الآية ٩١ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٩١ من سورة الأنعام

وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍۢ مِّن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًۭا وَهُدًۭى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ٩١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 176 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩١ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩١ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : وما عظموا الله حق تعظيمه ، إذ كذبوا رسله إليهم ، قال ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير : نزلت في قريش .

واختاره ابن جرير ، وقيل : نزلت في طائفة من اليهود ; وقيل : في فنحاص رجل منهم ، وقيل : في مالك بن الصيف .

( قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ) والأول هو الأظهر ; لأن الآية مكية ، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء وقريش - والعرب قاطبة - كانوا يبعدون إرسال رسول من البشر ، كما قال [ تعالى ] ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس [ وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ] ) [ يونس : 2 ] ، وقال تعالى : ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ) [ الإسراء : 94 ، 95 ] ، وقال هاهنا : ( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ) قال الله تعالى : ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ) ؟

أي : قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله ، في جواب سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة : ( من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ) يعني : التوراة التي قد علمتم - وكل أحد - أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران نورا وهدى للناس ، أي : ليستضاء بها في كشف المشكلات ، ويهتدى بها من ظلم الشبهات .

وقوله : ( تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا ) أي : يجعلها حملتها قراطيس ، أي : قطعا يكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديهم ويحرفون فيها ما يحرفون ويبدلون ويتأولون ، ويقولون : ( هذا من عند الله ) [ البقرة : 79 ] ، أي : في كتابه المنزل ، وما هو من عند الله ; ولهذا قال : ( تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا ) وقوله : ( وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ) أي : ومن أنزل القرآن الذي علمكم الله فيه من خبر ما سبق ، ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تعلمون ذلك أنتم ولا آباؤكم .

قال قتادة : هؤلاء مشركو العرب .

وقال مجاهد : هذه للمسلمين .

وقوله : ( قل الله ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أي : قل : الله أنزله .

وهذا الذي قاله ابن عباس هو المتعين في تفسير هذه الكلمة ، لا ما قاله بعض المتأخرين ، من أن معنى ) قل الله ) أي : لا يكون خطاب لهم إلا هذه الكلمة ، كلمة : " الله " وهذا الذي قاله هذا القائل يكون أمرا بكلمة مفردة من غير تركيب ، والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد في لغة العرب فائدة يحسن السكوت عليها .

وقوله : ( ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) أي : ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون ، حتى يأتيهم من الله اليقين فسوف يعلمون ألهم العاقبة ، أم لعباد الله المتقين؟

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " وما قدروا الله حق قدره "، وما أجلُّوا الله حق إجلاله, ولا عظموه حق تعظيمه =" إذ قالوا ما أنـزل الله على بشر من شيء "، يقول: حين قالوا: لم ينـزل الله على آدميٍّ كتابًا ولا وحيًا.

(1) * * * واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: " إذ قالوا ما أنـزل الله على بشر من شيء "، وفي تأويل ذلك.

فقال بعضهم: كان قائل ذلك رجلا من اليهود.

* * * ثم اختلفوا في اسم ذلك الرجل.

فقال بعضهم: كان اسمه: مالك بن الصيف.

* * * وقال بعضهم: كان اسمه فنحاص.

* * * واختلفوا أيضًا في السبب الذي من أجله قال ذلك.

* * * * ذكر من قال: كان قائل ذلك: مالك بن الصيف.

13535 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي , عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالذي أنـزل التوراة على موسى, أما تجد في التوراة أن الله يُبْغِض الحَبْر السمين؟

وكان حبرًا سمينًا, فغضب فقال: والله ما أنـزل الله على بشر من شيء !

فقال له أصحابه الذين معه: ويحك!

ولا موسى!

فقال: والله ما أنـزل الله على بشر من شيء !

فأنـزل الله: " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى "، الآية .

13536 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة قوله: " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنـزل الله على بشر من شيء "، قال: نـزلت في مالك بن الصيف، كان من قريظة، من أحبار يهود =" قل " يا محمد مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ، الآية .

* * * * ذكر من قال: نـزلت في فنحاص اليهوديّ.

13537 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنـزل الله على بشر من شيء "، قال: قال فنحاص اليهوديّ: ما أنـزل الله على محمد من شيء!

* * * وقال آخرون: بل عنى بذلك جماعة من اليهود، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم آيات مثل آيات موسى.

* ذكر من قال ذلك: 13538 - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس قال، حدثنا أبو معشر المدني, عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء ناسٌ من يهودَ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو مُحْتَبٍ, فقالوا: يا أبا القاسم, ألا تأتينا بكتاب من السماء، كما جاء به موسى ألواحًا يحملها من عند الله؟

فأنـزل الله: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ، الآية[سورة النساء : 153].

فجثا رجل من يهود فقال: ما أنـزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئًا!

فأنـزل الله: " وما قدروا الله حق قدره ".

= قال محمد بن كعب: ما علموا كيف الله (2) = " إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا "، فحلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حُبْوته, وجعل يقول: " ولا على أحَدٍ".

(3) 13539 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنـزل الله على بشر من شيء "، إلى قوله: فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ، هم اليهود والنصارى, قوم آتاهم الله علمًا فلم يقتدوا به، (4) ولم يأخذوا به، ولم يعملوا به, فذمهم الله في عملهم ذلك.

ذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول: إن من أكثر ما أنا مخاصَمٌ به غدًا أن يقال: يا أبا الدرداء، قد علمت, فماذا عملت فيما علمت ؟

13540 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنـزل الله على بشر من شيء "، يعني من بني إسرائيل، قالت اليهود: يا محمد، أنـزل الله عليك كتابًا؟

قال: نعم!

قالوا: والله ما أنـزل الله من السماء كتابًا!

قال: فأنـزل الله: " قل " يا محمد مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ، إلى قوله : وَلا آبَاؤُكُمْ ، قال: الله أنـزله .

* * * وقال آخرون: هذا خبر من الله جل ثناؤه عن مشركي قريش أنهم قالوا: " ما أنـزل الله على بشر من شيء " .

* ذكر من قال ذلك: 13541 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدًا يقول: " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنـزل الله على بشر من شيء "، قالها مشركو قريش.

قال: وقوله: (قُلْ مَنْ أَنـزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلناسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا) ، (5) قال: هم يهود، الذين يبدونها ويخفون كثيرًا.

قال: وقوله: وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ ، قال: هذه للمسلمين.

13542 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " وما قدروا الله حق قدره "، قال: هم الكفار، لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم, فمن آمنَ أن الله على كل شيء قدير، فقد قدر الله حق قدره.

ومن لم يؤمن بذلك، فلم يقدر الله حق قدره.

13543 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وما قدروا الله حق قدره "، يقول: مشركو قريش .

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال: عني بقوله (6) " وما قدروا الله حق قدره "، مشركو قريش.

وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أولا فأن يكون ذلك أيضًا خبرًا عنهم، أشبهُ من أن يكون خبرًا عن اليهود ولما يجر لهم ذكرٌ يكون هذا به متصلا مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية، من إنكاره أن يكون الله أنـزل على بشر شيئًا من الكتب، وليس ذلك مما تدين به اليهود, بل المعروف من دين اليهود: الإقرار بصُحُف إبراهيم وموسى، وزبور داود.

وإذا لم يأت بما روي من الخبر، (7) بأن قائل ذلك كان رجلا من اليهود، خبرٌ صحيح متصل السند = ولا كان على أن ذلك كان كذلك من أهل التأويل إجماعٌ = وكان الخبر من أوّل السورة ومبتدئها إلى هذا الموضع خبرًا عن المشركين من عبدة الأوثان = وكان قوله: " وما قدروا الله حق قدره "، موصولا بذلك غير مفصول منه = (8) لم يجز لنا أن ندّعي أن ذلك مصروف عما هو به موصول، إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل.

ولكني أظن أن الذين تأوّلوا ذلك خبرًا عن اليهود, وجدوا قوله: " قل من أنـزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم "، فوجهوا تأويل ذلك إلى أنه لأهل التوراة, فقرءوه على وجه الخطاب لهم: تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ ، (9) فجعلوا ابتداء الآية خبرًا عنهم, إذ كانت خاتمتها خطابًا لهم عندهم.

وغير ذلك من التأويل والقراءة أشبه بالتنـزيل, لما وصفت قبل من أن قوله: " وما قدروا الله حق قدره "، في سياق الخبر عن مشركي العرب وعبدة الأوثان وهو به متصل, فالأولى أن يكون ذلك خبرًا عنهم .

والأصوب من القراءة في قوله: (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا)، أن يكون بالياء لا بالتاء, على معنى: أنّ اليهود يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا, ويكون الخطاب بقوله : قُلْ مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ ، لمشركي قريش.

وهذا هو المعنى الذي قصده مجاهد إن شاء الله في تأويل ذلك, وكذلك كان يقرأ.

13544 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن أيوب, عن مجاهد أنه كان يقرأ هذا الحرف: (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا).

* * * القول في تأويل قوله : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا (10) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لمشركي قومك القائلين لك: مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ = قل: " من أنـزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا "، يعني: جلاءً وضياء من ظلمة الضلالة (11) =" وهدى للناس "، يقول: بيانًا للناس, يبين لهم به الحق من الباطل فيما أشكل عليهم من أمر دينهم (12) =" تجعلونه قراطيس تبدونها ".

* * * فمن قرأ ذلك: (تَجْعَلُونَهُ) ، جعله خطابًا لليهود على ما بيّنت من تأويل من تأوّل ذلك كذلك.

* * * ومن قرأه بالياء: (يَجْعَلُونَهُ)، فتأويله في قراءته: يجعله أهله قراطيس, وجرى الكلام في" يبدونها " بذكر " القراطيس ", والمراد منه المكتوب في القراطيس, يراد: يبدون كثيرًا مما يكتبون في القراطيس فيظهارونه للناس، ويخفون كثيرًا مما يثبتونه في القراطيس فيسرُّونه ويكتمونه الناس.

(13) * * * ومما كانوا يكتمونه إياهم، ما فيها من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته، كالذي:- 13545 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا "، اليهود.

13546 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة: " قل " يا محمد " من أنـزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها "، يعني يهود، لما أظهروا من التوراة =" ويخفون كثيرًا "، مما أخفوا من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وما أنـزل عليه = قال ابن جريج: وقال عبد الله بن كثير: إنه سمع مجاهدًا يقول: " يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا "، قال: هم يهود، الذين يبدونها ويخفون كثيرًا.

* * * القول في تأويل قوله : وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وعلمكم الله جل ثناؤه بالكتاب الذي أنـزله إليكم، (14) ما لم تعلموا أنتم من أخبار من قبلكم، ومن أنباء من بعدكم، وما هو كائن في معادكم يوم القيامة =" ولا آباؤكم "، يقول: ولم يعلمه آباؤكم، أيها المؤمنون بالله من العرب وبرسوله صلى الله عليه وسلم، كالذي:- 13547 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن أيوب, عن مجاهد: " وعلمتم "، معشرَ العرب " ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ".

13548 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال عبد الله بن كثير: إنه سمع مجاهدًا يقول في قوله: " وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم "، قال: هذه للمسلمين .

* * * وأما قوله: " قل الله "، فإنه أمرٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يجيبَ استفهامَه هؤلاء المشركين عما أمره باستفهامهم عنه بقوله: " قل من أنـزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا "، (15) بقيل الله، (16) كأمره إياه في موضع آخر في هذه السورة بقوله: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ، [سورة الأنعام : 63].

(17) فأمره باستفهام المشركين عن ذلك, كما أمره باستفهامهم إذ قالوا: مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ، عمن أنـزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس.

ثم أمره بالإجابة عنه هنالك بقيله: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [سورة الأنعام : 64] ، كما أمره بالإجابة ههنا عن ذلك بقيله: الله أنـزله على موسى، كما:- 13549 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: قُلْ مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ، قال: الله أنـزله.

(18) * * * ولو قيل: معناه: " قل: هو الله "، على وجه الأمر من الله له بالخبر عن ذلك = لا على وجه الجواب، إذ لم يكن قوله: قُلْ مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ مسألة من المشركين لمحمد صلى الله عليه وسلم, فيكون قوله: " قل الله "، جوابًا لهم عن مسألتهم, وإنما هو أمرٌ من الله لمحمد بمسألة القوم: مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ ؟

فيجب أن يكون الجواب منهم غير الذي قاله ابن عباس من تأويله = كان جائزًا، (19) من أجل أنه استفهام, ولا يكون للاستفهام جوابٌ، وهو الذي اخترنا من القول في ذلك لما بينا.

* * * وأما قوله: " ثم ذرهم في خوضهم يلعبون "، فإنه يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ثم ذَرْ هؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثان والأصنام، (20) بعد احتجاجك عليهم في قيلهم: مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ، بقولك: مَنْ أَنْـزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ، وإجابتك ذلك بأن الذي أنـزله: الله الذي أنـزل عليك كتابه =" في خوضهم "، يعني: فيما يخوضون فيه من باطلهم وكفرهم بالله وآياته (21) =" يلعبون "، يقول: يستهزئون ويسخرون.

(22) * * * وهذا من الله وعيد لهؤلاء المشركين وتهدُّد لهم: يقول الله جل ثناؤه: ثم دعهم لاعبين، يا محمد.

فإني من وراء ما هم فيه من استهزائهم بآياتي بالمرصاد، وأذيقهم بأسي, وأحلّ بهم إن تمادوا في غَيِّهم سَخَطي.

(23) * * * -------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"بشر" فيما سلف 6: 538/10 : 152.

(2) في المطبوعة والمخطوطة: "ما علموا كيف الله" ، هكذا ، وهو تعبير غريب جدًا أكاد أستنكره ، وأخشى أن يكون تحريفًا ، وهو تفسير للآية ، أي: "قدروا الله".

(3) الأثر: 13538 - هذا الخبر لم يذكر في تفسير الآية من سورة النساء 9: 356 - 358 ، وهذا من وجوه اختصار أبي جعفر تفسيره.

(4) في المطبوعة: "فلم يهتدوا" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(5) هذه إحدى القراءتين في الآية بالياء فيها جميعا"يجعلونه" ، "يبدونها" ، "يخفون" ، وهي غير قراءتنا في مصحفنا ، وسيذكرها أبو جعفر فيما يلي.

(6) في المطبوعة والمخطوطة: "عني بذلك" ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(7) في المطبوعة والمخطوطة: "وإذا لم يكن بما روى هذا الخبر" ، وهو كلام غير مستقيم ، صوابه ما أثبت إن شاء الله - أي: "وإذا لم يأت بما روى .

.

.

خبر صحيح".

(8) السياق: "وإذا لم يأت بما روى .

.

.

خبر صحيح .

.

.ولا كان .

.

.

وكان الخبر.

.

.

وكان قوله ..

.

.

لم يجز" ، كل ذلك عطوف متتابعة ، وجواب"وإذ لم يأت" قوله: "لم يجز".

(9) هذه القراءة الثانية للآية ، وهي قراءتنا اليوم في مصحفنا.

(10) أثبت الآية على قراءتنا في مصحفنا ، وإن كان تفسير أبي جعفر بعد على القراءة الأخرى.

فليتنبه قارئ التفسير إلى موضع الخلاف كما حرره أبو جعفر ، ص: 524 ، 525.

(11) انظر تفسير"النور" فيما سلف 10: 338 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(12) انظر تفسير"الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).

(13) انظر تفسير"القرطاس" فيما سلف ص365: 366.

(14) في المطبوعة والمخطوطة: "الكتاب" بغير باء الجر ، والصواب إثباتها ، فإن مفعول"علمكم" ، هو: "ما لم تعلموا".

(15) هذه القراءة الأخرى التي اختارها أبو جعفر ، فتركت تفسيره على حاله ، لئلا يختلط الكلام على قارئه.

(16) قوله"بقيل الله" متعلق بقوله"أن يجيب .

.

.".

(17) وتركت هذه الآية أيضًا على قراءة أبي جعفر التي اختارها"لئن أنجيتنا" ، كما سلف ص: 414 ، وأما قراءتنا في مصحفنا: "لئن أنجانا".

وانظر ما مضى في ترجيح أبي جعفر أولى القراءتين على الأخرى.

(18) الأثر: 13549 - هذا مختصر الأثر السالف رقم: 13540.

(19) قوله: "كان جائزًا" ، جواب قوله آنفًا"ولو قيل: معناه .

.

." ، وما بينهما فصل.

(20) انظر تفسير"ذر" فيما سلف ص: 441 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(21) انظر تفسير"الخوض" فيما سلف 9: 320/11 : 436 .

(22) انظر تفسير"اللعب" فيما سلف ص: 441 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبونقوله تعالى وما قدروا الله حق قدره أي فيما وجب له واستحال عليه وجاز .

قال ابن عباس : ما آمنوا أنه على كل شيء قدير .

وقال الحسن : ما عظموه حق عظمته .

وهذا يكون من قولهم : لفلان قدر .

وشرح هذا أنهم لما قالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء نسبوا الله عز وجل إلى أنه لا يقيم الحجة على عباده ، ولا يأمرهم بما لهم فيه الصلاح ; فلم يعظموه حق عظمته ولا عرفوه حق معرفته .

وقال أبو عبيدة : أي ما عرفوا الله حق معرفته .

قال النحاس : وهذا معنى حسن ; لأن معنى قدرت الشيء وقدرته عرفت مقداره .

ويدل عليه قوله تعالى : إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء أي لم يعرفوه حق معرفته ; إذ أنكروا أن يرسل رسولا .

والمعنيان متقاربان .

وقد قيل : وما قدروا نعم الله حق تقديرها .

وقرأ أبو حيوة " وما قدروا الله حق قدره " بفتح الدال ، وهي لغة .إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قال ابن عباس وغيره : يعني مشركي قريش .

وقال الحسن وسعيد بن جبير : الذي قاله أحد اليهود ، قال : لم ينزل الله كتابا من السماء .

قال السدي : اسمه فنحاص .

وعن سعيد بن جبير أيضا قال : هو مالك بن الصيف ، جاء يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين ؟

- وكان حبرا سمينا - فغضب وقال : والله ما أنزل الله على بشر من شيء .

فقال له أصحابه الذين معه : ويحك !

ولا على موسى ؟

فقال : والله ما أنزل الله على بشر من شيء فنزلت الآية .

ثم قال نقضا لقولهم وردا عليهم : [ ص: 35 ] " قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس يجعلونه قراطيس " أي في قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا هذا لليهود الذين أخفوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها من الأحكام .قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى خطاب للمشركين .وقوله : " يجعلونه قراطيس " لليهود .وقوله وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم للمسلمين وهذا يصح على قراءة من قرأ " يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون " بالياء .

والوجه على قراءة التاء أن يكون كله لليهود ، ويكون معنى وعلمتم ما لم تعلموا أي وعلمتم ما لم تكونوا تعلمونه أنتم ولا آباؤكم على وجه المن عليهم بإنزال التوراة .

وجعلت التوراة صحفا فلذلك قال قراطيس تبدونها أي تبدون القراطيس .

وهذا ذم لهم ; ولذلك كره العلماء كتب القرآن أجزاء ." قل الله " أي قل يا محمد الله الذي أنزل ذلك الكتاب على موسى وهذا الكتاب علي .

أو قل : الله علمكم الكتاب .ثم ذرهم في خوضهم يلعبون أي لاعبين ، ولو كان جوابا للأمر لقال يلعبوا .

ومعنى الكلام التهديد .

وقيل : هو من المنسوخ بالقتال ; ثم قيل : " يجعلونه " في موضع الصفة لقوله " نورا وهدى " فيكون في الصلة .

ويحتمل أن يكون مستأنفا ، والتقدير : يجعلونه ذا قراطيس .

وقوله : " يبدونها ويخفون كثيرا " يحتمل أن يكون صفة لقراطيس ; لأن النكرة توصف بالجمل .

ويحتمل أن يكون مستأنفا حسبما تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا تشنيع على من نفى الرسالة، من اليهود والمشركين وزعم أن الله ما أنزل على بشر من شيء، فمن قال هذا، فما قدر الله حق قدره، ولا عظمه حق عظمته، إذ هذا قدح في حكمته، وزعم أنه يترك عباده هملا، لا يأمرهم ولا ينهاهم، ونفي لأعظم منة، امتن الله بها على عباده، وهي الرسالة، التي لا طريق للعباد إلى نيل السعادة، والكرامة، والفلاح، إلا بها، فأي قدح في الله أعظم من هذا؟" { قُلْ ْ} لهم -ملزما بفساد قولهم، وقرِّرْهم، بما به يقرون-: { مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى ْ} وهو التوراة العظيمة { نُورًا ْ} في ظلمات الجهل { وَهُدًى ْ} من الضلالة، وهاديا إلى الصراط المستقيم علما وعملا، وهو الكتاب الذي شاع وذاع، وملأ ذكره القلوب والأسماع.

حتى أنهم جعلوا يتناسخونه في القراطيس، ويتصرفون فيه بما شاءوا، فما وافق أهواءهم منه، أبدوه وأظهروه، وما خالف ذلك، أخفوه وكتموه، وذلك كثير.

{ وَعُلِّمْتُمْ ْ} من العلوم التي بسبب ذلك الكتاب الجليل { مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ْ} فإذا سألتهم عمن أنزل هذا الكتاب الموصوف بتلك الصفات، فأجب عن هذا السؤال.

و { قل الله ْ} الذي أنزله، فحينئذ يتضح الحق وينجلي مثل الشمس، وتقوم عليهم الحجة، ثم إذا ألزمتهم بهذا الإلزام { ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ْ} أي: اتركهم يخوضوا في الباطل، ويلعبوا بما لا فائدة فيه، حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وما قدروا الله حق قدره ) أي ما عظموه حق عظمته ، وقيل : ما وصفوه حق صفته ، ( إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ) قال سعيد بن جبير : جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين " وكان حبرا سمينا فغضب ، وقال : والله ما أنزل الله على بشر من شيء .

وقال السدي : نزلت في فنحاص بن عازوراء ، وهو قائل هذه المقالة .

وفي القصة : أن مالك بن الصيف لما سمعت اليهود منه تلك المقالة عتبوا عليه ، وقالوا : أليس أن الله أنزل التوراة على موسى؟

فلم قلت ما أنزل الله على بشر من شيء؟

فقال مالك بن الصيف أغضبني محمد فقلت ذلك ، فقالوا له : وأنت إذا غضبت تقول [ على الله ] غير الحق فنزعوه من الحبرية ، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : قالت اليهود : يا محمد أنزل الله عليك كتابا؟

قال : نعم ، قالوا : والله ما أنزل الله من السماء كتابا ، فأنزل الله : " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء " ، فقال الله تعالى : ( قل ) لهم ، ( من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ) يعني التوراة ، ( تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا ) أي : تكتبون عنه دفاتر وكتبا مقطعة تبدونها ، أي : تبدون ما تحبون وتخفون كثيرا من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم .

قرأ ابن كثير وأبو عمرو " يجعلونه " " ويبدونها " " ويخفونها " ، بالياء جميعا ، لقوله تعالى ( وما قدروا الله حق قدره ) وقرأ الآخرون بالتاء ، لقوله تعالى ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ) وقوله ( وعلمتم ما لم تعلموا ) [ الأكثرون على أنها خطاب لليهود ، يقول : علمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا ] ( أنتم ولا آباؤكم ) قال الحسن : جعل لهم علم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فضيعوه ولم ينتفعوا به .

وقال مجاهد : هذا خطاب للمسلمين يذكرهم النعمة فيما علمهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم .

( قل الله ) هذا راجع إلى قوله ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ) فإن أجابوك وإلا فقل أنت : الله ، أي قل : أنزله الله ، ( ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما قدروا» أي اليهود «الله حق قدره» أي ما عظموه حق عظمته أو ما عرفوه حق معرفته «إذ قالوا» للنبي صلى الله عليه وسلم وقد خاصموه في القرآن «ما أنزل الله على بشر من شيء قل» لهم «من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه» بالياء والتاء في المواضع الثلاثة «قراطيس» أي يكتبونه في دفاتر مقطعة «يبدونها» أي ما يحبون إبداءه منها «ويخفون كثيرا» ما فيها كنعت محمد صلى الله عليه وسلم «وعلمتم» أيها اليهود في القرآن «ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم» من التوراة ببيان ما التبس عليكم واختلفتم فيه «قل الله» أنزله إن لم يقولوه لا جواب غيره «ثم ذرهم في خوضهم» باطلهم «يلعبون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما عَظَّم هؤلاء المشركون الله حق تعظيمه؛ إذ أنكروا أن يكون الله تعالى قد أنزل على أحد من البشر شيئًا من وحيه.

قل لهم -أيها الرسول-: إذا كان الأمر كما تزعمون، فمن الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى إلى قومه نورًا للناس وهداية لهم؟

ثم توجه الخطاب إلى اليهود زَجْرًا لهم بقوله: تجعلون هذا الكتاب في قراطيس متفرقة، تظهرون بعضها، وتكتمون كثيرًا منها، ومما كتموه الإخبار عن صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، وعلَّمكم الله معشر العرب بالقرآنِ -الذي أنزله عليكم، فيه خبر مَن قبلكم ومَن بعدكم، وما يكون بعد موتكم- ما لم تعلموه أنتم ولا آباؤكم، قل: الله هو الذي أنزله، ثم دع هؤلاء في حديثهم الباطل يخوضون ويلعبون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ } كلمة { قَدَرُواْ } مأخوذة من القدر - بفتح سكون - ، وأصل القدر معرفة مقدار الشىء بالسبر والحزر ، يقال : قدر الشىء يقدره إذا سبره وحزره ليعرف مقداره ، ثم استعمل فى معرفة الشىء على أتم الوجوه حتى صار حقيقة فيه .والمعنى : ما عظموا الله حق تعظيمه ، وما عرفوه حق معرفته فى اللطف بعباده وفى الرحمة بهم ، بل أخلوا بحقوقه إخلالا عظيما ، وضلوا ضلالا كبيرا ، إذ أنكروا بعثة الرسل وإنزال الكتب ، وقالوا تلك المقالة الشنعاء ما أنزل الله على بشر شيئاً من الأشياء ، قاصدين بهذا القول الطعن فى نبوة النبى صلى الله عليه وسلم وفى أن القرآن من عند الله .ولفظ { حَقَّ } منصوب على المصدرية ، وهو فى الأصل صفة للمصدر ، أى : قدره الحق فلما أضيف إلى موصوفه انتصب على ما كان ينتصب عليه .ثم أمرالله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يلزمهم بما يخرس ألسنتهم ، وأن يرد على سلبهم العام بإثبات قضية جزئية بديهية التسليم فقال - تعالى - { قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ } أى : قل يا محمد لهؤلاء الزاعمين بأن الله ما أنزل على بشر شيئاً من الأشياء : قل لهم من الذى أنزل التوراة وهو الكتاب الذى جاء به موسى { نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ } أى : ضياء من ظلمة الجهالة وهداية تعصم من الأباطيل والضلالة .وكلمة { نُوراً } حال من الضمير فى به أو من الكتاب .ثم بين - سبحانه ما فعله الجاحدون بكتبه من تحريف وتغيير فقال : { تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً } .القراطيس : جمع قرطاس وهو ما يكتب فيه من ورق ونحوه .أى : تجعلون هذا الكتاب الذى أنزله الله نورا وهداية للناس أوراقا مكتوبة مفرقة لتتمكنوا من إظهار ما تريدون إظهاره منها ، ومن إخفاء الكثير منها على حسب ما تمليه عليكم نفوسكم السقيمة وشهواتكم الأثيمة .فالمراد من هذه الجملة الكريمة ذم المحرفين لكتب الله ، وتوبيخهم على هذا الفعل الشنيع ، الذى قصدوا من ورائه الطعن فى نبوة النبى صلى الله عليه وسلم والتوصل إلى ما يبغونه من مطامع وأهواء .وقوله { وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تعلموا أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ } أى : وعلمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم من المعارف التى لا يرتاب عاقل فى أنها تنزيل ربانى .وقوله { قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } .أى : قل أيها الرسول لهؤلاء الجاحدين : الله - تعالى - هو الذى أنزل الكتاب على موسى ، ثم بعد هذا القول الفصل ذرهم فى باطلهم الذى يخوضون فيه يلعبون ، وفى غيهم يعمهون حتى يأتيهم من الله اليقين .وفى أمره صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عنهم ، إشعار بأن الجواب متعين لا يمكن غيره ، وتنبيه على أنهم بهتوا بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب .وكان العطف بثم فى قوله { ثُمَّ ذَرْهُمْ } للدلالة على الترتيب الرتبى أى : أنهم لا تنجح فيهم الحجج والأدلة فتركهم وخوضهم بعد التبليغ هو الأولى ، وإنما كان الاحتجاج عليهم لتبكيتهم وقطع معاذيرهم .هذا ، وللمفسرين لهذه الآية قولان :الأول : أنها مكية النزول تبعاً للسورة ، وأن الذين قالوا { مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ } مشركو مكة ، وإنما ألزمهم الله بإنزال التوراة لأنهم كانوا يعرفون ذلك ولا ينكرون أن الله قد أنزلها على موسى .قال ابن جرير : وأولى الأقوال بالصواب فى تأويل ذكل قول من قال : عنى بذلك { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } مشركو قريش .

وذلك أن ذلك فى سياق الخبر عنهم .

فأن يكون ذلك أيضاً خبرا عنهم أشبه من أن يكون خبرا عن اليهود ولما يجر لهم ذكر .

.

وليس ذلك مما تدين به اليهود ، بل المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى .

.

.

) .وقد تابع ابن كثير رأى ابن جرير وقال : وهذا الرأى هو الأصح ، لأن اليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء ، وأما كفار قريش فكانوا ينكرون رسالة النبى صلى الله عليه وسلم لأنه من البشر كما قال - تعالى - { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس } وكذا قالوا هنا { مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ } .الثانى : أن هذه الآية مدنية النزول ، وكون سورة الأنعام مكية لا يمنع من وجود بعض آيات منها مدنية كما نص عليه كثير من العلماء .ومما يؤيد كون هذه الآية مدنية ما ورد من آثار فى أسباب نزولها ، ومن هذه الآثار ما أخرجه ابن جرير من طريق ابن أبى طلحة عن ابن عباس قال : قالت اليهود : والله ما أنزل الله من المساء كتابا ) فنزل قوله - تعالى - { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } .

.

.

الخ وأخرج ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير - مرسلا - قال : جاء رجل من اليهود يقال له ملك بن الصيف فخاصم النبى صلى الله عليه وسلم قال له النبى : " أنشدك بالذى أنزل التوراة على موسى هل تجد فى التوراة أن الله يبغض الحبر السمين " - وكان حبرا سمينا - فغضب وقال : ( هل أنزل الله على بشى من شىء ) فقال له أصحابه : ويحك ولا على موسى فأنزل الله { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } الآية .والذى نراه أن الآية الكريمة تصلح للرد على الفريقين : فريق المشركين وفريق اليهود إلا أن سياقها يجعلنا نرجح أن الخطاب فيها موجه بالأصالة إلى اليهود وإلى غيرهم بالتبع ، لأنهم هم الذين جعلوا التوراة قراطيس أى أوراقا مفرقة ليظهروا منها ما يناسب أهواءهم وليخفوا منها ما فيه شهادة بصدق النبى صلى الله عليه وسلم ولأن هناك آثارا متعددة تثبت أنها نزلت فى شأنهم .وتوجيه الخطاب إلى اليهود لا يتنافى مع كونها مكية ، لأنه ليس بلازم أن يكون كل قرآن مكى خطابا لغير اليهود .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن مدار أمر القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد.

وأنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه ذكر دليل التوحيد، وإبطال الشرك، وقرر تعالى ذلك الدليل بالوجوه الواضحة شرع بعده في تقرير أمر النبوة، فقال: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ حيث أنكروا النبوة والرسالة، فهذا بيان وجه نظم هذه الآيات وأنه في غاية الحسن.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في تفسير قوله تعالى: ﴿ مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ وجوه: قال ابن عباس: ما عظموا الله حق تعظيمه.

وروي عنه أيضاً أنه قال معناه: ما آمنوا إن الله على كل شيء قدير.

وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته.

وقال الأخفش: ما عرفوه حق معرفته، وحقق الواحدي رحمه الله ذلك، فقال يقال: قدر الشيء إذا سبره وحرره، وأراد أن يعلم مقداره يقدره بالضم قدراً ومنه قوله عليه السلام: «وإن غم عليكم فاقدروا له» أي فاطلبوا أن تعرفوه هذا أصله في اللغة، ثم قال يقال لمن عرف شيئاً هو يقدر قدره، وإذا لم يعرفه بصفاته أنه لا يقدر قدره، فقوله: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ صحيح في كل المعاني المذكورة.

المسألة الثانية: أنه تعالى لما حكى عنهم ﴿ أَنَّهُمْ ما قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ بين السبب فيه، وذلك هو قولهم ما أنزل الله علي بشر من شيء.

واعلم أن كل من أنكر النبوة والرسالة فهو في الحقيقة ما عرف الله حق معرفته، وتقريره من وجوه: الأول: أن منكر البعثة والرسالة إما أن يقول: إنه تعالى ما كلف أحداً من الخلق تكليفاً أصلاً، أو يقول: إنه تعالى كلفهم التكاليف، والأول باطل، لأن ذلك يقتضي أنه تعالى أباح لهم جميع المنكرات والقبائح نحو شتم الله، ووصفه بما لا يليق به، والاستخفاف بالأنبياء والرسل وأهل الدين، والإعراض عن شكر النعم، ومقابلة الإنعام بالإساءة.

ومعلوم أن كل ذلك باطل.

وإما أن يسلم أنه تعالى كلف الخلق بالأوامر والنواهي، فهاهنا لابد من مبلغ وشارع ومبين، وما ذاك إلا الرسول.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: العقل كاف في إيجاب الواجبات واجتناب المقبحات؟

قلنا: هب أن الأمر كما قلتم.

إلا أنه لا يمتنع تأكيد التعريف العقلي بالتعريفات المشروعة على ألسنة الأنبياء والرسل عليهم السلام.

فثبت أن كل من منع البعثة والرسالة فقد طعن في حكمة الله تعالى.

وكان ذلك جهلاً بصفة الإلهية، وحينئذ يصدق في حقه قوله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ .

الوجه الثاني: في تقرير هذا المعنى أن من الناس من يقول إنه يمتنع بعثة الأنبياء والرسل، لأنه يمتنع إظهار المعجزة على وفق دعواه تصديقاً له، والقائلون بهذا القول لهم مقامان: المقام الأول: أن يقولوا إنه ليس في الإمكان خرق العادات ولا إيجاد شيء على خلاف ما جرت به العادة.

والمقام الثاني: الذين يسلمون إمكان ذلك.

إلا أنهم يقولون إن بتقدير حصول هذه الأفعال الخارقة للعادات لا دلالة لها على صدق مدعي الرسالة، وكلا الوجهين يوجب القدح في كمال قدرة الله تعالى.

أما المقام الأول: فهو أنه ثبت أن الأجسام متماثلة.

وثبت أن ما يحتمله الشيء وجب أن يحتمله مثله، وإذا كان كذلك كان جرم الشمس والقمر قابلاً للتمزق والتفرق.

فإن قلنا: إن الإله غير قادر عليه كان ذلك وصفاً له بالعجز ونقصان القدرة، وحينئذ يصدق في حق هذا القائل: أنه ما قدر الله حق قدره.

وإن قلنا: إنه تعالى قادر عليه، فحينئذ لا يمتنع عقلاً انشقاق القمر، ولا حصول سائر المعجزات.

وأما المقام الثاني: وهو أن حدوث هذه الأفعال الخارقة للعادة عند دعوى مدعي النبوة تدل على صدقهم، فهذا أيضاً ظاهر على ما هو مقرر في كتب الأصول.

فثبت أن كل من أنكر إمكان البعثة والرسالة، فقد وصف الله بالعجز ونقصان القدرة، وكل من قال ذلك فهو ما قدر الله حق قدره.

والوجه الثالث: أنه لما ثبت حدوث العالم، فنقول: حدوثه يدل على أن إله العالم قادر عالم حكيم، وأن الخلق كلهم عبيده وهو مالك لهم على الإطلاق، وملك لهم على الإطلاق، والملك المطاع يجب أن يكون له أمر ونهي وتكليف على عباده، وأن يكون له وعد على الطاعة، ووعيد على المعصية، وذلك لا يتم ولا يكمل إلا بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، فكل من أنكر ذلك فقد طعن في كونه تعالى ملكاً مطاعاً، ومن اعتقد ذلك فهو ما قدر الله حق قدره، فثبت أن كل من قال ما أنزل الله علي بشر من شيء فهو ما قدر الله حق قدره.

المسألة الثالثة: في هذه الآية بحث صعب، وهو أن يقال: هؤلاء الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿ ما أَنزَلَ الله علَى بَشَرٍ مّن شَيء ﴾ إما أن يقال: إنهم كفار قريش أو يقال إنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فإن كان الأول، فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَاء بِهِ موسى ﴾ وذلك لأن كفار قريش والبراهمة كما ينكرون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكذلك ينكرون رسالة سائر الأنبياء، فكيف يحسن إيراد هذا الإلزام عليهم، وأما إن كان الثاني وهو أن قائل هذا القول قوم من اليهود والنصارى، فهذا أيضاً صعب مشكل، لأنهم لا يقولون هذا القول، وكيف يقولونه مع أن مذهبهم أن التوراة كتاب أنزله الله على موسى، والإنجيل: كتاب أنزله الله على عيسى؛ وأيضاً فهذه السورة مكية، والمناظرات التي وقعت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين اليهود والنصارى كلها مدنية، فكيف يمكن حمل هذه الآية عليها، فهذا تقرير الإشكال القائم في هذه الآية.

واعلم أن الناس اختلفوا فيه على قولين: فالقول الأول: إن هذه الآية نزلت في حق اليهود وهو القول المشهور عند الجمهور.

قال ابن عباس: إن مالك بن الصيف كان من أحبار اليهود ورؤسائهم، وكان رجلاً سميناً فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها إن الله يبغض الحبر السمين وأنت الحبر السمين وقد سمنت من الأشياء التي تطعمك اليهود» فضحك القوم، فغضب مالك بن الصيف، ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء.

فقال له قومه: ويلك ما هذا الذي بلغنا عنك؟

فقال: إنه أغضبني، ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه عن رياستهم، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف، فهذا هو الرواية المشهورة في سبب نزول هذه الآية، وفيها سؤالات: السؤال الأول: اللفظ وإن كان مطلقاً بحسب أصل اللغة إلا أنه قد يتقيد بحسب العرف.

ألا ترى أن المرأة إذا أرادت أن تخرج من الدار فغضب الزوج، وقال: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيراً من الفقهاء.

قالوا: اللفظ وإن كان مطلقاً إلا أنه بحسب العرف يتقيد لتلك المرة فكذا هاهنا قوله: ﴿ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَيء ﴾ وإن كان مطلقاً بحسب أصل اللغة، إلا أنه بحسب العرف يتقيد بتلك الواقعة فكان قوله: ﴿ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَيء ﴾ مراده منه أنه ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين، وإذا صار هذا المطلق محمولاً على هذا المقيد لم يكن قوله: ﴿ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَاء بِهِ موسى ﴾ مبطلاً لكلامه، فهذا أحد السؤالات: السؤال الثاني: أن مالك بن الصيف كان مفتخراً بكونه يهودياً متظاهراً بذلك ومع هذا المذهب ألبتة أن يقول: ما أنزل الله على بشر من شيء إلا على سبيل الغضب المدهش للعقل أو على سبيل لا يمكنه طغيان اللسان، ومثل هذا الكلام لا يليق بالله سبحانه وتعالى إنزال القرآن الباقي على وجه الدهر في إبطاله.

والسؤال الثالث: أن الأكثرين اتفقوا على أن هذه السورة مكية وأنها أنزلت دفعة واحدة، ومناظرات اليهود مع الرسول عليه الصلاة والسلام كانت مدنية، فكيف يمكن حمل هذه الآية على تلك المناظرة؟

وأيضاً لما نزلت السورة دفعة واحدة، فكيف يمكن أن يقال: هذه الآية المعينة إنما نزلت في الواقعة الفلانية؟

فهذه هي السؤالات الواردة على هذا القول، والأقرب عندي أن يقال: لعل مالك بن الصيف لما تأذى من هذا الكلام طعن في نبوة الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: ما أنزل الله عليك شيئاً ألبتة، ولست رسولاً من قبل الله ألبتة، فعند هذا الكلام نزلت هذه الآية، والمقصود منها أنك لما سلمت أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام، فعند هذا لا يمكنك الإصرار على أنه تعالى ما أنزل علي شيئاً لأني بشر وموسى بشر أيضاً، فلما سلمت أن الله تعالى أنزل الوحي والتنزيل على بشر امتنع عليك أن تقطع وتجزم بأنه ما أنزل الله علي شيئاً، فكان المقصود من هذه الآية بيان أن الذي ادعاه محمد عليه الصلاة والسلام ليس من قبيل الممتنعات، وأنه ليس للخصم اليهودي أن يصر على إنكاره، بل أقصى ما في الباب أن يطالبه بالمعجز فإن أتى به فهو المقصود، وإلا فلا فإما أن يصر اليهودي على أنه تعالى ما أنزل على محمد شيئاً ألبتة مع أنه معترف بأن الله تعالى أنزل الكتاب على موسى، فذاك محض الجهالة والتقليد، وبهذا التقدير يظهر الجواب عن السؤالين الأولين.

فأما السؤال الثالث: وهو قوله: هذه السورة مكية ونزلت دفعة واحدة وكل واحد من هذين الوجهين يمنع من القول بأن سبب نزول هذه الآية مناظرة اليهودي.

قلنا: القائلون بهذا القول قالوا: السورة كلها مكية ونزلت دفعة واحدة إلا هذه الآية، فإنها نزلت بالمدينة في هذه الواقعة، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا الوجه.

والقول الثاني: أن قائل هذا القول أعني ما أنزل الله على بشر من شيء قوم من كفار قريش فهذا القول قد ذكره بعضهم.

بقي أن يقال: كفار قريش ينكرون نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام، فكيف يمكن إلزام نبوة موسى عليهم؟

وأيضاً فما بعد هذه الآية لا يليق بكفار قريش، وإنما يليق باليهود وهو قوله: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قراطيس تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلّمْتُمْ مّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ فمن المعلوم بالضرورة أن هذه الأحوال لا تليق إلا باليهود، وهو قول من يقول: إن أول الآية خطاب مع الكفار، وآخرها خطاب مع اليهود فاسد، لأنه يوجب تفكيك نظم الآية وفساد تركيبها، وذلك لا يليق بأحسن الكلام فضلاً عن كلام رب العالمين، فهذا تقرير الإشكال على هذا القول.

أما السؤال الأول: فيمكن دفعه بأن كفار قريش كانوا مختلطين باليهود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات القاهرة على يد موسى عليه السلام مثل انقلاب العصا ثعباناً، وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها والكفار كانوا يطعنون في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام بسبب أنهم كانوا يطلبون منه أمثال هذه المعجزات وكانوا يقولون لو جئتنا بأمثال هذه المعجزات لآمنا بك، فكان مجموع هذه الكلمات جارياً مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى عليه السلام، وإذا كان الأمر كذلك لم يبعد إيراد نبوة موسى عليه السلام إلزاماً عليهم في قولهم: ﴿ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَيء ﴾ .

وأما السؤال الثاني: فجوابه: أن كفار قريش واليهود والنصارى، لما كانوا متشاركين في إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لم يبعد أن يكون الكلام الواحد وارداً على سبيل أن يكون بعضه خطاباً مع كفار مكة وبقيته يكون خطاباً مع اليهود والنصارى، فهذا ما يحضرنا في هذا البحث الصعب، وبالله التوفيق.

المسألة الرابعة: مذهب كثير من المحققين أن عقول الخلق لا تصل إلى كنه معرفة الله تعالى البتة، ثم إن الكثير من أهل هذا المذهب يحتجون على صحته بقوله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي وما عرفوا الله حق معرفته، وهذا الاستدلال بعيد، لأنه تعالى ذكر هذه اللفظة في القرآن في ثلاثة مواضع، وكلها وردت في حق الكفار فهاهنا ورد في حق اليهود أو كفار مكة، وكذا القول في الموضعين الآخرين، وحينئذ لا يبقى في هذا الاستدلال فائدة.

والله أعلم.

المسألة الخامسة: في هذه الآية أحكام.

الحكم الأول: أن النكرة في موضع النفي تفيد العموم، والدليل عليه هذه الآية فإن قوله: ﴿ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَيء ﴾ نكرة في موضع النفي، فلو لم تفد العموم لما كان قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَاء بِهِ موسى ﴾ إبطالاً له، ونقضاً عليه، ولو لم يكن كذلك لفسد هذا الاستدلال، ولما كان ذلك باطلاً، ثبت أن النكرة في موضع النفي تعم.

والله أعلم.

الحكم الثاني: النقض يقدح في صحة الكلام، وذلك لأنه تعالى نقض قولهم: ﴿ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَيء ﴾ بقوله: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَاء بِهِ موسى ﴾ فلو لم يدل النقض على فساد الكلام لما كانت حجة الله مفيدة لهذا المطلوب.

واعلم أن قول من يقول: إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقص مبطلاً ضعيف، إذ لو كان الأمر كذلك لسقطت حجة الله في هذه الآية لأن اليهودي كان يقول معجزات موسى أظهر، وأبهر من معجزاتك، فلم يلزم من إثبات النبوة هناك إثباتها هنا، ولو كان الفرق مقبولاً لسقطت هذه الحجة، وحيث لا يجوز القول بسقوطها علمنا أن النقض على الإطلاق مبطل والله أعلم.

الحكم الثالث: تفلسف الغزالي فزعم أن هذه الآية مبنية على الشكل الثاني من الأشكال المنطقية، وذلك لأن حاصله يرجع إلى أن موسى أنزل الله تعالى عليه شيئاً وأحد من البشر ما أنزل الله عليه شيئاً ينتج من الشكل الثاني: أن موسى ما كان من البشر، وهذا خلف محال، وليست هذه الاستحالة بحسب شكل القياس، ولا بحسب صحة المقدمة الأولى، فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية، وهي قولهم: ما أنزل الله على بشر من شيء، فوجب القول بكونها كاذبة، فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب، إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني من الأشكال المنطقية، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف.

والله أعلم.

واعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَاء بِهِ موسى ﴾ وصف بعده كتاب موسى بالصفات.

فالصفة الأولى: كونه نوراً وهدى للناس.

واعلم أنه تعالى سماه نوراً تشبيهاً له بالنور الذي به يبين الطريق.

فإن قالوا: فعلى هذا التفسير لا يبقى بين كونه نوراً وبين كونه هدى للناس فرق، وعطف أحدهما على الآخر يوجب التغاير.

قلنا: النور له صفتان: إحداهما: كونه في نفسه ظاهراً جلياً، والثانية: كونه بحيث يكون سبباً لظهور غيره، فالمراد من كونه نوراً وهدى هذان الأمران.

واعلم أنه تعالى وصف القرآن أيضاً بهذين الوصفين في آية أخرى، فقال: ﴿ ولكن جعلناه نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ﴾ .

الصفة الثانية: قوله: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قراطيس تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأول: قرأ أبو عمرو وابن كثير ﴿ يجعلونه ﴾ على لفظ الغيبة، وكذلك يبدونها ويخفون لأجل أنهم غائبون ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَيء ﴾ فلما وردت هذه الألفاظ على لفظ المغايبة، فكذلك القول في البواقي، ومن قرأ بالتاء على الخطاب، فالتقدير: قل لهم تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ فجاء على الخطاب، فكذلك ماقبله.

المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي: قوله: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قراطيس ﴾ أي يجعلونه ذات قراطيس.

أي يودعونه إياها.

فإن قيل: إن كل كتاب فلابد وأن يودع في القراطيس، فإذا كان الأمر كذلك في كل الكتب، فما السبب، في أن حكى الله تعالى هذا المعنى في معرض الذم لهم.

قلنا: الذم لم يقع على هذا المعنى فقط، بل المراد أنهم لما جعلوه قراطيس، وفرقوه وبعضوه، لا جرم قدروا على إبداء البعض، وإخفاء البعض، وهو الذي فيه صفة محمد عليه الصلاة والسلام.

فإن قيل: كيف يقدرون على ذلك مع أن التوراة كتاب وصل إلى أهل المشرق والمغرب، وعرفه أكثر أهل العلم وحفظوه، ومثل هذا الكتاب لا يمكن إدخال الزيادة والنقصان فيه، والدليل عليه أن الرجل في هذا الزمان لو أراد إدخال الزيادة والنقصان في القرآن لم يقدر عليه، فكذا القول في التوراة.

قلنا: قد ذكرنا في سورة البقرة أن المراد من التحريف تفسير آيات التوراة بالوجوه الباطلة الفاسدة كما يفعله المبطلون في زماننا هذا بآيات القرآن.

فإن قيل: هب أنه حصل في التوراة آيات دالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام.

إلا أنها قليلة، والقوم ما كانوا يخفون من التوراة إلا تلك الآيات، فلم قال: ويخفون كثيراً.

قلنا: القوم كما يخفون الآيات الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فكذلك يخفون الآيات المشتملة على الأحكام، ألا ترى أنهم حاولوا على إخفاء الآية المشتملة على رجم الزاني المحصن.

الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ ﴾ والمراد أن التوراة كانت مشتملة على البشارة بمقدم محمد واليهود قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقرؤن تلك الآيات وما كانوا يفهمون معانيها، فلما بعث الله محمداً ظهر أن المراد من تلك الآيات هو مبعثه صلى الله عليه وسلم، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما وصف التوراة بهذه الصفات الثلاث، قال: ﴿ قُلِ الله ﴾ والمعنى أنه تعالى قال في أول الآية: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب ﴾ الذي صفته كذا وكذا فقال بعده: ﴿ قُلِ الله ﴾ والمعنى أن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف بالصفات المذكورة المؤيد قول صاحبه بالمعجزات القاهرة الباهرة مثل معجزات موسى عليه السلام لا يكون إلا من الله تعالى، فلما صار هذا المعنى ظاهراً بسبب ظهور الحجة القاطعة، لا جرم قال تعالى لمحمد قل المنزل لهذا الكتاب هو الله تعالى، ونظيره قوله: ﴿ قُلْ أَىُّ شَيء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله ﴾ وأيضاً أن الرجل الذي حاول إقامة الدلالة على وجود الصانع يقول من الذي أحدث الحياة بعد عدمها، ومن الذي أحدث العقل بعد الجهالة، ومن الذي أودع في الحدقة القوة الباصرة، وفي الصماخ القوة السامعة، ثم إن ذلك القائل نفسه يقول: ﴿ الله ﴾ والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة والبينة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها فسواء أقر الخصم به أو لم يقر فالمقصود حاصل فكذا هاهنا.

ثم قال تعالى بعده: ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والأنذار وهذا المبلغ العظيم فحينئذ لم يبق عليك من أمرهم شيء ألبتة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ ﴾ .

المسألة الثانية: قال بعضهم هذه الآية منسوخة بآية السيف وهذا بعيد لأن قوله: ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ مذكور لأجل التهديد، وذلك لا ينافي حصول المقاتلة، فلم يكن ورود الآية الدالة على وجوب المقاتلة، رافعاً لشيء من مدلولات هذه الآية، فلم يحصل النسخ فيه.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ وما عرفوه حق معرفته في الرحمة على عباده واللطف بهم حين أنكروا بعثة الرسل والوحي إليهم، وذلك من أعظم وأجلّ نعمته ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107] أو ما عرفوه حق معرفته في سخطه على الكافرين وشدّة بطشه بهم، ولم يخافوه حين جسروا على تلك المقالة العظيمة من إنكار النبوّة.

والقائلون هم اليهود، بدليل قراءة من قرأ: ﴿ تجعلونه ﴾ بالتاء.

وكذلك ﴿ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ ﴾ وإنما قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألزموا ما لابد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى عليه السلام وأدرج تحت الإلزام توبيخهم وأن نعي عليهم سوء جهلهم لكتابهم وتحريفهم، وإبداء بعض وإخفاء بعض فقيل: ﴿ جَاء بِهِ موسى ﴾ وهو نور وهدى للناس، حتى غيروه، ونقصوه وجعلوه قراطيس مقطعة وورقات مفرقة، ليتمكنوا مما راموا من الإبداء والإخفاء.

وروي: أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أنّ الله يبغض الحبر السمين؟

فأنت الحبر السمين، قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود» فضحك القوم، فغضب، ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له قومه: ويلك ما هذا الذي بلغنا عنك؟

قال: إنه أغضبني، فنزعوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.

وقيل: القائلون قريش وقد ألزموا إنزال التوراة لأنهم كانوا يسمعون من اليهود بالمدينة ذكر موسى والتوراة، وكانوا يقولون لو أنا أنزل علينا الكتاب، لكنا أهدى منهم ﴿ وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ الخطاب لليهود، أي علمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم مما أوحى إليه ما لم تعلموا أنتم، وأنتم حملة التوراة، ولم يعلمه آباؤكم الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم ﴿ إِنَّ هذا القرءان يَقُصُّ على بَنِى إسراءيل أَكْثَرَ الذى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [النمل: 76] وقيل الخطاب لمن آمن من قريش، كقوله تعالى: ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم ﴾ [يس: 6] .

﴿ قُلِ الله ﴾ أي أنزله الله، فإنهم لا يقدرون أن يناكروك ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ ﴾ في باطلهم الذي يخوضون فيه، ولا عليك بعد إلزام الحجة.

ويقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه: إنما أنت لاعب.

و ﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ حال من ذرهم، أو من خوضهم، ويجوز أن يكون ﴿ فِى خَوْضِهِمْ ﴾ حالاً من يلعبون، وأن يكون صلة لهم أو لذرهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ وما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ في الرَّحْمَةِ والإنْعامِ عَلى العِبادِ.

﴿ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ حِينَ أنْكَرُوا الوَحْيَ وبِعْثَةَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ مِن عَظائِمِ رَحْمَتِهِ وجَلائِلِ نِعْمَتِهِ أوْ في السُّخْطِ عَلى الكُفّارِ وشِدَّةِ البَطْشِ بِهِمْ حِينَ جَسَرُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، والقائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ قالُوا ذَلِكَ مُبالَغَةً في إنْكارِ إنْزالِ القُرْآنِ بِدَلِيلِ نَقْضِ كَلامِهِمْ، وإلْزامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ ﴾ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا ﴾ بِالتّاءِ وإنَّما قَرَأ بِالياءِ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو حَمْلًا عَلى قالُوا وما قَدَرُوا، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ تَوْبِيخَهم عَلى سُوءِ جَهْلِهِمْ بِالتَّوْراةِ وذَمِّهِمْ عَلى تَجْزِئَتِها بِإبْداءِ بَعْضٍ انْتَخَبُوهُ وكَتَبُوهُ في ورَقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ وإخْفاءِ بَعْضٍ لا يَشْتَهُونَهُ.

وَرُوِيَ «أنَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ قالَهُ لَمّا أغْضَبَهُ الرَّسُولُ  بِقَوْلِهِ: أنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى هَلْ تَجِدُ فِيها أنَّ اللَّهَ يَبْغُضُ الحَبْرَ السَّمِينَ قالَ: نَعَمْ إنَّ اللَّهَ يَبْغُضُ الحَبْرَ السَّمِينَ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَأنْتَ الحَبْرُ السَّمِينُ.» وَقِيلَ هُمُ المُشْرِكُونَ وإلْزامُهم بِإنْزالِ التَّوْراةِ لِأنَّهُ كانَ مِنَ المَشْهُوراتِ الذّائِعَةِ عِنْدَهم ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم وعُلِّمْتُمْ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ  .

﴿ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ ﴾ زِيادَةً عَلى ما في التَّوْراةِ وبَيانًا لِما التَبَسَ عَلَيْكم وعَلى آبائِكُمُ الَّذِينَ كانُوا أعْلَمَ مِنكم ونَظِيرُهُ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.

وقِيلَ الخِطابُ لِمَن آمَنَ مِن قُرَيْشٍ ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ، أوِ اللَّهُ أنْزَلَهُ.

أمَرَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم إشْعارًا بِأنَّ الجَوابَ مُتَعَيِّنٌ لا يُمْكِنُ غَيْرُهُ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم بُهِتُوا بِحَيْثُ إنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الجَوابِ.

﴿ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ ﴾ في أباطِيلِهِمْ فَلا عَلَيْكَ بَعْدَ التَّبْلِيغِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.

﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ حالٌ مِن هُمُ الأوَّلُ، والظَّرْفُ صِلَةُ ذَرْهم أوْ يَلْعَبُونَ أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، أوْ فاعِلُ يَلْعَبُونَ أوْ مِن هُمُ الثّانِي والظَّرْفُ مُتَّصِلٌ بِالأوَّلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ ما أنزل الله على بشر من شيء} أى ما عرفوه حتى معرفته في الرحمة على عباده حين أنكروا بعثة الرسل والوحي إليهم وذلك من أعظم رحمته وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين رُوي أن جماعة من اليهود منهم مالك بن الصيف كانوا يجادلون النبي عليه السلام فقال النبى عليه السلام أليس في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين قال نعم قال

فأنت الحبر السمين فغضب وقال ما أنزل الله على بشر من شيء وحق قَدْرِهِ منصوب نصب المصدر {قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جاء به موسى نورا} مما فيه نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أى بعضوه وجملوه قراطيس مقطعة وورقات مفرقة ليتمكنوا مماراموا من الابداء والاخفاء بالياء فى الثلاثة معي وأبو عمرو {وَعُلِّمْتُمْ} يا أهل الكتاب بالكتاب {ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} من أمور دينكم ودنياكم {قُلِ الله} جواب أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون أن يناكروك {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ} في باطلهم الذي يخوضون فيه {يَلْعَبُونَ} حال من ذَرْهُمْ أو مِنْ خَوْضِهِمْ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما قَدَرُوا اللَّهَ ﴾ لَمّا حَكى سُبْحانَهُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ، وقَرَّرَ جَلَّ شَأْنُهُ ذَلِكَ الدَّلِيلَ بِأوْضَحِ وجْهٍ شَرَعَ سُبْحانَهُ بَعْدُ في تَقْرِيرِ أمْرِ النُّبُوَّةِ لِأنَّ مَدارَ أمْرِ القُرْآنِ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ؛ وبِهَذا تَرْتَبِطُ الآيَةُ بِما قَبْلَها -كَما قالَ الإمامُ- وأوْلى مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ شَأْنُ القُرْءانِ العَظِيمِ وأنَّهُ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مِنهُ تَعالى عَلى كافَّةِ الأُمَمِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ غَمْطِهِمْ إيّاها وكُفْرِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ سَرى ذَلِكَ إلى الكُفْرِ بِجَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ.

وأصْلُ القَدْرِ مَعْرِفَةُ المِقْدارِ بِالسَّبْرِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً فِيهِ، وقالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ قَدَرَ الشَّيْءَ إذا سَبَرَهُ وأرادَ أنْ يَعْلَمَ مِقْدارَهُ يَقْدُرُهُ بِالضَّمِّ قَدْرًا، وقالَ  : ”إنْ غُمَّ عَلَيْكم فاقْدُرُوا لَهُ“ أيْ فاطْلُبُوا أنْ تَعْرِفُوهُ.

ثُمَّ قِيلَ: لِمَن عَرَفَ شَيْئًا هو يَقْدُرُ قَدْرَهُ وإذا لَمْ يَعْرِفْهُ بِصِفاتِهِ إنَّهُ لا يَقْدُرُ قَدْرَهُ واخْتَلَفَ التَّفْسِيرُ هُنا فَعَنِ الأخْفَشِ أنَّ المَعْنى ما عَرَفُوا اللَّهَ تَعالى: حَقَّ قَدْرِهِ أيْ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما عَظَّمُوا اللَّهَ تَعالى حَقَّ تَعْظِيمِهِ وقالَ أبُو العالِيَةِ: ما وصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ والكُلُّ مُحْتَمَلٌ واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ما عَلَيْهِ الأخْفَشُ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِالمَقامِ أيْ ما عَرَفُوهُ سُبْحانَهُ مَعْرِفَتَهُ الحَقِّ في اللُّطْفِ بِعِبادِهِ والرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُراعُوا حُقُوقَهُ تَعالى في ذَلِكَ بَلْ أخَلُّوا بِها إخْلالًا عَظِيمًا إذْ قالُوا مُنْكِرِينَ لِبِعْثَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْزالُ الكُتُبِ كافِرِينَ بِنِعَمِهِ الجَلِيلَةِ فِيهِما أوْ ما عَرَفُوهُ جَلَّ شَأْنُهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ في السُّخْطِ عَلى الكُفّارِ وشِدَّةِ بَطْشِهِ بِهِمْ حِينَ اجْتَرَءُوا عَلى إنْكارِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَـ (مِن) لِلتَّأْكِيدِ، ونَصْبُ (حَقَّ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو كَما قالَ أبُو البَقاءِ في الأصْلِ صِفَةٌ لِلْمُصَدِّرِ أيْ قَدْرَهُ الحَقَّ فَلَمّا أُضِيفَ إلى مَوْصُوفِهِ انْتَصَبَ عَلى ما كانَ يَنْتَصِبُ عَلَيْهِ، و(إذْ) ظَرْفٌ لِلزَّمانِ الزَّمانِ وهَلْ فِيها مَعْنى العِلَّةِ هُنا أمْ لا؟

احْتِمالانِ، وأبُو البَقاءِ يُعَلِّقُها بِقَدَرُوا ولَيْسَ بِالمُتَعَيِّنِ، وقُرِئَ قَدَرِهِ بِفَتْحِ الدّالِّ واخْتُلِفَ في قائِلِي ذَلِكَ القَوْلِ الشَّنِيعِ، فَأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهم اليَهُودُ ومُرادُهم مِن ذَلِكَ الطَّعْنُ في رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ فَقِيلَ لَهم عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ: ﴿ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى ﴾ فَإنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى قَدْ أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا سَبِيلَ لَكم إلى إنْكارِ ذَلِكَ، فَلِمَ لا تُجَوِّزُونَ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ  وبِهَذا يَنْحَلُّ اسْتِشْكالُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ بِأنَّ اليَهُودَ يَقُولُونَ إنَّ التَّوْراةَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى أنْزَلَهُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَيْفَ يَقُولُونَ: ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهم أبْرَزُوا إنْزالَ القُرْآنِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في صُورَةِ المُمْتَنِعاتِ حَتّى بالَغُوا في إنْكارِهِ فَأُلْزَمُوا بِتَجْوِيزِهِ، وقِيلَ: إنَّ صُدُورَ هَذا القَوْلِ كانَ عَنْ غَضَبٍ وذُهُولٍ عَنْ حَقِيقَتِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ مِن أحْبارِ اليَهُودِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ  : أنْشُدُكَ اللَّهَ تَعالى الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى هَلْ تَجِدُ فِيها أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِينَ فَأنْتَ الحَبْرُ السَّمِينُ قَدْ سَمِنتَ مِن مالِكَ الَّذِي يُطْعِمُكَ اليَهُودُ فَضَحِكَ القَوْمُ، فَغَضِبَ فالتَفَتَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ فَقالَ لَهُ قَوْمُهُ: ما هَذا الَّذِي بَلَغَنا عَنْكَ، قالَ: إنَّهُ أغْضَبَنِي فَنَزَعُوهُ وجَعَلُوا مَكانَهُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا لا يُلائِمُ الإلْزامَ بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدِ اعْتَرَفَ القائِلُ بِأنَّهُ إنَّما صَدَرَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنَ الغَضَبِ فَلْيُفْهَمْ، ولا يَرِدُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والمُناظَراتُ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  وبَيْنَ اليَهُودِ كُلُّها مَدَنِيَّةٌ فَلا يَتَأتّى القَوْلُ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ لِما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيانَ والكَلْبِيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، واسْتُشْكِلَ أيْضًا قَوْلُ مُجاهِدٍ بِأنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَما يُنْكِرُونَ رِسالَةَ النَّبِيِّ  يُنْكِرُونَ رِسالَةَ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَيْفَ يَحْسُنُ إيرادُ هَذا الإلْزامِ عَلَيْهِمْ، ودُفِعَ بِأنَّ ذَلِكَ لَمّا أنَّهُ كانَ إنْزالُ التَّوْراةِ مِنَ المَشاهِيرِ الذّائِعَةِ ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿ لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ ﴾ حَسُنَ إلْزامُهم بِما ذُكِرَ، ومَعَ هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أحْرى بِالقَبُولِ، ومِنَ النّاسِ مَنِ ادَّعى أنَّ في الآيَةِ حُجَّةً مِنَ الشَّكْلِ الثّالِثِ وهي أنَّ مُوسى بَشَرٌ ومُوسى أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ يُنْتِجُ أنَّ بَعْضَ البَشَرِ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ وتُؤْخَذُ الصُّغْرى مِن قُوَّةِ الآيَةِ والكُبْرى مِن صَرِيحِها والنَّتِيجَةُ مُوجِبَةٌ جُزْئِيَّةٌ تَكْذِيبُ السّالِبَةِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي ادَّعَتْها اليَهُودُ وهي لا شَيْءَ مِنَ البَشَرِ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ؛ المَأْخُوذُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ وإنَّما نَتَجَتْ هاتانِ الشَّخْصِيَّتانِ مَعَ أنَّ شَرْطَ الشَّكْلِ الثّالِثِ كُلِّيَّةُ إحْدى المُقْدِّمَتَيْنِ لِأنَّ الشَّخْصِيَّةَ عِنْدَهم في حُكْمِ الكُلِّيَّةِ وقالَ الإمامُ: تَفَلْسَفَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَقالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الشَّكْلِ الثّانِي مِنَ الأشْكالِ المَنطِقِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ حاصِلَها يَرْجِعُ إلى أنَّ مُوسى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَيْئًا؛ وواحِدٌ مِنَ البَشَرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَيْئًا يُنْتِجُ أنَّ مُوسى ما كانَ مِنَ البَشَرِ وهَذا خَلْفٌ مُحالٌ، وهِذِهِ الِاسْتِحالَةُ لَيْسَتْ بِحَسْبِ شَكْلِ القِياسِ ولا بِحَسْبِ صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الأُولى فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ لَزِمَ مِن فَرْضِ صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ وهي قَوْلُهم: ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ إلَخْ فَوَجَبَ القَوْلُ بِأنَّها كاذِبَةٌ وفي ذَلِكَ تَأْمُلٌ فَلْيُتَأمَّلْ.

ثُمَّ أنَّ وصْفَ الكِتابِ بِالوُصُولِ إلَيْهِمْ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَشْدِيدِ التَّبْكِيتِ وكَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ نُورًا وهُدًى ﴾ فَإنَّ كَوْنَهُ بَيِّنًا بِنَفْسِهِ ومُبَيِّنًا لِغَيْرِهِ مِمّا يُؤَكِّدُ الإلْزامَ أيَّ تَوْكِيدٍ، وانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ مِنَ (الكِتابِ) والعامِلُ (أنْزَلَ) أوْ مِن ضَمِيرِ (بِهِ) والعامِلُ (جاءَ)، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِـ (جاءَ)، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الفاعِلِ، واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِلنّاسِ ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِهُدى أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ أيْ هُدى كائِنًا لِلنّاسِ، والمُرادُ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هم ومَن عَداهُمْ، ومَعْنى كَوْنِهِ هُدًى لَهم أنَّهُ يُرْشِدُ مَن وقَفَ عَلَيْهِ بِالواسِطَةِ أوْ بِدُونِها إلى ما يُنْجِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ مَسُوقٌ لِنَعْيِ ما فَعَلُوهُ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ كَما تَقَدَّمَ أيْ تَضَعُونَهُ في قَراطِيسَ مُقَطَّعَةٍ وأوْراقٍ مُفَرَّقَةٍ بِحَذْفِ الجارِّ بِناءً عَلى تَشْبِيهِ القَراطِيسِ بِالظَّرْفِ المُبْهَمِ كَما قِيلَ وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المُرادُ تَجْعَلُونَهُ ذا قَراطِيسَ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ عَدَمَ التَّقْدِيرِ عَلى مَعْنى تَجْعَلُونَهُ نَفْسَ القَراطِيسِ، وفِيهِ زِيادَةُ تَوْبِيخٍ لَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ كَأنَّهم أخْرَجُوهُ مِن جِنْسِ الكِتابِ ونَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ القَراطِيسِ الخالِيَةِ عَنِ الكِتابَةِ، ولَيْسَ المُرادُ عَلى الأوَّلِ تَوْبِيخُهم بِمُجَرَّدِ وضْعِهِمْ لَهُ في قَراطِيسَ إذْ كُلُّ كِتابٍ لا بُدَّ وأنْ يُودَعَ في القَراطِيسِ، بَلِ المُرادُ التَّوْبِيخُ عَلى الجَعْلِ في قَراطِيسَ مَوْصُوفَةٍ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا ﴾ فالجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ والمَعْطُوفُ عَلَيْها في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ﴿ قَراطِيسَ ﴾ ، والعائِدُ عَلى المَوْصُوفِ مِنَ المَعْطُوفَةِ مَحْذُوفٌ أيْ كَثِيرًا مِنها، والمُرادُ مِنَ الكَثِيرِ نُعُوتُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وسائِرُ ما كَتَمُوهُ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ كَرَجْمِ الزّانِي المُحْصَنِ، وهَذا خِطابٌ لِلْيَهُودِ بِلا مِرْيَةٍ وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ عَوامِّهِمْ مُتَواطِئِينَ عَلَيْهِ، وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ السّابِقُ لَهم لِأنَّ مُشافَهَتَهم بِهِ يَقْتَضِي خِطابَهم ومَن جَعَلَ ما تَقَدَّمَ لِلْمُشْرِكِينَ حَمَلَ هَذا عَلى الِالتِفاتِ لِخِطابِ اليَهُودِ حَيْثُ جَرى ذِكْرُهُمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الأفْعالَ الثَّلاثَةَ بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِيرِ الجَمْعِ لِلْيَهُودِ أيْضًا إلّا أنَّهُ التَفَتَ عَنْ خِطابِهِمْ تَبْعِيدًا لَهم بِسَبَبِ ارْتِكابِهِمُ القَبِيحَ عَنْ ساحَةِ الخِطابِ، ولِذا خاطَبَهم حَيْثُ نَسَبَ إلَيْهِمُ الحُسْنَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ ﴾ وهَذا أحْسَنُ -كَما قِيلَ- مِنَ الِالتِفاتِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِأنَّ فِيهِ نَقْلًا مِنَ الكَلامِ مَعَ جَماعَةٍ هُمُ المُشْرِكُونَ إلى الكَلامِ مَعَ جَماعَةٍ أُخْرى هُمُ اليَهُودُ قَبْلَ إتْمامِ الكَلامِ الأوَّلِ لِأنَّ إتْمامَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ إلَخْ بِخِلافِ الِالتِفاتِ عَلى القَوْلِ الثّانِي، والجُمْلَةُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (تَجْعَلُونَهُ) بِإضْمارِ (قَدْ) أوْ بِدُونِهِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ، وعَلَيْهِ -كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ- فَيَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ (ما) عِبارَةً عَمّا أخَذُوهُ مِنَ الكِتابِ مِنَ العُلُومِ والشَّرائِعِ لِيَكُونَ التَّقْيِيدُ بِالحالِ مُفِيدًا لِتَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ لا عَلى ما تَلَقَّوْهُ مِن جِهَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ زِيادَةً عَلى ما في التَّوْراةِ، وبَيانًا لِما التَبَسَ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ مِن مُشْكِلاتِها حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ لِأنَّ تَلَقِّيَهم ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يَزْجُرُهم عَمّا صَنَعُوا بِالتَّوْراةِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ خالِيَةً عَنْ تَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ فَلا تَسْتَحِقُّ أنْ تَقَعَ مَوْقِعَ الحالِ بَلِ الوَجْهُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مُقَرِّرًا لِما قَبْلَهُ مِن مَجِيءِ الكِتابِ بِطَرِيقِ التَّكْمِلَةِ والِاسْتِطْرادِ والتَّمْهِيدِ لِما يَعْقُبُهُ مِن مَجِيءِ القُرْآنِ، ولا سَبِيلَ -كَما قالَ- إلى جَعْلِ ”ما“ عِبارَةً عَمّا كَتَمُوهُ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ﴾ فَإنَّ ظُهُورَهُ وإنْ كانَ مَزْجَرَةً لَهم عَنِ الكَتْمِ مَخافَةَ الِافْتِضاحِ ومُصَحِّحًا لِوُقُوعِ الجُمْلَةِ في مَوْقِعِ الحالِ لَكِنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ الكاتِمُونَ حَتْمًا وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ مَن أنْزَلَ الكِتابَ ﴾ مِن حَيْثُ المَعْنى أيْ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ ومَن عِلَّمَكم ما لَمْ تَعْلَمُوا، وفِيهِ بُعْدٌ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ (وعُلِّمْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ ما لَمْ) إلَخْ وهو عِنْدَ قَوْمٍ اعْتِراضٌ لِلِامْتِنانِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واتِّباعِهِ بِهِدايَتِهِمْ لِلْمُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ.

وقالَ بَعْضُهم: إنَّ النّاسَ فِيما تَقَدَّمَ عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِمُ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ، و(عُلِّمْتُمْ) عَطْفٌ عَلى (تَجْعَلُونَهُ) والخِطابُ فِيهِ لِلنّاسِ بِاعْتِبارِ اليَهُودِ وفي (عُلِّمْتُمْ) لَهم بِاعْتِبارِ المُسْلِمِينَ ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِهِ  بِأنْ يُجِيبَ السُّؤالَ السّابِقَ عَنْهم إشارَةً إلى أنَّهم يُنْكِرُونَ الحَقَّ مُكابَرَةَ مِنهُمْ، وإشْعارًا بِتَعَيُّنِ الجَوابِ وإيذانًا بِأنَّهم أُفْحِمُوا، ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّكَلُّمِ أصْلًا، والِاسْمُ الجَلِيلُ إمّا فاعِلُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ أوِ اللَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ، والخِلافُ في الأرْجَحِ مِنَ الوَجْهَيْنِ مَشْهُورٌ ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ ﴾ أيْ دَعْهم ﴿ فِي خَوْضِهِمْ ﴾ أيْ باطِلِهِمْ فَلا عَلَيْكَ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ وإلْقامِ الحَجَرِ ﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ 91 - في مَوْضِعِ الحالِ مِن (هُمْ) الأوَّلِ، والظَّرْفُ صِلَةُ (ذَرْهُمْ) أوْ (يَلْعَبُونَ) أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ (ذَرْهُمْ) أوْ مِن فاعِلِ (يَلْعَبُونَ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (هُمْ) الثّانِي.

وهو في المَعْنى فاعِلُ المَصْدَرِ المُضافِ إلَيْهِ، والظَّرْفُ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ إمّا عَلى أنَّهُ لَغْوٌ أوْ حالٌ مِن (هُمْ) ولا يَجُوزُ حِينَئِذٍ جَعْلُهُ مُتَّصِلًا بِـ (يَلْعَبُونَ) عَلى الحالِيَّةِ أوِ اللَّغْوِيَّةِ لِأنَّهُ يَكُونُ مَعْمُولًا لَهُ مُتَأخِّرًا عَنْهُ رُتْبَةً ومَعْنًى مَعَ أنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ رُتْبَةً أيْضًا لِأنَّ العامِلَ في الحالِ عامِلٌ في صاحِبِها فَيَكُونُ فِيهِ دَوْرٌ وفَسادٌ في المَعْنى.

والآيَةُ عِنْدَ بَعْضٍ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

واخْتارَ الإمامُ عَدَمَ النَّسْخِ لِأنَّها وارِدَةٌ مَوْرِدَ التَّهْدِيدِ وهو لا يُنافِي حُصُولَ المُقاتَلَةِ فَلَمْ يَكُنْ وُرُودُ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِها رافِعًا لِلْمَدْلُولِ فَلَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ يعني: ما عظموا الله حق عظمته، وما عرفوه حق معرفته.

نزلت في مالك بن الضيف خاصمه عمر في النبي  أنه مكتوب في التوراة.

فغضب وقال: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ وكان رئيس اليهود.

فعزلته اليهود عن الرئاسة بهذه الكلمة.

قال مقاتل: نزلت هذه الآية بالمدينة، وسائر السور بمكة.

ويقال: إن هذه السورة كلها مكية.

وكان مالك بن الضيف خرج مع نفر إلى مكة معاندين ليسألوا النبيّ  عن أشياء، وقد كان اشتغل بالنعم، وترك العبادة، وسمن.

فأتى رسول الله  ذات يوم بمكة.

فقال له رسول الله: «أَنْشدكَ الله أَتَجِدُ في التَّوْراةِ أنَّ الله يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِين» ؟

قال: نَعَمْ قال: «فَأَنْتَ الحَبْرُ السَّمِينُ فَقَدْ سَمِنْتَ مِنْ مَأْكَلَتِكَ» فضحك به القوم فخجل مالك بن الضيف وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء فبلغ ذلك اليهود فأنكروا عليه.

فقال: إنه قد أغضبني.

فقالوا: كلما غضبت قلت بغير حق وتركت دينك؟

فأخذوا الرياسة منه وجعلوها إلى كعب بن الأشرف فنزلت هذه الآية وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ حيث جحدوا تنزيله إِذْ قالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ يعني: على رسول من كتاب.

قُلْ يا محمد مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى وهو التوراة نُوراً يعني: ضياء وَهُدىً يعني: بياناً لِلنَّاسِ من الضلالة تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ يقول: تكتبونه في الصحف تُبْدُونَها يقول: تظهرونها في الصحف وَتُخْفُونَ كَثِيراً يعني: تكتمون ما فيه صفة محمد  ونعته وآية الرجم، وتحريم الخمر.

وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ يعني: علمتم أنتم وآباؤكم في التوراة ما لم تعلموا.

ويقال: علمتم على لسان محمد  ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم فإن أجابوك وإلا ف قُلِ اللَّهُ أنزله على موسى ثُمَّ ذَرْهُمْ إن لم يصدقوك فِي خَوْضِهِمْ يعني: في باطلهم يَلْعَبُونَ يعني: يلهون ويفترون قرأ ابن كثير وأبو عمرو يجعلونه قراطيس يبدونها ويخافون كَثِيراً كل ذلك بالياء على لفظ المغايبة.

وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة لأن ابتداء الكلام على المخاطبة.

ثم قال: هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ يعني: القرآن أنزلناه على محمد  مُبارَكٌ لمن عمل به لأن فيه مغفرة للذنوب.

وقال الضحاك مُبارَكٌ يعني: القرآن لا يتلى على ذي عاهة إلا برىء، ولا يتلى في بيت إلا وخرج منه الشيطان.

مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: هو مصدق الذي بين يديه من الكتب وَلِتُنْذِرَ قرأ عاصم في رواية أبي بكر ولينذر بالياء يعني: الكتاب.

يعني: أنزلناه للإنذار والبركة.

وقرأ الباقون: بالتاء يعني: لتنذر به يا محمد أُمَّ الْقُرى يعني: أهل مكة وهي أصل القرى.

وإنما سميت أم القرى لأن الأرض كلها دُحِيَتْ من تحت الكعبة.

ويقال: لأنها مثلث قبلة للناس جميعاً.

أي: يؤمونها.

ويقال: سميت أم القرى لأنها أعظم القرى شأناً ومنزلة.

وَمَنْ حَوْلَها يعني: قرى الأرض كلها.

ثم قال: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني: بالبعث يُؤْمِنُونَ بِهِ أي: بالقرآن ومن هم في علم الله أنه سيؤمن وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ بوضوئها وركوعها وسجودها ومواقيتها.

وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ودعاء لجميع العالمين.

وقوله سبحانه: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ...

الآية: قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في بني إسرائيل «١» ، قال النَّقَّاش: وهي آية مدنية، وقيل: المراد رجُلٌ مخصوص منهم، يقال له مالك بن الصّيف قاله ابن جُبَيْر «٢» ، وقيل: فنْحَاص قاله السُّدِّيُّ «٣» ، وقَدَرُوا: هو من توفيَةِ القَدْرِ والمنزلةِ، وتعليلُه بقولهم: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ: يقضي بأنهم جَهِلُوا، ولم يعرفوا الله حقّ معرفته إذا أحالوا عليه بعثةَ الرُّسُل، قال الفَخْر «٤» : قال ابن عباس: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، أيْ: ما عظَّموا اللَّه حقَّ تعظيمه «٥» ، وقال الأخفشُ:

ما عَرَفُوه حقَّ معرفته، وقال أبو العالية: ما وصفوه حقَّ قُدْرته وعَظَمته، وهذه المعانِي كلُّها صحيحةٌ.

انتهى، وروي أنَّ مالك بن الصَّيْفِ كان سَمِيناً، فجاء يخاصم النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بزعمه، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أَنْشُدُكَ اللَّه، أَلَسْتَ تَقْرَأُ فِيمَا أُنْزِلَ على موسى: إنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْحِبْرَ السَّمِينَ» «٦» ، فَغَضِبَ، وقال: «واللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ» ، قال الفَخْر «٧» :

وهذه الآية تدلُّ على أن النكرة في سياقِ النفْي «٨» تعمُّ، ولو لم تفد العمومَ، لما كان قوله

تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً- إبطالاً لقولهم ونقْضاً عليهم.

انتهى.

وقوله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ، يعني: التوراة، وقَراطِيسَ: جمع قِرْطَاس، أي: بطائق وأوراقاً، وتوبيخهم بالإبداء والإخفاء هو على إخفائهم أمر محمّد صلّى الله عليه وسلّم وجَميعَ ما عليهم فيه حُجَّة.

وقوله سبحانه: وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ، يحتمل وجهين:

أحدهما: أنْ يقصد به الامتنانَ عليهم، وعلى آبائهم.

والوجه الثاني: أنْ يكون المقصود ذمَّهم، أي: وعلِّمتم أنتم وآباؤكم ما لم تعلموه، فما انتفعتم به لإعراضكم وضلالكم.

ثم أمره سبحانه بالمبادرة إلى موضع الحُجَّة، أي: قل اللَّه هو الذي أنْزَلَ الكتابَ على موسى، ثم أمره سبحانَهُ بتَرْك مَنْ كَفَر، وأعرض، وهذه آية منسوخةٌ بآية القتالِ إن تُؤُوِّلَتْ موادعةً، ويحتمل ألاَّ يدخلها نسْخٌ إذا جُعِلَتْ تتضمَّن تهديداً ووعيداً مجرَّداً من موادعة.

وقوله سبحانه: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ: «هذا» : إشارة إلى القرآن، وقوله:

مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، يعني: التوراةَ والإنجيل لأن ما تقدّم، فهو بين يدي ما تأخّر، وأُمَّ الْقُرى: مكَّة، ثم ابتدأ تباركَ وتعالى بمَدْحِ قومٍ وصفهم، وأخبر عنهم أنهم يؤمنون بالآخرةِ والبَعْثِ والنشورِ، ويؤمنون بالقُرآن، ويصدِّقون بحقيقتِهِ، ثم قوى عزَّ وجلَّ مدحهم بأنهم يحافظون على صَلاَتهم التي هي قاعدةُ العباداتِ، وأمُّ الطاعاتِ، وإذا انضافت الصلاةُ إلى ضميرٍ، لم تكتب/ إلا بالألِفِ، ولا تكتبُ في المُصْحَف بواوٍ إلا إذا لم تُضَفْ إلى ضمير.

وقد جاءت آثار صحيحةٌ في ثواب مَنْ حافظ على صلاته، وفي فَضْل المشْيِ إليها ففي «سنن أبي داود» ، عن بُرَيْدة، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «بشّر المشّائين في الظّلم إلى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ رَأْسُ اليَهُودِ، أتى رَسُولَ اللَّهِ  ذاتَ يَوْمٍ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ  : "أنْشُدُكَ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، أتَجِدُ فِيها أنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِينَ؟" قالَ: نَعَمْ.

قالَ: "فَأنْتَ الحَبْرُ السَّمِينُ" .

فَغَضِبَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وكَذَلِكَ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ.

والثّانِي: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ كِتابًا؟

قالَ: "نَعَمْ" قالُوا: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ كِتابًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ الوالِبِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنَّ مُوسى جاءَ بِألْواحٍ يَحْمِلُها مِن عِنْدِ اللَّهِ، فائْتِنا بِآَيَةٍ كَما جاءَ مُوسى، فَنَزَلَ: ﴿ يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: "عَظِيمًا"[النِّساءِ:١٥٣-١٥٦] .

فَلَمّا حَدَّثَهم بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ، قالُوا: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ ولا عَلى مُوسى وعِيسى، ولا عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، آَتاهُمُ اللهُ عِلْمًا، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في فُنْحاصَ اليَهُودِيِّ، وهو الَّذِي قالَ: ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، قالُوا: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والسّابِعُ: أنَّ أوَّلَها، إلى قَوْلِهِ: ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ في مُشْرِكِي قُرَيْشٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى ﴾ في اليَهُودِ، رَواهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

وفي مَعْنى ﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما عَظَّمُوا اللَّهَ حَقَّ عَظَمَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والفَرّاءُ؛ وثَعْلَبُ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: ما وصَفَهُ حَقَّ صِفَتِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةَ، واخْتارَهُ الخَلِيلُ.

والثّالِثُ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( يَجْعَلُونَهُ قَراطِيس ) مَعْناهُ يَكْتُبُونَهُ في قَراطِيسَ وقِيلَ إنَّما قالَ قَراطِيسَ لِأنَّهم كانُوا يَكْتُبُونَهُ في قَراطِيسَ مُقَطَّعَةٍ حَتّى لا تَكُونَ مجموهة لَيُخْفُوا مِنها ما شاؤوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ( يُبْدُونَها ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: " يَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ يُبْدُونَها "، "وَيُخْفُونَ" بِالياءِ فِيهِنَّ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالتّاءِ فِيهِنَّ.

فَمَن قَرَأ بِالياءِ، فَلِأنَّ القَوْمَ غُيَّبٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ .

ومَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَعَلى الخِطابِ؛ والمَعْنى: تَبْدُونَ مِنها ما تُحِبُّونَ، وتُخْفُونَ كَثِيرًا، مِثْلَ صِفَةِ مُحَمَّدٍ  وآَيَةِ الرَّجْمِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا كَتَمُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لَلْمُسْلِمِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

فَعَلى الأوَّلِ: عَلِمُوا ما في التَّوْراةِ؛ وعَلى الثّانِي: عَلِمُوا عَلى لَسانِ مُحَمَّدٍ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ هَذا جَوابٌ لَقَوْلِهِ: ﴿ مَن أنْزَلَ الكِتابَ ﴾ وتَقْدِيرُهُ: فَإنْ أجابُوكَ، وإلّا فَقُلِ: اللَّهُ أنْزَلَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ ﴾ تَهْدِيدٌ.

وخَوْضُهُمْ: باطِلُهم.

وقِيلَ: إنَّ هَذا أمْرٌ بِالإعْراضِ عَنْهم، ثُمَّ نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمُبارَكُ: الَّذِي يَأْتِي مِن قِبَلِهِ الخَيْرُ الكَثِيرُ.

والمَعْنى: أنْزَلْناهُ لَلْبَرَكَةِ والإنْذارِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللهَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مِن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم قُلْ اللهَ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في "قَدَرُوا"؛ و"قالُوا"؛ قِيلَ يُرادُ بِهِ العَرَبُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ؛ وقِيلَ: يُرادُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقِيلَ: رَجُلٌ مَخْصُوصٌ مِنهُمْ؛ يُقالُ لَهُ: مالِكُ بْنُ الصَيْفِ؛ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وقِيلَ: في فِنْحاصَ؛ قالَهُ السُدِّيُّ.

و"قَدَرُوا"؛ هو مِن تَوْفِيَةِ القَدْرِ والمَنزِلَةِ؛ فَهي عامَّةٌ يَدْخُلُ تَحْتَها مَن لَمْ يَعْرِفْ؛ ومَن لَمْ يُعَظِّمْ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ غَيْرَ أنَّ تَعْلِيلَهُ بِقَوْلِهِمْ: "ما أنْزَلَ اللهُ"؛ يَقْضِي بِأنَّهم جَهِلُوا؛ ولَمْ يَعْرِفُوا اللهَ تَعالى حَقَّ مَعْرِفَتِهِ؛ إذْ أحالُوا عَلَيْهِ تَعالى بَعْثَهُ الرُسُلَ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -؛ و"حَقَّ"؛ نُصِبَ عَلى المُقَدَّرِ؛ ومَن قالَ "إنَّ المُرادَ كُفّارُ العَرَبِ"؛ فَيَجِيءُ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى ﴾ ؛ اِحْتِجاجًا بِأمْرٍ مَشْهُورٍ؛ مَنقُولٍ بِكافَّةِ قَوْمٍ لَمْ تَكُنِ العَرَبُ مُكَذِّبَةً لَهُمْ؛ ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ بَنُو إسْرائِيلَ"؛ فَيَجِيءُ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ مُسْتَقِيمًا؛ لِأنَّهم يَلْتَزِمُونَ صِحَّةَ نُزُولِ الكِتابِ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ.

ورُوِيَ «أنَّ مالِكَ بْنَ الصَيْفِ كانَ سَمِينًا؛ فَجاءَ يُخاصِمُ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِزَعْمِهِ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أنْشُدُكَ اللهَ؛ ألَسْتَ تَقْرَأُ فِيما أُنْزِلَ عَلى مُوسى أنَّ اللهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَمِينَ؟"؛ فَغَضِبَ؛ وقالَ: "واللهِ ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ".» والآيَةُ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: نَزَلَتْ في قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ - تَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مَدَنِيَّةً؛ وكَذَلِكَ حَكى النَقّاشُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وعِيسى الثَقَفِيُّ ؛ وغَيْرُهُما: "وَما قَدَّرُوا"؛ بِتَشْدِيدِ الدالِ؛ "اللهَ حَقَّ قَدَرِهِ"؛ بِفَتْحِ الدالِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ في الأوَّلِ بِالتَخْفِيفِ؛ وفي الثانِي بِإسْكانِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَسْتَفْهِمَ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ عَلى مَوْضِعِ الحُجَّةِ؛ والمُرادُ بِـ "اَلْكِتابَ"؛ التَوْراةُ؛ و"نُورًا وهُدًى"؛ اِسْمانِ في مَوْضِعِ الحالِ؛ بِمَعْنى: "نَيِّرًا؛ وهادِيًا"؛ فَإنْ جَعَلْناهُ حالًا مِن "اَلْكِتابَ"؛ فالعامِلُ فِيهِ "أنْزَلَ"؛ وإنْ جَعَلْناهُ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"؛ فالعامِلُ فِيهِ "جاءَ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ"؛ بِالتاءِ مِن فَوْقُ؛ في الأفْعالِ الثَلاثَةِ؛ فَمَن رَأى أنَّ الِاحْتِجاجَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ اسْتَقامَتْ لَهُ هَذِهِ القِراءَةُ؛ وتَناسَقَتْ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ ؛ ومَن رَأى أنَّ الِاحْتِجاجَ إنَّما هو عَلى كُفّارِ العَرَبِ؛ فَيَضْطَرُّ في هَذِهِ القِراءَةِ - إذْ لا يُمْكِنُ رَفْعُها - إلى أنْ يَقُولَ: إنَّهُ خَرَجَ مِن مُخاطَبَةِ قُرَيْشٍ في اسْتِفْهامِهِمْ؛ وتَقْرِيرِهِمْ؛ إلى مُخاطَبَةِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ بِتَوْبِيخِهِمْ؛ وتَوْبِيخِ أفْعالِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مَعَ بُعْدِهِ أسْهَلُ مِن دَفْعِ القِراءَةِ؛ فَكَأنَّهُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - قالَ لِقُرَيْشٍ: "مَن أنْزَلَ الكِتابَ عَلى مُوسى؟"؛ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَقالَ لَهم - خِلالَ الكَلامِ -: "تَجْعَلُونَهُ أنْتُمْ يا بَنِي إسْرائِيلَ قَراطِيسَ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "يَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيرًا"؛ بِالياءِ في الأفْعالِ الثَلاثَةِ؛ فَمَن رَأى الِاحْتِجاجَ عَلى قُرَيْشٍ رَآهُ إخْبارًا مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِما فَعَلَتْهُ اليَهُودُ في الكِتابِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ بِذَلِكَ لِقُرَيْشٍ؛ أو لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحْدَهُ؛ وما أُخْبِرَ بِهِ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في القُرْآنِ؛ فَأُمَّتُهُ مُتَلَقِّيَةٌ ذَلِكَ.

و"قَراطِيسَ"؛ جَمْعُ قِرْطاسٍ؛ أيْ بَطائِقَ؛ وأوراقًا؛ والمَعْنى يَجْعَلُونَهُ ذا قَراطِيسَ؛ مِن حَيْثُ يُكْتَبُ فِيها؛ وتَوْبِيخُهم بِالإبْداءِ؛ والإخْفاءِ؛ هو عَلى إخْفائِهِمْ آياتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والإخْبارِ بِنُبُوَّتِهِ؛ وجَمِيعِ ما عَلَيْهِمْ فِيهِ حُجَّةٌ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ ﴾ ؛ قالَ مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ: هي مُخاطَبَةٌ لِلْعَرَبِ؛ فالمَعْنى - عَلى هَذا - قَصْدُ ذِكْرِ مِنَّةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ؛ أيْ: "عُلِّمْتُمْ يا مَعْشَرَ العَرَبِ مِنَ الهِداياتِ؛ والتَوْحِيدِ؛ والإرْشادِ إلى الحَقِّ؛ ما لَمْ تَكُونُوا عالِمِينَ بِهِ؛ ولا آباؤُكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ ؛ يَصْلُحُ - عَلى هَذا المَعْنى - لِمُخاطَبَةِ مَنِ انْتَفَعَ بِالتَعْلِيمِ؛ ومَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ؛ ويَصِحُّ الِامْتِنانُ بِتَعْلِيمِ الصِنْفَيْنِ؛ ولَيْسَ مِن شَرْطِ مَن عُلِّمَ أنْ يُعَلِّمَ ولا بُدَّ؛ أما إنَّ التَعْلِيمَ الكامِلَ هو الَّذِي يَقَعُ مَعَهُ التَعَلُّمُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي مُخاطَبَةٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ والمَعْنى - عَلى هَذا - يَتَرَتَّبُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُقْصَدَ بِهِ الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ؛ بِأنْ عُلِّمُوا مِن دِينِ اللهِ تَعالى وهِداياتِهِ ما لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِهِ؛ لِأنَّ آباءَ المُخاطَبِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا عُلِّمُوا أيْضًا؛ وعَلِمَ بَعْضُهُمْ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ في آباءِ العَرَبِ؛ والوَجْهُ الآخَرُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ ذَمُّهُمْ؛ أيْ: "وَعُلِّمْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم ما لَمْ تَعْلَمُوهُ بَعْدَ التَعْلِيمِ؛ ولا انْتَفَعْتُمْ بِهِ؛ لِإعْراضِكُمْ؛ وضَلالِكُمْ".

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالمُبادَرَةِ إلى مَوْضِعِ الحُجَّةِ؛ أيْ: "قُلْ لَهُمْ: اَللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ عَلى مُوسى"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "فَإنْ جَهِلُوا؛ أو تَحَيَّرُوا؛ أو سَألُوا؛ أو نَحْوَ هَذا؛ فَقُلْ: اَللَّهُ"؛ ثُمَّ أمَرَهُ بِتَرْكِ مَن كَفَرَ وأعْرَضَ.

وهَذِهِ آيَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ؛ إنْ تُؤُوِّلَتْ مُوادَعَةً؛ وقَدْ يُحْتَمَلُ ألّا يَدْخُلَها نَسْخٌ إذا جُعِلَتْ تَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا؛ ووَعِيدًا مُجَرَّدًا مِن مُوادَعَةٍ.

والخَوْضُ: اَلذَّهابُ فِيما لا تُسْبَرُ حَقائِقُهُ؛ وأصْلُهُ في الماءِ؛ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في المَعانِي المُشْكِلَةِ المُلْتَبِسَةِ؛ و"يَلْعَبُونَ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

وجود واو العطف في صدر هذه الجملة ينادي على أنّها نزلت متناسقة مع الجمل الّتي قبلها، وأنّها وإيّاها واردتان في غرض واحد هو إبطال مزاعم المشركين، فهذا عطف على جملة ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء ﴾ [الأنعام: 89]، وأنّها ليست ابتدائيّة في غرض آخر.

فواو الضّمير في قوله ﴿ قدروا ﴾ عائد على ما عاد إليه اسم الإشارة في قوله: ﴿ هؤلاء ﴾ [الأنعام: 89] كما علمت آنفاً.

ذلك أنّ المشركين لمّا استشعروا نهوض الحجّة عليهم في نزول القرآن بأنّه ليس بِدعاً ممّا نزل على الرّسل، ودحضَ قولهم: ﴿ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً ﴾ [الفرقان: 7] توغّلوا في المكابرة والجحود فقالوا ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ وتجاهلوا ما كانوا يقولونه عن إبراهيم عليه السّلام وما يعلمونه من رسالة موسى عليه السلام وكتابه.

فروى الطبري عن ابن عبّاس ومجاهد: أنّ قائل ذلك هم المشركون من قريش.

وقد جاءت هذه الآية في هذا الموقع كالنتيجة لما قبلها من ذكر الأنبياء وما جاءوا به من الهدى والشّرائع والكتب، فلا جرم أنّ الّذين قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، قد جاءوا إفكاً وزوراً وأنكروا ما هو معلوم في أجيال البشر بالتّواتر.

وهذه الجملة مثل ما حكاه الله عنهم في قوله: ﴿ وقال الّذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالّذي بين يديه ﴾ [سبأ: 31].

ومن أئمّة التّفسير من جعل هذا حكاية لقول بعض اليهود، واختلفوا في أنّه معيّن أو غير معيّن، فعن ابن عبّاس أيضاً، وسعيد بن جبير، والحسن، والسديّ: أنّ قائل ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ بعض اليهود وروي عن سعيد بن جبير وعكرمة أنّ قائل ذلك مالك بن الصيف القُرظي وكان من أحبار اليهود بالمدينة، وكان سميناً وأنّه جاء يخاصم النّبيء صلى الله عليه وسلم فقال له النّبيء «أنشدك بالّذي أنزل التّوراة على موسى أمَا تجد في التّوراة أنّ الله يبغض الحَبر السمين» فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء.

وعن السُدّي: أنّ قائله فِنْحاص اليهودي.

ومحمل ذلك كلّه على أنّ قائل ذلك منهم قاله جهلاً بما في كتبهم فهو من عامّتهم، أو قاله لجاجاً وعِناداً.

وأحسب أنّ هذه الرّوايات هي الّتي ألجأت رواتها إلى ادّعاء أنّ هذه الآيات نزلت بالمدينة، كما تقدّم في الكلام على أوّل هذه السورة.

وعليه يكون وقع هذه الآيات في هذا الموقع لمناسبة قوله: ﴿ أولئك الّذين آتيناهم الكتاب ﴾ [الأنعام: 89] الآية، وتكون الجملة كالمعترضة في خلال إبطال حجاج المشركين.

وحقيقة ﴿ قدروا ﴾ عيَّنوا القَدْر وضَبطوه أي، عَلّموه عِلماً عن تحقّق.

والقَدْر بفتح فسكون مقياسُ الشيء وضابطه، ويستعمل مجازاً في عِلم الأمر بكُنهه وفي تدبير الأمر.

يقال: قَدَر القومُ أمرهم يقدُرونه بضمّ الدّالّ في المضارع، أي ضبطوه ودبَّروه.

وفي الحديث قول عائشة: «فاقدُروا قدْرَ الجاريةِ الحديثة السنّ» وهو هنا مجاز في العلم الصّحيح، أي ما عرفوا الله حقّ معرفته وما علموا شأنه وتصرّفاته حقّ العلم بها، فانتصب ﴿ حقّ ﴾ على النّيابة عن المفعول المطلق لإضافته إلى المصدر وهو ﴿ قَدْرِه ﴾ ، والإضافة هنا من إضافة الصّفة إلى الموصوف.

والأصل: ما قدروا الله قَدْرَه الحَقّ.

و ﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف، أي ما قدروه حين قالوا ﴿ ما أنزل الله ﴾ لأنّهم لمّا نفوا شأناً عظيماً من شؤون الله، وهو شأن هديه النّاس وإبلاغهم مرادَه بواسطة الرّسل، قد جهلوا ما يفضي إلى الجهل بصفة من صفات الله تعالى الّتي هي صفة الكلام، وجهلوا رحمته للنّاس ولطفه بهم.

ومقالهم هذا يعمّ جميعَ البشر لوقوع النكرة في سياق النّفي لِنفي الجنس، ويَعمّ جميعَ ما أنزل باقترانه ب ﴿ منْ ﴾ في حيز النّفي للدّلالة على استغراق الجنس أيضاً، ويعمّ إنزالَ الله تعالى الوحيَ على البشر بنفي المتعلِّق بهذين العمومين.

والمراد ب ﴿ شيء ﴾ هنا شيء من الوحي، ولذلك أمر الله نبيّه بأن يُفْحمهم باستفهاممِ تقريرٍ وإلجاءٍ بقوله: ﴿ مَن أنزل الكتاب الّذي جاء به موسى ﴾ فذكَّرهم بأمر لا يستطيعون جحده لتواتره في بلاد العرب، وهو رسالة موسى ومجيئه بالتّوراة وهي تدرس بين اليهود في البلد المجاور مكّة، واليهودُ يتردّدون على مكّة في التّجارة وغيرها، وأهل مكّة يتردّدون على يثرب وما حولها وفيها اليهود وأحبارهم، وبهذا لم يذكِّرهم الله برسالة إبراهيم عليه السّلام لأنّهم كانوا يجهلون أنّ الله أنزل عليه صُحفاً فكان قد يتطرّقه اختلاف في كيفية رسالته ونبوءته.

وإذا كان ذلك لا يسع إنكاره كما اقتضاه الجواب آخِرَ الآية بقوله: ﴿ قل الله ﴾ فقد ثبت أنّ الله أنزل على أحدٍ من البشر كتاباً فانتقض قولهم: ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ على حسب قاعدة نقض السالبة الكليّة بموجبة جزئيّة.

وافتتح بالأمر بالقول للاهتمام بهذا الإفحام، وإلاّ فإنّ القرآن كلّه مأمور النّبيء صلى الله عليه وسلم بأن يقوله.

والنّور: استعارة للوضوح والحقّ، فإنّ الحقّ يشبّه بالنّور، كما يشبّه الباطل بالظلمة.

قال أبو القاسم عليّ التنّوخي: وكأنّ النّجومَ بين دُجاها *** سُنَن لاَحَ بينهنّ ابتِدَاعُ ولذلك عطف عليه ﴿ هدى ﴾ .

ونظيره قوله في سورة المائدة (44) ﴿ إنّا أنزلنا التّوراة فيها هُدَى ونور.

ولو أطلق النّور على سبب الهدى لصحّ لولا هذا العطف، كما قال تعالى عن القرآن ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا ﴾ [الشورى: 52].

وقد انتصب ﴿ نوراً ﴾ على الحال.

والمراد بالنّاس اليهود، أي ليهديهم، فالتّعريف فيه للاستغراق، إلاّ أنّه استغراق عرفي، أي النّاس الّذين هم قومه بنو إسرائيل.

وقوله: ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ يجوز أن يكون صفة سببيّة للكتاب، ويجوز أن يكون مُعترضاً بين المتعاطفات.

قرأ ﴿ تجعلونه وتبدون وتخفون ﴾ بتاء الخطاب مَن عدا ابنَ كثير، وأبَا عمرو، ويعقوب، من العشرة، فإمّا أن يكون الخطاب لغير المشركين إذ الظاهر أن ليس لهم عمل في الكتاب الذي أنزل على موسى ولا باشروا إبداء بعضه وإخفاء بعضه فتعيّن أن يكون خطاباً لليهود على طريقة الإدماج (أي الخروج من خطاب إلى غيره) تعريضاً باليهود وإسماعاً لهم وإن لم يكونوا حاضرين من باب إياكَ أعنِي واسمَعي يا جارة، أو هو التفات من طريق الغيبة الّذي هو مقتضى المقام إلى طريق الخطاب.

وحقّه أن يقال يجعلونه بياء المضارع للغائب كما قرأ غير هؤلاء الثّلاثة القرّاء.

وإمّا أن يكون خطاباً للمشركين.

ومعنى كونهم يجعلون كتابَ موسى قراطيس يبدون بعضها ويخفون بعضها أنّهم سألوا اليهود عن نبوءة محمّد صلى الله عليه وسلم فقرأوا لهم ما في التّوراة من التمسّك بالسبتتِ، أي دين اليهود، وكتموا ذكر الرّسول صلى الله عليه وسلم الّذي يأتي من بعدُ، فأسند الإخفاء والإبداءُ إلى المشركين مجازاً لأنّهم كانوا مظهراً من مظاهر ذلك الإخفاء والإبداء.

ولعلّ ذلك صدر من اليهود بعد أن دخل الإسلام المدينة وأسلم مَن أسلم من الأوس والخزرج، فعلم اليهود وبال عاقبة ذلك عليهم فأغروا المشركين بما يزيدهم تصميماً على المعارضة.

وقد قدّمتُ ما يرجّح أنّ سورة الأنعام نزلت في آخر مدّة إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكّة، وذلك يوجب ظننّا بأنّ هذه المدّة كانت مبدأ مداخلة اليهود لقريش في مقاومة الدّعوة الإسلاميّة بمكّة حين بلغت إلى المدينة.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب ﴿ يجعلونه، ويُبدونها، ويخفون ﴾ بالتحتيّة فتكون ضمائرُ الغيبة عائدة إلى معروف عند المتكلّم، وهم يهود الزّمان الّذين عُرفوا بذلك.

والقراطيس جمع قرطاس.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ولو نزّلنا عليك كتاباً في قرطاس ﴾ في هذه السّورة [7].

وهو الصحيفة من أي شيء كانت من رَقّ أو كَاغِد أو خرقة.

أي تجعلون الكتاب الّذي أنزل على موسى أوراقاً متفرّقة قصداً لإظهار بعضها وإخفاء بعض آخر.

وقوله: تبدونها وتخفون كثيراً} صفة لقراطيس، أي تبدون بعضها وتخفون كثيراً منها، ففهم أنّ المعنى تجعلونه قراطيس لغرض إبداء بعض وإخفاء بعض.

وهذه الصّفة في محلّ الذمّ فإنّ الله أنزل كتبه للهُدى، والهدى بها متوقّف على إظهارها وإعلانها، فمن فرّقها ليظهر بعضاً ويخفي بعضاً فقد خالف مراد الله منها.

فأمّا لو جعلوه قراطيس لغير هذا المقصد لما كان فعلهم مذموماً، كما كتب المسلمون القرآن في أجزاء منفصلة لقصد الاستعانة على القراءة، وكذلك كتابة الألواح في الكتاتيب لمصلحة.

وفي «جامع العُتبية» في سماع ابن القاسم عن مالك {سُئل مالك رحمه الله عن القرآن يُكتب أسداساً وأسباعاً في المصاحف، فكره ذلك كراهيةً شديدة وعابها وقال لا يفرّق القرآن وقد جمعه الله وهؤلاء يفرّقونه ولا أرى ذلك اه.

قال ابن رشد في البيان والتّحصيل}: القرآن أنزل إلى النّبيء صلى الله عليه وسلم شيئاً بعد شيء حتّى كَمُل واجتمع جملة واحدة فوجب أن يحافظ على كونه مجموعاً، فهذا وجه كراهيّة مالك لتفريقه اه.

قلْت: ولعلّه إنّما كره ذلك خشية أن يكون ذلك ذريعة إلى تفرّق أجزاء المصحف الواحد فيقع بعضها في يد بعض المسلمين فيظنّ أنّ ذلك الجزء هو القرآن كلّه، ومعنى قول مالك: وقد جمعه الله، أنّ الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بجمعه بعد أن نزل منجّماً، فدلّ ذلك على أنّ الله أراد جمعه فلا يفرّق أجزاء.

وقد أجاز فقهاء المذهب تجْزئة القرآن للتعلّم ومسّ جزئه على غير وضوء، ومنه كتابته في الألواح.

وقوله: ﴿ وعُلّمتم ما لم تعلموا ﴾ في موضع الحال من كلام مقدّر دلّ عليه قوّة الاستفهام لأنّه في قوّة أخبروني، فإنّ الاستفهام يتضمّن معنى الفعل.

ووقوع الاستفهام بالاسم الدّال على طلب تعيين فاعل الإنزالَ يقوّي معنى الفعل في الاستفهام إذ تضمّن اسم الاستفهام فعلاً وفاعلاً مستفهماً عنهما، أي أخبروني عن ذلك وقَد علّمكم الله بالقرآن الّذي أنكرتم كونه من عند الله، احتججتم على إنكار ذلك بنفي أن ينزل الله على بشر شيئاً، ولو أنصفتم لوجدتم وإمارة نزوله من عند الله ثابتة فيه غير محتاج معها للاستدلال عليه.

وهذا الخطاب أشدّ انطباقاً على المشركين لأنّهم لم يكونوا عالمين بأخبار الأنبياء وأحوال التّشريع ونظامه فلمّا جاءهم محمّد عليه الصّلاة والسّلام عَلم ذلك من آمَن علماً راسخاً، وعلم ذلك من بقي على كفره بما يحصل لهم من سماع القرآن عند الدّعوة ومن مخالطيهم من المسلمين، وقد وصفهم الله بمثل هذا في آيات أخرى، كقوله تعالى: ﴿ تلك من أنباء الغيب نوحِيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ﴾ [هود: 49].

ويجوز أن تكون جملة: ﴿ وعُلّمتم ﴾ عطفاً على جملة: ﴿ أنْزَل الكتاب ﴾ على اعتبار المعنى كأنّه قيل: وعلّمكم ما لم تعلموا.

ووجه بناء فعل ﴿ عُلّمتم ﴾ للمجهول ظهور الفاعل، ولأنّه سيقول ﴿ قُل الله ﴾ .

فإذا تأوّلنا الآية بما روي من قصّة مالك بن الصّيف المتقدّمة فالاستفهام بقوله ﴿ مَن أنزل الكتاب ﴾ تقريري، إمّا لإبطال ظاهر كلامهم من جحد تنزيل كتاب على بشر، على طريقة إفحام المناظر بإبداء ما في كلامه من لوازم الفساد، مثل فساد اطّراد التّعريف أو انعكاسه، وإمّا لإبطال مقصودهم من إنكار رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم بطريقة الإلزام لأنّهم أظهروا أنّ رسالة محمّد عليه الصلاة والسلام كالشيء المحال فقيل لهم على سبيل التّقرير ﴿ من أنزل الكتاب الّذي جاء به موسى ﴾ ولا يسعهم إلاّ أن يقولوا: الله، فإذا اعترفوا بذلك فالّذي أنزل على موسى كتاباً لم لا ينزل على محمّد مِثله، كما قال تعالى: ﴿ أم يحسدون النّاس على ما آتاهم الله من فضله ﴾ [النساء: 54] الآية.

ثمّ على هذا القول تكون قراءة: ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ بالفوقيّة جارية على الظاهر، وقراءتُه بالتّحتيّة من قبيل الالتفات.

ونكتته أنّهم لمّا أخبر عنهم بهذا الفعل الشّنيع جُعلوا كالغائبين عن مقام الخطاب.

والمخاطب بقوله: ﴿ وعُلّمتم ﴾ على هذا الوجه هم اليهود، فتكون الجملة حالاً من ضمير ﴿ تجعلونه ﴾ ، أي تجعلونه قراطيس تخفون بعضها في حال أنّ الله علّمكم على لسان محمّد ما لم تكونوا تعلمون، ويكون ذلك من تمام الكلام المعترض به.

ويجيء على قراءة ﴿ يجعلونه قراطيس ﴾ بالتّحتيّة أن يكون الرّجوع إلى الخطاب بعد الغيبة التفاتاً أيضاً.

وحسّنه أنّه لمّا أخبر عنهم بشيء حَسن عَادَ إلى مقام الخطاب، أو لأنّ مقام الخطاب أنسب بالامتنان.

واعلم أنّ نظم الآية صالح للردّ على كلا الفريقين مراعاة لمقتضى الروايتين.

فعلى الرّواية الأولى فواو الجماعة في «قدروا وقالوا» عائدة إلى ما عاد إليه إشارة هؤلاء، وعلى الرّواية الثّانية فالواو واو الجماعة مستعملة في واحد معيّن على طريقة التّعريض بشخص من باب " مَا بالُ أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله "، وذلك من قبيل عود الضّمير على غير مذكور اعتماداً على أنّه مستحضر في ذهن السامع.

وقوله: ﴿ قل الله ﴾ جواب الاستفهام التّقريري.

وقد تولّى السائل الجواب لنفسه بنفسه لأنّ المسؤول لا يسعه إلاّ أن يجيب بذلك لأنّه لا يقدر أن يكابر، على ما قرّرتُه في تفسير قوله تعالى: ﴿ قل لمن ما في السّماوات والأرض قل لله ﴾ في هذه السّورة [12].

والمعنى قل الله أنزل الكتاب على موسى.

وإذا كان وعُلّمتم ما لم تعلموا } معطوفاً على جملة ﴿ أنزل ﴾ كان الجواب شاملاً له، أي الله علّمكم ما لم تعلموا فيكون جواباً عن الفعل المسند إلى المجهول بفعل مسند إلى المعلوم على حدّ قول ضرار بن نهشل أو الحارث النهشلي يرثي أخاه يزيد: ليُبْكَ يزيد ضارع لخصومة *** ومختبط ممّا تُطيح الطَّوائح كأنّه سئل من يَبكيه فقال: ضارع.

وعطف ﴿ ثمّ ذرّهم في خوضهم يلعبون ﴾ بثمّ للدّلالة على التّرتيب الرتبي، أي أنّهم لا تنجع فيهم الحجج والأدلّة فَتَرْكُهم وخَوْضهم بعد التّبليغ هو الأولى ولكن الاحتجاج عليهم لتبكيتهم وقطع معاذيرهم.

وقوله: ﴿ في خوضهم ﴾ متعلّق ب ﴿ ذرهم ﴾ .

وجملة ﴿ يلعبون ﴾ حال من ضمير الجمع.

وتقدّم القول في «ذر» في قوله تعالى: ﴿ وذر الّذين اتّخذوا دينهم ﴾ [الأنعام: 70].

والخوض تقدّم في قوله تعالى: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ﴾ [الأنعام: 68].

واللّعب تقدّم في ﴿ وذر الّذين اتّخذوا دينهم لعباً ﴾ في هذه السّورة [70].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وما عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: وما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: وما وصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ، قالَهُ الخَلِيلُ.

والرّابِعُ: وما آمَنُوا بِأنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ يَعْنِي مِن كِتابٍ مِنَ السَّماءِ.

وَفي هَذا الكِتابِ الَّذِي أنْكَرُوا نُزُولَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ، أنْكَرَ حَبْرُ اليَهُودِ فِيما أُنْزِلَ مِنها ما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ  رَأى هَذا الحَبْرَ اليَهُودِيَّ سَمِينًا، فَقالَ لَهُ: (أما تَقْرَءُونَ في التَّوْراةِ: أنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الحَبْرَ السَّمِينَ فَغَضِبَ مِن ذَلِكَ وقالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَتَبَرَّأتْ مِنهُ اليَهُودُ ولَعَنَتْهُ»، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ أنْكَرُوهُ رَدًّا لِأنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُنَزَّلًا.

وَفي قائِلِ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قُرَيْشٌ.

والثّانِي: اليَهُودُ.

فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ لِاعْتِرافِهِمْ بِنُزُولِها.

ثُمَّ قالَ: ﴿ نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ ﴾ لِأنَّ المُنَزَّلَ مِنَ السَّماءِ لا يَكُونُ إلّا نُورًا وهُدًى.

ثُمَّ قالَ: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا ﴾ يَعْنِي أنَّهم يُخْفُونَ ما في كِتابِهِمْ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وصِفَتِهِ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، وفي ( مُبارَكٌ ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ العَظِيمُ البَرَكَةِ لِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِشْهادِ بِهِ.

والثّانِي: لِما فِيهِ مِن زِيادَةِ البَيانِ لِأنَّ البَرَكَةَ هي الزِّيادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ المُبارَكَ الثّابِتُ.

﴿ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الكُتُبُ الَّتِي قَبْلَهُ مِنَ التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، وغَيْرِهِما، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.

والثّانِي: النَّشْأةُ الثّانِيَةُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ﴾ يَعْنِي أهْلَ أُمِّ القُرى، فَحَذَفَ ذِكْرَ الأهْلِ إيجازًا كَما قالَ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ .

و ﴿ أُمَّ القُرى ﴾ مَكَّةُ وفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: - أحَدُها: لِأنَّها مُجْتَمَعُ القُرى، كَما يَجْتَمِعُ الأوْلادُ إلى الأُمِّ.

والثّانِي: لِأنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ بِها، فَكَأنَّ القُرى نَشَأتْ عَنْها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: لِأنَّها مُعَظَّمَةٌ كَتَعْظِيمِ الأُمِّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: لِأنَّ النّاسَ يَؤُمُّونَها مِن كُلِّ جانِبٍ، أيْ يَقْصِدُونَها.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَمَن حَوْلَها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الأرْضِ كُلِّها.

﴿ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ وفِيما تَرْجِعُ إلَيْهِ هَذِهِ الكِنايَةُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلى الكِتابِ، وتَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهَذا الكِتابِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: إلى مُحَمَّدٍ  ، وتَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ  لِما قَدْ أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى مِن مُعْجِزَتِهِ وأبانَهُ اللَّهُ مِن صِدْقِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

فَإنْ قِيلَ: فِيمَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ؟

قِيلَ: لا اعْتِبارَ لِإيمانِهِمْ بِها لِتَقْصِيرِهِمْ في حَقِّها، فَصارُوا بِمَثابَةِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ قال: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يؤمن بالله حق قدره ﴿ إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ يعني من بني إسرائيل، قالت اليهود يا محمد أنزل الله عليك كتاباً؟

قال: نعم.

قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتاباً فأنزل الله قل يا محمد ﴿ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا آباؤكم قل الله ﴾ أنزله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ قال: وما علموا كيف هو حيث كذبوه.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك في قوله: ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ قال: ما عظموه حق عظمته.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ قال: قالها مشركو قريش.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ قال: قال فنحاص اليهودي: ما أنزل الله على محمد من شيء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ قال: نزلت في مالك بن الصيف.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف، فخاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي «أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟

وكان حبراً سميناً، فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء.

فقال له أصحابه: ويحك...

!

ولا على موسى؟

قال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله: ﴿ وما قدروا الله حق قدره...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء ناس من يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب فقالوا: يا أبا القاسم ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحاً؟

فأنزل الله تعالى ﴿ يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء ﴾ [ النساء: 153] الآية.

فجثا رجل من اليهود فقال: ما أنزل الله عليك.

ولا على موسى، ولا على عيسى، ولا على أحد شيئاً، فأنزل الله: ﴿ وما قدروا الله حق قدره...

﴾ الآية.

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال: أمر الله محمداً أن يسأل أهل الكتاب عن أمره وكيف يجدونه في كتبهم، فحملهم حسدهم أن يكفروا بكتاب الله ورسله فقالوا ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ فأنزل الله: ﴿ وما قدروا الله حق قدره...

﴾ الآية.

ثم قال: يا محمد هلم لك إلى الخبير، ثم أنزل ﴿ الرحمن فاسأل به خبيراً ﴾ [ الفرقان: 59] ﴿ ولا ينبئك مثل خبير ﴾ [ فاطر: 14] .

وأخرج البيهقي عن الشعب عن كعب قال: إن الله يبغض أهل البيت اللحمين والحبر السمين.

وأخرج البيهقي عن جعدة الجشمي قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ورجل يقص عليه رؤيا، فرأى رجلاً سميناً فجعل بطنه بشيء في يده، ويقول: «لو كان بعض هذا في غير هذا لكان خير الملك» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً ﴾ قال: هم اليهود ﴿ وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ قال: هذه للمسلمين.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً ﴾ في يهود فيما أظهروا من التوراة وأخفوا من محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد أنه قرأ ﴿ تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً ﴾ وعلمتم معشر العرب ﴿ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ قال: هم اليهود، آتاهم الله علماً فلم يقتدوا به ولم يأخذوا به ولم يعملوا به، فذمهم الله في عملهم ذلك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ قال ابن عباس: (يقول: ما عظموا الله حق تعظيمه) (١) وهو قول الحسن (٢) (٣) (٤) (٥) وقال أبو العالية (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) ويقال: قدر (١١)  : " إن غمّ عليكم فاقدروا له" (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى.

﴿ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ﴾ قال ابن عباس: (كان مالك بن الضيف (١٥)  بمكة، فقال له رسول الله  : "أنشدك باللهِ الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر (١٦) (١٧) ﴿ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ﴾ ) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ ﴾ قال المفسرون (٢٤) (٢٥) ﴿ وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد: تظهرون بعض ما فيها، ﴿ وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ﴾ : مما لا تهوون) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا ﴾ ، ﴿ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ ﴾ ، (يجعلونه)، ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب أي: قل لهم ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ ﴾ .

قال أبو علي: (ومعنى ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ ﴾ : تجعلونه ذوات (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ﴾ يحتمل موضعه ضربين: أحدهما.

أن يكون صفة للقراطيس؛ لأن النكرة توصف بالجمل (٣١) ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ ﴾ على أن تجعل الكتاب: القراطيس في المعنى؛ لأنه مكتتب فيها (٣٢) ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا  ﴾ فجاء علي الخطاب فكذلك يكون ما قبله) (٣٣) وقال الفراء في هذه الآية: ([يقول]: (٣٤) (٣٥)  ) (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ﴾ الأكثرون (٣٧) ﴿ وَعُلِّمْتُمْ ﴾ على لسان محمد  ﴿ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ﴾ ، وقال الحسن في هذا: (جعل لهم علم ما جاء به محمد  فضيّعوه ولم ينتفعوا به) (٣٨) وقال مجاهد: (هذا خطاب للمسلمين [يذكرهم النعمة] (٣٩)  ) (٤٠) وقوله: ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ ، قال الفراء: (هذا جواب لقوله: ﴿ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ ﴾ ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ أي: الله أنزله) (٤١) قال أبو بكر: (فلما وضح معنى الإنزال لم يذكر إفراد الاسم، ألا ترى أن الرجل يقول للرجل: إذا قيل لك: من قام؟

فقل: زيد، تريد (٤٢) (٤٣) قال الفراء (٤٤) (٤٥) ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ  ﴾ ، وفي قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ  ﴾ ) (٤٦) وقال أهل المعاني: (هذا من حسن تعليم السؤال والجواب).

وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ ﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ حال تقديره: لاعبين (٤٧) (٤٨) (٤٩) قال المفسرون: وقوله: ﴿ ذَرْهُمْ ﴾ منسوخ بآية السيف (٥٠) (١) "تنوير المقباس" 2/ 40، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 79، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 83، والرازي في "تفسيره" 13/ 72، والخازن 2/ 157، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 7/ 266، والجوهري في "الصحاح" 2/ 786، وابن كثير 2/ 174.

وقال ابن فارس في "مقاييس اللغة" 5/ 63، في الآية: (قال المفسرون: ما عظموا الله حق عظمته، وهذا صحيح، وتلخيصه أنهم لم يصفوه بصفته التي تنبغي له تعالى) اهـ.

وانظر: "مجمل اللغة" 3/ 745 (قدر).

(٢) ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 141، وابن الجوزي 3/ 83، والقرطبي 7/ 37.

(٣) "معاني الفراء" 1/ 343.

(٤) "معاني الزجاج" 2/ 271.

(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 268، وابن أبي حاتم 4/ 1341 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 53.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

(٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 79، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 83، والرازي 13/ 72، والخازن 2/ 157.

(٨) "تهذيب اللغة" 3/ 2897، وانظر: "العين" 5/ 113.

(٩) ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 72، والخازن 2/ 157، ولم أقف عليه في "معانيه".

(١٠) "مجاز القرآن" 1/ 200، وهو قول اليزيدي في "غريب القرآن" ص 139، وذكر هذا القول النحاس في "معانيه" 2/ 456 - 457، وقال: (هذا قول حسن؛ لأن معنى قدرت الشيء وقدرته: عرفت مقداره، ويدل عليه قوله جل وعلا: ﴿ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ  ﴾ ، أي: لم يعرفوه حق معرفته، إذ أنكروا أن يُرسل رسولاً، وقيل: المعنى: وما عظموا الله حق عظمته، ومن هذا لفلان قَدرٌ، والمعنيان متقاربان) اهـ.

(١١) قدر الشيء: بفتح القاف والدال يَقْدِرُه، قَدْرًا، انظر: "الجمهرة" 2/ 635، و"اللسان" 6/ 3547 (قدر).

(١٢) الحديث متفق عليه أخرجه البخاري (1906)، كتاب الصوم، باب قول النبي: "إذا رأيتم الهلال" ومسلم (1080) كتاب الصوم، باب وجوب صوم رمضان، عن عبد الله بن عمر  ما قال: (سمعت رسول الله  يقول: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فَاقْدِرُوا له").

وانظر: "شرح مسلم" للنووي 7/ 266، و"فتح الباري" 4/ 120.

(١٣) لفظ: (ثم) ساقط من (ش).

(١٤) نقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 13/ 72، وذكر مثل قول الواحدي الخازن في "تفسيره" 2/ 157، وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 279: (هو من توفية القدر والمنزلة فهي عامة يدخل تحتها من لم يعرف ومن لم يعظم وغير ذلك، غير أن تعليله بقولهم: (ما أنزل الله) يقضي بأنهم جهلوا ولم يعرفوا الله حق معرفته إذ أحالوا عليه بعثة الرسل) اهـ.

وانظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 168، و"الفتاوى" 13/ 160 - 164، و"بدائع التفسير" 2/ 162.

(١٥) مالك بن الضَّيْف: يهودي خاصم النبي  ، ويقال فيه: ابن الصيف بالصاد المهملة، وهما روايتان فيه، ذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" 2/ 174.

(١٦) حديث: "إن الله يبغض الحبر السمين" تكلم فيه أهل العلم، قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص 125: (ما علمته في المرفوع).

وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيعلي 1/ 443، و"الكافي الشاف" ص 62، و"تمييز الطيب من الخبيث" ص 82، و"الفتح السماوي" 2/ 611، و"كشف الخفاء" 1/ 289.

(١٧) في (أ): (تطعمك).

(١٨) ذكره ابن الجوزي 3/ 82، والرازي 13/ 74، وأبو حيان في "البحر" 4/ 176، وذكره أكثرهم بلا نسبة.

انظر: "معاني الزجاج" 2/ 271، والنحاس 2/ 457، والسمرقندي 1/ 500، و"غرائب الكرماني" 1/ 370، وابن عطية 5/ 280، وفي "تنوير المقباس" 2/ 40: قال: (نزلت الآية في مالك بن الصيف) اهـ.

(١٩) ذكر هود الهواري 1/ 542، والقرطبي 7/ 37 عن الحسن قال: (نزلت في اليهود).

(٢٠) أخرجه الطبري 7/ 267، وابن أبي حاتم 4/ 1342 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 540، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 222 - 223، والرواية فيها الحديث السابق، فهو ضعيف ومرسل.

(٢١) أخرجه الطبري 7/ 267 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 54.

(٢٢) ومنهم مقاتل في "تفسيره" 1/ 574، وانظر: "الرازي" 13/ 74، والخازن 2/ 158.

(٢٣) أخرجه الطبري 7/ 268، وابن أبي حاتم 4/ 1342 بسند جيد، وأخرج الطبري من طرق جيدة عن محمد بن كعب وقتادة والسدي أنها نزلت في اليهود، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 54، وهو قول الزجاج 2/ 271.

وقال ابن كثير 2/ 174: (قال ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير: نزلت في قريش، واختاره الطبري، وهو الأصح؛ لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمَّد (لأنه من البشر) اهـ.

(٢٤) انظر: الطبري 7/ 269، وأخرج نحوه عن مجاهد وعكرمة.

(٢٥) انظر: الطبري 7/ 269، والسمرقندي 1/ 500، والبغوي 3/ 167، وابن الجوزي 3/ 84.

(٢٦) في "تنوير المقباس" 2/ 40 نحوه.

(٢٧) قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (يجعلون قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا) بالياء في الأفعال الثلاثة على الغيبة، وقرأ الباقون بالتاء في الثلاثة على الخطاب.

انظر: "السبعة" ص 262، و"المبسوط" ص 172، و"التذكرة" 2/ 404، و"التيسير" ص 105، و"النشر" 2/ 260.

(٢٨) في (ش): (تجعلونه، وتبدون، وتخفون) بالتاء.

وفي (أ): (يبدون) والأولى (يبدونها).

(٢٩) لفظ: (قوله) ساقط من (ش).

(٣٠) فيكون على حذف مضاف، وقال النحاس في "إعرابه" 1/ 565: (تجعلونه في قراطيس) اهـ، وعليه يكون منصوب بنزع الخافض، وهو قول مكي في "المشكل" 1/ 260، وابن الأنباري في "البيان" 1/ 331، وانظر: "التبيان" 1/ 346، و"الفريد" 2/ 188، و"الدر المصون" 5/ 35.

(٣١) وهذا قول العكبري في "التبيان" 1/ 346، وقال مكي في "المشكل" 1/ 260: (تبدونها) نعت للقراطيس، وقوله: (وتخفون) مبتدأ لا موضع له من الإعراب.

اهـ، وانظر: "الدر المصون" 5/ 36 (٣٢) قال السمين في "الدر" 5/ 36: (وقد جوز الواحدي في: "تبدون"، أن يكون == حالاً من ضمير الكتاب من قوله: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ ﴾ على أن تجعل الكتاب القراطيس في المعنى؛ لأنه مكتتب فيها.

انتهى.

وقوله: على أن تجعل اعتذارًا عن مجيء ضميره مؤنثًا، وفي الجملة فهو بعيد أو ممتنع) اهـ.

(٣٣) "الحجة" لأبي علي 3/ 355 - 356، وانظر: في "توجيه القراءة"، و"معاني القراءات" 1/ 370 - 371، و"إعراب القراءات" 1/ 164، و"الحجة" لابن خالويه ص 145، و"الحجة" لابن زنجلة ص260 - 261، و"الكشف" 1/ 440.

(٣٤) لفظ: (يقول) ساقط من (أ).

(٣٥) جاء في (أ): (يبدون ما يحبون ويكتمون ....) بالياء بدل التاء.

(٣٦) "معاني الفراء" 1/ 343، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 271.

(٣٧) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 167، وابن الجوزي 3/ 84.

وهو اختار الزمخشري في "الكشاف" 1/ 35، وأبو حيان في "البحر" 4/ 178.

(٣٨) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 80، والبغوي في "تفسيره" 3/ 167.

(٣٩) في (ش): (يذكرهم بالنعمة).

(٤٠) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 80، والبغوي في "تفسيره" 3/ 167، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 270، وابن أبي حاتم 5/ 282 بسند جيد عنه قال: (هذه == للمسلمين"، وفي "الدر المنثور" 3/ 54 عن مجاهد قال: ((وعلمتم) معشر العرب ﴿ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ﴾ ) (٤١) "معاني الفراء" 1/ 343.

(٤٢) في (ش): (يريد)، بالياء.

(٤٣) لم أقف عليه.

(٤٤) "معاني الفراء" 1/ 343.

(٤٥) في (أ): (قل هو الله أحد)، ولعل زيادة (أحد) وهم من الناسخ.

(٤٦) لم أقف عليه.

وأكثرهم على أن المعنى: قل الله أنزله، قال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 10/ 559: (المعنى: قل الله أنزل الكتاب، وهو كلام تام وجملة اسمية مركبة من مبتدأ وخبر، حذف الخبر لدلالة السؤال على الجواب، وهو قياس مطرد كثير في كلام العرب) ا.

هـ.

ملخصًا.

ونحوه قال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 163 - 166، وقال: (هذا معنى الآية الذي لا تحتمل غيره) اهـ، وقال ابن كثير 2/ 175: (قال ابن عباس: أي: قل الله أنزله، وورد هو المتعين، لا ما قاله بعضهم من أن المعنى لا يكون خطابك لهم إلا كلمة: الله، وهذا أمر بكلمة مفردة من غير تركيب، وهو في لغة العرب لا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها) ا.

هـ.

بتصرف، وانظر: الطبري 7/ 270، والسمرقندي 1/ 500، وابن الجوزي 3/ 84، و"الدر المصون" 5/ 36.

(٤٧) انظر: "المشكل" 1/ 260، و"البيان" 1/ 331، و"التبيان" 1/ 347، و"الفريد" 2/ 189، و"الدر المصون" 5/ 36.

(٤٨) هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 271.

(٤٩) انظر: الطبري 7/ 271.

(٥٠) هذا قول ابن حزم في "ناسخه" ص 37، وابن سلامة ص 68، وابن العربي 2/ 212، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 178: (ظاهر الأمر أنه موادعة فيكون منسوخًا بآيات القتال، وإن جعل تهديدًا أو وعيدًا خاليًا من الموادعة فلا نسخ) اهـ.

والظاهر عدم النسخ وأنها تهديد، وهو قول الجمهور.

انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 321، و"الإيضاح" لمكي ص 244، وابن عطية 5/ 283، و"النواسخ" لابن الجوزي ص 327، و"المصفى" ص 32، والرازي 13/ 78، والقرطبي 7/ 38، و"النسخ في القرآن" لمصطفى زيد 1/ 483.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي ما عرفوه حق معرفته، في اللطف بعباده والرحمة لهم؛ إذ أنكروا بعثه للرسل وإنزاله للكتب، والقائلون هم: اليهود بدليل ما بعده، وإنما قالوا ذلك مبالغة في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وروي أن الذي قالها منهم مالك بن الضيف، فرد الله عليهم بأن ألزمهم ما لابد لهم من الإقرار به وهو إنزال التوراة على موسى، وقيل: القائلون قريش، ولزموا ذلك لأنهم كانوا مقرين بالتوراة ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تعلموا ﴾ الخطاب لليهود أو لقريش على وجه إقامة الحجة والرد عليهم في قولهم: ما أنزل الله على بشر من شيء، فإن كان لليهود، فالذي علموه التوراة، وإن كان لقريش فالذي علموه ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ قُلِ الله ﴾ جواب من أنزل واسم الله مرفوع بفعل مضمر تقديره أنزله الله أو مرفوع بالابتداء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يجعلونه ﴾ ﴿ يبدونها ﴾ و ﴿ يخفون ﴾ بياآت الغيبة: أبو عمرو وابن كثير، الباقون: على الخطاب ﴿ ولينذر ﴾ بياء الغيبة: أبو بكر وحماد.

الباقون: بتاء الخطاب ﴿ بينكم ﴾ بفتح النون: أبو جعفر ونافع وعلي وحفص والمفضل.

الباقون: بالرفع ﴿ وجعل الليل ﴾ على لفظ المضي ونصب الليل عاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ وجاعل الليل ﴾ على لفظ اسم الفاعل وبالإضافة ﴿ وجنات ﴾ بالرفع: الأعشى والبرجمي الباقون: بالنصب ﴿ فمسستقر ﴾ بكسر القاف: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب.

الباقون: بالفتح ﴿ ثمره ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف وكذلك في آخر السورة ويس.

الباقون: بفتحتين ﴿ وخرقوا ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بالتخفيف.

الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يجعلونه ﴾ بياء الغيبة.

ومن قرأ بالتاء فوقفه حائز لانتهاء الاستفهام مع اتفاق الخطاب على تقدير وقد علمتم ﴿ آباؤكم ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط لأن قوله ذرهم} معطوف على ﴿ قل ﴾ ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ ومن حولها ﴾ ط ﴿ يحافظون ﴾ ه ﴿ أنزل الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج لاتساق الكلام معنى مع تقدير حذف أي يقولون أخرجوا ﴿ أنفسكم ﴾ ط لأن المراد من اليوم يوم القيامة ﴿ تستكبرون ﴾ ه ﴿ ظهوركم ﴾ ج لاتحاد القول.

والوقف أوضح لابتداء النفي وانقطاع النظم ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ والنوى ﴾ ط ﴿ من الحي ﴾ ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ فالق الإصباح ﴾ ج لمن قرأ ﴿ وجعل ﴾ لانقطاع النظم واتصال المعنى على تقدير فلق وجعل، أو وقد جعل وعامل الحال معنى الفعل في فالق ﴿ حسباناً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ومستودع ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقصود ﴿ متراكباً ﴾ ط ومن قرأ ﴿ وجنات ﴾ بالرفع فللعطف على ﴿ قنوان ﴾ لفظاً فيلزمه وقفه على ﴿ دانية ﴾ وإلا فليعطف ويفهم أن ﴿ جنات ﴾ من جملة النخل، ومن خفض فوقفه على ﴿ متراكباً ﴾ جائز للعطف على قوله ﴿ خضراً ﴾ مع وقوع العارض ﴿ وغير متشابه ﴾ ط ﴿ وينعه ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه.

التفسير: اعلم أن مدار القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد.

فبعد ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك شرع في تقرير أمر النبوة فقال ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ قال ابن عباس: أي ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أنكروا النبوة والرسالة.

وقال أيضاً في رواية: ما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير.

وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته.

وقال الأخفش: ما عرفوه حق معرفته أي في اللطف بأوليائه أو في القهر لأعدائه.

وقال الجوهري: قدر الشيء مبلغه وقدرت الشيء أقدره وأقدره قدراً من التقدير أي حرره وعرف مقداره.

ثم بيّن سبب عدم عرفانه بقوله ﴿ إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ وإنما كان منكر البعث والرسالة غير عارف بالله  ، لأنه إما أن يدعي أنه  ما كلف أحداً من الخلائق تكليفاً أصلاً وهو باطل لأنه فتح باب المنكرات والقبائح بأسرها، وإما أن يسلم أنه  كلف الخلق بالأوامر والنواهي ولكن لا على ألسنة الرسل وهذا أيضاً جهل.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون العقل كافياً في إيجاب الواجبات وحظر المنكرات؟

فالجواب هب أن الأمر كذلك إلا أنه لا يمتنع تأكيد التصريف العقلي بل يجب تفصيل ذلك المجمل بالتعريفات المشروحة على ألسنة الرسل، لأن أكثر العقول قاصرة عن إدراك مدارك الأحكام الشرعية كما أن نور البصر قاصر عن إدراك المبصرات إلا إذا أعين بنور من خارج كنور الشمس أو السراج.

وأيضاً تفويض مصالح العباد إلى مقتضى عقولهم يؤدي إلى التنازع والتشاجر لتصادم الأهواء وتناقض الآراء فلا بد من أن يتفقوا على واحد يصدرون عن رأيه، وتعيين ذلك الواحد من الخلق ترجيح بلا مرجح وإشراف على الضلال لإحتمال الخطأ في اجتهادهم، فلعل الخير في نظرهم يكون شراً في نفس الأمر فلزم أن يكون التعيين من الله  بكونه أعرف بالبواطن كقوله ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ وإنما يعرف ذلك المعين بظهور المعجزة على وفق دعواه تصديقاً له، ومن أنكر ذلك ولم يجوّز خرق العادة فقد وصف الله  بالعجز ونقصان القدرة.

وقد طعن بعض الملحدة في الآية بأن هؤلاء القائلين إن كانوا كفار قريش أو البراهمة فهم ينكرون رسالة كل الأنبياء كما ينكرون رسالة محمد  فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ على أن قوله ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ بتاء الخطاب إنما يليق باليهود وإن كانوا أهل الكتاب فهم لا يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء، بل يقرّون بنزول التوراة على موسى والإنجيل على عيسى.

وأيضاً الأكثرون اتفقوا على أن السورة مكية وأنها نزلت دفعة واحدة ومناظرات اليهود مع رسول الله  وآله كانت مدنية، فكيف يمكن حمل الآية على تلك المناظرة؟

والجواب أنهم إن كانوا كفار قريش فإنهم كانوا مختلطين باليهود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات على يد موسى كالعصا وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها وكان جارياً مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى.

وعلى هذا لا يبعد إيراد نبوة موسى إلزاماً لهم في قولهم ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ ولما كان كفار قريش مع اليهود والنصارى متشاركين في إنكار نبوة محمد  وآله لم يبعد أن يكون الكلام الواحد خطأ بالكفار قريش أوّلاً ولأهل الكتاب آخراً وأما إن كانوا أهل الكتاب - وهو المشهور عند الجمهور - فالوجه ما روي عن ابن عباس أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلاً سميناً دخل على رسول الله  وآله فقال له رسول الله  وآله: " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟

فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود" .

فضحك القوم فغضب ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء.

فقال له قومه: ما هذا الذي بلغنا عنك؟

فقال: إنه أغضبني: ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.

فلعل مالك بن الصيف لما تأذى من الكلام المذكور طعن في نبوة الرسول  وإنه ما أنزل عليه من شيء البتة فأمر بأن يقول في جوابه ﴿ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ أي لما سلمت أن الله  أنزل الوحي والتنزيل على بشر وهو موسى فكيف يمكنك أن تقطع بأنه ما أنزل عليّ شيئاً غاية ما في الباب أن تطالبني بالمعجز.

والحاصل أنهم قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله  فألزموا ما لا بد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم بالتحريف وإبداء بعض وإخفاء بعض.

وقيل: اللفظ وإن كان مطلقاً بحسب اللغة إلا أنه مقيد بحسب العرف بتلك الواقعة، فكأنه قال: ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين، وهذا كما إذا أرادت المرأة أن تخرج من الدار فغضب الزوج وقال: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيراً من الفقهاء قالوا: التعليق مقيد بتلك المرة حتى لو خرجت مرة أخرى لم تطلق.

ويرد على هذا التوجيه أن قوله ﴿ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ لا يكون مبطلاً لكلام الخصم.

أما قوله "إن السورة مكية والمناظرات مدينة" فأجيب عنه بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنه نزلت بالمدينة في هذه الواقعة والله أعلم.

ومن الأحكام المستنبطة من الآية أن قوله ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ يفيد أن عقول الخلق قاصرة عن كنه معرفة الله  وإن كانوا مقرين بالنبوة والرسالة لإطلاق قوله في موضع آخر ﴿ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته  ﴾ ومنها أن النكرة في سياق النفي تعم وإلا لم يكن قوله ﴿ من أنزل ﴾ مبطلاً لقوله ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ ومنها أن النقض يقدح في صحة الكلام وإلا لم يكن في قوله ﴿ من أنزل ﴾ حجة.

ويعلم منه أن قول من يقول إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقض مبطلاً ضعيف وإلا بطلت حجة الله  في هذه الآية، فإن لليهود حينئذ أن تقول: معجزات موسى كانت أظهر وأبهر من معجزاتك فلا يلزم نبوتك.

ومنها أن الغزالي رحمه الله تكلف وقال: حاصل الآية يرجع إلى أن موسى أنزل الله عليه شيئاً، وأحد من البر ما أنزل الله عليه شيئاً فينتج من الشكل الثاني أن موسى ما كان من البشر وهذا خلف محال، وليس هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ولا بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية وهي قولهم ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ فوجب القول بكونها كاذبة فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف.

ثم اعلم أنه  وصف كتاب موسى بكونه نوراً وهدى للناس والعطف يقتضي المغايرة.

فالمراد بالنور ظهوره في نفسه.

وبالهدى كونه سبباً لظهور غيره كقوله في وصف القرآن ﴿ ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا  ﴾ قال أبو علي الفارسي ﴿ يجعلونه قراطيس ﴾ أي ذات قراطيس أي يودعونه إياها.

فإن قيل: إذا كان جميع الكتب كذلك فلم ذكر في معرض الذم؟

قلنا: لأنهم جعلوه قراطيس مفرقة مبعضة ليتوسلوا بذلك إلى إبداء بعض وإخفاء بعض مما فيه نعت محمد  ، أو شيء من الأحكام التي لا توافق هواهم كالرجم وغيره ﴿ وعلمتم ﴾ أيها اليهود على لسان محمد  ﴿ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وقيل: كانوا يقرؤن الآيات المشتملة على نعت محمد  وما كانوا يفقهون معانيها إلى أن بعث الله محمداً، فظهر أن المراد منها هو البشارة بمقدمه، وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم  ﴾ ﴿ قل الله ﴾ أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون على أن ينكروا ذلك فإن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف المؤيد قول صاحبه بالمعجزات الباهرة لا يكون إلا من الله  .

ونظره ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله  ﴾ والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها، فسواء أقر الخصم به أولم يقر فالغرض حاصل.

﴿ ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ يقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه إنما أنت لاعب و ﴿ يلعبون ﴾ حال من ﴿ ذرهم ﴾ أو من ﴿ خوضهم ﴾ ويحتمل أن يكون ﴿ في خوضهم ﴾ حالاً من ﴿ يلعبون ﴾ وأن يكون صلة له أو لـ ﴿ ذرهم ﴾ .

والمعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والإنذار هذا المبلغ العظيم فقد قضيت ما عليك كقوله ﴿ إن عليك إلا البلاغ  ﴾ قيل: إنها منسوخة بآية السيف وفيه نظر لأنه مذكور لأجل التهديد فلم يكن نزول آية القتال رافعاً لشيء من مدلولات هذه الآية.

ثم لما ذكر حال التوراة أعقبه بذكر القرآن فقال ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ وفائدة هذا الوصف أنه كان من الممكن أن يظن أن محمداً مخصوص من الله بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من تركيب القرآن على هذا النسق من الفصاحة، فنفى ذلك الوهم وبين أن الله هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل  ﴿ مبارك ﴾ كثير خيره دائم نفعه باعث على الخيرات زاجر عن المنكرات لما فيه من أصول العلوم النظرية والعملية.

وقد جرت سنة الله  بأن الباحث عنه والمتمسك به يفوز بعز في الدنيا وسعادة في الآخرة وقد جرب فوجد كذلك.

﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ أي موافق لما قبله من الكتب الإلهية.

أما في الأصول فلأنه يمتنع وقوع التفاوت فيها بحسب الأزمنة والأمكنة.

وأما في الفروع فلأنها مشتملة على التبشير بمقدم محمد  .

ويحصل منه أن التكاليف الموجودة فيها إنما تبقى إلى وقت ظهوره ثم تصير منسوخة ﴿ ولتنذر ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فلأنه أسند الإنذار إلى الكتاب مجازاً لأنه سبب الإنذار ﴿ إنما أنذركم بالوحي  ﴾ وهو معطوف على ما دل عليه سائر الأوصاف كأنه قيل: أنزلناه للبركة ولتصديق ما تقدمه من الكتب وللإنذار، قال ابن عباس: سميت مكة أم القرى لأن الأراضين دحيت من تحتها.

وقال أبو بكر الأصم: لأنها قبلة أهل الدنيا فصارت هي كالأصل وسائر البلاد تبعاً، وأيضاً الناس يجتمعون إليها للحج وللتجارة كما يجتمع الأولاد إلى الأم.

وقيل: لأن الكعبة أول بيت وضع للناس.

وقيل: إن مكة أول بلدة في الأرض ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي أهل أم القرى ومن حولها.

قيل: المراد أهل جزيرة العرب فاستدل اليهود بذلك على أنه مبعوث إلى العرب فقط.

وأجيب بأن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على نفي ما عداها لا سيما وقد ثبت بالتواتر أنه كان يدعي أنه رسول إلى العالمين.

ويحتمل أن يقال: ما حوالي مكة يتناول جميع البلاد ﴿ والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ﴾ أي بهذا الكتاب لأن أصل الدين خوف العاقبة فمن خالفها لم يزل به الخوف حتى يؤمن.

وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير قاعدة البعث والقيامة مثل محمد  ، وفيه أن كفار مكة يبعد منهم قبول هذا الدين لأنهم كانوا لا يعتقدون البعث والحشر ﴿ وهم على صلاتهم يحافظون ﴾ يعني أن الإيمان بالآخرة كما أنه يحمل المكلف على الإيمان بالنبي وبالكتاب كذلك يحمله على محافظة الصلوات.

وخص الصلاة بالذكر لأنها عماد الدين وسنام الطاعات كاد المحافظ عليها أن يأتي بأخواتها كلها ويجتنب المنكرات بأسرها.

ثم ذكر ما يدل على وعيد من ادّعى النبوّة وإنزال الكتاب عليه فرية وافتراء فقال ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ قال المفسرون: نزلت في الكذابين مسيلمة الحنفي والأسود العنسي.

عن النبي  "رأيت فيما يرى النائم كأن في يدي سوارين من ذهب فكبرا علي وأهماني.

فأوحى الله إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا عني فأوّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء الأسود العنسي" .

﴿ أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ﴾ كان مسيلمة يقول: محمد  وآله رسول الله في بني قريش، وأنا رسول الله في بني حنيفة.

واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من نسب إلى الله  ما هو بريء منه إما في الذات وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلاً تحت هذا الوعيد ﴿ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ﴾ قال المفسرون: هو النضر بن الحرث كان يدعي معارضة القرآن وهو قوله ﴿ لو نشاء لقلنا مثل هذا  ﴾ وروي أن عبد الله بن سعد أبي سرح القرشي كان يكتب الوحي لرسول الله  ، وكان إذا تلا عليه "سميعاً عليماً" كتب هو "عليماً حكيماً" وإذا قال "عليماً حكيماً" كتب "غفوراً رحيماً" فلما نزل ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] أملاه الرسول  .

فلما وصل إلى قوله ﴿ أنشأناه خلقاً آخر ﴾ عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال: تبارك الله أحسن الخالقين فقال النبي  اكتبها فكذلك نزلت، فشك عبد الله وقال: لئن كان محمد  صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، وإن كان كاذباً لقد قلت كما قال فارتد عن الإسلام ولحق بمكة.

فلما دخل رسول الله  مكة فر إلى عثمان - وكان أخاه من الرضاعة - فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة، ثم أتى به رسول الله  فاستأمن له.

ثم فصل ما أجمل من الوعيد فقال ﴿ ولو ترى ﴾ الآية.

وجوابه محذوف أي لرأي يا إنسان أمراً عظيماً ﴿ إذ الظالمون ﴾ يعني الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة.

فاللام للعهد، ويحتمل أن تكون للجنس فيندرج هؤلاء فيه.

وغمرات الموت شدائده وسكراته.

وأصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ﴾ قيل: إنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من أجسادهم فما الفائدة في هذا الخطاب؟

وأجيب بوجوه منها: أن المراد ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة إذا ما دخلوا جهنم، وغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد والتعذيبات ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ بالعذاب يكلمونهم يقولون لهم ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ من هذا العذاب الشديد إن قدرتم.

ومنها ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ﴾ عند نزول الموت بهم في الدنيا ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ لقبض أرواحهم يقولون لهم ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ من هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام، ومنها هاتوا أرواحكم وأخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويقول: أخرج إليّ مالي عليك ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك.

ومنها أنه ليس بأمر وإنما هو وعيد وتقريع كقوله القائل: امض الآن لترى ما يحل بك، والتحقيق أن نفس المؤمن حال النزع تنبسط في الخروج إلى لقاء ربه، ونفس الكافر تكره ذلك ويشق عليها الخروج، وقطع التعلق لأنها تصير إلى العذاب وإليه الإشارة في الحديث " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فهؤلاء الكفار يكرههم الملائكة على نزع الروح وعلى فراق المألوف.

وفي الآية دلالة على أن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل المحسوس، لأن المخرج يجب أن يكون مغايراً للمخرج منه ﴿ اليوم ﴾ يريد وقت الإماتة أو الوقت الممتد الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة ﴿ تجزون عذاب الهون ﴾ كقولك "رجل سوء" بالإضافة لأن العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالإهانة كما أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم، والتركيب يدور على قلة المبالاة بالشيء ومنه بالفتح السكينة والوقار، وهان عليه الشيء أي حقر، وأهانه استخف به، والاسم الهون بالضم والهوان والمهانة.

والحاصل أنه جمع لهم بين الأمرين الإيلام والإهانة ﴿ بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ يعني أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بمجموع الأمرين: الافتراء على الله والتكبر على آيات الله وهو عدم الإيمان بها.

قال الواحدي ﴿ وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ أي لا تصلون له لقوله  "من سجد لله سجدة واحدة بنية صادقة فقد برىء من الكبر" ﴿ ولقد جئتمونا ﴾ يحتمل أن يكون معطوفاً على قول الملائكة ﴿ أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون ﴾ ثم الملائكة إما الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم، وإما الملائكة الموكلون بعذابهم، ويحتمل أن يكون القائل هو الله  إن جوزنا أنه يتكلم مع الكفار ﴿ فرادى ﴾ جمع ينون ولا ينوّن واحده.

قيل: فرد على غير قياس: فردان كسكارى وسكران قاله ابن قتيبة.

وقيل: فريد كرديف وردا في وهم الحداة والأعوان لأنه إذا أعيا أحدهم خلفه الآخر ﴿ كما خلقناكم ﴾ أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو مجيئاً مثل خلقنا لكم.

﴿ أوّل مرة ﴾ والمراد التوبيخ والتقريع لأنهم بذلوا جهدهم وصرفوا كدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين: أحدهما المال والجاه، والثاني أنهم عبدوا الأصنام وجعلوها شركاء لله فيهم فقلبوا القضية وتركوا الحقيقة، وذلك أن النفس الإنسانية إنما تعلقت بالجسد ليكون البدن آلة لها في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة، فإذا فارقت البدن ولم يحصل لها هذان المطلبان عظم خسرانها وطال حرمانها فاستحق التوبيخ بقوله ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ أي منفردين عما يجب من الأعمال والعقائد.

ثم إنها مع ذلك اكتسبت أشياء قد علق الرجاء بها لأنه أفنى العمر في تحصيلها وأنها ليست مما يبقى معها فلا جرم استحق التقريع بقوله ﴿ وتركتم ما خوّلناكم ﴾ أي أعطينا وتفضلنا به عليكم ﴿ وراء ظهوركم ﴾ يعني أنها كالشيء الذيي يبقى وراء ظهر الإنسان فلن يمكنه الانتفاع به وربما بقي معوج الرأس بسبب التفاته إليه ﴿ وما نرى معكم شفعاءكم ﴾ أي ليسوا معكم حتى يروا، أو ليسوا معكم بالشفاعة والنصرة كما زعمتم بدليل قوله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ الآية.

من قرأ بالنصب على الظرف فمعناه وقع التقطع بينكم كقوله ﴿ وتقطعت بهم الأسباب  ﴾ يقال: جمع بين الشيئين أي وقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره.

وقيل: المراد لقد تقطع وصلكم بينكم كقولهم إذا كان غداً فأتني أي إذا كان الرجاء أو البلاء غداً فأتني فأضمر لدلالة الحال، ومن قرأ بالرفع فلأنه أسند الفعل إلى الظرف اتساعاً كما تقول: قوتل خلفكم وأمامكم، أو لأن المراد بالبين الوصل وإنما حسن استعماله في معنى الوصلة مع أن أصله الافتراق والتباين لأنه يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ومواصلة من بعض الوجوه كقولهم: بيني وبينه مشاركة وبيني وبينه رحم.

والمعنى لقد تقطع وصلكم.

قلت: ويحتمل أن يكون البين بمعنى الافتراق ويفيد المبالغة كقولهم: جد جده.

فإذن العاقل من يكسب الزاد ليوم المعاد حتى لا يوبخ بقوله ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ ويصرف المال في وجوه التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله حتى لا يخاطب بقوله ﴿ وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ﴾ بل يكون من زمرة ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله  ﴾ كيلا تطول حسرته يوم ينقطع بين النفس والجسد وصله.

ثم إنه  لما فرغ من تقرير التوحيد والنبوّة والمعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال قدرته لتعلم أن حال المباحث العقلية والنقلية إنما هو معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله فقال ﴿ أن الله فالق الحب والنوى ﴾ أي بالنبات والشجر.

وعن مجاهد أراد الشقين اللذين في الحنطة والنواة، والفلق هو الشق.

وعن ابن عباس والضحاك: الفلق هو الخلق.

ووجه بأن العقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انشقاق، فإخراج الشيء من العدم إلى الوجود شق لذلك العدم وفلق بحسب التخيل والتعقل.

واعلم أنه إذا وقعت الحبة والنواة في الأرض الرطبة ثم مر بها قدر من المدة أظهر الله في أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً، أما العالي فيخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء، وأما السافل فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة، وههنا عجائب منها: أن طبيعة الشجرة إن كانت تقتضي الهويّ في الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة إلى الهواء وبالعكس.

فاتصال الشجرتين على التبادل ليس بمقتضى الطبع والخاصية بل بمقتضى إرادة الموجد المختار.

ومنها أن باطن الأرض جسم صلب كثيف لا تنفذ فيه المسلة ولا السكين، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق مع غاية نعومتها تقوى على النفوذ والغوص في جرم الأرض، فحصول هذه القوّة الشديدة للجرم الضعيف ليس إلا بتقدير العزيز العليم.

ومنها أنه يتولد من النواة شجرة ويحصل من الشجرة أغصان وأوراق وأزهار وأثمار، وللثمر قشر أعلى وقشر أسفل وفيه اللب، وفي اللب الدهن الذي هو المقصود الأصلي فتولد هذه الأجرام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وطعومها وأشكالها مع تساوي تأثيرات النجوم والطبائع في المادة الواحدة يدل على وجود الفاعل المختار.

ومنها أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فالأترج قشره حار يابس ولحمه بارد رطب، وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه بارد يابس وماؤه ولحمه حار رطب.

ومنها أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة، فبعضها يكون لبه في الداخل وقشره في الخارج كالجوز واللوز، وبعضها يكون فاكهته المطلوبة في الخارج والخشبة في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضها يكون لنواها لب كالخوخ وقد لا يكون كالتمر، وبعض الفواكه يكون كله مطلوباً كالتين.

فهذه الأحوال المختلفة والأشكال المتخالفة.

تتضمن حكماً وفوائد لا يعلمها إلا مبدعها.

ومنها أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة وجدت في وسطها خطاً واحدا ًمستقيماً يشبه النخاع في بدن الإنسان ولا يزال يستدق حتى يخرج عن إدراك الحس، ثم ينفصل عن ذلك الخط خطوط دقائق أصغر من الأول، فكأنه  أوجد ذلك لتقوى به الجاذبة المركوزة في جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة.

فإذا وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في إيجاد جملة تلك الشجرة أكثر، وعلمت أن عنايته بتخليق الحيوان الذي خلق النبات لأجله يكون أكمل، وكذا عنايته بحال الإنسان الذي خلق لأجله النبات والحيوان ويصير ذلك مرقاة لك إلى وجود الصانع الخبير الحكيم القدير.

ثم بين كونه فالق الحب والنوى بقوله ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت، لأن النامي في حكم الحيوان ولهذا قال ﴿ يحيي الأرض بعد موتها  ﴾ ثم عطف على قوله ﴿ فالق الحب ﴾ قوله ﴿ ومخرج الميت من الحي ﴾ قال ابن عباس: أخرج من النطفة بشراً حياً ثم يخرج من البشر الحي نطفة، أو يخرج من البيض دجاجة ومن الدجاجة بيضاً، أو يخرج المؤمن من الكافر كما في حق إبراهيم، والكافر من المؤمن كنوح وابنه، أو المطيع من العاصي والعاصي من المطيع، أو العالم من الجاهل والجاهل من العالم، أو الكامل من الناقص والناقص من الكامل، وقد يجعل الضار نافعاً وبالعكس.

يحكى أن إنساناً سقى الأفيون في الشراب ليموت فلما تناوله ظن القوم أنه سموت فرفعوه وجعلوه في بيت مظلم فلدغته حية وصارت تلك اللدغة لقوّة حرارة سم الحية سبباً لدفع ضرر برد الأفيون.

ونقل عن عبد القاهر الجرجاني أن قوله ﴿ ومخرج الميت ﴾ معطوف على قوله ﴿ يخرج ﴾ وإنما حسن عطف الاسم على الفعل ههنا، لأن لفظ الفعل يدل على اعتناء الفعل بذلك الفعل في كل وقت بخلاف لفظ الاسم ولهذا قال ﴿ هل من خالق غير الله يرزقكم  ﴾ ليفيد أنه يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة إذا ثبت هذا فنقول الحي أشرف من الميت، فذكره بلفظ الفعل فيدل على أن الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من العكس ﴿ ذلكم الله ﴾ المدبر الخالق النافع الضار المحيي المميت ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره، أم كيف تستبعدون البعث والنشور لأن الإعادة أهون من الإبداء؟

ثم عدل عن الأحوال الأرضية إلى الاستدلال بما فوقها وهي الأحوال الفلكية فقال ﴿ فالق الإصباح ﴾ وهو مصدر سمي بهالصبح، المراد فالق ظلمة الإصباح وهو الغبش في آخر الليل وكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة.

ثم إنه  شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى فيه جدولاً من النور.

فالمعنى فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح، وحسن الحذف للعلم به.

أو المراد فالق الإصباح ببياض النهار وإسفاره ومنه قولهم "انشق عمود الفجر وانصدع الفجر" أو المراد مظهر الإصباح بواسطة فلق الظلمة، فذكر السبب وأراد المسبب، أو الفالق بمعنى الخالق كما مر وقد سلف لنا تقرير الصبح في البقرة في تفسير قوله عز من قائل ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار  ﴾ ثم إن كون الصبح بسبب وقوع ضوء الشمس على ضلع مخروط ظل الأرض في جانبه الشرقي لا ينافي كون الله  فالق الإصباح بالحقيقة، كما أن وجود النهار بسبب طلوع جرم الشمس عن الأفق لا ينافي ذلك، والإمام فخر الدين الرازي أراد أن يبين أن ذلك بقدرة الفاعل المختار فنفى كونه بسبب ضوء الشمس بحجج اخترعها من عنده وكلها خلاف المعقول والمنقول من علم الرياضة فلذلك أسقطناها عن درجة الاعتبار.

النوع الثاني من الدلائل الفلكية الدالة على التوحيد قوله ﴿ وجاعل الليل سكناً ﴾ حجة من قرأ باسم الفاعل أن المعطوف عليه اسم فاعل، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله بعد ذلك ﴿ والشمس والقمر ﴾ منصوبان ولا بد من عامل وما ذلك إلا أن يقدر "جاعل" بمعنى "جعل".

والسكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه من زوج أو حبيب ومنه قيل للنار: سكن كما سموها المؤنسة لأنها يستأنس بها، والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه وجمامه.

ويحتمل أن يراد: وجعل الليل مسكوناً فيه كما قال ﴿ لتسكنوا فيه  ﴾ فالليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم، فهما نعمتان من الله  وآيتان على وحدته وقدرته.

النوع الثالث قوله ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ أي سببي حسبان لأن حساب الأوقات يعلم بسيرهما ودورهما.

والحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب بالكسر.

وقيل: إنه جمع حساب مثل "شهاب" وشهبان".

قال في الكشاف: الشمس والقمر قرئا بالحركات الثلاث.

فالنصب على إضمار فعل دل عليه ﴿ جاعل الليل ﴾ أو يعطفان على محل الليل لأن اسم الفاعل أريد به ههنا الاستمرار كما تقول: الله عالم قادر.

فلا تقصد زماناً دون زمان فتكون الإضافة غير حقيقة ويكون لليل محل.

قلت: وهذا مناقض لما ذكره في ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ من أنه يجوز أن يراد به زمان مستمر حتى تكون الإضافة حقيقية، ويصح وقوعه صفة للمعرفة.

وأما وجه الجر فظاهر.

ووجه الرفع كونهما مبتدأين محذوفي الخبر أي والشمس والقمر مجعولان أو محسوبان حسباناً ﴿ وذلك ﴾ الجعل ﴿ تقدير العزيز ﴾ الذي قهرهما ﴿ العليم ﴾ الذي دبرهما.

وذلك أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيآتها المحدودة وأوضاعها المعينة لا يتم إلا بقدرة شاملة لجميع الممكنات وعلم نافذ في الكليات والجزيئات.

النوع الرابع قوله ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم ﴾ عد ههنا من منافع النجوم كونها سبباً للاهتداء إلى الطرق والمسالك ﴿ في ظلمات البر والبحر ﴾ حيث لا يرون شمساً ولا قمراً.

والتقدير في ظلمات الليل بالبر والبحر فأضافها إليهما لملابستها لهما.

وقيل: المراد ظلمات بر التعطيل وبحر التشبيه فإن اختصاص كل من هذه الكواكب بحال وصفة أخرى مع تشاركها في الجسمية دليل ظاهر على مختار قادر.

وأيضاً اتصافها بالأعضاء والأبعاض والحدود والأحياء مع أنها لا تصلح للإلهية بالاتفاق دليل على تنزيه الله  من هذه السمات ولهذا قال ﴿ قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ﴾ فيستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب.

ثم عدل عن الآيات الآفاقية إلى آيات الأنفس فقال ﴿ وهو الذي أنشأكم ﴾ أي خلقكم بطريق النشؤ والنماء ﴿ من نفس واحدة ﴾ هي آدم وحوّاء مخلوقة من ضلع من أضلاعه، وكذا عيسى لأنه من مريم وإن كان يتوسط كلمة "كن" أبو بالنفخ وهي من آدم ﴿ فمستقر ﴾ من قرأ بكسر القاف فالتقدير فمنكم مستقر ﴿ و ﴾ منكم ﴿ مستودع ﴾ الأول اسم فاعل والثاني اسممفعول.

ومن قرأ بفتح القاف فالتقدير: فلكم مستقر ولكم مستودع.

فيكون كلاهما اسمي مكان أو مصدراً.

وذلك أن استقر لازم فلا يجيء منه المفعول به بلا واسطة فينبغي تفسير مستودع أيضاً بما يشاكله استحساناً.

وعن ابن عباس: أن المستودع الصلب والمستقر الرحم لقوله ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء  ﴾ ولأن اللبث في الرحم أكثر فيكون لفظ القرار بذلك أنسب بخلاف المستودع فإنه في معرض الاسترداد ساعة فساعة، وهذا شأن المني في الأصلاب فإنه بصدد الإراقة في كل حين وأوان.

وقيل: المستقر صلب الأب والمستودع الرحم، لأن النطفة قد حصلت في صلب الأب أوّلاً واستقرت هناك، ثم حصلت في الرحم على سبيل الوديعة، ولأن هذا الترتيب يناسب تقديم المستقر على المستودع.

وعن الحسن: المستقر حاله بعد الموت لأن سعادته وشقاوته تبقى وتستقر على حالة واحدة والمستودع حاله قبل الموت، لأن الكافر قد ينقلب مؤمناً والفاسق صالحاً والوديعة على شرف الزوال والذهاب.

وقال الأصم: المستقر الذي خلق من النفس الأولى وحصل في الوجود والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق.

وعنه أيضاً المستقر من في قرار الدنيا، والمستودع من في القبور إلى يوم البعث.

وعن قتادة بالعكس.

وعن أبي مسلم الأصفهاني: المستقر الذكر لأن النطفة إنما تستقر في صلبه، والمستودع الأنثى لأنها تستودع النطفة.

وحاصل الكلام أن الإنسان خلق من نفس واحدة ثم إنه يتقلب في الأطوار ويتردد في الأحوال، وليس هذا بمقتضى الطبع والخاصية وإلا لتساوى الكل في الأخلاق والأمزجة فذلك إذن بتدبير فاعل قدير مختار خبير.

ولهذا قال ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ ميزنا بعضها عن بعض ﴿ لقوم يفقهون ﴾ لأن الفائدة تعود إليهم وإن كان الإرشاد عاماً، ولأن آيات الأنفس أقرب إلى الاعتبار وأهون لدى الاستبصار ختم هذه الآية بالفقه، وخصص خاتمة الآية الأولى بالعلم ليعلم أن الغافل عن هذه لا فطنة له ولا ذكاء أصلاً فضلاً عن العلم.

ثم عدد ما كونه نعمة أبين فيه من كونه آية فقال ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ قيل: أي من جانب السماء وقيل: أي من السحاب لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت.

وقال أكثر أهل الظاهر: أي من السماء نفسها لأنه  فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد.

ونحن قد حكينا في أول سورة البقرة مذهب الحكماء في هذا الباب والله  أعلم.

قال ابن عباس: يريد بالماء ههنا المطر، ولا تنزل قطرة من السماء إلا ومعها ملك.

والفلاسفة يحملون ذلك على الطبيعة الحالة فيها الموجبة للنزول إلى مركزها.

﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة ذلك الماء وذلك يوجب الطبع والمتكلمون ينكرونه ﴿ نبات كل شيء ﴾ قال الفراء: أي نبات كل شيء له نبات فيخصص بنبت كل صنف من أصناف النامي ويخرج ما عدا ذلك.

وفي الآية التفاتان: الأول من الحكاية إلى الغيبة حيث لم يقل "نحن الذين أنزلنا" والثاني من الغيبة إلى الحكاية وأنت خبير أن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب باب من أبواب البلاغة، وصيغة الجمع لأجل التعظيم كما هو ديدن الملوك.

ثم لما بين أن السبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف كثيرة فصل ذلك بعض التفصيل حسب ما ذكر في قوله ﴿ إن الله فالق الحب والنوى ﴾ فقال ﴿ فأخرجنا منه ﴾ أي من النبات ﴿ خضراً ﴾ شيئاً أخضر طرياً وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة.

﴿ نخرج منه ﴾ أي من ذلك الخضر ﴿ حباً متراكباً ﴾ بعضه على بعض.

قال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت والذرة، فأصل ذلك هو العود الأخضر وتكون السنبلة راكبة عليه من فوقه والحبات متراكبة وفوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كالإبر.

والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة.

ولما ذكر ما نبت من الحب أتبعه ذكر ما ينبت من النوى فقال ﴿ ومن النخل ﴾ وهو خبر وقوله ﴿ من طلعها ﴾ بدل منه كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل ﴿ قنوان ﴾ أو الخبر محذوف لدلالة أخرجنا عليه.

والتقدير: ومخرجة من طلع النخل قنوان وهو جمع قنو كصنوان وصنو.

والقنو العذق وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب، والطلع أول ما يبدو من غذق النخلة.

قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية من تحتها.

وعنه أيضاً أنه أراد عذوق النخلة اللاصقة بالأرض.

قال الزجاج: ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن أحد القسمين يغني عن الآخر كما قال ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ ويحتمل أن يقال: ترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأتم.

وقيل: أراد بكونها دانية أنها سهلة المجتنى متعرضة للقاطف كالشيء الداني القريب المتناول، وأن النخلة وإن كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها بالثمر لا تنتظر الطول ﴿ وجنات من أعناب ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ خضراً ﴾ أي وأخرجنا به جنات من أعناب.

ومن قرأ بالرفع فعلى أنها مبتدأ محذوف الخبر أي وثم جنات من أعناب، أو وجنات من أعناب مخرجة، ولا يجوز أن يكون عطفاً على قنوان وإن جوّزه في الكشاف، إذا يصير المعنى وحاصلة أو مخرجة من النخل من طلعها جنات حصلت من أعناب.

أما قوله ﴿ والزيتون والرمان ﴾ بالنصب فللعطف على منصوبات قبلها أو للاختصاص لفضل هذين الصنفين.

قال الفراء: أراد شجر الزيتون وشجر الرمان فحذف المضاف.

واعلم أنه  قدم الزرع على الأشجار لأنه غذاء وثمار الأشجار فواكه والغذاء مقدم على الفواكه، ثم قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يقوم مقام الغذاء ولا سيما للعرب.

ومن فضائلها أن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوانات مشابهات كثرة ولهذا قال  "أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من بقية طينة آدم" ثم ذكر العنب عقيب النخل لأنه أشرف أنواع الفواكه وأنه ينتفع به من أوّل ظهوره إلى آخر حاله.

فأوّله خيوط دقيقة حامضة الطعم لذيذة وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه، ثم يظهر الحصرم وهو طعام شريف للأصحاء وللمرضى من أصحاب الصفراء، ثم يتم العنب فيؤكل كما هو ويدخر ويتخذ منه الزبيب والدبس والخمر والخل ومنافع كل منها لا تحصى، إلا أن الخمر حرمها الشرع لإسكارها.

وأخس ما في العنب عجمه والأطباء يتخذون منه جوارشنات نافعة للمعدة الضعيفة الرطبة.

ويتلو العنب في المنفعة الزيتون لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل منه الزيت الذي يعظم غناؤه، وأما الرمان فحاله عجيبة جداً لأنه قشر وشحم وعجم وماء.

والثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة، وأما ماء الرمان فبالضد من هذه الصفات وأنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف وهو غذاء من وجه ودواء من وجه، وكأنه  جمع فيه بين المتضادين فيكون دلالة القدرة والرحمة والحكمة فيه أكمل وأنواع النبات أكثر من أن يفي بشرحها المجلدات فاكتفى بذكر هذه الأنواع الخمسة تنبيهاً على البواقي.

وأما قوله ﴿ مشتبهاً وغير متشابه ﴾ ففي تفسيره وجوه الأوّل أن هذه الفواكه تكون متشابهة في اللون والشكل مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذّة، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس.

الثاني أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابهاً في الطعم والخاصية، وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنها تكون مختلفة، ومنهم من يقول: الأشجار متشابهة والثمار مختلفة.

ومنهم من قال: بعض حبات العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه وذلك أنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة فإنها بقيت على أوّل حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة، ومعنى اشتبه وتشابه واحد يقال: اشتبه الشيئان وتشابها كقولك: استويا وتساويا.

وإنما قال ﴿ مشتبهاً ﴾ ولم يقل "مشتبهين" إما اكتفاء بوصف أحدهما، أو على تقدير والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك كقوله: رماني بأمر كنت ووالدي *** بريئا ومن أجل الطويّ رماني ﴿ انظروا إلى ثمره ﴾ من قرأ بفتحتين فلأنه جمع ثمرة مثل: بقر وبقرة، وشجر وشجرة.

ومن قرأ بضمتين فعلى أنه جمع ثمرة أيضاً مثل: خشبة وخسب.

قال  ﴿ كأنهم خشب مسندة  ﴾ أو على أن ثمرة جمعت على ثمار ثم جمع ثمار على ثمر ﴿ إذا أثمر ﴾ إذا أخرج ثمره ﴿ وينعه ﴾ يقال: ينعت الثمرة ينعاً وينعاً بالفتح والضم إذا أدركت ونضجت.

أمر بالنظر في حال ثمر كل شجرة أوّل حدوثها وفي آخر حالها فإنها قد تكون موصوفة بالخضرة والحموضة ثم تصير إلى السواد والحلاوة، وربما كانت أوّل الأمر باردة بحسب الطبيعة ثم تصير حارة الطبع وقد يخرج ضيئلاً ضعيفاً لا يكاد ينتفع به، ثم يؤول إلى كمال اللذة والمنفعة فحصول هذه الانتقالات والتغيرات لا بد له من سبب مستقل في التأثير سوى الطبائع والفصول والأفلاك والنجوم وما ذاك إلا السبب الأوّل ومبدع الكل، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ قال القاضي: المراد لمن يطلب بالإيمان بالله لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن، ويحتمل أن يقال: خص المؤمنين لأنهم المنتفعون بذلك دون غيرهم، أو المراد أن هذه الدلالة على قوّتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله  في حقه بالإيمان وإلا فلا ينتفع به ألبتة ويكون من زمرة من قال في حقهم ﴿ وجعلوا الله شركاء الجن ﴾ قال الكلبي: عن ابن عباس نزلت في الزنادقة قالوا إن الله  وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب.

قال في التفسير الكبير: هذا مذهب المجوس فإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة لأن المجوس يلقبون بالزنادقة لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله يسمى بالزند والمنسوب إليه زندي، ثم عرّب فقيل زنديق، ثم جمع فقيل زنادقة، ثم إنهم قالوا كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان، وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن وهو المسمى بإبليس في شرعنا، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة كقولهم إنه  فكر في مملكة نفسه واستعظمها ففعل نوعاً من العجب فتولد الشيطان من ذلك العجب، وكقولهم شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان.

والأقلون منهم قالوا إنه قديم أزلي والحاصل أنهم يقولون: عسكر الله  هم الملائكة، وعسكر إبليس هم الشياطين والملائكة فيهم كثرة عظيمة وهم أرواح طاهرة مقدسة تلهم الأرواح البشرية الطاعات، والشياطين فيهم أيضاً كثرة عظيمة يلقون الوساوس إلى الأرواح البشرية، والله  مع عسكره يحاربون إبليس مع عسكره فلهذا السبب حكى الله  عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن بلفظ الجمع وإن كان شريكه عندهم بالحقيقة واحداً وهو أهرمن.

وانتصاب ﴿ الجن ﴾ على أنه بدل أو بيان لشركاء أو على أنه مفعول أول لـ ﴿ جعلوا ﴾ و ﴿ شركاء ﴾ ثانيه ويكون ﴿ لله ﴾ طرفاً لغواً.

وفائدة تقديم المفعول الثاني على هذا القول استعظام أن يتخذ لله شريك كائناً من كان، ملكاً أو جنياً أو إنسياً، ولذلك قدم اسم الله على الشركاء.

وقرىء ﴿ الجن ﴾ بالرفع كأنه قيل: من هم؟

فقيل: الجن.

وبالجر على الإضافة التي للتبيين.

وقيل: إن الآية نزلت في الكفار الذين جعلوا الملائكة بنات الله.

وحسن إطلاق الجن على الملائكة لاستتارهم عن العيون.

ومعنى كونهم شركاء أنها مدبرة لأحوال هذا العالم ومعينة لله إعانة الولد للوالد.

وعن الحسن وطائفة من المفسرين: أن المراد أن الجن دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام وإلى القول بالشركة فأطاعوهم كما يطاع الله.

أما قوله ﴿ وخلقهم ﴾ فإشارة إلى الدليل القاطع على إبطال الشريك.

والضمير فيه إما أن يعود إلى الجن أو إلى الجاعلين فإن عاد إلى الجن فإن قلنا إن الآية نزلت في المجوس فتقريره أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس محدث ولو لم يعترفوا بذلك والبرهان العقلي قائم على أن ما سوى الحق الواحد ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محدث، فنقول حينئذ، كل محدث مخلوق وله خالق وما ذاك إلا الله  ، وحينئذ يلزمهم نقض قولهم لأنه ثبت أن إله الخير قد فعل أعظم الشرور وهو خلق إبليس الذي هو مادة كل شر.

وإن قلنا.

إنها نزلت في كفار العرب القائلين الملائكة بنات الله، فظاهر لأنهم يسلمون أن الملائكة مخلوقون وأنهم تولدوا منه تولد الولد من الوالد.

وإن عاد الضمير إلى الجاعلين فالمعنى.

وعلموا أن الله خلقهم دون الجن كقوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ ولم يمنعهم علمهم أن يتّخذوا من لا يخلق شريكاً للخالق.

والجملة في موضع الحال أي وقد خلقهم.

وقرىء ﴿ وخلقهم ﴾ بسكون اللام أي اختلاقهم للإفك يعني جعلوا لله خلقهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم ﴿ والله أمرنا بها  ﴾ ثم حكي عن قوم آخرين نوعاً آخر من الإشراك فقال ﴿ وخرقوا له بنين وبنات ﴾ وذلك قول أهل الكتابين في المسيح وعزير، وقول قريش في الملائكة، ومن هنا يعلم ضعف قول من قال ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن ﴾ نزل في كفار قريش لأنه لزم التكرار من غير فائدة ظاهرة، يقال: خرق الإفك وخلقه واخترقه واختلقه بمعنى.

قال الحسن: كلمة عربية كان الرجل، إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله أعلم.

ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا له بنين وبنات.

أما قوله ﴿ بغير علم ﴾ فكالتنبيه على إبطال قولهم، فإن من عرف الإله حق معرفته استحال أن يثبت له ولداً لأن ذلك الولد إن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلاً بنفسه قائماً بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخرة تعلق الفرعية، وإن كان ممكن الوجود لذاته كان موجوداً بإيجاد الواجب وكان عبداً له لا ولداً.

وأيضاً الولد إنما يحتاج إليه ليقوم مقام الوالد بعد فنائه ومن تقدس عن الفناء لم يحتج إلى الولد.

وأيضاً الولد جزء من أجزاء الوالد ومن لم يكن مركباً استحال أن ينفصل منه جزء يتولد منه الولد.

ثم نزه نفسه عما لا يليق به فقال {  } وهذا على لسان المسبحين ﴿ وتعالى عما يصفون ﴾ وهذا له في نفسه سواء سبحه مسبح أم لا.

والمراد بالتعالي العو بالشرف والرفعة بدليل قوله عما يصفون.

التأويل: ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ حين أنكروا إنزال الكتب والبعثة على أنهم لو اعترفوا بذلك أيضاً لم يعرفوه حق معرفته لأن المحاط لا يحيط بالمحيط.

نعم تزداد معرفته بازدياد معرفة أوصافه ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ أي في القراطيس، وما يجعلونه في قلوبهم بالتخلق بأخلاقه ﴿ وعلمتم ﴾ بتعليم محمد  ﴿ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ كقوله ﴿ ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون  ﴾ ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سراً بسر وإضماراً بإضمار، والذي علم النبي هو الله وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم، وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بأخلاقه، وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب ﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ لأنه يصدق حقائق جميع ما في الكتب ﴿ ولتنذر أم القرى ﴾ وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق وقد دحيت جميع أرض القلب من تحتها ﴿ ومن حولها ﴾ من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بأن يتنوّروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه.

﴿ والذين يؤمنون بالآخرة ﴾ فيستعملون الأدوات والآلات في أمور الدنيا والآخرة لا في الدنيا الفانية وشهوات النفس وهواها ﴿ يؤمنون ﴾ بالقرآن ﴿ وهم على صلاتهم ﴾ بالترقي في صفاتهم إلى التخلق بأخلاق القرآن يداومون، فإن الصلاة معراج المؤمن ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ بإظهار المواجد والحالات رياء ومراء من غير أن يكون له منها نصيب، ﴿ أو قال أوحي إليّ ﴾ الإشارات ولم يلهم نفسه شيئاً منها، ومن قال متشدّقاً متفيهقاً سأتكلم بمثل كلام الله من الحقائق والأسرار فتظهر مضرة ظلمة وافترائه عند سكرات الموت، وانقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس عن القالب كرهاً لتعلقها بالشهوات واللذات وطلب الرياسات، ويكون شدة النزع والهوان بحسب التعلقات ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ عن الدنيا وما يتعلق بها، أو فرادى عن تعلقات الكونين ﴿ كما خلقناكم أوّل مرة ﴾ في أوّل خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب.

﴿ وتركتم ﴾ بالتجريد عن الدنيا وبالتفريد عن الدنيا والآخرة ﴿ ما خولناكم ﴾ من تعلق الكونين ﴿ وراء ظهوركم وما نرى معكم ﴾ الأعمال والأحوال التي ظننتم أنها توصلكم إلى الله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ وبينها عند انتهاء سيركم كما انتهى سير جبريل عند سدرة المنتهى، وحينئذ لا يصل إلى الوحدة إلا بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ولو لم تدركه الجذبة المسندة إلى العناية لانقطع عن السير في الله بالله ونفى السدرة وهو يقول ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ ﴿ إن الله فالق ﴾ حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة، وفالق النوى ذكر لا إله إلا الله في أرض القلب عن شجرة الإيمان، كلمة طيبة كشجرة طيبة يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية، ومخرج الأفعال الطبيعية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحق في الدارين.

وأيضاً يخرج نخل الإيمان الحق من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله ﴿ فالق الإصباح ﴾ فالق ظلمة الجمادية بصباح العقل والحياة والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح الفهم والإدراك، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صحبة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات.

وبالجملة فالق أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية، وجاعل ليل البشرية ستراً عن ضياء شمس الروح ليسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ يعني تجلي شمس الروحانية وطلوع قمر القلب بالحساب لئلا يفسد أمر القلب والقالب.

وأيضاً تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن إفراط طلوع شموس المعارف والشهود آفة "أنا الحق وسبحاني" وفي تفريطه آفة أنا ربكم الأعلى وعبادة الهوى.

﴿ ذلك تقدير العزيز ﴾ الذي لا يهتدى إليه إلا به ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق الاهتداء إليه ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم ﴾ نجوم أنوار الغيوب في سموات القلوب ﴿ لتهتدوا بها في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية إلى عالم الربوبية.

﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ أرواحكم من روح واحد هو روح محمد  "أول ما خلق الله روحي كما خلق أجسادكم من جسد واحد هو جسد آدم أبي البشر" فمن الأرواح ما تعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح.

وأيضاً من الأرواح ما هو مستقر فيه نور صفة الإيمان وما هو مستودع فيه جذبات الحق، ومنها ما هو مستقر في أنانيته مع علو رتبته بالبقاء وما هو مستودع أنانيته بالفناء، وما هو مستقر ببقاء الحق باق وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء ﴿ قد فصلنا ﴾ دلالات الوصول في الوصال ﴿ لقوم يفقهون ﴾ إشارات القلوب ﴿ وهو الذي أنزل ﴾ من سماء العناية ﴿ ماء ﴾ الهداية ﴿ فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ من أنواع المعارف ﴿ فأخرجنا منه خضراً ﴾ طرياً من المعاني والأسرار ﴿ يخرج به ﴾ من الحقائق ما تركب بعضها فترتب بعضها على بعض ﴿ ومن النخل ﴾ يعني أصحاب الولايات من طلعها} من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين أي منهم من يكون مريئاً فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن المريدين.

﴿ وجنات ﴾ يريد أرباب الزهد والتقوى والفتوّة الذين لم يبلغوا رتبة الولاية من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع ﴿ مشتبهاً ﴾ أي متفقاً في الأصول والفروع ﴿ وغير متشابه ﴾ أي مختلفاً فيما بين العلماء ﴿ انظروا ﴾ إلى ثمر الولايات كيف ينتفع به الخواص والعوام ﴿ وينعه ﴾ أي الكامل منها.

﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ بأحوالهم وينتفعون بأموالهم وأحوالهم.

﴿ وجعلوا لله ﴾ إشارة إلى أنه كما يخرج بماء اللطف من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات كذلك يخرج بماء القهر من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ : قيل: نزلت سورة الأنعام في محاجة أهل الشرك إلا آيات نزلت في محاجة أهل الكتاب، إحداها هذه: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ...

﴾ الآية، وذكر في موضع آخر: ﴿ مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ  ﴾ ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ  ﴾ ﴿ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً...

 ﴾ الآية.

ثم قال بعض أهل التأويل: ما عرفوا الله حق معرفته.

وقال غيرهم: ما عظموا الله حق عظمته؛ ذكروا أن هؤلاء لم يعظموا الله حق عظمته، ولا عرفوه حق معرفته، ومن يقدر أن يعظم الله حق عظمته، أو أن يعرفه حق معرفته، أو من يقدر أن يعبد الله حق عبادته؟!

وكذلك روي في الخبر: "أن الملائكة يقولون يوم القيامة: يا ربنا ما عبدناك حق عبادتك" ، مع ما أخبر عنهم أنهم: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  ﴾ ، فهم مع هذا كله يقولون: "ما عبدناك حق عبادتك"، ومن يقدر أن يعرفه حق معرفته، أو يعظمه حق عظمته؟!

ولكن تأويله - والله أعلم - أي: ما عرفوا الله حق المعرفة التي تعرف بالاستدلال، ولا عظموه حق عظمته التي تعظم بالاستدلال، هذا تأويلهم، وإلا لا أحد [يقدر أن] يعرف الله حق معرفته، ولا يعظمه حق عظمته حقيقة.

وهو يخرج على وجهين: أحدهما: ما قدروا الله حق قدره، ولا اتقوه حق تقواه مما كلفوا به وأطاقوه ومما جرى الأمر بذلك، وإنما تجري الكلفة منه على قدر الطاقة والوسع، وإلا لا يقدر أحد أن يعظم ربه حق عظمته ولا يتقيه حق تقواه، لكن ما ذكرنا مما جرت [به] الكلفة.

والثاني: ما قدروا الله حق قدره ولا حق تقاته على القدر الذي يعملون لأنفسهم، أي: لو اجتهدوا في تقواه وعظمته القدر الذي لو كان ذلك العمل لهم فيجتهدون، ويبلغ جهدهم في [ذلك] ذلك فقد اتقوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ﴾ .

لو كان هؤلاء في الحقيقة أهل الكتاب ما أنكروا الرسل ولا الكتب؛ لأن أهل الكتاب يؤمنون ببعض الرسل وببعض الكتب، وإن كانوا يكفرون ببعض، لكن هؤلاء أنكروا الرسل لما كانوا أهل نفاق، ويكون من اليهود أهل نفاق، كما يكون من أهل الإسلام، كانوا يظهرون الموافقة لهم، ويضمرون الخلاف لهم والموالاة لأهل الشرك، ويظاهرون عليهم؛ كما كان يفعل ذلك منافقو أهل الإسلام؛ كانوا يظهرون الموافقة لرسول الله  ويضمرون الخلاف له، ويظاهرون المشركين عليه، فأطلع الله رسوله على نفاقهم؛ ليعلم قومهم خلافهم، وأن ما كان من تحريف الأحكام وتغيرها وكتمان نعت محمد  وصفته إنما كان من هؤلاء.

وذكر في بعض القصة "أنها نزلت في شأن مالك بن الصيف، وكان من أحبار اليهود، وكان سمينا فدخل على رسول الله  يوماً فقال له رسول الله  : هل تجد في التوراة أن الله يبغض كل حبر سمين؟

قال: نعم، فقال له النبي  : فأنت حبر سمين يبغضك الله، فغضب فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء أنكر الرسل والكتب جميعاً، فأكذبه الله  ، وأظهر نفاقه عند قومه" ، فقال: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً ﴾ ، قيل: تجعلونه قراطيس، يعني: صحفاً، أي: كتبتموه في الصحف، ثم تنكرون أنه ما أنزل الله على بشر من شيء، أي: ما الذي كنتم كتبتموه إن لم ينزل الله على بشر من شيء ﴿ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً ﴾ ، يقول: تظهرون من الصحف ما ليس فيه صفة رسول الله ونعته  وتخفون ما فيه صفته ونعته وتغيرون.

وقيل: ﴿ تُبْدُونَهَا ﴾ أي: تظهرون قراءتها ﴿ وَتُخْفُونَ كَثِيراً ﴾ مما فيه نعته  أو: ما فيه من الأحكام التي لا تطيب بها أنفسهم من أمر الرجم والقصاص وغير ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ ، سمى عز وجل جميع كتبه نوراً وهدى، وهو نور من الظلمات، أي: يرفع الشبهات، ويجليها، وهدى من الضلالات، أي: بياناً ودليلا من الحيرة والهلاك، وبالله العصمة والنجاة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ ﴾ قال مجاهد: نزلت الآية في المسلمين؛ يقول: عُلِّمُوا ما لم يَعْلَمُوا ولا آباؤهم.

وقال الحسن: الآية في الكفرة، أي: علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم من تحريف أولئك الكتاب وتغييرهم إياه.

وقيل: وعلمتم ما في التوراة ما لم تعلموا أنتم، ولم يعلمه آباؤكم.

ثم قال: ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ ﴾ هو صلة قوله: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً ﴾ \[قل\] يا محمد الله أنزله على موسى.

وقيل: [صلة قوله: ﴿ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً ﴾ ] [قل يا محمد الله: ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ ﴾ ]، قال: قل يا محمد الله علمكم.

ويحتمل أن يكون - عز وجل - سخرهم حتى قالوا ذلك، فكان ذلك حجة عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: [الأول] يحتمل: ذرهم ولا تكافئهم بصنيعهم؛ كقوله: ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ  ﴾ .

الثاني: أنه قد أقام عليهم الحجج وظهرت عندهم البراهين، لكنهم كابروا وعاندوا، فأمره أن يذرهم لا يقيم عليهم الآيات والحجج بعد ذلك، ولكن يدعوهم إلى التوحيد لا يذر دعاءهم إلى التوحيد، ولكن يذرهم ولا يقيم عليهم الحجج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي خَوْضِهِمْ ﴾ ؛ أي: في باطلهم وتكذيبهم يعمهون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ ﴾ .

قيل: القرآن أنزلناه مباركاً؛ سماه مرة: مباركاً، ومرة نورا، ومرة هدى ورحمة، ومرة شفاء، ومجيداً وكريماً وحكيماً، وليس يوصف هو في الحقيقة بنور، ولا مبارك، ولا رحمة، ولا هدى، ولا شفاء، ولا مجيد، ولا كريم ولا حكيم؛ لأنه صفة ولا يكون للصفة صفة توصف بها، ولو كان هو في الحقيقة نوراً، ورحمة، وهدى أو ما ذكر [لكان يكون لكل واحد نوراً وما ذكر]، فلما ذكر أنه عمى على بعض، وأخبر أنه يزداد بذلك رجساً إلى رجسهم دل أنه ليس هو في الحقيقة كذلك؛ لأنه لو كان كذلك لكان لكل أحد، لكن سماه بهذه الأسماء: سماه نوراً لما يصير نوراً للمسترشدين، ويصير شفاء ورحمة للمتبعين ليشفوا [من] الداء الذي يحل في الدين.

وسماه روحا لما يحيي به الدين.

وسماه حكيماً لما يصير من عرف بواطنه واتبعه حكيماً.

وكذلك سماه مجيداً كريماً لما يدعو الخلق إلى المجد والكرم، فمن اتبعه تخلق بأخلاق حميدة؛ فيصير مجيداً كريماً.

وسماه مباركاً لما به ينال كل بركة، [والبركة اسم لشيئين: اسم كل بر وخير والثاني:] اسم لكل ما [يثمر وينمو] في الحادث، فمن اتبعه نال به كل بر وخير وكل ثمرة ونماء في الحادث؛ هذا وجه الوصف بما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .

من الكتب؛ لأنه كان يدعو الخلق إلى ما كان يدعو سائر الكتب التي أنزلها على الرسل، من توحيد الله والنهي عن إشراك غيره في الألوهية والربوبية، ويدعو إلى كل عدل وإحسان، وينهى عن كل فاحشة ومنكر؛ وكذلك سائر الكتب دعت الخلق إلى ما دعا هذا، لم يخالف بعضهم بعضا، [بل كانت موافقة بعضها] لبعض؛ لذلك قال: ﴿ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ .

قيل: أم القرى: مكة، وسميت أم القرى لوجهين: أحدهما: لأنها متقدمة، ومنها: دحيت الأرض على ما ذكر أهل التأويل.

والثاني: سميت: أم القرى؛ لأنها مقصد الخلق في الحج، وفيها تقضى المناسك، وإليها يقصدون ويأمون، وإليها يتوجهون في الصلوات، وهي مقصد أهل القرى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ ﴾ أي: أهل أم القرى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ .

فإن قيل: أخبر أن من آمن بالبعث يؤمن بهذا الكتاب، وأهل الكتاب يؤمنون بالبعث ولا يؤمنون به، فما معناه؟

قيل: يحتمل هذا وجوهاً: أحدها: أن يكون هذا في قوم مخصوصين إذا آمنوا بالبعث آمنوا به؛ كقوله: ﴿ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ  ﴾ ، هذا في قوم مخصوصين؛ لأنه قد آمن كثير منهم بالإنذار؛ فعلى ذلك الأول.

والثاني: قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ ﴾ بالعلم والحجج آمنوا بالقرآن؛ لأن القرآن جاء في تأييد حجج البعث وتأكيده، فلا يجوز أن يؤمنوا بما يؤيده القرآن ولا يؤمنوا بالقرآن.

والثالث: يحتمل أن يكون إخبارا عن أوائلهم: أنهم كانوا مؤمنين بالبعث بالآيات والحجج راغبين فيه، فلما جاء آمنوا به.

وأمكن أن تكون الآية في المؤمنين، أخبر أنهم آمنوا بالآخرة وآمنوا بالقرآن؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ .

ويحتمل [أن] الذين يؤمنون بالآخرة يحق لهم أن يؤمنوا بالقرآن؛ لأنه به يتزود للآخرة.

ويحتمل [غير] ما ذكرنا من الوجوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ .

هذا في الظاهر استفهام وسؤال لم يذكر له جواب، لكن أهل التأويل فسروا فقالوا: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، وهذا جواب له [ليس] هو تفسيره، لكن ترك ذكر الجواب لمعرفة أهل الخطاب [به]، وقد يترك الجواب لمعرفة أهله به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ : أكثرهم قد ظلموا أو كلهم قد ظلموا؛ لكن كأنه قال: لا أحد أفحش ظلماً ممن افترى على الله؛ لأنه يتقلب في نعم الله في ليله ونهاره وأحيانه، فهو أفحش ظلماً وأوحش كذباً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ .

في الآية دلالة أن نافي الرسالة عمن له الرسالة في الافتراء على الله الكذب؛ كمدعي الرسالة لنفسه وليست له الرسالة، سواء، كلاهما مفتر على الله كذبا؛ وكذلك من ادعى أنه ينزل مثل ما أنزل الله، أو من ادعى أنه لم ينزل الله شيئاً، فهو في الافتراء على الله كالذي ادعى أنه ينزل مثل ما أنزل الله النافي والمدعي في ذلك سواء شرعا؛ فعلى ذلك يكون نافي الشيء ومثبته في إقامة الحجة والدليل سواء، والله أعلم.

وذكر أهل التأويل أن قوله: ﴿ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ نزل في مسيلمة الكذاب، ونزل قوله: ﴿ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ ﴾ في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لكن ليس لنا إلى معرفة هذا حاجة؛ هم وغيرهم ومن ادعى وافترى على الله كذباً سواء في الوعيد.

وقوله: ﴿ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ ﴾ .

ادعى بعضهم أنهم يقولون مثل ما قال الله إنكارا منهم له؛ كقوله  : ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: قوله: ﴿ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ ﴾ : نزعات الموت وسكراته وغشيانه ﴿ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ ﴾ : يقول ملك الموت وأعوانه الذين معه من [ملائكة الرحمة و] ملائكة العذاب، ﴿ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ ﴾ : يقول: ضاربون بأيديهم أنفسهم يقولون لها: اخرجي، يعني الأرواح، وهو قوله: ﴿ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ﴾ وهو عند الموت؛ وكذلك يقول قتادة.

وقال الحسن: ذلك في النار في الآخرة ضرب الوجوه والأدبار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ ﴾ ، أي: كثرة العذاب وشدته؛ يقال للشيء الكثير: الغمر؛ وهو كقوله: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ  ﴾ أي: أسباب الموت، ولو كان هناك موت يموت لشدة العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ ﴾ : بضرب الوجوه والأدبار، ﴿ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ﴾ : على حقيقة الخروج منها؛ كقوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا  ﴾ ، والأول ليس على حقيقة الخروج، ولكن كما يقال عند نزول الشدائد: أخرج نفسك.

وقال مجاهد: هذا في القتال تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، يعني: الأستاه، ولكنه يكون - وهو كقول ابن عباس  وقتادة -: عند الموت.

قال أبو عوسجة: غمرات الموت: سكراته وشدائده، والغمر: هو الماء الكثير، والغمر: العداوة، والغمر: الذي لم يجرب الأمور، والغمر: الدسم، والغُمر: القدح الصغير من الخشب، وغمرة الحرب: وسطها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ ﴾ : قيل: عذاب الهون لا رأفة فيه ولا رحمة، أي: الشديد ﴿ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ﴾ ، بأن معه شريكاً وآلهة، ﴿ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ، أنه لم ينزل شيئاً ولم يوح إليه شيء، وإنما يوحي إليّ، وغير ذلك من الافتراء الذي ذكروا، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .

يحتمل هذا - والله أعلم - وجوهاً: [الأول]: أي: أعدناكم وبعثناكم فرادى بلا معين ولا ناصر؛ كما خلقناكم أول مرة بلا معين ولا ناصر.

والثاني: أعيدكم وأبعثكم فرادى بلا أعوان لكم ولا شفعاء يشفعون لكم يعين بعضكم بعضا؛ كما خلقناكم في الابتداء فرادى، لم يكن لكم شفعاء ولا أعوان.

وقيل: يبعثكم ويعيدكم بلا مال ولا شيء من الدنياوية؛ كما خلقكم في الابتداء، ولم يكن لكم مال ولا شيء من الدنياوية.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ ﴾ ليس معكم ما تفتخرون به من الخدم والأموال والقرابات التي افتخرتم [بها] في الدنيا؛ [وليس معكم ما تفتخرون به] كما خلقناكم أول مرة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ منفصلا [عن] قوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا ﴾ ، لكن جواب سؤال: أن كيف يبعثون؟

فقال: أي تبعثون كما خلقناكم أول مرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ﴾ \[يحتمل وجهين\]: يحتمل تركتموه وراء ظهوركم لا تلتفتون إليه ولا تنظرون؛ كالمنبوذ وراء ظهوركم، إنما نظرتم إلى أعمالكم التي قدمتموها.

والثاني: لم تقدموا ما خولناكم، ولم تنتفعوا منه، بل تركتموه وراء ظهوركم لا تنتفعون به، إنما منفعتكم ما قدمتموه وأنفقتم منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَوَّلْنَٰكُمْ ﴾ .

قيل: أعطيناكم.

وقيل: رزقناكم.

وقيل: مكناكم؛ وهو واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ ﴾ .

أنهم كانوا يجعلون لله شركاء في عبادته وألوهيته، ويقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ و: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، يقول الله: وما نرى [معكم شفعاءكم] الذين زعمتم أنهم شركاء لله في عبادتكم، وزعمتم أنهم شفعاؤكم عند الله بل شُغِلُوا هُم بأنفسهم؛ يخبر عن سفههم وقلة نظرهم فيهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ : قرئ بالرفع والنصب جميعاً.

فمن قرأ بالرفع يقول: لقد تقطع تواصلكم.

ومن قرأ بالنصب يقول: لقد تقطع ما كان بينكم من الوصل.

يخبر عز وجل عن قطع ما كان بينهم من التواصل، وتعاون بعضهم بعضا في هذه الدنيا، أنهم كانوا يتعاونون ويتناصرون بعضهم بعضا - يخبر أن ذلك كله ينقطع في الآخرة، ويصير بعضهم أعداء بعض، ويتبرأ بعضهم من بعض؛ كقوله: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ  ﴾ ؛ وكقوله -  -: ﴿ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ  ﴾ الآية؛ يصير المعبودون أعداء للعابدين، والعابدون أعداء للمعبودين، وتصير الوصلة والمودة التي فيما بينهم في هذه الدنيا عداوة، والرحم والقرابة اللتين كانتا بينهم منقطعاً، حتى يفر بعضهم من بعض؛ كقوله -  -: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ  وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ  ﴾ الآيات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ .

أي: ذهب عنكم وبطل ما كنتم تزعمون أنهم شفعاؤكم عند الله، وبالله العصمة والنجاة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما عَظَّمَ المشركون الله حق تعظيمه حين قالوا لنبيه محمد  : ما أنزل الله على بشر شيئًا من الوحي، قل لهم -أيها الرسول-: من الذي أنزل التوراة على موسى نورًا وهداية وإرشادًا لقومه؟

يجعلها اليهود في دفاتر يظهرون منها ما يوافق أهواءهم، ويكتمون ما يخالفها كصفة محمد  ، وعُلِّمْتُم أنتم -أيها العرب- من القرآن ما لم تعلموا أنتم ولا أسلافكم من قبل، قل لهم -أيها الرسول-: أنزلها الله، ثم اتركهم في جهلهم وضلالهم حتى يأتيهم اليقين.

<div class="verse-tafsir" id="91.KGXkx"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده