الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٩٩ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 179 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٩ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وهو الذي أنزل من السماء ماء ) أي بقدر مباركا ، رزقا للعباد وغياثا للخلائق ، رحمة من الله لخلقه ( فأخرجنا به نبات كل شيء ) كما قال ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) [ الأنبياء : 30 ] ( فأخرجنا منه خضرا ) أي : زرعا وشجرا أخضر ، ثم بعد ذلك يخلق فيه الحب والثمر; ولهذا قال : ( نخرج منه حبا متراكبا ) أي : يركب بعضه بعضا ، كالسنابل ونحوها ( ومن النخل من طلعها قنوان ) أي : جمع قنو وهي عذوق الرطب ) دانية ) أي : قريبة من المتناول ، كما قال علي بن أبي طلحة الوالبي ، عن ابن عباس : ( قنوان دانية ) يعني بالقنوان الدانية : قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض .
رواه ابن جرير .
قال ابن جرير : وأهل الحجاز يقولون : قنوان ، وقيس يقولون : قنوان ، وقال امرؤ القيس : فأثت أعاليه وآدت أصوله ومال بقنوان من البسر أحمرا قال : وتميم يقولون قنيان بالياء - قال : وهي جمع قنو ، كما أن ( صنوان ) جمع صنو .
وقوله : ( وجنات من أعناب ) أي : ونخرج منه جنات من أعناب ، وهذان النوعان هما أشرف عند أهل الحجاز ، وربما كانا خيار الثمار في الدنيا ، كما امتن تعالى بهما على عباده ، في قوله : ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) [ النحل : 67 ] ، وكان ذلك قبل تحريم الخمر .
وقال : ( وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب ) [ يس : 34 ] .
وقوله : ( والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه ) قال قتادة وغيره : يتشابه في الورق ، قريب الشكل بعضه من بعض ، ويتخالف في الثمار شكلا وطعما وطبعا .
وقوله : ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ) أي : نضجه ، قاله البراء بن عازب ، وابن عباس ، والضحاك ، وعطاء الخراساني ، والسدي ، وقتادة ، وغيرهم .
أي : فكروا في قدرة خالقه من العدم إلى الوجود ، بعد أن كان حطبا صار عنبا ورطبا وغير ذلك ، مما خلق تعالى من الألوان والأشكال والطعوم والروائح ، كما قال تعالى : ( وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) [ الرعد : 4 ] ولهذا قال هاهنا ( إن في ذلكم لآيات ) أي : دلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته ( لقوم يؤمنون ) أي : يصدقون به ، ويتبعون رسله .
القول في تأويل قوله : وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله الذي له العبادة خالصة لا شريك فيها لشيء سواه, (30) هو الإله الذي أنـزل من السماء ماء =" فأخرجنا به نبات كل شيء "، فأخرجنا بالماء الذي أنـزلناه من السماء من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش وأرزاق بني آدم وأقواتهم، ما يتغذون به ويأكلونه فينبتُون عليه وينمون.
وإنما معنى قوله: " فأخرجنا به نبات كل شيء "، فأخرجنا به ما ينبت به كل شيء وينمو عليه ويصلحُ.
* * * ولو قيل: معناه: فأخرجنا به نبات جميع أنواع النبات، فيكون " كل شيء "، هو أصناف النبات = كان مذهبًا، وإن كان الوجه الصحيح هو القولَ الأول.
(31) * * * وقوله: " فأخرجنا منه خضرًا "، يقول: " فأخرجنا منه "، يعني: من الماء الذي أنـزلناه من السماء =" خَضِرًا "، رطبًا من الزرع.
* * * " والخضر "، هو " الأخضر ", كقول العرب: " أرِنيهَا نَمِرة، أُرِكْها مَطِرَة ".
(32) يقال: " خَضِرَت الأرض خَضَرًا.
وخَضَارة ".
(33) و " الخضر " رطب البقول, ويقال: " نخلة خضيرة "، إذا كانت ترمي ببسرها أخضر قبل أن ينضج.
و " قد اختُضِر الرجل " و " اغْتُضِر "، إذا مات شابًّا مُصَحَّحًا.
ويقال: " هو لك خَضِرًا مَضِرًا "، أي هنيئًا مريئًا.
(34) * * * قوله: " نخرج منه حبًّا متراكبًا "، يقول: نخرج من الخضر حبًّا = يعني: ما في السنبل, سنبل الحنطة والشعير والأرز, (35) وما أشبه ذلك من السنابل التي حبُّها يركب بعضه بعضًا.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 13661 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " منه خضرًا نخرج منه حبًّا متراكبًا "، فهذا السنبل.
* * * القول في تأويل قوله : وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن النخل من طلعها قنوانه دانية، (36) = ولذلك رفعت " القِنوان ".
* * * و " القنوان " جمع " قِنْو ", كما " الصنوان " جمع " صِنْو ", وهو العِذْق, (37) يقال للواحد هو " قِنْو "، و " قُنْو " و " قَنَا "، يثنى " قِنوانِ", ويجمع " قنوانٌ" و " قُنوانٌ".
(38) قالوا في جمع قليله: " ثلاثة أقْناء ".
و " القِنوان " من لغة الحجاز, و " القُنْوان "، من لغة قيس، وقال امرؤ القيس: فَـــأَثَّتْ أَعَالِيــهِ, وَآدَتْ أُصُولُــهُ وَمَـالَ بِقِنْـوانٍ مِـنَ البُسْـرِ أَحْـمَرَا (39) و " قِنْيان "، جميعًا، وقال آخر: (40) لَهَـا ذَنَـبٌ كَـالْقِنْوِ قَـدْ مَـذِلَتْ بِـهِ وَأَسْــحَمَ لِلتَّخْطَــارِ بَعْـدَ التَّشَـذُّرِ (41) وتميم تقول: " قُنْيان " بالياء.
* * * ويعني بقوله: " دانية "، قريبة متهدّلة.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 13662 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " قنوان دانية "، يعني ب " القنوان الدانية "، قصار النخل، لاصقة عُذُوقها بالأرض.
13663 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " من طلعها قنوان دانية "، قال: عذوق متهدلة .
13664- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " قنوان دانية "، يقول: متهدلة.
13665 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن البراء في قوله: " قنوان دانية "، قال: قريبة.
13666- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن أبي إسحاق, عن البراء بن عازب: " قنوان دانية "، قال: قريبة.
13667- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " ومن النخل من طلعها قنوان دانية "، قال: الدانية، لتهدُّل العُذوق من الطلع.
13668 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " ومن النخل من طلعها قنوان دانية "، يعني النخل القصارَ الملتزقة بالأرض, و " القنوان " طلعه.
* * * القول في تأويل قوله : وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأخرجنا أيضًا جنات من أعناب = يعني: بساتينَ من أعناب.
(42) * * * واختلف القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه عامة القرأة: (وَجَنَّاتٍ) نصبًا, غير أن " التاء " كسرت، لأنها " تاء " جمع المؤنث, وهي تخفض في موضع النصب.
(43) * * * وقد:- 13669- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام, عن الكسائي قال، أخبرنا حمزة, عن الأعمش أنه قرأ: (وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ).
* * * = بالرفع، فرفع " جنات " على إتباعها " القنوان " في الإعراب, وإن لم تكن من جنسها، كما قال الشاعر: وَرَأَيْــتِ زَوْجَــكِ فِــي الـوَغَى مُتَقَلِّــــدًا سَــــيْفًا وَرُمْحَـــا (44) * * * قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز أن يقرأ ذلك إلا بها، النصبُ: (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ)، لإجماع الحجة من القرأة على تصويبها والقراءة بها، ورفضهم ما عداها, وبُعْدِ معنى ذلك من الصواب إذ قرئ رفعًا.
* * * وقوله: " والزيتون والرمان "، عطف ب " الزيتون " على " الجنات "، بمعنى: وأخرجنا الزيتونَ والرمان مشتبهًا وغير متشابه.
* * * وكان قتادة يقول في معنى " مشتبهًا وغير متشابه "، ما:- 13670 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهًا وغير متشابه "، قال: مشتبهًا ورقه, مختلفًا ثمرُه .
* * * وجائز أن يكون مرادًا به: مشتبهًا في الخلق، مختلفًا في الطعم.
(45) * * * قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: وشجر الزيتون والرمان, فاكتفى من ذكر " الشجر " بذكر ثمره, كما قيل: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ، [سورة يوسف: 82] ، فاكتفى بذكر " القرية " من ذكر " أهلها ", لمعرفة المخاطبين بذلك بمعناه.
* * * القول في تأويل قوله : انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة: (انْظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ)، بفتح " الثاء " و " الميم ".
* * * وقرأه بعض قرأة أهل مكة وعامة قرأة الكوفيين: (إلَى ثُمُرِهِ)، بضم " الثاء " و " الميم ".
* * * = فكأنّ من فتح " الثاء " و " الميم " من ذلك، وجَّه معنى الكلام: انطروا إلى ثمر هذه الأشجار التي سمينا من النخل والأعناب والزيتون والرمان إذا أثمرَ = وأن " الثمر " جمع " ثمرة ", كما " القصب "، جمع " قصبة ", و " الخشب " جمع " خشبة ".
* * * = وكأنّ من ضم " الثاء " و " الميم ", وجَّه ذلك إلى أنه جمع " ثِمَار ", كما " الحُمُر " جمع " حمار ", و " الجُرُب " جمع " جراب "، وقد:- 13671 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد, عن ابن إدريس, عن الأعمش, عن يحيى بن وثاب: أنه كان يقرأ: (إلَى ثُمُرِهِ) ، يقول: هو أصناف المال.
13672 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا محمد بن عبيد الله, عن قيس بن سعد, عن مجاهد قال: " الثُّمُر "، هو المال = و " الثمر "، ثَمَر النخل.
(46) * * * وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب, قراءة من قرأ: (انْظُرُوا إلَى ثُمُرِهِ) بضم " الثاء " و " الميم ", لأن الله جل ثناؤه وصفَ أصنافًا من المال كما قال يحيى بن وثاب، وكذلك حبّ الزرع المتراكب, وقنوان النخل الدانية, والجنات من الأعناب والزيتون والرمان, فكان ذلك أنواعًا من الثمر, فجمعت " الثمرة "" ثمرًا "، ثم جمع " الثمر "" ثمارًا ", ثم جمع ذلك فقيل: (انْظُرُوا إلَى ثُمُرِهِ), فكان ذلك جمع " الثمار " و " الثمار " جمع " الثمر " = و " إثماره "، عقدُ الثمر.
* * * وأما قوله: " وَينْعه "، فإنه نُضجه وبلوغُه حين يبلغ.
* * * وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول في" يَنْعه " إذا فتحت ياؤه، هو جمع " يانع ", كما " التَّجْر " جمع " تاجر ", و " الصحب " جمع " صاحب ".
(47) * * * وكان بعض أهل الكوفة ينكر ذلك، ويرى أنه مصدر من قولهم: " ينع الثمر فهو يَيْنع يَنْعًا "، ويحكى في مصدره عن العرب لغات ثلاثًا: " يَنْع ", و " يُنْع ", و " يَنَع ", وكذلك في" النَّضْج "" النُّضج " و " النَّضَج ".
(48) * * * وأما في قراءة من قرأ ذلك: (وَيَانِعِهِ)، فإنه يعني به: وناضجه، وبالغه.
* * * وقد يجوز في مصدره " يُنُوعًا ", ومسموع من العرب: " أينعت الثمرة تُونِع إيناعًا "، ومن لغة الذين قالوا: " ينع ", قول الشاعر: (49) فِـــي قِبَــابٍ عِنْــدَ دَسْــكَرَةٍ حَوْلَهَـــا الزَّيْتُــونُ قَــدْ يَنَعَــا (50) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 13763 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " وينعه "، يعني: إذا نضج.
13674- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه "، قال: " ينعه "، نضجه.
13675 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه "، أي نضجه.
13676- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " وينعه "، قال: نضجه.
13677 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وينعه "، يقول: ونضجه.
13678- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وينعه "، قال: يعني نضجه.
13679- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " وينعه "، قال: نضجه.
* * * القول في تأويل قوله : إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره إن في إنـزال الله من السماء الماءَ الذي أخرج به نباتَ كل شيء, والخضِرَ الذي أخرج منه الحبَّ المتراكب, وسائر ما عدَّد في هذه الآية من صنوف خلقه =" لآيات "، يقول: في ذلكم، أيها الناس، إذا أنتم نظرتم إلى ثمره عند عقد ثمره, وعند ينعه وانتهائه, فرأيتم اختلاف أحواله وتصرفه في زيادته ونموّه, علمتم أن له مدبِّرًا ليس كمثله شيء, ولا تصلح العبادة إلا له دون الآلهة والأنداد, وكان فيه حجج وبرهان وبيان (51) =" لقوم يؤمنون "، يقول: لقوم يصدقون بوحدانية الله وقدرته على ما يشاء.
وخصّ بذلك تعالى ذكره القوم الذين يؤمنون, لأنهم هم المنتفعون بحجج الله والمعتبرون بها, دون من قد طَبعَ الله على قلبه، فلا يعرف حقًّا من باطل، ولا يتبين هدًى من ضلالة.
-------------------- الهوامش : (30) في المطبوعة: "لا شركة فيها لشيء سواء" ، غير ما في المخطوطة بسوء رأي!!
(31) انظر معاني القرآن للفراء 1: 347.
(32) هذا مثل ، نسبه صاحب اللسان في (نمر) إلى أبي ذؤيب الهذلي ، ولم ينسبه في (خضر) ، ورواه الميداني في الأمثال 1: 258 ، وأبو هلال في جمهرة الأمثال: 14 ، ولم ينسباه إليه ، وأذكر أني قرأت قصته ثم افتقدتها الآن فلم أجدها.
وقوله: "نمرة" يعني ، سحابة ، وهو أن يكون سواد وبياض ونمرة ، يضرب مثلا في صحة مخيلة الشيء ، وصحة الدلالة عليه.
وذلك إذا رأيت دليل الشيء ، علمت ما يتبعه.
(33) "الخضارة" مصدر ، مثل"الغضارة" ، لم يذكر في مادته من كتب اللغة.
(34) ذكره صاحب اللسان في (خضر) ، ولم يذكره في (مضر).
و"المضر" الغض الطري.
(35) انظر تفسير"الحب" فيما سلف ص: 550.
(36) في المطبوعة والمخطوطة: "ومن النخل من طلعها قنوان دانية" ، وهو نص الآية ، وهو بيان لا يستقيم ، وإنما الصواب ما أثبت ، استظهرته من معاني القرآن للفراء 1: 347.
(37) "العذق" (بكسر فسكون): كباسة النخل وعراجينها.
(38) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 202.
(39) ديوانه: 67 ، واللسان (قنا) ، وغيرها كثير.
من قصيدته المستجادة ، وهو من أولها ، يصف ظعن الحي يشبهها بالنخل ، يقول قبله: بِعَيْنــيَّ ظُعْـنُ الحَـيِّ لَمَّـا تَحَـمَّلُوا لَـدَى جَـانِبِ الأَفْـلاجِ مِنْ جَنْبِ تَيْمرَا فَشَــبَّهْتُهُمْ فِــي الآلِ لَمَّـا تَكَمَّشُـوا حَــدَائِقَ دَوْمٍ، أوْ سَــفِينًا مُقَــيَّرَا أَوِ المُكْرِعَـاتِ مـن نَخِـيلِ ابْنِ يَامِـنٍ دُوَيْـنَ الصَّفَـا اللائِـي يَلِيـنَ المُشقّرا سَــوَامِقَ جَبَّــارٍ أَثِيــثٍ فُرُوعُـهُ وَعَـالَيْنَ قِنْوَانًـا مِـنَ البُسْـرِ أَحْـمَرَا فهذه رواية أخرى غير التي رواها أبو جعفر وغيره.
وقوله: "فأثت أعاليه": أي: عظمت والتفت من ثقل حملها.
وقوله : "آدت" ، أي تثنت ومالت.
(40) لم أعرف قائله.
(41) رواه أبو زيد في نوادره: 182 ، بيتًا مفرادًا ، وقال في تفسيره: "التشذر" ، إذا لقحت الناقة عقدت ذنبها ونصبته على عجزها من التخيل ، فذاك التشذر.
و"المذل" (بفتحتين): أن لا تحرك ذنبها.
ولم أعرف لقوله"أسحم" في هذا البيت معنى ، ورواية أبي زيد: "وأسمح" ، وهو حق المعنى فيما أرجح.
و"التخطار" ، مصدر"خطر الفحل بذنبه خطرًا وخطرانًا وخطيرًا" ، رفعه مرة بعد مرة ، وضرب به حاذيه ، وهما ما ظهر من فخذيه حيث يقع شعر الذنب.
وهذا المصدر لم يذكر في شيء من معاجم اللغة.
والمعنى: أنها أقرت ذنبها ، ثم أسمح لها بعد نشاطها وتبخترها فاسترخى.
هكذا ظننت معناه.
(42) انظر تفسير"الجنات" فيما سلف من فهارس اللغة (جنن) (43) في المطبوعة ، أسقط"في" من الكلام سهوًا.
(44) مضى البيت وتخريجه مرارًا 1: 140/6 : 423/ 10 : 408.
(45) انظر تفسير"متشابه" فيما سلف 1: 385 - 394/6 : 173.
(46) روي عن مجاهد أبين من هذا إذ قال: "هو الذهب والفضة" ، كما حكاه الفارسي عنه.
(47) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1: 202 ، وهو منسوب أيضًا إلى ابن كيسان ، كما جاء في لسان العرب (ينع).
(48) ذكر أبو جعفر في"ينع" و"نضج" مصدرًا ثالثًا غير الذي ذكره أصحاب المعاجم ، فإنهم اقتصروا في (ينع) على فتح الياء وسكون النون ، وضمها وسكون النون = واقتصروا في (نضج) على فتح النون وسكون الضاد ، وضمها وسكون الضاد.
أما هذا المصدر الثالث الذي رواه أبو جعفر ولم يضبطه ، فلم أجده في شيء من المعاجم ، وهو مما يزاد عليها ، إلا أني استظهرت ضبطه في الحرفين بفتح الياء والنون في ينع" ، وبفتح النون والضاد في"نضج".
وسيذكر أبو جعفر مصدرًا آخر بعد قليل وهو"ينوع".
(49) هذا شعر مختلف فيه من شعر يزيد بن معاوية ، ونسبه المبرد إلى الأحوص ، ونسبه الجاحظ إلى أبي دهبل ، وينسب إلى الأخطل خطأ.
(50) الحيوان 4: 10 ، الكامل 1: 226 ، أنساب الأشراف 4/2/2 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 202 ، تاريخ ابن كثير 8: 234 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 140 ، معجم ياقوت (الماطرون)؛ الخزانة 3: 279 ، العيني (هامش الخزانة 1: 149) ، واللسان (ينع) وغيرها.
من شعر يقال إن يزيد قاله في نصرانية ترهبت في دير خرب عند الماطرون ، وهو موضع بالشأم.
وهذا هو الشعر ، مع اختلاف الرواية فيه: آبَ هَــــذَا الهَـــمُّ فَاكْتَنَعَـــا وأتَــــرَّ النَّــــوْمَ فَاْمْتَنَعَـــا رَاعِيًــــا للِنَّجْــــمِ أرْقُبُـــهُ فَـــإِذَا مـــا كَــوْكَبٌ طَلَعَـــا حَـــامَ، حَـــتَّى إنَّنِـــي لأرَى أنَّـــهُ بِـــالْغَورِ قَـــدْ وَقَعَــا وَلَهَـــــا بالمَـــــاطِرُونِ إذَا أكَـــلَ النَّمْــلُ الَّــذِي جَمَعَـــا خُرْفَـــةٌ، حَـــتَّى إذَا ارْتَبَعَــتْ سَـــكَنَتْ مـــنْ جِــلَّقٍ بِيَعَــا فِـــي قِبَــابٍ حَــوْلَ دَسْــكَرةٍ حَوْلَهَـــا الزَّيْتُــونُ قَــدْ يَنَعَــا عِنْــد غَــيْري، فَــالْتَمِسْ رَجُـلا يــــأكُلُ التَّنُّـــوَم والسَّـــلَعَا ذَاكَ شَــــيءٌ لَسْـــتُ آكُلُـــهُ وَأرَاهُ مَــــــأْكَلا فَظِعَــــــا "اكتنع الهم" ، دنا دنوًّا شديدا.
و"أتر النوم" أبعده ، والرواية المشهورة و"أمر النوم" من المرارة.
وقوله: "أكل النمل الذي جمعا" ، يعني زمن الشتاء.
و"الخرفة" ما يجتنى من الفاكهة.
و"ارتبعت" دخلت في الربيع.
و"جلق" قرية من قرى دمشق.
و"البيع" جمع"بيعة" (بكسر الباء) ، وهي كنيسة اليهود أو النصارى ، و"الدسكرة" بناء كالقصر ، كانت الأعاجم تتخذه للشرب والملاهي.
و"التنوم" و"السلع" نباتان ، تأكلها جفاة أهل البادية.
و"فظع" ، فظيع يستبشعه آكله.
ورواية البلاذري للبيت: فِـــي جِنَـــانٍ ثَـــمَّ مُؤْنِقَــةٍ حَوْلَهَـــا الزَّيْتُــونُ قَــدْ يَنَعَــا (51) انظر تفسير"آية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).
وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنونفيه سبع مسائل :الأولى قوله تعالى وهو الذي أنزل من السماء ماء أي المطر .فأخرجنا به نبات كل شيء أي كل صنف من النبات .
وقيل : رزق كل حيوان .فأخرجنا منه خضرا قال الأخفش : أي أخضر ; كما تقول العرب : أرنيها نمرة أركها مطرة .
والخضر رطب البقول .
وقال ابن عباس : يريد القمح والشعير والسلت والذرة والأرز وسائر الحبوب .نخرج منه حبا متراكبا أي يركب بعضه على بعض كالسنبلة .الثانية قوله تعالى ومن النخل من طلعها قنوان دانية ابتداء وخبر .
وأجاز الفراء في غير القرآن " قنوانا دانية " على العطف على ما قبله .
قال سيبويه : ومن العرب من يقول : قنوان .
قال الفراء : هذه لغة قيس ، وأهل الحجاز يقولون : قنوان ، وتميم يقولون : قنيان ; ثم يجتمعون في الواحد فيقولون : قنو وقنو .
والطلع : الكفرى قبل أن ينشق عن الإغريض .
والإغريض يسمى طلعا أيضا .
والطلع ما يرى من عذق النخلة .
والقنوان : جمع قنو ، وتثنيته قنوان كصنو وصنوان " بكسر النون " .
وجاء الجمع على لفظ الاثنين .
قال الجوهري وغيره : الاثنان صنوان والجمع صنوان " برفع النون " .
والقنو : العذق والجمع القنوان والأقناء ; قال :طويلة الأقناء والأثاكل[ ص: 45 ] غيره : " أقناء " جمع القلة .
قال المهدوي : قرأ ابن هرمز " قنوان " بفتح القاف ، وروي عنه ضمها .
فعلى الفتح هو اسم للجمع غير مكسر ، بمنزلة ركب عند سيبويه ، وبمنزلة الباقر والجامل ; لأن فعلان ليس من أمثلة الجمع ، وضم القاف على أنه جمع قنو وهو العذق " بكسر العين " وهي الكباسة ، وهي عنقود النخلة .
والعذق " بفتح العين " النخلة نفسها .
وقيل : القنوان الجمار .دانية : قريبة ، ينالها القائم والقاعد .
عن ابن عباس والبراء بن عازب وغيرهما .
وقال الزجاج : منها دانية ومنها بعيدة ; فحذف ; ومثله : سرابيل تقيكم الحر .
وخص الدانية بالذكر ، لأن من الغرض في الآية ذكر القدرة والامتنان بالنعمة ، والامتنان فيما يقرب متناوله أكثر .الثالثة : قوله تعالى : وجنات من أعناب أي وأخرجنا جنات .
وقرأ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والأعمش ، وهو الصحيح من قراءة عاصم " وجنات " بالرفع .
وأنكر هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم ، حتى قال أبو حاتم : هي محال ; لأن الجنات لا تكون من النخل .
قال النحاس : والقراءة جائزة ، وليس التأويل على هذا ، ولكنه رفع بالابتداء والخبر محذوف ; أي ولهم جنات .
كما قرأ جماعة من القراء " وحور عين " .
وأجاز مثل هذا سيبويه والكسائي والفراء ; ومثله كثير .
وعلى هذا أيضا " وحورا عينا " حكاه سيبويه ، وأنشد :جئني بمثل بني بدر لقومهم أو مثل أسرة منظور بن سياروقيل : التقدير وجنات من أعناب أخرجناها ; كقولك : أكرمت عبد الله وأخوه ، أي وأخوه أكرمت أيضا .
فأما الزيتون والرمان فليس فيه إلا النصب للإجماع على ذلك .
وقيل : " وجنات " بالرفع عطف على قنوان لفظا ، وإن لم تكن في المعنى من جنسها .والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه أي متشابها في الأوراق ; أي ورق الزيتون يشبه ورق الرمان في اشتماله على جميع الغصن وفي حجم الورق ، وغير متشابه في الذواق ; عن قتادة وغيره .
قال ابن جريج : متشابها في النظر وغير متشابه في الطعم ; مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف .
وخص الرمان والزيتون بالذكر لقربهما منهم ومكانهما عندهم .
وهو كقوله : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت .
ردهم إلى الإبل لأنها أغلب ما يعرفونه .[ ص: 46 ] الرابعة : قوله تعالى انظروا إلى ثمره إذا أثمر أي نظر الاعتبار لا نظر الإبصار المجرد عن التفكر .
والثمر في اللغة جنى الشجر .
وقرأ حمزة والكسائي " ثمره " بضم الثاء والميم .
والباقون بالفتح فيهما جمع ثمرة ، مثل بقرة وبقر وشجرة وشجر .
قال مجاهد الثمر أصناف المال ، والثمر ثمر النخل .
وكأن المعنى على قول مجاهد : انظروا إلى الأموال التي يتحصل منه الثمر ; فالثمر بضمتين جمع ثمار وهو المال المثمر .
وروي عن الأعمش " ثمره " بضم الثاء وسكون الميم ; حذفت الضمة لثقلها طلبا للخفة .
ويجوز أن يكون ثمر جمع ثمرة مثل بدنة وبدن .
ويجوز أن يكون ثمر جمع جمع ، فتقول : ثمرة وثمار وثمر مثل حمار وحمر .
ويجوز أن يكون جمع ثمرة كخشبة وخشب لا جمع الجمع .الخامسة : قوله تعالى وينعه قرأ محمد بن السميقع " ويانعه " .
وابن محيصن وابن أبي إسحاق " وينعه " بضم الياء .
قال الفراء : هي لغة بعض أهل نجد ; يقال : ينع الثمر يينع ، والثمر يانع .
وأينع يونع والثمر مونع .
والمعنى : ونضجه .
ينع وأينع إذا نضج وأدرك .
قال الحجاج في خطبته : أرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها .
قال ابن الأنباري : الينع جمع يانع ، كراكب وركب ، وتاجر وتجر ، وهو المدرك البالغ .
وقال الفراء : أينع أكثر من ينع ، ومعناه أحمر ; ومنه ما روي في حديث الملاعنة إن ولدته أحمر مثل الينعة وهي خرزة حمراء ، يقال : إنه العقيق أو نوع منه .
فدلت الآية لمن تدبر ونظر ببصره وقلبه ، نظر من تفكر ، أن المتغيرات لا بد لها من مغير ; وذلك أنه تعالى قال : انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه .
فتراه أولا طلعا ثم إغريضا إذا انشق عنه الطلع .
والإغريض يسمى ضحكا أيضا ، ثم بلحا ، ثم سيابا ، ثم جدالا إذ اخضر واستدار قبل أن يشتد ، ثم بسرا إذا عظم ، ثم زهوا إذا احمر ; يقال : أزهى يزهي ، ثم موكتا إذا بدت فيه نقط من الإرطاب .
فإن كان ذلك من قبل الذنب فهي مذنبة ، وهو التذنوب ، فإذا لانت فهي ثعدة ، فإذا بلغ الإرطاب نصفها فهي مجزعة ، فإذا بلغ ثلثيها فهي حلقانة ، فإذا عمها الإرطاب فهي منسبتة ; يقال : رطب منسبت ، ثم ييبس فيصير تمرا .
فنبه الله تعالى بانتقالها من حال إلى حال وتغيرها ووجودها بعد أن لم تكن بعد على وحدانيته وكمال قدرته ، وأن لها صانعا قادرا عالما .
ودل على جواز البعث ; لإيجاد النبات بعد الجفاف .
قال الجوهري : ينع الثمر يينع ويينع ينعا وينوعا ، أي نضج .السادسة : قال ابن العربي قال مالك : الإيناع الطيب بغير فساد ولا نقش .
قال مالك : والنقش أن ينقش أهل البصيرة الثمر حتى يرطب ; يريد يثقب فيه بحيث يسرع دخول الهواء إليه فيرطب معجلا .
فليس ذلك الينع المراد في القرآن ، ولا هو الذي ربط به رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع ، [ ص: 47 ] وإنما هو ما يكون من ذاته بغير محاولة .
وفي بعض بلاد التين ، وهي البلاد الباردة ، لا ينضج حتى يدخل في فمه عود قد دهن زيتا ، فإذا طاب حل بيعه ; لأن ذلك ضرورة الهواء وعادة البلاد ، ولولا ذلك ما طاب في وقت الطيب .
قلت : وهذا الينع الذي يقف عليه جواز بيع التمر وبه يطيب أكلها ويأمن من العاهة ، هو عند طلوع الثريا بما أجرى الله سبحانه من العادة وأحكمه من العلم والقدرة .
ذكر المعلى بن أسد عن وهيب عن عسل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلعت الثريا صباحا رفعت العاهة عن أهل البلد .
والثريا النجم ، لا خلاف في ذلك .
وطلوعها صباحا لاثنتي عشرة ليلة تمضي من شهر أيار ، وهو شهر مايو .
وفي البخاري : وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر .السابعة : وقد استدل من أسقط الجوائح في الثمار بهذه الآثار ، وما كان مثلها من نهيه عليه السلام عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها ، وعن بيع الثمار حتى تذهب العاهة .
قال عثمان بن سراقة : فسألت ابن عمر متى هذا ؟
فقال : طلوع الثريا .
قال الشافعي : لم يثبت عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح ، ولو ثبت عندي لم أعده ، والأصل المجتمع عليه أن كل من ابتاع ما يجوز بيعه وقبضه كانت المصيبة منه ، قال : ولو كنت قائلا بوضع الجوائح لوضعتها في القليل والكثير .
وهو قول الثوري والكوفيين .
وذهب مالك وأكثر أهل المدينة إلى وضعها ; لحديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح .
أخرجه مسلم .
وبه كان يقضي عمر بن عبد العزيز ، وهو قول أحمد بن حنبل وسائر أصحاب الحديث .
وأهل الظاهر وضعوها عن المبتاع في القليل والكثير على عموم الحديث ; إلا أن مالكا وأصحابه اعتبروا أن تبلغ الجائحة ثلث الثمرة فصاعدا ، وما كان دون الثلث ألغوه وجعلوه تبعا ، إذ لا تخلو ثمرة من أن يتعذر القليل من طيبها وأن يلحقها في اليسير منها فساد .
وكان أصبغ وأشهب لا ينظران إلى الثمرة ولكن إلى القيمة ، فإذا كانت القيمة الثلث فصاعدا وضع عنه .
والجائحة ما لا يمكن [ ص: 48 ] دفعه عند ابن القاسم .
وعليه فلا تكون السرقة جائحة ، وكذا في كتاب محمد .
وفي الكتاب أنه جائحة ، وروي عن ابن القاسم ، وخالفه أصحابه والناس .
وقال مطرف وابن الماجشون : ما أصاب الثمرة من السماء من عفن أو برد ، أو عطش أو حر أو كسر الشجر بما ليس بصنع آدمي فهو جائحة .
واختلف في العطش ; ففي رواية ابن القاسم هو جائحة .
والصحيح في البقول أنها فيها جائحة كالثمرة .
ومن باع ثمرا قبل بدو صلاحه بشرط التبقية فسخ بيعه ورد ; للنهي عنه ; ولأنه من أكل المال بالباطل ; لقوله عليه السلام : أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق ؟
هذا قول الجمهور ، وصححه أبو حنيفة وأصحابه وحملوا النهي على الكراهة .
وذهب الجمهور إلى جواز بيعها قبل بدو الصلاح بشرط القطع .
ومنعه الثوري وابن أبي ليلى تمسكا بالنهي الوارد في ذلك .
وخصصه الجمهور بالقياس الجلي ; لأنه مبيع معلوم يصح قبضه حالة العقد فصح بيعه كسائر المبيعات .
وهذا من أعظم مننه العظيمة، التي يضطر إليها الخلق، من الآدميين وغيرهم، وهو أنه أنزل من السماء ماء متتابعا وقت حاجة الناس إليه، فأنبت الله به كل شيء، مما يأكل الناس والأنعام، فرتع الخلق بفضل الله، وانبسطوا برزقه، وفرحوا بإحسانه، وزال عنهم الجدب واليأس والقحط، ففرحت القلوب، وأسفرت الوجوه، وحصل للعباد من رحمة الرحمن الرحيم، ما به يتمتعون وبه يرتعون، مما يوجب لهم، أن يبذلوا جهدهم في شكر من أسدى النعم، وعبادته والإنابة إليه، والمحبة له.
ولما ذكر عموم ما ينبت بالماء، من أنواع الأشجار والنبات، ذكر الزرع والنخل، لكثرة نفعهما وكونهما قوتا لأكثر الناس فقال: { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ } أي: من ذلك النبات الخضر، { حَبًّا مُتَرَاكِبًا } بعضه فوق بعض، من بر، وشعير، وذرة، وأرز، وغير ذلك، من أصناف الزروع، وفي وصفه بأنه متراكب، إشارة إلى أن حبوبه متعددة، وجميعها تستمد من مادة واحدة، وهي لا تختلط، بل هي متفرقة الحبوب، مجتمعة الأصول، وإشارة أيضا إلى كثرتها، وشمول ريعها وغلتها، ليبقى أصل البذر، ويبقى بقية كثيرة للأكل والادخار.
{ وَمِنَ النَّخْلِ } أخرج الله { مِنْ طَلْعِهَا } وهو الكفرى، والوعاء قبل ظهور القنو منه، فيخرج من ذلك الوعاء { قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ } أي: قريبة سهلة التناول، متدلية على من أرادها، بحيث لا يعسر التناول من النخل وإن طالت، فإنه يوجد فيها كرب ومراقي، يسهل صعودها.
{ و } أخرج تعالى بالماء { جنات مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ } فهذه من الأشجار الكثيرة النفع، العظيمة الوقع، فلذلك خصصها الله بالذكر بعد أن عم جميع الأشجار والنوابت.
وقوله { مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } يحتمل أن يرجع إلى الرمان والزيتون، أي: مشتبها في شجره وورقه، غير متشابه في ثمره.
ويحتمل أن يرجع ذلك، إلى سائر الأشجار والفواكه، وأن بعضها مشتبه، يشبه بعضه بعضا، ويتقارب في بعض أوصافه، وبعضها لا مشابهة بينه وبين غيره، والكل ينتفع به العباد، ويتفكهون، ويقتاتون، ويعتبرون، ولهذا أمر تعالى بالاعتبار به، فقال: { انْظُرُوا } نظر فكر واعتبار { إِلَى ثَمَرِهِ } أي: الأشجار كلها، خصوصا: النخل { إذا أثمر } { وَيَنْعِهِ } أي: انظروا إليه، وقت إطلاعه، ووقت نضجه وإيناعه، فإن في ذلك عبرا وآيات، يستدل بها على رحمة الله، وسعة إحسانه وجوده، وكمال اقتداره وعنايته بعباده.
ولكن ليس كل أحد يعتبر ويتفكر وليس كل من تفكر، أدرك المعنى المقصود، ولهذا قيد تعالى الانتفاع بالآيات بالمؤمنين فقال: { إِنَّ فِي ذَلِكَم لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فإن المؤمنين يحملهم ما معهم من الإيمان، على العمل بمقتضياته ولوازمه، التي منها التفكر في آيات الله، والاستنتاج منها ما يراد منها، وما تدل عليه، عقلا، وفطرة، وشرعا.
( وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ) أي : بالماء ، ( نبات كل شيء فأخرجنا منه ) أي من الماء ، وقيل : من النبات ، ( خضرا ) يعني : أخضر ، مثل العور والأعور ، يعني : ما كان رطبا أخضر مما ينبت من القمح والشعير ونحوهما ، ( نخرج منه حبا متراكبا ) أي متراكما بعضه على بعض ، مثل سنابل البر والشعير والأرز وسائر الحبوب ، ( ومن النخل من طلعها ) والطلع أول ما يخرج من ثمر النخل ، ( قنوان ) جمع قنو وهو العذق ، مثل صنو وصنوان ، ولا نظير لهما في الكلام ، ( دانية ) أي : قريبة المتناول ينالها القائم والقاعد ، وقال مجاهد : متدلية ، وقال الضحاك : قصار ملتزقة بالأرض ، وفيه اختصار معناه : ومن النخل ما قنوانها دانية ومنها ما هي بعيدة ، فاكتفى بذكر القريبة عن البعيدة لسبقه إلى الأفهام ، كقوله تعالى : " سرابيل تقيكم الحر " ( النمل ، 81 ) يعني : الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما ( وجنات من أعناب ) أي : وأخرجنا منه جنات ، وقرأ الأعمش عن عاصم " وجنات " بالرفع نسقا على قوله " قنوان " وعامة القراء على خلافه ، ( والزيتون والرمان ) يعني : وشجر الزيتون [ وشجر ] الرمان ، ( مشتبها وغير متشابه ) قال قتادة : معناه مشتبها ورقها مختلفا ثمرها ، لأن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان ، وقيل : مشتبه في المنظر مختلف في الطعم ، ( انظروا إلى ثمره ) قرأ حمزة والكسائي بضم الثاء والميم ، هذا وما بعده وفي " يس " على جمع الثمار ، وقرأ الآخرون [ بفتحهما ] على جمع الثمرة ، مثل : بقرة وبقر ، ( إذا أثمر وينعه ) ونضجه وإدراكه ، ( إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ) .
«وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا» فيه التفات عن الغيبة «به» بالماء «نبات كل شيء» ينبت «فأخرجنا منه» أي النبات شيئا «خَضِرا» بمعنى أخضر «نخرج منه» من الخضر «حبا متراكبا» يركب بعضه بعضا كسنابل الحنطة ونحوها «ومن النخل» خبر ويبدل منه «من طلعها» أول ما يخرج منها والمبتدأ «قنوان» عراجين «دانية» قريب بعضها من بعض «و» أخرجنا به «جناتِ» بساتين «من أعناب والزيتون والرمان مشتبها» ورقهما حال «وغير متشابه» ثمرها «انظروا» يا مخاطبون نظر اعتبار «إلى ثمره» بفتح الثاء والميم وبضمهما وهو جمع ثمرة كشجرة وشجر وخشبة وخشب «إذا أثمر» أول ما يبدو كيف هو «و» إلى «ينعه» نضجه إذا أدرك كيف يعود «إن في ذلكم لآيات» دلالات على قدرته تعالى على البعث وغيره «لقوم يؤمنون» خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الإيمان بخلاف الكافرين.
والله سبحانه هو الذي أنزل من السحاب مطرًا فأخرج به نبات كل شيء، فأخرج من النبات زرعًا وشجرًا أخضر، ثم أخرج من الزرع حَبًّا يركب بعضه بعضًا، كسنابل القمح والشعير والأرز، وأخرج من طلع النخل -وهو ما تنشأ فيه عذوق الرطب- عذوقًا قريبة التناول، وأخرج سبحانه بساتين من أعناب، وأخرج شجر الزيتون والرمان الذي يتشابه في ورقه ويختلف في ثمره شكلا وطعمًا وطبعًا.
انظروا أيها الناس إلى ثمر هذا النبات إذا أثمر، وإلى نضجه وبلوغه حين يبلغ.
إن في ذلكم - أيها الناس - لدلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته لقوم يصدقون به تعالى ويعملون بشرعه.
ثم ساق - سبحانه - حجة خامسة تدل دلالة واضحة على كمال قدرته وعلمه ورحمته وإحسانه إلى خلقه فقال - تعالى - :{ وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ } .أى : وهو - سبحانه - الذى أنزل من السحاب ماء فأخرجنا بسبب ذلك كل صنف من أصناف النبات والثمار المختلفة فى الكم والكيف والطعوم والألوان ، قال - تعالى -{ وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } وسمى السحاب سماء لأن العرب تسمى كل ما علا سماء ، و نزول الماء من السحاب قد جاء صريحاً فى مثل قوله - تعالى - { أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون } و { مِنَ } فى قوله { مِنَ السمآء } ابتدائية ، لأن ماء المطر يتكون فى طبقات الجو العليا البادرة عند تصاعد البخار الأرضى إليها فيصير البخار كثيفا وهو السحاب ثم يتحول إلى ماء ، والباء فى { بِهِ } للسببية .
حيث جعل الله - تعالى - الماء سبباً فى خروج النبات ، والفاء فى قوله { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } للتفريع و { أَخْرَجْنَا } عطف على { أَنزَلَ } والالتفات إلى التكلم إظهار لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله .ثم شرع - سبحانه - فى تفصيل ما أجمل من الإخراج فقال : { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً } أى : فأخرجنا من النبات الذى لا ساق له نباتا غضا أخر ، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة ، وخضر بمعنى أخضر اسم فاعل .
يقال " خضر الزرع - من باب فرح - وأخضر ، فهو خضر وأخضر .وقوله { نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً } .
أى : نخرج من هذا النبات الخضر { حَبّاً مُّتَرَاكِباً } أى : متراكما بعضه فوق بعض كما فى الحنطة والشعير وسائر الحبوب ، يقال : ركبه - كسمعه - ركوباً ومراكباً .
أى : علاه .وجملة { نُّخْرِجُ مِنْهُ } صفة لقوله " خضرا " .
وعبر عنها بصيغة المضارع لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة لأن إخراج الحب المتراكب من هذا الخضر الغض يدعو إلى التأمل والإعجاب بمظاهر قدرة الله .وبعد أن ذكر - سبحانه - ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من النوى فقال : { وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ } .الطلع : أول ما يبدو ويخرج من تمر النخل كالكيزان .
وقشره يسمى الكفرى؛ وما فى داخله يسمى الإغريق لبياضه .والقنوان : جمع قنو وهو العرجون بما فيه الشماريخ ، وهو ومثناه سواه لا يفرق بينهما إلا فى الإعراب .
أى : ونخرج بقدرتنا من طلع النخل قنوان دانية القطوف ، سهلة التناول أو بعضها دان قريب من بعض لكثرة حملها .قال صاحب الكشاف : و { قِنْوَانٌ } رفع بالابتداء ، و { مِنَ النخل } خبره و { ِن طَلْعِهَا } بدل منه .
كأنه قيل : وحاصلة من طلع النخل قنوان دانية .
وذكر القريبة وترك ذكر البعيدة ، لأن النعمة فيها أظهر وأدل ، واكتفى بذكر القريبة على ذكر البعيدة كقوله : { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } وقوله : { وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ } معطوف على { نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ } أى : فأخرجنا بهذا الماء نبات كل شىء وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب .وجعله : بعضهم عطفاً على { خَضِراً } .
وقيل هو معطوف على { حَبّاً } .وقوله : { والزيتون والرمان } منصوب على الاختصاص أى : وأخص من نبات كل شىء الزيتون والرمان ، وقيل معطوف على { نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ } .قال الآلوسى : وقوله : { مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } إما حال من الزيتون لسبقه اكتفى به عن حال ما عطف عليه وهو الرمان والتقدير : والزيتون مشتبها وغير متشابه والرمان كذلك ، وإما حال من الرمان لقربه ويقدر مثله فى الأول .وأياما كان ففى الكلام مضاف مقدر وهو بعض .
أى بعض ذلك مشتبهاً وبعضه غير متشابه فى الهيئة والمقدار واللون والطعم وغير ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعها ، وحكمة منشئها ومبدعها كما قال - تعالى - { يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل } ثم أمر الله عباده أن يتأملوا فى بديع صنعه فقال : { انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } أى : انظروا نظر تأمل واعتبار إلى ثمار كل واحد مما ذكرنا حال ابتدائه حين يكون ضئيلا ضعيفاً لا يكاد ينتفع به ، وحال ينعه أى : نضجه كيف يصير كبيراً أو جامعاً لألوان من المنافع والملاذ .يقال : أينعت الثمرة إذا نضجت .وقوله { إِنَّ فِي ذلكم لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أى : إن فى ذلكم الذى ذكرناه من أنواع النبات والثمار ، وذلكم الذى أمرتم بالنظر إليه لدلائل عظيمة على وجود القادر الحكيم لقوم يصدقون بأن الذى أخرج هذا النبات وهذه الثمار لهو المستحق للعبادة دون ما سواه أو هو القادر على أن يحيى الموتى ويبعثهم .قال الشيخ القاسمى : قال بعضهم : القوم كانوا ينكرون البعث فاحتج عليهم بتعريف ما خلق ونقله من حال إلى حال وهو ما يعلمونه قطعاً ويشاهدونه من إحياء الأرض بعد موتها ، وإخراج أنواع النبات والثمار منها .
وأنه لا يقدر على ذلك أحد إلى الله - تعالى - فبين أنه - سبحانه - كذلك قادر على إنشائهم من نفوسهم وأبدانهم ، وعلى البعث بإنزال المطر من السماء ، ثم إنبات الأجساد كالنبات ، ثم جعلها خضرة بالحياة ثم تصوير الأعمال بصورة كثيرة ، وإفادة أمور زائدة وتفريعها ، وإعطاء أطعمة مشتبهة فى الصورة غير متشابهة فى اللذة جزاء عليها " .هذا وقد أفاض الإمام الرازى - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية فى بيان مظاهر قدرة الله وكمال رحمته وحكمته فقال ما ملخصه :" اعلم أنه - تعالى - ذكره هنا أربعة أنواع من الأشجار : النخل والعنب والزيتون والرمان .
وإنما قدم الزرع على الشجر لأن الزرع غذاء ، وثمار الأشجار فواكه ، والغذاء مقدم على الفاكهة ، وإنما قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يجرى مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب .
وإنما ذكر العنب عقيب النخيل ، لأن العنب أشرف أنواع الفواكه ، وذلك لأنه من أول ما يظهر يصير منتفعاً به إلى آخر الحال .وأما الزيتون فهو - أيضاً - كثير النفع لأنه يمكن تناوله كما هو وينفصل - أيضاً - عنه دهن كثير عظيم النفع .
وأما الرمان فحاله عجيب جداً .
واعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفى بشرحها مجلدات ، فلهذا السبب ذكر - سبحانه - هذه الأقسام الأربعة التى هى أشرف أنواع النبات ، واكتفى بذكرها تنبيهاً على البواقى .ثم قال : وقد أمر - سبحانه - بالنظر فى حال ابتداء الثمر ونضجه لأن هذا هو موضوع الاستدلال ، والحجة التى هى تمام المقصود من هذه الآية وذلك لأن هذه الثمار والأزهار تتولد فى أول حدوثها عن صفات مخصوصة وعند تمامها لا تبقى على حالاتها الأولى بل تنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال السابقة مثل أنها كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة وكانت موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة ، وربما كانت فى أول الأمر باردة بحسب الطبيعة فتصير فى آخر أمرها حارة بحسب الطبيعة - أيضاً - فحصول هذه المتبدلات والمتغيرات لا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك ، لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة ، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون أسباباً لحدوث الحوادث المختلفة .
ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسناده إلى القادر المختار الحكيم الرحيم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة ، والمصلحة الحكيمة " .
اعلم أن هذا النوع الخامس من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ورحمته ووجوه إحسانه إلى خلقه.
واعلم أن هذه الدلائل كما أنها دلائل فهي أيضاً نعم بالغة، وإحسانات كاملة، والكلام إذا كان دليلاً من بعض الوجوه، وكان إنعاماً وأحساناً من سائر الوجوه.
كان تأثيره في القلب عظيماً، وعند هذا يظهر أن المشتغل بدعوة الخلق إلى طريق الحق لا ينبغي أن يعدل عن هذه الطريقة.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء ﴾ يقتضي نزول المطر من السماء، وعند هذا اختلف الناس، فقال أبو علي الجبائي في تفسيره: إنه تعالى ينزل الماء من السماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض.
قال لأن ظاهر النص يقتضي نزول المطر من السماء، والعدول عن الظاهر إلى التأويل، إنما يحتاج إليه عند قيام الدليل على أن إجراء اللفظ على ظاهره غير ممكن، وفي هذا الموضع لم يقم دليل على امتناع نزول المطر من السماء، فوجب إجراء اللفظ على ظاهره.
وأما قول من يقول: إن البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الأرض.
ثم تصعد وترتفع إلى الهواء، فينعقد الغيم منها ويتقاطر، وذلك هو المطر، فقد احتج الجبائي على فساده من وجوه: الأول: أن البرد قد يوجد في وقت الحر، بل في صميم الصيف، ونجد المطر في أبرد وقت ينزل غير جامد، وذلك يبطل قولهم.
ولقائل أن يقول: إن القوم يجيبون عنه فيقولون: لا شك أن البخار أجزاء مائية وطبيعتها البرد، ففي وقت الصيف يستولي الحر على ظاهر السحاب، فيهرب البرد إلى باطنه، فيقوى البرد هناك بسبب الاجتماع، فيحدث البرد، وأما في وقت برد الهواء يستولي البرد على ظاهر السحاب، فلا يقوى البرد في باطنه، فلا جرم لا ينعقد جمداً بل ينزل ماء، هذا ما قالوه.
ويمكن أن يجاب عنه بأن الطبقة العالية من الهواء باردة جداً عندكم، فإذا كان اليوم يوماً بارداً شديد البرد في صميم الشتاء، فتلك الطبقة باردة جداً، والهواء المحيط بالأرض أيضاً بارد جداً، فوجب أن يشتد البرد، وأن لا يحدث المطر في الشتاء البتة، وحيث شاهدنا أنه قد يحدث فسد قولكم، والله أعلم.
الحجة الثانية: مما ذكره الجبائي أنه قال: إن البخارات إذا ارتفعت وتصاعدت تفرقت وإذا تفرقت لم يتولد منها قطرات الماء، بل البخار إنما يجتمع إذا اتصل بسقف متصل أملس كسقوف الحمامات المزججة.
أما إذا لم يكن كذلك لم يسل منه ماء كثير، فإذا تصاعدت البخارات في الهواء، وليس فوقها سطح أملس متصل به تلك البخارات، وجب أن لا يحصل منها شيء من الماء.
ولقائل أن يقول: القوم يجيبون عنه: بأن هذه البخارات إذا تصاعدت وتفرقت، فإذا وصلت عند صعودها وتفرقها إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت، والبرد يوجب الثقل والنزول، فبسبب قوة ذلك البرد عادت من الصعود إلى النزول، والعالم كروي الشكل، فلما رجعت من الصعود إلى النزول، فقد رجعت من فضاء المحيط إلى ضيق المركز، فتلك الذرات بهذا السبب تلاصقت وتواصلت، فحصل من اتصال بعض تلك الذرات بعض قطرات الأمطار.
الحجة الثالثة: ما ذكره الجبائي قال: لو كان تولد المطر من صعود البخارات، فالبخارات دائمة الارتفاع من البحار، فوجب أن يدوم هناك نزول المطر، وحيث لم يكن الأمر كذلك، علمنا فساد قولهم.
قال: فثبت بهذه الوجوه، أنه ليس تولد المطر من بخار الأرض، ثم قال: والقوم إنما احتاجوا إلى هذا القول، لأنهم اعتقدوا أن الأجسام قديمة، وإذا كانت قديمة امتنع دخول الزيادة والنقصان فيها، وحينئذ لا معنى لحدوث الحوادث إلا اتصاف تلك الذرات بصفة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخرى، فلهذا السبب احتالوا في تكوين كل شيء عن مادة معينة، وأما المسلمون.
فلما اعتقدوا أن الأجسام محدثة، وأن خالق العالم فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد، فعند هذا لا حاجة إلى استخراج هذه التكلفات، فثبت أن ظاهر القرآن يدل في هذه الآية على أن الماء إنما ينزل من السماء، ولا دليل على امتناع هذا الظاهر، فوجب القول بحمله على ظاهره، ومما يؤكد ما قلناه: أن جميع الآيات ناطقة بنزول المطر من السماء.
قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ وقال: ﴿ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ ﴾ وقال: ﴿ وَيُنَزّلُ مِنَ السماء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ فثبت أن الحق، أنه تعالى ينزل المطر من السماء بمعنى أنه يخلق هذه الأجسام في السماء.
ثم ينزلها إلى السحاب.
ثم من السحاب إلى الأرض.
والقول الثاني: المراد إنزال المطر من جانب السماء ماء.
والقول الثالث: أنزل من السحاب ماء وسمى الله تعالى السحاب سماء، لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت، فهذا ما قيل في هذا الباب.
المسألة الثانية: نقل الواحدي في البسيط عن ابن عباس: يريد بالماء هاهنا المطر ولا ينزل نقطة من المطر إلا ومعها ملك، والفلاسفة يحملون ذلك الملك على الطبيعة الحالة في تلك الجسمية الموجبة لذلك النزول، فأما أن يكون معه ملك من ملائكة السموات، فالقول به مشكل والله أعلم.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَيء ﴾ فيه أبحاث: البحث الأول: ظاهر قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَيء ﴾ يدل على أنه تعالى إنما أخرج النبات بواسطة الماء، وذلك يوجب القول بالطبع والمتكلمون ينكرونه، وقد بالغنا في تحقيق هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ فلا فائدة في الإعادة.
البحث الثاني: قال الفراء: قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَيء ﴾ ظاهره يقتضي أن يكون لكل شيء نبات.
وليس الأمر كذلك، فكان المراد فأخرجنا به نبات كل شيء له نبات، فإذا كان كذلك، فالذي لا نبات له لا يكون داخلاً فيه.
البحث الثالث: قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ ﴾ بعد قوله: ﴿ أَنَزلَ ﴾ يسمى التفاتاً.
ويعد ذلك من الفصاحة.
واعلم أن أصحاب العربية ادعوا أن ذلك يعد من الفصاحة.
وما بينوا أنه من أي الوجوه يعد من هذا الباب؟
وأما نحن فقد أطنبنا فيه في تفسير قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ ﴾ فلا فائدة في الإعادة.
والبحث الرابع: قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا ﴾ صيغة الجمع.
والله واحد فرد لا شريك له، إلا أن الملك العظيم إذا كنى عن نفسه، فإنما يكنى بصيغة الجمع، فكذلك هاهنا.
ونظيره قوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه ﴾ .
﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً ﴾ .
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ﴾ .
أما قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً ﴾ فقال الزجاج: معنى خضر، كمعنى أخضر، يقال أخضر فهو أخضر وخضر، مثل أعور فهو أعور وعور.
وقال الليث: الخضر في كتاب الله هو الزرع وفي الكلام كل نبات من الخضر، وأقول إنه تعالى حصر النبت في الآية المتقدمة في قسمين: حيث قال: ﴿ إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى ﴾ فالذي ينبت من الحب هو الزرع، والذي ينبت من النوى هو الشجر فاعتبر هذه القسمة أيضاً في هذه الآية فابتدأ بذكر الزرع، وهو المراد بقوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً ﴾ وهو الزرع، كما رويناه عن الليث.
وقال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت والذرة والأرز، والمراد من هذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج أولاً ويكون السنبل في أعلاه وقوله: ﴿ نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً ﴾ يعني يخرج من ذلك الخضر حباً متراكباً بعضه على بعض في سنبلة واحدة، وذلك لأن الأصل هو ذلك العود الأخضر وتكون السنبلة مركبة عليه من فوقه وتكون الحبات متراكبة بعضها فوق بعض، ويحصل فوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كأنها الأبر، والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة.
ولما ذكر ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من النوى، وهو القسم الثاني فقال: ﴿ وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قنوان دَانِيَةٌ ﴾ وهاهنا مباحث: البحث الأول: أنه تعالى قدم ذكر الزرع على ذكر النخل، وهذا يدل على أن الزرع أفضل من النخل.
وهذا البحث قد أفرد الجاحظ فيه تصنيفاً مطولاً.
البحث الثاني: روى الواحدي عن أبي عبيدة أنه قال: أطلعت النخل إذا أخرجت طلعها وطلعها كيزانها قبل أن ينشق عن الأغريض، والأغريض يسمى طلعاً أيضاً.
قال والطلع أول ما يرى من عذق النخلة، الواحدة طلعة.
وأما ﴿ قِنْوانٌ ﴾ فقال الزجاج: القنوان جمع قنو.
مثل صنوان وصنو.
وإذا ثنيت القنو قلت قنوان بكسر النون، فجاء هذا الجمع على لفظ الاثنين والإعراب في النون للجمع.
إذا عرفت تفسير اللفظ فنقول: قوله: ﴿ قنوان دَانِيَةٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية ممن يجتنيها.
وروي عنه أيضاً أنه قال: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض قال الزجاج: ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن ذكر أحد القسمين يدل على الثاني كما قال: ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر ﴾ ولم يقل سرابيل تقيكم البرد، لأن ذكر أحد الضدين يدل على الثاني، فكذا هاهنا وقيل أيضاً: ذكر الدانية في القريبة، وترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأكثر.
والبحث الثالث: قال صاحب الكشاف ﴿ قِنْوانٌ ﴾ رفع بالابتداء ﴿ وَمِنَ النخل ﴾ خبره ﴿ وَمِنْ طَلْعِهَا ﴾ بدل منه كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل قنوان، ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً لدلالة أخرجنا عليه تقديره، ومخرجه من طلع النخل قنوان.
ومن قرأ يخرج منه ﴿ حب متراكب ﴾ كان ﴿ قِنْوانٌ ﴾ عنده معطوفاً على قوله: ﴿ حُبَّ ﴾ وقرئ ﴿ قنوان ﴾ بضم القاف وبفتحها على أنه اسم جمع كركب لأن فعلان ليس من باب التكسير.
ثم قال تعالى: ﴿ وجنات مّنْ أعناب والزيتون والرمان ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: قرأ عاصم: ﴿ جنات ﴾ بضم التاء، وهي قراءة علي رضي الله عنه: والباقون ﴿ جنات ﴾ بكسر التاء.
أما القراءة الأولى فلها وجهان: الأول: أن يراد، وثم وجنات من أعناب أي مع النخل والثاني: أن يعطف على ﴿ قِنْوانٌ ﴾ على معنى وحاصلة أو ومخرجة من النخل قنوان وجنات من أعناب وأما القراءة بالنصب فوجهها العطف على قوله: ﴿ نَبَاتَ كُلّ شَيء ﴾ والتقدير: وأخرجنا به جنات من أعناب، وكذلك قوله: ﴿ والزيتون والرمان ﴾ قال صاحب الكشاف: والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص كقوله تعالى: ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ لفضل هذين الصنفين.
والبحث الثاني: قال الفراء: قوله: ﴿ والزيتون والرمان ﴾ يريد شجر الزيتون، وشجر الرمان كما قال: ﴿ واسئل القرية ﴾ يريد أهلها.
البحث الثالث: اعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أربعة أنواع من الأشجار.
النخل والعنب والزيتون والرمان، وإنما قدم الزرع على الشجر لأن الزرع غذاء، وثمار الأشجار فواكه، والغذاء مقدم على الفاكهة، وإنما قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يجري مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب ولأن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوان مشابهة في خواص كثيرة بحيث لا توجد تلك المشابهة في سائر أنواع النبات، ولهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام: «أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من بقية طينة آدم» وإنما ذكر العنب عقيب النخل لأن العنب أشرف أنواع الفواكه، وذلك لأنه من أول ما يظهر يصير منتفعاً به إلى آخر الحال فأول ما يظهر على الشجر يظهر خيوط خضر دقيقة حامضة الطعم لذيذة المطعم، وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه، ثم بعده يظهر الحصرم، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى، وقد يتخذ الحصرم أشربة لطيفة المذاق نافعة لأصحاب الصفراء، وقد يتخذ الطبيخ منه، فكأنه ألذ الطبائخ الحامضة.
ثم إذا تم العنب فهو ألذ الفواكه وأشهاها، ويمكن ادخار العنب المعلق سنة أو أقل أو أكثر، وهو في الحقيقة ألذ الفواكه المدخرة ثم يبقى منه أربعة أنواع من المتناولات، وهي الزبيب والدبس والخمر والخل، ومنافع هذه الأربعة لا يمكن ذكرها إلى في المجلدات، والخمر، وإن كان الشرع قد حرمها، ولكنه تعالى قال في صفتها: ﴿ ومنافع لِلنَّاسِ ﴾ ثم قال: ﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾ فأحسن ما في العنب عجمه.
والأطباء يتخذون منه جوارشنات عظيمة النفع للمعدة الضعيفة الرطبة، فثبت أن العنب كأنه سلطان الفواكه، وأما الزيتون فهو أيضاً كثير النفع لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل أيضاً عنه دهن كثير عظيم النفع في الأكل وفي سائر وجوه الاستعمال.
وأما الرمان فحاله عجيب جداً، وذلك لأنه جسم مركب من أربعة أقسام: قشره وشحمه وعجمه وماؤه.
أما الأقسام الثلاثة الأول وهي: القشر والشحم والعجم، فكلها باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة قوية في هذه الصفات، وأما ماء الرمان، فبالضد من هذه الصفات.
فإنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف، وهو غذاء من وجه ودواء من وجه، فإذا تأملت في الرمان وجدت الأقسام الثلاثة موصوفة بالكثافة التامة الأرضية، ووجدت القسم الرابع وهو ماء الرمان موصوفاً باللطافة والاعتدال فكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين المتغايرين، فكانت دلالة القدرة والرحمة فيه أكمل وأتم.
واعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفي بشرحها مجلدات، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الأقسام الأربعة التي هي أشرف أنواع النبات، واكتفي بذكرها تنبيهاً على البواقي، ولما ذكرها قال تعالى: ﴿ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه ﴾ وفيه مباحث: الأول: في تفسير ﴿ مُشْتَبِهاً ﴾ وجوه: الأول: أن هذه الفواكه قد تكون متشابهة في اللون والشكل، مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذة، وقد تكون مختلفة في اللون والشكل، مع أنها تكون متشابهة في الطعم واللذة، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل.
ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس.
الثاني: أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابهاً في الطعم والخاصية.
وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنه يكون مختلفاً في الطعم، والثالث: قال قتادة: أوراق الأشجار تكون قريبة من التشابه.
أما ثمارها فتكون مختلفة، ومنهم من يقول: الأشجار متشابهة والثمار مختلفة، والرابع: أقول إنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة منها بقيت على أول حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة.
وعلى هذا التقدير: فبعض حبات ذلك العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه.
والبحث الثاني: يقال: اشتبه الشيآن وتشابها كقولك استويا وتساويا، والافتعال والتفاعل يشتركان كثيراً، وقرئ ﴿ متشابها وَغَيْرَ متشابه ﴾ .
والبحث الثالث: إنما قال مشتبهاً ولم يقل مشتبهين إما اكتفاء بوصف أحدهما، أو على تقدير: والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك كقوله: رماني بأمر كنت منه ووالدي *** بريا ومن أجل الطوى رماني ثم قال تعالى: ﴿ انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي ﴿ ثَمَرِهِ ﴾ بضم الثاء والميم، وقرأ أبو عمرو ﴿ ثَمَرِهِ ﴾ بضم الثاء وسكون الميم والباقون بفتح الثاء والميم.
أما قراءة حمزة والكسائي: فلها وجهان: الوجه الأول: وهو الأبين أن يكون جمع ثمرة على ثمر كما قالوا: خشبة وخشب.
قال تعالى: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ وكذلك أكمة وأكم.
ثم يخففون فيقولون أكم.
قال الشاعر: ترى الأكم فيها سجداً للحوافر *** والوجه الثاني: أن يكون جمع ثمرة على ثمار.
ثم جمع ثماراً على ثمر فيكون ثمر جمع الجمع، وأما قراءة أبي عمرو فوجهها أن تخفيف ثمر ثمر كقولهم: رسل ورسل.
وأما قراءة الباقين فوجهها: أن الثمر جمع ثمرة، مثل بقرة وبقر، وشجرة وشجر، وخرزة وخرز.
والبحث الثاني: قال الواحدي: الينع النضج.
قال أبو عبيدة: يقال ينع يينع، بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل.
وقال الليث: ينعت الثمرة بالكسر، وأينعت فهي تينع وتونع إيناعاً وينعاً بفتح الياء، وينعاً بضم الياء، والنعت يانع ومونع.
قال صاحب الكشاف: وقرئ ﴿ وَيَنْعِهِ ﴾ بضم الياء، وقرأ ابن محيصن ﴿ ويانعه ﴾ .
والبحث الثالث: قوله: ﴿ متشابه انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ﴾ أمر بالنظر في حال الثمر في أول حدوثها.
وقوله: ﴿ وَيَنْعِهِ ﴾ أمر بالنظر في حالها عند تمامها وكمالها، وهذا هو موضع الاستدلال والحجة التي هي تمام المقصود من هذه الآية.
ذلك لأن هذه الثمار والأزهار تتولد في أول حدوثها على صفات مخصوصة، وعند تمامها وكمالها لا تبقى على حالاتها الأولى، بل تنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال السابقة، مثل أنها كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة، وكانت موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة، وربما كانت في أول الأمر باردة بحسب الطبيعة، فتصير في آخر الأمر حارة بحسب الطبيعة، فحصول هذه التبدلات والتغيرات لابد له من سبب، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك، لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون أسباباً لحدوث الحوادث المختلفة، ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسنادها إلى القادر المختار الحكيم الرحيم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة والمصلحة والحكمة.
ولما نبه الله سبحانه على ما في هذا الوجه اللطيف من الدلالة قال: ﴿ إِنَّ فِي ذلكم لأيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ قال القاضي: المراد لمن يطلب الإيمان بالله تعالى، لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن، ويحتمل أن يكون وجه تخصيص المؤمنين بالذكر أنهم الذين انتفعوا به دون غيرهم كما تقدم تقريره في قوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ .
ولقائل أن يقول: بل المراد منه أن دلالة هذا الدليل على إثبات الإله القادر المختار ظاهرة قوية جلية، فكأن قائلاً قال: لم وقع الاختلاف بين الخلق في هذه المسألة مع وجود مثل هذه الدلالة الجلية الظاهرة القوية؟
فأجيب عنه بأن قوة الدليل لا تفيد ولا تنفع إلا إذا قدر الله للعبد حصول الإيمان، فكأنه قيل: هذه الدلالة على قوتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله في حقه بالإيمان، فأما من سبق قضاء الله له بالكفر لم ينتفع بهذه الدلالة البتة أصلاً، فكان المقصود من هذا التخصيص التنبيه على ما ذكرناه.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ ﴾ بالماء ﴿ نَبَاتَ كُلّ شَيْء ﴾ نبت كل صنف من أصناف النامي، يعني أن السبب واحد وهو الماء.
والمسببات صنوف مفتنة، كما قال: ﴿ يسقى بِمَاء واحد وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل ﴾ [الرعد: 4] .
﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ ﴾ من النبات ﴿ خَضِرًا ﴾ شيئاً غضاً أخضر.
يقال أخضر وخضر، كأعور وعور، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة ﴿ نُخْرِجُ مِنْهُ ﴾ من الخضر ﴿ حَبّاً مُّتَرَاكِباً ﴾ وهو السنبل.
و ﴿ قنوان ﴾ رفع الابتداء.
و ﴿ مِنْ النخل ﴾ خبره.
و ﴿ مِن طَلْعِهَا ﴾ بدل منه، كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل قنوان.
ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً لدلالة أخرجنا عليه تقديره ومخرجة من طلع النخل قنوان ومن قرأ يخرج منه حب متراكب، كان ﴿ قنوان ﴾ عنده معطوفاً على حب.
والقنوان: جمع قنو، ونظيره: صنو وصنوان.
وقرئ: بضم القاف وبفتحها، على أنه اسم جمع كركب؛ لأنّ فعلان ليس من زيادة التكسير ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ سهلة المجتنى معرضة للقاطف، كالشيء الداني القريب المتناول؛ ولأنّ النخلة وإن كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها تأتي بالثمر لا تنتظر الطول.
وقال الحسن: دانية قريب بعضها من بعض.
وقيل: ذكر القريبة وترك ذكر البعيدة، لأنّ النعمة فيها أظهر وأدلّ بذكر القريبة على ذكر البعيدة، كقوله: ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر ﴾ [النحل: 81] وقوله: ﴿ وجنات مّنْ أعناب ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أن يراد: وثم جنات من أعناب، أي مع النخل.
والثاني: أن يعطف على ﴿ قنوان ﴾ على معنى: وحاصلة، أو ومخرجة من النخل قنوان وجنات من أعناب، أي من نبات أعناب.
وقرئ: ﴿ وجنات ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ نَبَاتَ كُلّ شَيْء ﴾ أي: وأخرجنا به جنات من أعناب، وكذلك قوله: ﴿ والزيتون والرمان ﴾ والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص، كقوله: ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ [النساء: 162] لفضل هذين الصنفين ﴿ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه ﴾ يقال اشتبه الشيئان وتشابها، كقولك استويا وتساويا.
والافتعال والتفاعل يشتركان كثيراً.
وقرئ: ﴿ متشابهاً وغير متشابه ﴾ وتقديره: والزيتون متشابهاً وغير متشابه، والرمّان كذلك كقوله: كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدَيَّ بَرِيًّا والمعنى: بعضه متشابهاً وبعضه غير متشابه، في القدر واللون والطعم.
وذلك دليل على التعمد دون الإهمال ﴿ انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ﴾ إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضئيلاً ضعيفاً لا يكاد ينتفع به.
وانظروا إلى حال ينعه ونضجه كيف يعود شيئاً جامعاً لمنافع وملاذ، نظر اعتبار واستبصار واستدلال على قدرة مقدّره ومدبره وناقله من حال إلى حال.
وقرئ ﴿ وَيَنْعِهِ ﴾ بالضم.
يقال: ينعت الثمرة ينعاً وينعاً.
وقرأ ابن محيصن: ﴿ ويانعه ﴾ .
وقرئ: ﴿ وثمره ﴾ ، بالضم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ مِنَ السَّحابِ أوْ مِن جانِبِ السَّماءِ.
﴿ فَأخْرَجْنا ﴾ عَلى تَلْوِينِ الخِطابِ.
﴿ بِهِ ﴾ بِالماءِ ﴿ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ نَبَتَ كُلُّ صِنْفٍ مِنَ النَّباتِ والمَعْنى: إظْهارُ القُدْرَةِ في إنْباتِ الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ المُفَنَّنَةِ بِماءٍ واحِدٍ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ ﴾ ﴿ فَأخْرَجْنا مِنهُ ﴾ مِنَ النَّباتِ أوِ الماءِ.
﴿ خَضِرًا ﴾ شَيْئًا أخْضَرَ يُقالُ أخْضَرَ كَأعْوَرَ وعَوَرٌ، وهو الخارِجُ مِنَ الحَبَّةِ المُتَشَعِّبِ.
﴿ نُخْرِجُ مِنهُ ﴾ مِنَ الخَضِرِ.
﴿ حَبًّا مُتَراكِبًا ﴾ وهو السُّنْبُلُ.
﴿ وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ ﴾ أيْ وأخْرَجْنا مِنَ النَّخْلِ نَخْلًا مِن طَلْعِها قِنْوانٌ، أوْ مِنَ النَّخْلِ شَيْءٌ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنِ النَّخْلِ خَبَرَ قِنْوانٍ ومَن طَلْعِها بَدَلٌ مِنهُ والمَعْنى: وحاصِلَةٌ مِن طَلْعِ النَّخْلِ قِنْوانٌ وهو الأعْذاقُ جَمْعُ قِنْوٍ كَصِنْوانٍ جَمْعُ صِنْوٍ.
وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ كَذِئْبٍ وذُؤْبانٍ وبِفَتْحِها عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ إذْ لَيْسَ فِعْلانُ مِن أبْنِيَةِ الجَمْعِ.
﴿ دانِيَةٌ ﴾ قَرِيبَةٌ مِنَ المُتَناوَلِ، أوْ مُلْتَفَّةٌ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِها عَنْ مُقابِلِها لِدَلالَتِها عَلَيْهِ وزِيادَةِ النِّعْمَةِ فِيها.
﴿ وَجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ ﴾ عُطِفَ عَلى نَباتِ كُلِّ شَيْءٍ.
وقَرَأ نافِعٌ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ ولَكم أوْ ثُمَّ جَنّاتٌ أوْ مِنَ الكَرْمِ جَنّاتٌ، ولا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى قِنْوانٌ إذِ العِنَبُ لا يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلِ.
﴿ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ ﴾ أيْضًا عَطْفٌ عَلى نَباتٍ أوْ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ لِعِزَّةِ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ عِنْدَهم.
﴿ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ ﴾ حالٌ مِنَ الرُّمّانِ، أوْ مِنَ الجَمِيعِ أيْ بَعْضُ ذَلِكَ مُتَشابِهٌ وبَعْضُهُ غَيْرُ مُتَشابِهٍ في الهَيْئَةِ والقَدَرِ واللَّوْنِ والطَّعْمِ.
﴿ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ ﴾ أيْ ثَمَرِ كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ، وهو جَمْعُ ثَمَرَةٍ كَخَشَبَةٍ وخَشَبٍ، أوْ ثِمارٍ كَكِتابٍ وكُتُبٍ.
﴿ إذا أثْمَرَ ﴾ إذا أخْرَجَ ثَمَرَهُ كَيْفَ يُثْمِرُ ضَئِيلًا لا يَكادُ يَنْتَفِعُ بِهِ.
﴿ وَيَنْعِهِ ﴾ وإلى حالِ نُضْجِهِ أوْ إلى نَضِيجَةٍ كَيْفَ يَعُودُ ضَخْمًا ذا نَفْعٍ ولَذَّةٍ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ يَنِعَتِ الثَّمَرُ إذا أدْرَكَتْ.
وقِيلَ جَمْعُ يانِعٍ كَتاجِرٍ وتَجْرٍ.
وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهو لُغَةٌ فِيهِ ويانِعُهُ.
﴿ إنَّ في ذَلِكم لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ لَآياتٍ دالَّةً عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ وتَوْحِيدِهِ، فَإنَّ حُدُوثَ الأجْناسِ المُخْتَلِفَةِ والأنْواعِ المُفَنِّنَةِ مِن أصْلٍ واحِدٍ ونَقْلُها مِن حالٍ إلى حالٍ لا يَكُونُ إلّا بِإحْداثِ قادِرٍ يَعْلَمُ تَفاصِيلَها، ويُرَجِّحُ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ مِمّا يُمَكِّنُ مِن أحْوالِها ولا يَعُوقُهُ عَنْ فِعْلِهِ نِدٌّ يُعارِضُهُ أوْ ضِدٌّ يُعانِدُهُ، ولِذَلِكَ عَقَبَهُ بِتَوْبِيخِ مَن أشْرَكَ بِهِ والرَّدَّ عَلَيْهِ فَقالَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً} من السحاب مطراً {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} بالماء {نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} نبت كل صنف من أصناف النامي أي السبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف مختلفة {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ} من النبات {خَضِْرًا} أي شيئاً غضاً أخضر يقال أخضر وخضر وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة {نُّخْرِجُ مِنْهُ} من الخضر {حَبّاً مُّتَرَاكِباً} وهو السنبل الذى تراكب فيه حبه {ومن النخل من طلعها قنوان} وهو جمع قنو وهو العذق نظيره صنو وصنوان {دانية} من المجتنى لا نحنائها يثقل حملها أو لقصر ساقها وفيه اكتفاء أي وغير دانية لطولها كقوله سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر {وجنات} بالنصب عطفاً على نَبَاتَ كُلّ شَيْءٍ أي وأخرجنا به جنات {مِّنْ أعناب} أي مع النخل وكذا {والزيتون والرمان} وجنات بالرفع الأعشى أي وثم جنات من أعناب أي مع النخل {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه} يقال اشتبه الشيئان وتشابها نحو استويا وتساويا والافتعال والتفاعل يشتركان كثيرا أو تقديره والزيتون متشابهاً وغير متشابه والرمان كذلك يعني بعضه متشابه وبعضه غير متشابه في القدر واللون والطعم {انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ} إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضعيفاً لا ينتفع به {وَيَنْعِهِ} ونضجه أي انظروا إلى نضجه كيف يعود شيئا جامعا لمنافع نظراعتبار واستدلال على قدرة مقدره ومدبره وناقله من حال إلى حال {إِنَّ فِي ذلكم لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ثَمَرِهِ وكذا ما بعده حمزة
وعلي جمع ثمار فهو جمع الجمع يقال ثمرة وثمر وثمار وثمر
﴿ وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمِهِ سُبْحانَهُ الجَلِيلَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ، والمُرادُ مِنَ (الماءِ) المَطَرُ ومِنَ (السَّماءِ) السَّحابُ أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِن جانِبِ السَّماءِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ.
والإنْزالُ مِنَ السَّماءِ حَقِيقَةً إلى السَّحابِ ومِنهُ إلى الأرْضِ واخْتارَهُ الجَبائِيُّ، واحْتَجَّ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ البُخاراتِ الكَثِيرَةَ تَجْتَمِعُ في باطِنِ الأرْضِ ثُمَّ تَصْعَدُ وتَرْتَفِعُ إلى الهَواءِ ويَنْعَقِدُ السَّحابُ مِنها ويَتَقاطَرُ ماءً وذَلِكَ هو المَطَرُ المُنَزَّلُ بِوُجُوهٍ أحَدُها: أنَّ البَرَدَ قَدْ يُوجَدُ في وقْتِ الحَرِّ بَلْ في حَمِيمِ الصَّيْفِ ونَجِدُ المَطَرَ في أبْرَدِ وقْتٍ يَنْزِلُ غَيْرَ جامِدٍ.
وذَلِكَ يُبْطِلُ ما ذُكِرَ.
ثانِيها: أنَّ البُخاراتِ إذا ارْتَفَعَتْ وتَصاعَدَتْ تَفَرَّقَتْ وإذا تَفَرَّقَتْ لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنها قَطَراتُ الماءِ بَلِ البُخارُ إنَّما يَجْتَمِعُ إذا اتَّصَلَ بِسَقْفٍ أمْلَسٍ كَما في بَعْضِ الحَمّاماتِ؛ أمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَسِلْ مِنهُ ماءٌ كَثِيرٌ فَإذا تَصاعَدَتِ البُخاراتُ في الهَواءِ ولَيْسَ فَوْقَها سَطْحٌ أمْلَسُ تَتَّصِلُ بِهِ وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ مِنها شَيْءٌ مِنَ الماءِ.
ثالِثُها: أنَّهُ لَوْ كانَ تَوَلُّدُ المَطَرِ مِن صُعُودِ البُخاراتِ فَهي دائِمَةُ الِارْتِفاعِ مِنَ البِحارِ فَوَجَبَ أنْ يَدُومَ هُناكَ نُزُولُ المَطَرِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا فَسادَ ذَلِكَ القَوْلِ، ثُمَّ قالَ: والقَوْمُ إنَّما احْتاجُوا إلى هَذا القَوْلِ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ الأجْسامَ قَدِيمَةٌ فَيَمْتَنِعُ دُخُولُ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ فِيها.
وحِينَئِذٍ لا مَعْنًى لِحُدُوثِ الحَوادِثِ إلّا اتِّصافُ تِلْكَ الذَّواتِ بِصِفَةٍ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً بِصِفَةٍ أُخْرى.
ولِهَذا السَّبَبِ احْتاجُوا في تَكْوِينِ كُلِّ شَيْءٍ عَنْ مادَّةٍ مُعَيَّنَةٍ.
وأمّا المُسْلِمُونَ فَلَمّا اعْتَقَدُوا أنَّ الأجْسامَ مُحْدَثَةٌ وأنَّ خالِقَ العالَمِ فاعِلٌ مُخْتارٌ قادِرٌ عَلى خَلْقِ الأجْسامِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ فَعِنْدَ هَذا لا حاجَةَ إلى اسْتِخْراجِ هَذِهِ التَّكَلُّفاتِ وحَيْثُ دَلَّ ظاهِرُ القُرْآنِ عَلى أنَّ الماءَ إنَّما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ولا دَلِيلَ عَلى امْتِناعِ هَذا الظّاهِرِ وجَبَ القَوْلُ بِحَمْلِهِ عَلَيْهِ، انْتَهى.
ولا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كُتُبَ القَوْمِ أنَّهم أجابُوا عَنْ جَمِيعِ تِلْكَ الوُجُوهِ.
وأنَّ الَّذِي دَعاهم إلى القَوْلِ بِذَلِكَ لَيْسَ مُجَرَّدَ ما ذُكِرَ بَلِ القَوْلُ بِامْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ أيْضًا ووُجُودُ ذِكْرِ كُرَةِ النّارِ تَحْتَ السَّماءِ وانْقِطاعُ عالَمِ العَناصِرِ عِنْدَها ومُشاهَدَةُ مَن عَلى جَبَلٍ شامِخٍ سَحابًا يُمْطِرُ مَعَ عَدَمِ مُشاهَدَةِ ماءٍ نازِلٍ مِنَ السَّماءِ إلَيْهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وهَذا وإنْ كانَ بَعْضُهُ مِمّا قامَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلى بُطْلانِهِ وبَعْضُهُ مِمّا لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ ولَمْ يَشْهَدْ بِصِحَّتِهِ الشَّرْعُ لَكِنْ مُشاهَدَةِ مَن عَلى الجَبَلِ ما ذُكِرَ ونَحْوِها يَسْتَدْعِي صِحَّةَ قَوْلِهِمْ في الجُمْلَةِ ولا أرى فِيهِ بَأْسًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما مِن قَطْرَةٍ تَنْزِلُ إلّا ومَعَها مَلَكٌ، وهو عِنْدَ الكَثِيرِ مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ.
والفَلاسِفَةِ يَحْمِلُونَ هَذا المَلَكَ عَلى الطَّبِيعَةِ الحالَّةِ في تِلْكَ الجِسْمِيَّةِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ النُّزُولِ، وقِيلَ: هو نُورٌ مُجَرَّدٌ عَنِ المادَّةِ قائِمٌ بِنَفْسِهِ مُدَبِّرٌ لِلْقَطْرِ حافَظٌ إيّاهُ، ويُثْبِتُ أفْلاطُونُ هَذا النُّورَ المُجَرَّدَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ والبَسائِطِ العُنْصُرِيَّةِ ومُرَكَّباتِها عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الإشْراقِ وهو أحَدُ الأقْوالِ في المُثُلِ الأفْلاطُونِيَّةِ، ويُشِيرُ إلى نَحْوِ ذَلِكَ كَلامُ الشَّيْخِ صَدْرِ الدِّينِ القُونَوِيِّ في تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ، ونَصْبُ (ماءً) عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ (أنْزَلَ)، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ بِهِ غَيْرُ الصَّرِيحِ عَلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا ﴿ فَأخْرَجْنا بِهِ ﴾ أيْ بِسَبَبِ الماءِ.
والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ وتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ و (أخْرَجْنا) عَطْفٌ عَلى (أنْزَلَ) والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ إظْهارٌ لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ ما أُنْزِلَ الماءُ لِأجْلِهِ، وذَكَرَ بَعْضُهم نُكْتَةً خاصَّةً لِهَذا الِالتِفاتِ غَيْرَ ما ذُكِرَ وهي أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ فِيما مَضى ما يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّهُ الخالِقُ اقْتَضى ذَلِكَ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ حَتّى يُخاطِبَ؛ واخْتِيارُ ضَمِيرِ العَظَمَةِ دُونَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ أيْ فَأخْرَجْنا بِعَظَمَتِنا بِذَلِكَ الماءِ مَعَ وحْدَتِهِ ﴿ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أيْ كُلِّ صَنْفٍ مِن أصْنافِ النَّباتِ المُخْتَلِفَةِ في الكَمِّ والكَيْفِ والخَواصِّ والآثارِ اخْتِلافًا مُتَفاوِتًا في مَراتِبِ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ ﴾ والنَّباتُ كالنَّبْتِ وهو -عَلى ما قالَهُ الرّاغِبُ - ما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ مِنَ النّامِياتِ سَواءٌ كانَ لَهُ ساقٌ كالشَّجَرِ أوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ساقٌ كالنَّجْمِ لَكِنِ اخْتُصَّ في التَّعارُفِ بِما لا ساقَ لَهُ بَلْ قَدِ اخْتُصَّ عِنْدَ العامَّةِ بِما تَأْكُلُهُ الحَيْواناتُ، ومَتى اعْتُبِرَتِ الحَقائِقُ فَإنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ نامٍ نَباتًا كانَ أوْ حَيَوانًا أوْ إنْسانًا.
والمُرادُ هُنا عِنْدَ بَعْضٍ المَعْنى الأوَّلُ.
وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا ﴾ شُرُوعًا في تَفْصِيلِ ما أجْمَلَ مِنَ الإخْراجِ وقَدْ بَدَأ بِتَفْصِيلِ حالِ النَّجْمِ وضَمِيرُ (مِنهُ) لِلنَّباتِ.
والخَضِرُ بِمَعْنى الأخْضَرِ كَأعْوَرِ وعَوِرٍ وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ الخَضِرُ فِيما تَكُونُ خُضْرَتُهُ خَلْقِيَّةً، وأصْلُ الخُضْرَةِ لَوْنٌ بَيْنَ البَياضِ والسَّوادِ وهو إلى السَّوادِ أقْرَبُ ولِذا يُسَمّى الأخْضَرُ أسْوَدَ وبِالعَكْسِ، والمَعْنى فَأخْرَجْنا مِنَ النَّباتِ الَّذِي لا ساقَ لَهُ شَيْئًا غَضًّا أخْضَرَ وهو ما تَشَعَّبَ مِن أصْلِ النَّباتِ الخارِجِ مِنَ الحَبَّةِ.
وجُوِّزَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الماءِ و(مِن) سَبَبِيَّةٌ، وجَعَلَ أبُو البَقاءِ هَذا الكَلامَ حِينَئِذٍ بَدَلًا مِن (أخْرَجْنا) الأوَّلِ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى الماءِ مَعْنًى بَدِيعًا حَيْثُ تَضَمَّنَتِ الإشارَةَ إلى أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ مِنَ الماءِ الحُلْوِ الأبْيَضِ في رَأْيِ العَيْنِ أصْنافًا مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ مُخْتَلِفَةِ الطُّعُومِ والألْوانِ وإلى ذَلِكَ نَظَرَ القائِلُ يَصِفُ المَطَرَ: يَمُدُّ عَلى الآفاقِ بِيضَ خُيُوطِهِ فَيَنْسِجُ مِنها لِلثَّرى حَوْلَهُ خَضِرًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُخْرِجُ مِنهُ ﴾ صِفَةٌ لِخَضِرٍ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ بِما فِيها مِنَ الغَرابَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا أيْ نُخْرِجُ مِن ذَلِكَ الخَضِرِ حَبًّا مُتَراكِبًا أيْ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما في السُّنْبُلِ.
وقُرِئَ (يَخْرُجُ مِنهُ حُبٌّ مُتَراكِبٌ ﴿ ومِنَ النَّخْلِ ﴾ جَمْعُ نَخْلٍ -كَما قالَ الرّاغِبُ - والنَّخْلُ مَعْرُوفٌ ويُسْتَعْمَلُ في الواحِدِ والجَمْعِ، وهَذا شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ حالِ الشَّجَرِ إثْرَ بَيانِ حالِ النَّجْمِ عِنْدَ البَعْضِ، فالجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن طَلْعِها ﴾ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ بِإعادَةِ العامِلِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قِنْوانٌ ﴾ مُبْتَدَأٌ وحاصِلُهُ مِن طَلْعِ النَّخِيلِ قِنْوانٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا فالدَّلالَةُ (أخْرَجْنا) عَلَيْهِ وهو كَوْنٌ خاصٌّ وبِهِ يَتَعَلَّقُ الجارُّ.
والتَّقْدِيرُ ومُخْرِجُهُ مِن طَلْعِ النَّخْلِ قِنْوانٌ.
وعَلى القِراءَةِ السّابِقَةِ آنِفًا يَكُونُ ﴿ قِنْوانٌ ﴾ مَعْطُوفًا عَلى حَبٍّ، وقِيلَ: المَعْنى وأخْرَجْنا مِنَ النَّخْلِ نَخْلًا مِن طَلْعِها قِنْوانٌ ومِنَ النَّخْلِ شَيْئًا مِن طَلْعِها قِنْوانٌ وهو جَمْعُ قِنْوٍ بِمَعْنى العِذْقِ وهو لِلتَّمْرِ بِمَنزِلَةِ العُنْقُودِ لِلْعِنَبِ.
وتَثْنِيَتُهُ أيْضًا قِنْوانٌ ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُثَنّى والجَمْعِ إلّا الإعْرابُ، ولَمْ يَأْتِ مُفْرَدٌ يَسْتَوِي مُثَنّاهُ وجَمْعُهُ إلّا ثَلاثَةُ أسْماءٍ هَذا وصِنْوٌ وصِنْوانٌ ورِئْدٌ ورِئْدانٌ بِمَعْنًى مِثْلٍ قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، وحَكى سِيبَوَيْهِ شِقْدٌ وشِقْدانٌ وحُشٌّ وحُشّانٌ لِلْبُسْتانِ نَقَلَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في المُزْهِرِ.
وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ وبِفَتْحِها عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِأنَّ فِعْلانَ لَيْسَ مِن زِناتِ التَّكْسِيرِ (دانِيَةٌ) أيْ قَرِيبَةٌ مِنَ المُتَناوَلِ كَما قالَ الزَّجّاجُ.
واقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِها عَنْ مُقابِلِها لِدَلالَتِها عَلَيْهِ وزِيادَةِ النِّعْمَةِ فِيها، وقِيلَ المُرادُ دانِيَةٌ مِنَ الأرْضِ بِكَثْرَةِ ثَمَرِها وثِقَلِ حَمْلِها، والدُّنُوُّ عَلى القَوْلَيْنِ حَقِيقِيَّةٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ سُهُولَةُ الوُصُولِ إلى ثِمارِها مَجازًا ﴿ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أيْ وأخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ كائِنَةً مِن أعْنابٍ، وجَعَلَهُ الواحِدِيُّ عَطْفًا عَلى خَضِرًا، وقالَ الطِّيبِيُّ: الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى حَبًّا لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مُفَصِّلٌ لِاشْتِمالِهِ عَلى كُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ النّامِي، والنّامِي الحَبُّ والنَّوى وشِبْهُهُما، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا ﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ النَّباتِ، وهو بَدَلٌ مِن (فَأخْرَجْنا) الأوَّلِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، قِيلَ: وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّباتِ المَعْنى العامُّ وحِينَئِذٍ لا يَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ داخِلٌ فِيهِ؛ وإنْ أُرِيدَ ما لا ساقَ لَهُ تَعَيَّنَ عَطْفُهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ فِيهِ وتَعَيَّنَ أنْ يُقَدَّرَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ومِنَ النَّخْلِ ﴾ فِعْلٌ آخَرُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، فَتَدَبَّرْ وقَرَأ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (وجَنّاتٌ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ ولَكم أوْ ثُمَّ جَنّاتٌ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَلى العَطْفِ عَلى ﴿ قِنْوانٌ ﴾ قالَ في التَّقْرِيبِ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ إنْ عُطِفَ عَلى ذَلِكَ فَـ (مِن أعْنابٍ) حِينَئِذٍ إمّا صِفَةُ (جَنّاتٌ) فَيَفْسُدُ المَعْنى إذْ يَصِيرُ المَعْنى وحاصِلَةٌ مِنَ النَّخِيلِ جَنّاتٌ حَصَلَتْ مِن أعْنابٍ، وإمّا خَبَرٌ لِـ (جَنّاتٌ) فَلا يَصِحُّ لِأنَّهُ يَكُونُ عَطْفًا لَها عَلى مُفْرَدٍ ويَكُونُ المُبْتَدَأُ نَكِرَةً فَلا يَصِحُّ، وفي الكَشْفِ أنَّ الثّانِي بَعِيدُ الفَهْمِ مِن لَفْظِ الزَّمَخْشَرِيِّ وإنْ أمْكَنَ الجَوابُ بِأنَّ العَطْفَ عَلى المُخَصَّصِ مُخَصَّصٌ كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: عِنْدِي اصْطِبارٌ وشَكْوى عِنْدَ قاتِلَتِي فَهَلْ بِأعْجَبَ مِن هَذا امْرُؤٌ سَمِعا؟
والظّاهِرُ الأوَّلُ لَكِنَّهُ عَطَفَ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ.
ويُقَدَّرُ ومُخْرَجَةٌ مِنَ الخَضِرِ أوْ مِنَ الكَرْمِ أوْ حاصِلَةُ جَنّاتٍ مِن أعْنابٍ دُونَ صِلَتِهِ لِأنَّ التَّقْيِيدَ لازِمٌ كَما حَقَّقَ في عَطْفِ المُفْرَدِ وحْدَهُ ولا يَخْفى أنَّ هَذا تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، ولَعَلَّ زِيادَةَ الجَنّاتِ هُنا كَما قِيلَ مِن غَيْرِ اكْتِفاءٍ بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ كَما فِيما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ لِما أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذا الجِنْسِ لا يَتَأتّى غالِبًا إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ طائِفَةٍ مِن أفْرادِهِ ﴿ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ ﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ لِعِزَّةِ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ عِنْدَهم أوْ عَلى العَطْفِ عَلى (نَباتَ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ ﴾ إمّا حالٌ مِنَ الزَّيْتُونِ لِسَبْقِهِ اكْتُفِيَ بِهِ عَنْ حالِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ والتَّقْدِيرُ والزَّيْتُونَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ والرُّمّانَ كَذَلِكَ، وإمّا حالٌ مِنَ الرُّمّانِ لِقُرْبِهِ ويُقَدَّرُ مِثْلُهُ الأوَّلُ.
وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ وهو بَعْضُ أيْ بَعْضُ ذَلِكَ مُشْتَبِهًا وبَعْضُهُ غَيْرَ مُتَشابِهٍ في الهَيْئَةِ والمِقْدارِ واللَّوْنِ والطَّعْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ صانِعِها وحِكْمَةِ مُنْشِيها ومُبْدِعِها جَلَّ شَأْنُهُ، وإلّا كانَ المَعْنى جَمِيعُهُ مُشْتَبَهًا وجَمِيعُهُ غَيْرَ مُتَشابِهٍ وهو غَيْرُ صَحِيحٍ.
ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَهُ حالًا مِنهُما مَعَ التِزامِ التَّأْوِيلِ، وافْتَعَلَ وتَفاعَلَ هُنا بِمَعْنًى كاسْتَوى وتَساوى.
وقُرِئَ ﴿ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ ﴾ ﴿ انْظُرُوا ﴾ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ ﴿ إلى ثَمَرِهِ ﴾ أيْ ثَمَرِ ذَلِكَ أيِ الزَّيْتُونِ والرُّمّانِ والمُرادُ شَجَرَتُهُما، وأُرِيدَ بِهِما فِيما سَبَقَ الثَّمَرَةُ فَفي الكَلامِ اسْتِخْدامٌ.
وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ المُرادَ في الأوَّلِ شَجَرُ الزَّيْتُونِ وشَجَرُ الرُّمّانِ وحِينَئِذٍ لا اسْتِخْدامَ، وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِما بِتَأْوِيلِهِ بِاسْمِ الإشارَةِ.
ورُجُوعُهُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى سَبِيلِ البَدَلِ بِعِيدٌ لا نَظِيرَ لَهُ في عَدَمِ تَعْيِينِ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ وجُوِّزَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ بِالتَّأْوِيلِ المَذْكُورِ لِيَشْمَلَ النَّخْلَ وغَيْرَهُ مِمّا يُثْمِرُ ﴿ إذا أثْمَرَ ﴾ أيْ إذا أخْرَجَ ثَمَرَهُ كَيْفَ يُخْرِجُهُ ضَئِيلًا لا يَكادُ يُنْتَفَعُ بِهِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ثُمُرِهِ) بِضَمِّ الثّاءِ وهو جَمْعُ ثَمَرَةٍ كَخَشَبَةٍ وخُشُبٍ أوْ ثِمارٍ كَكِتابٍ وكُتُبٍ ﴿ ويَنْعِهِ ﴾ أيْ وإلى حالِ نُضْجِهِ أوْ نَضِيجِهِ كَيْفَ يَعُودُ ضَخْمًا ذا نَفْعٍ عَظِيمٍ ولَذَّةٍ كامِلَةٍ وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ يَنَعَتِ الثَّمَرَةُ إذا أُدْرِكَتْ، وقِيلَ: جَمْعُ يانِعٍ كَتاجِرٍ وتُجُرٌ وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ”ويانِعِهِ“، ولا يَخْفى أنَّ في التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (إذا أثْمَرَ) عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ إشْعارًا بِأنَّ المُثْمِرَ حِينَئِذٍ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ فَيُقابِلُ حالَ اليَنْعِ، ويَدُلُّ كَمالُ التَّفاوُتِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ فَإنْ قُلْتَ هَلّا قِيلَ: إلى غَضِّ ثَمَرِهِ ويَنْعِهِ؟
قُلْتَ: في هَذا الأُسْلُوبِ فائِدَةٌ وهي أنَّ اليَنْعَ وقَعَ فِيهِ مَعْطُوفًا عَلى الثَّمَرِ عَلى سَنَنِ الِاخْتِصاصِ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اليَنْعَ أوْلى مِنَ الغَضِّ ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ وإنْ خَفِيَ عَلى بَعْضِ النّاظِرِينَ ﴿ إنَّ في ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى ما أُمِرُوا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ.
وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿ لآياتٍ ﴾ عَظِيمَةٍ أوْ كَثِيرَةٍ دالَّةٍ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ ووَحْدَتِهِ ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ 99 - أيْ يَطْلُبُونَ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى كَما قالَ القاضِي أوْ مُؤْمِنُونَ بِالفِعْلِ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ -كَما قِيلَ- ووَجْهُ دَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ ووَحْدَتِهِ أنَّ حُدُوثَ هاتِيكَ الأجْناسِ المُخْتَلِفَةِ والأنْواعِ المُتَشَعِّبَةِ مِن أصْلٍ واحِدٍ وانْتِقالِها مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِإحْداثِ صانِعٍ يَعْلَمُ تَفاصِيلَها ويُرَجِّحُ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ مِنَ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ عَلى غَيْرِهِ ولا يَعُوقُهُ ضِدٌّ يُعانِدُهُ أوْ نِدٌّ يُعارِضُهُ، <div class="verse-tafsir"
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء يعني: ماء المطر فَأَخْرَجْنا بِهِ يعني: بالمطر نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ يعني: معاشاً للخلق من الثمار والحبوب وغير ذلك.
فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً خَضِرَ واخْضَرّ بمعنى واحد، الأخضر يعني: النبات الأخضر، وهو أول ما يخرج.
ثم قال: نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً يعني: السنبلة قد ركب بعضها بعضاً.
وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها يعني: أخرجنا بالماء من النخل من طلعها يعني: من عذوقها وثمرها.
قِنْوانٌ دانِيَةٌ يعني: عُذوقاً متدانية قريبة ينالها القائم والقاعد.
وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ يعني: يخرج بالماء.
قرأ الأعمش وَجَنَّاتٍ بالضم عطفها على قوله: قِنْوانٌ دانِيَةٌ، وقرأ العامة بالكسر ومعناه وأخرجنا من أعناب.
وَالزَّيْتُونَ يعني: أخرجنا منه شجر الزيتون.
وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً في المنظر، وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ في الطعم يعني: بعضها حلو وبعضها حامض.
انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ قرأ حمزة والكسائي انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ، بضم الثاء والميم، وقرأ الباقون بالنصب، وكذلك ما بعده.
فمن قرأ بالنصب فهو اسم الثمرة، وإنما أراد به الجنس ومن قرأ بالضم فهو جمع الثمار.
إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ يعني: ونضجه يعني: انظروا إلى نضجه واعتبروا به، واعلموا أن له خالقاً فهو قادر على أن يحييكم بعد الموت، كما أخرج من الأرض اليابسة النبات الأخضر ومن الشجرة الثمار.
إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ يعني: في اختلاف ألوانه لعلامات لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: يصدقون ويرغبون في الحق.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
بالاعتبار في أنواع الثمرات.
وقوله سبحانه: انْظُرُوا، وهو نظرُ بَصَرٍ تتركَّب عليه فكرةُ قَلْبٍ، «والثمر» في اللغة: جَنَى الشجر وما يطلع، وإن سمي الشجر: ثماراً، فبتجوُّز، وقرأ جمهور «١» الناس:
وَيَنْعِهِ- بفتح الياء-، وهو مصدر يَنَعَ يَيْنَعُ إذا نَضِجَ، وبالنُّضْج فسره ابن «٢» عباس، وقد يستعمل «يَنَعَ» بمعنى استقل واخضر ناضراً، قال الفخر «٣» : وقدَّم سبحانه الزَّرع لأنه غذاء، والثِّمار فواكهٌ وإنما قدَّم النخل على الفواكِهِ لأن التمر يجرِي مجرى الغذاءِ/ بالنسبة إلى العرب.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ: جَعَلُوا: بمعنى صيّروا، والْجِنَّ: مفعول، وشُرَكاءَ مفعولٌ ثانٍ.
قال ص: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ: جَعَلُوا: بمعنى: صَيَّروا، والجمهورُ على نَصْب «الجنِّ» ، فقال ابن عطيَّة «٤» وغيره: هو مفعولٌ أول ل جَعَلُوا، وشُرَكاءَ الثاني، وجوَّزوا فيه أن يكون بدلاً من شُرَكاءَ، ولِلَّهِ في موضع المفعول الثاني، وشُرَكاءَ الأول، وردَّه أبو حَيَّان «٥» بأن البدل حينئذ لا يَصحُّ أن يحل محلَّ المبدل منه إذ لو قلْتَ: وجعلوا للَّه الجنَّ، لم يصحَّ، وشرط البدل أنْ يكون على نيَّة تكرار العامل على الأشهر، أو معمولاً للعاملِ، في المُبْدَلِ منه على قول، وهذا لا يصحُّ كما ذكرنا، قلْتُ: وفيه نظر.
انتهى، قلتُ: وما قاله الشيخُ أبو حَيَّان عندي ظاهرٌ، وفي نظر الصَّفَاقُسِيِّ نَظَرٌ، وهذه الآية مشيرة إلى العادِلِينَ باللَّه تعالى، والقائلين: إن الجنَّ تعلم الغيْبَ، العابدين للجنِّ، وكانت طوائفُ من العرب تفعَلُ ذلك، وتستجير بجِنِّ الوادِي
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي المَطَرَ ﴿ فَأخْرَجْنا بِهِ ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: نَباتُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الثِّمارِ، لِأنَّ كُلَّ ما يَنْبُتُ، فَنَباتُهُ بِالماءِ.
والثّانِي: رِزْقُ كُلِّ شَيْءٍ غِذاؤُهُ.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأخْرَجْنا مِنهُ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مِنَ الماءِ، أيْ: بِهِ.
والثّانِي: مِنَ النَّباتِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الخَضِرُ؛ بِمَعْنى الأخْضَرِ يُقالُ: اخْضَرَّ؛ فَهو أخْضَرُ، وخَضِرٌ، مِثْلُ أعْوَرَ، فَهو أعْوَرُ، وعَوِرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُخْرِجُ مِنهُ ﴾ أيْ: مِنَ الخَضِرِ ﴿ حَبًّا مُتَراكِبًا ﴾ كالسُّنْبُلِ والشَّعِيرِ.
والمُتَراكِبِ: الَّذِي بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ ﴾ ورَوى الخِفافُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "قِنْوانٌ" بِضَمِّ القافِ؛ ورَوى هارُونُ عَنْهُ بِفَتْحِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: ومِنَ النَّخْلِ ما قِنْوانُهُ دانِيَةٌ؛ وأهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: "قِنْوانِ" بِكَسْرِ القافِ؛ وقَيْسٌ يَضُمُّونَها؛ وضَبَّةُ، وتَمِيمٌ يَقُولُونَ "قِنْيانِ" .
وأنْشَدَنِي المُفَضَّلُ عَنْهُمْ: فَأثَّتْ أعالِيهِ وآَدَتْ أُصُولُهُ ومالَ بِقِنْيانٍ مِنَ البُسْرِ أحْمَرًا وَيَجْتَمِعُونَ جَمِيعًا، فَيَقُولُونَ: "قِنْوٌ" و"قُنْوٌ" ولا يَقُولُونَ: "قِنْيٌ" ولا "قُنْيٌ" وكَلْبٌ يَقُولُونَ: "وَمالَ بِقِنْيانٍ" قالَ المُصَنَّفُ: والبَيْتُ لِامْرِئِ القَيْسِ؛ ورَواهُ أبُو سَعِيدٍ السُّكَّرِيُّ: "وَمالَ بِقِنْوانٍ" مَكْسُورَةَ القافِ مَعَ الواوِ، فَفِيهِ أرْبَعُ لُغاتٍ: قِنْوانٍ، وقُنْوانٍ، وقِنْيانٍ، وقُنْيانٍ؛ و"أثَّتْ": كَثُرَتْ؛ ومِنهُ: شَعْرٌ أثِيتٌ.
و"آَدَتْ": اشْتَدَّتْ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القِنْوانُ: عُذُوقُ النَّخْلِ، واحِدُها: قِنْوٌ، جُمِعَ عَلى لَفْظِ تَثْنِيَةٍ؛ ومِثْلُهُ: صِنْوٌ وصِنْوانٌ في التَّثْنِيَةِ، وصِنْوانٌ في الجَمْعِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: قِنْوانٌ: جَمْعُ قِنْوٍ، وإذا ثَنَّيْتَهُ فَهُما قِنْوانِ، بِكَسْرِ النُّونِ.
ودانِيَةٌ، أيْ: قَرِيبَةُ المُتَناوَلِ، ولَمْ يَقُلْ: "وَمِنها قِنْوانٌ بَعِيدَةٌ" لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا أنَ البَعِيدَةَ السَّحِيقَةَ؛ قَدْ كانَتْ غَيْرَ سَحِيقَةٍ، فاجْتُزِئَ بِذِكْرِ القَرِيبَةِ عَنْ ذِكْرِ البَعِيدَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القِنْوانُ الدّانِيَةُ: قِصارُ النَّخْلِ اللّاصِقَةِ عُذُوقُها بِالأرْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو نَسَقٌ عَلى قَوْلُهُ: "خُضْرًا" ﴿ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ ﴾ المَعْنى.
وأخْرَجْنا مِنهُ شَجَرَ الزَّيْتُونِ والرُّمّانِ: وقَدْ رَوى أبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ: و"جَنّاتٌ" بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مُشْتَبِهًا في المَنظَرِ، وغَيْرَ مُتَشابِهٍ في الطَّعْمِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي مُشْتَبِهًا ورَقُهُ، مُخْتَلِفًا ثَمَرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وهو في مَعْنى الأوَّلِ.
والثّالِثُ: مِنهُ ما يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ومِنهُ ما يُخالِفُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قَرَنَ الزَّيْتُونَ بِالرُّمّانِ، لِأنَّهُما شَجَرَتانِ تَعْرِفُ العَرَبُ أنَّ ورَقَهُما يَشْتَمِلُ عَلى الغُصْنِ مِن أوَّلِهِ إلى آَخِرِهِ.
قالَ الشّاعِرُ: بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما بُو ∗∗∗ رِكَ نَضْحُ الرُّمّانِ والزَّيْتُونِ وَمَعْناهُ: أنَّ البَرَكَةَ في ورَقِهِ اشْتِمالُهُ عَلى عُودِهِ كُلِّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( انْظُرُوا إلى ثَمَرَة ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: " انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ "، " وكُلُوا مِن ثَمَرِهِ " [الأنْعامِ:١٤١]، و" لَيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ " [يس: ٣٥]: بِالفَتْحِ في ذَلِكَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلْفٌ: بِالضَّمِّ فِيهِنَّ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ثَمَرَةٌ، وثَمَرٌ، وثِمارٌ، وثُمُرٌ؛ فَمَن قَرَأ: "إلى ثَمَرِهِ" بِالضَّمِّ أرادَ جَمْعَ الجَمْعِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما هَذا، وهو أنْ يَكُونَ الثَّمَرُ جَمْعَ ثِمارٍ.
والثّانِي: أنْ تَكُونَ الثَّمَرُ جَمْعَ ثَمَرَةٍ، وكَذَلِكَ: أكَمَةٌ، وأُكُمٌ، وخَشَبَةٌ وخُشُبٌ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ: انْظُرُوا إلَيْهِ أوَّلَ ما يَعْقِدُ، وانْظُرُوا إلى يَنْعِهِ، وهو نُضْجُهُ وبُلُوغُهُ.
وأهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: يَنَعَ، بِفَتْحِ الياءِ، وبَعْضُ أهْلِ نَجْدٍ يَضُمُّونَها.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ يَنَعَتِ الثَّمَرَةُ، وأيْنَعَتْ: إذا أدْرَكَتْ، وهو اليُنْعُ واليَنْعُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَيُنْعَهُ" بِضَمِّ الياءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: اليَنْعُ: النُّضْجُ.
قالَ الشّاعِرُ: في قِبابٍ حَوْلَ دَسْكَرَةٍ ∗∗∗ حَوْلَها الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعا وَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لَهم بِتَصْرِيفِ ما خَلَقَ، ونَقَلَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الخَلْقُ، أنَّهُ كَذَلِكَ يَبْعَثُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكم لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُصَدِّقُونَ أنَّ الَّذِي أخْرَجَ هَذا النَّباتَ قادِرٌ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى.
وقالَ مُقاتِلٌ: يُصَدِّقُونَ بِالتَّوْحِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا ومِنَ النَخْلِ مِنَ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وجَنّاتٍ مِنَ أعْنابٍ والزَيْتُونَ والرُمّانَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ في ذَلِكم لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ "اَلسَّماءُ" - في هَذا المَوْضِعِ -: اَلسَّحابُ؛ وكُلُّ ما أظَلَّكَ فَهو سَماءٌ؛ و"ماءٌ"؛ أصْلُهُ "مَوَهٌ"؛ تَحَرَّكَتِ الواوُ؛ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها؛ فَجاءَ "ماهٌ"؛ فَبُدِّلَتِ الهاءُ بِالهَمْزَةِ؛ لِجَلَدِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ الألِفَ والهاءَ ضَعِيفانِ؛ مَهْمُوسانِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ؛ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أيْ: مِمّا يَنْبُتُ؛ وحَسُنَ إطْلاقُ العُمُومِ في "كُلِّ شَيْءٍ"؛ لِأنَّ ذِكْرَ النَباتِ قَبْلَهُ قَدْ قَيَّدَ المَقْصِدَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: والمُرادُ بِـ "كُلِّ شَيْءٍ": ما يَنْمُو مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ؛ والنَباتِ؛ والمَعادِنِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَتَغَذّى؛ ويَنْمُو بِنُزُولِ الماءِ مِنَ السَماءِ؛ والضَمِيرُ في "مِنهُ"؛ يَعُودُ عَلى النَباتِ؛ وفي الثانِي يَعُودُ عَلى الخَضِرِ؛ و"خَضِرًا"؛ بِمَعْنى "أخْضَرَ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "اَلدُّنْيا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ"؛» بِمَعْنى: "خَضْراءُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَأنَّ "خَضِرًا"؛ إنَّما يَأْتِي أبَدًا لِمَعْنى النَضارَةِ؛ ولَيْسَ لِلَّوْنِ فِيهِ مَدْخَلٌ؛ و"أخْضَرُ" إنَّما تَمَكُّنُهُ في اللَوْنِ؛ وهو في النَضارَةِ تَجَوُّزٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ حَبًّا مُتَراكِبًا ﴾ ؛ يَعُمُّ جَمِيعَ السَنابِلِ؛ وما شاكَلَها؛ كالصَنَوْبَرِ؛ والرُمّانِ؛ وغَيْرِهِما مِن جَمِيعِ النَباتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَمِنَ النَخْلِ ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: ونُخْرِجُ مِنَ النَخْلِ؛ و ﴿ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ خَبَرُهُ مُقَدَّمٌ؛ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِـ "نُخْرِجُ"؛ و"اَلطَّلْعُ": أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِنَ النَخْلَةِ في أكْمامِهِ؛ و"قِنْوانٌ"؛ جَمْعُ "قِنْوٌ"؛ وهو العِذْقُ؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ وهي الكِباسَةُ؛ و"اَلْعُرْجُونُ": عُودُهُ الَّذِي يَنْتَظِمُ التَمْرَ.
قَرَأ الأعْرَجُ: "قَنْوانٌ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وقالَ أبُو الفَتْحِ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْجَمْعِ؛ غَيْرَ مُكَسَّرٍ؛ لِأنَّ "فَعْلانٌ"؛ لَيْسَ مِن أمْثِلَةِ الجَمْعِ؛ قالَ المَهْدَوِيُّ: ورُوِيَ عَنِ الأعْرَجِ ضَمُّ القافِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ جَمْعُ "قُنْوٌ"؛ بِضَمِّ القافِ؛ قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةُ قَيْسٍ وأهْلِ الحِجازِ؛ والكَسْرُ أشْهَرُ في العَرَبِ؛ و"قِنْوٌ"؛ يُثَنّى "قَنْوانِ"؛ مُنْصَرِفَةَ النُونِ؛ و"دانِيَةٌ"؛ مَعْناهُ: قَرِيبَةٌ مِنَ المُتَناوَلِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وقِيلَ: قَرِيبَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَجَنّاتٍ"؛ بِنَصْبِ "وَجَنّاتٍ"؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى "نَباتَ"؛ وقَرَأ الأعْمَشُ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي لَيْلى؛ ورُوِيَتْ عن أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ: "وَجَنّاتٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "وَلَكم جَنّاتٌ"؛ أو نَحْوِ هَذا؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: وهو عُطِفَ عَلى "قِنْوانٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ ضَعِيفٌ.
﴿ والزَيْتُونَ والرُمّانَ ﴾ ؛ بِالنَصْبِ؛ إجْماعًا؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى "حَبًّا"؛ و ﴿ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ ﴾ ؛ قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: تَتَشابَهُ في اللَوْنِ؛ وتَتَبايَنُ في الثَمَرِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: جائِزٌ أنْ تَتَشابَهَ في الثَمَرِ؛ وتَتَبايَنَ في الطَعْمِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: تَتَشابَهُ في الطَعْمِ؛ وتَتَبايَنُ في المَنظَرِ؛ وهَذِهِ الأحْوالُ مَوْجُودَةٌ بِالِاعْتِبارِ في أنْواعِ الثَمَراتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "انْظُرُوا"؛ ﴾ هو نَظَرُ بَصَرٍ؛ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِكْرَةُ قَلْبٍ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ ونافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ: ﴿ "إلى ثَمَرِهِ"؛ ﴾ بِفَتْحِ الثاءِ؛ والمِيمِ؛ وهو جَمْعُ "ثَمَرَةٌ"؛ كَـ "بَقَرَةٌ"؛ و"بَقَرٌ"؛ و"شَجَرَةٌ"؛ و"شَجَرٌ"؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ ومُجاهِدٌ: "ثُمُرِهِ"؛ قالا: وهي أصْنافُ المالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّ المَعْنى: "اُنْظُرُوا إلى الأمْوالِ الَّتِي تُتَحَصَّلُ مِنهُ"؛ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ ؛ والكِسائِيِّ ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والأحْسَنُ فِيهِ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "ثَمَرَةٌ"؛ كَـ "خَشَبَةٌ"؛ و"خُشُبٌ"؛ و"أكَمَةٌ"؛ و"أُكَمٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ..............
∗∗∗ تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ ونَظِيرُهُ في المُعْتَلِّ: "لابَةٌ"؛ و"لُوبٌ"؛ و"ناقَةٌ"؛ و"نُوقٌ"؛ و"ساحَةٌ"؛ و"سُوحٌ"؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ جَمْعٍ؛ فَتَقُولَ: "ثَمَرَةٌ"؛ و"ثِمارٌ"؛ و"ثُمُرٌ"؛ مِثْلَ "حِمارٌ"؛ و"حُمُرٌ"؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلى ثُمْرِهِ"؛ بِضَمِّ الثاءِ؛ وإسْكانِ المِيمِ؛ كَأنَّها ذَهَبَتْ إلى طَلَبِ الخِفَّةِ في تَسْكِينِ المِيمِ؛ و"اَلثَّمَرُ"؛ في اللُغَةِ: جَنى الشَجَرِ؛ وما يَطْلُعُ؛ وإنْ سُمِّيَ الشَجَرُ "ثِمارًا"؛ فَتَجَوُّزٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَنْعِهِ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وهو مَصْدَرُ "يَنَعَ؛ يَيْنَعُ"؛ إذا نَضِجَ؛ يُقالُ: "يَنَعَ"؛ و"أيْنَعَ"؛ وبِالنُضْجِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - هَذِهِ الآيَةَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الحَجّاجِ: "إنِّي لِأرى رُؤُوسًا قَدْ أيْنَعَتْ"؛ ويُسْتَعْمَلُ "يَنَعَ"؛ بِمَعْنى: "اِسْتَقَلَّ؛ واخْضَرَّ ناضِرًا"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: في قِبابٍ حَوْلَ دَسْكَرَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ حَوْلَها الزَيْتُونُ قَدْ يَنَعا وقِيلَ في "يَنْعِهِ": إنَّهُ جَمْعُ "يانِعٌ"؛ مِثْلُ: "تاجِرٌ"؛ و"تَجْرٌ"؛ و"راكِبٌ"؛ و"رَكْبٌ"؛ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: "وَيُنْعِهِ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ أيْ: نُضْجِهِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ؛ واليَمانِيُّ: "وَيانِعِهِ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ في ذَلِكم لآياتٍ ﴾ إيجابُ تَنْبِيهٍ؛ وتَذْكِيرٍ؛ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِهِ.
<div class="verse-tafsir"
القول في صيغة القصر من قوله: ﴿ وهو الذي أنزل ﴾ إلخ كالقول في نظيره السّابق.
و(مِن) في قوله: ﴿ مِن السّماء ﴾ ابتدائية لأنّ ماء المطر يتكوّن في طبقات الجوّ العُليا الزمهريرية عند تصاعد البخار الأرضي إليها فيصير البخار كثيفاً وهو السّحاب ثمّ يستحيل ماء.
فالسّماء اسم لأعلى طبقات الجوّ حيث تتكوّن الأمطار.
وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ أو كَصيّب من السّماء في سورة البقرة.
وعُدل عن ضمير الغيبة إلى ضمير التكلّم في قوله: فأخرجْنا ﴾ على طريقة الإلتفات.
والباء للسّببيّة جَعل الله الماء سبباً لخروج النّبات، والضّمير المجرور بالباء عائد إلى الماء.
والنّباتُ اسم لما يَنبت، وهو اسم مصدر نَبَتَ، سمّي به النّابت على طريقة المجاز الّذي صار حقيقة شائعة فصار النَّبات اسماً مشتركاً مع المصدر.
و ﴿ شيء ﴾ مراد به صِنف من النّبات بقرينة إضافة ﴿ نباتَ ﴾ إليه.
والمعنى: فأخرجنا بالماء ما ينبت من أصناف النّبت.
فإنّ النبت جنس له أنواع كثيرة؛ فمنه زرع وهو ما له ساق ليّنة كالقَصَب؛ ومنه شجر وهو ما له ساق غليظة كالنّخل، والعنب؛ ومنه نَجْم وأبّ وهو ما ينبت لاصِقاً بالتّراب، وهذا التّعميم يشير إلى أنّها مختلفة الصّفات والثّمرات والطبائع والخصوصيات والمذاق، وهي كلّها نابتة من ماء السّماء الّذي هو واحد، وذلك آية على عظم القدرة، قال تعالى: ﴿ تُسقَى بماء واحد ونُفضّل بعضَها على بعضضٍ في الأكل ﴾ [الرعد: 4] وهو تنبيه للنّاس ليعتبروا بدقائق ما أودعه الله فيها من مختلف القوى الّتي سبّبتْ اختلاف أحوالها.
والفاء في قوله: ﴿ فأخرجنا به نبات كلّ شيء ﴾ فاء التّفريع.
وقوله: ﴿ فأخرجنا منه خضراً ﴾ تفصيل لمضمون جملة ﴿ فأخرجْنا به نبات كلّ شيء ﴾ ، فالفاء للتّفصيل، و(من) ابتدائية أو تبعيضيّة، والضّمير المجرور بها عائد إلى النّبات، أي فكان من النبت خضر ونَخْل وجنّات وشجر، وهذا تقسيم الجنس إلى أنواعه.
والخَضِر: الشّيء الّذي لونه أخضر، يقال: أخْضر وخَضِر كما يقال: أعور وعَور، ويطلق الخضر اسماً للنّبت الرّطب الّذي ليس بشجر كالقصيل والقضب.
وفي الحديث: «وإنّ ممّا يُنبت الرّبيعُ لَمَا يَقْتُل حَبَطا أو يُلِمّ إلاّ آكِلَةَ الخَضِر أكلتْ حتّى إذا امتَدّتْ خاصرتاها» الحديث.
وهذا هو المراد هنا لقوله في وصفه ﴿ نخرج منه حبّاً متراكباً ﴾ ، فإنّ الحبّ يخرج من النّبت الرّطب.
وجملة: ﴿ نخرج منه ﴾ صفة لقوله ﴿ خضرا ﴾ لأنّه صار اسماً، و(من) اتِّصاليّة أو ابتدائيّة، والضّمير المجرور بها عائد إلى ﴿ خَضِرا ﴾ .
والحَبّ: هو ثمر النّبات، كالبُرّ والشّعير والزّراريع كلّها.
والمتراكب: الملتصق بعضه على بعض في السنبلة، مثل القَمح وغيره، والتّفاعل للمبالغة في ركوب بعضه بعضاً.
وجملة: ﴿ ومن النّخل من طلعها قنوان دانية ﴾ عطف على ﴿ فأخرجنا منه خضراً ﴾ .
ويجوز أن تكون معترضة والواو اعتراضيّة، وقوله: ﴿ من النّخل ﴾ خبر مقدّم و ﴿ قنوان ﴾ مبتدأ مؤخّر.
والمقصود بالإخبار هنا التّعجيب من خروج القنوان من الطلع وما فيه من بهجةٍ، وبهذا يظهر وجه تغيير أسلوب هذه الجملة عن أساليب ما قبلها وما بعدها إذ لم تعطف أجزاؤها عطف المفردات، على أنّ موقع الجملة بين أخواتها يفيد ما أفادته أخواتها من العبرة والمنّة.
والتّعريف في ﴿ النّخل ﴾ تعريف العهد الجنسي، وإنّما جيء بالتّعريف فيه للإشارة إلى أنّه الجنس المألوف المعهود للعرب، فإنّ النّخل شجرهم وثَمره قُوتُهم وحوائطه منبَسَط نفوسهم، ولك أن تجعله حالاً من ﴿ النّخل ﴾ اعتداداً بالتّعريف اللّفظي كقوله ﴿ والزّيتونَ والرّمَّان مشتبهاً ﴾ ، ويجوز أن يكون ﴿ من طلعها ﴾ بدل بعض من ﴿ النّخل ﴾ بإعادة حرف الجرّ الدّاخل على المبدل منه.
و ﴿ قِنوان ﴾ بكسر القاف جمع قِنو بكسر القاف أيضاً على المشهور فيه عند العرب غيرَ لغة قيس وأهل الحجاز فإنّهم يضمّون القاف.
فقنوان بالكسر جمع تكسير.
وهذه الصّيغة نادرة، غير جمع فُعَل (بضمّ ففتح) وفُعْل (بضمّ فسكون) وفَعْل (بفتح فسكون) إذا كانا واويي العين وفُعال.
والقِنو: عرجون التّمر، كالعنقود للعنب، ويسمّى العِذق بكسر العين ويسمّى الكِبَاسة بكسر الكاف.
والطَّلْع: وعاء عرجون التّمر الّذي يبدو في أوّل خروجه يكون كشكل الأترُجَّة العظيمة مغلقاً على العرجون، ثمّ ينفتح كصورة نعلين فيخرج منه العنقود مجتمعاً، ويسمّى حينئذٍ الإغريض، ثمّ يصير قِنوا.
و ﴿ دانية ﴾ قريبة.
والمراد قريبة التّناول كقوله تعالى: ﴿ قطوفها دانية ﴾ [الحاقة: 23].
والقنوان الدانية بعض قنوان النّخل خصّت بالذّكر هنا إدماجاً للمنّة في خلال التّذكير بإتّقان الصنعة فإنّ المنّة بالقنوان الدّانية أتمّ، والدّانية هي الّتي تكون نخلتها قصيرة لم تتجاوز طول قامة المتناول، ولا حاجة لذكر البعيدة التّناول لأنّ الذّكرى قد حصلت بالدّانية وزادت بالمنّة التّامّة.
و ﴿ جنّاتٍ ﴾ بالنّصب عطف على ﴿ خِضرا ﴾ .
وما نسب إلى أبي بكر عن عاصم من رفْع ﴿ جنّات ﴾ لم يصحّ.
وقوله: ﴿ من أعناب ﴾ تمييز مجرور ب ﴿ مِن ﴾ البيانيّة لأنّ الجنّات للأعناب بمنزلة المقادير كما يقال جريت تَمراً، وبهذا الاعتبار عُدّي فعل الإخراج إلى الجنّات دون الأعناب، فلم يقل وأعناباً في جنّات.
والأعناب جمع عِنَب، وهو جمع عِنَبَة، وهو في الأصل ثمر شجر الكَرْم.
ويطلق على شجرة الكرم عِنب على تقدير مضاف، أي شجرة عنب، وشاع ذلك فتنوسي المضاف.
قال الرّاغب: «العِنب يقال لثمرة الكرم وللكرم نفسه» اه.
ولا يعرف إطلاق المفرد على شجرة الكرم، فلم أر في كلامهم إطلاق العنبة بالإفراد على شجرة الكرم ولكن يطلق بالجمع، يقال: عنب، مراد به الكرم، كما في قوله تعالى: ﴿ فأنبتنا فيها حَبّاً وعنباً ﴾ [عبس: 27، 28]، ويقال: أعناب كذلك، كما هنا، وظاهر كلام الرّاغب أنّه يقال: عِنبة لشجرة الكرم، فإنّه قال: «العنب يقال لثمرة الكرم وللكرم نفسه الواحدة عنبة».
﴿ والزّيتون والرمّان ﴾ بالنّصب عطف على ﴿ جنّات ﴾ والتّعريف فيهما الجنس كالتّعريف في قوله: ﴿ ومن النّخل ﴾ .
والمراد بالزّيتون والرمّان شجرهما.
وهما في الأصل اسمان للثمرتين ثمّ أطلقا على شجرتيهما كما تقدّم في الأعناب.
وهاتان الشّجرتان وإن لم تكونا مثل النّخل في الأهميّة عند العرب إلاّ أنّهما لعزّة وجودهما في بلاد العرب ولتنافس العرب في التّفكّه بثمرهما والإعجاب باقتنائهما ذُكرا في مقام التّذكير بعجيب صنع الله تعالى ومنّته.
وكانت شجرة الزّيتون موجودة بالشّام وفي سينا، وشجرة الرمّان موجودة بالطّائف.
وقوله: ﴿ مشتبهاً وغير متشابه ﴾ حال ومعطوف عليه، والواو للتّقسيم بقرينة أنّ الشيء الواحد لا يكون مشتبهاً وغير متشابه، أي بعضه مشتبه وبعضه غير متشابه.
وهما حالان من «الزّيتون والرمّان» معاً، وإنّما أفرد ولم يجمع اعتباراً بإفراد اللّفظ.
والتّشابه والاشتباه مترادفان كالتساوي والاستواء، وهما مشتقّان من الشبَه.
والجمع بينهما في الآية للتّفنّن كراهيّة إعادة اللّفظ، ولأنّ اسم الفاعل من التّشابه أسعد بالوقف لما فيه من مدّ الصّوت بخلاف ﴿ مُشتبه ﴾ .
وهذا من بديع الفصاحة.
والتّشابه: التماثل في حالة مع الاختلاف في غيرها من الأحوال، أي بعض شجره يشبه بعضاً وبعضه لا يشبه بعضاً، أو بعض ثمره يشبه بعضاً وبعضه لا يشبه بعضاً، فالتّشابه ممّا تقارب لونه أو طعمه أو شكله ممّا يتطلّبه النّاس من أحواله على اختلاف أميالهم، وعدم التّشابه ما اختلف بعضه عن البعض الآخر فيما يتطلّبه النّاس من الصّفات على اختلاف شهواتهم، فمن أعواد الشّجر غليظ ودقيق، ومن ألوان ورقه قاتم وداكن، ومن ألوان ثمره مختلف ومن طعمه كذلك، وهذا كقوله تعالى: ﴿ ونفضّل بعضها على بعض الأكل ﴾ [الرعد: 4].
والمقصود من التّقييد بهذه الحال التّنبيه على أنّها مخلوقة بالقصد والاختيار لا بالصدفة.
ويجوز أن تجعل هذه الحال من جميع ما تقدّم من قوله: ﴿ نخرج منه حبّاً متراكباً ﴾ ، فإنّ جميع ذلك مشتبه وغير متشابه.
وجعله الزمخشري حالاً من ﴿ الزّيتون ﴾ لأنّه المعطوف عليه وقدّر ل ﴿ الرمّان ﴾ حالاً أخرى تدلّ عليها الأولى، بتقدير: والرمّان كذلك.
وإنّما دعاه إلى ذلك أنّه لا يَرى تعدّدَ صاحب الحال الواحدة ولا التّنازع في الحال ونظره بإفراد الخبر بعد مبتدأ ومعطوففٍ في قول الأزرق بن طَرفة الباهلي، جواباً لبعض بني قشير وقد اختصما في بئر فقال القُشيري: أنتَ لِصّ ابنُ لِصّ: رَمَاني بأمر كنتُ منه ووالدي *** بَريئاً ومن أجللِ الطَّوِي رَماني ولا ضير في هذا الإعراب من جهة المعنى لأنّ التّنبيه إلى ما في بعض النّبات من دلائل الاختيار يوجّه العقول إلى ما في مماثله من أمثالها.
وجملة: ﴿ انظروا إلى ثمره ﴾ بيان للجمل الّتي قبلها المقصودِ منها الوصول إلى معرفة صنع الله تعالى وقدرته، والضّمير المضاف إليه في ﴿ ثمره ﴾ عائد إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ مشتبهاً ﴾ من تخصيص أو تعميم.
والمأمور به هو نظر الاستبصار والاعتبار بأطواره.
والثَمَر: الجَنَى الّذي يُخرجه الشّجر.
وهو بفتح الثّاء والميم في قراءة الأكثر، جمع ثَمَرة بفتح الثّاء والميم وقرأه حمزة والكسائي وخلَف بضمّ الثّاء والميم وهو جمع تَكسير، كما جمعت: خَشبة على خُشُب، وناقة على نُوق.
واليَنْعُ: الطِّيبُ والنّضج.
يقال: يَنَع بفتح النّون يَيْنع بفتح النّون وكسرها ويقال: أيْنَع يُونِع يَنْعا بفتح التّحتيّة بعدها نون ساكنة.
و ﴿ إذا ﴾ ظرف لحدوث الفعل، فهي بمعنى الوقت الّذي يبتدئ فيه مضمون الجملة المضاف إليها، أي حين ابتداء أثماره.
وقوله: ﴿ وينعه ﴾ لم يقيّد بإذا أينع لأنّه إذَا ينع فقد تمّ تطوّره وحان قطافه فلم تبق للنّظر فيه عبرة لأنّه قد انتهت أطواره.
وجملة: ﴿ إنّ في ذلكم لآيات ﴾ علّة للأمر بالنّظر.
وموقع (إنّ) فيه موقع لام التّعليل، كقول بشّار: إنّ ذاك النّجَاحَ في التّبْكير *** والإشارة ب ﴿ ذلكم ﴾ إلى المذكور كلّه من قوله ﴿ وهو الّذي أنزل من السّماء ماء فأخرجنا به نبات كلّ شيء إلى قوله ويَنْعه ﴾ فتوحيد اسم الإشارة بتأويل المذكور، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ عوان بين ذلك ﴾ في سورة [البقرة: 68].
ولقوم يؤمنون } وصف للآيات.
واللاّم للتّعليل، والمعلّل هو ما في مدلول الآيات من مضمّن معنى الدّلالة والنّفع.
وقد صرّح في هذا بأنّ الآيات إنّما تنفع المؤمنين تصريحاً بأنّهم المقصود في الآيتين الأخريين بقوله: ﴿ لقوم يعلمون ﴾ [الأنعام: 97] وقوله ﴿ لقوم يفقهون ﴾ [الأنعام: 98]، وإتماماً للتّعريض بأنّ غير العالمين وغير الفاقهين هم غير المؤمنين يعني المشركين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَمُسْتَقَرٌّ في الأرْضِ ومُسْتَوْدَعٌ في الأصْلابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: فَمُسْتَقَرٌّ في الرَّحِمِ ومُسْتَوْدَعٌ في القَبْرِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّالِثُ: فَمُسْتَقَرٌّ في أرْحامِ النِّساءِ ومُسْتَوْدَعٌ في أصْلابِ الرِّجالِ، قالَهُ عَطاءٌ، وقَتادَةُ.
والرّابِعُ: فَمُسْتَقَرٌّ في الدُّنْيا ومُسْتَوْدَعٌ في الآخِرَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: فَمُسْتَقَرٌّ في الأرْضِ ومُسْتَوْدَعٌ في القَبْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّادِسُ: أنَّ المُسْتَقَرَّ ما خُلِقَ، والمُسْتَوْدَعُ ما لَمْ يُخْلَقْ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ رِزْقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحَيَوانِ.
والثّانِي: نَباتُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الثِّمارِ.
﴿ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا ﴾ يَعْنِي زَرْعًا رُطَبًا بِخِلافِ صِفَتِهِ عِنْدَ بَذْرِهِ.
﴿ نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا ﴾ يَعْنِي السُّنْبُلَ الَّذِي قَدْ تَراكَبَ حَبُّهُ.
﴿ وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ ﴾ القِنْوانُ جَمْعُ قِنْوٍ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ الطَّلْعُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ الجِمارُ.
والثّالِثُ: هي الأعْذاقُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أثَّتْ أعالِيهِ وآدَتْ أُصُولُهُ ومالَ بِقِنْوانٍ مِنَ البُسْرِ أحَمَرا ﴿ دانِيَةٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: دانِيَةٌ مِنَ المُجْتَنِي لِقِصَرِ نَخْلِها وقُرْبِ تَناوُلِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: دانِيَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِتَقارُبِها، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ وَجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ ﴾ يَعْنِي بَساتِينَ مِن أعْنابٍ.
﴿ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُشْتَبِهًا ورَقُهُ مُخْتَلِفًا ثَمَرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: مُشْتَبِهًا لَوْنُهُ مُخْتَلِفًا طَعْمُهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالضَّمِّ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ، وفي اخْتِلافِهِ بِالضَّمِّ والفَتْحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الثُّمُرَ بِالضَّمِّ جَمْعُ ثِمارٍ، وبِالفَتْحِ جَمْعُ ثَمَرَةٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
والثّانِي: أنَّ الثُّمُرَ بِالضَّمِّ: المالُ، وبِالفَتْحِ: ثَمَرُ النَّخْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.
﴿ وَيَنْعِهِ ﴾ يَعْنِي نُضْجَهُ وبُلُوغَهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن البراء بن عازب ﴿ قنوان دانية ﴾ قال: قريبة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ قنوان دانية ﴾ قال: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ قنوان ﴾ الكبائس، والدانية المنصوبة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قنوان دانية ﴾ قال: تهدل العذوق من الطلع.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ قنوان ﴾ قال: عذوق النخل ﴿ دانية ﴾ قال: متهدلة، يعني متدلية.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ مشتبهاً وغير متشابه ﴾ قال: مشتبهاً ورقه مختلفاً ثمره.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ انظروا إلى ثمره إذا أثمر ﴾ قال: رطبه وعنبه.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ انظروا إلى ثمره ﴾ بنصب الثاء والميم ﴿ وينعه ﴾ بنصب الياء.
وأخرج أبو الشيخ عن محمد مسعر قال: فرضاً على الناس إذا أخرجت الثمار أن يخرجوا وينظروا إليها.
قال الله: ﴿ انظروا إلى ثمره إذا أثمر ﴾ .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء ﴿ وينعه ﴾ قال: نضجه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ وينعه ﴾ قال: نضجه.
وأخرج الطستي عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وينعه ﴾ قال: نضجه وبلاغه.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: إذا ما مشت وسط النساء تأوّدت ** كما اهتز عصن ناعم أنبت يانع <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ قال ابن عباس: (يريد: المطر الذي ينزل، ليس من نقطة إلا ومعها ملك) (١) ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ ﴾ يعني: بالمطر ﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ذكر الفراء فيه قولين: (أحدهما يقول: رزق كل شيء، يريد: ما ينبت مما يصلح غذاء لكل شيء، قال: وكذا جاء التفسير، وهو وجه الكلام، قال: وقد يجوز في العربية أن [تضيف] (٢) ﴿ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ وأنت تريد بكل شيء النبات أيضًا، فيكون مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ [حَقُّ] (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا ﴾ قال أبو إسحاق: (معنى خَضِر كمعنى أَخْضَر، يقال: اخْضَرَّ فهو أخضَرُ وخَضِرٌ، مثل اعْوَرَّ فهو أَعْوَرُ وعَوِرٌ) (٥) (٦) وقال الليث: (الخضر في كتاب الله هو الزرع، وفي الكلام كل نبات من الخُضَر) (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا ﴾ يعني: من الخضر، نخرج ﴿ حَبًّا مُتَرَاكِبًا ﴾ بعضه على بعض في سنبلة واحدة (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ ﴾ قال أبو عبيد: (أَطْلَعَت النخلة إذا أخرجت طَلْعَها، وطَلْعُها كُفُرَّاها (١١) (١٢) (١٣) (١٤) و ﴿ قِنْوَانٌ ﴾ ، قال الزجاج: (جمع قِنْو، مثل صِنْوٍ وصِنْوَانٍ، وإذا ثنيت القِنْو قلت: قِنْوانِ، بكسر النون) (١٥) قال أبو عبيدة: (ثم جاء جمعه على لفظ الاثنين مثل صنو وصنوان، والإعراب في النون للجمع، وليس لهما في كلام العرب نظير) (١٦) (١٧) فَأَثتْ أَعَالِيه وآدت أُصُولُهُ ...
وَمَالَ بِقِنْوانٍ مِنَ البُسْرِ أَحْمَرَا قال أبو علي: الكسرة التي في (قنوان) ليست التي كانت في قنو، لأن وتلك قد حذفت في التكسير، وعاقبتها الكسرة التي [يجلبها التكسير، وكذلك التي (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ يريد: تدنو ممن يجتنيها) (٢٥) (٢٦) قال أبو إسحاق: ( ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ أي: قريبة المتناول، قال: ولم يقل: ومنها قنوان بعيدة؛ لأن في الكلام دليلًا أن البعيدة السحيقة قد كانت غير سحيقة، فاجتزأ بذكر القريبة عن ذكر البعيدة كما قال: ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ﴾ ولم يقل: وسرابيل تقيكم البرد؛ لأن في الكلام دليلاً على أنها تقي البرد؛ لأن ما ستر من الحر ستر من البرد) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ ﴾ الوجه: كسر (٢٨) ﴿ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ ﴾ وروى الأعشى (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) ﴿ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ ﴾ أخرجناها، فجرى مجرى قول العرب: أكرمت عبد الله وأخوه، يريدون: وأخوه أكرمته أيضاً، ومثله [قول] (٣٣) غَداةَ أحلَّتْ لابْنِ أَصْرَمَ طَعْنَةُ ...
حُصَيْنٍ عَبيطَاتِ السَّدَائِفِ والخَمْرُ (٣٤) فرفع الخَمر، وهي مفعولة، على معنى: والخمر أحلتها الطعنة، والمذهب الآخر: رفع الجنات بالنسق على القنوان؛ تغليبًا لمعنى الجوار، كما قال الشاعر: وزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا (٣٥) فنسق العيون على الحواجب تغليبًا للمجاورة، والعيون لا تزجج، كما أن الجنات من الأعناب لا [يكنّ] (٣٦) (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ ﴾ قال الفراء: (يريد: شجر الزيتون، وشجر الرمان، كما قال: ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴾ يريد: أهلها) (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ﴾ ، قال قتادة: (مشتبهًا ورقها مختلفًا ثمرها) (٣٩) (٤٠) (٤١) ﴿ وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ﴾ في الطعم) (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ ﴾ قال عبد العزيز بن يحيى: (نظر الاستدلال والعبرة) (٤٣) (٤٤) ﴿ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ﴾ ، قال الفراء: (يقول: انظروا إليه أول ما يعقد) (٤٥) (٤٦) وقرأ حمزة والكسائي (ثُمُرِه) بضم الثاء (٤٧) ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ وكذلك أكمة وأكم، ثم يخففون [فيقولون] (٤٨) (٤٩) ترى الأكم منه (٥٠) (٥١) ونظيره من المعتل ساحَة وسُوْح (٥٢) (٥٣) (٥٤) وقوله تعالى: ﴿ وَيَنْعِهِ ﴾ الينع: النضج (٥٥) (٥٦) حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يريد: يصدّقون أن الذي أخرج هذا النبات قادر على أن يحيى الموتى ويبعثهم.
قال أبو إسحاق (٦١) (٦٢) ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، أعلمهم أن فيما قصّ عليهم دليلًا [لمن صدّق]) (٦٣) (١) ذكره الرازي 13/ 107 عن الواحدي.
(٢) في (ش): (يضيف).
(٣) في (ش): (الحق)، وهو تحريف واضح.
(٤) "معاني الفراء" 1/ 347، وعلى القول الأول يكون النبات مخصوصًا بالمتغذى به، وعليه تكون الإضافة إضافة بين متباينين إذ يصير المعنى: غذاء كل شيء أو رزقه، وعلى القول الثاني: يكون النبات عامًّا في كل ما يتغذى بالماء من الحيوان والنبات، وعليه تكون الإضافة راجعة في المعنى إلى إضافة شبه الصفة لموصوفها، والمعنى: أخرجنا به كل شيء منبت؛ لأن النبات بمعنى المُنبت أفاد ذلك السمين في "الدر" 5/ 67 - 68، وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 292، و"إعراب القرآن" للنحاس 568.
(٥) "معاني الزجاج" 2/ 275، وانظر: "غريب اليزيدي" ص 140.
(٦) هذا مثل قائله أبو ذؤيب الهذلي كما في "اللسان" 8/ 4545 مادة (نمر) ، وهو بلا نسبه في "العين" 8/ 271، و"معانى الأخفش" 2/ 283، و"الجمهرة" == 2/ 802، والطبري 7/ 292، و"إعراب النحاس" 1/ 568، و"الصحاح" 2/ 647 مادة (خضر)، ونمرة: بفتح النون، وكسر الميم: السحابة التي فيها سواد وبياض، وهو مثل يضرب في صحة مخيلة للشيء وصحة الدلالة عليه، وإذا رأيت دليل الشيء علمت مما يتبعه.
انظر: "جمهرة الأمثال" 1/ 49، و"مجمع الأمثال" 1/ 306، و"المستقصى" 1/ 144.
(٧) النص في "العين" 4/ 175 مادة (خضر)، وفي "التهذيب" 1/ 1044 مادة (خضر)، وقال الليث: الخضِرُ في هذا الموضع الزرع الأخْضَرُ) ا.
هـ انظر: "مقاييس اللغة" 2/ 195، و"المفردات" ص 285، و"اللسان" 2/ 1112 مادة (خضر).
(٨) السُّلْت: بالضم، ضرب من الشعير أبيض لا قشر له.
انظر: "اللسان" 4/ 2059 مادة (سلت).
(٩) قوله: (الأرز) غير واضح في (أ)، والأثر ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 108، والقرطبي 7/ 48.
(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 292، والسمرقندي 3/ 503.
(١١) كُفَرَّاها: بضم الكاف، وتشديد الراء المفتوحة، وفتح الفاء أو ضمها: وعاء الطلع، وقشره الأعلى.
انظر: "اللسان" 7/ 3901 مادة (كفر).
(١٢) الإغريض بكسر الهمزة وسكون الغين: كل أبيض مثل اللبن، والطلع حين ينشق عنه كافوره.
انظر: "اللسان" 6/ 3242 مادة (غرض).
(١٣) النص عن أبي عبيد في "الدر المصون" 5/ 74، ونقله الرازي في "تفسيره" 13/ 108، عن الواحدي عن أبي عبيدة، والنص عند الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2208، عن أبي زيد، وقوله: (والطلع أول ما يرى) في التهذيب من قول المفضل الضبي.
(١٤) "تهذيب اللغة" 3/ 2206، وانظر: "العين" 2/ 12، و"الجمهرة" 2/ 915، و"الصحاح" 3/ 1254، و"المجمل" 2/ 585، و"اللسان" 5/ 2691 مادة (طلع).
(١٥) "معاني الزجاج" 2/ 275، وفيه: (والقنو: العذق، بكسر العين) ا.
هـ، ونحوه ذكر الأخفش في "معانيه" 2/ 283، قال: (وواحد القِنْوان قِنو، وكذلك الصنوان واحدها صِنو) ا.
هـ، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 463: (القنوان: العذُوق عند أكثر أهل اللغة).
(١٦) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 202، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 168.
(١٧) "ديوانه" ص 60، والطبري 7/ 293، و"تهذيب اللغة" 3/ 3051 مادة (قنا) ، والماوردي 2/ 149، وابن الجوزي 3/ 93، و"اللسان" 6/ 3762 مادة (قنا) و"البحر" 3/ 443، و"الدر المصون" 5/ 72، وفي الديوان: سَوامقَ جَبَّار أثيث فروعُهُ ...
وعالين قِنْوانًا مِنَ البُسْرِ أَحْمَرا والسوامق: العاليات، والجبار: الذيَ فات الأيدي فلم تنله، والأثيث: الكثير الملتف بعضه على بعض، وآدت، أي: تثنت ومالت.
(١٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(١٩) الهجان: بكسر الهاء من الإبل البيض الكرام الخالصة اللون.
انظر: "اللسان" 8/ 4626 مادة (هجن).
(٢٠) في (ش): (في طراف إذا جمعت عليه طريفًا) بالطاء المهملة، ولعله تصحيف.
(٢١) انظر: "كتاب الشعر" لأبي علي 1/ 120، و"الدر المصون" 5/ 72.
(٢٢) يعني: بالضمة، أفاده السمين في "الدر" 5/ 72، حين نقل قول الواحدي.
(٢٣) يعني: بالكسرة.
ويعني: أننا حين نرخم منصورًا بقولنا: منصُ، فإن الضمة فيه على لغتي الترخيم من ينتظر ومن لا ينتظر، تختلف الواحدة منهما عن الأخرى في الفرض والتقدير، أفاده الدكتور أحمد الخراط في "حاشية الدر المصون".
(٢٤) العرجون: بضم العين، وسكون الراء، العِذق عامة، وقيل: هو العذق إذا يبس واعوج.
انظر: "اللسان" 5/ 2871 مادة (عرجن).
(٢٥) ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 108، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 194 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (دَانِيةٌ: تهدل العذوق من الطلع) اهـ.
(٢٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 194، وابن أبي حاتم 4/ 1358، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 67.
(٢٧) "معاني الزجاج" 2/ 275، ونحوه ذكر النحاس في "معانيه" 2/ 464، والبغوي في "تفسيره" 3/ 172.
(٢٨) انظر: "معاني الأخفش" 2/ 283، و"الزجاج" 2/ 276.
(٢٩) الأعشى: يعقوب بن محمد بن خليفة التميمي، أبو يوسف الكوفي، إمام عابد، مقرئ، تصدر للإقراء بالكوفة، فقرأ عليه خلق كثير، وهو من جلة أصحاب ابن عياش، توفي نحو 200 هـ.
انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 159، و"غاية النهاية" 2/ 390.
(٣٠) أبو بكر: هو شعبة بن عياش الأسدي، تقدمت ترجمته.
(٣١) قرأ عامة القراء (وجناتٍ) بكسر التاء وموضعها نصب.
وروى يعقوب الأعشى وعبد الحميد الرجمي عن أبي بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود (وجناتٌ) بالرفع.
قال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 569، والقرطبي في "تفسيره" 7/ 49: (وهو الصحيح من قراءة عاصم) ا.
هـ، وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 294، و"مختصر الشواذ" ص 39، و"المبسوط" ص 172، و"الغاية" ص 246، و"التذكرة" 2/ 405 ، و"الإتحاف" 2/ 24.
(٣٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(٣٣) لفظ: (قول) ساقط من (ش).
(٣٤) "ديوانه" 1/ 354، و"الكامل" 1/ 370، و"الإنصاف" 160، و"الدر المصون" 5/ 76، وعبيطات: جمع عبيطة بفتح العين، وهي السمينة الفتية، والسدائف جمع سديف وهو السنام.
(٣٥) الشاهد للراعي النميري، شاعر أموي فحل في "ديوانه" ص 150، و"تأويل مشكل القرآن" ص 213، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 148، و"الخصائص" 2/ 432، و"الإنصاف" 488، و"اللسان" 3/ 1812 مادة (زجج)، و"الدر المصون" 5/ 77، وصدره: إِذَا ما الغَانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا وفي "الديوان": (وهزة نشوة من حي صدق) وزججن: أي: رققن.
انظر: "الزاهر" 1/ 52.
(٣٦) في (ش): (لا تكن)، بالتاء.
(٣٧) ذكره السمين في "الدر" 5/ 76 - 77، عن ابن الأنباري، وذكر الواحدي بعضه في "الوسيط" 1/ 90، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 347، و"معانى القراءات" == 1/ 374، و"الحجة" لابن خالويه ص 146، و"الحجة" لابن زنجلة ص 264، و"المشكل" لمكي 1/ 264.
(٣٨) "معاني الفراء" 1/ 348، وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 294.
(٣٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 294، وابن أبي حاتم 4/ 1359 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 67.
(٤٠) "تفسيرمقاتل" 1/ 581.
(٤١) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 294، والسمرقندي 1/ 503، والماوردي 2/ 149، وابن عطية 5/ 301، وابن الجوزي 3/ 94، والقرطبي 7/ 49.
(٤٢) "معاني الزجاج" 2/ 276، وفيه: (أي: في الطعم وفيه ما يشبه طعم بعضه طعم بعض) ا.
هـ، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 464.
(٤٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 91 بدون نسبة، وانظر: "تفسير ابن عطية" 6/ 119، والقرطبي 7/ 49.
(٤٤) لم أقف عليه.
(٤٥) "معاني الفراء" 1/ 348.
(٤٦) انظر: "الكتاب" 3/ 583، و"الحجة" لأبي علي 3/ 366.
(٤٧) قرأ حمزة والكسائي (ثُمُرِه) بضم الثاء والميم، وقرأ الباقون: بفتحهما.
انظر: "السبعة" ص 262، و"المبسوط" ص 172، و"التذكرة" 2/ 406، و"التيسير" ص 105، و"النشر" 2/ 260.
(٤٨) في (أ): (فيقول)، وهو تحريف.
(٤٩) في "الحجة" لأبي علي 3/ 367 - 369: (وكذلك أكمة وأكُم، وتخفيف العين كما قالوا: الأكْم في جمع أَكَمَةٍ) ا.
هـ.
(٥٠) في (ش): (فيه).
(٥١) الشاهد لزيد الخمِل الطائي شاعر مخضرم فحل في "المعاني الكبير" 2/ 890، و"الكامل للمبرد" 2/ 201، وبلا نسبة في: "تأويل مشكل القرآن" 417، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 295، و"كتاب الشعر" 1/ 183، و"الصحاح" 2/ 483 مادة (سجد)، و"الصاحبي" ص 453، و"اللسان" 4/ 1941 مادة (سجد)، وصدره: بجَيْشٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِهِ (٥٢) في النسخ: (ساجة - وسوج) بالجيم، ولعله تصحيف.
(٥٣) اللَّابة: الحرة والأرض التي كسيت بحجارة سوداء.
انظر: "اللسان" 7/ 4092 مادة (لوب).
(٥٤) ما تقدم قول أبي علي في "الحجة" 3/ 366 - 369 (بتصرف).
وانظر: "معاني == القراءات" 1/ 375، و"إعراب القراءات" 1/ 166، و"الحجة" لابن خالويه ص 146، ولابن زنجلة ص 264، و"الكشف" 1/ 443.
وقراءة الجماعة بالفتح الثمر اسم جنس مفرده ثمرة، أما قراءة الضم، فالجمهور على أنه جمع ثمرة.
انظر: "تفسير الطبري" 7/ 294 - 295، و"معاني الزجاج" 2/ 276، و"إعراب النحاس" 1/ 570، و"الدر المصون" 5/ 80.
(٥٥) انظر: "معاني الفراء" 1/ 348، و"معاني النحاس" 2/ 464، و"الصحاح" 3/ 1310، و"مجمل اللغة" 4/ 943، و"المفردات" ص 894 مادة (ينع).
قال الجوهري: (يَنَع الثمر يَيْنَع وَييْنِعُ يَنْعا ويُنْعا وُينُوعًا، أي: نضج؛ وأَيْنَع مثله).
(٥٦) نقله بهذا اللفظ الرازي في "تفسيره" 13/ 111 عن الواحدي عن أبي عبيدة.
وذكره السمين في "الدر" 5/ 82 عن أبي عبيد، وفي "مجاز القرآن" 1/ 202 نحوه، لكنه ضبط بالمطبوعة بالفتح.
قال: (ينعه مصدر من يَنع إذا أينع ..
واحده يانع، والجمع يَنْع، ويقال: ينَع يَيْنَع ينوعًا، فمنه اليانع، ويقال: ينعت وأينعت لغتان) ا.
هـ.
ملخصًا.
(٥٧) الشاهد مختلف في نسبته، وهو للأحوص الأنصاري شاعر أموي، في "ديوانه" ص 91، وليزيد بن معاوية في "الجمهرة" 2/ 956، ونقل المبرد في "الكامل" 1/ 384 عن الأخفش أنه قال: (الصحيح أنه ليزيد) اهـ.
ونسب في "اللسان" 3/ 1375 مادة (دسكر) إلى الأخطل، وفي 8/ 4971 مادة (ينع) إلى عبد الرحمن بن حسان، ونسب في "التاج" 11/ 558، إلى أبي دهبل الجمحي، وهو بلا نسبة في: "مجاز القرآن" 1/ 202، و"معاني الزجاج" 2/ 277، و"تفسير الطبري" 7/ 295، و"تهذيب اللغة" 4/ 3988 مادة (ينع)، و"زاد المسير" 3/ 95، و "الدر المصون" 5/ 82 ، وصدره: (في قِبَابٍ حَوْلَ دَسْكرة) والدسكرة: القرية، والبناء الضخم.
(٥٨) (تينع) غير واضحة في (أ) وكأنها (تيينع أو يينع).
(٥٩) في (أ): (بضمه).
(٦٠) ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 111 عن الواحدي عن الليث، وفي "الدر المصون" 5/ 82: (قال الليث بكسرها في الماضي وفتحها في المستقبل) ا.
هـ.
وفي "العين" 2/ 257: (يَنَعت الثمرة يُنعا ويَنَعا، وأيْنعَ إيناعًا، والنعت: يانِع ومُونِع) ا.
هـ.
(٦١) "معاني الزجاج" 2/ 277.
(٦٢) في (أ): (المخلوقين)، وهو تحريف.
(٦٣) في (ش): (لمن صدق قوله).
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ ﴾ الضمير عائد على الماء ﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ ﴾ الضمير عائد على النبات ﴿ خَضِراً ﴾ أي أخضر غضاً، وهو يتولد من أصل النبات من الفراخ ﴿ نُّخْرِجُ مِنْهُ ﴾ الضمير عائد على الخضر ﴿ حَبّاً مُّتَرَاكِباً ﴾ يعني السنبل لأن حبه بعضه على بعض، وكذلك الرمان وشبهه ﴿ قِنْوَانٌ ﴾ جمع قنو، وهو العنقود من التمر، وهو مرفوع بالابتداء وخبره من النخل، ومن طلعها بدل، والطلع أول ما يخرج من التمر في أكمامه ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ أي قريبة سهلة التناول، وقيل: قريبة بعضها من بعض ﴿ وجنات مِّنْ أعناب ﴾ بالنصب عطف على نبات كل شيء وقرئ في غير السبع بالرفع عطف على قنوان ﴿ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه ﴾ نصب على الحال من الزيتون والرمان، أو من كل ما تقدم من النبات، والمشتبه والمتشابه بمعنى واحد أي: من النبات ما يشبه بعضه بعضاً في اللون والطعم والصورة، ومنه ما لا يشبه بعضه بعضاً، وفي ذلك دليل قاطع على الصانع المختار القدير العليم المريد ﴿ انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ﴾ أي انظروا إلى ثمره أول ما يخرج ضعيفاً لا منفعة فيه، ثم ينتقل من حال إلى حال حتى يينع أي ينضج ويطيب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يجعلونه ﴾ ﴿ يبدونها ﴾ و ﴿ يخفون ﴾ بياآت الغيبة: أبو عمرو وابن كثير، الباقون: على الخطاب ﴿ ولينذر ﴾ بياء الغيبة: أبو بكر وحماد.
الباقون: بتاء الخطاب ﴿ بينكم ﴾ بفتح النون: أبو جعفر ونافع وعلي وحفص والمفضل.
الباقون: بالرفع ﴿ وجعل الليل ﴾ على لفظ المضي ونصب الليل عاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ وجاعل الليل ﴾ على لفظ اسم الفاعل وبالإضافة ﴿ وجنات ﴾ بالرفع: الأعشى والبرجمي الباقون: بالنصب ﴿ فمسستقر ﴾ بكسر القاف: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب.
الباقون: بالفتح ﴿ ثمره ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف وكذلك في آخر السورة ويس.
الباقون: بفتحتين ﴿ وخرقوا ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع.
الباقون: بالتخفيف.
الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يجعلونه ﴾ بياء الغيبة.
ومن قرأ بالتاء فوقفه حائز لانتهاء الاستفهام مع اتفاق الخطاب على تقدير وقد علمتم ﴿ آباؤكم ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط لأن قوله ذرهم} معطوف على ﴿ قل ﴾ ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ ومن حولها ﴾ ط ﴿ يحافظون ﴾ ه ﴿ أنزل الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج لاتساق الكلام معنى مع تقدير حذف أي يقولون أخرجوا ﴿ أنفسكم ﴾ ط لأن المراد من اليوم يوم القيامة ﴿ تستكبرون ﴾ ه ﴿ ظهوركم ﴾ ج لاتحاد القول.
والوقف أوضح لابتداء النفي وانقطاع النظم ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ والنوى ﴾ ط ﴿ من الحي ﴾ ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ فالق الإصباح ﴾ ج لمن قرأ ﴿ وجعل ﴾ لانقطاع النظم واتصال المعنى على تقدير فلق وجعل، أو وقد جعل وعامل الحال معنى الفعل في فالق ﴿ حسباناً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ومستودع ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقصود ﴿ متراكباً ﴾ ط ومن قرأ ﴿ وجنات ﴾ بالرفع فللعطف على ﴿ قنوان ﴾ لفظاً فيلزمه وقفه على ﴿ دانية ﴾ وإلا فليعطف ويفهم أن ﴿ جنات ﴾ من جملة النخل، ومن خفض فوقفه على ﴿ متراكباً ﴾ جائز للعطف على قوله ﴿ خضراً ﴾ مع وقوع العارض ﴿ وغير متشابه ﴾ ط ﴿ وينعه ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه.
التفسير: اعلم أن مدار القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد.
فبعد ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك شرع في تقرير أمر النبوة فقال ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ قال ابن عباس: أي ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أنكروا النبوة والرسالة.
وقال أيضاً في رواية: ما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير.
وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته.
وقال الأخفش: ما عرفوه حق معرفته أي في اللطف بأوليائه أو في القهر لأعدائه.
وقال الجوهري: قدر الشيء مبلغه وقدرت الشيء أقدره وأقدره قدراً من التقدير أي حرره وعرف مقداره.
ثم بيّن سبب عدم عرفانه بقوله ﴿ إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ وإنما كان منكر البعث والرسالة غير عارف بالله ، لأنه إما أن يدعي أنه ما كلف أحداً من الخلائق تكليفاً أصلاً وهو باطل لأنه فتح باب المنكرات والقبائح بأسرها، وإما أن يسلم أنه كلف الخلق بالأوامر والنواهي ولكن لا على ألسنة الرسل وهذا أيضاً جهل.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون العقل كافياً في إيجاب الواجبات وحظر المنكرات؟
فالجواب هب أن الأمر كذلك إلا أنه لا يمتنع تأكيد التصريف العقلي بل يجب تفصيل ذلك المجمل بالتعريفات المشروحة على ألسنة الرسل، لأن أكثر العقول قاصرة عن إدراك مدارك الأحكام الشرعية كما أن نور البصر قاصر عن إدراك المبصرات إلا إذا أعين بنور من خارج كنور الشمس أو السراج.
وأيضاً تفويض مصالح العباد إلى مقتضى عقولهم يؤدي إلى التنازع والتشاجر لتصادم الأهواء وتناقض الآراء فلا بد من أن يتفقوا على واحد يصدرون عن رأيه، وتعيين ذلك الواحد من الخلق ترجيح بلا مرجح وإشراف على الضلال لإحتمال الخطأ في اجتهادهم، فلعل الخير في نظرهم يكون شراً في نفس الأمر فلزم أن يكون التعيين من الله بكونه أعرف بالبواطن كقوله ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ وإنما يعرف ذلك المعين بظهور المعجزة على وفق دعواه تصديقاً له، ومن أنكر ذلك ولم يجوّز خرق العادة فقد وصف الله بالعجز ونقصان القدرة.
وقد طعن بعض الملحدة في الآية بأن هؤلاء القائلين إن كانوا كفار قريش أو البراهمة فهم ينكرون رسالة كل الأنبياء كما ينكرون رسالة محمد فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ على أن قوله ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ بتاء الخطاب إنما يليق باليهود وإن كانوا أهل الكتاب فهم لا يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء، بل يقرّون بنزول التوراة على موسى والإنجيل على عيسى.
وأيضاً الأكثرون اتفقوا على أن السورة مكية وأنها نزلت دفعة واحدة ومناظرات اليهود مع رسول الله وآله كانت مدنية، فكيف يمكن حمل الآية على تلك المناظرة؟
والجواب أنهم إن كانوا كفار قريش فإنهم كانوا مختلطين باليهود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات على يد موسى كالعصا وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها وكان جارياً مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى.
وعلى هذا لا يبعد إيراد نبوة موسى إلزاماً لهم في قولهم ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ ولما كان كفار قريش مع اليهود والنصارى متشاركين في إنكار نبوة محمد وآله لم يبعد أن يكون الكلام الواحد خطأ بالكفار قريش أوّلاً ولأهل الكتاب آخراً وأما إن كانوا أهل الكتاب - وهو المشهور عند الجمهور - فالوجه ما روي عن ابن عباس أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلاً سميناً دخل على رسول الله وآله فقال له رسول الله وآله: " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟
فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود" .
فضحك القوم فغضب ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء.
فقال له قومه: ما هذا الذي بلغنا عنك؟
فقال: إنه أغضبني: ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.
فلعل مالك بن الصيف لما تأذى من الكلام المذكور طعن في نبوة الرسول وإنه ما أنزل عليه من شيء البتة فأمر بأن يقول في جوابه ﴿ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ أي لما سلمت أن الله أنزل الوحي والتنزيل على بشر وهو موسى فكيف يمكنك أن تقطع بأنه ما أنزل عليّ شيئاً غاية ما في الباب أن تطالبني بالمعجز.
والحاصل أنهم قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله فألزموا ما لا بد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم بالتحريف وإبداء بعض وإخفاء بعض.
وقيل: اللفظ وإن كان مطلقاً بحسب اللغة إلا أنه مقيد بحسب العرف بتلك الواقعة، فكأنه قال: ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين، وهذا كما إذا أرادت المرأة أن تخرج من الدار فغضب الزوج وقال: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيراً من الفقهاء قالوا: التعليق مقيد بتلك المرة حتى لو خرجت مرة أخرى لم تطلق.
ويرد على هذا التوجيه أن قوله ﴿ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ لا يكون مبطلاً لكلام الخصم.
أما قوله "إن السورة مكية والمناظرات مدينة" فأجيب عنه بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنه نزلت بالمدينة في هذه الواقعة والله أعلم.
ومن الأحكام المستنبطة من الآية أن قوله ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ يفيد أن عقول الخلق قاصرة عن كنه معرفة الله وإن كانوا مقرين بالنبوة والرسالة لإطلاق قوله في موضع آخر ﴿ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته ﴾ ومنها أن النكرة في سياق النفي تعم وإلا لم يكن قوله ﴿ من أنزل ﴾ مبطلاً لقوله ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ ومنها أن النقض يقدح في صحة الكلام وإلا لم يكن في قوله ﴿ من أنزل ﴾ حجة.
ويعلم منه أن قول من يقول إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقض مبطلاً ضعيف وإلا بطلت حجة الله في هذه الآية، فإن لليهود حينئذ أن تقول: معجزات موسى كانت أظهر وأبهر من معجزاتك فلا يلزم نبوتك.
ومنها أن الغزالي رحمه الله تكلف وقال: حاصل الآية يرجع إلى أن موسى أنزل الله عليه شيئاً، وأحد من البر ما أنزل الله عليه شيئاً فينتج من الشكل الثاني أن موسى ما كان من البشر وهذا خلف محال، وليس هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ولا بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية وهي قولهم ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ فوجب القول بكونها كاذبة فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف.
ثم اعلم أنه وصف كتاب موسى بكونه نوراً وهدى للناس والعطف يقتضي المغايرة.
فالمراد بالنور ظهوره في نفسه.
وبالهدى كونه سبباً لظهور غيره كقوله في وصف القرآن ﴿ ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا ﴾ قال أبو علي الفارسي ﴿ يجعلونه قراطيس ﴾ أي ذات قراطيس أي يودعونه إياها.
فإن قيل: إذا كان جميع الكتب كذلك فلم ذكر في معرض الذم؟
قلنا: لأنهم جعلوه قراطيس مفرقة مبعضة ليتوسلوا بذلك إلى إبداء بعض وإخفاء بعض مما فيه نعت محمد ، أو شيء من الأحكام التي لا توافق هواهم كالرجم وغيره ﴿ وعلمتم ﴾ أيها اليهود على لسان محمد ﴿ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وقيل: كانوا يقرؤن الآيات المشتملة على نعت محمد وما كانوا يفقهون معانيها إلى أن بعث الله محمداً، فظهر أن المراد منها هو البشارة بمقدمه، وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم ﴾ ﴿ قل الله ﴾ أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون على أن ينكروا ذلك فإن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف المؤيد قول صاحبه بالمعجزات الباهرة لا يكون إلا من الله .
ونظره ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ﴾ والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها، فسواء أقر الخصم به أولم يقر فالغرض حاصل.
﴿ ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ يقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه إنما أنت لاعب و ﴿ يلعبون ﴾ حال من ﴿ ذرهم ﴾ أو من ﴿ خوضهم ﴾ ويحتمل أن يكون ﴿ في خوضهم ﴾ حالاً من ﴿ يلعبون ﴾ وأن يكون صلة له أو لـ ﴿ ذرهم ﴾ .
والمعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والإنذار هذا المبلغ العظيم فقد قضيت ما عليك كقوله ﴿ إن عليك إلا البلاغ ﴾ قيل: إنها منسوخة بآية السيف وفيه نظر لأنه مذكور لأجل التهديد فلم يكن نزول آية القتال رافعاً لشيء من مدلولات هذه الآية.
ثم لما ذكر حال التوراة أعقبه بذكر القرآن فقال ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ وفائدة هذا الوصف أنه كان من الممكن أن يظن أن محمداً مخصوص من الله بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من تركيب القرآن على هذا النسق من الفصاحة، فنفى ذلك الوهم وبين أن الله هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل ﴿ مبارك ﴾ كثير خيره دائم نفعه باعث على الخيرات زاجر عن المنكرات لما فيه من أصول العلوم النظرية والعملية.
وقد جرت سنة الله بأن الباحث عنه والمتمسك به يفوز بعز في الدنيا وسعادة في الآخرة وقد جرب فوجد كذلك.
﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ أي موافق لما قبله من الكتب الإلهية.
أما في الأصول فلأنه يمتنع وقوع التفاوت فيها بحسب الأزمنة والأمكنة.
وأما في الفروع فلأنها مشتملة على التبشير بمقدم محمد .
ويحصل منه أن التكاليف الموجودة فيها إنما تبقى إلى وقت ظهوره ثم تصير منسوخة ﴿ ولتنذر ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فلأنه أسند الإنذار إلى الكتاب مجازاً لأنه سبب الإنذار ﴿ إنما أنذركم بالوحي ﴾ وهو معطوف على ما دل عليه سائر الأوصاف كأنه قيل: أنزلناه للبركة ولتصديق ما تقدمه من الكتب وللإنذار، قال ابن عباس: سميت مكة أم القرى لأن الأراضين دحيت من تحتها.
وقال أبو بكر الأصم: لأنها قبلة أهل الدنيا فصارت هي كالأصل وسائر البلاد تبعاً، وأيضاً الناس يجتمعون إليها للحج وللتجارة كما يجتمع الأولاد إلى الأم.
وقيل: لأن الكعبة أول بيت وضع للناس.
وقيل: إن مكة أول بلدة في الأرض ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي أهل أم القرى ومن حولها.
قيل: المراد أهل جزيرة العرب فاستدل اليهود بذلك على أنه مبعوث إلى العرب فقط.
وأجيب بأن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على نفي ما عداها لا سيما وقد ثبت بالتواتر أنه كان يدعي أنه رسول إلى العالمين.
ويحتمل أن يقال: ما حوالي مكة يتناول جميع البلاد ﴿ والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ﴾ أي بهذا الكتاب لأن أصل الدين خوف العاقبة فمن خالفها لم يزل به الخوف حتى يؤمن.
وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير قاعدة البعث والقيامة مثل محمد ، وفيه أن كفار مكة يبعد منهم قبول هذا الدين لأنهم كانوا لا يعتقدون البعث والحشر ﴿ وهم على صلاتهم يحافظون ﴾ يعني أن الإيمان بالآخرة كما أنه يحمل المكلف على الإيمان بالنبي وبالكتاب كذلك يحمله على محافظة الصلوات.
وخص الصلاة بالذكر لأنها عماد الدين وسنام الطاعات كاد المحافظ عليها أن يأتي بأخواتها كلها ويجتنب المنكرات بأسرها.
ثم ذكر ما يدل على وعيد من ادّعى النبوّة وإنزال الكتاب عليه فرية وافتراء فقال ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ قال المفسرون: نزلت في الكذابين مسيلمة الحنفي والأسود العنسي.
عن النبي "رأيت فيما يرى النائم كأن في يدي سوارين من ذهب فكبرا علي وأهماني.
فأوحى الله إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا عني فأوّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء الأسود العنسي" .
﴿ أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ﴾ كان مسيلمة يقول: محمد وآله رسول الله في بني قريش، وأنا رسول الله في بني حنيفة.
واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من نسب إلى الله ما هو بريء منه إما في الذات وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلاً تحت هذا الوعيد ﴿ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ﴾ قال المفسرون: هو النضر بن الحرث كان يدعي معارضة القرآن وهو قوله ﴿ لو نشاء لقلنا مثل هذا ﴾ وروي أن عبد الله بن سعد أبي سرح القرشي كان يكتب الوحي لرسول الله ، وكان إذا تلا عليه "سميعاً عليماً" كتب هو "عليماً حكيماً" وإذا قال "عليماً حكيماً" كتب "غفوراً رحيماً" فلما نزل ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] أملاه الرسول .
فلما وصل إلى قوله ﴿ أنشأناه خلقاً آخر ﴾ عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال: تبارك الله أحسن الخالقين فقال النبي اكتبها فكذلك نزلت، فشك عبد الله وقال: لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، وإن كان كاذباً لقد قلت كما قال فارتد عن الإسلام ولحق بمكة.
فلما دخل رسول الله مكة فر إلى عثمان - وكان أخاه من الرضاعة - فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة، ثم أتى به رسول الله فاستأمن له.
ثم فصل ما أجمل من الوعيد فقال ﴿ ولو ترى ﴾ الآية.
وجوابه محذوف أي لرأي يا إنسان أمراً عظيماً ﴿ إذ الظالمون ﴾ يعني الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة.
فاللام للعهد، ويحتمل أن تكون للجنس فيندرج هؤلاء فيه.
وغمرات الموت شدائده وسكراته.
وأصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ﴾ قيل: إنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من أجسادهم فما الفائدة في هذا الخطاب؟
وأجيب بوجوه منها: أن المراد ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة إذا ما دخلوا جهنم، وغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد والتعذيبات ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ بالعذاب يكلمونهم يقولون لهم ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ من هذا العذاب الشديد إن قدرتم.
ومنها ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ﴾ عند نزول الموت بهم في الدنيا ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ لقبض أرواحهم يقولون لهم ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ من هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام، ومنها هاتوا أرواحكم وأخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويقول: أخرج إليّ مالي عليك ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك.
ومنها أنه ليس بأمر وإنما هو وعيد وتقريع كقوله القائل: امض الآن لترى ما يحل بك، والتحقيق أن نفس المؤمن حال النزع تنبسط في الخروج إلى لقاء ربه، ونفس الكافر تكره ذلك ويشق عليها الخروج، وقطع التعلق لأنها تصير إلى العذاب وإليه الإشارة في الحديث " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فهؤلاء الكفار يكرههم الملائكة على نزع الروح وعلى فراق المألوف.
وفي الآية دلالة على أن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل المحسوس، لأن المخرج يجب أن يكون مغايراً للمخرج منه ﴿ اليوم ﴾ يريد وقت الإماتة أو الوقت الممتد الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة ﴿ تجزون عذاب الهون ﴾ كقولك "رجل سوء" بالإضافة لأن العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالإهانة كما أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم، والتركيب يدور على قلة المبالاة بالشيء ومنه بالفتح السكينة والوقار، وهان عليه الشيء أي حقر، وأهانه استخف به، والاسم الهون بالضم والهوان والمهانة.
والحاصل أنه جمع لهم بين الأمرين الإيلام والإهانة ﴿ بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ يعني أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بمجموع الأمرين: الافتراء على الله والتكبر على آيات الله وهو عدم الإيمان بها.
قال الواحدي ﴿ وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ أي لا تصلون له لقوله "من سجد لله سجدة واحدة بنية صادقة فقد برىء من الكبر" ﴿ ولقد جئتمونا ﴾ يحتمل أن يكون معطوفاً على قول الملائكة ﴿ أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون ﴾ ثم الملائكة إما الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم، وإما الملائكة الموكلون بعذابهم، ويحتمل أن يكون القائل هو الله إن جوزنا أنه يتكلم مع الكفار ﴿ فرادى ﴾ جمع ينون ولا ينوّن واحده.
قيل: فرد على غير قياس: فردان كسكارى وسكران قاله ابن قتيبة.
وقيل: فريد كرديف وردا في وهم الحداة والأعوان لأنه إذا أعيا أحدهم خلفه الآخر ﴿ كما خلقناكم ﴾ أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو مجيئاً مثل خلقنا لكم.
﴿ أوّل مرة ﴾ والمراد التوبيخ والتقريع لأنهم بذلوا جهدهم وصرفوا كدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين: أحدهما المال والجاه، والثاني أنهم عبدوا الأصنام وجعلوها شركاء لله فيهم فقلبوا القضية وتركوا الحقيقة، وذلك أن النفس الإنسانية إنما تعلقت بالجسد ليكون البدن آلة لها في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة، فإذا فارقت البدن ولم يحصل لها هذان المطلبان عظم خسرانها وطال حرمانها فاستحق التوبيخ بقوله ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ أي منفردين عما يجب من الأعمال والعقائد.
ثم إنها مع ذلك اكتسبت أشياء قد علق الرجاء بها لأنه أفنى العمر في تحصيلها وأنها ليست مما يبقى معها فلا جرم استحق التقريع بقوله ﴿ وتركتم ما خوّلناكم ﴾ أي أعطينا وتفضلنا به عليكم ﴿ وراء ظهوركم ﴾ يعني أنها كالشيء الذيي يبقى وراء ظهر الإنسان فلن يمكنه الانتفاع به وربما بقي معوج الرأس بسبب التفاته إليه ﴿ وما نرى معكم شفعاءكم ﴾ أي ليسوا معكم حتى يروا، أو ليسوا معكم بالشفاعة والنصرة كما زعمتم بدليل قوله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ الآية.
من قرأ بالنصب على الظرف فمعناه وقع التقطع بينكم كقوله ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ يقال: جمع بين الشيئين أي وقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره.
وقيل: المراد لقد تقطع وصلكم بينكم كقولهم إذا كان غداً فأتني أي إذا كان الرجاء أو البلاء غداً فأتني فأضمر لدلالة الحال، ومن قرأ بالرفع فلأنه أسند الفعل إلى الظرف اتساعاً كما تقول: قوتل خلفكم وأمامكم، أو لأن المراد بالبين الوصل وإنما حسن استعماله في معنى الوصلة مع أن أصله الافتراق والتباين لأنه يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ومواصلة من بعض الوجوه كقولهم: بيني وبينه مشاركة وبيني وبينه رحم.
والمعنى لقد تقطع وصلكم.
قلت: ويحتمل أن يكون البين بمعنى الافتراق ويفيد المبالغة كقولهم: جد جده.
فإذن العاقل من يكسب الزاد ليوم المعاد حتى لا يوبخ بقوله ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ ويصرف المال في وجوه التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله حتى لا يخاطب بقوله ﴿ وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ﴾ بل يكون من زمرة ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ﴾ كيلا تطول حسرته يوم ينقطع بين النفس والجسد وصله.
ثم إنه لما فرغ من تقرير التوحيد والنبوّة والمعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال قدرته لتعلم أن حال المباحث العقلية والنقلية إنما هو معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله فقال ﴿ أن الله فالق الحب والنوى ﴾ أي بالنبات والشجر.
وعن مجاهد أراد الشقين اللذين في الحنطة والنواة، والفلق هو الشق.
وعن ابن عباس والضحاك: الفلق هو الخلق.
ووجه بأن العقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انشقاق، فإخراج الشيء من العدم إلى الوجود شق لذلك العدم وفلق بحسب التخيل والتعقل.
واعلم أنه إذا وقعت الحبة والنواة في الأرض الرطبة ثم مر بها قدر من المدة أظهر الله في أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً، أما العالي فيخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء، وأما السافل فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة، وههنا عجائب منها: أن طبيعة الشجرة إن كانت تقتضي الهويّ في الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة إلى الهواء وبالعكس.
فاتصال الشجرتين على التبادل ليس بمقتضى الطبع والخاصية بل بمقتضى إرادة الموجد المختار.
ومنها أن باطن الأرض جسم صلب كثيف لا تنفذ فيه المسلة ولا السكين، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق مع غاية نعومتها تقوى على النفوذ والغوص في جرم الأرض، فحصول هذه القوّة الشديدة للجرم الضعيف ليس إلا بتقدير العزيز العليم.
ومنها أنه يتولد من النواة شجرة ويحصل من الشجرة أغصان وأوراق وأزهار وأثمار، وللثمر قشر أعلى وقشر أسفل وفيه اللب، وفي اللب الدهن الذي هو المقصود الأصلي فتولد هذه الأجرام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وطعومها وأشكالها مع تساوي تأثيرات النجوم والطبائع في المادة الواحدة يدل على وجود الفاعل المختار.
ومنها أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فالأترج قشره حار يابس ولحمه بارد رطب، وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه بارد يابس وماؤه ولحمه حار رطب.
ومنها أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة، فبعضها يكون لبه في الداخل وقشره في الخارج كالجوز واللوز، وبعضها يكون فاكهته المطلوبة في الخارج والخشبة في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضها يكون لنواها لب كالخوخ وقد لا يكون كالتمر، وبعض الفواكه يكون كله مطلوباً كالتين.
فهذه الأحوال المختلفة والأشكال المتخالفة.
تتضمن حكماً وفوائد لا يعلمها إلا مبدعها.
ومنها أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة وجدت في وسطها خطاً واحدا ًمستقيماً يشبه النخاع في بدن الإنسان ولا يزال يستدق حتى يخرج عن إدراك الحس، ثم ينفصل عن ذلك الخط خطوط دقائق أصغر من الأول، فكأنه أوجد ذلك لتقوى به الجاذبة المركوزة في جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة.
فإذا وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في إيجاد جملة تلك الشجرة أكثر، وعلمت أن عنايته بتخليق الحيوان الذي خلق النبات لأجله يكون أكمل، وكذا عنايته بحال الإنسان الذي خلق لأجله النبات والحيوان ويصير ذلك مرقاة لك إلى وجود الصانع الخبير الحكيم القدير.
ثم بين كونه فالق الحب والنوى بقوله ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت، لأن النامي في حكم الحيوان ولهذا قال ﴿ يحيي الأرض بعد موتها ﴾ ثم عطف على قوله ﴿ فالق الحب ﴾ قوله ﴿ ومخرج الميت من الحي ﴾ قال ابن عباس: أخرج من النطفة بشراً حياً ثم يخرج من البشر الحي نطفة، أو يخرج من البيض دجاجة ومن الدجاجة بيضاً، أو يخرج المؤمن من الكافر كما في حق إبراهيم، والكافر من المؤمن كنوح وابنه، أو المطيع من العاصي والعاصي من المطيع، أو العالم من الجاهل والجاهل من العالم، أو الكامل من الناقص والناقص من الكامل، وقد يجعل الضار نافعاً وبالعكس.
يحكى أن إنساناً سقى الأفيون في الشراب ليموت فلما تناوله ظن القوم أنه سموت فرفعوه وجعلوه في بيت مظلم فلدغته حية وصارت تلك اللدغة لقوّة حرارة سم الحية سبباً لدفع ضرر برد الأفيون.
ونقل عن عبد القاهر الجرجاني أن قوله ﴿ ومخرج الميت ﴾ معطوف على قوله ﴿ يخرج ﴾ وإنما حسن عطف الاسم على الفعل ههنا، لأن لفظ الفعل يدل على اعتناء الفعل بذلك الفعل في كل وقت بخلاف لفظ الاسم ولهذا قال ﴿ هل من خالق غير الله يرزقكم ﴾ ليفيد أنه يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة إذا ثبت هذا فنقول الحي أشرف من الميت، فذكره بلفظ الفعل فيدل على أن الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من العكس ﴿ ذلكم الله ﴾ المدبر الخالق النافع الضار المحيي المميت ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره، أم كيف تستبعدون البعث والنشور لأن الإعادة أهون من الإبداء؟
ثم عدل عن الأحوال الأرضية إلى الاستدلال بما فوقها وهي الأحوال الفلكية فقال ﴿ فالق الإصباح ﴾ وهو مصدر سمي بهالصبح، المراد فالق ظلمة الإصباح وهو الغبش في آخر الليل وكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة.
ثم إنه شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى فيه جدولاً من النور.
فالمعنى فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح، وحسن الحذف للعلم به.
أو المراد فالق الإصباح ببياض النهار وإسفاره ومنه قولهم "انشق عمود الفجر وانصدع الفجر" أو المراد مظهر الإصباح بواسطة فلق الظلمة، فذكر السبب وأراد المسبب، أو الفالق بمعنى الخالق كما مر وقد سلف لنا تقرير الصبح في البقرة في تفسير قوله عز من قائل ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ﴾ ثم إن كون الصبح بسبب وقوع ضوء الشمس على ضلع مخروط ظل الأرض في جانبه الشرقي لا ينافي كون الله فالق الإصباح بالحقيقة، كما أن وجود النهار بسبب طلوع جرم الشمس عن الأفق لا ينافي ذلك، والإمام فخر الدين الرازي أراد أن يبين أن ذلك بقدرة الفاعل المختار فنفى كونه بسبب ضوء الشمس بحجج اخترعها من عنده وكلها خلاف المعقول والمنقول من علم الرياضة فلذلك أسقطناها عن درجة الاعتبار.
النوع الثاني من الدلائل الفلكية الدالة على التوحيد قوله ﴿ وجاعل الليل سكناً ﴾ حجة من قرأ باسم الفاعل أن المعطوف عليه اسم فاعل، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله بعد ذلك ﴿ والشمس والقمر ﴾ منصوبان ولا بد من عامل وما ذلك إلا أن يقدر "جاعل" بمعنى "جعل".
والسكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه من زوج أو حبيب ومنه قيل للنار: سكن كما سموها المؤنسة لأنها يستأنس بها، والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه وجمامه.
ويحتمل أن يراد: وجعل الليل مسكوناً فيه كما قال ﴿ لتسكنوا فيه ﴾ فالليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم، فهما نعمتان من الله وآيتان على وحدته وقدرته.
النوع الثالث قوله ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ أي سببي حسبان لأن حساب الأوقات يعلم بسيرهما ودورهما.
والحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب بالكسر.
وقيل: إنه جمع حساب مثل "شهاب" وشهبان".
قال في الكشاف: الشمس والقمر قرئا بالحركات الثلاث.
فالنصب على إضمار فعل دل عليه ﴿ جاعل الليل ﴾ أو يعطفان على محل الليل لأن اسم الفاعل أريد به ههنا الاستمرار كما تقول: الله عالم قادر.
فلا تقصد زماناً دون زمان فتكون الإضافة غير حقيقة ويكون لليل محل.
قلت: وهذا مناقض لما ذكره في ﴿ مالك يوم الدين ﴾ من أنه يجوز أن يراد به زمان مستمر حتى تكون الإضافة حقيقية، ويصح وقوعه صفة للمعرفة.
وأما وجه الجر فظاهر.
ووجه الرفع كونهما مبتدأين محذوفي الخبر أي والشمس والقمر مجعولان أو محسوبان حسباناً ﴿ وذلك ﴾ الجعل ﴿ تقدير العزيز ﴾ الذي قهرهما ﴿ العليم ﴾ الذي دبرهما.
وذلك أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيآتها المحدودة وأوضاعها المعينة لا يتم إلا بقدرة شاملة لجميع الممكنات وعلم نافذ في الكليات والجزيئات.
النوع الرابع قوله ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم ﴾ عد ههنا من منافع النجوم كونها سبباً للاهتداء إلى الطرق والمسالك ﴿ في ظلمات البر والبحر ﴾ حيث لا يرون شمساً ولا قمراً.
والتقدير في ظلمات الليل بالبر والبحر فأضافها إليهما لملابستها لهما.
وقيل: المراد ظلمات بر التعطيل وبحر التشبيه فإن اختصاص كل من هذه الكواكب بحال وصفة أخرى مع تشاركها في الجسمية دليل ظاهر على مختار قادر.
وأيضاً اتصافها بالأعضاء والأبعاض والحدود والأحياء مع أنها لا تصلح للإلهية بالاتفاق دليل على تنزيه الله من هذه السمات ولهذا قال ﴿ قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ﴾ فيستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب.
ثم عدل عن الآيات الآفاقية إلى آيات الأنفس فقال ﴿ وهو الذي أنشأكم ﴾ أي خلقكم بطريق النشؤ والنماء ﴿ من نفس واحدة ﴾ هي آدم وحوّاء مخلوقة من ضلع من أضلاعه، وكذا عيسى لأنه من مريم وإن كان يتوسط كلمة "كن" أبو بالنفخ وهي من آدم ﴿ فمستقر ﴾ من قرأ بكسر القاف فالتقدير فمنكم مستقر ﴿ و ﴾ منكم ﴿ مستودع ﴾ الأول اسم فاعل والثاني اسممفعول.
ومن قرأ بفتح القاف فالتقدير: فلكم مستقر ولكم مستودع.
فيكون كلاهما اسمي مكان أو مصدراً.
وذلك أن استقر لازم فلا يجيء منه المفعول به بلا واسطة فينبغي تفسير مستودع أيضاً بما يشاكله استحساناً.
وعن ابن عباس: أن المستودع الصلب والمستقر الرحم لقوله ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ ولأن اللبث في الرحم أكثر فيكون لفظ القرار بذلك أنسب بخلاف المستودع فإنه في معرض الاسترداد ساعة فساعة، وهذا شأن المني في الأصلاب فإنه بصدد الإراقة في كل حين وأوان.
وقيل: المستقر صلب الأب والمستودع الرحم، لأن النطفة قد حصلت في صلب الأب أوّلاً واستقرت هناك، ثم حصلت في الرحم على سبيل الوديعة، ولأن هذا الترتيب يناسب تقديم المستقر على المستودع.
وعن الحسن: المستقر حاله بعد الموت لأن سعادته وشقاوته تبقى وتستقر على حالة واحدة والمستودع حاله قبل الموت، لأن الكافر قد ينقلب مؤمناً والفاسق صالحاً والوديعة على شرف الزوال والذهاب.
وقال الأصم: المستقر الذي خلق من النفس الأولى وحصل في الوجود والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق.
وعنه أيضاً المستقر من في قرار الدنيا، والمستودع من في القبور إلى يوم البعث.
وعن قتادة بالعكس.
وعن أبي مسلم الأصفهاني: المستقر الذكر لأن النطفة إنما تستقر في صلبه، والمستودع الأنثى لأنها تستودع النطفة.
وحاصل الكلام أن الإنسان خلق من نفس واحدة ثم إنه يتقلب في الأطوار ويتردد في الأحوال، وليس هذا بمقتضى الطبع والخاصية وإلا لتساوى الكل في الأخلاق والأمزجة فذلك إذن بتدبير فاعل قدير مختار خبير.
ولهذا قال ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ ميزنا بعضها عن بعض ﴿ لقوم يفقهون ﴾ لأن الفائدة تعود إليهم وإن كان الإرشاد عاماً، ولأن آيات الأنفس أقرب إلى الاعتبار وأهون لدى الاستبصار ختم هذه الآية بالفقه، وخصص خاتمة الآية الأولى بالعلم ليعلم أن الغافل عن هذه لا فطنة له ولا ذكاء أصلاً فضلاً عن العلم.
ثم عدد ما كونه نعمة أبين فيه من كونه آية فقال ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ قيل: أي من جانب السماء وقيل: أي من السحاب لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت.
وقال أكثر أهل الظاهر: أي من السماء نفسها لأنه فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد.
ونحن قد حكينا في أول سورة البقرة مذهب الحكماء في هذا الباب والله أعلم.
قال ابن عباس: يريد بالماء ههنا المطر، ولا تنزل قطرة من السماء إلا ومعها ملك.
والفلاسفة يحملون ذلك على الطبيعة الحالة فيها الموجبة للنزول إلى مركزها.
﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة ذلك الماء وذلك يوجب الطبع والمتكلمون ينكرونه ﴿ نبات كل شيء ﴾ قال الفراء: أي نبات كل شيء له نبات فيخصص بنبت كل صنف من أصناف النامي ويخرج ما عدا ذلك.
وفي الآية التفاتان: الأول من الحكاية إلى الغيبة حيث لم يقل "نحن الذين أنزلنا" والثاني من الغيبة إلى الحكاية وأنت خبير أن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب باب من أبواب البلاغة، وصيغة الجمع لأجل التعظيم كما هو ديدن الملوك.
ثم لما بين أن السبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف كثيرة فصل ذلك بعض التفصيل حسب ما ذكر في قوله ﴿ إن الله فالق الحب والنوى ﴾ فقال ﴿ فأخرجنا منه ﴾ أي من النبات ﴿ خضراً ﴾ شيئاً أخضر طرياً وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة.
﴿ نخرج منه ﴾ أي من ذلك الخضر ﴿ حباً متراكباً ﴾ بعضه على بعض.
قال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت والذرة، فأصل ذلك هو العود الأخضر وتكون السنبلة راكبة عليه من فوقه والحبات متراكبة وفوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كالإبر.
والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة.
ولما ذكر ما نبت من الحب أتبعه ذكر ما ينبت من النوى فقال ﴿ ومن النخل ﴾ وهو خبر وقوله ﴿ من طلعها ﴾ بدل منه كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل ﴿ قنوان ﴾ أو الخبر محذوف لدلالة أخرجنا عليه.
والتقدير: ومخرجة من طلع النخل قنوان وهو جمع قنو كصنوان وصنو.
والقنو العذق وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب، والطلع أول ما يبدو من غذق النخلة.
قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية من تحتها.
وعنه أيضاً أنه أراد عذوق النخلة اللاصقة بالأرض.
قال الزجاج: ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن أحد القسمين يغني عن الآخر كما قال ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ ويحتمل أن يقال: ترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأتم.
وقيل: أراد بكونها دانية أنها سهلة المجتنى متعرضة للقاطف كالشيء الداني القريب المتناول، وأن النخلة وإن كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها بالثمر لا تنتظر الطول ﴿ وجنات من أعناب ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ خضراً ﴾ أي وأخرجنا به جنات من أعناب.
ومن قرأ بالرفع فعلى أنها مبتدأ محذوف الخبر أي وثم جنات من أعناب، أو وجنات من أعناب مخرجة، ولا يجوز أن يكون عطفاً على قنوان وإن جوّزه في الكشاف، إذا يصير المعنى وحاصلة أو مخرجة من النخل من طلعها جنات حصلت من أعناب.
أما قوله ﴿ والزيتون والرمان ﴾ بالنصب فللعطف على منصوبات قبلها أو للاختصاص لفضل هذين الصنفين.
قال الفراء: أراد شجر الزيتون وشجر الرمان فحذف المضاف.
واعلم أنه قدم الزرع على الأشجار لأنه غذاء وثمار الأشجار فواكه والغذاء مقدم على الفواكه، ثم قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يقوم مقام الغذاء ولا سيما للعرب.
ومن فضائلها أن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوانات مشابهات كثرة ولهذا قال "أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من بقية طينة آدم" ثم ذكر العنب عقيب النخل لأنه أشرف أنواع الفواكه وأنه ينتفع به من أوّل ظهوره إلى آخر حاله.
فأوّله خيوط دقيقة حامضة الطعم لذيذة وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه، ثم يظهر الحصرم وهو طعام شريف للأصحاء وللمرضى من أصحاب الصفراء، ثم يتم العنب فيؤكل كما هو ويدخر ويتخذ منه الزبيب والدبس والخمر والخل ومنافع كل منها لا تحصى، إلا أن الخمر حرمها الشرع لإسكارها.
وأخس ما في العنب عجمه والأطباء يتخذون منه جوارشنات نافعة للمعدة الضعيفة الرطبة.
ويتلو العنب في المنفعة الزيتون لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل منه الزيت الذي يعظم غناؤه، وأما الرمان فحاله عجيبة جداً لأنه قشر وشحم وعجم وماء.
والثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة، وأما ماء الرمان فبالضد من هذه الصفات وأنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف وهو غذاء من وجه ودواء من وجه، وكأنه جمع فيه بين المتضادين فيكون دلالة القدرة والرحمة والحكمة فيه أكمل وأنواع النبات أكثر من أن يفي بشرحها المجلدات فاكتفى بذكر هذه الأنواع الخمسة تنبيهاً على البواقي.
وأما قوله ﴿ مشتبهاً وغير متشابه ﴾ ففي تفسيره وجوه الأوّل أن هذه الفواكه تكون متشابهة في اللون والشكل مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذّة، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس.
الثاني أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابهاً في الطعم والخاصية، وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنها تكون مختلفة، ومنهم من يقول: الأشجار متشابهة والثمار مختلفة.
ومنهم من قال: بعض حبات العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه وذلك أنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة فإنها بقيت على أوّل حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة، ومعنى اشتبه وتشابه واحد يقال: اشتبه الشيئان وتشابها كقولك: استويا وتساويا.
وإنما قال ﴿ مشتبهاً ﴾ ولم يقل "مشتبهين" إما اكتفاء بوصف أحدهما، أو على تقدير والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك كقوله: رماني بأمر كنت ووالدي *** بريئا ومن أجل الطويّ رماني ﴿ انظروا إلى ثمره ﴾ من قرأ بفتحتين فلأنه جمع ثمرة مثل: بقر وبقرة، وشجر وشجرة.
ومن قرأ بضمتين فعلى أنه جمع ثمرة أيضاً مثل: خشبة وخسب.
قال ﴿ كأنهم خشب مسندة ﴾ أو على أن ثمرة جمعت على ثمار ثم جمع ثمار على ثمر ﴿ إذا أثمر ﴾ إذا أخرج ثمره ﴿ وينعه ﴾ يقال: ينعت الثمرة ينعاً وينعاً بالفتح والضم إذا أدركت ونضجت.
أمر بالنظر في حال ثمر كل شجرة أوّل حدوثها وفي آخر حالها فإنها قد تكون موصوفة بالخضرة والحموضة ثم تصير إلى السواد والحلاوة، وربما كانت أوّل الأمر باردة بحسب الطبيعة ثم تصير حارة الطبع وقد يخرج ضيئلاً ضعيفاً لا يكاد ينتفع به، ثم يؤول إلى كمال اللذة والمنفعة فحصول هذه الانتقالات والتغيرات لا بد له من سبب مستقل في التأثير سوى الطبائع والفصول والأفلاك والنجوم وما ذاك إلا السبب الأوّل ومبدع الكل، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ قال القاضي: المراد لمن يطلب بالإيمان بالله لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن، ويحتمل أن يقال: خص المؤمنين لأنهم المنتفعون بذلك دون غيرهم، أو المراد أن هذه الدلالة على قوّتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله في حقه بالإيمان وإلا فلا ينتفع به ألبتة ويكون من زمرة من قال في حقهم ﴿ وجعلوا الله شركاء الجن ﴾ قال الكلبي: عن ابن عباس نزلت في الزنادقة قالوا إن الله وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب.
قال في التفسير الكبير: هذا مذهب المجوس فإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة لأن المجوس يلقبون بالزنادقة لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله يسمى بالزند والمنسوب إليه زندي، ثم عرّب فقيل زنديق، ثم جمع فقيل زنادقة، ثم إنهم قالوا كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان، وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن وهو المسمى بإبليس في شرعنا، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة كقولهم إنه فكر في مملكة نفسه واستعظمها ففعل نوعاً من العجب فتولد الشيطان من ذلك العجب، وكقولهم شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان.
والأقلون منهم قالوا إنه قديم أزلي والحاصل أنهم يقولون: عسكر الله هم الملائكة، وعسكر إبليس هم الشياطين والملائكة فيهم كثرة عظيمة وهم أرواح طاهرة مقدسة تلهم الأرواح البشرية الطاعات، والشياطين فيهم أيضاً كثرة عظيمة يلقون الوساوس إلى الأرواح البشرية، والله مع عسكره يحاربون إبليس مع عسكره فلهذا السبب حكى الله عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن بلفظ الجمع وإن كان شريكه عندهم بالحقيقة واحداً وهو أهرمن.
وانتصاب ﴿ الجن ﴾ على أنه بدل أو بيان لشركاء أو على أنه مفعول أول لـ ﴿ جعلوا ﴾ و ﴿ شركاء ﴾ ثانيه ويكون ﴿ لله ﴾ طرفاً لغواً.
وفائدة تقديم المفعول الثاني على هذا القول استعظام أن يتخذ لله شريك كائناً من كان، ملكاً أو جنياً أو إنسياً، ولذلك قدم اسم الله على الشركاء.
وقرىء ﴿ الجن ﴾ بالرفع كأنه قيل: من هم؟
فقيل: الجن.
وبالجر على الإضافة التي للتبيين.
وقيل: إن الآية نزلت في الكفار الذين جعلوا الملائكة بنات الله.
وحسن إطلاق الجن على الملائكة لاستتارهم عن العيون.
ومعنى كونهم شركاء أنها مدبرة لأحوال هذا العالم ومعينة لله إعانة الولد للوالد.
وعن الحسن وطائفة من المفسرين: أن المراد أن الجن دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام وإلى القول بالشركة فأطاعوهم كما يطاع الله.
أما قوله ﴿ وخلقهم ﴾ فإشارة إلى الدليل القاطع على إبطال الشريك.
والضمير فيه إما أن يعود إلى الجن أو إلى الجاعلين فإن عاد إلى الجن فإن قلنا إن الآية نزلت في المجوس فتقريره أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس محدث ولو لم يعترفوا بذلك والبرهان العقلي قائم على أن ما سوى الحق الواحد ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محدث، فنقول حينئذ، كل محدث مخلوق وله خالق وما ذاك إلا الله ، وحينئذ يلزمهم نقض قولهم لأنه ثبت أن إله الخير قد فعل أعظم الشرور وهو خلق إبليس الذي هو مادة كل شر.
وإن قلنا.
إنها نزلت في كفار العرب القائلين الملائكة بنات الله، فظاهر لأنهم يسلمون أن الملائكة مخلوقون وأنهم تولدوا منه تولد الولد من الوالد.
وإن عاد الضمير إلى الجاعلين فالمعنى.
وعلموا أن الله خلقهم دون الجن كقوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ ولم يمنعهم علمهم أن يتّخذوا من لا يخلق شريكاً للخالق.
والجملة في موضع الحال أي وقد خلقهم.
وقرىء ﴿ وخلقهم ﴾ بسكون اللام أي اختلاقهم للإفك يعني جعلوا لله خلقهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم ﴿ والله أمرنا بها ﴾ ثم حكي عن قوم آخرين نوعاً آخر من الإشراك فقال ﴿ وخرقوا له بنين وبنات ﴾ وذلك قول أهل الكتابين في المسيح وعزير، وقول قريش في الملائكة، ومن هنا يعلم ضعف قول من قال ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن ﴾ نزل في كفار قريش لأنه لزم التكرار من غير فائدة ظاهرة، يقال: خرق الإفك وخلقه واخترقه واختلقه بمعنى.
قال الحسن: كلمة عربية كان الرجل، إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله أعلم.
ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا له بنين وبنات.
أما قوله ﴿ بغير علم ﴾ فكالتنبيه على إبطال قولهم، فإن من عرف الإله حق معرفته استحال أن يثبت له ولداً لأن ذلك الولد إن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلاً بنفسه قائماً بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخرة تعلق الفرعية، وإن كان ممكن الوجود لذاته كان موجوداً بإيجاد الواجب وكان عبداً له لا ولداً.
وأيضاً الولد إنما يحتاج إليه ليقوم مقام الوالد بعد فنائه ومن تقدس عن الفناء لم يحتج إلى الولد.
وأيضاً الولد جزء من أجزاء الوالد ومن لم يكن مركباً استحال أن ينفصل منه جزء يتولد منه الولد.
ثم نزه نفسه عما لا يليق به فقال { } وهذا على لسان المسبحين ﴿ وتعالى عما يصفون ﴾ وهذا له في نفسه سواء سبحه مسبح أم لا.
والمراد بالتعالي العو بالشرف والرفعة بدليل قوله عما يصفون.
التأويل: ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ حين أنكروا إنزال الكتب والبعثة على أنهم لو اعترفوا بذلك أيضاً لم يعرفوه حق معرفته لأن المحاط لا يحيط بالمحيط.
نعم تزداد معرفته بازدياد معرفة أوصافه ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ أي في القراطيس، وما يجعلونه في قلوبهم بالتخلق بأخلاقه ﴿ وعلمتم ﴾ بتعليم محمد ﴿ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ كقوله ﴿ ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سراً بسر وإضماراً بإضمار، والذي علم النبي هو الله وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم، وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بأخلاقه، وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب ﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ لأنه يصدق حقائق جميع ما في الكتب ﴿ ولتنذر أم القرى ﴾ وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق وقد دحيت جميع أرض القلب من تحتها ﴿ ومن حولها ﴾ من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بأن يتنوّروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه.
﴿ والذين يؤمنون بالآخرة ﴾ فيستعملون الأدوات والآلات في أمور الدنيا والآخرة لا في الدنيا الفانية وشهوات النفس وهواها ﴿ يؤمنون ﴾ بالقرآن ﴿ وهم على صلاتهم ﴾ بالترقي في صفاتهم إلى التخلق بأخلاق القرآن يداومون، فإن الصلاة معراج المؤمن ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ بإظهار المواجد والحالات رياء ومراء من غير أن يكون له منها نصيب، ﴿ أو قال أوحي إليّ ﴾ الإشارات ولم يلهم نفسه شيئاً منها، ومن قال متشدّقاً متفيهقاً سأتكلم بمثل كلام الله من الحقائق والأسرار فتظهر مضرة ظلمة وافترائه عند سكرات الموت، وانقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس عن القالب كرهاً لتعلقها بالشهوات واللذات وطلب الرياسات، ويكون شدة النزع والهوان بحسب التعلقات ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ عن الدنيا وما يتعلق بها، أو فرادى عن تعلقات الكونين ﴿ كما خلقناكم أوّل مرة ﴾ في أوّل خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب.
﴿ وتركتم ﴾ بالتجريد عن الدنيا وبالتفريد عن الدنيا والآخرة ﴿ ما خولناكم ﴾ من تعلق الكونين ﴿ وراء ظهوركم وما نرى معكم ﴾ الأعمال والأحوال التي ظننتم أنها توصلكم إلى الله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ وبينها عند انتهاء سيركم كما انتهى سير جبريل عند سدرة المنتهى، وحينئذ لا يصل إلى الوحدة إلا بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ولو لم تدركه الجذبة المسندة إلى العناية لانقطع عن السير في الله بالله ونفى السدرة وهو يقول ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ ﴿ إن الله فالق ﴾ حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة، وفالق النوى ذكر لا إله إلا الله في أرض القلب عن شجرة الإيمان، كلمة طيبة كشجرة طيبة يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية، ومخرج الأفعال الطبيعية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحق في الدارين.
وأيضاً يخرج نخل الإيمان الحق من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله ﴿ فالق الإصباح ﴾ فالق ظلمة الجمادية بصباح العقل والحياة والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح الفهم والإدراك، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صحبة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات.
وبالجملة فالق أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية، وجاعل ليل البشرية ستراً عن ضياء شمس الروح ليسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ يعني تجلي شمس الروحانية وطلوع قمر القلب بالحساب لئلا يفسد أمر القلب والقالب.
وأيضاً تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن إفراط طلوع شموس المعارف والشهود آفة "أنا الحق وسبحاني" وفي تفريطه آفة أنا ربكم الأعلى وعبادة الهوى.
﴿ ذلك تقدير العزيز ﴾ الذي لا يهتدى إليه إلا به ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق الاهتداء إليه ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم ﴾ نجوم أنوار الغيوب في سموات القلوب ﴿ لتهتدوا بها في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية إلى عالم الربوبية.
﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ أرواحكم من روح واحد هو روح محمد "أول ما خلق الله روحي كما خلق أجسادكم من جسد واحد هو جسد آدم أبي البشر" فمن الأرواح ما تعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح.
وأيضاً من الأرواح ما هو مستقر فيه نور صفة الإيمان وما هو مستودع فيه جذبات الحق، ومنها ما هو مستقر في أنانيته مع علو رتبته بالبقاء وما هو مستودع أنانيته بالفناء، وما هو مستقر ببقاء الحق باق وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء ﴿ قد فصلنا ﴾ دلالات الوصول في الوصال ﴿ لقوم يفقهون ﴾ إشارات القلوب ﴿ وهو الذي أنزل ﴾ من سماء العناية ﴿ ماء ﴾ الهداية ﴿ فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ من أنواع المعارف ﴿ فأخرجنا منه خضراً ﴾ طرياً من المعاني والأسرار ﴿ يخرج به ﴾ من الحقائق ما تركب بعضها فترتب بعضها على بعض ﴿ ومن النخل ﴾ يعني أصحاب الولايات من طلعها} من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين أي منهم من يكون مريئاً فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن المريدين.
﴿ وجنات ﴾ يريد أرباب الزهد والتقوى والفتوّة الذين لم يبلغوا رتبة الولاية من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع ﴿ مشتبهاً ﴾ أي متفقاً في الأصول والفروع ﴿ وغير متشابه ﴾ أي مختلفاً فيما بين العلماء ﴿ انظروا ﴾ إلى ثمر الولايات كيف ينتفع به الخواص والعوام ﴿ وينعه ﴾ أي الكامل منها.
﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ بأحوالهم وينتفعون بأموالهم وأحوالهم.
﴿ وجعلوا لله ﴾ إشارة إلى أنه كما يخرج بماء اللطف من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات كذلك يخرج بماء القهر من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ﴾ .
قيل: فالق الحب والنوى كما قال الله - -: ﴿ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ؛ وكقوله : ﴿ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ ﴾ أي: خلقكم يخبر أنه خالق الحب والنوى، خص الحب [والنوى] بالذكر لما منهما خلق جميع ما في الدنيا من الأنزال والحبوب؛ كقوله : ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ منذ ما خلق ما في الدنيا من البشر، فأضاف ذلك إليه؛ فعلى ذلك لما خلق هذه الأنزال كلها من الحب والنوى، ومنها أخرج، أضاف إليها ذلك، والله أعلم.
ويحتمل: أن يكون ليس بإخبار عن ابتداء إنشاء، ولكن إخبار عن لطفه.
والفلق: هو الشق، يخبر أنه يشق النواة مع شدتها وصلابتها، ويخرج منها نبتاً أخضر ليناً، ما لو اجتمع كل الخلائق على إنفاذه وإخراج مثله من غير أذى يصيب ذلك النبت ما قدروا عليه، يخبر عن لطفه وقدرته، أي: من قدر على هذا لقادر على إعادة الخلق وبعثهم بعد إماتتهم وإفنائهم، وإن لم يبق لهم أثر؛ كما قدر على هذا، يعرفهم قدرته أنها غير مقدرة بقدرة الخلق وبقوتهم، بل خارجة عن قوتهم؛ لأن قوته وقدرته ذاتية أزلية بلا سبب، وقوتهم وقدرتهم بأسباب؛ وكذلك ما يشق من الورق الضعيف اللين الشجر والنخل مع شدته وصلابته، ما لو اجتمع الخلائق كلهم على شق ذلك الشجر بذلك الورق مع لينه ما قدروا عليه، يعرفهم لطفه وقدرته أنه لا يعجزه شيء.
وفيه أن ذلك فعل واحد؛ لأنه لو كان فعل عدد لكان إذا أراد هذا شقه منع الآخر عن ذلك.
وفيه أنه على تدبير خرج لا جزافاً؛ حيث اتفق ذلك في كل عام على قدر واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ .
إن الحب والنوى التي ذكر ميت، فيخرج منهما النبات الأخضر حيّاً، ثم يميت ذلك ويخرج منه حباً ونوى.
وفيه دلالة البعث بعد الموت؛ يقول: إن الذي قدر على إخراج النبات الأخضر الحي من حبة ميتة أو نواة ميتة، وليس فيها من أثر ذلك الحي شيء - لقادر أن يبعثهم ويحييهم بعد الموت، وإن لم يبق من أثر الحياة شيء، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ .
أي: ذلكم الذي يفعل ذلك هو الله - - لا الأصنام التي تعبدونها وأشركتم في عبادتكم لله وألوهيته [أي]، أيُّ حجة تصرفكم عما ذكر؟
أي: لا حجة لكم في صرف الألوهية عنه إلى غيره، ولا صرف العبادة إلى الأصنام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ .
قيل: فأني تصرفون عما ذكر من دلالات وحدانيته وألوهيته وربوبيته.
والإفك: هو الصرف في اللغة؛ كقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا ﴾ [أي:] لتصرفنا.
وقيل: تؤفكون: تكذبون، أي: ما الذي حملكم على الكذب؟
والكذب والصرف واحد في الحقيقة؛ لأن الكذب هو صرف قول الحق إلى الباطل، وهما واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ ﴾ .
هو يحتمل الوجهين اللذين ذكرتهما في قوله: ﴿ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ﴾ : خبر عن ابتداء خلقه.
ويحتمل الشق، أي: يشق النهار من الليل، والليل من النهار بعد ما تلف كل واحد منهما [حتى] لم يبق له أثر، ففيه دليل البعث والإحياء بعد الموت، أي: أن الذي قدر على إنشاء النهار من الليل والليل من النهار بعد ما تلف وذهب أثره - لقادر على إنشاء الخلق، وبعثهم بعد الموت وذهاب آثارهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً ﴾ .
جعل الله الليل سكناً وراحة للخلق، والنهار معاشاً لهم يعيشون فيه، وجعلهما آيتين من آيات ربوبيته ووحدانيته مسخرين، يغلبان الخلائق ويقهرانهم، ويكونون تحت سلطانهما ويجريان على سنن واحد؛ [ومجرى واحد] دل أن لهما مدبراً خالقاً عليما، ولو كانا يجريان بطباعهما لكان يختلف جريانهما، ولم يتسق، فدل اتساقهما وجريانهما مجرى واحداً أن لغير فيهما تدبيرا؛ وكذلك الشمس والقمر جعلهما مسخرين لمنافع الخلق؛ لنضج الأنزال وينعها، ولمعرفة عدد الأيام والشهور والسنين، ويجريان مجرى واحداً ومسلكاً واحداً غير مختلف؛ دلّ ذلك أنهما كانا بمدبر عليم حكيم.
وفي قوله: ﴿ فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن الإصباح هو فعل الخلق؛ لأنه مصدر أصبح، وكذلك السكن هو فعل الخلق، ثم أضاف ذلك كله إلى نفسه؛ دل أنه خالق أفعالهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ﴾ اختلف فيه؛ قال أبو عبيد: هو من الحساب، وهو جمع حساب، [يقال: حساب وحسبان]؛ مثل: شهاب وشهبان؛ وهو كقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ﴾ .
وقيل: حسباناً، أي: جريانا، يجريان ويدوران أبداً لا يستريحان؛ دل أنهما كانا بغير مسخرين للخلق؛ لأنهما لو كانا بطباعهما لكانا يستريحان.
وقيل: حسباناً، أي: ضياء؛ كقوله: ﴿ جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً ﴾ ، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ .
أي: ذلك الجريان الذي ذكر، أو تلك المنافع التي جعلت فيها تقدير العزيز [العليم].
قال الحسن: العزيز: هو الذي لا يعجزه شيء، والعزيز: هو الذي [به] يعز كل عزيز.
وقال بعض أهل التأويل: العزيز: المنيع في سلطانه، المنتقم من أعدائه، العليم بمصالح الخلق وبما كان ويكون وبحوائجهم، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .
والمراد منه: الظلمات، وذكر في قوله: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ وأراد بالظلمات: الشدائد والأهوال التي تصيبهم.
ألا ترى أنه قال: ﴿ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾ عند الشدائد والأهوال كانوا يدعون ربهم تضرعاً وخفية، على ما ذكرهم هاهنا عظيم سلطانه وقدرته لما يدفع عنهم الشدائد [وينجيهم من] الأهوال التي تنزل بهم، فالدافع عنهم ذلك هو لا الأصنام التي يعبدون [من] دون الله ويشركونها في عبادته.
ويذكر في قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ عظيم ما أنعم عليهم بما جعل لهم من السماء نجوماً ليهتدوا بها للطرق والمسالك في البحار والبراري عند اشتباهها عليهم.
وفيه دليل وحدانية الرب وتدبيره وحكمته؛ لأنه جعل في السماء أدلة يهتدون بها، ويستدلون على معرفة الطرق مع بعد ما بينهما من المسافة، وتسوية أسباب الأرض بأسباب السماء، وتعلق منافع بعضها ببعض؛ ليعلموا أنه كان بواحد مدبر عليم حكيم؛ إذ لو كان بعدد أو بمن لا تدبير له ولا حكمة، لم يحتمل ذلك، ولم يتسق ما ذكرنا؛ دل أنه كان بالواحد العليم الحكيم، مع علمهم أن الأصنام التي يعبدونها وأشركوها في عبادته لا يقدرون على ذلك، لكنهم يعبدونها ويشركونها في ألوهيته سفهاً منهم وعناداً، وبالله العصمة والتوفيق.
وفي قوله: ﴿ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ ﴾ ، وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا ﴾ ، وغير ذلك من الآيات التي ذكر تذكير نعمه وإحسانه إليهم ليتأدى بذلك شكرهم ويجعل السعي له.
وجائز أن يستدل به على تذكير قدرته وسلطانه: أن من قدر على ما ذكر لا يحتمل أن يعجزه شيء.
و [فيه] تذكير تدبيره وعلمه وحكمه على ما ذكرنا من اتساق الأمور والحال على أمر واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ ﴾ : [قيل: صرفنا الآيات]، أي: صرفنا كل آية إلى موضعها الذي يكون لهم دليلا عند الحاجة إليها.
وقيل: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ ﴾ \[قد\] بينا الآيات ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ، أي: لقوم ينتفعون بعلمهم وإذا انتفعوا بها صارت الآيات لهم؛ لأن من انتفع بشيء يصير ذلك له؛ لذلك ذكر لقوم يعلمون؛ لأنهم إذا لم ينتفعوا بها لم تصر الآيات لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ ﴾ .
فيه دلالة أنه يبدئ ويعيد من غير شيء؛ لأنه أخبر أنه خلق البشر كله من نفس واحدة، والخلائق كلهم لو اجتمعوا ما احتملت الأرض، ولم تكن الخلائق بأجمعهم في تلك النفس الواحدة، دل أنه قادر على الابتداء والإعادة لا من شيء؛ إذ لم يكن لتلك النفس التي خلق الخلائق منها تقدمة شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ .
قال الحسن: مستقر في الآخرة بعمله الذي ختم به: إن ختم بعمل الخير يبقى أبداً في الخير، وإن ختم بشر يبقى أبداً في شر، ومستودع في أجله، ينتقل من وقت إلى وقت ومن حال إلى حال.
وقيل: مستقر في الدنيا.
ويشبه أن يكون مستقر ومستودع في كل حال وكل وقت مستقر (في) [أرحام النساء ومستودع في أصلاب الرجال، وهو قول عامة أهل التأويل، وقيل مستقر في القبر، ومستودع في الدنيا، ويشبه أن يكون ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾ ] في حال القيام حتى ينتقل إلى حال أخرى، ﴿ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ [لما هو على شرف الانتقال إلى أخرى.
وجائز أن يكون قوله ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ : مستقر] في الآخرة بالجزاء لأعمالهم التي عملوا، ومستودع في الدنيا.
ويحتمل: مستقر بالليالي، ومستودع بالنهار، والأول لبني آدم خاصة.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ، ﴿ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، والعلم ما يعرف نفسه؛ ولهذا لا يقال: الله فقيه، ويقال: عالم؛ لأنه عالم بالأشياء [بذاته لا] بأغيارها ونظائرها، [والفقيه: هو الذي يعرف الأشياء بأغيارها ونظائرها ودلائلها].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
يذكرهم عز وجل عظيم منته بما ينزل من السماء من الماء، ويخرج به نبات كل شيء؛ كما ذكرهم من النعم بما جعل لهم من [الشمس والنجوم؛ ليهتدوا] بها في الظلمات واشتباه الطريق، وما جعل الليل للسكون والراحة، والنهار للمعاش والتقلب، وما جعل لهم من الشمس والقمر، وجعل لهم فيهما من المنافع من نضج الأنزال والزروع وينعهما ومعرفة عدد السنين والحساب والآجال التي يجعلون للعقود، وغير ذلك من النعم التي أنعمها عليهم؛ لئلا يرجعوا شكر هذه النعم إلى غيره، ولا يتخذوا إلهاً سواه، وقد ذكرنا أن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك في إثبات الوحدانية له والألوهية لله، وإثبات الرسالة والنبوة، وإثبات البعث بعد الموت؛ لأنهم كانوا ينكرون ذلك كله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ] ما بالخلق حاجة إليه؛ ليعلم أن كل ما يخرج في الأرض أصله من الماء به ينبت [مما يكون غذاء] البشر وغذاء الحيوان كلهم والطيور؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ يذكرهم عظيم ما جعل لهم في الماء من المنافع، على ما أخبر أنه به يخرج نبات كل شيء، وبه حياة كل شيء، [ثم] من الأوقات ما لو نزل من السماء ماء لم يُنبت؛ دل أنه إنما ينبت بتدبير غير لا بالماء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً ﴾ .
قيل: به يخرج أول ما يخرج خضرا يكون ابتداء كل نبت أخضر، ثم يتحول إلى لون آخر، ومنهم من قال: به يعني بالماء وهو ما يبقى أخضر لولا الماء وإلا يبس وتغير عن حال ابتدائه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً ﴾ يخبر عن لطفه وصنعه بما يخرج من الحب متراكباً بعضه على بعض، ما لو اجتمع الخلائق كلهم لم يقدروا على تركيب مثله؛ ليعلموا أن لغير في ذلك تدبيرا وصنعا.
وفيه دلالة أنه قد ينشيء الأشياء من لا شيء ولا سبب، وإن كان قد أنشأ بعضها بأسباب؛ نحو أن أخرج [من الحبة والنواة نباتاً أخضر، ولم يكن في الحب نبات ثم أخرج] من ذلك النبات الأخضر حبوباً، ولم تكن الحبوب في النبات؛ ليعلموا أنه قادر على إنشاء الأشياء لا من شيء ولا سبب.
وفيه نقض قول الدهرية في كون الأشياء في شيء واحد كما هي؛ لأنه لا يحتمل [أن يكون] عشرة آلاف نواة أو حبة [في] نواة واحدة أو في حبّة واحدة، أو تكون الشجرة مع طولها وغلظها وعظمها في نواة أو حبة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّخْلِ ﴾ .
أي: يخرج من النخل طلعها بالماء، وفيه من عظيم لطفه وتدبيره أن جعل النخيل والأشجار تتشرب بعروقها الماء، ثم ينتشر [ذلك] في أصلها إلى أغصانها، ثم يخرج منه ويظهر خضراً؛ ليعلم عظيم تدبيره ولطفه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ ﴾ .
قيل: القنوان: العروق يكون فيها التمر والثمار، واحدها: قنو.
وقوله - عز وجل -: ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ : قال الحسن: دانية بعضها إلى بعض مجتمعة غير متفرقة، على ما يكون من الأعناب والثمر والحبوب، فإن كان هذا فهو في الكل.
وقال بعضهم: دانية: قريبة ملتزقة بالأرض، يناله القائم والقاعد جميعاً.
وعن ابن عباس: ﴿ قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ ﴾ : قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ .
أي: أخرج بالماء جنات وكروما.
﴿ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ ﴾ قيل: أخرج بالماء - أيضاً - الزيتون والرمان [وقال بعضهم: (الزيتون والرمان)] ﴿ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ﴾ أي: يشبه ورق الزيتون في المنظر ورق الرمان.
﴿ وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ﴾ : ثمرتها في اللون والطعم، ولكن هو على الكل على كل الثمار، ولا يشبه بعضها بعضاً: منها ما يشبه ساق هذا بساق آخر والثمار والحبوب مختلف.
ومنها ما يشبه في اللون، والطعم مختلف.
ومنها ما يشبه في الطعم، واللون مختلف.
ليعلموا أن لغير في ذلك تدبيرا وصنعاً لطيفاً لم يكن كذلك بالماء؛ لأنه لو كان كذلك بالماء لكان لا يختلف كل هذا الاختلاف في اللون والطعم والساق والورق؛ دل أنه كان كذلك لغير - عليم مدبر حكيم - أنشأه على ما أراد بلطفه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ﴾ : يحتمل الأمر بالنظر وجوهاً؛ أي [يحتمل]: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه أي: كيف يقلبها، ويحولها من حال إلى حال، ومن لون إلى لون، وأنه يخرج في ساعة لطيفة ما لو اجتمع الخلائق على تقديره ومعرفته أي كم خرج [وأي مقدار] خرج لم يقدروا عليه؛ ليعلموا أنه قادر على إحياء الخلق بمرة واحدة.
وفي إنزال المطر من السماء مع بعدها آية عجيبة وحكمة بالغة، وهو أن ينزله واحداً [واحداً] حتى لا يختلط بعضه ببعض مع كثرة المطر وازدحامه وبعد السماء ما لو اجتمع الخلائق على حفظ مثله ما قدروا عليه [دل] أنه كان بمدبر عليم حكيم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
قد ذكرنا أنها تصير آيات لمن صدق بها وآمن، وأما من عاند وكابر ولم يتأمل فيها لم يفهم [ما فيها] من عجيب آياته وعظيم منته.
وفي قوله: ﴿ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ ﴾ وجهان آخران من الحكمة: [أحدهما]: أن انظروا إلى ثمره إذا أثمر أنه أول ما يخرج يخرج على لون واحد وعلى قدر واحد وعلى طعم واحد، ثم يختلف ألوانها وطعمها وتتفاوت أقدارها؛ ليعلموا أنه كان بتدبير واحد عليم حكيم قادر على خلق الأشياء بلا سبب؛ لأنه لو كان كذلك بسبب لا بتدبير فيه كان سبب هذا كله واحداً، فيجيء أن يخرج كله على سنن واحد؛ دل أنه خالق بذاته لا بسبب.
والثاني: أن انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه أنه جعل ما يطيب منه للبشر، وعلمهم أسبابا يتخذون بها الطيبات من ذلك من نحو النضج والطبخ وغيره، وجعل لغيرهم من الحيوان كما هو خارج من الأرض؛ ليعلموا أن غيرهم من الحيوان والدواب إنما جعلهم لمنافع البشر مسخرين لهم، وأن البشر هم المقصودون في خلق الأشياء كلها، وبالله الحول والقوة، وله المنة والفضل.
<div class="verse-tafsir"
وهو سبحانه وتعالى الذي أنزل من السماء ماء هو ماء المطر، فأنبتنا به كل صنف من أصناف النبات، فأخرجنا من النبات زرعًا وشجرًا أخضر، نخرج منه حبًّا يركلب بعضه بعضًا كما يقع في السنابل، ومن طَلْع النخل تخرج عذوقه قريبة ينالها القائم والقاعد، وأخرجنا بساتين من العنب، وأخرجنا الزيتون والرمان متماثلًا ورقهما، مختلفًا ثمرهما، انظروا -أيها الناس- إلى ثمره أول ما يبدو، إليه حين ينضج، إن في ذلكم -أيها الناس- لأدلة واضحة على قدرة الله لقوم يؤمنون بالله، فهم الذين يستفيدون من هذه الأدلة والبراهين.
<div class="verse-tafsir" id="91.pPQ9B"