقت] رسولاً، إنما بعث رسولاً من بعد، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: ضلالاً لا شك فيه ولا شبهة، وهو ما ذكر في آية أخرى حيث عبد ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً  ﴾ هذا الضلال البين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ ﴾ : ذكر كذلك - والله أعلم - على معنى كما أريناك ملكوت السماوات والأرض والآيات؛ كذلك كنا أرينا إبراهيم.

و ﴿ نُرِيۤ ﴾ بمعنى: أرينا وذلك جائز في اللغة، و "كذلك" لا تذكر إلا على تقدم شيء، لكن الوجه فيه ما ذكرنا كما أريناك من السماوات والأرض من الآيات والحجج والبراهين؛ كذلك كنا أرينا إبراهيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: سلطان السماوات والأرض.

وقيل: الشمس والقمر والكواكب.

وقيل: فرجت له السماوات السبع، حتى نظر إلى ما تحت العرش وما فيهن؛ وكذلك فرجت له الأرضون حتى رأى ما فيهن.

وقيل: ﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : خَبِّئ إبراهيم -  - من الجبابرة في سرب، فجعل الله في أصابعه رزقاً، فإذا مص إصبعا من أصابعه وجد فيها رزقاً، فلما خرج أراه الله الشمس والقمر، فكان ذلك ملكوت السماوات، وملكوت الأرض: الجبال والبحار والأشجار.

وقيل: نظر إلى ملك الله فيها حتى نظر إلى مكانه ورأى الجنة، وفتحت له الأرضون حتى نظر إلى أسفل الأرضين، فذلك قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا  ﴾ قال: أري مكانه في الجنة.

وقيل: أجره الثناء الحسن.

وقال أبو عوسجة: ﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ من الملك؛ وكذلك قال أبو عبيدة، وهو كجبروت ورحموت ورهبوت؛ فكذلك ملكوت.

وأصله: ما ذكر من الآيات والعجائب، [والله أعلم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ﴾ .

الإيقان بالشيء هو العلم بالشيء حقيقة بعد الاستدلال والنظر فيه والتدبر؛ ولذلك لا يوصف الله باليقين، ولا يجوز لله -  - أن يقال: موقن؛ لما ذكرنا [أنه] هو العلم الذي يعقب الاستدلال، وذلك منفي عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ﴾ .

قيل في قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ ﴾ أي: كما أريناك ملكوت ما ذكر، فقوله: ﴿ نُرِيۤ ﴾ بمعنى أرينا.

وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ له وجهان: أحدهما: أنه كما أريناك ما أيقنت به أن الربوبية لله، وأنه الواحد لا شريك له من الآيات والأدلة، أريناه - أيضاً - ما ذكر حتى أيقن، فهو - والله أعلم - على التسوية بين الأسباب الدالة على الوحدانية لله والربوبية في المعنى، وإن كانت لأعيانها مختلفة، وعلى أن طريق المعرفة الاستدلال بما أنشأ الله من الدلالة لا السمع والحس، وإن كان في حجة السمع تأكيد.

والثاني: أن يكون ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ ﴾ على ما أظهر من الحجج على قومه؛ وهو كقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ ، وأعطاه ما أراه وأشعر قلبه من الحجج التي ألزم قومه بها أنطق بها الله - عز وجل - لسانه ليلزم حججه خلقه، والله الموفق.

﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : الملك في الحقيقة من الوجه الذي يكون آية للإيقان ودليلا للإحاطة بالحق.

ثم اختلف في وجه ذلك: فمنهم من قال: هو ما أرى بصره، أعني: بصر الوجه؛ نحو الذي ذكر من فتح السماء حتى رأى ما فيها من العجائب والآيات إلى العرش، أو حيث قد زوى الأرض حتى رأى ما فيها من أنواع الخلق إلى الثرى، أو حيث بلغ.

ومنهم من قال: رفع إلى السماء حتى كانت الأرض بمن فيها [له] رأي العين، وكان له - صلوات الله عليه - مثل هذا من الأمور؛ نحو: أمر النار بالهجرة إلى حيث لا ضرع ولا زرع، وما جعل رزقه في أصابعه، وأمر بلوغ صوته في قوله -  -: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ  ﴾ [أن] كان على ما سمع منه، والله أعلم.

ومنهم من قال: هو ما أرى بصر قلبه من وجوه العبر وأنواع الأدلة عند التأمل في خلق الله بالفكر من غير أن كان في الخلق تغير على الأحوال التي كانت عليه، وهو أحق من يكون له في الذي كان كفاية عن حدوث أحوال تدل إذ هي حجج الله يستدل على قومه، من الوجه الذي جعل لجميع الخلق، لا من جهة خصوص آيات؛ فثبت أن ذلك كان له بهذا الوجه.

ثم هو يخرج على وجوه؛ منها: ما رأى من تسخير القمر والشمس والنجوم، وقطعها في كل يوم وليلة أطراف السماء والأرض جميعاً، ومسيرها تحت الأرض إلى أن يعود كل إلى مطلعه، يسير كل ذلك ما فوق الأرض إلى السماء، واستواء أحوال ذلك على ما عليه حد في كل عام وشهر، لا يزداد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر، مع عظيم ما بها من المنافع لأنواع دواب الأرض والطير جميعاً حتى يوقن كل متأمل أن مثل هذا لا يعمل بالطباع إلا أن يكون له مدبر حكيم جعله ذلك الطبع وسواه على ما شاء من الحد، وألا يتسق الأمر على التدبر والحكمة، إلا أن يكون مدبر ذلك، بحيث لا يحتاج إلى معين، ولا يجوز أن يكون له فيه منافع، ثم هو بذاته عليم قدير، وما في الأرض من تدبير الليل والنهار وأنهما يتعاقبان أبداً، ويسيران يقهران ما فيها من الجبابرة والفراعنة، حتى إن اجتمع جميع أهل الأرض على زيادة [في واحد] أو نقصان، أو تقديم أو تأخير؛ لما لهم من الحاجة، أو بما فيهم من القوة والقدرة مع معونة الجميع لهم في ذلك لم يتهيأ لهم، ولا بلغ توهم أحد في احتمال ذلك حتى يصير عند وجود كلٍّ كأن الآخر لم يكن قط، ثم عند العود إليهم كأنه لم يفارقهم قط، مع ما أودع أهل الأرض بهما من المنافع، وعليهم فيها أنواع مضار، ولهما سلطان على أعمارهم، على ما فيهما من أثر التسخير والتذليل الذي كل مقهور بالآخر، إذا جاء سلطانه وبلغ حده، وليس في واحد منهما امتناع عن قهر الآخر، وإن كان هو الظاهر القوي جريا جميعاً على حد واحد وسنن واحدة، ولا على ذلك على ما دل عليه الأول، مع ما فيما من [أثر العيث] [أمراً] ظاهراً لا يحتمل أن يجهله إلا سفيه معاند، والله أعلم.

ثم النور والظلمة والظل ونحو ذلك الذي يبسط بسعة جميع أطراف السماء والأرض يستر واحد كل شيء، ويبدي آخر عن كل شيء، ويحيط الثالث بكل شيء، ثم تعلق منافع الأهل بها على اختلافها، وبالسماء [و]الأرض على تباعد ما بينهما، وبالسهل والجبل [والبحر والبر] على تضاد معانيهما؛ وعلى ذلك جميع الأمور، فكان - صلوات الله عليه - بما أرى من المعنى وغيره من الموقنين أن لا إله إلا الله وجه إليه نفسه، وأن كل شيء نسب إليه الألوهية، محال أن يكون فيه وله إمكان ذلك، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

تكلموا في تأويل الآية على وجوه ثلاثة: فمنهم من جعل الأمر على ما عليه الظاهر: أنه غير عارف بربه حق المعرفة إلى أن عرف من الوجه الذي بان له عند الفراغ من آخر ما نسب إليه الربوبية أنه لا يعرف من جهة درك الحواس ووقوعها عليه، ولكن من جهة الآيات وآثار العقل، فقال: ﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

﴾ الآية، لكن أهل هذا القول اختلفوا على وجوه ثلاثة: أحدها: ما روي في التفسير أنه ربّي في السرب، ولم يكن نظر إلى شيء من خلق السماء، فنظر عن باب السرب في أوّل الليل، فرأى الزهرة بضوئها وتلألئها، وكان في علمه أن له ربا وأنه يرى، فلم ير أضوأ منها ولا أنور، فقال: هذا ربي، فلما أفل وله علم أن الرب دائم لا يزول، فقال: لا أحبّ، بمعنى: ليس هذا برب؛ كقوله: ﴿ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ  ﴾ أي: ليس لنا، وقول عيسى حيث قال: ﴿ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ  ﴾ [بمعنى]: ما قلت ذلك، لكن أهل هذا التفسير حملوا الأفول على غيبوبته بنفسه، وهو عندنا على غيبوبته في سلطان القمر [وقهر سلطان القمر] لما طلع سلطان النجم، وعنده أن الرب لا يقهر وأن سلطانه لا يزول؛ وعلى ذلك أمر القمر والشمس بظلمة الليل، وفي ذلك أنه لو كان [عنده أن الرب لا يقهر وأن سلطانه لا يزول] [وأنه لا يرى] لأنكر من ذلك الوجه أن يكون ربه بل أقر به، وأنكر الأفول والزوال، وهذا ينقض قول من يصفه بالزوال والانتقال من حال إلى حال.

ومنهم من يقول: كان هذا [منه في وقت] لم يكن جرى عليه القلم سمع الخلق يقولون في خلق السماء والأرض ونحو ذلك، وينسبون ذلك إلى الله؛ وعلى ذلك أمر جميع أهل الشرك؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ...

﴾ \[المؤمنون: 84\] إلى قوله: ﴿ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ ﴾ \[المؤمنون: 91\] ثم رآهم عبدوا الأصنام وسموها آلهة، فتأمل فوجدها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر، علم أن مثلها لا يحتمل أن يكون يخلق ما ذكر، وأن الذي ذلك فعله لعلي عظيم، يجب طلب معرفته من العلو بما كان يسمع [نسبة] الملائكة إلى السماء ونزول الغيث منها، ومجيء النور والظلمة وكل أنواع البركات وغيرها منها، فصرف تدبير الطلب الذي نسب إليه الخلق إليها.

ثم أوّل ما أخذ في التأمل والنظر لم يقع بصره على أحسن وأبهى من الذي ذكر، فظنه ذلك، ثم لما قهر وقد كان علم بأن خالق من ذكر لا يجوز أن يقهر، فمن ذلك علم أنه ليس هو وقال لِمَنْ قَهَرَ، [و] ذلك إلى أن قهر الليل ضوء الشمس، وصار بحيث لا يجري له السلطان، ورأى في الكل آثار التسخير والتذليل، ولم ير فيها أعلام من [له] الأمر والخلق، فعلم أن الرب لا يدرك من ذلك الوجه، ولا يعرف من جهة الحواس، فرجع إلى ما سمع من أنه خلق السماوات والأرض، فوجه نفسه إليه بالعبودية، واعترف له بالربوبية بما في الخلق من آثار ذلك، وفي القول من تسمية من له الخلق ربا وإلها، فآمن به، وذلك كان أول أحوال احتماله علم الاستدلال وبلوغه المبلغ الذي من بلغه يجري عليه الخطاب، ولا قوة إلا بالله.

ومنهم من قال: إنه كان بالغاً قد جرى عليه القلم، وقد كان رأى ما ذكر غير مرة، لكن الله لما أراد أن يهديه ألهمه ذلك وألقاه في نفسه، فانتبه انتباه الإنسان لشيء كان عنه غافلا من قبل، فرأى كوكباً أحمر يطلع عند غروب الشمس، فراعاه إلى أن أفل، فأراد [إذن] من الله قربة، وعلم أن ربه لا يزول ولا يتغير، ففزع إليه وقال: ﴿ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ ﴾ ؛ وكذا ذكر في القمر والشمس إلى أن عرف الله، فتبرأ مما كانوا يشركون، وتوجه بالتوحيد والعبادة إليه؛ وإلى هذا التأويل ذهب الحسن.

الأول: روي عن ابن عباس  .

والثاني: قال به جماعة أهل الكلام، ونحن نتبرأ إلى الله أن نجعله رجلا بالغاً جرى عليه القلم، وهو كان - عن الله - بهذه الغفلة حتى يتوهمه في معنى نجم أو قمر أو شمس، مع ما يرى فيها الظهور بعد أن لم يكن، والأفول بعد الوجود، ثم آثار التسخير والعجز عن التدبير بما هو في جهد وبلاء، ومن له يعمل في راحة وسرور، ثم لا يرى في شيء من العالم أو له معنى يدل على رجوع التدبير إليه، فيتحقق له القول بذلك، والله يصفه بقوله: ﴿ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ  ﴾ قيل: سليم من الشرك لم يشبه بشيء، وقال: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ وما يذكرونه إنما آتاه على نفسه إذ هو في الغفلة عنها، والجهل بمن له الآيات شريك قومه، وقد قال - أيضاً -: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، ومعلوم أن ذلك على معاينته أو أنه قد أرى كلا منهما، ولكن على ما بينت من الوجهين وفيهما حقيقة ذلك.

وليس في قوله: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ﴾ دلالة الشك في الابتداء، أو الجهل في الحال التي يحتمل العلم به [فسمى به] عز وجل، ولكن على أنه على ذلك الوجه يكون الإيقان ممن لا يقع عليه الحواس، ولا يوجب الضرورات، إنما هو الاستدلال بالآثار أو تلقي الأخبار، ولا قوة إلا بالله.

وذلك كقوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا  ﴾ لا عن وضع كان، وقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ لا أن كانوا من قبل في الظلمات، وقول يوسف -  -: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ  ﴾ لا عن كونه فيها؛ وهكذا أمر الإيقان: أن يكون العبد في كل وقت موقناً بالله، وأن لا إله غيره، لا عن شك فيما تقدمه من الوقت أو الجهل، فمثله أمر إبراهيم،  .

والوجه الثاني - مما تكلم في التأويل: أن يكون إبراهيم -  - كان مؤمناً في ذلك الوقت، عارفاً بربه حق المعرفة، ولكنه كلم قومه كلام مستدرج بإظهار المتابعة لهم على هواهم؛ فيكونون به أوثق وإليه أميل، وذلك أبلغ في الحجاج وألطف في المكيدة، فيبين لهم ما أراد من غير جهة النقض والعناد، فبدأ بتعظيم ما عظموه؛ إذ هم قوم كانوا يعظمون النجوم، وبالعلم بأمرها أخبروا نمرود بولادة من يهلك على يده هو ويزول ملكه، وهذا كما ذكر أنه نظر [نظرة] في النجوم في مقاييسها وعلمها؛ لا أنه نظر إليها، ثم قال الذي ذكر لا من حيث علم النجوم، ولكن من حيث علمه أنه يموت ومن يَمُت يسقم، لكن أراهم الموافقة في العلم الذي لهم في ذلك الباب دعوى؛ فكذلك ما نحن فيه.

وعلى ذلك أمر الند الذي كان يعبده قوم عظَّمه الحواريُّ الذي أرسل إليهم، حتى اطمأنوا إليه وصدروا عن تدبيره وبلوا بعد، وكاد يحيط بهم، فدعاهم إلى دعاء الند ليكشف لهم؛ إذ لمثله يعبد حتى أيسوا، فدعاهم إلى الله فكشف عنهم، فأمنوا به، فمثله الأول.

وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، لكنه ذكر أنهم كانوا أصحاب نجوم وكهانة، ومن ذلك قوله لا يعبد النجم ولا يراه ربا فكيف أظهر الموافقة بتسمية النجم ربا، ثم النقض عليه بالأفول؟!

ولكن ذلك لو كان فإنما كان في قوم يعبدون النجوم والشمس والقمر، فألزمهم بالأفول؛ إذ فيه تسخير وغلبة سلطان على سلطان، وهذا الوجه يجوز أن يظهر على إضمار معنى في نفسه مستقيم: كالمكره على عبادة صليب يقصد قصد عبادة الله ونحوه، والمكره على شتم محمد  يقصد قصد محمد آخر يصوره في وهمه ونحو ذلك، فهو على ما قال: ﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ  ﴾ على جعل ﴿ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ  ﴾ شرطا في نفسه في قوله: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا  ﴾ ، والله أعلم.

وقيل في الاستدراج من غير هذا الوجه، على التسليم أنهم أهل كهانة ونجوم، وهو أنه لما رآهم يعبدون الأصنام والأوثان، دعاهم من طريق المقابلة؛ إذ هم مالوا إلى ذلك بما رأوا من حسن ذلك في البصر، بما قد زين بأنواع الزينة وحلي بأنواع الحلي، فأراهم أنه يعبد النجم وما ذكر، وأن الذي ذكر أحسن وأعظم نوراً وضياء؛ إذ هو بجوهره ونفسه كذلك، وما كانوا يعبدون بما فعلوا به وجعلوه كذلك؛ ليكره إليهم عبادتهم الأصنام، ويستنقذهم عما اعتادوه بالمعنى الذي ذكرت، ثم ألزمهم فساد ما مالوا إليه وقبلوا منه، قبل أن يقر ذلك في قلوبهم وتطمئن إلى ذلك أنفسهم، بما أظهر من فساد أن يكون الذي بذلك الوصف من التسخير أو ملكه على شرف الزوال، أو يصير بحيث يقر في قلوبهم عبادة من لا يشهدونه وقت العبادة؛ فيلزمهم على ذلك عبادة المستحق لها.

أو أن يقول: إذا كانت النجوم وما ذكر مع ضيائها ونورها وكثرة منافع الخلق بها لم تصلح لها الألوهية عند الجميع بالأفول والتسخير، فالذي كانوا يعبدون على ما سخرهم كانوا تحت البشر أذلاء، لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع أحق ألا يكون له الربوبية، وألا توجه إليه العبودية، والله أعلم.

فهذا النوع من الاستدراج فيما لو ظهر أنهم لم يكونوا يتخذون النجوم أرباباً يعبدونها؛ وكذلك الذي ذكره القتبي.

والتأويل الثالث للآية يخرج مخرج الإنكار والاستهزاء، ويكون في ذلك معنى الاستدراج؛ إذ هو الإلزام من حيث لا يشعر به، أو نقض أسباب الشبه درجة فدرجة في حلول المقت ولزوم المقصود بتعاطي ذلك الابتداء بالكشف عن الأسباب.

ثم قيل في هذا بأوجه: أحدها: أنهم كانوا يعبدون النجوم وما ذكر، ويدعون إلى ذلك الأولاد والصبيان - وإبراهيم منهم - فيما كانوا يدعونه إليه، فقال لما رأى النجم: هذا الذي تعبدون ربي، إي: إلى عبادته تدعونني، أي: هذا ربي الذي تدعونني إلى عبادته، فلما رآه طالعاً سائحاً غائباً ثبت عنده أنه سخر، فقال: لا أحب عبادته، لكن ذا قد يكون في خاص نفسه متفكراً في الذي دعوه إليه؛ ليعرف دفع قولهم من الوجه الذي يقر ذلك في القلوب إذا قابلهم به.

وقد يكون في ملأ منهم يظهر لهم قوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ على إضمار: تدعونني إليه؛ ليلزمهم بما بان له فساد الربوبية، فيكون استدراجاً أيضاً؛ لأنه ألزمهم بعد ظهور الوفاق منه لهم.

وقد يكون ذكر هذا الذي تدعونني إليه أنه ربي سرا، ويهزأ بهم بإظهار الموافقة، يبين لهم ذلك بما ألزمهم أن الابتداء لم يكن على المساعدة؛ إذ ذلك [المعنى] الذي به ألزم كان ظاهرا عنده في الابتداء وعندهم جميعاً.

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ على ما يقال: هذا فلان الذي تخبرونني عنه، بمعنى: أهذا هو؟!

على إنكار أنه ليس بالمحل الذي أخبرتموني عنه، أو على الاستفهام ليقرره عنده.

وأي الوجهين كان فقد هزئ بهم، وظهر في المتعقب أن الأول كان على الهزء بهم والإنكار، أو الاستفهام؛ وذلك كقوله: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ  ﴾ على أنهم لم يخلقوا كخلقه، يوضح قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ في الأول: ﴿ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ ﴾ .

ويجوز أن يكون هذا أضمر في قوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ ، أي: رب هذا ربي إلى آخر ما ذكر، ثم رجع إليه [عند التقرير] عندهم أنه لا يليق بالربوبية الذي ظنوا أنه ساعدهم عليه.

ثم قد بينا الدليل على أنه لم يكن كافراً في ذلك الوقت مع ما قد ثبت من عصمة الرسل عن الكبائر، فكيف يبلون بالكفر والله يقول: ﴿ ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ وكل متمكن فيه الكفر شريك أمثاله، فلا وجه لتخصيص الأهل.

ثم جملة ذلك أن الله  لو أراد أن يبين حقيقة الحال، أو كانت بنا إلى معرفة حقيقة ذلك من المراد والوقت حاجة في أمر الدين - لكان يبين ذلك، أو يرد في ذلك عن [رسول الله]  لكن العلم بحقيقة ذلك إذ هو علم الشهادة بما ليس لنا، وعلينا بالوصول [عمل تكلف، ولا تكلف الشهادة بوقت القول، وهو متمكن فيه فحقه أن يتأمل وجه الحكمة في ذكر القصة وما فيها من الحجة في أمر الدين]، فهو - والله أعلم - يخرج على وجوه: أحدها: على جعل ذلك حجة لرسالة رسوله؛ إذ هو من أنباء الغيب، ونبي الله نشأ بمكة ولم يكن ثم من يعلمه ذلك، ولا فارق قومه واختلف إلى من عنده علم الأنبياء بتوارثهم كتب الأنبياء، ولا كان رسول الله  ممن يخط بيمينه أو يقف على المكتوب؛ دل أنه علمه بالله  وتعالى ، مع ما كان في القصة حجج التوحيد ودفع عبادة الأصنام وتسفيه أهل ذلك، فلم يحتمل أن يكون تعليم مثل ذلك من الدافعين لذلك المدعين على إبراهيم اليهودية والنصرانية؛ وبعد فإن كتبهم بغير لسانه، وفي العبارة بلسان [غيره] توهم الاختلاف والتغيير، فلا يحتمل الاحتجاج بمثله بما يحتمل الإنكار والدفع.

[الثاني]: وفيه استعطاف قوم رسول الله  ؛ إذ هم من ذرية إبراهيم -  - بما يدعوهم إلى دين آبائهم، مع ما كانوا هم أصحاب تقليد وحفظ آثار الآباء، فألزمهم القول في آبائهم بما لا مدفع لهم القول بغير الذي قلدوا؛ إذ إبراهيم -  - عند جميع المشركين إمام يؤتم به أحق من كل أب، مع ما كان كل مولود على دينه مذكوراً محفوظاً في الخلق، ومن خالفهم فهو ممحوق الاسم والذكر جميعاً، فكان في ذلك أعظم الدليل أن هؤلاء من الأنبياء أحق بالتقليد من الذين اتبعوه؛ وعلى ذلك اتفاق أهل الكتاب على موالاة إبراهيم من غير أن تهيأ لهم دفع ما أثبت رسول الله  من توحيده، ولا ما قرره عندهم من دينه بشيء يجدونه خلافاً لذلك في كتبهم.

والثالث: أن إبراهيم -  - صرف معرفة الرب من جهة خلقه، ودان بدينه من جهة النظر في الآيات والبحث عنها، دون أن يقلد أباه أو قومه؛ ليعرف سبيل طلب الحق ووجه اتباعه؛ ليكون ذلك تذكرة لجميع ذريته.

والرابع: أنه ذكر الخبر عن أحواله بمخرج ظاهر يوهم المكروه، وله وجه الصرف إلى ما [ليس] فيه نفار عنه للطبع، ولا يأباه للعقل؛ ليمتحن عباده بالقول فيه والوقف في أمره.

والخامس: ليعلم أن المحاجة في الدين على قدر ما تحتمله العقول لازمة؛ إذ بها أفحم إبراهيم قومه وأظهر دين ربه، فيبطل بذلك قول كثير من المسلمين الذين يكرهون المناظرة في الدين، ويرون في ذلك تقليد الإسنادين وظواهر ما جاءت به الآثار، التي في اتباع أمثالها تناقض عند العقلاء، ولا قوة إلا بالله.

والسادس: أن المناظرة تكون بوجهين: بطلب الدلالة في تثبت القول، وبإظهار الفساد بما يتمكن فيه من العيب؛ إذ هو رد ما ادعوا من الربوبية فيمن ذكر، بما في ذلك من آثار التدبير لغيره؛ وكذلك قال في الأصنام: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَنِي  ﴾ إلى آخر ما أخبر؛ فمرة أبطل قولهم بالمعنى الذي بضده احتج في ثبات قوله، [وجائز في كل ذلك أن يقول لهم]: ما الدليل على ما تدعون لما تذكرون من الربوبية؟

والسابع: جواز التسليم بإظهار الموافقة، وإن كان المسلم بحقيقة ذلك منكرا وله دافعاً، إذا كان في المساعدة بذلك في الظاهر نيل الفرصة والظفر بالبغية؛ إذ على ذلك خرجت مناظرته قومه، [وعلى ذكر] ما احتج به في قوله: ﴿ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ  ﴾ إذ قال خصمه: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ  ﴾ ، وإقباله على حجة هي أوضح من ذلك وأقهر للعقل وألزم في الطبع، فقال: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ  ﴾ .

والثامن: أن يعلم أن الله لم يهمل القوم في شيء من الأزمنة دون أن يجعل لهم أدلة للحق يظفرون بها لو تأملوا، ولا ألزم خلقه في زمان من الأزمان بشيء لو بحث عنه لا يوقف عليه ولا يتهيأ له؛ ولذلك أظهر الحجج وآثار البينات؛ ليعلم أنه جعل أوامره كلها تالية الأدلة والبراهين؛ ليقطع بها عذر من تأبى نفسه القيام بها.

والتاسع: أن يعلم أنه لا أحد يقوم بالحجاج ولا ينطق بحسن البيان إلا بعطية الله وامتنانه عليه بما ينطق به لسانه ويوفقه للقيام به بقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ .

ثم العاشر: أن يكون بفضله ينال الدرجات في أمر دينه، ويرتقي إلى منازل الفضل والشرف بمشيئته؛ كما قال: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ﴾ ، وأنه متى شاء الرفع كان، والله أعلم.

وقد قال بعض أصحاب الإمامة في تأويل الآية: زعم أنهم أخذوه من شرح على أن تأويل النجم: المأذون، والقمر: اللاحق، والشمس: الإمام، بمعنى: أنه قال للمأذون: هذا ربي عنى به رب التربية رباه بالعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ أَفَلَ ﴾ .

أي: فني ما عنده رغب عنه وقال: لا أحب هذا، ثم ظفر باللاحق، ثم كذلك بالإمام، ثم توجه نحو التالي بالقبول من الرسول؛ إذ التالي عندهم هو الذي فطن ما ذكر، فلما جاوز درجة المتم - وهو الإمام - صار إلى درجة الرسالة، وهو القابل من التالي بالخيال والمصور للشرائع عندهم، فألزموا بهذا عبادة أرباب، وأن الارتفاع من درجة إلى درجة بأولئك.

وذلك أمر متناقض على المتأمل؛ لأنه لما فني ما عند المأذون صار إلى اللاحق، والمأذون كان به مأذوناً فلم يكن الثاني بما يصير إليه أحق من الأول؛ إذ لو كان به صار مأذوناً ولو كان ثم درجة أخرى، فإما أن يكون ينال تلك في الوقت الذي يلقى المأذون ذلك إلى غيره أو لا: فإن كان لا ينال فلا أسفه من المأذون؛ حيث امتنع عما يُعْليه إلى الدرجة الثانية وبلغ غيره أو ينال معه، فإذا صار هو معه في درجة المتم فكيف قال: لا أحبه، وهو آثر الذي ذلك وصفه؟!

ثم كيف قال لا أحب وذهاب ما به أخذ بحظه عن الأخذ من الآخر؟!

أو كيف صار ربه قبل أن يربيه، فلما رباه تبرأ من ربوبيته وآثر ربا آخر؟!

فإذا عاقبة شكره وسعي ربه في شأنه كفرانه به؛ وكذلك درجة فدرجة حتى يكفر بالتالي ثم بالعقل، ثم يصير إلى رب العالمين، وهو الربّ في الابتداء والانتهاء، لا رب لأحد سواه [جل عن الشركاء]؛ إذ إليه حاصل الأمر ومصير الخلق، ولو كان كل مرتق حدا يرتقي آخر لكانت تلك الحدود يكون أبدا آخرها، فيكون الكل توالى أو مطلقاً، ويبطل الأولاء والمأذونون والأئمة جميعاً، وقد كرم الله -  - عليا - كرم الله وجهه - عن هذا الخيال، وعصمه عن هذا الوسواس، والحمد لله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها الرسول- حين قال إبراهيم -  - لأبيه المشرك آزر: يا أبت، أتجعل الأصنام آلهة تعبدها من دون الله؟!

إني أراك وقومك الذين يعبدون الأوثان في ضلال بَيِّنٍ، وحيرة عن طريق الحق بسبب عبادتكم غير الله، فهو سبحانه المعبود بحق، وغيره معبود بالباطل.

<div class="verse-tafsir" id="91.POvyj"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله