الآية ٩٥ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٩٥ من سورة الأنعام

۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ٩٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 128 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٥ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٥ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى ، أي : يشقه في الثرى فتنبت الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب ، والثمار على اختلاف أشكالها وألوانها وطعومها من النوى; ولهذا فسر قوله ( فالق الحب والنوى ) بقوله ( يخرج الحي من الميت ) أي : يخرج النبات الحي من الحب والنوى ، الذي هو كالجماد الميت ، كما قال : ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ) [ يس : 33 - 36 ] .

وقوله : ( ومخرج الميت من الحي ) معطوف على ( فالق الحب والنوى ) ثم فسره ثم عطف عليه قوله : ( ومخرج الميت من الحي ) .

وقد عبروا عن هذا وهذا بعبارات ، كلها متقاربة مؤدية للمعنى ، فمن قائل : يخرج الدجاجة من البيضة ، والبيضة من الدجاجة ، ومن قائل : يخرج الولد الصالح من الكافر ، والكافر من الصالح ، وغير ذلك من العبارات التي تنتظمها الآية وتشملها .

ثم قال : ( ذلكم الله ) أي : فاعل هذه الأشياء هو الله وحده لا شريك له ( فأنى تؤفكون ) أي : فكيف تصرفون من الحق وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون مع الله غيره .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى قال أبو جعفر: وهذا تنبيهٌ من الله جل ثناؤه هؤلاء العادلين به الآلهة والأوثان على موضع حجّته عليهم, وتعريفٌ منه لهم خطأ ما هم عليه مقيمون من إشراك الأصنام في عبادتهم إياه.

يقول تعالى ذكره: إن الذي له العبادة، أيها الناس، دون كل ما تعبدون من الآلهة والأوثان, هو الله الذي فَلق الحبَّ = يعني: شق الحبَّ من كل ما ينبت من النبات, فأخرج منه الزرع =" والنوى "، من كل ما يغرس مما له نَواة, فأخرج منه الشجر.

* * * و " الحبّ" جمع " الحبة ", و " النوى " جمع " النواة ".

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 13581 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " إن الله فالق الحب والنوى "، أما " فالق الحب والنوى ": ففالق الحب عن السنبلة, وفالق النواة عن النخلة.

13582 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " فالق الحب والنوى "، قال: يفلق الحب والنوى عن النبات.

13583- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: " فالق الحب والنوى "، قال: الله فالق ذلك, فلقه فأنبت منه ما أنبت.

فلق النواة فأخرج منها نَبَات نخلة, وفلق الحبة فأخرج نبات الذي خلق.

* * * وقال آخرون: معنى " فالق "، خالق.

* ذكر من قال ذلك: 13584 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا مروان بن معاوية, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: " إن الله فالق الحب والنوى "، قال: خالق الحب والنوى.

13585- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك, مثله .

13586 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " إن الله فالق الحب والنوى "، قال: خالق الحب والنوى.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: أنه فلق الشقّ الذي في الحبّة والنواة.

* ذكر من قال ذلك: 13587 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " فالق الحب والنوى "، قال: الشقان اللذان فيهما.

13588- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

13589- حدثني المثنى قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا خالد, عن حصين, عن أبي مالك في قول الله: " إن الله فالق الحب والنوى "، قال: الشق الذي يكون في النواة وفي الحنطة .

13590- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد: " فالق الحب والنوى "، قال: الشقان اللذان فيهما.

13591 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فالق الحب والنوى "، يقول: خالق الحب والنوى, يعني كلّ حبة .

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي، ما قدّمنا القول به.

وذلك أن الله جل ثناؤه أتبع ذلك بإخباره عن إخراجه الحي من الميت والميت من الحي, فكان معلومًا بذلك أنه إنَّما عنى بإخباره عن نفسه أنّه فالق الحب عن النبات، والنوى عن الغُرُوس والأشجار, كما هو مخرج الحي من الميت، والميّت من الحي.

* * * وأما القول الذي حكي عن الضحاك في معنى " فالق "، أنه خالق, فقولٌ = إن لم يكن أراد به أنّه خالق منه النبات والغُروس بفلقه إياه = لا أعرف له وجهًا, لأنه لا يعرف في كلام العرب: " فلق الله الشيء "، بمعنى: خلق .

* * * القول في تأويل قوله : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يخرج السنبل الحيّ من الحبّ الميت, ومخرج الحبِّ الميت من السنبل الحيّ, والشجرِ الحيّ من النوى الميت, والنوى الميِّت من الشجر الحيّ.

* * * والشجر ما دام قائمًا على أصوله لم يجفّ، والنبات على ساقه لم ييبَس, فإن العرب تسميه " حَيًّا ", فإذا يبس وجفّ أو قطع من أصله، سمّوه " ميتًا ".

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 13592 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما " يخرج الحي من الميت "، فيخرج السنبلة الحية من الحبة الميتة, ويخرج الحبة الميتة من السنبلة الحية, ويخرج النخلة الحية من النواة الميتة, ويخرج النواة الميتة من النخلة الحية.

13593 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن السدي, عن أبي مالك: " يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي"، قال: النخلة من النواة، والنواة من النخلة, والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة.

* * * وقال آخرون بما:- 13594- حدثني به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) ، قال: يخرج النطفة الميتة من الحي, ثم يخرج من النطفة بشرًا حيًّا.

* * * قال أبو جعفر: وإنما اخترنا التأويل الذي اخترنا في ذلك, لأنه عَقِيب قوله: إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ، على أن قوله: " يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي"، وإن كان خبرًا من الله عن إخراجه من الحبّ السنبل ومن السنبل الحب, فإنه داخل في عمومه ما رُوي عن ابن عباس في تأويل ذلك.

وكل ميّت أخرجه الله من جسمٍ حَيٍّ, وكل حيّ أخرجه الله من جسمٍ ميتٍ.

* * * وأما قوله: " ذلكم الله "، فإنه يقول: فاعل ذلك كلِّه اللهُ جل جلاله =" فأنى تؤفكون "، يقول: فأيّ وجوه الصدّ عن الحقّ، أيها الجاهلون، تصدّون عن الصواب وتصرفون, (1) أفلا تتدبرون فتعلمون أنّه لا ينبغي أن يُجعل لمن أنعم عليكم بفلق الحب والنوى, فأخرج لكم من يابس الحب والنوى زروعًا وحُروثًا وثمارًا تتغذون ببعضه وتفكّهون ببعضه, شريكٌ في عبادته ما لا يضر ولا ينفع، ولا يسمع ولا يبصر؟

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكونقوله تعالى إن الله فالق الحب والنوى عد من عجائب صنعه ما يعجز عن أدنى شيء منه آلهتهم .

والفلق : الشق ; أي يشق النواة الميتة فيخرج منها ورقا أخضر ، وكذلك الحبة .

ويخرج من الورق الأخضر نواة ميتة وحبة ; وهذا معنى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي عن الحسن وقتادة .

وقال ابن عباس والضحاك : معنى فالق : خالق .

وقال مجاهد : عني بالفلق الشق الذي في الحب وفي النوى .

والنوى جمع نواة .

ويجري في كل ما له عجم كالمشمش والخوخ .يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي يخرج البشر الحي من النطفة الميتة ، والنطفة الميتة من البشر الحي ; عن ابن عباس .

وقد تقدم قول قتادة والحسن .

وقد مضى ذلك في " آل عمران " .

وفي صحيح مسلم عن علي : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق .ذلكم الله ابتداء وخبر .فأنى تؤفكون فمن أين تصرفون عن الحق مع ما ترون من قدرة الله جل وعز .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن كماله، وعظمة سلطانه، وقوة اقتداره، وسعة رحمته، وعموم كرمه، وشدة عنايته بخلقه، فقال: { إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ } شامل لسائر الحبوب، التى يباشر الناس زرعها، والتي لا يباشرونها، كالحبوب التي يبثها الله في البراري والقفار، فيفلق الحبوب عن الزروع والنوابت، على اختلاف أنواعها، وأشكالها، ومنافعها، ويفلق النوى عن الأشجار، من النخيل والفواكه، وغير ذلك.

فينتفع الخلق، من الآدميين والأنعام، والدواب.ويرتعون فيما فلق الله من الحب والنوى، ويقتاتون، وينتفعون بجميع أنواع المنافع التي جعلها الله في ذلك.ويريهم الله من بره وإحسانه ما يبهر العقول، ويذهل الفحول، ويريهم من بدائع صنعته، وكمال حكمته، ما به يعرفونه ويوحدونه، ويعلمون أنه هو الحق، وأن عبادة ما سواه باطلة.

{ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ } كما يخرج من المني حيوانا، ومن البيضة فرخا، ومن الحب والنوى زرعا وشجرا.

{ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ } وهو الذي لا نمو فيه، أو لا روح { مِنَ الْحَيِّ } كما يخرج من الأشجار والزروع النوى والحب، ويخرج من الطائر بيضا ونحو ذلك.

{ ذَلِكُمْ } الذي فعل ما فعل، وانفرد بخلق هذه الأشياء وتدبيرها { اللَّهُ } رَبُّكُمْ أي: الذي له الألوهية والعبادة على خلقه أجمعين، وهو الذي ربى جميع العالمين بنعمه، وغذاهم بكرمه.

{ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } أي: فأنى تصرفون، وتصدون عن عبادة من هذا شأنه، إلى عبادة من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا؟"

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( إن الله فالق الحب والنوى ) الفلق : الشق ، قال الحسن وقتادة والسدي : معناه يشق الحبة عن السنبلة والنواة عن النخلة فيخرجها منها ، والحب جمع الحبة ، وهي اسم لجميع البذور والحبوب من البر والشعير والذرة ، وكل ما لم يكن له نوى ، [ وقال الزجاج : يشق الحبة اليابسة والنواة اليابسة فيخرج منها أوراقا خضرا .

وقال مجاهد : يعني الشقين اللذين فيهما ، أي : يشق الحب عن النبات ويخرجه منه ويشق النوى عن النخل ويخرجها منه ] .

والنوى جمع النواة ، وهي كل ما لم يكن حبا ، كالتمر والمشمش والخوخ ونحوها .

وقال الضحاك : فالق الحب والنوى يعني : خالق الحب والنوى ، ( يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون ) تصرفون عن الحق .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الله فالق» شاق «الحبِّ» عن النبات «والنوى» عن النخل «يخرج الحي من الميت» كالإنسان والطائر من النطفة والبيضة «ومخرج الميت» النطفة والبيضة «من الحي ذلكم» الفالق المخرج «الله فأنَّي تؤفكون» فكيف تصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الله تعالى يشق الحب، فيخرج منه الزرع، ويشق النوى، فيخرج منه الشجر، يخرج الحي من الميت كالإنسان والحيوان مثلا من النطفة، ويخرج الميت من الحي كالنطفة من الإنسان والحيوان، ذلكم الله أي: فاعل هذا هو الله وحده لا شريك له المستحق للعبادة، فكيف تُصْرَفون عن الحق إلى الباطل فتعبدون معه غيره؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن ساق - سبحانه - ألواناً من الدلائل على وحدانيته ، وعلى صدق نبيه صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، شرع - سبحانه - فى سرد مظاهر قدرته ، وكمال علمه وحكمته عن طريق التأمل فى هذا الكون العجيب ، وفى بدائع مخلوقاته فقال - تعالى - : { إِنَّ الله .

.

.

} .قوله : { إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى } .فالق : أى شاق ، والفلق هو الشق وقيل ، فالق بمعنى خالق وأنكر ابن جرير الطبرى ذلك وقال : لا يعرف فى كلام العرب فلق الشىء بمعنى خلق .والحب : ما ليس له نوى كالحنطة والشعير .والنوى : جمع نواة وهو الموجود فى داخل الثمرة ، مثل نوى التمر وغيره .والمعنى : أن الله وحده هو الذى يشق الحبة اليابسة كالحنطة فيخرج منها النبات الأخضر النامى ، ويشق النواة الصلبة فيخرج منها النخلة والشجرة النامية ، وفى ذلك أكبر دلالة على قدرة الله التى لا تحد وعلى أنه هو المستحق للعبادة لا غيره .هذا ، وقد أفاض الإمام الرازى وهو يتحدث عن هذه الآية فى بيان قدرة الله فقال ما ملخصه :" إذا عرفت هذا فنقول : إنه إذا وقعت الحبة أو النواة فى الأرض الرطبة ثم مر بها قدر من المدة أظهر الله - تعالى - فى تلك الحبة والنواة من أعلاها شقا ومن أسفلها شقا آخرن فالأول يخرج من الشجرة الصاعدة إلى الهواء ، والثانى يخرج منه الشجرة الهابطة فى الأرض ثم إن ها هنا عجائب .فإحداها : أن طبيعة تلك الشجرة إن كانت تقتضى الهوى فى عمق الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة فى الهواء؟

وإن كانت تقتضى الصعود فى الهواء فكيف تولدت منها الشجرة الهابطة فى الأرض؟

فلما تولد منها الشجرتان مع أن الحس والعقل يشهد بكون طبيعة إحدى الشجرتين مضادة لطبيعة الشجرة الأخرى - علمنا أن ذلك ليس بمقتضى الطبع والخاصية ، بل بمقتضى الإيجاد والإبداع والتكوين .وثانيهما : أن باطن الأرض جرم كثيف صلب لا تنفذ المسلة القوية فيه ولا يغوص السكين الحاد القوى فيه ، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق فى غاية الدقة واللطافة وبحيث لو دلكها الإنسان بإصبعه بأدنى قوة لصارت كالماء ، ثم إنها مع غاية اللطافة تقوى على النفوذ فى تلك الارض الصلبة ، والغوص فى بواطن تلك الأجرام الكثيفة .

فحصول هذه القرى الشديدة لهذه الأجرام الضعيفة التى هى فى غاية اللطافة لا بد وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم .ثم قال - رحمه الله - بعد كلام طويل : فانظر أيها المسكين بعين رأسك فى تلك الورقة الواحدة من تلك الشجرة ، واعرف كيفية خلقه تلك العروق والأوتار فيها ، ثم انتقل من مرتبة إلى ما فوقها حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة فى الأرواح البشرية ، فحينئذ ينفتح لك باب من المكاشفات لا آخر له ، ويظهر لك أن أنواع نعم الله فى حقك غير متناهية كما قال : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا } وكل ذلك إنما ظهر من كيفية خلقه تلك الورقة من الحبة والنواة .وقوله { يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت } أى : يخرج ما ينمو من الحيوان والنبات والشجر مما لا ينمو كالنطفة والحبة .والجملة الكريمة مستأنفة مبينة لما قبلها ولذلك ترك العطف ، وقيل خبر ثان ولم يعطف لاستقلاله فى الدلالة على عظمة الله - تعالى - .وقوله : { وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي } أى : مخرج الميت كالحب والنوى من النبات والبيضة والنطفة من الحيوان .قال صاحب المنار : فإن قيل إن علماء المواليد يزعمون أن فى كل اصول الأحياء حياة فكل ما ينبت من ذلك ذو حياة كامنة إذا عقم بالصناعة لا ينبت ، قلنا : إن هذا اصطلاح لهم يسمون القوة أو الخاصية التى يكون بها الحب قابلا للإنبات حياة ، ولكن هذا لا يصح فى اللغة إلا بضرب من التجوز وإنما حقيقة الحياة فى اللغة ما يكون به الجسم متغذياً نامياً بالفعل ، وهذا أدنى مراتب الحياة عند العرب ، ولها مراتب أخرى كالإحساس والقدرة والإرادة والعلم والعقل والحكمة والنظام ، وهذا أعلى مراتب الحياة فى المخلوق .ونقل بعض المفسرين عن ابن عباس أن معنى الجملتين : يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ومثله إخراج البار من الفاجر والصالح من الطالح والعالم من الجاهل وعكسه ، وذلك بحمله الحياة والموت على المعنوى منها كما فى قوله - تعالى - { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ } ويبدو لنا أن حمل الحياة والموت هنا على المعنى المعنوى لا يناسبه سياق الآيات التى معنا ، لأنها تتحدث عن آثار قدرة الله المحسوسة ليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، ويتأمل كل ذى عقل فى مظاهر قدرة الله فى كونه يهتدى إلى طريق الحق والصواب .وقوله { وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي } معطوف على ما قبله وهو قوله { يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت } لأنه إخبار بضد مضمونه وهو وضع آخر عجيب دال على كمال القدرة .وجىء بجملة { يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت } معطوف على { فَالِقُ } لا على { يُخْرِجُ } لأنه بيان لفالق الحب والنوى .قال - رحمه الله : فإن قلت : كيف قال { وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي } بلفظ اسم الفاعل بعد قوله : { خْرِجُ الحي مِنَ الميت } ؟

قلت : عطفه على فالق الحب والنوى لا على الفعل ، ويخرج الحى من الميت : موقعه موقع الجملة المبينة لقوله { فَالِقُ الحب والنوى } لأن فالق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحى من الميت ، لأن النامى فى حكم الحيوان ألا ترى إلى قوله - تعالى - { وَيُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } { ذلكم الله فأنى تُؤْفَكُونَ } الأفك - بفتح الهمزة - مصدر أفكه يأفكه من باب ضرب إذا صرفه عن مكان أو عن عمل ، ويقال أفكت الأرض أفكا : أى صرف عنها المطر .والإشارة بذلكم لزيادة التمييز ، وللتعريض بغباوة المخاطبين والمشركين لغفلتهم عن هذه الدلالة على أنه هو المستحق للعبادة .والمعنى : ذلكم المتصف بما ذكر من مقتضى الحكمة البالغة والقدرة النفاذة هو الله خالق كل شىء فكيف تصرفون عن عبادة من يخلق إلى عبادة من لا يخلق ، وتشركون معه من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضراً؟قال الإمام الرازى : والمقصود منه أن الحى والميت متضادات متنافيان ، فحصول المثل عن المثل يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية .أما حصول الضد من الضد فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية بل لا بد أن يكون بتقدير المقدر الحكيم والمدبر العليم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما تكلم في التوحيد ثم أردفه بتقرير أمر النبوة، ثم تكلم في بعض تفاريع هذا الأصل، عاد هاهنا إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع، وكمال علمه وحكمته وقدرته تنبيهاً على أن المقصود الأصلي من جميع المباحث العقلية والنقلية، وكل المطالب الحكمية إنما هو معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله.

وفي قوله: ﴿ فَالِقُ الحب والنوى ﴾ قولان: القول الأول: وهو مروي عن ابن عباس وقول الضحاك ومقاتل: ﴿ فَالِقُ الحب والنوى ﴾ أي خالق الحب والنوى.

قال الواحدي: ذهبوا بفالق مذهب فاطر، وأقول: الفطر هو الشق، وكذلك الفلق، فالشيء قبل أن دخل في الوجود كان معدوماً محضاً ونفياً صرفاً، والعقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انفلاق ولا انشقاق، فإذا أخرجه المبدع الموجد من العدم إلى الوجود، فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك العدم وفلقه.

وأخرج ذلك المحدث من ذلك الشق.

فبهذا التأويل لا يبعد حمل الفالق على الموجد والمحدث والمبدع.

والقول الثاني: وهو قول الأكثرين: أن الفلق هو الشق، والحب هو الذي يكون مقصوداً بذاته مثل حبة الحنطة والشعير وسائر الأنواع، والنوى هو الشيء الموجود في داخل الثمرة مثل نوى الخوخ والتمر وغيرهما.

إذا عرفت هذا فنقول: إنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة، ثم مر به قدر من المدة أظهر الله تعالى في تلك الحبة والنواة من أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً آخر.

أما الشق الذي يظهر في أعلى الحبة والنواة فإنه يخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء، وأما الشق الذي يظهر في أسفل تلك الحبة فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة، وتصير تلك الحبة والنواة سبباً لاتصال الشجرة الصاعدة في الهواء بالشجرة الهابطة في الأرض.

ثم إن هاهنا عجائب: فإحداها: أن طبيعة تلك الشجرة إن كانت تقتضي الهوى في عمق الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة في الهواء؟

وإن كانت تقتضي الصعود في الهواء، فكيف تولدت منها الشجرة الهابطة في الأرض؟

فلما تولد منها هاتان الشجرتان مع أن الحس والعقل يشهد بكون طبيعة إحدى الشجرتين مضادة لطبيعة الشجرة الأخرى، علمنا أن ذلك ليس بمقتضى الطبع والخاصية، بل بمقتضى الإيجاد والإبداع والتكوين والاختراع.

وثانيها: أن باطن الأرض جرم كثيف صلب لا تنفذ المسلة القوية فيه ولا يغوص السكين الحاد القوي فيه، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق في غاية الدقة واللطافة بحيث لو دلكها الإنسان بأصبعه بأدنى قوة لصارت كالماء، ثم إنها مع غاية اللطافة تقوى على النفوذ في تلك الأرض الصلبة والغوص في بواطن تلك الأجرام الكثيفة، فحصول هذه القوى الشديدة لهذه الأجرام الضعيفة التي هي في غاية اللطافة لابد وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم.

وثالثها: أنه يتولد من تلك النواة شجرة ويحصل في تلك الشجرة طبائع مختلفة، فإن قشر الخشبة له طبيعة مخصوصة، وفي داخل ذلك القشر جرم الخشبة وفي وسط تلك الخشبة جسم رخو ضعيف يشبه العهن المنفوش، ثم إنه يتولد من ساق الشجرة أغصانها ويتولد على الأغصان الأوراق أولاً، ثم الأزهار والأنوار ثانياً، ثم الفاكهة ثالثاً، ثم قد يحصل للفاكهة أربعة أنواع من القشر: مثل الجوز، فإن قشره الأعلى هو ذلك الأخضر، وتحت ذلك القشر الذي يشبه الخشب، وتحته ذلك القشر الذي هو كالغشاء الرقيق المحيط باللب، وتحته ذلك اللب، وذلك اللب مشتمل على جرم كثيف هو أيضاً كالقشر، وعلى جرم لطيف وهو الدهن، وهو المقصود الأصلي، فتولد هذه الأجسام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وأشكالها وطعومها مع تساوي تأثيرات الطبائع والنجوم والفصول الأربعة والطبائع الأربع، يدل على أنها إنما حدثت بتدبير الحكيم الرحيم المختار القادر لا بتدبير الطبائع والعناصر.

ورابعها: أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فالأترنج قشره حار يابس، ولحمه بارد رطب، وحماضه بارد يابس، وبذره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه بارد يابس، وماؤه ولحمه حار رطب، فتولد هذه الطبائع المضادة والخواص المتنافرة عن الحبة الواحدة لابد وأن يكون بإيجاد الفاعل المختار.

وخامسها: أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة فبعضها يكون اللب في الداخل والقشر في الخارج كما في الجوز واللوز وبعضها يكون الفاكهة المطلوبة في الخارج، وتكون الخشبة في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضها يكون النواة لها لب كما في نوى المشمش والخوخ، وبعضها لا لب له، كما في نوى التمر وبعض الفواكه لا يكون له من الداخل والخارج قشر، بل يكون كله مطلوباً كالتين، فهذه أحوال مختلفة في هذه الفواكه وأيضاً هذه الحبوب مختلفة في الأشكال والصور فشكل الحنطة كأنه نصف دائرة، وشكل الشعير كأنه مخروطان اتصلا بقاعدتيهما، وشكل العدس كأنه دائرة، وشكل الحمص على وجه آخر، فهذه الأشكال المختلفة، لابد وأن تكون لأسرار وحكم علم الخالق أن تركيبها لا يكمل إلا على ذلك الشكل، وأيضاً فقد أودع الخالق تعالى في كل نوع من أنواع الحبوب خاصية أخرى ومنفعة أخرى وأيضاً فقد تكون الثمرة الواحدة غذاء لحيوان وسماً لحيوان آخر، فاختلاف هذه الصفات والأشكال والأحوال مع اتحاد الطبائع وتأثيرات الكواكب يدل على أن كلها إنما حصلت بتخليق الفاعل المختار الحكيم.

وسادسها: أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة وجدت خطاً واحداً مستقيماً في وسطها، كأنه بالنسبة إلى تلك الورقة كالنخاع بالنسبة إلى بدن الإنسان، وكما أنه ينفصل من النخاع أعصاب كثيرة يمنة ويسرة في بدن الإنسان.

ثم لا يزال ينفصل عن كل شعبة شعب أخر، ولا تزال تستدق حتى تخرج عن الحس والأبصار بسبب الصغر، فكذلك في تلك الورقة قد ينفصل عن ذلك الخط الكبير الوسطاني خطوط منفصلة، وعن كل واحد منها خطوط مختلفة أخرى أدق من الأولى، ولا يزال يبقى على هذا المنهج حتى تخرج تلك الخطوط عن الحس والبصر والخالق تعالى إنما فعل ذلك حتى أن القوى الجاذبة المركوزة في جرم تلك الورقة تقوى على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة، فلما وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في تخليق جملة تلك الشجرة أكمل، وعرفت أن عنايته في تكوين جملة النبات أكمل.

ثم إذا عرفت أنه تعالى إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان علمت أن عنايته بتخليق الحيوان أكمل، ولما علمت أن المقصود من تخليق جملة الحيوانات هو الإنسان علمت أن عنايته في تخليق الإنسان أكمل، ثم إنه تعالى إنما خلق النبات والحيوان في هذا العالم ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده والمقصود من تخليق الإنسان هو المعرفة والمحبة والخدمة، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ فانظر أيها المسكين بعين رأسك في تلك الورقة الواحدة من تلك الشجرة، واعرف كيفية خلقة تلك العروق والأوتار فيها، ثم انتقل من مرتبة إلى ما فوقها حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية، فحينئذ ينفتح عليك باب من المكاشفات لا آخر لها، ويظهر لك أن أنواع نعم الله في حقك غير متناهية، كما قال: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا  ﴾ وكل ذلك إنما ظهر من كيفية خلقة تلك الورقة من الحبة والنواة، فهذا كلام مختصر في تفسير قوله: ﴿ إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى ﴾ ومتى وقف الإنسان عليه أمكنه تفريقها وتشعيبها إلى ما لا آخر له، ونسأل الله التوفيق والهداية.

المسألة الثانية: أما قوله تعالى: ﴿ يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى ﴾ ففيه مباحث: الأول: أن ﴿ الحى ﴾ اسم لما يكون موصوفاً بالحياة، و ﴿ الميت ﴾ اسم لما كان خالياً عن صفة الحياة فيه، وعلى هذا التقدير: النبات لا يكون حياً.

إذا عرفت هذا فللناس في تفسير هذا ﴿ الحى ﴾ و ﴿ الميت ﴾ قولان: الأول: حمل هذين اللفظين على الحقيقة.

قال ابن عباس: يخرج من النطفة بشراً حياً، ثم يخرج من البشر الحي نطفة ميتة، وكذلك يخرج من البيضة فروجة حية، ثم يخرج من الدجاجة بيضة ميتة، والمقصود منه أن الحي والميت متضادان متنافيان، فحصول المثل عن المثل يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية.

أما حصول الضد من الضد، فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية، بل لابد وأن يكون بتقدير المقدر الحكيم، والمدبر العليم.

والقول الثاني: أن يحمل ﴿ الحى ﴾ و ﴿ الميت ﴾ على ما ذكرناه، وعلى الوجوه المجازية أيضاً، وفيه وجوه: الأول: قال الزجاج: يخرج النبات الغض الطري الخضر من الحب اليابس ويخرج اليابس من النبات الحي النامي.

الثاني: قال ابن عباس: يخرج المؤمن من الكافر، كما في حق إبراهيم، والكافر من المؤمن كما في حق ولد نوح، والعاصي من المطيع، وبالعكس.

الثالث: قد يصير بعض ما يقطع عليه بأنه يوجب المضرة سبباً للنفع العظيم، وبالعكس.

ذكروا في الطب أن إنساناً سقوه الأفيون الكثير في الشراب لأجل أن يموت، فلما تناوله وظن القوم أنه سيموت في الحال رفعوه من موضعه ووضعوه في بيت مظلم فخرجت حية عظيمة فلدغته فصارت تلك اللدغة سبباً لاندفاع ضرر ذلك الأفيون منه، فإن الأفيون يقتل بقوة برده، وسم الأفعى يقتل بقوة حره فصارت تلك اللدغة سبباً لاندفاع ضرر الأفيون، فهاهنا تولد عما يعتقد فيه كونه أعظم موجبات الشر أعظم الخيرات، وقد يكون بالعكس من ذلك، وكل هذه الأحوال المختلفة والأفعال المتدافعة تدل على أن لهذا العالم مدبراً حكيماً ما أهمل مصالح الخلق وما تركهم سدى، وتحت هذه المباحث مباحث عالية شريفة.

البحث الثاني: من مباحث هذه الآية قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ الميت ﴾ مشددة في الكلمتين والباقون بالتخفيف في الكلمتين، وكذلك كل هذا الجنس في القرآن.

البحث الثالث: أن لقائل أن يقول: إنه قال أولاً: ﴿ يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت ﴾ ثم قال: ﴿ وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى ﴾ وعطف الاسم على الفعل قبيح، فما السبب في اختيار ذلك؟

قلنا: قوله: ﴿ وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى ﴾ معطوف على قوله: ﴿ فَالِقُ الحب والنوى ﴾ وقوله: ﴿ يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت ﴾ كالبيان والتفسير لقوله: ﴿ فَالِقُ الحب والنوى ﴾ لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر النامي من جنس إخراج الحي من الميت، لأن النامي في حكم الحيوان.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ ويحي الأرض بعد موتها ﴾ وفيه وجه آخر، وهو أن لفظ الفعل يدل على أن ذلك الفاعل يعتني بذلك الفعل في كل حين وأوان.

وأما لفظ الاسم فإنه لا يفيد التجدد والاعتناء به ساعة فساعة، وضرب الشيخ عبد القاهر الجرجاني لهذا مثلاً في كتاب دلائل الإعجاز فقال: قوله: ﴿ هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مّنَ السماء ﴾ إنما ذكره بلفظ الفعل وهو قوله: ﴿ يَرْزُقُكُمْ ﴾ لأن صيغة الفعل تفيد أنه تعالى يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة.

وأما الاسم فمثاله قوله تعالى: ﴿ وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد  ﴾ فقوله: ﴿ باسط ﴾ يفيد البقاء على تلك الحالة الواحدة.

إذا ثبت هدا فنقول: الحي أشرف من الميت، فوجب أن يكون الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من الاعتناء بإخراج الميت من الحي، فلهذا المعنى وقع التعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل، وعن الثاني بصيغة الاسم؛ تنبيهاً على أن الاعتناء بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحي.

والله أعلم بمراده.

ثم قال تعالى في آخر الآية: ﴿ ذلكم الله فأنى تُؤْفَكُونَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال بعضهم معناه: ذلكم الله المدبر الخالق النافع الضار المحيي المميت ﴿ فأنى تُؤْفَكُونَ ﴾ في إثبات القول بعبادة الأصنام، والثاني: أن المراد أنكم لما شاهدتم أنه تعالى يخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي، ثم شاهدتم أنه أخرج البدن الحي من النطفة الميتة مرة واحدة، فكيف تستبعدون أن يخرج البدن الحي من ميت التراب الرميم مرة أخرى؟

والمقصود الإنكار على تكذيبهم بالحشر والنشر، وأيضاً الضدان متساويان في النسبة فكما لا يمتنع الانقلاب من أحد الضدين إلى الآخر، وجب أن لا يمتنع الانقلاب من الثاني إلى الأول، فكما لا يمتنع حصول الموت بعد الحياة.

وجب أيضاً أن لا يمتنع حصول الحياة بعد الموت، وعلى كلا التقديرين فيخرج منه جواز القول بالبعث والحشر والنشر.

المسألة الثانية: تمسك الصاحب بن عباد بقوله: ﴿ فأنى تُؤْفَكُونَ ﴾ على أن فعل العبد ليس مخلوقاً لله تعالى.

قال: لأنه تعالى لو خلق الأفك فيه، فكيف يليق به أن يقول مع ذلك: ﴿ فأنى تُؤْفَكُونَ ﴾ .

والجواب عنه: أن القدرة بالنسبة إلى الضدين على السوية، فإن ترجح أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح، فحينئذ لا يكون هذا الرجحان من العبد، بل يكون محض الاتفاق، فكيف يحسن أن يقال له: ﴿ فأنى تُؤْفَكُونَ ﴾ وأن توقف ذلك المرجح على حصول مرجح، وهي الداعية الجاذبة إلى الفعل، فحصول تلك الداعية يكون من الله تعالى، وعند حصولها يجب الفعل، وحينئذ يلزمكم كل ما ألزمتموه علينا.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَالِقُ الحب والنوى ﴾ بالنبات والشجر.

وعن مجاهد: أراد الشقين الذين في النواة والحنطة ﴿ يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت ﴾ أي الحيوان، والنامي من النطف.

والبيض والحب والنوى ﴿ وَمُخْرِجُ ﴾ هذه الأشياء الميتة من الحيوان والنامي.

فإن قلت: كيف قال: ﴿ مُخْرَجَ الميت مِنَ الحى ﴾ بلفظ اسم الفاعل، بعد قوله: ﴿ يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت ﴾ قلت: عطفه على فالق الحب والنوى، لا على الفعل.

ويخرج الحيَّ من الميت: موقعة موقع الجملة المبينة لقوله: ﴿ فَالِقُ الحب والنوى ﴾ لأنّ فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحيّ من الميت، لأنّ النامي في حكم الحيوان.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ يحيي الأرض بعد موتها ﴾ [الروم: 50] ، ﴿ ذَلِكُمُ الله ﴾ أي ذلكم المحي والمميت هو الله الذي تحق له الربوبية ﴿ فأنى تُؤْفَكُونَ ﴾ فكيف تصرفون عنه وعن توليه إلى غيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى ﴾ بِالنَّباتِ والشَّجَرِ.

وقِيلَ المُرادُ بِهِ الشِّقاقُ الَّذِي في الحِنْطَةِ والنَّواةِ.

﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ ﴾ يُرِيدُ بِهِ ما يَنْمُو مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ لِيُطابِقَ ما قَبْلَهُ.

﴿ مِنَ المَيِّتِ ﴾ مِمّا لا يَنْمُو كالنُّطَفِ والحَبِّ.

﴿ وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ﴾ ومُخْرِجُ ذَلِكَ مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ، ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الِاسْمِ حَمْلًا عَلى فالِقِ الحَبِّ فَإنَّ قَوْلَهُ: يُخْرِجُ الحَيَّ واقِعٌ مَوْقِعَ البَيانِ لَهُ.

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ ذَلِكُمُ المُحْيِي المُمِيتُ هو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.

﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ تُصْرَفُونَ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى} بالنبات والشجر أي فلق الحب عن السنبلة والنواة عن النخلة والقلق الشق وعن مجاهد أراد الشقين اللذين في النواة والحنطة {يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت} النبات الغض النامي من الحب اليابس {وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي} الحب اليابس من النبات النامي أو الإنسان من النطفة والنطفة من الإنسان أو المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن فاحتج الله عليهم بما يشاهدونه من خلقه لأنهم أنكروا البعث فأعلمهم أنه الذي خلق هذه الأشياء فهو يقدر على بعثهم وإنما قال وَمُخْرِجُ الميت بلفظ اسم الفاعل لأنه معطوف على فالق الحب لا على الفعل وَيُخْرِجُ الحي مِنَ الميت موقعه موقع الجملة المبينة لقوله فَالِقُ الحب والنوى لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت لأن النامي في حكم الحيوان دليله قوله {ويحيي الأرض بعد موتها} {ذلكم الله} ذلكم المحيي والمميت هو الله الذي تحق له الربوبية لا الأصنام {فأنى تؤفكون} فكيف تصرفون عنه وعن توليه إلى غيره بعد وضوح الأمر بما ذكرنا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى ﴾ شُرُوعٌ في تَقْرِيرِ بَعْضِ أفاعِيلِهِ تَعالى العَجِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ ولَطِيفِ صُنْعِهِ وحِكْمَتِهِ إثْرَ تَقْرِيرِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ وكُلِّ المَطالِبِ الحُكْمِيَّةِ إنَّما هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ سُبْحانَهُ.

والفالِقُ المُوجِدُ والمُبْدِعُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والضَّحّاكِ.

والحَبُّ مَعْلُومٌ.

والنَّوى جَمْعُ نَواةِ التَّمْرِ كَما في القامُوسِ وغَيْرِهِ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ ويُجْمَعُ عَلى أنْواءٍ ونُوًى بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها، وفَسَّرَهُ الإمامُ بِالشَّيْءِ المَوْجُودِ في داخِلِ الثَّمَرَةِ بِالمُثَلَّثَةِ أعَمُّ مِنَ التَّمْرِ بِالمُثَنّاةِ وغَيْرِهِ، والمَشْهُورُ أنَّ النَّوى إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ مِنهُ ما في القامُوسِ وإذا أُرِيدَ غَيْرِهِ قُيِّدَ فَيُقالُ: نَوى الخَوْخِ ونَوى الإجاصِ ونَحْوُ ذَلِكَ.

وأصْلُ الفَلْقِ الشَّقِّ وكانَ إطْلاقُ الفالِقِ عَلى المُوجِدِ بِاعْتِبارِ أنَّ العَقْلَ يَتَصَوَّرُ مِنَ العَدَمِ ظُلْمَةً مُتَّصِلَةً لا انْفِراجَ فِيها ولا انْفِلاقَ فَمَتى أوْجَدَ الشَّيْءَ تَخَيَّلَ الذِّهْنُ أنَّهُ شَقَّ ذَلِكَ العَدَمَ وفَلَقَهُ وأخْرَجَ ذَلِكَ المُبْدَعِ مِنهُ.

وعَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى شاقُّ الحَبَّةِ اليابِسَةِ ومُخْرِجُ النَّباتِ مِنها وشاقُّ النَّواةِ ومُخْرِجُ النَّخْلِ والشَّجَرِ مِنها، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ ولَعَلَّهُ الأوْلى وفِي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ لِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ الَّتِي تَصْدَحُ أطْيارُها عَلى أفْنانِ الحِكَمِ وتَطْفَحُ أنْهارُها في رِياضِ الكَرَمِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ وأبِي مالِكٍ أنَّ المُرادَ بِالفَلْقِ الشِّقُّ الَّذِي بِالحُبُوبِ؛ وبِالنَّوى أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ خالِقُهُما كَذَلِكَ كَما في قَوْلِكَ: ضَيَّقَ فَمَّ الرَّكِيَّةِ ووَسَّعَ أسْفَلَها، وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ لَهُ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ كَما في سابِقِهِ ﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ أيْ يُخْرِجُ ما يَنْمُو مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ والشَّجَرِ مِمّا لا يَنْمُو مِنَ النُّطْفَةِ والحَبِّ والنَّوى.

والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ ولِذَلِكَ تُرِكَ العَطْفُ، وقِيلَ: خَبَرٌ ثانٍ ولَمْ يُعْطَفْ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ في الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ ومُخْرِجُ المَيِّتِ ﴾ كالنُّطْفَةِ وأخَوَيْها ﴿ مِنَ الحَيِّ ﴾ كالحَيَوانِ وأخَوَيْهِ، وهَذا عِنْدَ بَعْضٍ عَطْفٌ عَلى ﴿ فالِقُ ﴾ لا عَلى ﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ كَما عَلِمْتَ بَيانٌ لِما قَبْلَهُ وهَذا لا يَصْلُحُ لِلْبَيانِ وإنْ صَحَّ عَطْفُ الِاسْمِ المُشْتَقِّ عَلى الفِعْلِ وعَكْسُهُ واخْتارَ ابْنُ المُنِيرِ كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلى (يُخْرِجُ) قالَ: وقَدْ ورَدا جَمِيعًا بِصِيغَةِ المُضارِعِ كَثِيرًا وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما تَوْأمانِ مُقْتَرِنانِ وهو يُبْعِدُ القِطَعَ، فالوَجْهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنْ يُقالَ: كانَ الأصْلُ أنْ يُؤْتى بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ أُسْوَةَ أمْثالِهِ في الآيَةِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى المُضارِعِ في هَذا الوَصْفِ وحْدَهُ إرادَةً لِتَصَوُّرِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ واسْتِحْضارِهِ في ذِهْنِ السّامِعِ؛ وذَلِكَ إنَّما يَتَأتّى بِالمُضارِعِ دُونَ اسْمِ الفاعِلِ والماضِي ألَمْ تَرَ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً ﴾ كَيْفَ عَدَلَ عَنِ الماضِي المُطابِقِ لِأنْزَلَ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: بِأنِّي قَدْ لَقِيتُ الغُولَ يَسْعى يُسْهِبُ كالصَّحِيفَةِ صَحْصَحانِ فَآخُذُهُ وأضْرِبُهُ فَخَرَّتْ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ فَإنَّهُ عَدَلَ فِيهِ إلى المُضارِعِ إرادَةً لِتَصْوِيرِ شَجاعَتِهِ واسْتِحْضارِهِ لِذِهْنِ السّامِعِ إلى ما لا يُحْصى كَثْرَةً، وإنَّما يُنْتَحى فِيما تَكُونُ العِنايَةُ فِيهِ أقْوى، ولا شَكَّ أنَّ إخْراجَ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ أظْهَرُ في القُدْرَةِ مِن عَكْسِهِ وهو أيْضًا أوَّلُ الحالَيْنِ، والنَّظَرُ أوَّلُ ما يَبْدَأُ فِيهِ ثُمَّ القِسْمُ الآخَرُ ثانٍ عَنْهُ فَكانَ الأوَّلُ جَدِيرًا بِالتَّصْوِيرِ والتَّأْكِيدِ في النَّفْسِ ولِذَلِكَ هو مُقَدَّمٌ أبَدًا عَلى القِسْمِ الآخَرِ في الذَّكَرِ حَسَبَ تُرَتُّبِهِما في الواقِعِ، وسَهَّلَ عَطْفَ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ وحَسَّنَهُ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ في مَعْنى المُضارِعِ، وكُلٌّ مِنهُما يُقَدَّرُ بِالآخَرِ فَلا جُناحَ في عَطْفِهِ عَلَيْهِ وقالَ الإمامُ في وجْهِ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ: إنَّ لَفْظَ الفِعْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاعِلَ مُعْتَنٍ بِالفِعْلِ في كُلٍّ حِينٍ وأوانٍ وأمّا لَفْظُ الِاسْمِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ التَّجَدُّدَ والِاعْتِناءَ بِهِ ساعَةً فَساعَةً، ويُرْشِدُ إلى هَذا ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ في دَلائِلِ الإعْجازِ مِن أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِن السَّماءِ ﴾ قَدْ ذُكِرَ فِيهِ الرِّزْقُ بِلَفْظِ الفِعْلِ لِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى يَرْزُقُهم حالًا فَحالًا وساعَةً فَساعَةً، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ ﴾ قَدْ ذُكِرَ فِيهِ الِاسْمُ لِيُفِيدَ البَقاءَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ يُقالُ: لَمّا كانَ الحَيُّ أشْرَفَ مِنَ المَيِّتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الِاعْتِناءُ بِإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ أكْثَرَ مِنَ الِاعْتِناءِ بِإخْراجِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ فَلِذا وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنِ القِسْمِ الأوَّلِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ وعَنِ الثّانِي بِصِيغَةِ الِاسْمِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاعْتِناءَ بِإيجادِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ أكْثَرُ وأكْمَلُ مِنَ الِاعْتِناءِ بِإيجادِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ.

ثُمَّ العَطْفُ لِاشْتِمالِ الكَلامِ بِهِ عَلى زِيادَةٍ لا يَضُرُّ بِكَوْنِ الجُمْلَةِ بَيانًا لِما تَقَدَّمَ كَما لا يَضُرُّ شُمُولُ الحَيِّ والمَيِّتِ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها لِلْحَيَوانِ والنَّباتِ فِيهِ وأيًّا ما كانَ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِعُمُومِ المَجازِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَ المَجازِ والحَقِيقَةِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى صِحَّتَهُ إنْ قُلْنا: إنَّ الحَيَّ حَقِيقَةً فِيمَن يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالحَياةِ وهي صِفَةٌ تُوجِبُ صِحَّةَ الِادِّراكِ والقُدْرَةَ والمَيِّتَ حَقِيقَةً فِيمَن فارَقَتْهُ تِلْكَ الصِّفَةُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.

وأنَّ إطْلاقَهُ عَلى نَحْوِ النَّباتِ والشَّجَرِ الغَضِّ والنَّوى مَجازٌ.

وبِهَذا يُشْعِرُ كَلامُ الإمامِ فَإنَّهُ جَعَلَ ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المَعْنى يُخْرِجُ النَّباتَ الغَضَّ الطَّرِيَّ مِنَ الحَبِّ اليابِسِ ويُخْرِجُ الحَبَّ اليابِسَ مِنَ النَّباتِ الحَيِّ النّامِي مِنَ الوُجُودِ المَجازِيَّةِ؛ كالمَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ المَعْنى يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ (ذَلِكُمُ) القادِرُ العَظِيمُ الشَّأْنِ السّاطِعُ البُرْهانِ هو (اللَّهُ) الذّاتُ الواجِبُ الوُجُودِ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ ﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ 95 - فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وتُشْرِكُونَ بِهِ مِن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ أصْلًا.

وتَمَسَّكَ الصّاحِبُ بْنُ عَبّادٍ بِهَذا عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ خَلَقَ فِيهِ الإفْكَ لَمْ يَلِقْ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ أنْ يَقُولَ: ﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ وقَدْ قَدَّمْنا الجَوابَ عَلى ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَتَذَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يعني: يشق الحبة اليابسة، فيخرج منها ورقاً خضراً.

ويقال: فالق الحب مثل البر والشعير والذرة والحبوب كلها، والنوى كل ثمرة فيها نوى مثل الخوخ والمشمش والغيبر والإجاص يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ، وقد ذكرنا تأويله ذلِكُمُ اللَّهُ يعني: هذا الذي يفعل بكم هو الله تعالى: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ يعني: كيف تكفرون ومن أين تكذبون؟

فذكر عيب آلهتهم، ثم دلّ على وحدانيته بصنعته.

ثم قال: فالِقُ الْإِصْباحِ يعني: خالق الإصباح والإصباح والصبح واحد ويقال الإصباح مصدر أصبح يصبح إصباحاً، والصبح اسم وقال: فالق الإصباح يعني خالق النهار.

وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً قرأ أهل الكوفة حمزة والكسائي وعاصم وَجَعَلَ اللَّيْلَ على معنى الخبر وقرأ الباقون جاعل الليل سكنا على معنى الإضافة يعني: يسكن فيه الخلق.

ثم قال: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً يعني: وجعل الشمس والقمر حسباً يعني: منازلها بالحساب لا يجاوزانه إذا انتهيا إلى أقصى منازلهما رجعا وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل حُسْباناً يعني: يُعرف بها عدد السنين والحساب.

وقال القتبي: حُسْباناً أي حساباً، يقال: خذ كل شيء بحُسْبانه أي: بحسابه.

وقال الكلبي: ويقال للشيء المعلق: حُسْبَاناً.

ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ يقول: هذا فعل العزيز في ملكه العليم بخلقه لا فعل لأصنامكم فيه.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)

وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى، هذا ابتداءُ تنبيهٍ على العبرة والنظَرِ، ويتصلُ المعنى بما قبله لأن المقصد أنَّ اللَّه فالقُ الحبِّ والنوى لا هذه الأصنامُ، قال قتادة وغيره: هذه إشارة إلى فعل اللَّه سبحانه في أنّ يشُقَّ جميع الحَبِّ عن جميع النباتِ الذي يكُونُ منه، ويشُقُّ النوى عن جميع الأشجار الكائِنَة مِنه «١» .

وقوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ...

الآية: قال ابن عباس وغيره: الإشارة إلى إخراج الإنسان الحيِّ من النطفة الميِّتة، وإخراج النطفة الميِّتة من الإنسان الحيِّ «٢» ، وكذلك سائرُ الحيوان من الطَّير وغيره، وهذا القول أرجح ما قيل هنا.

وقوله سبحانه: ذلِكُمُ اللَّهُ ابتداء وخبَرٌ متضمِّن التنبيه، فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، أي:

تصرفون وتصدّون، وفالِقُ الْإِصْباحِ، أي: شاقّه ومظهره، والفلق: الصبح، وحُسْباناً: جمع حسابٍ، أي: يجريان بحسَابٍ، هذا قول ابنِ عباس «٣» وغيره، وقال مجاهد «٤» في «صحيح البخاريِّ» : المرادُ بحُسْبَان كحسبان الرحى، وهو الدَّوْلاَب والعُودُ الذي عليه دَوَرانه.

وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ...

الآية: هذه المخاطبةُ تعمُّ المؤمنين والكافرين، والحُجَّةُ بها على الكافرين قائمةٌ، والعبرة بها للمؤمنين متمكّنة.

وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)

وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، يريد: آدم- عليه السلام-، فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ، اختلف المتأوِّلون في معنى هذا الاستقرارِ والاِستيداعِ.

فقال الجمهور: مستقَرٌّ في الرحِمِ، ومستودَعٌ في ظهور الآباءِ حتى يَقْضِيَ/ اللَّه بخروجهم، قال ابنُ عَوْن: مشَيْتُ إلى منزل إبراهيمَ النَّخَعيِّ وهو مريضٌ، فقالوا: قد تُوُفِّيَ، فأخبرني بعضهم أنَّ عبد الرحمن بْنَ الأسود سأله عن: فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ، فقال:

مستقرٌّ في الرحِمِ، ومستودع في الصُّلْبِ «١» ، وقال ابن عباس: المستقرُّ: الأرض، والمستودَعُ: عند الرحمن «٢» ، وقال ابن جُبَيْر: المستودَعُ: في الصلب، والمستقَرُّ في الآخرة «٣» ، قال الفَخْر: والمنقول عن ابن عباس في أكثر الرواياتِ أن المستقرَّ هو الأرحام، والمستودَعُ الأصلاب «٤» ، ثم قرأ: وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ [الحج: ٥] ومما يدلُّ على قوة هذا القولِ أنَّ النطفة لا تبقى في صُلْب الأب زماناً طويلاً، والجنينُ في رَحِمِ الأم يبقى زماناً طويلاً، ولما كان المُكْث في الرحمِ أكثر مما في صُلْب الأب، كان حمل الاستقرارِ على المُكْث في الرحمِ أولَى.

انتهى.

قال ع «٥» : والذي يقتضيه النظر أنَّ ابن آدم هو مستودَعٌ في ظهر أبيه، وليس بمستقِرٍّ فيه استقرارا مطلقاً لأنه يتنقَّل لا محالة، ثم ينتقلُ إلى الرحِمِ، ثم ينتقل إلى الدنيا، ثم ينتقلُ إلى القبر، ثم ينتقلُ إلى المَحْشَر، ثم ينتقلُ إلى الجَنَّة أو النار، فيستقرُّ في أحدهما استقرارا مطلقاً، وليس فيها مستودَعٌ لأنه لا نُقْلَة له بَعْدُ، وهو في كلِّ رتبة متوسِّطة بين هذين الطرفَيْن مُسْتَقِرٌّ بالإضافة إلى التي قبلها، ومستودَعٌ بالإضافة إلى التي بعدها لأن لفظ الوديعةِ يقتضي فيها نُقْلة، ولا بُدَّ.

وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ،

السَّماءِ في هذا الموضع: السحابُ، وكلُّ ما أظلَّك فَهُو سماءٌ، وقوله: نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ، قيل: معناه: ممَّا ينبتُ، وقال الطبريُّ «١» : المراد ب كُلِّ شَيْءٍ: كلُّ ما ينمو مِنْ جميع الحيوان والنباتِ والمعادِنِ، وغير ذلك لأن ذلك كله يتعذى وينمو بنزولِ الماء من السماءِ، والضمير في مِنْهُ يعود على النباتِ، وفي الثاني يعود على الخضر، وخَضِراً: بمعنى: أَخْضَر ومنه قوله- عليه السلام-: «الدُّنْيَا خَضِرَةً حُلْوَةٌ» «٢» ، بمعنى: خضراء وكأن خَضِراً إنما يأتي أبداً لمعنى النَّضَارة، وليس لِلَّوْن فيه مدخلٌ، وأخضر إنما تمكُّنه في اللون، وهو في النّضارة تجوّز، وحَبًّا مُتَراكِباً: يعم جميع السنابلِ وما شاكَلَها كالصَّنَوْبر، والرُّمَّان، وغيرِ ذلك.

وقوله: وَمِنَ النَّخْلِ، تقديره: ونُخْرِجُ مِنَ النخلِ والطَّلْعِ أولَ ما يخرج من النّخل، في أكمامه، وقِنْوانٌ: جمع قِنْو، وهو العِذْق- بكسر العين-، وهي الكِبَاسَةُ، والعُرْجُونُ: عوده الذي فيه ينتظمُ التمر، ودانِيَةٌ: معناه: قريبةٌ من التناول قاله ابن عباس «٣» وغيره.

وقرأ الجمهور: «وجَنَّاتٍ» - بالنصب- عطفاً على قوله: «نَبَاتَ» ، وروي عن «٤» عاصم: «وجَنَّاتٌ» - بالرفع- على تقدير: ولكُمْ جناتٌ أو نحو هذا، وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ- بالنصب إجماعاً- عطفاً على قوله: «حبّا» ، ومُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ، قال قتادة: معناه يتشابه في الوَرَقِ ويتبايَنُ في الثَّمَرِ «٥» ، وقال الطبريُّ «٦» : جائز أن يتشابه في الثَّمَر ويتبايَنُ في الطَّعْم، ويحتمل أن يريد يتشابه في الطَّعْمِ ويتباين في المنظر، وهذه الأحوال موجودة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى ﴾ في مَعْنى الفَلَقِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الخَلْقِ، فالمَعْنى: خالِقُ الحَبِّ والنَّوى، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ الفَلَقَ بِمَعْنى الشَّقِّ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ فَلَقَ الحَبَّةَ عَنِ السُّنْبُلَةِ، والنَّواةِ عَنَ النَّخْلَةِ، رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنَ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الشِّقّانِ اللَّذانِ في الحَبِّ والنَّوى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: الحَبُّ: ما لَمْ يَكُنْ لَهُ نَوى، كالبَرِّ والشَّعِيرِ؛ والنَّوى، مِثْلُ نَوى التَّمْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في [آَلِ عِمْرانَ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ أيْ: كَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّ اللهَ فالِقُ الحَبِّ والنَوى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ ذَلِكُمُ اللهَ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَيْلَ سَكَنًا والشَمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ هَذا ابْتِداءُ تَنْبِيهٍ عَلى العِبْرَةِ والنَظَرِ؛ ويَتَّصِلُ المَعْنى بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ القَصْدَ: "إنَّ اللهَ..."؛ لا هَذِهِ الأصْنامُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وأبُو مالِكٍ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الشَقِّ الَّذِي في حَبَّةِ البُرِّ؛ ونَواةِ التَمْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والعِبْرَةُ - عَلى هَذا القَوْلِ - مَخْصُوصَةٌ في بَعْضِ الحَبِّ وبَعْضِ النَوى؛ ولَيْسَ لِذَلِكَ وجْهٌ؛ وقالَ الضَحّاكُ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى فِعْلِ اللهِ تَعالى في أنْ يَشُقَّ جَمِيعَ الحَبِّ عن جَمِيعِ النَباتِ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ؛ ويَشُقُّ النَوى عن جَمِيعِ الأشْجارِ الكائِنَةِ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الظاهِرُ الَّذِي يُعْطِي العِبْرَةَ التامَّةَ؛ فَسُبْحانَ الخَلّاقِ العَلِيمِ.

وقالَ الضَحّاكُ: "فالِقُ"؛ بِمَعْنى: "خالِقُ"؛ وقالَ السُدِّيُّ: وأبُو مالِكٍ: ﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى إخْراجِ النَباتِ الأخْضَرِ؛ والشَجَرِ الأخْضَرِ مِنَ الحَبِّ اليابِسِ؛ والنَوى اليابِسِ؛ فَكَأنَّهُ جَعَلَ الخُضْرَةَ والنَضارَةَ حَياةً؛ واليُبْسَ مَوْتًا؛ ﴿ وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى إخْراجِ اليابِسِ مِنَ النَباتِ والشَجَرِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ: بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ إشارَةٌ إلى إخْراجِ الإنْسانِ الحَيِّ مِنَ النُطْفَةِ المَيِّتَةِ؛ وإخْراجِ النُطْفَةِ المَيِّتَةِ مِنَ الإنْسانِ الحَيِّ؛ وكَذَلِكَ سائِرُ الحَيَوانِ؛ والطَيْرِ؛ مِنَ البَيْضِ؛ والحُوتِ؛ وجَمِيعِ الحَيَوانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ؛ وإنَّما تَعَلَّقَ قائِلُو القَوْلِ الأوَّلِ بِتَناسُبِ تَأْوِيلِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فالِقُ الحَبِّ والنَوى ﴾ ؛ وهُما عَلى هَذا التَأْوِيلِ الراجِحِ مَعْنَيانِ مُتَبايِنانِ؛ فِيهِما مُعْتَبَرٌ؛ وقالَ الحَسَنُ: اَلْمَعْنى: يُخْرِجُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ؛ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكُمُ اللهُ ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ وخَبَرٌ؛ مُتَضَمِّنٌ التَنْبِيهَ؛ ﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ ؛ أيْ: تُصْرَفُونَ؛ وتُصَدُّونَ.

و ﴿ فالِقُ الإصْباحِ ﴾ ؛ أيْ: شاقُّهُ؛ ومُظْهِرُهُ؛ والفَلَقُ: اَلصُّبْحُ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالِقُ الإصْباحِ"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ وأبُو رَجاءٍ: "فالِقُ الأصْباحِ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ جَمْعُ "صُبْحٌ"؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فالِقُ الإصْباحِ"؛ بِحَذْفِ التَنْوِينِ مِن "فالِقُ"؛ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ؛ ونَصْبِ "اَلْإصْباحَ"؛ بِـ "فالِقُ"؛ كَأنَّهُ أرادَ: "فالِقٌ الإصْباحَ"؛ بِتَنْوِينِ القافِ؛ وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ؛ وإنَّما جَوَّزَ سِيبَوَيْهِ مِثْلَ هَذا في الشِعْرِ؛ وأنْشَدَ عَلَيْها: فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللهَ إلّا قَلِيلًا وحَكى النَحّاسُ عَنِ المُبَرِّدِ جَوازَ ذَلِكَ في الكَلامِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "فَلَقَ الإصْباحَ"؛ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "وَجاعِلُ اللَيْلِ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "وَجَعَلَ اللَيْلَ"؛ وهَذا لَمّا كانَ "فالِقُ"؛ بِمَعْنى الماضِي؛ فَكَأنَّ اللَفْظَ "فَلَقَ الإصْباحَ؛ وجَعَلَ"؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ نَصْبُ "والشَمْسَ والقَمَرَ"؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَكَنًا"؛ ورُوِيَ عن يَعْقُوبَ: "ساكِنًا"؛ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عنهُ؛ ونَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ إذا قَرَأْنا: "وَجاعِلُ"؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى المُضِيِّ؛ وتَقْدِيرُ الفِعْلِ المُضْمَرِ: "وَجاعِلُ اللَيْلِ يَجْعَلُهُ سَكَنًا"؛ وهَذا مِثْلُ قَوْلِكَ: "هَذا مُعْطِي زَيْدٍ أمْسِ دِرْهَمًا"؛ والَّذِي حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ في هَذا أنْ يَنْتَصِبَ بِما في الكَلامِ مِن مَعْنى: "مُعْطِي"؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "والشَمْسِ والقَمَرِ"؛ بِالخَفْضِ؛ عَطْفًا عَلى لَفْظِ "اَللَّيْلِ".

و"حُسْبانًا"؛ جَمْعُ "حِسابٌ"؛ كَـ "شُهْبانٌ"؛ في جَمْعِ "شِهابٌ"؛ أيْ: تَجْرِي بِحِسابٍ؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وقَتادَةَ ؛ ومُجاهِدٍ ؛ وقالَ مُجاهِدٌ - في صَحِيحِ البُخارِيِّ -: اَلْمُرادُ: حُسْبانٌ كَحُسْبانِ الرَحى؛ وهو الدُولابُ؛ والعُودُ الَّذِي عَلَيْهِ دَوَرانُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي انتُقل به من تقرير التّوحيد والبعث والرّسالة وأفانين المواعظ والبراهين الّتي تخلّلت ذلك إلى الاستدلال والاعتبار بخلق الله تعالى وعجائب مصنوعاته المشاهدة، على انفراده تعالى بالإلهيّة المستلزم لانتفاء الإلهيّة عمّا لا تقدر على مثل هذا الصّنع العجيب، فلا يحقّ لها أن تعبد ولا أن تشرك مع الله تعالى في العبادة إذ لا حقّ لها في الإلهيّة، فيكون ذلك إبطالاً لشرك المشركين من العرب، وهو مع ذلك إبطال لمعتقَد المعطّلين من الدُهريين منهم بطريق الأوْلى، وفي ذلك امتنان على المقصودين من الخطاب وهم المشركون بقرينة قوله: ﴿ فأنَّى تُؤفَكُون ﴾ ، أي فتكفرون النّعمة.

وفيه عِلم ويقين للمؤمنين من المصدّقين واستزادة لمعرفتهم بربّهم وشكرهم.

وافتتاحُ الجملة ب ﴿ إنْ ﴾ مع أنّه لا ينكر أحد أنّ الله هو فاعل الأفعال المذكورة هنا، ولكنَّ النّظر والاعتبار في دلالة الزّرع على قدرة الخالق على الإحياء بعد الموت كما قدر على إماتة الحي، لمّا كان نظراً دقيقاً قد انصرف عنه المشركون فاجْترأوا على إنكار البعث، كان حالهم كحال من أنكر أو شَكّ في أنّ الله فالقُ الحبّ والنَّوى، فأكّد الخبر بحرف (إنْ).

وجيء بالجملة الاسميّة للدّلالة على ثبات هذا الوصف دوامه لأنّه وصف ذاتي لله تعالى، وهو وصف الفعل أو وصف القدرة وتعلُّقاتها في مصطلح من لا يثبت صفات الأفعال، ولمّا كان المقصود الاكتفاء بدلالة فلق الحبّ والنّوى على قدرة الله على إخراج الحيّ من الميّت، والانتقالُ من ذلك إلى دلالته على إخراج الحيّ من الميّت في البعث، لم يؤت في هذا الخبر بما يقتضي الحصر إذ ليس المقام مقام القصر.

والفَلْق: شَقّ وصدعُ بعض أجزاء الشّيء عن بعض، والمقصود الفلق الّذي تنبثق منه وشائج النّبْت والشّجر وأصولها، فهو محلّ العبرة من علم الله تعالى وقدرته وحكمته.

والحَبّ اسم جمع لما يثمره النّبت، واحده حبّة.

والنَّوى اسم جمع نواة، والنّواة قلب التّمرة.

ويطلق على ما في الثّمار من القلوب الّتي منها يَنبت شجرها مثل العنب والزّيتون، وهو العَجَم بالتّحريك اسم جمع عَجَمة.

وجملة: ﴿ يخرج الحيّ من الميّت ﴾ في محلّ خبر ثان عن اسم (إنّ) تتنزّل منزلة بيان المقصود من الجملة قبلها وهو الفَلْق الّذي يخرج منه نبتاً أو شجراً نامياً ذا حياة نباتيةٍ بعد أن كانت الحبّة والنّواة جسماً صلباً لا حياة فيه ولا نماءَ.

فلذلك رجّح فصل هذه الجملة عن الّتي قبلها إلاّ أنّها أعمّ منها لدلالتها على إخراج الحيوان من ماء النطفة أو من البيض، فهي خبر آخر ولكنّه بعمومه يبيّن الخبر الأوّل، فلذلك يحسن فصل الجملة، أو عدممِ عطف أحد الأخبار.

وعُطف على ﴿ يخرج الحيّ من الميّت ﴾ قولُه ﴿ ومخرج الميّت من الحيّ ﴾ لأنّه إخبار بضدّ مضمون ﴿ يخرج الحيّ من الميّت ﴾ وصنع آخر عجيب دالّ على كمال القدرة وناف تصرّف الطّبيعة بالخَلْق، لأنّ الفعل الصّادر من العالم المختار يكون على أحوال متضادة بخلاف الفعل المتولد عن سبب طبعي، وفي هذا الخبر تكملة بيان لما أجمله قوله: ﴿ فالقُ الحبّ والنّوى ﴾ ، لأنّ فلق الحبّ عن النّبات والنّوى عن الشّجر يشمل أحوالاً مُجملة، منها حال إثمار النّبات والشّجر: حبّاً ييبس وهو في قصب نباته فلا تكون فيه حياة، ونوىً في باطن الثّمار يبَساً لا حياة فيه كنوى الزّيتون والتّمر، ويزيد على ذلك البيان بإخراج البيض واللّبَن والمِسْك واللّؤلؤ وحجر (البازهر) من بواطن الحيوان الحيّ، فظهر صدور الضدّين عن القدرة الإلهيّة تمام الظّهور.

وقد رَجَح عطفُ هذا الخبر لأنّه كالتكملة لقوله: ﴿ يخرج الحيّ من الميّت ﴾ أي يفعل الأمرين معاً كقوله بعده ﴿ فالقُ الإصباح وجاعلُ اللّيل سَكنا ﴾ .

وجعله في «الكشاف» عطفاً على ﴿ فالق الحبّ ﴾ بناء على أنّ مضمون قوله: ﴿ مُخرج الميّت من الحيّ ﴾ ليس فيه بيان لمضمون ﴿ فالق الحبّ ﴾ لأنّ فلق الحبّ ينشأ عنه إخراج الحيّ من الميّت لا العكس، وهو خلاف الظّاهر لأنّ علاقة وصف ﴿ مخرج الميّت من الحيّ ﴾ بخبر ﴿ يخرج الحيّ من الميّت ﴾ أقوى من علاقته بخبر ﴿ فالق الحبّ والنّوى ﴾ .

وقد جيء بجملة: ﴿ يخرج الحيّ من الميّت ﴾ فعليّة للدّلالة على أنّ هذا الفعل يتجدّد ويتكرّر في كلّ آن، فهو مُراد معلوم وليس على سبيل المصادفة والاتّفاق.

وجيء في قوله: ﴿ ومُخرج الميّت من الحيّ ﴾ اسماً للدّلالة على الدّوام والثّبات، فحصل بمجموع ذلك أنّ كلا الفعلين متجدّد وثابِت، أي كثير وذاتيّ، وذلك لأنّ أحد الإخراجين ليس أوْلى بالحكم من قرينه فكان في الأسلوب شِبه الاحتباك.

والإشارة ب ﴿ ذلكم ﴾ لزيادة التّمييز وللتّعريض بغباوة المخاطبين المشركين لغفلتهم عن هذه الدّلالة على أنّه المنفرد بالإلهيّة، أي ذلكم الفاعل الأفعال العظيمة من الفلق وإخراج الحيّ من الميّت والميّت من الحيّ هو الّذي يعرفه الخلق باسمه العظيم الدالّ على أنّه الإله الواحد، المقصور عليه وصف الإلهيّة فلا تعدلوا به في الإلهيّة غيره، ولذلك عقّب بالتّفريع بالفاء قوله: ﴿ فأنَّى تؤفكون ﴾ .

والأَفك بفتح الهمزة مصدر أفَكَه يأفكه، من باب ضرب، إذا صرفه عن مكان أو عن عَمل، أي فكيف تصرفون عن توحيده.

و (أنَّى) بمعنى من أين.

وهو استفهام تعجيبي إنكاري، أي لا يوجد موجب يصرفكم عن توحيده.

وبُني فعل ﴿ تؤفكون ﴾ للمجهول لعدم تعيّن صارفهم عن توحيد الله، وهو مجموع أشياء: وسوسة الشّيطان، وتضليل قادتهم وكبرائهم، وهوى أنفسهم.

وجملة (ذلكم الله) مستأنفة مقصود منها الاعتبار، فتكون جملة: ﴿ ذلكم الله فأنّى تؤفَكون ﴾ اعتراضاً.

و ﴿ فالق الإصباح ﴾ يجوز أن يكون خبراً رابعاً عن اسم (إنّ)، ويجوز أن يكون صفة لاسم الجلالة المخبر به عن اسم الإشارة، فيكون قوله: ﴿ فأنّى تؤفكون ﴾ اعتراضاً.

والإصباح بكسر الهمزة في الأصل مصدر أصبح الأفُق، إذا صار ذا صباح، وقد سمّي به الصباح، وهو ضياء الفجر فيقابل اللّيلَ وهو المراد هنا.

وفلْق الإصباح استعارة لظهور الضّياء في ظلمة اللّيل، فشبّه ذلك بفلق الظلمة عن الضّياء، كما استعير لذلك أيضاً السّلخ في قوله تعالى: ﴿ وآية لهم اللّيل نسلخ منه النّهار ﴾ [يس: 37].

فإضافة ﴿ فالق ﴾ إلى ﴿ الإصباح ﴾ حقيقيّة وهي لأدنى ملابسة على سبيل المجاز.

وسنبيّنه في الآية الآتية لأنّ اسم الفاعل له شائبة الاسميّة فيضاف إضافة حقيقيّة، وله شائبة فعلية فيضاف إضافة لفظيّة.

وهو هنا لمّا كان دالاً على وصف في الماضي ضعف شبهه بالفعل لأنّه إنّما يشبه المضارع في الوزن وزمننِ الحال أو الاستقبال.

وقد يعتبر فيه المفعوليّة على التّوسّع فحُذف حرف الجرّ، أي فالق عن الإصباح فانتصب على نزع الخافض، ولذلك سمَّوْا الصّبح فَلَقاً بفتحتين بزنة ما بمعنى المفعول كما قالوا مسكَن، أي مسكون إليه فتكون الإضافة على هذا لفظية بالتأويل وليست إضافته من إضافة الوصف إلى معموله إذ ليس الإصباح مفعول الفلْق والمعنى فالق عن الإصباح فيعلم أنّ المفلوق هو الليل ولذلك فسّروه فالق ظلمة الإصباح، أي الظلمة التي يعقبها الصبح وهي ظلمة الغَبَش، فإنّ فلق الليل عن الصبح أبدع في مظهر القدرة وأدخل في المنّة بالنعمة، لأنّ الظلمة عدم والنور وجود.

والإيجاد هو مظهر القدرة ولا يكون العدم ومظهراً للقدرة إلاّ إذا تسلّط على موجود وهو الإعدام، وفلق الإصباح نعمة أيضاً على النّاس لينتفعوا بحياتهم واكتسابهم.

﴿ وجاعل اللّيل سكناً ﴾ عطف على ﴿ فالق الإصباح ﴾ .

وقرأه الجمهور بصيغة اسم الفاعل وجرّ ﴿ اللّيلِ ﴾ لمناسبة الوصفين في الاسميّة والإضافة.

وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلَف.

﴿ وجَعَل ﴾ بصيغة فعل الماضي وبنصب ﴿ اللّيل ﴾ .

وعُبّر في جانب اللّيل بمادة الجعل لأنّ الظلمة عدم فتعلّق القدرة فيها هو تعلّقها بإزالة ما يمنع تلك الظلمة من الأنوار العارضة للأفق.

والمعنى أنّ الله فلق الإصباح بقدرته نعمة منه على الموجودات ولم يجعل النّور مستمراً في الأفق فجعله عارضاً مجزءاً أوقاتاً لتعود الظّلمة إلى الأفق رحمة منه بالموجودات ليسكنوا بعد النّصَب والعمل فيستجمّوا راحتهم.

والسكَن بالتَّحريك على زنة مُرادف اسم المفعول مثل الفَلَق على اعتباره مفعولاً بالتوسّع بحذف حرف الجرّ وهو ما يسكن إليه، أي تسكن إليه النّفس ويطمئنّ إليه القلب، والسّكون فيه مجاز.

وتسمّى الزّوجة سكَناً والبيتُ سكناً قال تعالى: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ [النحل: 80]، فمعنى جَعْل اللّيل سكناً أنّه جعل لتحصل فيه راحة النّفس من تعب العمل.

وعُطف ﴿ الشمس والقمر ﴾ على ﴿ اللّيل ﴾ بالنّصب رعياً لمحلّ اللّيل لأنّه في محلّ المفعول ل ﴿ جاعل ﴾ بناء على الإضافة اللّفظيّة.

والعطف على المحلّ شائع في مواضع من كلام العرب مثل رفع المعطوف على اسم (إنّ)، ونصب المعطوف على خبَر ليس المجرور بالباء.

والحسبان في الأصل مصدر حَسَب بفتح السّين كالغُفران، والشُّكران، والكفران، أي جعلها حساباً، أي علامة حساببٍ للنّاس يحسبون بحركاتها أوقات اللّيل والنّهار، والشّهور، والفصول، والأعوام.

وهذه منّة على النّاس وتذكير بمظهر العلم والقدرة، ولذلك جعل للشّمس حسبان كما جُعل للقمر، لأنّ كثيراً من الأمم يحسبون شهورهم وأعوامهم بحساب سير الشّمس بحلولها في البروج وبتمام دورتها فيها.

والعرب يحسبون بسير القمر في منازله.

وهو الذي جاء به الإسلام، وكان العرب في الجاهليّة يجعلون الكبس لتحويل السنة إلى فصول متماثلة، فموقع المنّة أعمّ من الاعتبار الشّرعي في حساب الأشهر والأعوام بالقمري، وإنّما استقام ذلك للنّاس بجعل الله حركات الشّمس والقمر على نظام واحد لا يختلف، وذلك من أعظم دلائل علم الله وقدرته، وهذا بحسب ما يظهر للنّاس منه ولو اطّلعوا على أسرار ذلك النّظام البديع لكانت العبرة به أعظم.

والإخبار عنهما بالمصدر إسناد مجازي لأنّه في معنى اسم الفاعل، أي حاسبين.

والحاسب هم النّاس بسبب الشّمس والقمر.

والإشارة ب ﴿ ذلك ﴾ إلى الجعل المأخوذ من ﴿ جاعل ﴾ .

والتّقدير: وضع الأشياء على قدْر معلوم كقوله تعالى: ﴿ وخلق كلّ شيء فقدّره تقديراً ﴾ [الفرقان: 2].

والعزيز: الغالب، القاهر، والله هو العزيز حقّاً لأنّه لا تتعاصى عن قدرته الكائنات كلّها.

والعليم مبالغة في العلم، لأنّ وضع الأشياء على النّظام البديع لا يصدر إلاّ عن عالم عظيم العلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي فالِقَ الحَبَّةِ عَنِ السُّنْبُلَةِ والنَّواةِ عَنِ النَّخْلَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّ الفَلَقَ الشِّقُّ الَّذِي فِيهِما، قالَ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَعْنِي خالِقَ الحَبِّ والنَّوى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَذَكَرَ بَعْضُ أصْحابِ الغَوامِضِ قَوْلًا رابِعًا: أنَّهُ مُظْهِرُ ما في حَبَّةِ القَلْبِ مِنَ الإخْلاصِ، والرِّياءِ.

﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُخْرِجُ السُّنْبُلَةَ الحَيَّةَ مِنَ الحَبَّةِ المَيِّتَةِ، والنَّخْلَةَ الحَيَّةَ مِنَ النَّواةِ المَيِّتَةِ، ويَعْنِي بِإخْراجِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ أنْ يُخْرِجَ الحَبَّةَ المَيِّتَةَ مِنَ السُّنْبُلَةِ الحَيَّةِ، والنَّواةَ المَيِّتَةَ مِنَ النَّخْلَةِ الحَيَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنْ يُخْرِجَ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والنُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَقَدْ ذَكَرْنا فِيهِ احْتِمالًا، أنَّهُ يُخْرِجُ الفَطِنَ الجَلْدَ مِنَ البَلِيدِ العاجِزِ، ويُخْرِجُ البَلِيدَ العاجِزَ مِنَ الفَطِنِ الجَلْدِ.

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ أيْ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ.

﴿ فالِقُ الإصْباحِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فالِقُ الإصْباحِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ إضاءَةُ الفَجْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ خالِقُ نُورِ النَّهارِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والرّابِعُ: أنَّ الإصْباحَ ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهارِ وضَوْءُ القَمَرِ بِاللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُمِّيَ سَكَنًا لِأنَّ كُلَّ مُتَحَرِّكٍ بِالنَّهارِ يَسْكُنُ فِيهِ.

والثّانِي: لِأنَّ كُلَّ حَيٍّ يَأْوِي فِيهِ إلى مَسْكَنِهِ.

﴿ والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ يَجْرِيانِ في مَنازِلِهِما بِحِسابٍ وبُرْهانٍ فِيهِ بَدْءٌ ورَدٌّ إلى زِيادَةٍ ونُقْصانٍ، قالَهُابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أيْ جَعَلَهُما سَبَبًا لِمَعْرِفَةِ حِسابِ الشُّهُورِ والأعْوامِ.

والثّالِثُ: أيْ جَعَلَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ضِياءً، قالَهُ قَتادَةُ، وكَأنَّهُ أخَذَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ  ﴾ قالَ: نارًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فالق الحب والنوى ﴾ يقول: خلق الحب والنوى.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فالق الحب والنوى ﴾ قال: يفلق الحب والنوى عن النبات.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فالق الحب والنوى ﴾ قال: الشقان اللذان فيهما.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فالق الحب والنوى ﴾ الشق الذي في النواة والحنطة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فالق الحب والنوى ﴾ قال: فالق الحبة عن السنبلة، وفالق النواة عن النخلة.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ قال: النخلة من النواة والسنبلة من الحبة ﴿ ومخرج الميت من الحي ﴾ قال: النواة من النخلة والحبة من السنبلة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ﴾ قال: الناس الأحياء من النطف والنطفة ميتة تخرج من الناس الأحياء، ومن الأنعام والنبات كذلك أيضاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ قال: كيف تكذبون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ قال: أنى تصرفون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ قال: كيف تضل عقولكم عن هذا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: بالنبات) (١) (٢) وقال الحسن (٣) (٤) (٥) (٦) وقال أبو إسحاق: (أي: يشق الحبة اليابسة والنواة اليابسة فيخرج منهما ورقًا أخضر) (٧) (٨) (٩) (١٠) ﴿ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾ (أي: خالقهما)، ذهبوا بفالق مذهب فاطر.

قال مقاتل: (يعني: خالق الحب البر والشعير والذرة والحبوب كلها، ﴿ وَالنَّوَى ﴾ يعني: نوى كل ثمرة لها نوى الخوخ والتين والنبق والمشمش والغبيراء (١١) (١٢) (١٣) قال الليث (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾ قال ابن عباس: (يخرج من النطفة بشرًا حيًّا ثم يخرج النطفة الميتة من الحي) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والعاصي من الطائع) (٢٠) (٢١) (٢٢) ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾ يخرج النبات: الغض الطري الخضِر من الحب اليابس، ﴿ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾ \[أي\] (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ قال ابن عباس (٢٥) (٢٦) قال الزجاج: (احتج الله عليهم بما يشاهدونه من خلقه؛ لأنهم أنكروا البعث، فأعلمهم أنه خلق هذه الأشياء، وأنه قادر على بعثهم، ثم قال: ﴿ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ أي: فمن أين تصرفون عن الحق بعد هذا البيان) (٢٧) (١) لم أقف عليه (٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 85، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 90.

(٣) ذكره هود في "تفسيره" 1/ 546، والماوردي 2/ 146، والواحدي في "الوسيط" 1/ 85، والبغوي في "تفسيره" 3/ 170، وابن الجوزي 3/ 90، وذكره شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 17/ 504 عن الحسن أنه قال: (الفلق: كل ما انفلق عن شيء، كالصبح والحب والنوى) ا.

هـ.

(٤) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 214، والطبري 7/ 280، وابن أبي حاتم 4/ 1351 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 61.

(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 280، وابن أبي حاتم 4/ 1351 بسند جيد.

(٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 280 بسند جيد.

(٧) "معاني الزجاج" 2/ 273.

(٨) "تفسير مجاهد" 1/ 219 - 220، وأخرجه الطبري 7/ 281، وابن أبي حاتم 4/ 1351 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 61.

(٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 281 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 61.

(١٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 281، وابن أبي حاتم 4/ 1351 بسند ضعيف عن ابن عباس والضحاك.

(١١) الغبيراء: بضم الغين، وفتح الباء، وسكون الياء، شجرة معروفة من الفواكه، سميت بذلك للون ورقها وثمرتها.

انظر: "اللسان" 6/ 3207 (غير).

(١٢) الإجاص: بكسر الهمزة، وفتح الجيم المشدودة، فاكهة معروفة.

انظر: "اللسان" 1/ 32، مادة (أجص).

(١٣) "تفسير مقاتل" 1/ 579، وانظر: "تفسير الرازي" 13/ 90.

(١٤) النص في "العين" 8/ 394، ونقل الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3683 عن الليث قوله: (نَوَّت البُسرة وأَنْوَت إذا عقدت نواتها) ا.

هـ.

وانظر: "اللسان" 8/ 4590 مادة (نوى).

(١٥) كذا في النسخ (من كُلٍّ) ولعله من أُكلٍ.

(١٦) ذكره النحاس في "إعرابه" 1/ 566، وأخرج الطبري 7/ 282 بسند جيد عنه قال: (يخرج النطفة الميتة من الحي ثم يخرج من النطفة بشرًا حيًا) ا.

هـ وأخرج ابن أبي حاتم 4/ 1352، بسند ضعيف عنه قال: ( ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾ ، أي: يخرج النطفة بشراً) ا.

هـ قال: (وروي عنه أنه قال: ﴿ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾ ، أي: يخرج النطفة الميتة من الرجل الحي) ا.

هـ (١٧) "تفسير مقاتل" 1/ 579 - 580.

(١٨) الفروجة، والفروج: بفتح الفاء، وقد تضم وهي لغة، وضم الراء المشددة: فرخ الدجاج، انظر: "اللسان" 6/ 3370 مادة (فرج).

(١٩) في "تنوير المقباس" 2/ 44 - 45 نحوه.

(٢٠) ذكره ابن الجوزي 3/ 370 عن ابن عباس والحسن وعطاء، وذكره الرازي 13/ 92 عن ابن عباس، وهو في "الوسيط" 1/ 86، عن عطاء فقط.

(٢١) أخرجه الطبري 6/ 306 - 308 من طرق جيدة، وذكره ابن أبي حاتم 4/ 1352 عن الحسن وقتادة.

(٢٢) أخرجه الطبري 7/ 282 بسند جيد.

(٢٣) لفظ: (أي) ساقط من (ش).

(٢٤) "معاني الزجاج" 2/ 273 ، والآية عامة والأقوال متقاربة، قال ابن كثير2/ 177:== (يخبر تعالى أنه ﴿ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾ أي: يشقه في الثرى فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها ،ولهذا فسره بقوله: ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾ أي: يخرج النبات الحي من الحب والنوى الذي هو كالجماد الميت، وقوله ﴿ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ ﴾ معطوف على ﴿ فَالِقُ الْحَبِّ ﴾ ، وقد عبروا عن ذلك بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى وتشملها الآية) ا.

هـ بتصرف، وانظر: السمرقندي 1/ 502، وابن عطية 5/ 294.

(٢٥) "تنوير المقباس" 2/ 45، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 86، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1353 بسند ضعيف قال: ﴿ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ (أي: كيف تكذبون).

(٢٦) في (ش): (يكذبون)، بالياء.

(٢٧) "معاني الزجاج" 2/ 273.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَالِقُ الحب والنوى ﴾ أي: يفلق الحب تحت الأرض لخروج النبات منها، ويفلق النوى لخروج الشجر منها وقيل: أراد الشقين الذين في النواة والحنطة، والأول أرجح لعمومه في أصناف الحبوب ﴿ يُخْرِجُ الحي ﴾ تقدّم في آل عمران ﴿ وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي ﴾ معطوف على فالق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يجعلونه ﴾ ﴿ يبدونها ﴾ و ﴿ يخفون ﴾ بياآت الغيبة: أبو عمرو وابن كثير، الباقون: على الخطاب ﴿ ولينذر ﴾ بياء الغيبة: أبو بكر وحماد.

الباقون: بتاء الخطاب ﴿ بينكم ﴾ بفتح النون: أبو جعفر ونافع وعلي وحفص والمفضل.

الباقون: بالرفع ﴿ وجعل الليل ﴾ على لفظ المضي ونصب الليل عاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ وجاعل الليل ﴾ على لفظ اسم الفاعل وبالإضافة ﴿ وجنات ﴾ بالرفع: الأعشى والبرجمي الباقون: بالنصب ﴿ فمسستقر ﴾ بكسر القاف: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب.

الباقون: بالفتح ﴿ ثمره ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف وكذلك في آخر السورة ويس.

الباقون: بفتحتين ﴿ وخرقوا ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بالتخفيف.

الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يجعلونه ﴾ بياء الغيبة.

ومن قرأ بالتاء فوقفه حائز لانتهاء الاستفهام مع اتفاق الخطاب على تقدير وقد علمتم ﴿ آباؤكم ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط لأن قوله ذرهم} معطوف على ﴿ قل ﴾ ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ ومن حولها ﴾ ط ﴿ يحافظون ﴾ ه ﴿ أنزل الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج لاتساق الكلام معنى مع تقدير حذف أي يقولون أخرجوا ﴿ أنفسكم ﴾ ط لأن المراد من اليوم يوم القيامة ﴿ تستكبرون ﴾ ه ﴿ ظهوركم ﴾ ج لاتحاد القول.

والوقف أوضح لابتداء النفي وانقطاع النظم ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ والنوى ﴾ ط ﴿ من الحي ﴾ ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ فالق الإصباح ﴾ ج لمن قرأ ﴿ وجعل ﴾ لانقطاع النظم واتصال المعنى على تقدير فلق وجعل، أو وقد جعل وعامل الحال معنى الفعل في فالق ﴿ حسباناً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ومستودع ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقصود ﴿ متراكباً ﴾ ط ومن قرأ ﴿ وجنات ﴾ بالرفع فللعطف على ﴿ قنوان ﴾ لفظاً فيلزمه وقفه على ﴿ دانية ﴾ وإلا فليعطف ويفهم أن ﴿ جنات ﴾ من جملة النخل، ومن خفض فوقفه على ﴿ متراكباً ﴾ جائز للعطف على قوله ﴿ خضراً ﴾ مع وقوع العارض ﴿ وغير متشابه ﴾ ط ﴿ وينعه ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه.

التفسير: اعلم أن مدار القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد.

فبعد ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك شرع في تقرير أمر النبوة فقال ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ قال ابن عباس: أي ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أنكروا النبوة والرسالة.

وقال أيضاً في رواية: ما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير.

وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته.

وقال الأخفش: ما عرفوه حق معرفته أي في اللطف بأوليائه أو في القهر لأعدائه.

وقال الجوهري: قدر الشيء مبلغه وقدرت الشيء أقدره وأقدره قدراً من التقدير أي حرره وعرف مقداره.

ثم بيّن سبب عدم عرفانه بقوله ﴿ إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ وإنما كان منكر البعث والرسالة غير عارف بالله  ، لأنه إما أن يدعي أنه  ما كلف أحداً من الخلائق تكليفاً أصلاً وهو باطل لأنه فتح باب المنكرات والقبائح بأسرها، وإما أن يسلم أنه  كلف الخلق بالأوامر والنواهي ولكن لا على ألسنة الرسل وهذا أيضاً جهل.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون العقل كافياً في إيجاب الواجبات وحظر المنكرات؟

فالجواب هب أن الأمر كذلك إلا أنه لا يمتنع تأكيد التصريف العقلي بل يجب تفصيل ذلك المجمل بالتعريفات المشروحة على ألسنة الرسل، لأن أكثر العقول قاصرة عن إدراك مدارك الأحكام الشرعية كما أن نور البصر قاصر عن إدراك المبصرات إلا إذا أعين بنور من خارج كنور الشمس أو السراج.

وأيضاً تفويض مصالح العباد إلى مقتضى عقولهم يؤدي إلى التنازع والتشاجر لتصادم الأهواء وتناقض الآراء فلا بد من أن يتفقوا على واحد يصدرون عن رأيه، وتعيين ذلك الواحد من الخلق ترجيح بلا مرجح وإشراف على الضلال لإحتمال الخطأ في اجتهادهم، فلعل الخير في نظرهم يكون شراً في نفس الأمر فلزم أن يكون التعيين من الله  بكونه أعرف بالبواطن كقوله ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ وإنما يعرف ذلك المعين بظهور المعجزة على وفق دعواه تصديقاً له، ومن أنكر ذلك ولم يجوّز خرق العادة فقد وصف الله  بالعجز ونقصان القدرة.

وقد طعن بعض الملحدة في الآية بأن هؤلاء القائلين إن كانوا كفار قريش أو البراهمة فهم ينكرون رسالة كل الأنبياء كما ينكرون رسالة محمد  فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ على أن قوله ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ بتاء الخطاب إنما يليق باليهود وإن كانوا أهل الكتاب فهم لا يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء، بل يقرّون بنزول التوراة على موسى والإنجيل على عيسى.

وأيضاً الأكثرون اتفقوا على أن السورة مكية وأنها نزلت دفعة واحدة ومناظرات اليهود مع رسول الله  وآله كانت مدنية، فكيف يمكن حمل الآية على تلك المناظرة؟

والجواب أنهم إن كانوا كفار قريش فإنهم كانوا مختلطين باليهود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات على يد موسى كالعصا وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها وكان جارياً مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى.

وعلى هذا لا يبعد إيراد نبوة موسى إلزاماً لهم في قولهم ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ ولما كان كفار قريش مع اليهود والنصارى متشاركين في إنكار نبوة محمد  وآله لم يبعد أن يكون الكلام الواحد خطأ بالكفار قريش أوّلاً ولأهل الكتاب آخراً وأما إن كانوا أهل الكتاب - وهو المشهور عند الجمهور - فالوجه ما روي عن ابن عباس أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلاً سميناً دخل على رسول الله  وآله فقال له رسول الله  وآله: " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟

فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود" .

فضحك القوم فغضب ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء.

فقال له قومه: ما هذا الذي بلغنا عنك؟

فقال: إنه أغضبني: ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.

فلعل مالك بن الصيف لما تأذى من الكلام المذكور طعن في نبوة الرسول  وإنه ما أنزل عليه من شيء البتة فأمر بأن يقول في جوابه ﴿ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ أي لما سلمت أن الله  أنزل الوحي والتنزيل على بشر وهو موسى فكيف يمكنك أن تقطع بأنه ما أنزل عليّ شيئاً غاية ما في الباب أن تطالبني بالمعجز.

والحاصل أنهم قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله  فألزموا ما لا بد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم بالتحريف وإبداء بعض وإخفاء بعض.

وقيل: اللفظ وإن كان مطلقاً بحسب اللغة إلا أنه مقيد بحسب العرف بتلك الواقعة، فكأنه قال: ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين، وهذا كما إذا أرادت المرأة أن تخرج من الدار فغضب الزوج وقال: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيراً من الفقهاء قالوا: التعليق مقيد بتلك المرة حتى لو خرجت مرة أخرى لم تطلق.

ويرد على هذا التوجيه أن قوله ﴿ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ لا يكون مبطلاً لكلام الخصم.

أما قوله "إن السورة مكية والمناظرات مدينة" فأجيب عنه بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنه نزلت بالمدينة في هذه الواقعة والله أعلم.

ومن الأحكام المستنبطة من الآية أن قوله ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ يفيد أن عقول الخلق قاصرة عن كنه معرفة الله  وإن كانوا مقرين بالنبوة والرسالة لإطلاق قوله في موضع آخر ﴿ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته  ﴾ ومنها أن النكرة في سياق النفي تعم وإلا لم يكن قوله ﴿ من أنزل ﴾ مبطلاً لقوله ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ ومنها أن النقض يقدح في صحة الكلام وإلا لم يكن في قوله ﴿ من أنزل ﴾ حجة.

ويعلم منه أن قول من يقول إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقض مبطلاً ضعيف وإلا بطلت حجة الله  في هذه الآية، فإن لليهود حينئذ أن تقول: معجزات موسى كانت أظهر وأبهر من معجزاتك فلا يلزم نبوتك.

ومنها أن الغزالي رحمه الله تكلف وقال: حاصل الآية يرجع إلى أن موسى أنزل الله عليه شيئاً، وأحد من البر ما أنزل الله عليه شيئاً فينتج من الشكل الثاني أن موسى ما كان من البشر وهذا خلف محال، وليس هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ولا بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية وهي قولهم ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ فوجب القول بكونها كاذبة فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف.

ثم اعلم أنه  وصف كتاب موسى بكونه نوراً وهدى للناس والعطف يقتضي المغايرة.

فالمراد بالنور ظهوره في نفسه.

وبالهدى كونه سبباً لظهور غيره كقوله في وصف القرآن ﴿ ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا  ﴾ قال أبو علي الفارسي ﴿ يجعلونه قراطيس ﴾ أي ذات قراطيس أي يودعونه إياها.

فإن قيل: إذا كان جميع الكتب كذلك فلم ذكر في معرض الذم؟

قلنا: لأنهم جعلوه قراطيس مفرقة مبعضة ليتوسلوا بذلك إلى إبداء بعض وإخفاء بعض مما فيه نعت محمد  ، أو شيء من الأحكام التي لا توافق هواهم كالرجم وغيره ﴿ وعلمتم ﴾ أيها اليهود على لسان محمد  ﴿ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وقيل: كانوا يقرؤن الآيات المشتملة على نعت محمد  وما كانوا يفقهون معانيها إلى أن بعث الله محمداً، فظهر أن المراد منها هو البشارة بمقدمه، وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم  ﴾ ﴿ قل الله ﴾ أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون على أن ينكروا ذلك فإن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف المؤيد قول صاحبه بالمعجزات الباهرة لا يكون إلا من الله  .

ونظره ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله  ﴾ والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها، فسواء أقر الخصم به أولم يقر فالغرض حاصل.

﴿ ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ يقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه إنما أنت لاعب و ﴿ يلعبون ﴾ حال من ﴿ ذرهم ﴾ أو من ﴿ خوضهم ﴾ ويحتمل أن يكون ﴿ في خوضهم ﴾ حالاً من ﴿ يلعبون ﴾ وأن يكون صلة له أو لـ ﴿ ذرهم ﴾ .

والمعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والإنذار هذا المبلغ العظيم فقد قضيت ما عليك كقوله ﴿ إن عليك إلا البلاغ  ﴾ قيل: إنها منسوخة بآية السيف وفيه نظر لأنه مذكور لأجل التهديد فلم يكن نزول آية القتال رافعاً لشيء من مدلولات هذه الآية.

ثم لما ذكر حال التوراة أعقبه بذكر القرآن فقال ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ وفائدة هذا الوصف أنه كان من الممكن أن يظن أن محمداً مخصوص من الله بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من تركيب القرآن على هذا النسق من الفصاحة، فنفى ذلك الوهم وبين أن الله هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل  ﴿ مبارك ﴾ كثير خيره دائم نفعه باعث على الخيرات زاجر عن المنكرات لما فيه من أصول العلوم النظرية والعملية.

وقد جرت سنة الله  بأن الباحث عنه والمتمسك به يفوز بعز في الدنيا وسعادة في الآخرة وقد جرب فوجد كذلك.

﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ أي موافق لما قبله من الكتب الإلهية.

أما في الأصول فلأنه يمتنع وقوع التفاوت فيها بحسب الأزمنة والأمكنة.

وأما في الفروع فلأنها مشتملة على التبشير بمقدم محمد  .

ويحصل منه أن التكاليف الموجودة فيها إنما تبقى إلى وقت ظهوره ثم تصير منسوخة ﴿ ولتنذر ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فلأنه أسند الإنذار إلى الكتاب مجازاً لأنه سبب الإنذار ﴿ إنما أنذركم بالوحي  ﴾ وهو معطوف على ما دل عليه سائر الأوصاف كأنه قيل: أنزلناه للبركة ولتصديق ما تقدمه من الكتب وللإنذار، قال ابن عباس: سميت مكة أم القرى لأن الأراضين دحيت من تحتها.

وقال أبو بكر الأصم: لأنها قبلة أهل الدنيا فصارت هي كالأصل وسائر البلاد تبعاً، وأيضاً الناس يجتمعون إليها للحج وللتجارة كما يجتمع الأولاد إلى الأم.

وقيل: لأن الكعبة أول بيت وضع للناس.

وقيل: إن مكة أول بلدة في الأرض ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي أهل أم القرى ومن حولها.

قيل: المراد أهل جزيرة العرب فاستدل اليهود بذلك على أنه مبعوث إلى العرب فقط.

وأجيب بأن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على نفي ما عداها لا سيما وقد ثبت بالتواتر أنه كان يدعي أنه رسول إلى العالمين.

ويحتمل أن يقال: ما حوالي مكة يتناول جميع البلاد ﴿ والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ﴾ أي بهذا الكتاب لأن أصل الدين خوف العاقبة فمن خالفها لم يزل به الخوف حتى يؤمن.

وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير قاعدة البعث والقيامة مثل محمد  ، وفيه أن كفار مكة يبعد منهم قبول هذا الدين لأنهم كانوا لا يعتقدون البعث والحشر ﴿ وهم على صلاتهم يحافظون ﴾ يعني أن الإيمان بالآخرة كما أنه يحمل المكلف على الإيمان بالنبي وبالكتاب كذلك يحمله على محافظة الصلوات.

وخص الصلاة بالذكر لأنها عماد الدين وسنام الطاعات كاد المحافظ عليها أن يأتي بأخواتها كلها ويجتنب المنكرات بأسرها.

ثم ذكر ما يدل على وعيد من ادّعى النبوّة وإنزال الكتاب عليه فرية وافتراء فقال ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ قال المفسرون: نزلت في الكذابين مسيلمة الحنفي والأسود العنسي.

عن النبي  "رأيت فيما يرى النائم كأن في يدي سوارين من ذهب فكبرا علي وأهماني.

فأوحى الله إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا عني فأوّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء الأسود العنسي" .

﴿ أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ﴾ كان مسيلمة يقول: محمد  وآله رسول الله في بني قريش، وأنا رسول الله في بني حنيفة.

واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من نسب إلى الله  ما هو بريء منه إما في الذات وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلاً تحت هذا الوعيد ﴿ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ﴾ قال المفسرون: هو النضر بن الحرث كان يدعي معارضة القرآن وهو قوله ﴿ لو نشاء لقلنا مثل هذا  ﴾ وروي أن عبد الله بن سعد أبي سرح القرشي كان يكتب الوحي لرسول الله  ، وكان إذا تلا عليه "سميعاً عليماً" كتب هو "عليماً حكيماً" وإذا قال "عليماً حكيماً" كتب "غفوراً رحيماً" فلما نزل ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] أملاه الرسول  .

فلما وصل إلى قوله ﴿ أنشأناه خلقاً آخر ﴾ عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال: تبارك الله أحسن الخالقين فقال النبي  اكتبها فكذلك نزلت، فشك عبد الله وقال: لئن كان محمد  صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، وإن كان كاذباً لقد قلت كما قال فارتد عن الإسلام ولحق بمكة.

فلما دخل رسول الله  مكة فر إلى عثمان - وكان أخاه من الرضاعة - فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة، ثم أتى به رسول الله  فاستأمن له.

ثم فصل ما أجمل من الوعيد فقال ﴿ ولو ترى ﴾ الآية.

وجوابه محذوف أي لرأي يا إنسان أمراً عظيماً ﴿ إذ الظالمون ﴾ يعني الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة.

فاللام للعهد، ويحتمل أن تكون للجنس فيندرج هؤلاء فيه.

وغمرات الموت شدائده وسكراته.

وأصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ﴾ قيل: إنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من أجسادهم فما الفائدة في هذا الخطاب؟

وأجيب بوجوه منها: أن المراد ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة إذا ما دخلوا جهنم، وغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد والتعذيبات ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ بالعذاب يكلمونهم يقولون لهم ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ من هذا العذاب الشديد إن قدرتم.

ومنها ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ﴾ عند نزول الموت بهم في الدنيا ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ لقبض أرواحهم يقولون لهم ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ من هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام، ومنها هاتوا أرواحكم وأخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويقول: أخرج إليّ مالي عليك ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك.

ومنها أنه ليس بأمر وإنما هو وعيد وتقريع كقوله القائل: امض الآن لترى ما يحل بك، والتحقيق أن نفس المؤمن حال النزع تنبسط في الخروج إلى لقاء ربه، ونفس الكافر تكره ذلك ويشق عليها الخروج، وقطع التعلق لأنها تصير إلى العذاب وإليه الإشارة في الحديث " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فهؤلاء الكفار يكرههم الملائكة على نزع الروح وعلى فراق المألوف.

وفي الآية دلالة على أن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل المحسوس، لأن المخرج يجب أن يكون مغايراً للمخرج منه ﴿ اليوم ﴾ يريد وقت الإماتة أو الوقت الممتد الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة ﴿ تجزون عذاب الهون ﴾ كقولك "رجل سوء" بالإضافة لأن العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالإهانة كما أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم، والتركيب يدور على قلة المبالاة بالشيء ومنه بالفتح السكينة والوقار، وهان عليه الشيء أي حقر، وأهانه استخف به، والاسم الهون بالضم والهوان والمهانة.

والحاصل أنه جمع لهم بين الأمرين الإيلام والإهانة ﴿ بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ يعني أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بمجموع الأمرين: الافتراء على الله والتكبر على آيات الله وهو عدم الإيمان بها.

قال الواحدي ﴿ وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ أي لا تصلون له لقوله  "من سجد لله سجدة واحدة بنية صادقة فقد برىء من الكبر" ﴿ ولقد جئتمونا ﴾ يحتمل أن يكون معطوفاً على قول الملائكة ﴿ أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون ﴾ ثم الملائكة إما الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم، وإما الملائكة الموكلون بعذابهم، ويحتمل أن يكون القائل هو الله  إن جوزنا أنه يتكلم مع الكفار ﴿ فرادى ﴾ جمع ينون ولا ينوّن واحده.

قيل: فرد على غير قياس: فردان كسكارى وسكران قاله ابن قتيبة.

وقيل: فريد كرديف وردا في وهم الحداة والأعوان لأنه إذا أعيا أحدهم خلفه الآخر ﴿ كما خلقناكم ﴾ أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو مجيئاً مثل خلقنا لكم.

﴿ أوّل مرة ﴾ والمراد التوبيخ والتقريع لأنهم بذلوا جهدهم وصرفوا كدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين: أحدهما المال والجاه، والثاني أنهم عبدوا الأصنام وجعلوها شركاء لله فيهم فقلبوا القضية وتركوا الحقيقة، وذلك أن النفس الإنسانية إنما تعلقت بالجسد ليكون البدن آلة لها في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة، فإذا فارقت البدن ولم يحصل لها هذان المطلبان عظم خسرانها وطال حرمانها فاستحق التوبيخ بقوله ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ أي منفردين عما يجب من الأعمال والعقائد.

ثم إنها مع ذلك اكتسبت أشياء قد علق الرجاء بها لأنه أفنى العمر في تحصيلها وأنها ليست مما يبقى معها فلا جرم استحق التقريع بقوله ﴿ وتركتم ما خوّلناكم ﴾ أي أعطينا وتفضلنا به عليكم ﴿ وراء ظهوركم ﴾ يعني أنها كالشيء الذيي يبقى وراء ظهر الإنسان فلن يمكنه الانتفاع به وربما بقي معوج الرأس بسبب التفاته إليه ﴿ وما نرى معكم شفعاءكم ﴾ أي ليسوا معكم حتى يروا، أو ليسوا معكم بالشفاعة والنصرة كما زعمتم بدليل قوله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ الآية.

من قرأ بالنصب على الظرف فمعناه وقع التقطع بينكم كقوله ﴿ وتقطعت بهم الأسباب  ﴾ يقال: جمع بين الشيئين أي وقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره.

وقيل: المراد لقد تقطع وصلكم بينكم كقولهم إذا كان غداً فأتني أي إذا كان الرجاء أو البلاء غداً فأتني فأضمر لدلالة الحال، ومن قرأ بالرفع فلأنه أسند الفعل إلى الظرف اتساعاً كما تقول: قوتل خلفكم وأمامكم، أو لأن المراد بالبين الوصل وإنما حسن استعماله في معنى الوصلة مع أن أصله الافتراق والتباين لأنه يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ومواصلة من بعض الوجوه كقولهم: بيني وبينه مشاركة وبيني وبينه رحم.

والمعنى لقد تقطع وصلكم.

قلت: ويحتمل أن يكون البين بمعنى الافتراق ويفيد المبالغة كقولهم: جد جده.

فإذن العاقل من يكسب الزاد ليوم المعاد حتى لا يوبخ بقوله ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ ويصرف المال في وجوه التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله حتى لا يخاطب بقوله ﴿ وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ﴾ بل يكون من زمرة ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله  ﴾ كيلا تطول حسرته يوم ينقطع بين النفس والجسد وصله.

ثم إنه  لما فرغ من تقرير التوحيد والنبوّة والمعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال قدرته لتعلم أن حال المباحث العقلية والنقلية إنما هو معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله فقال ﴿ أن الله فالق الحب والنوى ﴾ أي بالنبات والشجر.

وعن مجاهد أراد الشقين اللذين في الحنطة والنواة، والفلق هو الشق.

وعن ابن عباس والضحاك: الفلق هو الخلق.

ووجه بأن العقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انشقاق، فإخراج الشيء من العدم إلى الوجود شق لذلك العدم وفلق بحسب التخيل والتعقل.

واعلم أنه إذا وقعت الحبة والنواة في الأرض الرطبة ثم مر بها قدر من المدة أظهر الله في أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً، أما العالي فيخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء، وأما السافل فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة، وههنا عجائب منها: أن طبيعة الشجرة إن كانت تقتضي الهويّ في الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة إلى الهواء وبالعكس.

فاتصال الشجرتين على التبادل ليس بمقتضى الطبع والخاصية بل بمقتضى إرادة الموجد المختار.

ومنها أن باطن الأرض جسم صلب كثيف لا تنفذ فيه المسلة ولا السكين، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق مع غاية نعومتها تقوى على النفوذ والغوص في جرم الأرض، فحصول هذه القوّة الشديدة للجرم الضعيف ليس إلا بتقدير العزيز العليم.

ومنها أنه يتولد من النواة شجرة ويحصل من الشجرة أغصان وأوراق وأزهار وأثمار، وللثمر قشر أعلى وقشر أسفل وفيه اللب، وفي اللب الدهن الذي هو المقصود الأصلي فتولد هذه الأجرام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وطعومها وأشكالها مع تساوي تأثيرات النجوم والطبائع في المادة الواحدة يدل على وجود الفاعل المختار.

ومنها أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فالأترج قشره حار يابس ولحمه بارد رطب، وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه بارد يابس وماؤه ولحمه حار رطب.

ومنها أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة، فبعضها يكون لبه في الداخل وقشره في الخارج كالجوز واللوز، وبعضها يكون فاكهته المطلوبة في الخارج والخشبة في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضها يكون لنواها لب كالخوخ وقد لا يكون كالتمر، وبعض الفواكه يكون كله مطلوباً كالتين.

فهذه الأحوال المختلفة والأشكال المتخالفة.

تتضمن حكماً وفوائد لا يعلمها إلا مبدعها.

ومنها أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة وجدت في وسطها خطاً واحدا ًمستقيماً يشبه النخاع في بدن الإنسان ولا يزال يستدق حتى يخرج عن إدراك الحس، ثم ينفصل عن ذلك الخط خطوط دقائق أصغر من الأول، فكأنه  أوجد ذلك لتقوى به الجاذبة المركوزة في جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة.

فإذا وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في إيجاد جملة تلك الشجرة أكثر، وعلمت أن عنايته بتخليق الحيوان الذي خلق النبات لأجله يكون أكمل، وكذا عنايته بحال الإنسان الذي خلق لأجله النبات والحيوان ويصير ذلك مرقاة لك إلى وجود الصانع الخبير الحكيم القدير.

ثم بين كونه فالق الحب والنوى بقوله ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت، لأن النامي في حكم الحيوان ولهذا قال ﴿ يحيي الأرض بعد موتها  ﴾ ثم عطف على قوله ﴿ فالق الحب ﴾ قوله ﴿ ومخرج الميت من الحي ﴾ قال ابن عباس: أخرج من النطفة بشراً حياً ثم يخرج من البشر الحي نطفة، أو يخرج من البيض دجاجة ومن الدجاجة بيضاً، أو يخرج المؤمن من الكافر كما في حق إبراهيم، والكافر من المؤمن كنوح وابنه، أو المطيع من العاصي والعاصي من المطيع، أو العالم من الجاهل والجاهل من العالم، أو الكامل من الناقص والناقص من الكامل، وقد يجعل الضار نافعاً وبالعكس.

يحكى أن إنساناً سقى الأفيون في الشراب ليموت فلما تناوله ظن القوم أنه سموت فرفعوه وجعلوه في بيت مظلم فلدغته حية وصارت تلك اللدغة لقوّة حرارة سم الحية سبباً لدفع ضرر برد الأفيون.

ونقل عن عبد القاهر الجرجاني أن قوله ﴿ ومخرج الميت ﴾ معطوف على قوله ﴿ يخرج ﴾ وإنما حسن عطف الاسم على الفعل ههنا، لأن لفظ الفعل يدل على اعتناء الفعل بذلك الفعل في كل وقت بخلاف لفظ الاسم ولهذا قال ﴿ هل من خالق غير الله يرزقكم  ﴾ ليفيد أنه يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة إذا ثبت هذا فنقول الحي أشرف من الميت، فذكره بلفظ الفعل فيدل على أن الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من العكس ﴿ ذلكم الله ﴾ المدبر الخالق النافع الضار المحيي المميت ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره، أم كيف تستبعدون البعث والنشور لأن الإعادة أهون من الإبداء؟

ثم عدل عن الأحوال الأرضية إلى الاستدلال بما فوقها وهي الأحوال الفلكية فقال ﴿ فالق الإصباح ﴾ وهو مصدر سمي بهالصبح، المراد فالق ظلمة الإصباح وهو الغبش في آخر الليل وكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة.

ثم إنه  شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى فيه جدولاً من النور.

فالمعنى فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح، وحسن الحذف للعلم به.

أو المراد فالق الإصباح ببياض النهار وإسفاره ومنه قولهم "انشق عمود الفجر وانصدع الفجر" أو المراد مظهر الإصباح بواسطة فلق الظلمة، فذكر السبب وأراد المسبب، أو الفالق بمعنى الخالق كما مر وقد سلف لنا تقرير الصبح في البقرة في تفسير قوله عز من قائل ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار  ﴾ ثم إن كون الصبح بسبب وقوع ضوء الشمس على ضلع مخروط ظل الأرض في جانبه الشرقي لا ينافي كون الله  فالق الإصباح بالحقيقة، كما أن وجود النهار بسبب طلوع جرم الشمس عن الأفق لا ينافي ذلك، والإمام فخر الدين الرازي أراد أن يبين أن ذلك بقدرة الفاعل المختار فنفى كونه بسبب ضوء الشمس بحجج اخترعها من عنده وكلها خلاف المعقول والمنقول من علم الرياضة فلذلك أسقطناها عن درجة الاعتبار.

النوع الثاني من الدلائل الفلكية الدالة على التوحيد قوله ﴿ وجاعل الليل سكناً ﴾ حجة من قرأ باسم الفاعل أن المعطوف عليه اسم فاعل، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله بعد ذلك ﴿ والشمس والقمر ﴾ منصوبان ولا بد من عامل وما ذلك إلا أن يقدر "جاعل" بمعنى "جعل".

والسكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه من زوج أو حبيب ومنه قيل للنار: سكن كما سموها المؤنسة لأنها يستأنس بها، والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه وجمامه.

ويحتمل أن يراد: وجعل الليل مسكوناً فيه كما قال ﴿ لتسكنوا فيه  ﴾ فالليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم، فهما نعمتان من الله  وآيتان على وحدته وقدرته.

النوع الثالث قوله ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ أي سببي حسبان لأن حساب الأوقات يعلم بسيرهما ودورهما.

والحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب بالكسر.

وقيل: إنه جمع حساب مثل "شهاب" وشهبان".

قال في الكشاف: الشمس والقمر قرئا بالحركات الثلاث.

فالنصب على إضمار فعل دل عليه ﴿ جاعل الليل ﴾ أو يعطفان على محل الليل لأن اسم الفاعل أريد به ههنا الاستمرار كما تقول: الله عالم قادر.

فلا تقصد زماناً دون زمان فتكون الإضافة غير حقيقة ويكون لليل محل.

قلت: وهذا مناقض لما ذكره في ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ من أنه يجوز أن يراد به زمان مستمر حتى تكون الإضافة حقيقية، ويصح وقوعه صفة للمعرفة.

وأما وجه الجر فظاهر.

ووجه الرفع كونهما مبتدأين محذوفي الخبر أي والشمس والقمر مجعولان أو محسوبان حسباناً ﴿ وذلك ﴾ الجعل ﴿ تقدير العزيز ﴾ الذي قهرهما ﴿ العليم ﴾ الذي دبرهما.

وذلك أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيآتها المحدودة وأوضاعها المعينة لا يتم إلا بقدرة شاملة لجميع الممكنات وعلم نافذ في الكليات والجزيئات.

النوع الرابع قوله ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم ﴾ عد ههنا من منافع النجوم كونها سبباً للاهتداء إلى الطرق والمسالك ﴿ في ظلمات البر والبحر ﴾ حيث لا يرون شمساً ولا قمراً.

والتقدير في ظلمات الليل بالبر والبحر فأضافها إليهما لملابستها لهما.

وقيل: المراد ظلمات بر التعطيل وبحر التشبيه فإن اختصاص كل من هذه الكواكب بحال وصفة أخرى مع تشاركها في الجسمية دليل ظاهر على مختار قادر.

وأيضاً اتصافها بالأعضاء والأبعاض والحدود والأحياء مع أنها لا تصلح للإلهية بالاتفاق دليل على تنزيه الله  من هذه السمات ولهذا قال ﴿ قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ﴾ فيستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب.

ثم عدل عن الآيات الآفاقية إلى آيات الأنفس فقال ﴿ وهو الذي أنشأكم ﴾ أي خلقكم بطريق النشؤ والنماء ﴿ من نفس واحدة ﴾ هي آدم وحوّاء مخلوقة من ضلع من أضلاعه، وكذا عيسى لأنه من مريم وإن كان يتوسط كلمة "كن" أبو بالنفخ وهي من آدم ﴿ فمستقر ﴾ من قرأ بكسر القاف فالتقدير فمنكم مستقر ﴿ و ﴾ منكم ﴿ مستودع ﴾ الأول اسم فاعل والثاني اسممفعول.

ومن قرأ بفتح القاف فالتقدير: فلكم مستقر ولكم مستودع.

فيكون كلاهما اسمي مكان أو مصدراً.

وذلك أن استقر لازم فلا يجيء منه المفعول به بلا واسطة فينبغي تفسير مستودع أيضاً بما يشاكله استحساناً.

وعن ابن عباس: أن المستودع الصلب والمستقر الرحم لقوله ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء  ﴾ ولأن اللبث في الرحم أكثر فيكون لفظ القرار بذلك أنسب بخلاف المستودع فإنه في معرض الاسترداد ساعة فساعة، وهذا شأن المني في الأصلاب فإنه بصدد الإراقة في كل حين وأوان.

وقيل: المستقر صلب الأب والمستودع الرحم، لأن النطفة قد حصلت في صلب الأب أوّلاً واستقرت هناك، ثم حصلت في الرحم على سبيل الوديعة، ولأن هذا الترتيب يناسب تقديم المستقر على المستودع.

وعن الحسن: المستقر حاله بعد الموت لأن سعادته وشقاوته تبقى وتستقر على حالة واحدة والمستودع حاله قبل الموت، لأن الكافر قد ينقلب مؤمناً والفاسق صالحاً والوديعة على شرف الزوال والذهاب.

وقال الأصم: المستقر الذي خلق من النفس الأولى وحصل في الوجود والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق.

وعنه أيضاً المستقر من في قرار الدنيا، والمستودع من في القبور إلى يوم البعث.

وعن قتادة بالعكس.

وعن أبي مسلم الأصفهاني: المستقر الذكر لأن النطفة إنما تستقر في صلبه، والمستودع الأنثى لأنها تستودع النطفة.

وحاصل الكلام أن الإنسان خلق من نفس واحدة ثم إنه يتقلب في الأطوار ويتردد في الأحوال، وليس هذا بمقتضى الطبع والخاصية وإلا لتساوى الكل في الأخلاق والأمزجة فذلك إذن بتدبير فاعل قدير مختار خبير.

ولهذا قال ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ ميزنا بعضها عن بعض ﴿ لقوم يفقهون ﴾ لأن الفائدة تعود إليهم وإن كان الإرشاد عاماً، ولأن آيات الأنفس أقرب إلى الاعتبار وأهون لدى الاستبصار ختم هذه الآية بالفقه، وخصص خاتمة الآية الأولى بالعلم ليعلم أن الغافل عن هذه لا فطنة له ولا ذكاء أصلاً فضلاً عن العلم.

ثم عدد ما كونه نعمة أبين فيه من كونه آية فقال ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ قيل: أي من جانب السماء وقيل: أي من السحاب لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت.

وقال أكثر أهل الظاهر: أي من السماء نفسها لأنه  فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد.

ونحن قد حكينا في أول سورة البقرة مذهب الحكماء في هذا الباب والله  أعلم.

قال ابن عباس: يريد بالماء ههنا المطر، ولا تنزل قطرة من السماء إلا ومعها ملك.

والفلاسفة يحملون ذلك على الطبيعة الحالة فيها الموجبة للنزول إلى مركزها.

﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة ذلك الماء وذلك يوجب الطبع والمتكلمون ينكرونه ﴿ نبات كل شيء ﴾ قال الفراء: أي نبات كل شيء له نبات فيخصص بنبت كل صنف من أصناف النامي ويخرج ما عدا ذلك.

وفي الآية التفاتان: الأول من الحكاية إلى الغيبة حيث لم يقل "نحن الذين أنزلنا" والثاني من الغيبة إلى الحكاية وأنت خبير أن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب باب من أبواب البلاغة، وصيغة الجمع لأجل التعظيم كما هو ديدن الملوك.

ثم لما بين أن السبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف كثيرة فصل ذلك بعض التفصيل حسب ما ذكر في قوله ﴿ إن الله فالق الحب والنوى ﴾ فقال ﴿ فأخرجنا منه ﴾ أي من النبات ﴿ خضراً ﴾ شيئاً أخضر طرياً وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة.

﴿ نخرج منه ﴾ أي من ذلك الخضر ﴿ حباً متراكباً ﴾ بعضه على بعض.

قال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت والذرة، فأصل ذلك هو العود الأخضر وتكون السنبلة راكبة عليه من فوقه والحبات متراكبة وفوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كالإبر.

والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة.

ولما ذكر ما نبت من الحب أتبعه ذكر ما ينبت من النوى فقال ﴿ ومن النخل ﴾ وهو خبر وقوله ﴿ من طلعها ﴾ بدل منه كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل ﴿ قنوان ﴾ أو الخبر محذوف لدلالة أخرجنا عليه.

والتقدير: ومخرجة من طلع النخل قنوان وهو جمع قنو كصنوان وصنو.

والقنو العذق وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب، والطلع أول ما يبدو من غذق النخلة.

قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية من تحتها.

وعنه أيضاً أنه أراد عذوق النخلة اللاصقة بالأرض.

قال الزجاج: ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن أحد القسمين يغني عن الآخر كما قال ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ ويحتمل أن يقال: ترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأتم.

وقيل: أراد بكونها دانية أنها سهلة المجتنى متعرضة للقاطف كالشيء الداني القريب المتناول، وأن النخلة وإن كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها بالثمر لا تنتظر الطول ﴿ وجنات من أعناب ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ خضراً ﴾ أي وأخرجنا به جنات من أعناب.

ومن قرأ بالرفع فعلى أنها مبتدأ محذوف الخبر أي وثم جنات من أعناب، أو وجنات من أعناب مخرجة، ولا يجوز أن يكون عطفاً على قنوان وإن جوّزه في الكشاف، إذا يصير المعنى وحاصلة أو مخرجة من النخل من طلعها جنات حصلت من أعناب.

أما قوله ﴿ والزيتون والرمان ﴾ بالنصب فللعطف على منصوبات قبلها أو للاختصاص لفضل هذين الصنفين.

قال الفراء: أراد شجر الزيتون وشجر الرمان فحذف المضاف.

واعلم أنه  قدم الزرع على الأشجار لأنه غذاء وثمار الأشجار فواكه والغذاء مقدم على الفواكه، ثم قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يقوم مقام الغذاء ولا سيما للعرب.

ومن فضائلها أن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوانات مشابهات كثرة ولهذا قال  "أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من بقية طينة آدم" ثم ذكر العنب عقيب النخل لأنه أشرف أنواع الفواكه وأنه ينتفع به من أوّل ظهوره إلى آخر حاله.

فأوّله خيوط دقيقة حامضة الطعم لذيذة وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه، ثم يظهر الحصرم وهو طعام شريف للأصحاء وللمرضى من أصحاب الصفراء، ثم يتم العنب فيؤكل كما هو ويدخر ويتخذ منه الزبيب والدبس والخمر والخل ومنافع كل منها لا تحصى، إلا أن الخمر حرمها الشرع لإسكارها.

وأخس ما في العنب عجمه والأطباء يتخذون منه جوارشنات نافعة للمعدة الضعيفة الرطبة.

ويتلو العنب في المنفعة الزيتون لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل منه الزيت الذي يعظم غناؤه، وأما الرمان فحاله عجيبة جداً لأنه قشر وشحم وعجم وماء.

والثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة، وأما ماء الرمان فبالضد من هذه الصفات وأنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف وهو غذاء من وجه ودواء من وجه، وكأنه  جمع فيه بين المتضادين فيكون دلالة القدرة والرحمة والحكمة فيه أكمل وأنواع النبات أكثر من أن يفي بشرحها المجلدات فاكتفى بذكر هذه الأنواع الخمسة تنبيهاً على البواقي.

وأما قوله ﴿ مشتبهاً وغير متشابه ﴾ ففي تفسيره وجوه الأوّل أن هذه الفواكه تكون متشابهة في اللون والشكل مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذّة، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس.

الثاني أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابهاً في الطعم والخاصية، وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنها تكون مختلفة، ومنهم من يقول: الأشجار متشابهة والثمار مختلفة.

ومنهم من قال: بعض حبات العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه وذلك أنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة فإنها بقيت على أوّل حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة، ومعنى اشتبه وتشابه واحد يقال: اشتبه الشيئان وتشابها كقولك: استويا وتساويا.

وإنما قال ﴿ مشتبهاً ﴾ ولم يقل "مشتبهين" إما اكتفاء بوصف أحدهما، أو على تقدير والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك كقوله: رماني بأمر كنت ووالدي *** بريئا ومن أجل الطويّ رماني ﴿ انظروا إلى ثمره ﴾ من قرأ بفتحتين فلأنه جمع ثمرة مثل: بقر وبقرة، وشجر وشجرة.

ومن قرأ بضمتين فعلى أنه جمع ثمرة أيضاً مثل: خشبة وخسب.

قال  ﴿ كأنهم خشب مسندة  ﴾ أو على أن ثمرة جمعت على ثمار ثم جمع ثمار على ثمر ﴿ إذا أثمر ﴾ إذا أخرج ثمره ﴿ وينعه ﴾ يقال: ينعت الثمرة ينعاً وينعاً بالفتح والضم إذا أدركت ونضجت.

أمر بالنظر في حال ثمر كل شجرة أوّل حدوثها وفي آخر حالها فإنها قد تكون موصوفة بالخضرة والحموضة ثم تصير إلى السواد والحلاوة، وربما كانت أوّل الأمر باردة بحسب الطبيعة ثم تصير حارة الطبع وقد يخرج ضيئلاً ضعيفاً لا يكاد ينتفع به، ثم يؤول إلى كمال اللذة والمنفعة فحصول هذه الانتقالات والتغيرات لا بد له من سبب مستقل في التأثير سوى الطبائع والفصول والأفلاك والنجوم وما ذاك إلا السبب الأوّل ومبدع الكل، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ قال القاضي: المراد لمن يطلب بالإيمان بالله لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن، ويحتمل أن يقال: خص المؤمنين لأنهم المنتفعون بذلك دون غيرهم، أو المراد أن هذه الدلالة على قوّتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله  في حقه بالإيمان وإلا فلا ينتفع به ألبتة ويكون من زمرة من قال في حقهم ﴿ وجعلوا الله شركاء الجن ﴾ قال الكلبي: عن ابن عباس نزلت في الزنادقة قالوا إن الله  وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب.

قال في التفسير الكبير: هذا مذهب المجوس فإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة لأن المجوس يلقبون بالزنادقة لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله يسمى بالزند والمنسوب إليه زندي، ثم عرّب فقيل زنديق، ثم جمع فقيل زنادقة، ثم إنهم قالوا كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان، وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن وهو المسمى بإبليس في شرعنا، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة كقولهم إنه  فكر في مملكة نفسه واستعظمها ففعل نوعاً من العجب فتولد الشيطان من ذلك العجب، وكقولهم شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان.

والأقلون منهم قالوا إنه قديم أزلي والحاصل أنهم يقولون: عسكر الله  هم الملائكة، وعسكر إبليس هم الشياطين والملائكة فيهم كثرة عظيمة وهم أرواح طاهرة مقدسة تلهم الأرواح البشرية الطاعات، والشياطين فيهم أيضاً كثرة عظيمة يلقون الوساوس إلى الأرواح البشرية، والله  مع عسكره يحاربون إبليس مع عسكره فلهذا السبب حكى الله  عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن بلفظ الجمع وإن كان شريكه عندهم بالحقيقة واحداً وهو أهرمن.

وانتصاب ﴿ الجن ﴾ على أنه بدل أو بيان لشركاء أو على أنه مفعول أول لـ ﴿ جعلوا ﴾ و ﴿ شركاء ﴾ ثانيه ويكون ﴿ لله ﴾ طرفاً لغواً.

وفائدة تقديم المفعول الثاني على هذا القول استعظام أن يتخذ لله شريك كائناً من كان، ملكاً أو جنياً أو إنسياً، ولذلك قدم اسم الله على الشركاء.

وقرىء ﴿ الجن ﴾ بالرفع كأنه قيل: من هم؟

فقيل: الجن.

وبالجر على الإضافة التي للتبيين.

وقيل: إن الآية نزلت في الكفار الذين جعلوا الملائكة بنات الله.

وحسن إطلاق الجن على الملائكة لاستتارهم عن العيون.

ومعنى كونهم شركاء أنها مدبرة لأحوال هذا العالم ومعينة لله إعانة الولد للوالد.

وعن الحسن وطائفة من المفسرين: أن المراد أن الجن دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام وإلى القول بالشركة فأطاعوهم كما يطاع الله.

أما قوله ﴿ وخلقهم ﴾ فإشارة إلى الدليل القاطع على إبطال الشريك.

والضمير فيه إما أن يعود إلى الجن أو إلى الجاعلين فإن عاد إلى الجن فإن قلنا إن الآية نزلت في المجوس فتقريره أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس محدث ولو لم يعترفوا بذلك والبرهان العقلي قائم على أن ما سوى الحق الواحد ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محدث، فنقول حينئذ، كل محدث مخلوق وله خالق وما ذاك إلا الله  ، وحينئذ يلزمهم نقض قولهم لأنه ثبت أن إله الخير قد فعل أعظم الشرور وهو خلق إبليس الذي هو مادة كل شر.

وإن قلنا.

إنها نزلت في كفار العرب القائلين الملائكة بنات الله، فظاهر لأنهم يسلمون أن الملائكة مخلوقون وأنهم تولدوا منه تولد الولد من الوالد.

وإن عاد الضمير إلى الجاعلين فالمعنى.

وعلموا أن الله خلقهم دون الجن كقوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ ولم يمنعهم علمهم أن يتّخذوا من لا يخلق شريكاً للخالق.

والجملة في موضع الحال أي وقد خلقهم.

وقرىء ﴿ وخلقهم ﴾ بسكون اللام أي اختلاقهم للإفك يعني جعلوا لله خلقهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم ﴿ والله أمرنا بها  ﴾ ثم حكي عن قوم آخرين نوعاً آخر من الإشراك فقال ﴿ وخرقوا له بنين وبنات ﴾ وذلك قول أهل الكتابين في المسيح وعزير، وقول قريش في الملائكة، ومن هنا يعلم ضعف قول من قال ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن ﴾ نزل في كفار قريش لأنه لزم التكرار من غير فائدة ظاهرة، يقال: خرق الإفك وخلقه واخترقه واختلقه بمعنى.

قال الحسن: كلمة عربية كان الرجل، إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله أعلم.

ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا له بنين وبنات.

أما قوله ﴿ بغير علم ﴾ فكالتنبيه على إبطال قولهم، فإن من عرف الإله حق معرفته استحال أن يثبت له ولداً لأن ذلك الولد إن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلاً بنفسه قائماً بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخرة تعلق الفرعية، وإن كان ممكن الوجود لذاته كان موجوداً بإيجاد الواجب وكان عبداً له لا ولداً.

وأيضاً الولد إنما يحتاج إليه ليقوم مقام الوالد بعد فنائه ومن تقدس عن الفناء لم يحتج إلى الولد.

وأيضاً الولد جزء من أجزاء الوالد ومن لم يكن مركباً استحال أن ينفصل منه جزء يتولد منه الولد.

ثم نزه نفسه عما لا يليق به فقال {  } وهذا على لسان المسبحين ﴿ وتعالى عما يصفون ﴾ وهذا له في نفسه سواء سبحه مسبح أم لا.

والمراد بالتعالي العو بالشرف والرفعة بدليل قوله عما يصفون.

التأويل: ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ حين أنكروا إنزال الكتب والبعثة على أنهم لو اعترفوا بذلك أيضاً لم يعرفوه حق معرفته لأن المحاط لا يحيط بالمحيط.

نعم تزداد معرفته بازدياد معرفة أوصافه ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ أي في القراطيس، وما يجعلونه في قلوبهم بالتخلق بأخلاقه ﴿ وعلمتم ﴾ بتعليم محمد  ﴿ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ كقوله ﴿ ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون  ﴾ ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سراً بسر وإضماراً بإضمار، والذي علم النبي هو الله وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم، وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بأخلاقه، وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب ﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ لأنه يصدق حقائق جميع ما في الكتب ﴿ ولتنذر أم القرى ﴾ وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق وقد دحيت جميع أرض القلب من تحتها ﴿ ومن حولها ﴾ من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بأن يتنوّروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه.

﴿ والذين يؤمنون بالآخرة ﴾ فيستعملون الأدوات والآلات في أمور الدنيا والآخرة لا في الدنيا الفانية وشهوات النفس وهواها ﴿ يؤمنون ﴾ بالقرآن ﴿ وهم على صلاتهم ﴾ بالترقي في صفاتهم إلى التخلق بأخلاق القرآن يداومون، فإن الصلاة معراج المؤمن ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ بإظهار المواجد والحالات رياء ومراء من غير أن يكون له منها نصيب، ﴿ أو قال أوحي إليّ ﴾ الإشارات ولم يلهم نفسه شيئاً منها، ومن قال متشدّقاً متفيهقاً سأتكلم بمثل كلام الله من الحقائق والأسرار فتظهر مضرة ظلمة وافترائه عند سكرات الموت، وانقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس عن القالب كرهاً لتعلقها بالشهوات واللذات وطلب الرياسات، ويكون شدة النزع والهوان بحسب التعلقات ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ عن الدنيا وما يتعلق بها، أو فرادى عن تعلقات الكونين ﴿ كما خلقناكم أوّل مرة ﴾ في أوّل خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب.

﴿ وتركتم ﴾ بالتجريد عن الدنيا وبالتفريد عن الدنيا والآخرة ﴿ ما خولناكم ﴾ من تعلق الكونين ﴿ وراء ظهوركم وما نرى معكم ﴾ الأعمال والأحوال التي ظننتم أنها توصلكم إلى الله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ وبينها عند انتهاء سيركم كما انتهى سير جبريل عند سدرة المنتهى، وحينئذ لا يصل إلى الوحدة إلا بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ولو لم تدركه الجذبة المسندة إلى العناية لانقطع عن السير في الله بالله ونفى السدرة وهو يقول ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ ﴿ إن الله فالق ﴾ حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة، وفالق النوى ذكر لا إله إلا الله في أرض القلب عن شجرة الإيمان، كلمة طيبة كشجرة طيبة يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية، ومخرج الأفعال الطبيعية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحق في الدارين.

وأيضاً يخرج نخل الإيمان الحق من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله ﴿ فالق الإصباح ﴾ فالق ظلمة الجمادية بصباح العقل والحياة والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح الفهم والإدراك، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صحبة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات.

وبالجملة فالق أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية، وجاعل ليل البشرية ستراً عن ضياء شمس الروح ليسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ يعني تجلي شمس الروحانية وطلوع قمر القلب بالحساب لئلا يفسد أمر القلب والقالب.

وأيضاً تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن إفراط طلوع شموس المعارف والشهود آفة "أنا الحق وسبحاني" وفي تفريطه آفة أنا ربكم الأعلى وعبادة الهوى.

﴿ ذلك تقدير العزيز ﴾ الذي لا يهتدى إليه إلا به ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق الاهتداء إليه ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم ﴾ نجوم أنوار الغيوب في سموات القلوب ﴿ لتهتدوا بها في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية إلى عالم الربوبية.

﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ أرواحكم من روح واحد هو روح محمد  "أول ما خلق الله روحي كما خلق أجسادكم من جسد واحد هو جسد آدم أبي البشر" فمن الأرواح ما تعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح.

وأيضاً من الأرواح ما هو مستقر فيه نور صفة الإيمان وما هو مستودع فيه جذبات الحق، ومنها ما هو مستقر في أنانيته مع علو رتبته بالبقاء وما هو مستودع أنانيته بالفناء، وما هو مستقر ببقاء الحق باق وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء ﴿ قد فصلنا ﴾ دلالات الوصول في الوصال ﴿ لقوم يفقهون ﴾ إشارات القلوب ﴿ وهو الذي أنزل ﴾ من سماء العناية ﴿ ماء ﴾ الهداية ﴿ فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ من أنواع المعارف ﴿ فأخرجنا منه خضراً ﴾ طرياً من المعاني والأسرار ﴿ يخرج به ﴾ من الحقائق ما تركب بعضها فترتب بعضها على بعض ﴿ ومن النخل ﴾ يعني أصحاب الولايات من طلعها} من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين أي منهم من يكون مريئاً فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن المريدين.

﴿ وجنات ﴾ يريد أرباب الزهد والتقوى والفتوّة الذين لم يبلغوا رتبة الولاية من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع ﴿ مشتبهاً ﴾ أي متفقاً في الأصول والفروع ﴿ وغير متشابه ﴾ أي مختلفاً فيما بين العلماء ﴿ انظروا ﴾ إلى ثمر الولايات كيف ينتفع به الخواص والعوام ﴿ وينعه ﴾ أي الكامل منها.

﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ بأحوالهم وينتفعون بأموالهم وأحوالهم.

﴿ وجعلوا لله ﴾ إشارة إلى أنه كما يخرج بماء اللطف من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات كذلك يخرج بماء القهر من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ﴾ .

قيل: فالق الحب والنوى كما قال الله -  -: ﴿ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ؛ وكقوله  : ﴿ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ  ﴾ أي: خلقكم يخبر أنه خالق الحب والنوى، خص الحب [والنوى] بالذكر لما منهما خلق جميع ما في الدنيا من الأنزال والحبوب؛ كقوله  : ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ  ﴾ منذ ما خلق ما في الدنيا من البشر، فأضاف ذلك إليه؛ فعلى ذلك لما خلق هذه الأنزال كلها من الحب والنوى، ومنها أخرج، أضاف إليها ذلك، والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون ليس بإخبار عن ابتداء إنشاء، ولكن إخبار عن لطفه.

والفلق: هو الشق، يخبر أنه يشق النواة مع شدتها وصلابتها، ويخرج منها نبتاً أخضر ليناً، ما لو اجتمع كل الخلائق على إنفاذه وإخراج مثله من غير أذى يصيب ذلك النبت ما قدروا عليه، يخبر عن لطفه وقدرته، أي: من قدر على هذا لقادر على إعادة الخلق وبعثهم بعد إماتتهم وإفنائهم، وإن لم يبق لهم أثر؛ كما قدر على هذا، يعرفهم قدرته أنها غير مقدرة بقدرة الخلق وبقوتهم، بل خارجة عن قوتهم؛ لأن قوته وقدرته ذاتية أزلية بلا سبب، وقوتهم وقدرتهم بأسباب؛ وكذلك ما يشق من الورق الضعيف اللين الشجر والنخل مع شدته وصلابته، ما لو اجتمع الخلائق كلهم على شق ذلك الشجر بذلك الورق مع لينه ما قدروا عليه، يعرفهم لطفه وقدرته أنه لا يعجزه شيء.

وفيه أن ذلك فعل واحد؛ لأنه لو كان فعل عدد لكان إذا أراد هذا شقه منع الآخر عن ذلك.

وفيه أنه على تدبير خرج لا جزافاً؛ حيث اتفق ذلك في كل عام على قدر واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ .

إن الحب والنوى التي ذكر ميت، فيخرج منهما النبات الأخضر حيّاً، ثم يميت ذلك ويخرج منه حباً ونوى.

وفيه دلالة البعث بعد الموت؛ يقول: إن الذي قدر على إخراج النبات الأخضر الحي من حبة ميتة أو نواة ميتة، وليس فيها من أثر ذلك الحي شيء - لقادر أن يبعثهم ويحييهم بعد الموت، وإن لم يبق من أثر الحياة شيء، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ .

أي: ذلكم الذي يفعل ذلك هو الله -  - لا الأصنام التي تعبدونها وأشركتم في عبادتكم لله وألوهيته [أي]، أيُّ حجة تصرفكم عما ذكر؟

أي: لا حجة لكم في صرف الألوهية عنه إلى غيره، ولا صرف العبادة إلى الأصنام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ .

قيل: فأني تصرفون عما ذكر من دلالات وحدانيته وألوهيته وربوبيته.

والإفك: هو الصرف في اللغة؛ كقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا  ﴾ [أي:] لتصرفنا.

وقيل: تؤفكون: تكذبون، أي: ما الذي حملكم على الكذب؟

والكذب والصرف واحد في الحقيقة؛ لأن الكذب هو صرف قول الحق إلى الباطل، وهما واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ ﴾ .

هو يحتمل الوجهين اللذين ذكرتهما في قوله: ﴿ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ﴾ : خبر عن ابتداء خلقه.

ويحتمل الشق، أي: يشق النهار من الليل، والليل من النهار بعد ما تلف كل واحد منهما [حتى] لم يبق له أثر، ففيه دليل البعث والإحياء بعد الموت، أي: أن الذي قدر على إنشاء النهار من الليل والليل من النهار بعد ما تلف وذهب أثره - لقادر على إنشاء الخلق، وبعثهم بعد الموت وذهاب آثارهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً ﴾ .

جعل الله الليل سكناً وراحة للخلق، والنهار معاشاً لهم يعيشون فيه، وجعلهما آيتين من آيات ربوبيته ووحدانيته مسخرين، يغلبان الخلائق ويقهرانهم، ويكونون تحت سلطانهما ويجريان على سنن واحد؛ [ومجرى واحد] دل أن لهما مدبراً خالقاً عليما، ولو كانا يجريان بطباعهما لكان يختلف جريانهما، ولم يتسق، فدل اتساقهما وجريانهما مجرى واحداً أن لغير فيهما تدبيرا؛ وكذلك الشمس والقمر جعلهما مسخرين لمنافع الخلق؛ لنضج الأنزال وينعها، ولمعرفة عدد الأيام والشهور والسنين، ويجريان مجرى واحداً ومسلكاً واحداً غير مختلف؛ دلّ ذلك أنهما كانا بمدبر عليم حكيم.

وفي قوله: ﴿ فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن الإصباح هو فعل الخلق؛ لأنه مصدر أصبح، وكذلك السكن هو فعل الخلق، ثم أضاف ذلك كله إلى نفسه؛ دل أنه خالق أفعالهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ﴾ اختلف فيه؛ قال أبو عبيد: هو من الحساب، وهو جمع حساب، [يقال: حساب وحسبان]؛ مثل: شهاب وشهبان؛ وهو كقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ  ﴾ .

وقيل: حسباناً، أي: جريانا، يجريان ويدوران أبداً لا يستريحان؛ دل أنهما كانا بغير مسخرين للخلق؛ لأنهما لو كانا بطباعهما لكانا يستريحان.

وقيل: حسباناً، أي: ضياء؛ كقوله: ﴿ جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً  ﴾ ، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ .

أي: ذلك الجريان الذي ذكر، أو تلك المنافع التي جعلت فيها تقدير العزيز [العليم].

قال الحسن: العزيز: هو الذي لا يعجزه شيء، والعزيز: هو الذي [به] يعز كل عزيز.

وقال بعض أهل التأويل: العزيز: المنيع في سلطانه، المنتقم من أعدائه، العليم بمصالح الخلق وبما كان ويكون وبحوائجهم، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .

والمراد منه: الظلمات، وذكر في قوله: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ وأراد بالظلمات: الشدائد والأهوال التي تصيبهم.

ألا ترى أنه قال: ﴿ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً  ﴾ عند الشدائد والأهوال كانوا يدعون ربهم تضرعاً وخفية، على ما ذكرهم هاهنا عظيم سلطانه وقدرته لما يدفع عنهم الشدائد [وينجيهم من] الأهوال التي تنزل بهم، فالدافع عنهم ذلك هو لا الأصنام التي يعبدون [من] دون الله ويشركونها في عبادته.

ويذكر في قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ عظيم ما أنعم عليهم بما جعل لهم من السماء نجوماً ليهتدوا بها للطرق والمسالك في البحار والبراري عند اشتباهها عليهم.

وفيه دليل وحدانية الرب وتدبيره وحكمته؛ لأنه جعل في السماء أدلة يهتدون بها، ويستدلون على معرفة الطرق مع بعد ما بينهما من المسافة، وتسوية أسباب الأرض بأسباب السماء، وتعلق منافع بعضها ببعض؛ ليعلموا أنه كان بواحد مدبر عليم حكيم؛ إذ لو كان بعدد أو بمن لا تدبير له ولا حكمة، لم يحتمل ذلك، ولم يتسق ما ذكرنا؛ دل أنه كان بالواحد العليم الحكيم، مع علمهم أن الأصنام التي يعبدونها وأشركوها في عبادته لا يقدرون على ذلك، لكنهم يعبدونها ويشركونها في ألوهيته سفهاً منهم وعناداً، وبالله العصمة والتوفيق.

وفي قوله: ﴿ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا ﴾ ، وغير ذلك من الآيات التي ذكر تذكير نعمه وإحسانه إليهم ليتأدى بذلك شكرهم ويجعل السعي له.

وجائز أن يستدل به على تذكير قدرته وسلطانه: أن من قدر على ما ذكر لا يحتمل أن يعجزه شيء.

و [فيه] تذكير تدبيره وعلمه وحكمه على ما ذكرنا من اتساق الأمور والحال على أمر واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ ﴾ : [قيل: صرفنا الآيات]، أي: صرفنا كل آية إلى موضعها الذي يكون لهم دليلا عند الحاجة إليها.

وقيل: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ ﴾ \[قد\] بينا الآيات ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ، أي: لقوم ينتفعون بعلمهم وإذا انتفعوا بها صارت الآيات لهم؛ لأن من انتفع بشيء يصير ذلك له؛ لذلك ذكر لقوم يعلمون؛ لأنهم إذا لم ينتفعوا بها لم تصر الآيات لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ  ﴾ .

فيه دلالة أنه يبدئ ويعيد من غير شيء؛ لأنه أخبر أنه خلق البشر كله من نفس واحدة، والخلائق كلهم لو اجتمعوا ما احتملت الأرض، ولم تكن الخلائق بأجمعهم في تلك النفس الواحدة، دل أنه قادر على الابتداء والإعادة لا من شيء؛ إذ لم يكن لتلك النفس التي خلق الخلائق منها تقدمة شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ  ﴾ .

قال الحسن: مستقر في الآخرة بعمله الذي ختم به: إن ختم بعمل الخير يبقى أبداً في الخير، وإن ختم بشر يبقى أبداً في شر، ومستودع في أجله، ينتقل من وقت إلى وقت ومن حال إلى حال.

وقيل: مستقر في الدنيا.

ويشبه أن يكون مستقر ومستودع في كل حال وكل وقت مستقر (في) [أرحام النساء ومستودع في أصلاب الرجال، وهو قول عامة أهل التأويل، وقيل مستقر في القبر، ومستودع في الدنيا، ويشبه أن يكون ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾ ] في حال القيام حتى ينتقل إلى حال أخرى، ﴿ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ [لما هو على شرف الانتقال إلى أخرى.

وجائز أن يكون قوله ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ : مستقر] في الآخرة بالجزاء لأعمالهم التي عملوا، ومستودع في الدنيا.

ويحتمل: مستقر بالليالي، ومستودع بالنهار، والأول لبني آدم خاصة.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ، ﴿ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، والعلم ما يعرف نفسه؛ ولهذا لا يقال: الله فقيه، ويقال: عالم؛ لأنه عالم بالأشياء [بذاته لا] بأغيارها ونظائرها، [والفقيه: هو الذي يعرف الأشياء بأغيارها ونظائرها ودلائلها].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ .

يذكرهم عز وجل عظيم منته بما ينزل من السماء من الماء، ويخرج به نبات كل شيء؛ كما ذكرهم من النعم بما جعل لهم من [الشمس والنجوم؛ ليهتدوا] بها في الظلمات واشتباه الطريق، وما جعل الليل للسكون والراحة، والنهار للمعاش والتقلب، وما جعل لهم من الشمس والقمر، وجعل لهم فيهما من المنافع من نضج الأنزال والزروع وينعهما ومعرفة عدد السنين والحساب والآجال التي يجعلون للعقود، وغير ذلك من النعم التي أنعمها عليهم؛ لئلا يرجعوا شكر هذه النعم إلى غيره، ولا يتخذوا إلهاً سواه، وقد ذكرنا أن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك في إثبات الوحدانية له والألوهية لله، وإثبات الرسالة والنبوة، وإثبات البعث بعد الموت؛ لأنهم كانوا ينكرون ذلك كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ] ما بالخلق حاجة إليه؛ ليعلم أن كل ما يخرج في الأرض أصله من الماء به ينبت [مما يكون غذاء] البشر وغذاء الحيوان كلهم والطيور؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ يذكرهم عظيم ما جعل لهم في الماء من المنافع، على ما أخبر أنه به يخرج نبات كل شيء، وبه حياة كل شيء، [ثم] من الأوقات ما لو نزل من السماء ماء لم يُنبت؛ دل أنه إنما ينبت بتدبير غير لا بالماء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً ﴾ .

قيل: به يخرج أول ما يخرج خضرا يكون ابتداء كل نبت أخضر، ثم يتحول إلى لون آخر، ومنهم من قال: به يعني بالماء وهو ما يبقى أخضر لولا الماء وإلا يبس وتغير عن حال ابتدائه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً ﴾ يخبر عن لطفه وصنعه بما يخرج من الحب متراكباً بعضه على بعض، ما لو اجتمع الخلائق كلهم لم يقدروا على تركيب مثله؛ ليعلموا أن لغير في ذلك تدبيرا وصنعا.

وفيه دلالة أنه قد ينشيء الأشياء من لا شيء ولا سبب، وإن كان قد أنشأ بعضها بأسباب؛ نحو أن أخرج [من الحبة والنواة نباتاً أخضر، ولم يكن في الحب نبات ثم أخرج] من ذلك النبات الأخضر حبوباً، ولم تكن الحبوب في النبات؛ ليعلموا أنه قادر على إنشاء الأشياء لا من شيء ولا سبب.

وفيه نقض قول الدهرية في كون الأشياء في شيء واحد كما هي؛ لأنه لا يحتمل [أن يكون] عشرة آلاف نواة أو حبة [في] نواة واحدة أو في حبّة واحدة، أو تكون الشجرة مع طولها وغلظها وعظمها في نواة أو حبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّخْلِ ﴾ .

أي: يخرج من النخل طلعها بالماء، وفيه من عظيم لطفه وتدبيره أن جعل النخيل والأشجار تتشرب بعروقها الماء، ثم ينتشر [ذلك] في أصلها إلى أغصانها، ثم يخرج منه ويظهر خضراً؛ ليعلم عظيم تدبيره ولطفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ ﴾ .

قيل: القنوان: العروق يكون فيها التمر والثمار، واحدها: قنو.

وقوله - عز وجل -: ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ : قال الحسن: دانية بعضها إلى بعض مجتمعة غير متفرقة، على ما يكون من الأعناب والثمر والحبوب، فإن كان هذا فهو في الكل.

وقال بعضهم: دانية: قريبة ملتزقة بالأرض، يناله القائم والقاعد جميعاً.

وعن ابن عباس: ﴿ قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ ﴾ : قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ .

أي: أخرج بالماء جنات وكروما.

﴿ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ ﴾ قيل: أخرج بالماء - أيضاً - الزيتون والرمان [وقال بعضهم: (الزيتون والرمان)] ﴿ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ﴾ أي: يشبه ورق الزيتون في المنظر ورق الرمان.

﴿ وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ﴾ : ثمرتها في اللون والطعم، ولكن هو على الكل على كل الثمار، ولا يشبه بعضها بعضاً: منها ما يشبه ساق هذا بساق آخر والثمار والحبوب مختلف.

ومنها ما يشبه في اللون، والطعم مختلف.

ومنها ما يشبه في الطعم، واللون مختلف.

ليعلموا أن لغير في ذلك تدبيرا وصنعاً لطيفاً لم يكن كذلك بالماء؛ لأنه لو كان كذلك بالماء لكان لا يختلف كل هذا الاختلاف في اللون والطعم والساق والورق؛ دل أنه كان كذلك لغير - عليم مدبر حكيم - أنشأه على ما أراد بلطفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ﴾ : يحتمل الأمر بالنظر وجوهاً؛ أي [يحتمل]: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه أي: كيف يقلبها، ويحولها من حال إلى حال، ومن لون إلى لون، وأنه يخرج في ساعة لطيفة ما لو اجتمع الخلائق على تقديره ومعرفته أي كم خرج [وأي مقدار] خرج لم يقدروا عليه؛ ليعلموا أنه قادر على إحياء الخلق بمرة واحدة.

وفي إنزال المطر من السماء مع بعدها آية عجيبة وحكمة بالغة، وهو أن ينزله واحداً [واحداً] حتى لا يختلط بعضه ببعض مع كثرة المطر وازدحامه وبعد السماء ما لو اجتمع الخلائق على حفظ مثله ما قدروا عليه [دل] أنه كان بمدبر عليم حكيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  ﴾ .

قد ذكرنا أنها تصير آيات لمن صدق بها وآمن، وأما من عاند وكابر ولم يتأمل فيها لم يفهم [ما فيها] من عجيب آياته وعظيم منته.

وفي قوله: ﴿ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ ﴾ وجهان آخران من الحكمة: [أحدهما]: أن انظروا إلى ثمره إذا أثمر أنه أول ما يخرج يخرج على لون واحد وعلى قدر واحد وعلى طعم واحد، ثم يختلف ألوانها وطعمها وتتفاوت أقدارها؛ ليعلموا أنه كان بتدبير واحد عليم حكيم قادر على خلق الأشياء بلا سبب؛ لأنه لو كان كذلك بسبب لا بتدبير فيه كان سبب هذا كله واحداً، فيجيء أن يخرج كله على سنن واحد؛ دل أنه خالق بذاته لا بسبب.

والثاني: أن انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه أنه جعل ما يطيب منه للبشر، وعلمهم أسبابا يتخذون بها الطيبات من ذلك من نحو النضج والطبخ وغيره، وجعل لغيرهم من الحيوان كما هو خارج من الأرض؛ ليعلموا أن غيرهم من الحيوان والدواب إنما جعلهم لمنافع البشر مسخرين لهم، وأن البشر هم المقصودون في خلق الأشياء كلها، وبالله الحول والقوة، وله المنة والفضل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الله وحده هو الذي يشق الحب فيخرج منه الزرع، ويشق النوى فمخرج منه النخل يخرج الحي من الميت؛ إذ يخرج الإنسان وسائر الحيوان من النطفة، ويخرج الميت من الحي؛ إذ يخرج النطفة من الإنسان والبيضة من الدجاج، ذلكم الذي يصنع هذا هو الله الذي خلقكم، فكيف تُصرفون -أيها المشركون- عن الحق مع ما تشاهدونه من بديع صنعه؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.goq6B"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله