الآية ٨٠ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٨٠ من سورة الأنعام

وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًۭٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 85 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٠ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٠ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى : وجادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد ، وناظروه بشبه من القول ، قال ( أتحاجوني في الله وقد هدان ) أي : تجادلونني في أمر الله وأنه لا إله إلا هو ، وقد بصرني وهداني إلى الحق وأنا على بينة منه؟

فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة؟!

وقوله : ( ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا ) أي : ومن الدليل على بطلان قولكم فيما ذهبتم إليه أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئا ، وأنا لا أخافها ، ولا أباليها ، فإن كان لها صنع ، فكيدوني بها [ جميعا ] ولا تنظرون ، بل عاجلوني بذلك .

وقوله : ( إلا أن يشاء ربي شيئا ) استثناء منقطع .

أي لا يضر ولا ينفع إلا الله ، عز وجل .

( وسع ربي كل شيء علما ) أي : أحاط علمه بجميع الأشياء ، فلا تخفى عليه خافية .

( أفلا تتذكرون ) أي : فيما بينته لكم فتعتبرون أن هذه الآلهة باطلة ، فتزجروا عن عبادتها؟

وهذه الحجة نظير ما احتج به نبي الله هود ، - عليه السلام - ، على قومه عاد ، فيما قص عنهم في كتابه حيث يقول : ( قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها [ إن ربي على صراط مستقيم ] ) [ هود : 53 - 56 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وجادل إبراهيم قومه في توحيد الله وبراءته من الأصنام، (72) وكان جدالهم إياه قولُهم: أن آلهتهم التي يعبدونها خير من إلهه.

قال إبراهيم: " أتحاجوني في الله "، يقول: أتجادلونني في توحيدي الله وإخلاصي العمل له دون ما سواه من آلهة =" وقد هداني "، يقول: وقد وفقني ربي لمعرفة وحدانيته, (73) وبصّرني طريق الحقّ حتى أيقنتُ أن لا شيء يستحق أن يعبد سواه (74) =" ولا أخاف ما تشركون به "، يقول: ولا أرهب من آلهتكم التي تدعونها من دونه شيئًا ينالني به في نفسي من سوء ومكروه.

(75) وذلك أنهم قالوا له: " إنا نخاف أن تمسَّك آلهتنا بسوء من برص أو خبل, لذكرك إياها بسوء "!

فقال لهم إبراهيم: لا أخاف ما تشركون بالله من هذه الآلهة أن تنالَنِي بضر ولا مكروه, لأنها لا تنفع ولا تضر =" إلا أن يشاء ربي شيئًا "، يقول: ولكن خوفي من الله الذي خلقني وخلق السماوات والأرض, فإنه إن شاء أن ينالني في نفسي أو مالي بما شاء من فناء أو بقاءٍ، أو زيادة أو نقصان أو غير ذلك، نالني به, لأنه القادر على ذلك.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن جريج يقول: 13466 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني "، قال: دعا قومُه مع الله آلهةً, وخوّفوه بآلهتهم أن يصيبَه منها خَبَل, فقال إبراهيم: " أتحاجوني في الله وقد هداني "، قال: قد عرفت ربّي, لا أخاف ما تشركون به.

* * * =" وسع ربي كل شيء علمًا "، يقول: وعلم ربي كلَّ شيء، فلا يخفى عليه شيء, (76) لأنه خالق كل شيء, وليس كالآلهة التي لا تضرّ ولا تنفع ولا تفهم شيئًا, وإنما هي خشبة منحوتةٌ، وصورة ممثلة =" أفلا تتذكرون "، يقول: أفلا تعتبرون، أيها الجهلة، فتعقلوا خطأ ما أنتم عليه مقيمون، (77) من عبادتكم صورةً مصوّرة وخشبة منحوتة, لا تقدر على ضر ولا على نفع، ولا تفقه شيئًا ولا تعقله = وترككم عبادةَ من خلقكم وخلق كلّ شيء, وبيده الخير، وله القدرة على كل شيء، والعالم لكل شيء .

----------------- الهوامش : (72) انظر تفسير"المحاجة" فيما سلف 3: 121 ، 5 : 429 ، 430 ، 6 : 280 ، 473 ، 492.

(73) انظر تفسير"الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).

(74) في المطبوعة والمخطوطة: "حتى ألفت أن لا شيء يستحق أن يعبد سواه" ، وهو لا معنى له ، صواب قراءته ما أثبت.

(75) في المطبوعة: "ينالني في نفسي" بحذف"به" وهي ثابتة في المخطوطة ، ولكنه أساء كتابة"ينالني" ، فاجتهد الناشر ، فحذف.

(76) انظر تفسير"السعة" فيما سلف 10: 423 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.

(77) انظر تفسير"التذكر" فيما سلف ص: 442 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرونقوله تعالى وحاجه قومه دليل على الحجاج والجدال ؟

حاجوه في توحيد الله .قال أتحاجوني في الله وقد هداني قرأ نافع بتخفيف النون ، وشدد النون الباقون .

وفيه عن ابن عامر من رواية هشام عنه خلاف ; فمن شدد قال : الأصل فيه نونان ، الأولى علامة الرفع والثانية فاصلة بين الفعل والياء ; فلما اجتمع مثلان في فعل وذلك ثقيل أدغم النون في الأخرى فوقع التشديد ولا بد من مد الواو لئلا يلتقي الساكنان ، الواو وأول المشدد ; فصارت المدة فاصلة بين الساكنين .

ومن خفف حذف النون الثانية استخفافا لاجتماع المثلين ، ولم تحذف الأولى لأنها علامة الرفع ; فلو حذفت لاشتبه المرفوع بالمجزوم والمنصوب .

وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أن هذه القراءة لحن .

وأجاز سيبويه ذلك فقال : استثقلوا التضعيف .

وأنشد : تراه كالثغام يعل مسكا يسوء الفاليات إذا فليني ولا أخاف ما تشركون به أي لأنه لا ينفع ولا يضر وكانوا خوفوه بكثرة آلهتهم إلا أن يحييه الله ويقدره فيخاف ضرره حينئذ .إلا أن يشاء ربي شيئا أي إلا أن يشاء أن يلحقني شيء من المكروه بذنب عملته فتتم مشيئته .

وهذا استثناء ليس من الأول .

والهاء في " به " يحتمل أن تكون لله عز وجل ، ويجوز أن تكون للمعبود .

وقال : إلا أن يشاء ربي يعني أن الله تعالى لا يشاء أن أخافهم .وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون أي وسع علمه كل شيء .

وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ } أيُّ فائدة لمحاجة من لم يتبين له الهدى؟

فأما من هداه الله، ووصل إلى أعلى درجات اليقين، فإنه -هو بنفسه- يدعو الناس إلى ما هو عليه.

{ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } فإنها لن تضرني، ولن تمنع عني من النفع شيئا.

{ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ } فتعلمون أنه وحده المعبود المستحق للعبودية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ) ولما رجع إبراهيم عليه السلام إلى أبيه ، وصار من الشباب بحالة سقط عنه طمع الذباحين ، وضمه آزر إلى نفسه جعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليبيعها ، فيذهب بها إبراهيم عليه السلام وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه ، فلا يشتريها أحد ، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فضرب فيه رءوسها ، وقال : اشربي ، استهزاء بقومه ، وبما هم فيه من الضلالة ، حتى فشا استهزاؤه بها في قومه وأهل قريته ، فحاجه أي خاصمه وجادله قومه في دينه ، ( قال أتحاجوني في الله ) قرأ أهل المدينة وابن عامر بتخفيف النون ، وقرأ الآخرون بتشديدها إدغاما لإحدى النونين في الأخرى ، ومن خفف حذف إحدى النونين تخفيفا يقول : أتجادلونني في توحيد الله ، وقد هداني للتوحيد والحق؟

( ولا أخاف ما تشركون به ) وذلك أنهم قالوا له : احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسك بسوء من خبل أو جنون لعيبك إياها ، فقال لهم : ولا أخاف ما تشركون به ، ( إلا أن يشاء ربي شيئا ) وليس هذا باستثناء عن الأول بل هو استثناء منقطع ، معناه لكن إن يشأ ربي شيئا أي سوءا ، فيكون ما شاء ، ( وسع ربي كل شيء علما ) أي : أحاط علمه بكل شيء ، ( أفلا تتذكرون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وحاجَّه قومه» جادلوه في دينه وهدَّدوه بالأصنام أن تصيبه بسوء إن تركها «قال أتُحَآجُّونِّي» بتشديد النون وتخفيفها بحذف إحدى النونين وهي نون الرفع عند النحاة ونون الوقاية عند القراء أتجادلونني «في» وحدانية «الله وقد هدان» تعالى إليها «ولا أخاف ما تشركونـ» ـه «به» من الأصنام أن تصيبني بسوء لعدم قدرتها على شيء «إلا» لكن «أن يشاء ربي شيئا» من المكروه يصيبني فيكون «وسع ربي كل شيء علما» أي وسع علمه كل شيء «أفلا تتذكرون» هذا فتؤمنون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وجادله قومه في توحيد الله تعالى قال: أتجادلونني في توحيدي لله بالعبادة، وقد وفقني إلى معرفة وحدانيته، فإن كنتم تخوفونني بآلهتكم أن توقع بي ضررًا فإنني لا أرهبها فلن تضرني، إلا أن يشاء ربي شيئًا.

وسع ربي كل شيء علمًا.

أفلا تتذكرون فتعلموا أنه وحده المعبود المستحق للعبودية؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعض ما دار بين إبراهيم وبين قومه من مجادلات ومخاصمات فقال : { وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ .

.

.

} .المحاجة : المجادلة والمغالبة فى إقامة الحجة ، والحجة الدلالة المبينة للمحجة أى : المقصد المستقيم - كما قال الراغب - وتطلق الحجة على كل ما يدلى به أحد الخصمين فى إثبات دعواه أو رد دعوى خصمه .فمعنى { وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ } أى : جادلوه وخاصموه أو شرعوا فى مغالبته فى أمر التوحيد تارة بإيراد أدلة فاسدة واقعة فى حضيض التقليد ، وأخرى بالتهديد والتخويف ، فقد حكى القرآن أنهم قالوا له عندما نهاهم عن عبادة الأصنام { وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } وقد رد عليهم إبراهيم رداً قوياً جريئاً فقال لهم : { أتحاجواني فِي الله وَقَدْ هَدَانِ } أى أتجادلوننى فى شأنه - تعالى - وفى أدلة وحدانيته ، والحال أنه - سبحانه - قد هدانى أى أتجادلوننى فى شأنه - تعالى - وفى أدلة وحدانيته ، والحال أنه - سبحانه - قد هدانى إلى الدين الحق وإلى إقامة الدليل عليكم بأنه هو المستحق للعبادة .والاستفهام للانكار والتوبيخ وتيئيسهم من رجوعه إلى معتقداتهم .وجملة { وَقَدْ هَدَانِ } حال مؤكدة للانكار أى لا جدوى من محاجتكم إياى بعد أن هدانى الله إلى الطريق المستقيم ، وجعلنى من المبغضين للأصنام المحتقرين لها .ثم صارحهم بأنه لا يخشى أصنامهم ولا يقيم لها وزنا فقال : { وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } أى لا أخاف معبوداتكم لأنها جمادات لا تضر ولا تنفع ، ولا تبصر ولا تسمع ، ولا تقرب ولا تشفع .

ويبدو أن قومه كانوا قد خوفوه بطش أصنمهم وقالوا له كما قالت قبيلة عاد لنبيها هود { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ آلِهَتِنَا بسواء } فرد عليهم إبراهيم هذا الرد القوى الصريح .وقوله { إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً } استثناء مما قبله أى : لا أخاف معبوداتكم فى جميع الأوقات إلا وقت مشيئة ربى شيئاً من المكروه يصيبنى من جهتها بأن يسقط على صنم يشجنى ، فإن ذلك يقع بقدرة ربى ومشيئته لا بقدرة أصنامكم أو مشيئتها ، وعلى هذا التفسير الذى ذهب إليه صاحب الكشاف يكون الاستثناء متصلا .ويرى ابن عطية وغيره أن الاستثناء منقطع على معنى : لا أخاف معبوداتكم ولكن أخاف أن يشاء ربى خوفى مما أشركتم به .وهذه الجملة الكريمة تدل على سمو أدب إبراهيم - عليه السلام - مع ربه ، وعلى نهاية استسلامه لمشيئته ، فمع أنه مؤمن بخالقه كل الإيمان وكافر بتلك الآلهة كل الكفران ، إلا أنه ترك الأمر كله لمشيئة الله ، وعلق مستقبله على ما يريد الله فيه .وقوله { وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً } أى : أن علم ربى وسع كل شىء وأحاط به ، فلا يبعد أن يكون فى علمه إنزال ما يخفينى من جهة تلك المعبودات الباطلة لسبب من الأسباب .وهذه الجملة الكريمة مستأنفة بيانيا فكأن قومه قد قالوا : كيف يشاء ربك شيئا تخافه فكان جوابه عليهم : { وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً } فأنا وإن كنت عبده وناصره إلا أنه أعلم بإلحاق الضر أو النفع بمن يشاء من عباده .و { عِلْماً } منصوب على التمييز المحول عن الفاعل ، إذ الأصل فى هذا التعبير " أن يقال : وسع علم ربى كل شىء ، ولكن عدل به عن هذا النسق ، وأسند الفعل فيه إلى الله لا إلى علمه ، وجعل لفظ العلم تمييزا لا فاعلا ليكون الوسع والإحاطة والشمول لله ، فيخلع التعبير ظلا أشمل وأفخم وأعمق وقعا فى النفس .وقوله { أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } أى تعرضون ايها الغافلون عن التأمل والتكذير بعد أن أوضحت لكم بما لا يقبل مجالا للشك أن الله وحده هو المستحق للعبادة وأن هذه المعبودات التى سواه لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا .فالاستفهام للإنكار والتوبيخ لعدم تذكرهم مع وضوح الدلائل .وفى إيراد التذكر دون التفكر ونحوه إشارة إلى أن أمر آلهتهم مركوز فى العقول ولا يتوقف إلى على التذكير .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما أورد عليهم الحجة المذكورة، فالقوم أوردوا عليه حججاً على صحة أقوالهم، منها أنهم تمسكوا بالتقليد كقولهم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا على أُمَّةٍ  ﴾ وكقولهم للرسول عليه السلام: ﴿ أَجَعَلَ الألهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَئ عُجَابٌ  ﴾ ومنها: أنهم خوفوه بأنك لما طعنت في إلهية هذه الأصنام وقعت من جهة هذه الأصنام في الآفات والبليّات، ونظيره ما حكاه الله تعالى في قصة قوم هود: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ  ﴾ فذكروا هذا الجنس من الكلام مع إبراهيم عليه السلام.

فأجاب الله عن حجتهم بقوله: ﴿ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِي الله وَقَدْ هَدَانِى ﴾ ، يعني لما ثبت بالدليل الموجب للهداية واليقين صحة قولي، فكيف يلتفت إلى حجتكم العليلة، وكلماتكم الباطلة.

وأجاب عن حجتهم الثانية وهي: أنهم خوفوه بالأصنام بقوله: ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر، والأصنام جمادات لا تقدر ولا قدرة لها على النفع والضر، فكيف يحصل الخوف منها؟

فإن قيل: لا شك أن للطلسمات آثاراً مخصوصة، فلم لا يجوز أن يحصل الخوف منها من هذه الجهة؟

قلنا: الطلسم يرجع حاصله إلى تأثيرات الكواكب، وقد دللنا على أن قوى الكواكب على التأثيرات إنما يحصل من خلق الله تعالى فيكون الرجاء والخوف في الحقيقة ليس إلا من الله تعالى.

وأما قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى ﴾ ففيه وجوه: أحدها: إلا أن أذنب فيشاء إنزال العقوبة بي.

وثانيها: إلا أن يشاء أن يبتليني بمحن الدنيا فيقطع عني بعض عادات نعمه.

وثالثها: إلا أن يشاء ربي فأخاف ما تشركون به بأن يحييها ويمكنها من ضري ونفعي ويقدرها على إيصال الخير والشر إلي، واللفظ يحتمل كل هذه الوجوه، وحاصل الأمر أنه لا يبعد أن يحدث للإنسان في مستقبل عمره شيء من المكاره، والحمقى من الناس يحملون ذلك على أنه إنما حدث ذلك المكروه بسبب أنه طعن في إلهية الأصنام، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك حتى لو أنه حدث به شيء من المكاره لم يحمل على هذا السبب.

ثم قال عليه السلام: ﴿ وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَيء عِلْماً ﴾ يعني أنه علام الغيوب فلا يفعل إلا الصلاح والخير والحكمة، فبتقدير: أن يحدث من مكاره الدنيا فذاك، لأنه تعالى عرف وجه الصلاح والخير فيه لا لأجل أنه عقوبة على الطعن في إلهية الأصنام.

ثم قال: ﴿ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ﴾ والمعنى: أفلا تتذكرون أن نفي الشركاء والأضداد والأنداد عن الله تعالى لا يوجب حلول العقاب ونزول العذاب، والسعي في إثبات التوحيد والتنزيه لا يوجب استحقاق العقاب.

والله أعلم.

المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر ﴿ أَتُحَاجُّونّى ﴾ خفيفة النون على حذف أحد النونين والباقون على التشديد على الإدغام.

وأما قوله: ﴿ وَقَدْ هَدَانِى ﴾ قرأ نافع وابن عامر ﴿ هَدَانِى ﴾ بإثبات الياء على الأصل والباقون بحذفها للتخفيف.

المسألة الثالثة: أن إبراهيم عليه السلام حاجهم في الله وهو قوله: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ والقوم أيضاً حاجوه في الله، وهو قوله تعالى خبراً عنهم: ﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِي الله ﴾ فحصل لنا من هذه الآية أن المحاجة في الله تارة تكون موجبة للمدح العظيم والثناء البالغ، وهي المحاجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام، وذلك المدح والثناء هو قوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ ﴾ وتارة تكون موجبة للذم وهو قوله: ﴿ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِي الله ﴾ ولا فرق بين هذين البابين إلا أن المحاجة في تقرير الدين الحق توجب أعظم أنواع المدح والثناء، والمحاجة في تقرير الدين الباطل توجب أعظم أنواع الذم والزجر.

وإذا ثبت هذا الأصل صار هذا قانوناً معتبراً، فكل موضع جاء في القرآن والأخبار يدل على تهجين أمر المحاجة والمناظرة فهو محمول على تقرير الدين الباطل، وكل موضع جاء يدل على مدحه فهو محمول على تقرير الدين الحق والمذهب الصدق.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِي الله ﴾ وكانوا حاجوه في توحيد الله ونفي الشركاء عنه منكرين لذلك ﴿ وَقَدْ هدان ﴾ يعني إلى التوحيد ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ وقد خوفوه أن معبوداتهم تصيبه بسوء ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً ﴾ إلاّ وقت مشيئة ربي شيئاً يخاف، فحذف الوقت، يعني لا أخاف معبوداتكم في وقت قط؛ لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة، إلاّ إذا شاء ربي أن يصيبني بمخوف من جهتها إن أصبت ذنباً استوجب به إنزال المكروه، مثل أن يرجمني بكوكب أو بشقة من الشمس أو القمر، أو يجلعها قادرة على مضرتي ﴿ وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَيْء عِلْماً ﴾ أي ليس بعجب ولا مستبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها ﴿ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ﴾ فتميزوا بين الصحيح والفاسد والقادر والعاجز ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ ﴾ لتخويفكم شيئاً مأمون الخوف لا يتعلق به ضرر بوجه ﴿ و ﴾ أنتم ﴿ لا تخافون ﴾ ما يتعلق به كل مخوف وهو إشراككم بالله ما لم ينزل بإشراكه ﴿ سلطانا ﴾ أي حجة، لأن الإشراك لا يصحّ أن يكون عليه حجة، كأنه قال: وما لكم تنكرون علي الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف.

ولم يقل: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم، احترازاً من تزكيته نفسه، فعدل عنه إلى قوله: ﴿ فَأَىُّ الفريقين ﴾ يعني فريقي المشركين والموحدين.

ثم استأنف الجواب على السؤال بقوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ ﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم.

وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس ﴿ وَتِلْكَ ﴾ إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم عليه السلام على قومه من قوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ إلى قوله: ﴿ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ﴾ .

ومعنى ﴿ ءاتيناهآ ﴾ أرشدناه إليها ووفقناه لها ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ يعني في العلم والحكمة.

وقرئ بالتنوين ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِهِ ﴾ الضمير لنوح أو لإبراهيم.

و ﴿ دَاوُودُ ﴾ عطف على نوحاً، أي وهدينا داود ﴿ وَمِنْ ءابَائِهِمْ ﴾ في موضع النصب عطفاً على كلاًّ، بمعنى: وفضلنا بعض آبائهم ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ ﴾ مع فضلهم وتقدمهم وما رفع لهم من الدرجات.

لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم، كما قال تعالى وتقدّس ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [الزمر: 65] .

﴿ ءاتيناهمالكتاب ﴾ يريد الجنس ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا ﴾ بالكتاب والحكمة والنبوّة.

أو بالنبوّة ﴿ هؤلاء ﴾ يعني أهل مكة ﴿ قَوْماً ﴾ هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم بدليل قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ وبدليل وصل قوله: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء ﴾ بما قبله.

وقيل: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكل من آمن به.

وقيل: كل مؤمن من بني آدم.

وقيل: الملائكة وادّعى الأنصار أنها لهم.

وعن مجاهد: هم الفرس.

ومعنى توكيلهم بها: أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكّل الرجل بالشيء ليقوم به، ويتعهده ويحافظ عليه.

والباء في ﴿ بِهَا ﴾ صلة كافرين.

وفي ﴿ بكافرين ﴾ تأكيد النفي.

﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ فاختص هداهم بالاقتداء، ولا تقتد إلاّ بهم.

وهذا معنى تقديم المفعول، والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع، فإنها مختلفة وهي هدى، ما لم تنسخ.

فإذا نسخت لم تبق هدى، بخلاف أصول الدين فإنها هدى أبداً.

والهاء في ﴿ اقتده ﴾ للوقف تسقط في الدرج.

واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَحاجَّهُ قَوْمُهُ ﴾ وخاصَمُوهُ في التَّوْحِيدِ.

﴿ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ ﴾ في وحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِخِلافٍ عَنْ هِشامٍ بِتَخْفِيفِ النُّونِ.

﴿ وَقَدْ هَدانِي ﴾ إلى تَوْحِيدِهِ.

﴿ وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ أيْ لا أخافُ مَعْبُوداتِكم في وقْتٍ لِأنَّها لا تَضُرُّ بِنَفْسِها ولا تَنْفَعُ.

﴿ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا ﴾ أنْ يُصِيبَنِي بِمَكْرُوهٍ مِن جِهَتِها، ولَعَلَّهُ جَوابٌ لِتَخْوِيفِهِمْ إيّاهُ مِن آلِهَتِهِمْ وتَهْدِيدٌ لَهم بِعَذابِ اللَّهِ.

﴿ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ كَأنَّهُ عِلَّةُ الِاسْتِثْناءِ، أيْ أحاطَ بِهِ عِلْمًا فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في عِلْمِهِ أنْ يَحِيقَ بِي مَكْرُوهٌ مِن جِهَتِها.

﴿ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ فَتُمَيِّزُوا بَيْنَ الصَّحِيحِ والفاسِدِ والقادِرِ والعاجِزِ.

﴿ وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ﴾ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضُرٌّ.

﴿ وَلا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ﴾ وهو حَقِيقٌ بِأنْ يُخافَ مِنهُ كُلَّ الخَوْفِ لِأنَّهُ إشْراكٌ لِلْمَصْنُوعِ بِالصّانِعِ، وتَسْوِيَةٌ بَيْنَ المَقْدُورِ العاجِزِ بِالقادِرِ الضّارِّ النّافِعِ.

﴿ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا ﴾ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِإشْراكِهِ كِتابًا، أوْ لَمْ يَنْصَبَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.

﴿ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ ﴾ أيِ المُوَحِّدُونَ أوِ المُشْرِكُونَ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ أيُّنا أنا أمْ أنْتُمُ احْتِرازًا مِن تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ما يَحِقُّ أنْ يُخافَ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)

{وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ} في توحيد الله تعالى ونفى الشركاء عنه {قَالَ أَتُحَآجُّونّي فِي الله} في توحيده أَتُحَاجُّونّي مدني وابن ذكوان {وَقَدْ هدان} إلى التوحيد والياء في الوصل أبو عمرو ولما خوفوه أن معبوداتهم تصيبه بسوء قال {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبّي شَيْئاً} أي لا أخاف معبوداتكم في وقت قط لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة إلا إذا شاء ربي أن يصيبني منها بضر فهو قادر على أن يجعل فيما شاء نفعاً وفيما شاء ضراً لا الأصنام

{وَسِعَ رَبّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} فلا يصيب عبداً شيء من ضر أو نفع إلا بعلمه {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} فتميزوا بين القادر والعاجز

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وحاجَّهُ قَوْمُهُ ﴾ أيْ خاصَمُوهُ -كَما قالَ الرَّبِيعُ- أوْ شَرَعُوا في مُغالَبَتِهِ في أمْرِ التَّوْحِيدِ تارَةً بِإيرادِ أدِلَّةٍ فاسِدَةٍ واقِعَةٍ في حَضِيضِ التَّقْلِيدِ وأُخْرى بِالتَّخْوِيفِ والتَّهْدِيدِ ﴿ قالَ ﴾ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُحاجَّتَهم لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قُصُورِهِمْ عَنْ تِلْكَ المَرْتَبَةِ وعَزَّةِ المَطْلَبِ وقُوَّةِ الخَصْمِ ووُضُوحِ الحَقِّ ﴿ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ ﴾ أيْ في شَأْنِهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ فَفِيهِ حَذْفُ إحْدى النُّونَيْنِ واخْتُلِفَ في أيِّهِما المَحْذُوفَةِ، فَقِيلَ: نُونُ الرَّفْعِ وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

ورَجَّحَ بِأنَّ الحاجَةَ دَعَتْ إلى نُونٍ مَكْسُورَةٍ مِن أجْلِ الياءِ ونُونُ الرَّفْعِ لا تُكْسَرُ.

وبِأنَّهُ جاءَ حَذْفُها كَما في قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتُقْلُونا، أرادَ تُقْلُونَنا والنُّونُ الثّانِيَةُ هُنا لَيْسَتْ وِقايَةً بَلْ هي مِنَ الضَّمِيرِ وحَذْفُ بَعْضِ الضَّمِيرِ لا يَجُوزُ وبِأنَّها نائِبَةٌ عَنِ الضَّمَّةِ وهي قَدْ تُحْذَفُ تَخْفِيفًا كَما في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو.

يَنْصُرُكم ويُشْعِرُكم ويَأْمُرُكم.

وقِيلَ نُونُ الوِقايَةِ.

وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ، ورَجَّحَ بِأنَّها الزّائِدَةُ الَّتِي حَصَلَ بِها الثِّقَلُ.، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقَدْ هَدانِي ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ.

فَإنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَهْدِيًّا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى ومُؤَيَّدًا مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ مِمّا يُوجِبُ الكَفَّ عَنْ مُحاجَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَدَمَ المُبالاةِ بِها والِالتِفاتَ إلَيْها إذا وقَعَتْ، قِيلَ: والمُرادُ ﴿ وقَدْ هَدانِي ﴾ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْكم بِوَحْدانِيَّتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ: هَدانِ إلى الحَقِّ بَعْدَ ما سَلَكْتُ طَرِيقَكم بِالفَرْضِ والتَّقْدِيرِ وتَبَيَّنَ بُطْلانُها تَبَيُّنًا تامًّا كَما شاهَدْتُمُوهُ، وعَلى القَوْلَيْنِ لا يَقْتَضِي سَبْقَ ضَلالٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَهْلٍ بِمَعْرِفَةِ رَبِّهِ جَلَّ وعَلا.

و(هْدانِ) يُرْسَمُ كَما قالَ الأجْهُورِيُّ بِلا ياءٍ ﴿ ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ جَوابٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَمّا خَوَّفُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إصابَةِ مَكْرُوهٍ مِن جِهَةِ مَعْبُودِهِمُ الباطِلِ كَما قالَ لِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمُهُ ﴿ إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ ﴾ وهَذا التَّخْوِيفُ قِيلَ: كانَ عَلى تَرْكِ عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَهُ، وقِيلَ: بَلْ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِهِ واحْتِقارِهِ بِنَحْوِ الكَسْرِ والتَّنْقِيصِ، وقِيلَ: ولَعَلَّ ذَلِكَ حِينَ فَعَلَ بِآلِهَتِهِمْ ما فَعَلَ مِمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا شَبَّ وكَبُرَ جَعَلَ آزَرُ يَصْنَعُ الأصْنامَ فَيُعْطِيها لَهُ لِيَبِيعَها فَيَذْهَبُ ويُنادِي مَن يَشْتَرِي ما يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ؛ فَلا يَشْتَرِيها أحَدٌ فَإذا بارَتْ ذَهَبَ بِها إلى النَّهْرِ وضَرَبَ فِيهِ رُؤُوسَها وقالَ لَها اشْرَبِي، اسْتِهْزاءً بِقَوْمِهِ حَتّى فَشا فِيهِمُ اسْتِهْزاؤُهُ فَجادَلُوهُ حِينَئِذٍ وخَوَّفُوهُ.

و(ما) مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ حُذِفَ عائِدُها، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلَّهِ تَعالى أيْ لا أخافُ الَّذِي تُشْرِكُونَهُ بِهِ سُبْحانَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المَوْصُولِ والباءُ سَبَبِيَّةً أيِ الَّذِي تُشْرِكُونَ بِسَبَبِهِ، وأنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا ﴾ بِتَقْدِيرِ الوَقْتِ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ مُسْتَثْنًى مِن أعَمِّ الأوْقاتِ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا.

وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المَصْدَرَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ وقْتٍ، ومَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ مُفَرِّقًا بَيْنَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ فَيُجَوِّزُ نَصْبَهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وغَيْرِ الصَّرِيحِ فَلا يُجَوِّزُ فِيهِ ذَلِكَ.

وابْنُ جِنِّيٍّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّرِيحِ وغَيْرِهِ ويُجَوِّزُ ذَلِكَ فِيهِما عَلى السَّواءِ، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ في رَأْيٍ.

و(شَيْئًا) مَفْعُولٌ بِهِ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيْ لا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا في وقْتِ مَشِيئَتِهِ تَعالى شَيْئًا مِن إصابَةِ مَكْرُوهٍ لِي مِن جِهَتِها أوْ شَيْئًا مِن مَشِيئَتِهِ تَعالى إصابَةِ مَكْرُوهٍ لِي مِن جِهَتِها وذَلِكَ إنَّما هو مِن جِهَتِهِ تَعالى مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِآلِهَتِكم في إيجادِهِ وإحْداثِهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا عَلى مَعْنى ولَكِنْ أخافُ إنْ يَشَأْ رَبِّي خَوْفِي ما أشْرَكْتُمْ بِهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إشارَةٌ إلى أنَّ مَشِيئَتَهُ تِلْكَ إنْ وقَعَتْ غَيْرُ خالِيَةٍ عَنْ مَصْلَحَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ بِالتَّرْبِيَةِ أوْ إظْهارٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِانْقِيادِهِ لِحُكْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى واسْتِسْلامٌ لِأمْرِهِ واعْتِرافٌ بِكَوْنِهِ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ﴿ وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ كَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِثْناءِ أيْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ إنْزالُ المَكْرُوهِ بِي مِن جِهَتِها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، ونَصَبَ (عِلْمًا) عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِوَسِعَ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، وفي الإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ تَأْكِيدٌ لِلْمَعْنى المَذْكُورِ واسْتِلْذاذٌ بِذِكْرِهِ تَعالى: ﴿ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ 80 - أيْ أتُعْرِضُونَ بَعْدَما أوْضَحْتُهُ لَكم عَنِ التَّأمُّلِ في أنَّ آلِهَتَكم بِمَعْزِلٍ عَنِ القُدْرَةِ عَلى شَيْءٍ ما مِنَ النَّفْعِ أوِ الضُّرِّ فَلا تَتَذَكَّرُونَ أنَّها غَيْرُ قادِرَةٍ عَلى إضْرارِي.

وفي إيرادِ التَّذَكُّرِ دُونَ التَّفَكُّرِ ونَحْوِهُ إشارَةٌ إلى أنَّ أمْرَ آلِهَتِهِمْ مَرْكُوزٌ في العُقُولِ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى التَّذْكِيرِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَحاجَّهُ قَوْمُهُ معناه: وحاجّه قومه في دين الله يعني خاصموه ف قالَ لهم إبراهيم أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ يعني: أتخاصموني في دين الله وَقَدْ هَدانِ الله لدينه.

قرأ نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان أَتُحاجُّونِّي بتشديد الجيم وتخفيف النون.

وقرأ الباقون بتشديد النون.

لأن أصله أتحاجونني بنونين فأدغم أحدهما في الآخر.

فقال: أَتُحاجُّونِّي يعني: أتجادلوني في دين الله وَقَدْ هَدانِ يعني: بيّن لي الطريق.

وكانت خصومتهم أنهم حين سمعوه عاب آلهتهم فقالوا له: أما تخاف تخبلك فتهلك؟

فقال: إني لا أخاف ما لا يسمع ولا يبصر.

وقال الكلبي ومقاتل: لما خوّفوه بذلك قال لهم: إنما تخافون أنتم إذ سوّيتم بين الذكر والأنثى، والصغير والكبير.

أما تخافون من الكبير إذ سويتموه بالصغير؟

وهذا قوله: وَلا أَخافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ.

قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً فيضلني، فأخاف منهم.

ويقال: إلا أن يشاء ربي شيئاً يعني: ملأ علم ربي كُلَّ شَىْء عِلْماً.

يعني: يعلم السر والعلانية.

ثم قال: أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يعني: أفلا تتعظون فتؤمنون به؟

قوله تعالى: وَكَيْفَ أَخافُ مَا أَشْرَكْتُمْ يعني: من الأصنام وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً يقول: كتاباً وعذراً وحجة لكم فيه فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ من العذاب؟

الموحّد أم المشرك إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذلك.

ثم قال: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ قال بعضهم: هذا قول الله تعالى لما حكى قول إبراهيم للنبي  قال: على أثر ذلك الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ يعني: لم يخالطوا تصديقهم بالشرك ولم يعبدوا غيره.

أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ من الضلالة.

وقال بعضهم: هذا كله قول إبراهيم لقومه.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «مَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ وَأُعْطِيَ فَشَكَرَ وَظَلَمَ فَاسْتَغْفَرَ وَظُلِمَ فَغَفَرَ» .

قيل له: ما لهم يا رسول الله؟

قال: أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدثنا الماسرجي.

قال: حدّثنا أبو كريب.

قال: حدّثنا ابن إدريس عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.

قال: لما نزلت هذه الآية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ شقّ ذلك على أصحاب رسول الله  فقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟

فقال رسول الله  : «ألا ترون إلى قول لقمان لابنه إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] » يعني: إن الظلم أراد به الشرك.

ثم قال وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ يعني: أعطيناها إبراهيم على قومه.

يعني: وفقناه للحجة يخاصم بها قومه نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ يعني: فضائل من نشاء في الدنيا بالحجة، وفي الآخرة بالدرجات إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في أمره عَلِيمٌ بخلقه من يصلح للنبوة.

قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي دَرَجاتٍ بالتنوين وقرأ الباقون دَرَجاتٍ على معنى الإضافة.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قتادة «١» ، وقال السُّدِّيُّ: هو المشتري جانحاً إلى الغروب «٢» ، فلما أَفَلَ بزغ القمر، وهو أول طلوعه، فَسَرَى الليل أجْمَعُ، فلما بزغَتِ الشمسُ، زال ضوء القمرِ قبلها لانتشار الصباحِ، وخَفِيَ نوره، ودنا أيضاً مِنْ مغربه، فسمى ذلك أفولاً لقربه من الأُفُولِ التامِّ على تجوُّز في التسمية، وهذا الترتيبُ يستقيمُ في الليلة الخامسةَ عَشَرَ من الشَّهْر إلى ليلة عشْرين، وليس يترتَّب في ليلةٍ واحدة كما/ أجمع أهل التفسير، إلاَّ في هذه الليالي، وبذلك يصحُّ التجوُّز في أفول القمر، «وأَفَلَ» في كلام العرب: معناه: غاب، وقيل: معناه، ذَهَبَ، وهذا خلافٌ في العبارة فقَطْ، والبزوغُ في هذه الأنوارِ: أوَّلُ الطلوع، وما في كَوْنِ هذا الترتيب في ليلةٍ من التجوُّز في أفول القمر لأنَّ أفوله لو قدَّرناه مَغِيبَهُ، لكان ذلك بَعْد بزوغ الشمسِ، وجميع ما قلناه يعطيه الاعتبار، ويَهْدِيَنِي: يرشدْنِي وهذا اللفظ يؤيِّد قول من قال: إن القصة في حالِ الصِّغَر، والقومُ الضالُّون هنا عبدةُ المخلوقاتِ كالأصنام وغيرها، ولما أفَلَتِ الشمسُ، لم يبقَ شيءٌ يمثِّل لهم به، فظهرَتْ حُجَّته، وقَوِيَ بذلك على منابذتهم والتبرِّي من إشراكهم، وقوله: إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ: يؤيِّد قول من قال: إن القصة في حال الكبر والتكليف، ووَجَّهْتُ وَجْهِيَ، أي: أقبلْتُ بقَصْدي وعبادتِي وتوحيدِي وإيمانِي للذي فطر السموات والأرض، أي: اخترعها وحَنِيفاً: أي مستقيماً، والحَنَف: المَيْل فكأنه مال عن كلّ جهة إلى القوام.

وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)

وقوله تعالى: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ، أي: أتراجعوني في الحجَّة في توحيد اللَّه، وَقَدْ هَدانِ، أي: قد أرشدني إلى معرفتِهِ وتوحيده، وَلا أَخافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ، الضميرُ في بِهِ يعودُ على اللَّهِ والمعنى: ولا أخافُ الأصنامُ التي تشركونَهَا باللَّه في الربوبيَّة، ويحتمل أنْ يعود على «ما» ، والتقديرُ: ما تشركون بسَبَبِهِ، وقوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً: استثناء ليس من الأوّل، وشَيْئاً: منصوب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: جَعَلْتُ قَصْدِي بِعِبادَتِي وتَوْحِيدِي لَلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ عَزَّ وجَلَّ.

وباقِي الآَيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ.

وَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحاجَّهُ قَوْمُهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جادَلُوهُ في آَلِهَتِهِمْ، وخَوَّفُوهُ بِها، فَقالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ أتُحاجُّونِّي ﴾ .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " أتُحاجُّونِّي " و " تَأْمُرُونِّي " [الزُّمَرِ:٦٤] بِتَشْدِيدِ النُّونِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِتَخْفِيفِها، فَحَذَفا النُّونَ الثّانِيَةَ لالتِقاءِ النُّونَيْنِ.

ومَعْنى ﴿ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ ﴾ أيْ: في تَوْحِيدِهِ.

﴿ وَقَدْ هَدانِي ﴾ ، أيْ: بَيَّنَ لِي ما بِهِ اهْتَدَيْتُ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ: "هَدانِي" بِإمالَةِ الدّالِ.

والإمالَةُ حَسَنَةٌ فِيما كانَ أصْلَهُ الياءُ، وهَذا مِن هَدى يَهْدِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ أيْ: لا أرْهَبُ آَلِهَتَكم، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: نَخافُ أنْ تَمَسَّكَ آَلِهَتُنا بِسُوءٍ، فَقالَ: لا أخافُها لِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا ﴾ فَلَهُ أخافُ ﴿ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ أيْ: عَلَّمَهُ عِلْمًا تامًّا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَلَمّا رَأى الشَمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللهِ وقَدْ هَدانِي ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ لَمّا قَصَدَ رَبَّهُ قالَ: "هَذا"؛ فَذَكَّرَ؛ أيْ: هَذا المَرْئِيُّ؛ أوِ المُنِيرُ؛ ونَحْوُ هَذا؛ "فَلَمّا أفَلَتْ"؛ اَلشَّمْسُ؛ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُمَثِّلُ لَهم بِهِ؛ فَظَهَرَتْ حُجَّتُهُ؛ وقَوِيَ بِذَلِكَ عَلى مُنابَذَتِهِمْ؛ والتَبَرِّي مِن إشْراكِهِمْ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ ؛ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: اَلنّازِلَةُ في حالِ الكِبَرِ والتَكْلِيفِ؛ و ﴿ وَجَّهْتُ وجْهِيَ ﴾ ؛ أيْ: أقْبَلْتُ بِقَصْدِي؛ وعِبادَتِي؛ وتَوْحِيدِي؛ وإيمانِي؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعُمُّهُ المَعْنى المُعَبَّرُ عنهُ بِـ "وَجْهِيَ"؛ و"فَطَرَ"؛ مَعْناهُ: اِبْتَدَعَ في أجْرامٍ؛ و"حَنِيفًا"؛ مَعْناهُ: مُسْتَقِيمًا؛ و"اَلْحَنَفُ": "اَلْمَيْلُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ وأصْلُهُ في الأشْخاصِ؛ وهو في المَعانِي مُسْتَعارٌ؛ فالمُعْوَجُّ في الأجْرامِ أحْنَفُ؛ عَلى الحَقِيقَةِ؛ أيْ مائِلٌ؛ والمُسْتَقِيمُ فِيها أحْنَفُ؛ عَلى تَجَوُّزٍ؛ كَأنَّهُ مالَ عن كُلِّ جِهَةٍ إلى القَوامِ.

"وَحاجَّهُ": "فاعَلَهُ"؛ مِن "اَلْحُجَّةُ"؛ قالَ: "أتُراجِعُونَنِي في الحُجَّةِ في تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؟"؛ وقَرَأ قَوْمٌ: "أتُحاجُّونَنِي"؛ بِإظْهارِ النُونَيْنِ؛ وهو الأصْلُ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "أتُحاجُّونِّي"؛ بِإدْغامِ النُونِ الأُولى في الثانِيَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أتُحاجُّونِي"؛ بِحَذْفِ النُونِ الواحِدَةِ؛ فَقِيلَ: هي الثانِيَةُ؛ وقِيلَ: هي الأُولى؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّها بَقِيَتْ مَكْسُورَةً؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ تُحْذَفَ الأُولى؛ لِأنَّها لِلْإعْرابِ؛ وإنَّما حُذِفَتِ الثانِيَةُ الَّتِي هي تَوْطِئَةٌ لِياءِ المُتَكَلِّمِ؛ كَما حُذِفَتْ في "لَيْتِي"؛ وفي قَوْلِ الشاعِرِ: ...............

∗∗∗ يَسُوءُ الغالِياتِ إذا فَلَيْنِي وكُسِرَتْ - بَعْدَ ذَلِكَ - الأُولى الباقِيَةُ؛ لِمُجاوَرَتِها لِلْياءِ.

"وَقَدْ هَدانِ"؛ أيْ: أرْشَدَنِي إلى مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ؛ وأمالَ الكِسائِيُّ: "هَدانِ"؛ والإمالَةُ في ذَلِكَ حَسَنَةٌ؛ وإذا جازَتِ الإمالَةُ في "غَزا"؛ و"دَعا" - وهُما مِن ذَواتِ الواوِ - فَهي في "هَدانِ" - الَّتِي هي مِن ذَواتِ الياءِ - أجْوَزُ؛ وأحْسَنُ؛ وحُكِيَ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -: خَفْ أنْ تُصِيبَكَ آلِهَتُنا بِبَرَصٍ؛ أو داءٍ؛ لِإذايَتِكَ لَها؛ وتَنَقُّصِكَ؛ فَقالَ لَهم - عَلَيْهِ السَلامُ -: "لَسْتُ أخافُ الَّذِي تُشْرِكُونَ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ؛ ولا غَناءَ عِنْدَهُ"؛ و"ما"؛ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَيَكُونَ - عَلى هَذا - في قَوْلِهِ: "تُشْرِكُونَ"؛ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"؛ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "وَلا أخافُ الأصْنامَ الَّتِي تُشْرِكُونَها بِاللهِ تَعالى في الرُبُوبِيَّةِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "ما"؛ فَلا يُحْتاجُ إلى غَيْرِهِ؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "ما تُشْرِكُونَ بِسَبَبِهِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا ﴾ ؛ اِسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ؛ و"شَيْئًا"؛ مَنصُوبٌ بِـ "يَشاءَ"؛ ولَمّا كانَتْ قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُ لا يَخافُ ضُرًّا؛ اسْتَثْنى مَشِيئَةَ رَبِّهِ تَعالى في أنْ يُرِيدَهُ بِضُرٍّ؛ و"عِلْمًا"؛ نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ؛ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ؛ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقًا"؛ والمَعْنى: "تَصَبَّبَ عَرَقُ زَيْدٍ"؛ فَكَذَلِكَ المَعْنى هُنا: وسِعَ عِلْمُ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ؛ ﴿ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ ؛ تَوْقِيفٌ؛ وتَنْبِيهٌ؛ وإظْهارٌ لِمَوْضِعِ التَقْصِيرِ مِنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا أعلن إبراهيم عليه السلام معتَقَده لقومه أخذوا في محاجّته، فجملة ﴿ وحاجَّة ﴾ عطف على جملة ﴿ إنِّي وجَّهْتُ وجهِي للذي فطر السماوات والأرض ﴾ [الأنعام: 79].

وعطفت الجملة بالواو دون الفاء لتكون مستقلَّة بالإخبار بمضمونها مع أنّ تفرّع مضمونها على ما قبلها معلوم من سياق الكلام.

والمحاجَّة مفاعلة متصرّفة من الحُجَّة، وهي الدّليل المؤيّد للدعوى.

ولا يعرف لهذه المفاعلة فعْل مجرّد بمعنى استدلّ بحجّة، وإنَّما المعروف فِعْل حَجّ إذا غَلب في الحُجَّة، فإن كانت احتجاجاً من الجانبين فهي حقيقة وهو الأصل، وإن كانت من جانب واحد باعتبار أنّ محاول الغَلَب في الحجَّة لا بدّ أن يتلقَّى من خصمه ما يرُدّ احتجاجه فتحصل المحاولة من الجانبين، فبذلك الاعتبار أطلق على الاحتجاج محاجَّة، أو المفاعلة فيه للمبالغة.

والأوْلى حملها هنا على الحقيقة بأن يكون المعنى حصول محاجَّة بينهم وبين إبراهيم.

وذكر الشيخ ابن عرفة في درس تفسيره: أنّ صيغة المفاعلة تقتضي أنّ المجعول فيها فاعلاً هو البادئ بالمحاجَّة، وأنّ بعض العلماء استشكل قوله تعالى في سورة [البقرة: 258] ﴿ ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيمَ في ربِّه ﴾ حيث قال: ﴿ إذ قال إبراهيم ربّي الذي يحيي ويميت ﴾ [البقرة: 258].

فبدأ بكلام إبراهيم وهو مفعول الفعل وأجاب بأنّ إبراهيم بدأ بالمقاولة ونمروذ بدأ المحاجَّة.

ولم يذكر أئمَّة اللّغة هذا القيد في استعمال صيغة المفاعلة.

ويجوز أن يكون المراد هنا أنَّهم سلكوا معه طريق الحجَّة على صحَّة دينهم أو على إبطال معتقده وهو يسمع، فجعل سماعه كلامهم بمنزلة جواب منه فأطلق على ذلك كلمة المحاجَّة.

وأبهم احتجاجهم هنا إذ لا يتعلَّق به غرض لأنّ الغرض هو الاعتبار بثبات إبراهيم على الحقّ.

وحذف متعلّق ﴿ حاجّة ﴾ لدلالة المقام، ودلالة ما بعده عليه من قوله: ﴿ أتحاجّوني في الله ﴾ الآيات.

وقد ذكرت حججهم في مواضع في القرآن، منها قوله في سورة [الأنبياء: 52 56] ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين إلى قوله وأنا على ذلكم من الشاهدين ﴾ ، وقوله في سورة [الشعراء: 72، 73] ﴿ قال هل يَسْمعونكم إذْ تدعون أو ينفعونكم أو يضُرّون الآيات ﴾ وفي سورة [الصافات: 85 98] ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون إلى قوله فجعلناهم الأسفلين ﴾ وكلّها محاجَّة حقيقيّة، ويدخل في المحاجّة ما ليس بحجَّة ولكنَّه ممّا يرونه حججاً بأن خوّفُوه غضب آلهتهم، كما يدلّ عليه قوله: ولا أخاف ما تشركون به } الآية.

والتقدير: وحاجّه قومه فقالوا: كيت وكيت.

وجملة ﴿ قال أتحاجّوني في الله ﴾ جوابُ محاجَّتهم، ولذلك فصلت، على طريقة المحاورات كما قدّمناه في قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربّك للملائكة إنِّي جاعل في الأرض خليفة ﴾ في سورة [البقرة: 30]، فإن كانت المحاجَّة على حقيقة المفاعلة فقوله أتحاجّوني } غلق لباب المجادلة وخَتْم لها، وإن كانت المحاجّة مستعملة في الاحتجاج فقوله: ﴿ أتحاجّوني ﴾ جواب لمحاجّتهم، فيكون كقوله تعالى: ﴿ فإن حاجّوك فقل أسلمتُ وجهي لله ﴾ [آل عمران: 20].

والاستفهام إنكار عليهم وتأييس من رجوعه إلى معتقدهم.

و ﴿ في ﴾ للظرفية المجازية متعلّقة ب ﴿ تحاجّوني ﴾ ودخولها على اسم الجلالة على تقدير مضاف، لأنّ المحاجَّة لا تكون في الذّوات، فتعيّن تقدير ما يصلح له المقام وهو صفات الله الدّالَّة على أنَّه واحد، أي في توحيد الله وهذا كقوله تعالى: ﴿ يُجَادلُنا في قوم لُوط ﴾ [هود: 74] أي في استئصالهم.

وجملة ﴿ وقد هدانِ ﴾ حال مؤكَّدة للإنكار، أي لا جدوى لمحاجَّتكم إيّاي بعد أن هداني الله إلى الحقّ، وشأن الحال المؤكّدة للإنكار أن يكون اتّصاف صاحبها بها معروفاً عند المخاطب.

فالظاهر أنّ إبراهيم نزّلهم في خطابه منزلةَ من يعلم أنّ الله هَداه كناية على ظهور دلائل الهداية.

وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر ﴿ أتحاجّوني ﴾ بنون واحدة خفيفة وأصله أتحاجّونني بنونين فحذفت إحداهما للتخفيف، والمحذوفة هي الثانية التي هي نون الوقاية على مختار أبي علي الفارسي.

قال: لأنّ الأولى نون الإعراب وأمّا الثّانية فهي موطّئة لياء المتكلّم فيجوز حذفها تخفيفاً، كما قالوا: ليْتِي في لَيْتَنِي.

وذهب سيبويه أنّ المحذوفة هي الأولى لأنّ الثانية جلبت لتحْمِل الكسرة المناسبة للياء ونون الرفع لا تكون مكسورة، وأيَّاً ما كان فهذا الحذف مستعمل لقصد التخفيف.

وعن أبي عمرو بن العلاء: أنّ هذه القراءة لحن، فإن صحّ ذلك عنه فهو مخطئ في زعمه، أو أخْطَأ من عزاه إليه.

وقرأه البقية بتشديد النّون لإدغام نون الرفع في نون الوقاية لقصد التخفيف أيضاً، ولذلك تمدّ الواو لتكون المدّة فاصلة بين التقاء الساكنين، لأنّ المدّة خفّة وهذا الالتقاءُ هو الذي يدعونه التقاء الساكنين على حَدّه.

وحذفت ياء المتكلّم في قوله ﴿ وقد هدانِ ﴾ للتخفيف وصلاً ووقفاً في قراءة نافع من رواية قالون، وفي الوقف فقط في قراءة بعض العشرة.

وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ أجيب دعوة الداعي إذا دَعَانِ ﴾ [البقرة: 186].

وقوله: ﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ معطوف على ﴿ أتحاجّوني ﴾ فتكون إخباراً، أو على جملة ﴿ وقد هَدَانِ ﴾ فتكون تأكيداً للإنكار.

وتأكيدُ الإنكار بها أظهر منه لقوله ﴿ وقد هدانِ ﴾ لأنّ عدم خوفه من آلهتهم قد ظهرت دلائله عليه.

فقومُه إمَّا عالمون به أو منزّلون منزلة العالم، كما تقدّم في قوله: ﴿ وقد هدَانِ ﴾ وهو يؤذن بأنَّهم حاجّوه في التّوحيد وخوّفوه بطش آلهتهم ومسَّهم إيَّاه بسوء، إذ لا مناسبة بين إنكار محاجَّتهم إيَّاه وبين نفي خوفه من آلهتهم، ولا بين هدى الله إيّاه وبين نفي خوفه آلهتهم، فتعيَّن أنّهم خوّفوه مكر آلهتهم.

ونظير ذلك ما حكاه الله عن قوم هود ﴿ إنْ نقول إلاّ اعتراك بعضُ آلهتنا بسوء ﴾ [هود: 54].

و (ما] من قوله: ﴿ ما تشركون به ﴾ موصولة ماصْدقها آلهتهم التي جعلوها شركاء لله في الإلهيّة.

والضمير في قوله ﴿ به ﴾ يجوز أن يكون عائداً على اسم الجلالة فتكون الباء لتعدية فعل ﴿ تشركون ﴾ ، وأن يكون عائداً إلى (ما) الموصولة فتكون الباء سببية، أي الأصنام التي بسببها أشركتم.

وقوله: ﴿ إلاّ أن يشاء ربِّي شيئاً ﴾ استثناء ممّا قبله وقد جعله ابن عطية استثناء منقطعاً بمعنى لكنْ.

وهو ظاهر كلام الطبري، وهو الأظهر فإنَّه لمّا نفى أن يكون يخاف إضرار آلهتهم وكان ذلك قد يتوهَّم منه السّامعون أنَّه لا يخاف شيئاً استدرك عليه بما دلّ عليه الاستثناءُ المنقطع، أي لكن أخاف مشيئة ربِّي شيئاً ممَّا أخافه، فذلك أخافُه.

وفي هذا الاستدراك زيادة نكاية لقومه إذ كان لا يخاف آلهتهم في حين أنَّه يخشى ربَّه المستحقّ للخشية إن كان قومه لا يعترفون بربّ غير آلهتهم على أحد الاحتمالين المتقدّمين.

وجعل الزمخشري ومتابعوه الاستثناء متّصلاً مفرّغاً عن مستثنى منه محذوف دلّ عليه الكلام، فقدّره الزمخشري من أوقات، أي لا أخاف ما تشركون به أبداً، لأنّ الفعل المضارع المنفي يتعلّق بالمستقبل على وجه عموم الأزمنة لأنَّه كالنَّكرة المنفية، أي إلاّ وقت مشيئة ربِّي شيئاً أخافه من شركائكم، أي بأنْ يسَلّط ربِّي بعضها عليّ فذلك من قدرة ربِّي بواسطتها لا من قدرتها عليّ.

وجوّز أبو البقاء أن يكون المستثنى منه أحوالاً عامّة، أي إلاّ حالَ مشيئة ربِّي شيئاً أخافه منها.

وجملة: ﴿ وسع ربِّي كلّ شيء علما ﴾ استئناف بياني لأنَّه قد يختلج في نفوسهم: كيف يشاء ربّك شيئاً تخافه وأنت تزعم أنَّك قائم بمرضاته ومؤيد لدينه فما هذا إلاّ شكّ في أمرك، فلذلك فُصلت، أي إنَّما لم آمن إرادة الله بي ضُرّا وإن كنت عبده وناصر دينه لأنَّه أعلم بحكمة إلحاق الضرّ.

أو النفع بمن يشاء من عباده.

وهذا مقام أدب مع الله تعالى ﴿ فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون ﴾ [الأعراف: 99].

وجملة ﴿ أفلا تتذكَّرون ﴾ معطوفة على جملة ﴿ أتحاجّوني في الله وقد هَدانِ ﴾ .

وقُدّمت همزة الاستفهام على فاء العطف.

والاستفهام إنكار لعدم تذّكرهم مع وضوح دلائل التذكّر.

والمراد التذكّر في صفات آلهتهم المنافية لمقام الإلهية، وفي صفات الإله الحقّ التي دلَّت عليها مصنوعاته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ ﴾ في الظُّلْمِ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ عَلى المُسْلِمِينَ فَقالُوا: ما مِنّا مِن أحَدٍ إلّا وهو يَظْلِمُ نَفْسَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : لَيْسَ كَما تَظُنُّونَ، وإنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: ﴿ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ » .

والثّانِي: أنَّهُ سائِرُ أنْواعِ الظُّلْمِ.

وَمَن قالَ بِهَذا اخْتَلَفُوا في عُمُومِها وخُصُوصِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها عامَّةٌ.

والثّانِي: أنَّها خاصَّةٌ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِتَخْصِيصِها فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في إبْراهِيمَ خاصَّةً ولَيْسَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنها شَيْءٌ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.

والثّانِي: أنَّها فِيمَن هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَوابًا مِنهُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ جَوابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَصَلَ بِهِ بَيْنَ إبْراهِيمَ ومَن حاجَّهُ مِن قَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهُ جَوابُ قَوْمِهِ لِما سَألَهم ﴿ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ ﴾ ؟

فَأجابُوا بِما فِيهِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ جَوابُ إبْراهِيمَ كَما يَسْألُ العالِمُ نَفْسَهُ فَيُجِيبُها، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ ﴾ وفي هَذِهِ الحُجَّةِ الَّتِي أُوتِيَها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: قَوْلُهُ لَهُمْ: ﴿ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ أمْ تَعْبُدُونَ مَن يَمْلِكُ الضُّرَّ والنَّفْعَ؟

فَقالُوا: مالِكُ الضُّرِّ والنَّفْعِ أحَقُّ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ ﴾ عِبادَةُ إلَهٍ واحِدٍ أمْ آلِهَةٍ شَتّى؟

فَقالُوا: عِبادَةُ إلَهٍ واحِدٍ فَأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا قالُوا لِإبْراهِيمَ ألا تَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا؟

فَقالَ: أما تَخافُونَ أنْ تَخْبِلَكم آلِهَتُكم بِجَمْعِكم لِلصَّغِيرِ مَعَ الكَبِيرِ في العِبادَةِ.

واخْتَلَفُوا في سَبَبِ ظُهُورِ الحُجَّةِ لِإبْراهِيمَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْطَرَها بِبالِهِ حَتّى اسْتَخْرَجَها بِفِكْرِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ أمَرَهُ بِها ولَقَّنَهُ إيّاها.

﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عِنْدَ اللَّهِ بِالوُصُولِ لِمَعْرِفَتِهِ.

والثّانِي: عَلى الخُلُقِ بِالِاصْطِفاءِ لِرِسالَتِهِ.

والثّالِثُ: بِالسَّخاءِ.

والرّابِعُ: بِحُسْنِ الخُلُقِ.

وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: نَرْفَعُ مَن نَشاءُ دَرَجاتٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ وحاجه قومه ﴾ يقول: خاصموه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أتحاجوني ﴾ قال: أتخاصمونني.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أتحاجوني ﴾ مشددة النون.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ وحاجه قومه ﴾ قال: دعوا مع الله إلهاً ﴿ أتحاجوني في الله وقد هدان ﴾ وقد عرفت ربي، خوّفوه بآلهتهم أن يصيبه منها خبل فقال: ﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ ثم قال: ﴿ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون ﴾ أيها المشركون ﴿ أنكم أشركتم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فأي الفريقين أحق بالأمن ﴾ قال: قول إبراهيم حين سألهم أي الفريقين أحق بالأمن، ومن حجة إبراهيم!.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿ فأي الفريقين أحق بالأمن ﴾ أمن خاف غير الله ولم يخفه، أم من خاف الله ولم يخف غيره؟

فقال الله: ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ﴾ [ الأنعام: 82] .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ﴾ قال ابن عباس: (خاصمه وجادله في آلهتهم وخوفوه بها) (١) وقال أبو إسحاق: (ومحاجتهم إياه كانت -والله أعلم- فيما عبدوا مع الله جل وعز من الكواكب والشمس والقمر والأصنام فقال: ﴿ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ ﴾ أي: في توحيد الله عز وجل ﴿ وَقَدْ هَدَانِ ﴾ \[أي\] (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) تَرَاهُ كَالثَّغَامِ يُعَلُّ مِسْكًا ...

يَسُوءُ الْفَالِياتِ إذَا فَلَيْنِي (١٠) فالمحذوفة المصاحبة للياء، ولا يجوز أن يكون الأولى؛ لأن الفعل يبقى بلا فاعل.

وقد جاء حذف هذه النون في كلامهم قال (١١) أَبِالْمَوتِ (١٢) (١٣) ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ قال ابن جريج: (خوفوه آلهتهم أن يصيبه منها خبل فقال: ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ ) (١٤) (١٥) (١٦) ﴿ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ﴾ ، أي: إلا أن يشاء أن يعذبني، وموضع (أن) نصب، أي: لا أخاف إلاَّ مشيئة الله) (١٧) (١٨) (١٩) وقال ابن عباس (٢٠) (١) "تنوير المقباس" 2/ 35، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 70، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 76.

(٢) لفظ: (أي) ساقط من (ش).

(٣) "معاني القرآن" 2/ 268.

(٤) أي: إدغام نون الرفع في نون الوقاية.

(٥) قرأ ابن عامر ونافع (أتحاجوني) بتخفيف النون، وشددها الباقون.

انظر: "السبعة" 261، و"المبسوط" ص 171، و"التذكرة" 2/ 403، و"التيسير" ص 104، و"النشر" 2/ 259.

(٦) في (ش): (فتوصل).

(٧) في (ش): (وبالحذف)، وهو تحريف.

(٨) ديوان، بالكسر: مجتمع الصحف والدفتر الذي يكتب فيه، وأصله دوَّان بتشديد الواو عوض من إحدى الواوين ياء؛ لأنه يجمع على دواوين.

انظر: "اللسان" 3/ 1461 (دون).

(٩) القيراط: وحدة وزن معروفة، وأصله قرط بتشديد الراء، أبدل من إحدى حرفي تضعيفه ياء؛ لأن جمعه قراريط.

انظر: "اللسان" 6/ 3591 (قرط).

(١٠) "ديوان عمرو بن معد يكرب" ص 180، و"الكتاب" 3/ 520، و"معاني الفراء" 2/ 90، و"مجاز القرآن" 1/ 352، و"الصحاح" 6/ 2457، و"اللسان" 6/ 3470، (فلا).

وبلا نسبة في: "معاني الأخفش" 1/ 235، و"الجمهرة" 1/ 459، و"الحجة" لابن خالويه ص 143، "المنصف" 2/ 337، و"المغني" 2/ 621، والثغام: نبات أبيض، ويعل: يطيب، والفاليات من الفلي، وهو إخراج القمل.

والشاهد: حذف النون من فلينني.

(١١) الشاهد لأبي حَيّة النميري الهَيْثم بن الربيع، شاعر أموي عباسي.

في "مجاز القرآن" 1/ 352، و"معاني الأخفش" 1/ 235، و"الصحاح" 6/ 2457، و"اللسان" 2/ 1207 (خعل)، 1/ 18 (أبى)، 6/ 3470 (فلا)، وبلا نسبة في: "المقتضب" 4/ 375، و"الكامل" للمبرد 2/ 142، 3/ 218، و"الأصول" 1/ 390، و"إعراب النحاس" 2/ 197، و"اللامات" للزجاجي ص 103، و"الخصائص" 2/ 142، 3/ 218، و"المنصف" 2/ 337، وهو في "أمالي ابن الشجري" 2/ 128 للأعشى وليس في "ديوانه"، والشاهد: حذف النون من تخوفينني.

(١٢) جاء في هامش (أ) تصحيح: (أبا الموت) إلى (أبي الموت).

(١٣) ما سبق قول إبي علي الفارسي في "الحجة" 3/ 333 - 335، بتصرف.

وانظر: "معاني القراءات" 1/ 367، و"إعراب القراءات" 1/ 162، و"الحجة" لابن زنجلة ص 257، و"الكشف" 1/ 436.

(١٤) أخرجه الطبري 7/ 253 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 49.

(١٥) في (أ): (يعبدونها).

(١٦) في (ش): (لا يضر ولا ينفع).

(١٧) "معاني الزجاج" 2/ 268 - 269، وانظر: "بدائع التفسير" 2/ 152 - 156.

(١٨) في (ش): (تعذبني).

(١٩) انظر: "إعراب النحاس" 1/ 561، و"معاني النحاس" 2/ 453، وابن عطية 5/ 266، و"التبيان" ص 244، و"الفريد" 2/ 180، و"الدر المصون" 5/ 19.

(٢٠) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أتحاجواني فِي الله ﴾ أي في الإيمان بالله وفي توحيده، والأصل أتحاجونني بنونين وقرئ بالتشديد على إدغام أحدهما في الآخر، وبالتخفيف على حذف أحدهما واختلف هل حذفت الأولى أو الثانية ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ ما هنا الذي ويريد بها الأصنام، وكانوا قد خوفوه أن تصيبه أصنامهم بضر، فقال: لا أخاف منهم؛ لأنهم لا يقدرون على شيء ﴿ أولئك الذين هَدَى الله ﴾ [الأنعام: 90] استثناء منقطع بمعنى لكن: أي إنما أخاف من ربي إن أراد بي شيئاً ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ ﴾ أي كيف أخاف شركاءكم الذين لا يقدرون على شيء؟

وأنتم لا تخافون ما فيه كل خوف، وهو إشراككم بالله وأنتم تنكرون عليّ الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟

ثم أوفقهم على ذلك بقوله فأيّ الفريقين أحق بالأمن؟

ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟

ثم أوفقهم على ذلك بقوله فأيّ الفريقين أحق بالأمن؟

يعني فريق المؤمنين، وفريق الكافرين، ثم أجاب عن السؤال بقوله: ﴿ الذين آمَنُواْ ﴾ الآية؛ وقيل: إن الذين آمنوا: استئناف وليس من كلام إبراهيم ﴿ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ لما نزلت هذه الآية أشفق منها لابنه: ﴿ يابني لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13] ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ﴾ إشارة إلى ما تقدم من استدلاله واحتجاجه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أراك ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ لأبيه آزر ﴾ بالضم على النداء: يعقوب ﴿ رأى كوكباً ﴾ بإمالة الهمزة: أبو عمرو غير عباس والنجاري عن ورش.

وكذلك ﴿ رآه ﴾ و ﴿ رآك ﴾ وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وعباس وهبيرة من طريق الخراز بكسر الراء والهمزة.

وافق ابن ذكوان في ﴿ رأى ﴾ فقط وخالفهم فيما اتصلت بالكاف والهاء في سورة النجم.

وافق مجاهد والنقاش بالإمالة وكسر الراء في سورة "اقرأ باسم" ﴿ رأى القمر ﴾ و ﴿ رأى الشمس ﴾ ونحوهما بكسر الراء وفتح الهمزة: حمزة وخلف ونصر وعباس ويحي والخراز.

وروى خلف عن يحي بكسر الراء والهمزة ﴿ أتحاجوني ﴾ بتخفيف النون: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان.

الباقون: بإدغام نون الإعراب في نون الوقاية ﴿ وقد هدان ﴾ بالإمالة: علي.

وقرأ سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الحالين، وافق أبو عمرو ويزيد واسماعيل في الوصل.

﴿ درجات ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.

الوقوف: ﴿ آلهة ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الموقنين ﴾ ه ﴿ رأى كوكباً ﴾ ج لأن جواب "لما" قوله "رأى" مع اتحاد الكلام بلا عطف ﴿ ربي ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع فاء التعقيب فيها.

﴿ الآفلين ﴾ ه ﴿ هذا ربي ﴾ ج لذلك ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ هذا أكبر ﴾ ج لذلك ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ المشركين ﴾ ج لاحتمال الواو الحال أي وقد حاجه.

﴿ قومه ﴾ ط ﴿ هدان ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ شيئا ﴾ ط ﴿ علما ﴾ ط ﴿ تتذكرون ﴾ ه ﴿ سلطانا ﴾ ط للاستفهام بعد تمام الاستفهام ﴿ بالأمن ﴾ ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف التقدير: إن كنتم تعلمون فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿ تعلمون ﴾ ه لتناهي الاستفهام وابتداء إخبار، ولو وصل اتصل بما قبله ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ على قومه ﴾ ط ﴿ من نشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: إنه  كثيراً ما يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم صلوات الرحمن عليه لأنه يعرف بالفضل والتقدم عند جميع الطوائف، وذلك أنه سلم قلبه للرحمن ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان.

ثم إن بظاهر الآية يدل على أن اسم والد ابراهيم هو آزر، ومنهم من قال: اسمه تارح.

قال الزجاج: لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح، فمن الملحدة من طعن في هذا النسب لهذا السبب.

والجواب أن إجماع النسابة لا عبرة به لأن ذلك ينتهي إلى قول الواحد أو الأثنين - مثل وهب وكعب - أو غيرهما.

سلمنا أن اسمه كان "تارح" لكنه من المحتمل أن يكون أحدهما لقباً والآخر اسماً أصلياً، أو يكون آزر صفة مخصوصة في لغتهم كالمخطىء والمخذول.

وقيل: إن آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية وهذا عند من يجوز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب.

وقيل: إن آزر اسم صنم يجوز أن ينبز به للزومه عبادته، فإن من بالغ في محبة واحد فقد يجعل اسم المحبوب اسماً للمحب قال  ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم  ﴾ وقال الشاعر: أدعى بأسماء نبزاً في قبائلها *** كأن أسماء أضحت بعض أسمائي.

أو أريد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

وقيل: إن والد إبراهيم كان تارح وكان آزر عماً له والعم قد يطلق عليه اسم الأب بدليل قوله ﴿ نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق  ﴾ ومعلوم أن إسماعيل كان عماً ليعقوب.

ومما يدل على صحة ظاهر الآية أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا حراصاً متهالكين على تكذيب الرسول  وإظهار نقصه، فلو كان النسب كذباً لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه، وحيث لم يكذبوه علمنا أن النسب صحيح، قالت المعتزلة ومن يجري مجراهم: إن أحداً من آباء الرسول  ما كان كافراً وفسروا قوله ﴿ وتقلبك في الساجدين  ﴾ بانتقاله من ساجد إلى ساجد وأكدوه بما روي أنه  قال: "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وإن آزر كان عم إبراهيم وما كان والداً له لأن إبراهيم شافهه بالغلظة والجفاء في قوله: ﴿ إني أراك وقومك في ضلال مبين ﴾ وقد قال  ﴿ ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما  ﴾ ولأنه ناداه بالاسم في قراءة من قرأ "آزر" بالضم.

والنداء بالاسم دليل الاستخفاف ولهذا لم يقرأ بالضم في قوله ﴿ وقال موسى لأخيه هارون اخلفني  ﴾ وأجيب بأن قوله ﴿ وتقلبك في الساجدين  ﴾ يحتمل وجوهاً أخرى سوف يجيء ذكرها، وبأن قوله "لم أزل أنتقل" محمول على أنه لم يقع في نسبه ما كان سفاحاً.

والتغليظ من إبراهيم إنما كان لأجل إصرار أبيه على الكفر كما قال ﴿ فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه  ﴾ لا لأجل السفه والجفاء لقوله ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب  ﴾ ثم إن إبراهيم احتج على فساد اعتقاد عبدة الأصنام بقوله منكراً على آزر وقومه ﴿ أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ أي معبودين.

وذلك أن الأصنام لو كان لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافياً فلما لم يكن الواحد كافياً دل ذلك على عجزها وإن كثرت، واحتج بعضهم بالآية على وجوب معرفة الله  ،وعلى أن وجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع لأن إبراهيم حكم عليهم بالضلال من حيث النظر والاستدلال، وأجيب بأنه لعله عرف ضلالهم بحكم شرع الأنبياء المتقدمين عليه ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام والاشتغال بغير الله ﴿ نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ﴾ والنكتة فيه أن التخلي عن غير الله يوجب رفع الحجاب وبقدر ذلك يكون حصول التجلي والتحلي بالله وإنما لم يقل "أريناه" بلفظ الماضي لأنه أراد الحكاية كأنه قيل: كيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ في قوة الدين والذب عنه؟

فأجيب أنا كنا نريه الملكوت وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه، أو المقصود بيان ارتفاعه في معارج الكمال وازدياده في ذلك على سبيل الدوام والاستمرار فإن مخلوقاته تعالى وإن كانت متناهية في الذات وفي الصفات إلا أن جهات دلالاتها على ذاته وصفاته  غير متناهية كما قال إمام الحرمين: معلومات الله غير متناهية، ومعلوماته في تلك المعلومات أيضاً غير متناهية.

فإن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل، فكل تلك الأحوال التقديرية معلومة لله  ، وكل تلك الأحوال دالة على حكمة الله  وعظمة قدرته، وإذا كان الجوهر الفرد كذلك فكيف كل الملكوت!

ولهذا قيل: السفر إلى الله  له نهاية، فأما السفر في الله  فإنه بلا نهاية.

والملكوت هو الملك والتاء للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت ومن الرهبة.

قال بعضهم: إنه  أراه الملكوت بالعين.

قالوا: شق له تحت السموات حتى رأى العرش والكرسي إلى منتهى الأجرام العلوية، وشق له الأرض إلى ما تحت الثرى فرأى ما فيها من البدائع والعجائب.

عن ابن عباس أنه قال: لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وأري ما فيها وما في الأرض من العجائب رأى عبداً على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك، فقال الله  له: كف عن عبادي فهم بين خلال ثلاث: إما أن أجعل منهم ذرية طيبة، أو يتوبون فأغفر لهم، أو النار من ورائهم.

وقال الأكثرون: إن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة، لأن ملك السموات والأرض لا يرى وإنما يعرف بالعقل ولو أريد نفس السموات والأرض صار لفظ الملكوت ضائعاً.

وأيضاً قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ جارٍ مجرى الشرع والتفسير لتلك الإراءة فثبت أنه استدل بتغير الأجرام وإمكانها وحدوثها على وجود الإله الواجب الحكيم.

ثم قال بالآخرة ﴿ وتلك حجتنا ﴾ والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه.

وأيضاً الإراءة بالعين تفيد العلم الضروري بالإله القادر ومثل هذه المعرفة لا توجب المدح والثواب كما للكفار في الأخرة.

وأيضاً اليقين عبارة عن تحصيل علم بالتأمل إذا كان مسبوقاً بالشك، فالمراد نري إبراهيم ليستدل بها وليكون من الموقنين، أو ليكون من الموقنين نريه، أو فعلنا ذلك وذلك أن الإراءة قد تصير سبباً للجحود لا الإيقان كما في حق فرعون ﴿ ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى  ﴾ وأيضاً الإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال، وبتقدير الإمكان لا يكون لها دوام وبقاء، وبتقدير البقاء تكون شاغلة للرائي عن الله.

أما إذا نظر بعين البصيرة في المخلوقات وعرف حدوثها وإمكانها، وعرف أن كل ممكن يحتاج إلى الصانع الحق الواجب فكأنه بهاتين المقدمتين قد طالع صفحة الملكوت بعين عقله وسمعبأذن قلبه شهادتها بالاحتياج والانقياد لله، وهذه الرؤية باقية غير زائلة ولا شاغلة عن الله بل هي شاغلة للقلب والروح بالله.

وهذه الرؤية وإن كانت حاصلة لجميع الموحدين لقوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ إلا أن الاطلاع على تفاصيل آثار حكمة الله  في كل واحد من مخلوقات هذه العوالم بحسب أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها وعوارضها ولواحقها كما هي، لا تحصل إلا لأكابر الأنبياء ولهذا قال  في دعائه "أرني الأشياء كما هي" ثم إن الإنسان في أول استدلاله لا ينفك قلبه عن اختلاج شبهة فيه، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت كان لكل واحد منها نوع تأثير وقوة، ويكون جارياً مجرى تكرار الدرس الواحد وتزداد النفس بكل منها نوراً وإشراقاً وانبساطاً إلى أن يحصل الجزم ويكمل الإيقان وتطلع شمس العلم والعرفان إلى حيث أتيح لها من الارتقاء والتصاعد وذلك قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ قال في الكشاف: إنه معطوف على قوله ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ وقوله ﴿ وكذلك نرى ﴾ جملة وقعت اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه.

يقال: جن عليه الليل وأجنه الليل.

والتركيب يدور على الستر ومنه الجنة والجن والمجنون والجنين.

وقيل: جن عليه الليل أي أظلم عليه ولأجل هذا التضمين عدي بــ"على".

وأما "أجنة" فمعناه ستره من غير تضمين معنى أظلم.

واعلم أن كثيراً من المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه.

فأمر بذبح كل غلام يولد فحملت أم إبراهيم  به وما أظهرت حملها للناس، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر فجاء جبريل  فوضع أصبعه في فيه فمصه فخرج منه رزقه، وكان يتعهده جبريل  وكانت الأم تأتيه أحياناً وترضعه.

وبقي في الغار حتى كبر وعرف أن له رباً فسأل الأم فقال لها: من ربي؟

فقالت: أنا.

فقال: من ربك؟

فقالت: أبوك.

فقال لأبيه: من ربك؟

فقال: ملك البلد.

فعرف إبراهيم جهلهما بربهما.

فنظر من باب ذلك الغار ليرى ما يستدل به على وجود الرب  فرأى النجم الذي كان أصغر النجوم في السماء فقال: هذا ربي إلى آخر القصة.

ثم منهم من قال: كان هذا بعد البلوغ وأوان التكليف، ومنهم من قال: كان هذا قبل البلوغ.

وأكثر المحققين على فساد هذا القول لوجوه منها: أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر لا يجوز على الأنبياء بالاتفاق.

ومنها أن إبراهيم كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة لأن الله  أخبر عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد بالرفق مراراً بقوله ﴿ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر  ﴾ الآيات.

وفي هذا الموضع دعا أباه إلى التوحيد بالكلام الخشن، والدعوة بالرفق مقدمة على الدعوة بالخشونة والغلظة.

ومنها أن هذه الواقعة كانت بعد أن أراه ملكوت السموات والأرض بدليل فاء التعقيب في قوله ﴿ فلما جن ﴾ ومنها أنه تعالى وصفه بقوله ﴿ إذ جاء ربه بقلب سليم  ﴾ ومدحه بقوله ﴿ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل  ﴾ أي من أول زمان الفطرة.

ومنها قوله عقيب هذه القصة ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ﴾ ولم يقل "على نفسه".

ومنها أنه قال بعد القصة ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم.

ومنها قوله ﴿ وحاجة قومه ﴾ وفيه دليل على أنه إنما اشتغل بالنظر في الكواكب بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فقال ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ رداً وتنبيهاً على فساد قولهم، ويؤكده قوله ﴿ كيف أخاف ما أشركتم ﴾ لأنه يدل على أنهم كانوا قد خوفوه بالأصنام كما في قصة هود ﴿ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء  ﴾ ومنها أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، وكان ينبغي أن يستدل أوّلاً بغروب الشمس على عدم إلهيتها ثم يبطل إلهية القمر وسائر الكواكب بالطريق الأولى، ولما لم يكن كذلك علمنا أن المقصود إلزام القوم وإفحامهم.

والابتداء بأفول الكوكب لأنه اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلعت الشمس.

ثم ههنا احتمالان: الأول أن يقال إن هذا كلام إبراهيم بعد البلوغ ولكنه ذكره بلفظهم حتى يرجع إليه فيبطله، مثاله: أن يقول في مناظرة من يزعم قدم الجسم: الجسم قديم فإن كان كذلك فلم نشاهده ونراه متركباً متغيراً.

فقولك "الجسم قديم" إعادة لكلام الخصم لإلزام الحجة عليه، أو المراد هذا ربي في زعمكم واعتقادكم كقول الموحد للجسم: الإله جسم محدود أي في زعمه واعتقاده.

قال  ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي  ﴾ وقال ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم  ﴾ أي عند نفسك.

وكان  يقول: " يا إله الآلهة في زعمهم" .

أو المراد منه لاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام لدلالة الكلام، أو أضمر القول أي يقولون هذا ربي وإضمار القول كثير ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا  ﴾ أي يقولان ربنا ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم  ﴾ أي يقولون: ما نعبدهم ﴿ إلا ليقربونا  ﴾ أو ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء، أو أنه  قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة لم يقبلوا قوله فمال إلى الاستدراج وذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم مع أن إبراهيم كان مطمئناً بالإيمان فكان بمنزلة المكره على كلمة الكفر حيث لم يجد إلى الدعوة المأمور بها طريقاً سوى ذلك.

وإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة تعود إلى شخص واحد لقوله  ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ فلأن يجوز ذكرها لتخليص جم غفير من الكفر والعقاب الأبدي أولى.

قالت العلماء: إن المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر.

ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فههنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال حتى لو صلى وترك القتال أثم.

وإن من كان في الصلاة فرأى طفلاً أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذهما ومثل هذه الواقعة قوله ﴿ فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم  ﴾ وذلك أنهم كانوا يستدلون بعلم النجوم على الحوادث المستقبلة فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظاهر مع إنه كان بريئاً عنه في الباطن ليتوصل بذلك إلى كسر الأصنام قال المتكلمون: إنه يصح من الله  إظهار خوارق العادات على يد من يدعي الإلهية، لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على كذبه فلا يروج التلبيس ولكنه لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوّة كاذباً لأن التلبيس يروج حينئذ فكذا ههنا قوله ﴿ هذا ربي ﴾ لا يوجب الضلال لأن دلائل بطلانه جلية وفي ذلك استدراج لهم لقبول الدليل فكان جائزاً.

الاحتمال الثاني: أنه ذكر ذلك قبل البلوغ فلعله خطر بباله لشدة ذكائه قبل بلوغه إثبات الصانع  فتفكر فرأى النجم فقال ﴿ هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ﴾ ثم إنه  أكمل بلوغه في أثناء هذا الفكر فقال عند أفول الشمس ﴿ إني بريء مما تشركون ﴾ واعلم أن القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم  ولد في الغار وتركته أمه وكان جبريل يربيه محتملة في الجملة، لأن الإرهاص - وهو تقديم المعجز على وقت الدعوى - جائز عندنا.

ولم يجوّزه القاضي إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من الله  فتكون تلك الخوارق معجزة لذلك الرسول.

قال في الكشاف: فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟

قلت الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب.

وأنا أقول: الاحتجاج بالبزوغ في الآية لا يصح لأنه  بين أنه نظر إلى الكوكب وقت كونه طالعاً لا حين بزوغه ليلزم مشاهدة التغير والانتقال، وكذا إلى القمر وإلى الشمس دليله أنه لم يقل رأى القمر يبزغ بل بازغاً.

ولو سلم فإن أحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص والأوساط والعوام، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان فكل ممكن محتاج والمحتاج لا يجوز أن يكون منقطع الحاجات فلا بد من الانتهاء إلى الواجب بالذات.

وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة، فكل متحرك محدث وكل محدث فهو محتاج إلى القديم.

وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب، فكل كوكب يغرب فإنه يزول نوره ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن كان كذلك فإنه لا يصلح للإلهية، أقصى ما في الباب أن يقال:إن لهاتأثيرات في أحوال العالم السفلى، ولكن تلك التأثيرات لما لم تكن لها بذاتها لزم استناد الكل إلى الواجب  وهو الإله الأعظم القادر على خلق السموات والنجوم النيرات، فيجب أن يكون قادراً على خلق البشر وعلى تدبير السفليات بالطريق الأولى فلا يلزم من وضع الواسطة رفع المبدأ بحال،ويعلم من قوله ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ أنه  ليس بجسم وإلا كان غائباً عنا فكان آفلاً، وإنه لا يصح عليه المجيء والذهاب والنزول والصعود ولا الصفات المحدثة.

وفيه أن معارف الأنبياء استدلالية لا ضرورية وأنه لا سبيل إلى معرفته تعالى إلى النظر والاستدلال.

أما قوله ﴿ فلما رأى القمر بازغاً ﴾ يقال بزغ القمر أو الشمس إذا ابتدأ بالطلوع.

وأصل البزغ الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً قاله الأزهري.

وفي قوله ﴿ إن لم يهدني ربي ﴾ إشارة إلى أن الهداية ليست إلا من الله  .

والمعتزلة حملوها على التمكين وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل، وزيف بأن كل ذلك كان حاصلاً فالهداية التي كان يطلبها بعد ذلك لا بد أن تكون زائدة عليها ﴿ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ﴾ أراد هذا الطالع أو هذا المرئي، أو ذكر بتأويل الضياء والنور، أو باعتبار الخبر وهو رب مع رعاية الأدب وهو ترك التأنيث عند اللفظ الدال على الربوبية كما لم يقولوا في صفة الله علامة وإن كانت بتاء مبالغة ﴿ هذا أكبر ﴾ أي أكبر الكواكب جرماً ونوراً، وقد برهن في الهيئة على أنها مائة وستة وستون مثلاً لكرة الأرض كلها.

وإنما لم يقتصر على ذكر الشمس أوّلاً مع أنه يلزم منه عدم ربوبية ما دونها من القمر والكواكب، لأنه أراد الأخذ من الأدون إلى الأعلى لمزيد التقرير والتصوير ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ قيل: لا يلزم من نفي ربوبية النجوم نفي الشريك مطلقاً.

والجواب أن القوم لم ينازعوه إلا في الصور المذكورة، فلما أثبت أنها ليست أرباباً ثبت بالاتفاق نفي الشركاء على الإطلاق.

ومعنى ﴿ وجهت وجهي للذي فطر ﴾ وجهت عبادتي لأجله فإن من كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره فإنه يوجه وجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة.

وأصل الفطر الشق يقال: تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما، والحنيف المائل عن كل معبود سوى الله  .

قال أبو العالية: الذي يستقبل البيت في صلاته.

ثم إن قومه حاجوه متمسكين بالتقليد تارة كقولهم ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة  ﴾ وكقولهم للرسول  ﴿ أجعل الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عجاب  ﴾ ومخوّفين إياه بالأصنام أخرى فأجابهم بقوله ﴿ أتحاجوني في الله وقد هدان ﴾ أي لما ثبت بالدليل الموجب للهداية صحة قولي فكيف ألتفت إلى حجتكم الواهية؟

﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر ﴿ إلا أن يشاء ﴾ إلا وقت مشيئة ﴿ ربي ﴾ شيئاً يخاف.

فحذف المضاف أي إلا إن أذنبت فيشاء إنزال العقوبة بي، أو إلا أن يريد ابتلائي بمحنة، أو إلا أن يمكن بعض تلك الأصنام من ضري مثل أن يرجمني بكوكب، أو كان قد أودع فيها طلسم فيصيبني مكروه من جهته بإذن الله  ، وفائدة الاستثناء أنه لو حدث به شيء من المكاره في الأيام المستقبلة لم يحمله الحمقى والجهلة على قدرة الأصنام ﴿ وسع ربي كل شيء علماً ﴾ فلا يفعل إلا الخير والصلاح ﴿ أفلا تتذكرون ﴾ أن نفي الأنداد عن رب الأرباب لا يوجد حلول العقاب ونزول العذاب، وأن الصحيح لا يساوي الفاسد، والعاجز لا يساوي القادر؟

ثم أكد ذلك بقوله ﴿ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً ﴾ إذ لا سلطان فينزل.

وقيل: إنه لا يمتنع عقلاً أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للصلاة والدعاء، ولكنه لم يؤمر به.

والمعنى ما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم إلا من في موضع الخوف؟

ثم قال ﴿ فأي الفريقين ﴾ يعني فريقي المشركين والموحدين.

ولم يقل "فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم" اجتناباً عن تزكية نفسه.

والغرض إني أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية، والمعنى أن الذي حصل لهم الأمن المطلق هم المستجمعون لكمال القوة النظرية وسنامه الإيمان، ولكمال القوة العلمية وهو وضع الأشياء في موضعها وإليه الإشارة بقوله ﴿ ولم يلبسوا ﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم ﴿ بظلم ﴾ .

قالت الأشاعرة: شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم، ولو كان ترك الظلم داخلاً في الإيمان لم يكن لهذا التقييد فائدة فثبت أن الفاسق مؤمن.

وقالت المعتزلة: شرط في حصول الأمن حصول الأمرين: الإيمان وعدم الظلم.

فوجب أن لا يحصل إلا من الفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له أبداً.

وأجيب بأن الظلم ههنا الشرك لقوله ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ واجتماعه مع الإقرار بالصانع ممكن وحينئذ يصح إطلاق اللبس بمعنى الخلط ويكون المراد: الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا له شريكاً في المعبودية، ويؤيده أن القصة وردت في نفس الأضداد والأنداد.

وأيضاً لا يلزم من عدم الأمن المطلق حصول القطع بالعذاب الأبدي.

واعلم أن المحاجة في الله تارة تكون موجبة للذم والإنكار كمحاجة قوم إبراهيم، وتارة تكون موجبة للمدح وذلك إذا كان الغرض تقريراً لدين الحق والمذهب الصدق كمحاجة إبراهيم من قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ إلى ههنا وإليها الإشارة بقوله ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ﴾ أرشدناه إليها ووفقناه لها ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأنه رفع يتعدى إلى واحد، ومن قرأ بالتنوين فيكون كقوله ﴿ ورفع بعضهم درجات  ﴾ وقد تقدم في البقرة، واختلف في تلك الدرجات فقيل: أعماله في الآخرة، وقيل: تلك الحجج درجات رفيعة لأنها تقتضي ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني إلى أعلى العالم الروحاني، وقيل: نرفع من نشاء في الدنيا بالنبوة والحكمة، وفي الآخرة بالجنة والثواب.

أو نرفع درجات من نشاء بالحكمة والعلم ﴿ إن ربك حكيم عليم ﴾ فيرفع الدرجات بمقتضى الحكمة والعلم لا لموجب التشهي والشهوة.

التأويل: رأى إبراهيم ملكوت الأشياء أي بواطنها ليكون من الموقنين عند كشفها كما كان موقناً عند كشف الضلال المودع في آزر وقومه ﴿ فلما جن عليه ﴾ ظلمة ليل البشرية أمطر سحاب العناية غيث الهداية على أرض قلبه فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه، فرأى نور الرشد في صورة الكوكب طالعاً من أفق سماء روحانيته فقال: ﴿ هذا ربي ﴾ أراد به سره المكوكب لا الكوكب وإن لم يشعر به نفسه كما قيل: هوى فؤادي ولم يعلم به بدني *** فالجسم في غربة والروح في وطن فإن كذبت النفس فيما قالت للكواكب "هذا ربي" ما كذب الفؤاد ما رأى من الكوكب.

فقال ﴿ هذا ربي ﴾ فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب قال سره ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ فلما تسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر ﴿ قال هذا ربي فلما أفل ﴾ عند رجوعه إلى أوصافه ازداد الشوق قال إن ﴿ لم يهدني ربي ﴾ برفع حجب الأوصاف ويبقني على وجود الخليقة ﴿ لأكونن من القوم الضالين ﴾ عن الحق كآزر وقومه.

فلما انخرقت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية، وأشرقت أرض القلب بنور ربها ﴿ قال هذا ربي فلما أفلت ﴾ شمس الهداية تعززاً وتعظماً ليغرب إبراهيم  عن شرك الأنانية.

إن شمس النهار تغرب بالليل *** وشمس القلوب ليست تغيب.

تبرأ عن الأضداد والأنداد ونزعته همة الخلة عن الجهات وخلصه تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال.

فقال ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ وقد يدور في الخلد أن إبراهيم صلوات الله الرحمن عليه جن عليه ظلمة الشهبة فنظر أولاً في عالم الأجسام فوجدها آفلة في أفق التغير فلم يرها تصلح للإلهية، فارتقى منها إلى عالم النفوس المدبرة للأجسام فرآها آفلة في أفق الاستكمال فكان حكمها حكم ما دونها فصعد منها إلى عالم العقول المجردة، فصادفها آفلة في أفق الإمكان فلم يبقَ إلا الواجب الحق.

ومن الناس من حمل الكوكب على الحس، والقمر على الخيال، والشمس على الوهم والعقل، ومراده أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية القوة، ومدبر العالم قاهر لها مستولٍ عليها ﴿ وحاجة قومه ﴾ ليسبلوا ستور شبههم على شموس عرفانه، وقد هداني إليه بالعيان بعد توالي البرهان ﴿ إلا أن يشاء ربي شيئاً ﴾ من الخذلان وهذا محال لأنه ﴿ وسع ربي كل شيء علماً ﴾ فهو أعلم بأهل العرفان وبأصحاب الخذلان ﴿ ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان حتى قال لجبريل: أما إليك فلا ﴿ وتلك ﴾ يعني إراءة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق والتبري عما سواه والخلاص عن شرك الأنانية والإيمان الحقيقي بالعيان حتى ارتقى من الأفعال إلى الصفات ثم إلى الذات ﴿ آتيناها إبراهيم ﴾ بذاتنا من غير واسطة حتى جعلها حجة على قومه ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ بجذبات الألوهية عن حضيض الأنانية الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

﴿ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ ﴾ ذكر محاجة قومه ولم يبين فيما حاجوه، لكن في الجواب بيان أن المحاجة فيما كانت، وهو قوله: ﴿ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ ﴾ .

ثم تحتمل المحاجة في الله: في توحيد الله ودينه.

وتحتمل في اتباع أمر الله وطاعته.

وذكر في بعض القصة عن ابن عباس -  - قال: ﴿ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ ﴾ : في آلهتهم وخوفوه بها، وقالوا: إنا نخاف آلهتنا، وأنت تشتمها ولا تعبدها، أن تخبلك وتفسدك.

وذلك محتمل؛ وهو كقول قوم هود لهود -  - ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ  ﴾ .

ثم قال لهم إبراهيم -  -: لما [لا] تخافون أنتم منها؟.

قالوا: كيف نخاف ونحن نعبدها؟!

قال: لأنكم تسوون بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى، أما تخافون الكبير إذ سويتموه بالصغير، وما تخافون الذكر إذ سويتموه بالأنثى؟!

ويحتمل أنهم خوفوه بالله بترك عبادة آلهتهم، لما كانوا يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، ويقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ فخوفوا إبراهيم [بالله] بترك عبادتهم لما كان عندهم أن عبادتهم إياها تقربهم إلى الله زلفى وترك العبادة لها يبعدهم، فقال: ﴿ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ وقد هداني، ولا أخاف مما تشركون به.

ويحتمل قوله: ﴿ وَقَدْ هَدَانِ ﴾ [ما ذكرنا في قوله ﴿ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ﴾ ] الدين والتوحيد وهداني طاعته والاتباع لأمره فقال: كيف أخاف وقد هداني.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾ هذا يحتمل وجهين.

[الأول]: يحتمل لا أخاف إلا إن عصيت ربي شيئاً، فعند ذلك أخاف، وأما إذا هداني ربي فإني [لا] أخاف بتركي عبادتهم.

والثاني: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي ﴾ إلا أن يبتليني ربي بشيء من المعصية، فعند ذلك أكون في مشيئته إن شاء عذبني، وإن شاء لم يعذبني.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ .

أي: علم ذلك كله عنده عصيت أو أطعت.

وقوله - عز وجل -: [ ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ ﴾ عن ابن عباس] ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ ﴾ به من الأصنام ﴿ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰناً ﴾ يقول: عذراً في كتابه ﴿ فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ ﴾ ؟

أي: أهل [دينين] أنا وأنتم ﴿ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أني أعبد إلهاً واحداً، وأنتم تعبدون آلهة شتى؟!

وقيل: إنهم كانوا يخوفونه بتركه عبادة آلهتهم وإشراكه إياها في عبادة الله، فقال: وكيف أخاف ما أشركتم أنتم بالله من الآلهة، ولا تخافون أنتم بما أشركتم بالله غيره ما لم ينزل به عليكم سلطاناً؟!

أي: حجة بأن معه شريكاً.

ثم قال: ﴿ فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ ﴾ أنا أو أنتم من عبد إلهاً واحداً [يأمن عنده] [أحق]، أم من عبد آلهة شتى صغارا وكباراً ذكوراً وإناثاً؟!

أو أن يقال: إني كيف أخاف آلهتكم التي تعبدون من دون الله بتركي عبادتها، وهي لا تملك ضرا إن تركت ذلك، ولا نفعاً إن أنا فعلت ذلك، ولا تخافون أنتم بترككم عبادة إلهي، وهو يملك الضر إن تركتم عبادته، والنفع إن عبدتموه، فأي الفريقين أحق بالأمن: من عبد إلها يملك الضر والنفع، أو من عبد إلها لا يملك ذلك؟!

فقيل: رد عليه قومه فقالوا: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ برب واحد يملك الضر والنفع، ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ قيل: لم يخلطوا تصديقهم وإيمانهم بشرك، ولم يعبدوا غيره دونه، ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ﴾ : من الضلالة والشرك.

قيل: الظلم - هاهنا -: الشرك؛ روي عن ابن مسعود -  - قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله، فأينا لا يظلم نفسه؟!

قال: ليس ذلك إنما هو الشرك، أو لم تسمعوا ما قال لقمان لابنه: ﴿ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ " وعن أبي بكر الصديق -  - قال لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ  ﴾ ، ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ ؟

فقالوا: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ  ﴾ : ثم عملوا له واستقاموا على أمره، ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ ، أي: لم يذنبوا فقال: لقد حملتمونا على أمر شديد، ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ : بشرك، ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ  ﴾ : عليها فلم يعدلوا عنها بشرك ولا غيره.

فإن ثبتت هذه الأخبار فهو ما ذكر فيها أن الظلم هو الشرك، وإلا احتمل الظلم ما دون الشرك أن من لم يظلم ولم يذنب [فهو في أمن] من الله، ومن ارتكب ذنباً أو ظلماً فله الخوف، وهو في مشيئة الله: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له وعفا عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ...

﴾ الآية: ينقض قول من يقول بأن إبراهيم كان غير مؤمن في ذلك الوقت و [لا] عارفاً بربه؛ لأنه أخبر أنه آتاه حجته على قومه، ولو كان هو على ما قالوا لكانت الحجة التي آتاه عليه، فلما أخبر أنه آتاه حجته على قومه، دل أنه ليس على ما قالوا، ولكن كان عارفاً بربه مخلصاً له على ما سبق ذكره.

فإن قال قائل: إن الحجة التي أخبر أنه آتاها إبراهيم على قومه [هي] قوله: ﴿ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

فيقال: إن هذه ليست بمحاجة، إنما هو تقرير التوحيد والدين.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾ \[الآية\] والمحاجة ما ذكر في قوله: ﴿ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ  ﴾ وغيرها من الآيات التي فيها وصف توحيد الربّ - عز وجل - وألوهيته وفساد آلهتهم، من ذلك قوله: ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ  وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ  ﴾ .

وفيه دليل نقض قول المعتزلة؛ لأنه قال: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ والإيتاء هو الإعطاء، والنجوم والشمس، والقمر وما ذكر قد كانت؛ دل أن الذي آتى إبراهيم هو محاجته قومه بما ذكرنا واحتجاجه عليهم بذلك؛ دل أن له في محاجة إبراهيم قومه صنعاً حيث أضافها إلى نفسه، وهو أن خلق محاجته قومه، وبالله العصمة.

وقوله -  -: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ : الذين كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، وهو ما بين سفههم في عبادتهم الأصنام، حيث قال في غير آية وعلى نمرود حين قال: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ...

﴾ إلى آخر الآية [البقرة: 258].

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ﴾ .

فيه - أيضاً - دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله قد شاء لكل أحد أن يبلغ المبلغ الذي إذا بلغ ذلك يصلح للنبوة والرسالة، لكنهم شاءوا ألا يبلغوا ذلك المبلغ، يجعلون المشيئة في ذلك إلى أنفسهم دون الله، والله أخبر أنه يرفع درجات من يشاء وهم يقولون: لا يقدر أن يرفع، بل هم يملكون أن يرفعوا درجات أنفسهم؛ فدلت الآية على أن من نال درجة أو فضيلة إنما ينال بفضل الله ومنِّه.

ثم قوله: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ ﴾ : تحتمل الدرجات وجوهاً.

تحتمل: النبوة، وتحتمل: الدرجات في الآخرة أن يرفع لهم.

وتحتمل: الذكر والشرف في الدنيا لما يذكرون في الملأ من الخلق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ .

أي: حكيم في خلق الخلائق، خلق خلقاً يدل على وحدانيته، ويدل على أنه مدبر ليس بمبطل في خلقهم، ثم عليم بأعمالهم وعليم بمصالح الخلق وبما يصلح لهم، [وبما لا يصلح] والحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وخاصمه قومه المشركون في توحيد الله سبحانه، وخَوَّفُوهُ من أصنامهم، فقال لهم: أتخاصمونني في توحيد الله وإفراده بالعبادة، وقد وفقني ربي إليه، ولست أخاف من أصنامكم، فإنها لا تملك ضُرًّا فَتَضُرَّنِي ولا نفعًا فَتَنْفَعَنِي إلا أن يشاء الله، فما شاء الله كائن، ومع عِلْم الله كلَّ شيء فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، أفلا تتذكرون -يا قوم- ما أنتم عليه من الكفر بالله والشرك به فتؤمنوا بالله وحده؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.AR4va"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله