الآية ١٠ من سورة الجمعة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 62 الجمعة > الآية ١٠ من سورة الجمعة

فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 131 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠ من سورة الجمعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة الجمعة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فإذا قضيت الصلاة ) أي : فرغ منها ، ( فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) لما حجر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع ، أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله .

كما كان عراك بن مالك رضي الله عنه إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد ، فقال : اللهم إني أجبت دعوتك ، وصليت فريضتك ، وانتشرت كما أمرتني ، فارزقني من فضلك ، وأنت خير الرازقين .

رواه ابن أبي حاتم .

وروي عن بعض السلف أنه قال : من باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة ، بارك الله له سبعين مرة ، لقول الله تعالى : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) وقوله : ( واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ) أي : حال بيعكم وشرائكم ، وأخذكم ، وعطائكم اذكروا الله ذكرا كثيرا ، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة ; ولهذا جاء في الحديث : " من دخل سوقا من الأسواق فقال : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير كتبت له ألف ألف حسنة ، ومحي عنه ألف ألف سيئة " وقال مجاهد : لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا ، حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: فإذا قُضيت صلاة الجمعة يوم الجمعة، فانتشروا في الأرض إن شئتم، ذلك رخصة من الله لكم في ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن مجاهد أنه قال: هي رخصة، يعني قوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ ) .

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ ) قال: هذا إذن من الله، فمن شاء خرج، ومن شاء جلس.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أذن الله لهم إذا فرغوا من الصلاة، (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) فقد أحللته لكم.

وقوله: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) ذُكر عن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في تأويل ذلك ما: حدثني العباس بن أَبي طالب، قال: ثنا عليّ بن المعافى بن يعقوب الموصليّ، قال: ثنا أبو عامر الصائغ من الموصل، عن أَبي خلف، عن أنس، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في قوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) قال: " لَيْسَ لِطَلَبِ دُنْيَا، وَلَكِنْ عِيَادَةُ مَرِيضٍ، وَحُضُورُ جَنَازَةٍ، وَزِيَارَةُ أخٍ فِي اللهِ".

وقد يحتمل قوله: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) أن يكون معنيا به: والتمسوا من فضل الله الذي بيده مفاتيح خزائنه لدنياكم وآخرتكم.

وقوله: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) يقول: واذكروا الله بالحمد له، والشكر على ما أنعم به عليكم من التوفيق لأداء فرائضه، لتفلحوا، فتدركوا طلباتكم عند ربكم، وتصلوا إلى الخلد في جنانه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون قوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض هذا أمر إباحة ; كقوله تعالى : وإذا حللتم فاصطادوا .

يقول : إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم ." وابتغوا من فضل الله " أي من رزقه .

وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال : اللهم إني أجبت دعوتك ، وصليت فريضتك ، وانتشرت كما أمرتني ، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين .

وقال جعفر بن محمد في قوله تعالى : وابتغوا من فضل الله إنه العمل في يوم السبب .

وعن الحسن بن سعيد بن المسيب : طلب العمل .

وقيل : التطوع .

وعن ابن عباس : لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا ; إنما هو عيادة المرضى ، وحضور الجنائز ، وزيارة الأخ في الله تعالى .قوله تعالى : واذكروا الله كثيرا أي بالطاعة واللسان ، وبالشكر على ما به أنعم عليكم من التوفيق لأداء الفرائض .لعلكم تفلحون كي تفلحوا .

قال سعيد بن جبير : الذكر طاعة الله تعالى ، فمن أطاع الله فقد ذكره ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن كان كثير التسبيح .

وقد مضى هذا مرفوعا في " البقرة " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ } لطلب المكاسب والتجارات ولما كان الاشتغال في التجارة، مظنة الغفلة عن ذكر الله، أمر الله بالإكثار من ذكره، فقال: { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } أي في حال قيامكم وقعودكم وعلى جنوبكم، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فإن الإكثار من ذكر الله أكبر أسباب الفلاح.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) أي إذا فرغ من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم ( وابتغوا من فضل الله ) يعني الرزق وهذا أمر إباحة ، كقوله : " وإذا حللتم فاصطادوا " ( المائدة - 2 ) قال ابن عباس : إن شئت فاخرج وإن شئت فاقعد وإن شئت فصل إلى العصر ، وقيل : فانتشروا في الأرض ليس لطلب الدنيا ولكن لعيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله .

وقال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول : " وابتغوا من فضل الله " هو طلب العلم .

( واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض» أمر إباحة «وابتغوا» اطلبوا الرزق «من فضل الله واذكروا الله» ذكرا «كثيرا لعلكم تفلحون» تفوزون، كان صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقدمت عير وضرب لقدومها الطبل على العادة فخرج لها الناس من المسجد إلا اثني عشر رجلا فنزلت.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإذا سمعتم الخطبة، وأدَّيتم الصلاة، فانتشروا في الأرض، واطلبوا من رزق الله بسعيكم، واذكروا الله كثيرًا في جميع أحوالكم؛ لعلكم تفوزون بخيري الدنيا والآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر تيسيره عليهم فى تشريعاته فقال : ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله .

.

) .أى : فإذا فرغتم من أداء الصلاة وأقمتموها على أكل وجه ، فانتشروا فى الأرض ، وامشوا فى مناكبها ، لأداء أعمالكم التى كنتم قد تركتموها عند النداء للصلاة ، واطلبوا الربح واكتساب المال والرزق ، من فضل الله - تعالى - ومن فيض إنعامه ، والأمر هنا للإباحة ، لأنه وارد بعد حظر ، فهو كقوله - تعالى - : ( وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا .

.

) أى : أن الانتشار فى الأرض بعد الصلاة لطلب الرزق ، ليس واجبا عليهم ، إذ طلب الرزق قد يكون فى هذا الوقت ، وقد يكون فى غيره .

.والمقصود من الآية إنما هو تنبيه الناس ، إلى أن لهم فى غير وقت الصلاة ، سعة من الزمن فى طلب الرزق ، وفى الاشتغال بالأمور الدنيوية ، فعليهم أن يسعوا إلى ذكر الله ، إذا ما نودى للصلاة من يوم الجمعة ، وأن يحرصوا على ذلك حرصا تاما ، مصحوبا بالنية الطيبة ، وبالهيئة الحسنة .

وبالمضى المبكر إلى المسجد .وقوله - سبحانه - : ( واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) تحذير لهم من الانتشار فى الأرض لمصالحهم الدنيوية ، دون أن يعطو طاعة الله - تعالى - وعبادته ، ما تستحقه من عناية ومواظبة .أى : إذا قضيت الصلاة ، فانتشروا فى الأرض لتحصيل معاشكم ، دون أن يشغلكم ذلك عن الإكثار من ذكر الله - تعالى - فى كل أحوالكم ، فإن الفلاح كل الفلاح فى تقديم ما يتعلق بأمور الدين ، على ما يتعلق بأمور الدنيا ، وفى تفضيل ما يبقى على ما يفنى .والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها ترسم للمسلم التوازن السامى ، بين ما يقتضيه دينه ، وما تقتضيه دنياه .إنا تأمره بالسعى فى الأرض ، ولكن فى غير وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة ، ودون أن يشغله هذا السعى عن الإكثار من ذكر الله ، فإن الفلاح فى الإقبال على الطاعات التى ترضيه - سبحانه - : ومن بين هذه الطاعات أن يكثر الإنسان من ذكر الله - تعالى - ، حتى فى حالة سعيه لتحصيل رزقه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وجه التعلق بما قبلها هو أن الذين هادوا يفرون من الموت لمتاع الدنيا وطيباتها والذين آمنوا يبيعون ويشرون لمتاع الدنيا وطيباتها كذلك، فنبههم الله تعالى بقوله: ﴿ فاسعوا إلى ذِكْرِ الله ﴾ أي إلى ما ينفعكم في الآخرة، وهو حضور الجمعة، لأن الدنيا ومتاعها فانية والآخرة وما فيها باقية، قال تعالى: ﴿ والآخرة خَيْرٌ وأبقى  ﴾ ووجه آخر في التعلق، قال بعضهم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث، افتخروا بأنهم أولياء الله واحباؤه، فكذبهم بقوله: ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صادقين  ﴾ وبأنهم أهل الكتاب، والعرب لا كتاب لهم، فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وبالسبت وليس للمسلمين مثله فشرع الله تعالى لهم الجمعة، وقوله تعالى: ﴿ إِذَا نُودِىَ ﴾ يعني النداء إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة وهو قول مقاتل، وأنه كما قال لأنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء سواء كان إذا جلس عليه الصلاة والسلام على المنبر أذن بلال على باب المسجد، وكذا على عهد أبي بكر وعمر، وقوله تعالى: ﴿ للصلاة ﴾ أي لوقت الصلاة يدل عليه قوله: ﴿ مِن يَوْمِ الجمعة ﴾ ولا تكون الصلاة من اليوم، وإنما يكون وقتها من اليوم، قال الليث: الجمعة يوم خص به لاجتماع الناس في ذلك اليوم، ويجمع على الجمعات والجمع، وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سميت الجمعة جمعة لأن آدم جمع فيه خلقه» وقيل: لما أنه تعالى فرغ فيها من خلق الأشياء، فاجتمعت فيها المخلوقات.

قال الفراء: وفيها ثلاث لغات التخفيف، وهي قراءة الأعمش والتثقيل، وهي قراءة العامة، ولغة لبني عقيل، وقوله تعالى: ﴿ فاسعوا إلى ذِكْرِ الله ﴾ أي فامضوا، وقيل: فامشوا وعلى هذا معنى، السعي: المشي لا العدو، وقال الفراء: المضي والسعي والذهاب في معنى واحد، وعن عمر أنه سمع رجلاً يقرأ: ﴿ فاسعوا ﴾ قال من أقرأك هذا، قال: أبي، قال: لا يزال يقرأ بالمنسوخ، لو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، وقيل: المراد بالسعي القصد دون العدو، والسعي التصرف في كل عمل، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعي ﴾ قال الحسن: والله ما هو سعي على الأقدام ولكنه سعي بالقلوب، وسعي بالنية، وسعي بالرغبة، ونحو هذا، والسعي هاهنا هو العمل عند قوم، وهو مذهب مالك والشافعي، إذ السعي في كتاب الله العمل، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض  ﴾ ﴿ وَأَنْ سَعْيَكُمْ لشتى  ﴾ أي العمل، وروي عنه صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائتوها وعليكم السكينة» واتفق الفقهاء على: أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان) متى أتى الجمعة أتى على هينة وقوله: ﴿ إلى ذِكْرِ الله ﴾ الذكر هو الخطبة عند الأكثر من أهل التفسير، وقيل: هو الصلاة، وأما الأحكام المتعلقة بهذه الآية فإنها تعرف من الكتب الفقهية، وقوله تعالى: ﴿ وَذَرُواْ البيع ﴾ قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل الشراء والبيع، وقال عطاء: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء، وقال الفراء إنما حرم البيع والشراء إذا نودي للصلاة لمكان الاجتماع ولندرك له كافة الحسنات، وقوله تعالى: ﴿ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي في الآخرة ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ما هو خير لكم وأصلح، وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة ﴾ أي إذا صليتم الفريضة يوم الجمعة ﴿ فانتشروا فِي الأرض ﴾ هذا صيغة الأمر بمعنى الإباحة لما أن إباحة الانتشار زائلة بفرضية أداء الصلاة، فإذا زال ذلك عادت الإباحة فيباح لهم أن يتفرقوا في الأرض ويبتغوا من فضل الله، وهو الرزق، ونظيره: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ  ﴾ ، وقال ابن عباس: إذا فرغت من الصلاة فإن شئت فاخرج، وإن شئت فصل إلى العصر، وإن شئت فاقعد، كذلك قوله: ﴿ وابتغوا مِن فَضْلِ الله ﴾ فإنه صيغة أمر بمعنى الإباحة أيضاً لجلب الرزق بالتجارة بعد المنع، بقوله تعالى: ﴿ وَذَرُواْ البيع ﴾ وعن مقاتل: أحل لهم ابتغاء الرزق بعد الصلاة، فمن شاء خرج.

ومن شاء لم يخرج، وقال مجاهد: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، وقال الضحاك، هو إذن من الله تعالى إذا فرغ، فإن شاء خرج، وإن شاء قعد، والأفضل في الابتغاء من فضل الله أن يطلب الرزق، أو الولد الصالح أو العلم النافع وغير ذلك من الأمور الحسنة، والظاهر هو الأول، وعن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد (و) قال: اللهم أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين، وقوله تعالى: ﴿ واذكروا الله كَثِيراً ﴾ قال مقاتل: باللسان، وقال سعيد بن جبير: بالطاعة، وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين كثيراً حتى يذكره قائماً وقاعداً ومضطجعاً، والمعنى إذا رجعتم إلى التجارة وانصرفتم إلى البيع والشراء مرة أخرى فاذكروا الله كثيراً، قال تعالى: ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله ﴾ .

وعن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم السوق فقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، فإن من قالها كتب الله له ألف ألف حسنة وحط عنه ألف ألف خطيئة ورفع له ألف ألف درجة».

وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ من جملة ما قد مر مراراً، وفي الآية مباحث: البحث الأول: ما الحكمة في أن شرع الله تعالى في يوم الجمعة هذا التكليف؟

فنقول: قال القفال: هي أن الله عز وجل خلق الخلق فأخرجهم من العدم إلى الوجود وجعل منهم جماداً ونامياً وحيواناً، فكان ما سوى الجماد أصنافاً، منها بهائم وملائكة وجن وإنس، ثم هي مختلفة المساكن من العلو والسفل فكان أشرف العالم السفلي هم الناس لعجيب تركيبهم، ولما كرمهم الله تعالى به من النطق، وركب فيهم من العقول والطباع التي بها غاية التعبد بالشرائع، ولم يخف موضع عظم المنة وجلالة قدر الموهبة لهم فأمروا بالشكر على هذه الكرامة في يوم من الأيام السبعة التي فيها أنشئت الخلائق وتم وجودها، ليكون في اجتماعهم في ذلك اليوم تنبيه على عظم ماأنعم الله تعالى به عليهم، وإذا كان شأنهم لم يخل من حين ابتدئوا من نعمة تتخللهم، وإن منة الله مثبتة عليهم قبل استحقاقهم لها، ولكل أهل ملة من الملل المعروفة يوم منها معظم، فلليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد، وللمسلمين يوم الجمعة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يوم الجمعة هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فلليهود غداً وللنصارى بعد غد» ولما جعل يوم الجمعة يوم شكر وإظهار سرور وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذي به تقع شهرته فجمعت الجماعات له كالسنة في الأعياد، واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيراً بالنعمة وحثاً على استدامتها بإقامة ما يعود بآلاء الشكر، ولما كان مدار التعظيم، إنما هو على الصلاة جعلت الصلاة لهذا اليوم وسط النهار ليتم الاجتماع ولم تجز هذه الصلاة إلا في مسجد واحد ليكون أدعى إلى الاجتماع، والله أعلم.

الثاني: كيف خص ذكر الله بالخطبة، وفيها ذكر الله وغير الله؟

نقول: المراد من ذكر الله الخطبة والصلاة لأن كل واحدة منهما مشتملة على ذكر الله، وأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة والثناء عليهم والدعاء لهم فذلك ذكر الشيطان.

الثالث: قوله: ﴿ وَذَرُواْ البيع ﴾ لم خص البيع من جميع الأفعال؟

نقول: لأنه من أهم ما يشتغل به المرء في النهار من أسباب المعاش، وفيه إشارة إلى ترك التجارة، ولأن البيع والشراء في الأسواق غالباً، والغفلة على أهل السوق أغلب، فقوله: ﴿ وَذَرُواْ البيع ﴾ تنبيه للغافلين، فالبيع أولى بالذكر ولم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة.

الرابع: ما الفرق بين ذكر الله أولاً وذكر الله ثانياً؟

فنقول: الأول من جملة مالا يجتمع مع التجارة أصلاً إذ المراد منه الخطبة والصلاة كما مر، والثاني من جملة ما يجتمع كما في قوله تعالى: ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يوم الجمعة ﴾ يوم الفوج المجموع، كقولهم: ضحكة، للمضحوك منه.

و ﴿ يوم الجمعة ﴾ ، بفتح الميم: يوم الوقت الجامع، كقولهم: ضحكة، ولعنة، ولعبة؛ ويوم الجمعة تثقيل للجمعة، كما قيل: عسرة في عسر.

وقرئ: بهن جميعاً.

فإن قلت: من في قوله: ﴿ مِن يَوْمِ الجمعة ﴾ ما هي؟

قلت: هي بيان لإذا وتفسير له.

والنداء: الأذان.

وقالوا: المراد به الأذان عند قعود الإمام على المنبر، وقد: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد، فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد؛ فإذا نزل أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما على ذلك؛ حتى إذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد مؤذناً آخر، فأمر بالتأذين الأوّل على داره التي تسمى زوراء، فإذا جلس على المنبر: أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة، فلم يعب ذلك عليه.

وقيل: أول من سماها ﴿ جمعة ﴾ كعب بن لؤي، وكان يقال لها: العروبة.

وقيل: إنّ الأنصار قالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك؛ فهلموا نجعل لنا يوم نجتمع فيه فنذكر الله فيه ونصلى.

فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوا يوم العروبة فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلى بهم يومئذٍ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، فأنزل الله آية الجمعة، فهي أوّل جمعة، كانت في الإسلام وأما أوّل جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي: أنه لما قدم المدينة مهاجراً نزل قباء على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم، فخطب وصلى الجمعة.

وعن بعضهم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث: افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه، فكذبهم في قوله: ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صادقين ﴾ وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً؛ وبالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع الله لهم الجمعة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة، وهو عند الله يوم المزيد» وعنه عليه السلام: «أتاني جبريل وفي كفه مرآة بيضاء وقال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيداً ولأمتك من بعدك، وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ندعوه إلى الآخرة يوم المزيد» وعنه صلى الله عليه وسلم: «إنّ لله تعالى في كل جمعة ستمائة ألف عتيق من النار» وعن كعب: إنّ الله فضل من البلدان: مكة، ومن الشهور: رمضان، ومن الأيام: الجمعة.

وقال عليه الصلاة والسلام: «من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر» وفي الحديث: «إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب، يكتبون الأوِّل فالأوَّل على مراتبهم» وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج.

وقيل: أوّل بدعة أحدثت في الإسلام: ترك البكور إلى الجمعة.

وعن ابن مسعود: أنه بكر فرأى ثلاثة نفر سبقوه، فاغتم وأخذ يعاتب نفسه يقول: أراك رابع أربعة وما رابع أربعة بسعيد.

ولا تقام الجمعة عند أبي حنيفة رضي الله عنه إلا في مصر جامع، لقوله عليه السلام: «لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع» والمصر الجامع: ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام، ومن شروطها الإمام أو من يقوم مقامه، لقوله عليه السلام: «فمن تركها وله إمام عادل أو جائر...

الحديث» وقوله صلى الله عليه وسلم: «أربع إلى الولاة: الفيء، والصدقات، والحدود، والجمعات» فإن أمّ رجل بغير إذن الإمام أو من ولاه من قاض أو صاحب شرطة: لم يجز؛ فإن لم يكن الاستئذان فاجتمعوا على واحد فصلى بهم: جاز، وهي تنعقد بثلاثة سوى الإمام.

وعند الشافعي بأربعين.

ولا جمعة على المسافرين والعبيد والنساء والمرضى والزمنى، ولا على الأعمى عند أبي حنيفة، ولا على الشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد.

وقرأ عمر وابن عباس وابن مسعود وغيرهم: ﴿ فامضوا ﴾ .

وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقرأ: ﴿ فاسعوا ﴾ .

فقال: من أقرأك هذا؟

قال أبيّ بن كعب، فقال: لا يزال يقرأ بالمنسوخ، لو كانت ﴿ فاسعوا ﴾ لسعيت حتى يسقط ردائي.

وقيل: المراد بالسعي القصد دون العدو، والسعي: التصرف في كل عمل.

ومنه قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى ﴾ [الصافات: 102] ، ﴿ وأن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى ﴾ [النجم: 39] وعن الحسن: ليس السعي على الأقدام، ولكنه على النيات والقلوب.

وذكر محمد بن الحسن رحمه الله في موطئه: أن عمر سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي.

قال محمد: وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه ﴿ إلى ذِكْرِ الله ﴾ إلى الخطبة والصلاة، ولتسمية الله الخطبة ذكراً له قال أبو حنيفة رحمه الله: إن اقتصر الخطيب على مقدار يسمى ذكر الله كقوله: الحمد لله، سبحان الله: جاز.

وعن عثمان أنه صعد المنبر فقال: الحمد لله وأرتج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالاً، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوّال، وستأتيكم الخطب، ثم نزل، وكان ذلك بحضرة الصحابة ولم ينكر عليه أحد.

وعند صاحبيه والشافعي: لابد من كلام يسمى خطبة.

فإن قلت: كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها ذكر غير الله؟

قلت: ما كان من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله، فأمّا ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحقاء بعكس ذلك؛ فمن ذكر الشيطان وهو من ذكر الله على مراحل، وإذا قال المنصت للخطبة لصاحبه (صه) فقد لغا، أفلا يكون الخطيب الغالي في ذلك لاغياً، نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام.

أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا، وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم، وينصبون إلى المصر من كل أوب ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم إذا انتفخ النهار وتعالى الضحى ودنا وقت الظهيرة، وحينئذٍ تحرّ التجارة ويتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد، قيل لهم: بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح ﴿ وَذَرُواْ البيع ﴾ الذي نفعه يسير وربحه مقارب.

فإن قلت: فإذا كان البيع في هذا الوقت مأموراً بتركه محرماً، فهل هو فاسد؟

قلت: عامّة العلماء على أن ذلك لا يوجب فساد البيع.

قالوا: لأنّ البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب، وعن بعض الناس: أنه فاسد.

ثم أطلق لهم ما حظر عليهم بعد قضاء الصلاة من الانتشار وابتغاء الربح، مع التوصية بإكثار الذكر، وأن لا يلهيهم شيء من تجارة ولا غيرها عنه، وأن تكون هممهم في جميع أحوالهم وأوقاتهم موكلة به لا ينفضون عنه، لأنّ فلاحهم فيه وفوزهم منوط به، وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله: وعن الحسن وسعيد بن المسيب: طلب العلم، وقيل: صلاة التطوّع: وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا نظراً في هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ ﴾ أيْ إذا أُذِّنَ لَها.

﴿ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ ﴾ بَيانٌ لِ إذا وإنَّما سُمِّيَ جُمُعَةً لِاجْتِماعِ النّاسِ فِيهِ لِلصَّلاةِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّيهِ العَرُوبَةَ.

وقِيلَ: سَمّاهُ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ لِاجْتِماعِ النّاسِ فِيهِ إلَيْهِ، وأوَّلُ جُمُعَةٍ جَمَعَها رَسُولُ اللَّهِ  أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ قُباءَ فَأقامَ بِها إلى الجُمُعَةِ، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وصَلّى الجُمُعَةَ في وادٍ لِبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ.

﴿ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ فامْضُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ قَصْدًا فَإنَّ السَّعْيَ دُونَ العَدْوِ، وال ( ذِكْرِ ) الخُطْبَةِ، وقِيلَ: الصَّلاةُ والأمْرُ بِالسَّعْيِ إلَيْها يَدُلُّ عَلى وُجُوبِها.

﴿ وَذَرُوا البَيْعَ ﴾ واتْرُكُوا المُعامَلَةَ.

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أيِ السَّعْيُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ.

﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ مِنَ المُعامَلَةِ فَإنَّ نَفَعَ الآخِرَةِ خَيْرٌ وأبْقى.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الخَيْرَ والشَّرَّ الحَقِيقِيَّيْنِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ.

﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ﴾ أُدِّيَتْ وفُرِغَ مِنها.

﴿ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ إطْلاقٌ لِما حَظَرَ عَلَيْهِمْ، واحْتَجَّ بِهِ مَن جَعَلَ الأمْرَ بَعْدَ الحَظْرِ لِلْإباحَةِ.

وَفِي الحَدِيثِ: «ابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ لَيْسَ بِطَلَبِ الدُّنْيا وإنَّما هو عِيادَةُ مَرِيضٍ وحُضُورُ جِنازَةٍ وزِيارَةُ أخٍ في اللَّهِ».» ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ واذْكُرُوهُ في مَجامِعِ أحْوالِكم ولا تَخُصُّوا ذِكْرَهُ بِالصَّلاةِ.

﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)

{فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة} أي أديت {فانتشروا فِى الأرض} أمر إباحة {وابتغوا مِن فَضْلِ الله} الرزق أو طلب العلم أو عيادة المريض أو زيارة أخ في الله {واذكروا الله كثيرا} واشكروا على ما وفقكم لأداء فرضه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ﴾ أيْ أُدِّيَتْ وفُرِغَ مِنها ﴿ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ ﴾ لِإقامَةِ مَصالِحِهِمْ ﴿ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ أيِ الرِّبْحِ عَلى ما قِيلَ، وقالَ مَكْحُولٌ والحَسَنُ وابْنُ المُسَيَّبِ: المَأْمُورُ بِابْتِغائِهِ هو العِلْمُ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمْ يُؤْمَرُوا بِشَيْءٍ مِن طَلَبِ الدُّنْيا إنَّما هو عِيادَةُ مَرِيضٍ وحُضُورُ جِنازَةٍ وزِيارَةُ أخٍ في اللَّهِ تَعالى، وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا، والأمْرُ لِلْإباحَةِ عَلى الأصَحِّ فَيُباحُ بَعْدَ قَضاءِ الصَّلاةِ الجُلُوسُ في المَسْجِدِ ولا يَجِبُ الخُرُوجُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ.

وحَكى الكَرْمانِيُّ في شَرْحِ البُخارِيِّ الِاتِّفاقَ عَلى ذَلِكَ وفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ حَكى السَّرْخَسِيُّ القَوْلَ بِأنَّهُ لِلْوُجُوبِ، وقِيلَ: هو لِلنَّدْبِ، وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ الحَرّانِيُّ قالَ: رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ المازِنِيَّ صاحِبَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا صَلّى الجُمُعَةَ خَرَجَ فَدارَ في السُّوقِ ساعَةً ثُمَّ رَجَعَ إلى المَسْجِدِ فَصَلّى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُصَلِّيَ، فَقِيلَ لَهُ: لِأيِّ شَيْءٍ تَصْنَعُ هَذا ؟

قالَ: إنِّي رَأيْتُ سَيِّدَ المُرْسَلِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَكَذا يَصْنَعُ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ﴾ » إلَخْ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: إذا انْصَرَفْتَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فاخْرُجْ إلى بابِ المَسْجِدِ فَساوِمْ بِالشَّيْءِ وإنْ لَمْ تَشْتَرِهِ، ونُقِلَ عَنْهُ القَوْلُ بِالنَّدْبِيَّةِ وهو الأقْرَبُ والأوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ أيْ ذِكْرًا كَثِيرًا ولا تَخُصُّوا ذِكْرَهُ عَزَّ وجَلَّ بِالصَّلاةِ ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ كَيْ تَفُوزُوا بِخَيْرِ الدّارَيْنِ، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ ضَعْفُ الِاسْتِدْلالِ بِما هُنا عَلى أنَّ الأمْرَ الوارِدَ بَعْدَ الحَظْرِ لِلْإباحَةِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى تَقْدِيمِ الخُطْبَةِ عَلى الصَّلاةِ وكَذا عَلى عَدَمِ نَدْبِ صَلاةِ سُنَّتِها البَعْدِيَّةِ في المَسْجِدِ، ولا دَلالَةَ فِيها عَلى نَفْيِ سُنَّةٍ بَعْدِيَّةٍ لَها، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن نَفى أنَّ لِلْجُمُعَةِ سُنَّةً مُطْلَقًا فَيُحْتَمَلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ اسْتَشْعَرَ نَفْيَ السُّنَّةِ البَعْدِيَّةِ مِنَ الأمْرِ بِالِانْتِشارِ وابْتِغاءِ الفَضْلِ، وأمّا نَفْيُ القَبْلِيَّةِ فَقَدِ اسْتُنِدَ فِيهِ إلى ما رُوِيَ في الصَّحِيحِ وقَدْ تَقَدَّمَ مِن أنَّ النِّداءَ كانَ عَلى عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا جَلَسَ عَلى المِنبَرِ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا كَمُلَ الأذانُ أخَذَ في الخُطْبَةِ وإذا أتَمَّها أخَذَ في الصَّلاةِ، فَمَتى كانُوا يُصَلُّونَ السُّنَّةَ ؟

وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ خُرُوجَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ بَعْدَ الزَّوالِ بِالضَّرُورَةِ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ بَعْدَ ما كانَ يُصَلِّي الأرْبَعَ، ويَجِبُ الحُكْمُ بِوُقُوعِ الحُكْمِ بِهَذا المُجَوِّزِ لِعُمُومِ ما صَحَّ مِن أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يُصَلِّي إذا زالَتِ الشَّمْسُ أرْبَعًا، وكَذا يَجِبُ في حَقِّهِمْ لِأنَّهم أيْضًا يَعْلَمُونَ الزَّوالَ كالمُؤَذِّنِ بَلْ رُبَّما يُعْلِمُونَهُ بِدُخُولِ الوَقْتِ لِيُؤَذِّنَ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا نُودِيَ ﴾ إلَخْ مَن قالَ: إنَّما يَجِبُ إتْيانُ الجُمُعَةِ مِن مَكانٍ يُسْمَعُ فِيهِ النِّداءُ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ وأبُو هُرَيْرَةَ ويُونُسُ والزُّهْرِيُّ: يَجِبُ إتْيانُها مِن سِتَّةِ أمْيالٍ، وقِيلَ: مِن خَمْسَةٍ، وقالَ رَبِيعَةُ: مِن أرْبَعَةٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وابْنِ المُنْكَدِرِ.

وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ: مِن ثَلاثَةٍ، وفي بَحْرِ أبِي حَيّانَ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: يَجِبُ الإتْيانُ عَلى مَن في المِصْرِ سَمِعَ النِّداءَ أوْ لَمْ يَسْمَعْ لا عَلى مَن هو خارِجُ المِصْرِ وإنْ سَمِعَ النِّداءَ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ المُسَيَّبِ والزُّهْرِيِّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ عَلى مَن سَمِعَ النِّداءَ، وعَنْ رَبِيعَةَ عَلى مَن إذا سَمِعَ وخَرَجَ مِن بَيْتِهِ ماشِيًا أدْرَكَ الصَّلاةَ، وكَذا اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَن قالَ بِوُجُوبِ الإتْيانِ إلَيْها سَواءٌ كانَ إذْنٌ عامٌّ أمْ لا، وسَواءٌ أقامَها سُلْطانٌ أوْ نائِبُهُ أوْ غَيْرُهُما أمْ لا لِأنَّهُ تَعالى إنَّما رَتَّبَ وُجُوبَ السَّعْيِ عَلى النِّداءِ مُطْلَقًا كَذا قِيلَ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ في كُتُبِ الفُرُوعِ المُطَوَّلَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ يعني: إذا أذن للصلاة مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ يعني: امضوا إلى الصلاة فصلوها.

ويقال: إِلى ذِكْرِ اللَّهِ يعني: الخطبة فاستمعوها.

وروى الأعمش، عن إبراهيم قال: كان ابن مسعود يقرأ: (فامضوا إلى ذكر الله) ويقول: لو قرأتها فاسعوا، لسعيت حتى يسقط ردائي.

وقال: القتبي: السعي على وجه الإسراع في المشي كقوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى [القصص: 20] والسعي: العمل كقوله تعالى: وَسَعى لَها سَعْيَها [الإسراء: 19] وقال: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) [الليل: 4] ، والسعي: المشي، كقوله تعالى: يَأْتِينَكَ سَعْياً [البقرة: 260] وكقوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: 9] وقال الحسن في قوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قال: ليس السعي بالأقدام، ولكن سعي بالنية، وسعي بالقلب، وسعي بالرغبة.

ثم قال: وَذَرُوا الْبَيْعَ، ولم يذكر الشراء، لأنه لما ذكر البيع، فقد دل على الشراء.

ومعناه: اتركوا البيع والشراء.

وقال جماعة من العلماء: لو باع بعد الأذان يوم الجمعة، لم يجز البيع.

وقال الزهري: يحرم البيع يوم الجمعة عند خروج الإمام.

وروى جويبر، عن الضحاك أنه قال: إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، حَرُمَ الشِّرَاءُ وَالْبَيْع، وَلَوْ كُنْت قَاضِيّاً لَرَدَدْتُهُ.

وروى معمر، عن الزهري قال: الأَذَان الَّذِي يُحرمُ نِيَّةَ الْبَيْعِ عِنْدَ خُروجِ الإمَامِ وَقْتَ الخُطْبَةِ، وقال الحسن: إذَا زَالَتِ الشَّمْسِ، فَلا تَشْتَرِ وَلا تَبِعْ.

وقال محمد: يُحْرَمُ البَيْعُ عِنْدَ النِّداءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ عِنْدِ الصَّلاةِ.

وروى عكرمة، عن ابن عباس قال: لا يَصحُّ البَيْعُ وَالشِّراءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يُنَادَى بِالصَّلاةِ حَتَّى تَنْقَضِي.

وقال عامة أهل الفتوى من الفقهاء: إنَّ البَيْعَ جَائِزٌ فِي الحُكْمِ لأنَّ النَّهْيَ لأَجْلِ الصَّلاةِ وَلَيْسَ بِمَانِعٍ لِمَعْنًى فِي الْبَيْعِ.

ثم قال: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يعني: السعي إلى الصلاة، وترك الشراء والبيع.

والاستماع إلى الخطبة، خير لكم من الشراء والبيع.

إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني: فاعلموا ذلك.

وكل ما في القرآن إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إن كنتم مؤمنين، فهو بمعنى التقرير والأمر.

ثم قال عز وجل: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ يعني: فرغتم من الصلاة، فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ يعني: اطلبوا الرزق من الله تعالى بالتجارة والكسب.

اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الرخصة، كقوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: 2] ، وهي رخصة بعد النهي.

وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً يعني: واذكروا الله باللسان، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يعني: لكي تنجوا.

ثم قال عز وجل: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً، قال مجاهد: اللهو هو الضرب بالطبل، فنزلت الآية حين قدم دحية بن خليفة الكلبي.

وروى سالم، عن جابر قال: أقبلت عير ونحن مع رسول الله  ، ونحن نصلي الجمعة، فانفض الناس إليهم، فما بقي غير اثني عشر رجلاً، فنزلت الآية وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً.

انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً.

وروى معمر، عن الحسن: أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء سعر، فقدمت عير والنبي  قائم، يخطب يوم الجمعة، فسمعوا بها فخرجوا إليه، والنبي  قائم.

قال الله تعالى: وتركوك قائماً، فقال النبي  : «وَلَوْ اتَّبَعَ آخِرُهُمْ أَوَّلَهُمْ لالْتَهَبَ الْوَادِي عَلَيْهِمْ نَاراً» .

قال معمر، عن قتادة قال: لم يبق يومئذ معه إلا اثنا عشر رجلاً وامرأة، ويقال: إن أهل المدينة كانوا إذا قدمت عير، ضربوا بالطبل وخرج الناس، فنزل وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها والمعنى خرجوا إليها، يعني: إلى التجارة، ويقال: إِلَيْها يعني: جملة ما رأوا من اللهو والتجارة.

وتركوك قائماً على المنبر.

قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ يعني: ثواب الله تعالى خير من اللهو وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وخير المعطين والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تنطقُ بنبوتهِ، فكان كلُّ حَبْرٍ لم ينتَفِعْ بما حُمِّلَ كَمَثَلِ حِمَارٍ عليه أسفارٌ، وفي مصحف ابن مسعود «١» «كَمَثَلِ حِمَارٍ» بِغَيْرِ تعريفٍ، والسِّفْرُ الكتَابُ المجتمعُ الأوراقِ منضدة.

وقوله: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ التقدير: بِئْسَ المثلُ مثلُ القومِ الذين كذبوا بآياتِ اللَّه، - ص-: وَرُدَّ بأَنَّ فيه حذف الفاعلِ ولا يجوزُ، والظاهرُ أنَّ مَثَلُ الْقَوْمِ فاعل بِئْسَ، والَّذِينَ كَذَّبُوا هو المخصوصُ بالذَّمِّ على حذف مضافٍ أي: مثل الذين كذّبوا، انتهى.

وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ ...

الآية، رُوِيَ أنها نزلتْ بسبب أنَّ يهودَ المدينةِ لَمَّا ظَهَرَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، خَاطَبُوا يهودَ خيبرَ في أمره، وذكرُوا لهم نبوَّتَه، وقالوا إن رأيتم اتَّبَاعَهُ أطَعْنَاكُمْ وإنْ رأيتم خِلاَفَه خَالَفْنَاه معكم، فجاءهَم جوابُ أهْلِ خيبرَ يقولونَ: نحن أبناءُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن وأبناءُ عزيرِ بنُ اللَّهِ ومنا الأنبياءُ، ومتى كَانَتْ النبوةُ في العرب؟، نحن أحقُّ بالنبوةِ من محمدِ، ولا سبيلَ إلى اتباعهِ، فنزلتِ الآيةَ بمعنى:

أنكم إذا كنتم منَ اللَّهِ بهذه المنزلةِ فَقُرْبُهُ وفراقُ هذه الحياةِ الخسيسةِ أحبُّ إليكم، فَتَمَنَّوْا الموتَ إن كنتم تَعْتَقِدُون في أنفسِكم هذه المنزلة، ثم أخبر تعالى أنهم لا يتمنونه أبداً لعلمِهم بسوءِ حالِهم، ورَوَى كثيرٌ من المفسرينَ أن اللَّه- جَلَّتْ قُدْرَتُه- جَعَلَ هذه الآيةَ معجزةً لمحمدٍ نبيِّه صلّى الله عليه وسلّم فِيهم، فَهِيَ آيةٌ باهرةٌ وأعلَمَه أنه إن تمنى أحدٌ منهمُ الموتَ في أيام معدوداتٍ مات وفارق الدنيا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تَمَنّوُا الموتَ، على جهةِ التعجيزِ وإظهار الآيةِ، فما تَمَنَّاهُ أحد منهم خَوْفاً/ من الموتِ وثقة بصدق نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ الآية، النداء: الأذانُ، وكان على الجِدَارِ في مسجدِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي «مصنف أبي داودَ» : كَانَ بَيْنَ يَدَي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم

وهو عَلى المنبر أذَانُ، ثم زادَ عثمانُ النداءَ عَلَى الزوراء ليسمعَ الناسُ.

ت: وفي البخاريّ والترمذيِّ وصححه عن السائبِ بن يزيد قَالَ: كَانَ النداءُ يومَ الجمعةِ أوَّلُه إذا جَلَسَ الإمام على المنبر على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكرٍ وعمرَ، فلما تَوَلَّى عثمانُ وكثرَ الناسُ، زَادَ الأذَانَ الثالثَ فأَذَّنَ به على الزَّورَاءِ «١» ، فَثَبَتَ الأَمْرُ على ذلك «٢» ، قِيل: فقوله «الثالثَ» يَقْتَضِي أنَّهمُ كَانُوا ثلاثةً، وفي طريقٍ آخرَ «الثاني» بدَلَ «الثالث» وهو يَقْتَضِي أَنَّهُمَا اثنانِ، انتهى، وخرَّجَ مسلم عن أبي هريرةَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من اغتسل، ثمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فصلى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثم أَنْصَتَ لِلإمَامِ حتى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأخرى، وَفَضَلُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ» «٣» انتهى، وخرَّجَهُ البخاريُّ من طريقِ سُلَيْمَان.

وقوله: مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قال ابن هشام: «من» مرادفةِ «في» ، انتهى.

وقوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ...

الآية، السعِيُ في الآيةِ لاَ يُرَادُ به الإسْرَاعُ في المشي، وإنما هو بمعنى قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى [النجم: ٣٩] فالسَّعْيُ هو بالنِّيةِ والإرَادَةِ والعَمَلِ مِنْ وُضُوءٍ، وغُسْلٍ، وَمَشْيٍ، ولُبْسِ ثوبٍ كُلُّ ذلكَ سَعْيٌ، وَقَدْ قَالَ مالكٌ وغيره: إنما تُؤْتَى الصلاةُ بالسَّكِينَةِ، ت: وهو نصُّ الحديثِ الصحيحِ، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة: / «فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا [و] عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ» ، ت:

والظاهرُ أنَّ المرادَ بالسعيِ هُنا المُضِيُّ إلى الجمعةِ، كما فسَّره الثعلبيُّ، ويدلُّ على ذلكَ إطلاقُ العلماءِ لفظَ الوجوبِ عَلَيْهِ، فيقولونَ السَّعْيُ إلَى الجمعةِ واجبٌ، ويدلُّ عَلَى ذلك قراءةُ عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابن عمر وابنِ عباس وابن الزبير وجماعة من التابعين «٤» :

«فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ» وقال ابن مسعود: لَوْ قَرَأْتُ: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ لأَسْرَعْتُ حَتَّى يَقَع رِدَائي، وقال العِرَاقِيُّ: فَاسْعَوْا معناه بَادِروا، انتهى، وقوله: إِلى ذِكْرِ اللَّهِ هو وعظُ الخطبةِ قاله ابن المسيب، ويؤيدُه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «إذَا كَانَ يومُ الجمعةِ، كَانَ على كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ ملائكة يكتبون الأوّل فالأوّل، فإذا جلس [الإما] م طَوُوُا الصُّحُفَ، وجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» الحديثُ خَرَّجَهُ البخاريُّ ومسلم، واللفظُ لمسلمٍ، والخُطْبَةُ عِنْدَ الجمهورِ شَرْطٌ في انعقادِ الجمعةِ» «١» ، وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إنَّ اللَّهَ- عزَّ وجلَّ- يَبْعَثُ الأيَّامَ يومَ القيامةِ على هَيْئَتِهَا، وَيْبَعَثُ الجُمُعَةَ زَهْرَاءَ مُنِيرَةً، أَهْلُهَا مُحِفُّونَ بِهَا كالْعَرُوسِ تهدى إلَى كرِيمَها، تُضِيءُ لهم يَمْشُونَ في ضَوْئِهَا أَلْوَانُهُمْ كالثَّلْجِ بَيَاضاً، وَرِيحُهُمْ يَسْطَعُ كَالْمِسْكِ، يَخُوضُونَ في جِبَالِ الكَافُورِ، يَنْظُرُ إلَيْهِمُ الثَّقَلاَنِ، مَا يَطْرِفُونَ تَعَجُّباً، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لاَ يُخَالِطُهُمْ إلاَّ المُؤَذِّنُونَ المُحْتَسِبُونَ» خَرَّجَهُ القاضِي الشريفُ أبو الحسنِ علي بن عبد اللَّهِ بن إبراهيمَ الهاشميّ، قال صاحبُ «التذكرة» «٢» : وإسنادهُ صحيح، انتهى.

وقوله سبحانه: ذلِكُمْ إشارةٌ إلى السعي وتَرْكِ/ البَيْعِ.

وقوله: فَانْتَشِرُوا أجمعَ الناسُ على أنَّ مُقْتَضَى هذا الأمْرِ الإباحةُ، وكذلك قوله:

«وابتَغُوا من فضل اللَّه» أنَّه الإبَاحَة في طلب المعاش، مثلَ قوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: ٢] إلا ما روي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ذلكَ الفضْلُ المُبْتَغى هو عيادةُ مريضٍ، أو صِلَةُ صديقٍ، أو اتِّباعُ جنازةٍ» ، قال ع «٣» : وفي هذا ينبغي أنْ يكونَ المرءُ بقيةَ يومِ الجمعةِ، ونحوه عن جعفر بن محمد، وقال مكحول: الفضلُ المبْتَغَى: العلمُ فينبغي أن يطلب إثر الجمعة.

وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً ...

الآية، قال معاذ بن جبل: مَا شَيْءٌ أنجى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ «١» : رواه الترمذيُّ واللفظُ له، وابنُ ماجه، والحاكمُ في «المستدرك» وقال صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح» .

وقوله سبحانه: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً ...

الآية، نزلت بسبب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانَ قائِماً على المنبرِ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فأقبلت عِيرٌ مِنَ الشَامِ تحملُ مِيرةً، وصاحبُ أمْرِهَا دِحْيَةُ بن خليفةَ الكلبي، قال مجاهد: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أن تَدْخُلَ عِيرُ المدينةِ بالطَّبْلِ والمعازفِ، والصياحِ سروراً بها، فدخلتْ العيرُ بمثلِ ذلكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المسجدِ إلى رؤيةِ ذلك وسماعه وتركوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائماً عَلَى المنبرِ، ولم يَبْقَ معه غَيْر اثنَيْ عَشَرَ رَجُلاً «٢» ، قال جابر بن عبد اللَّه: أنا أحَدُهُم، قال ع «٣» : ولم تَمُرَّ بِي تَسْمِيتُهم في ديوانٍ فيما أذْكُرُ الآنَ، إلا أنِّي سمعتُ أبي- رحمه اللَّه- يقولُ: همُ العشرةُ المشهودُ لهم بالجنةِ، واخْتُلِفَ في الحادِيَ عَشَرَ، فقيل: عمارُ بن ياسر، وقيل: ابن مسعودٍ، ت: وفي تقييد أبي الحسنِ الصغير: والاثْنَا عَشَر الباقون «٤» همُ الصحابةُ العَشَرَةُ، والحادِيَ عَشَرَ: بلالٌ، واخْتُلِفَ في الثاني عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل:

ابن مسعود، انتهى، قال السهيلي: وجَاءَتْ تسميةُ الاثْنَي عَشَرَ في حديثِ مُرْسَلٍ رواه أسد بن عمرو والدُ موسى بن أسد، وفيه: أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لَمْ يَبْقَ معه إلا أبو بكرٍ وعُمَرُ وعثمانُ حتى العشرةِ، وقَال: وبلالٌ وابن مسعود، وفي روايةٍ: عمارُ بَدلَ ابنِ مسعودٍ، وفي «مَرَاسِيلِ أبي داودَ» ذكر السببَ الذي من أجله تَرَخَّصُوا، فقال: إن الخطبةَ يوم الجمعةِ كَانَتْ بعدَ الصلاةِ فَتَأَوَّلُوا- رضي اللَّه عنهم- أنهم قَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ، فَحوِّلَتْ الخطبةُ بعد

ذلك قبلَ الصلاةِ، فهذا الحديثُ وإن كانَ مرسلا فالظن الجميل بأصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم يُوجِبُ أنْ يكونَ صحيحاً، واللَّه أعلم انتهى، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَال: «لَوْلاَ هؤلاءِ لَقَدْ كَانَتِ الحِجَارَةُ سُوِّمَتْ على المُنَفضِّينَ من السماءِ» ، وفي حديثٍ آخر: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ تَتَابَعْتُمْ حتى لاَ يبقى أَحَدٌ لسَالَ بِكُمُ الوَادِي نَاراً «١» ، قَالَ البخاريُّ: انْفَضُّوا معناه تَفَرَّقُوا، انتهى، وقرأ ابن مسعود «٢» : «وَمِنَ التِّجَارَةِ لِلَّذِينَ اتقوا وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» وإنما أعاد الضميرَ في قوله: إِلَيْها على التجارةِ وَحْدَهَا لأنَّهَا أهَمُّ، وهي كَانَتْ سَبَبَ اللَّهوِ، - ص-: وقرىء «٣» «إلَيْهِمَا» بالتثنيةِ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ ﴾ وهَذا هو النِّداءُ الَّذِي يُنادى بِهِ إذا جَلَسَ الإمامَ عَلى المِنبَرِ، ولَمْ يَكُنْ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ نِداءٌ سِواهُ، «كانَ إذا جَلَسَ عَلى المِنبَرِ أذَّنَ بِلالٌ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وكَذَلِكَ كانَ عَلى عَهْدِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، فَلَمّا كَثُرَ النّاسُ عَلى عَهْدِ عُثْمانَ أمَرَ بِالتَّأْذِينِ عَلى دارٍ لَهُ بِالسُّوقِ، يُقالُ لَها: "الزَّوْراءُ" وكانَ إذا جَلَسَ أذَّنَ أيْضًا.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلصَّلاةِ ﴾ أيْ: لِوَقْتِ الصَّلاةِ.

وفي "الجُمُعَةِ" ثَلاثُ لُغاتٍ.

ضَمُّ الجِيمِ والمِيمِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ.

وضَمُّ الجِيمِ مَعَ إسْكانِ المِيمِ، وبِها قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والأعْمَشُ.

وبِضَمِّ الجِيمِ، مَعَ فَتْحِ المِيمِ، وبِها قَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ، وعَدِيُّ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِتَسْكِينِ المِيمِ، فَهو تَخْفِيفُ الجُمْعَةِ لِثِقَلِ الضَّمَّتَيْنِ.

وأمّا فَتْحُ المِيمِ، فَمَعْناها: الَّذِي يَجْمَعُ النّاسَ، كَما تَقُولُ: رَجُلٌ لُعَنَةٌ: يُكْثِرُ لَعْنَةَ النّاسِ، وضُحَكَةٌ: يُكْثِرُ الضَّحِكَ.

وَفِي تَسْمِيَةِ هَذا اليَوْمِ بِيَوْمِ الجُمْعَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِأنَّ فِيهِ جُمِعَ آدَمُ.

رَوى سَلْمانُ قالَ: «قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ  : "أتَدْرِي ما الجُمُعَةُ؟" قُلْتُ: لا.

قالَ: "فِيهِ جُمِعَ أبُوكَ"، يَعْنِي: تَمامُ خَلْقِهِ في يَوْمٍ.» والثّانِي: لِاجْتِماعِ النّاسِ فِيهِ لِلصَّلاةِ.

والثّالِثُ: لِاجْتِماعِ المَخْلُوقاتِ فِيهِ، لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي مِنهُ فُرِغَ مِن خَلْقِ الأشْياءِ.

وَفِي أوَّلِ مَن سَمّاها بِالجُمُعَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ سَمّاها بِذَلِكَ، وكانَ يُقالُ لِيَوْمِ الجُمْعَةِ: العَرُوبَةُ، قالَهُ أبُو سَلَمَةَ.

وقِيلَ: إنَّما سَمّاها بِذَلِكَ لِاجْتِماعِ قُرَيْشٍ فِيهِ.

والثّانِي: أوَّلُ مَن سَمّاها بِذَلِكَ الأنْصارُ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ وفي هَذا السَّعْيِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المَشْيُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَؤُها "فامْضُوا" ويَقُولُ: لَوْ قَرَأْتُها "فاسْعَوْا" لَسَعَيْتُ حَتّى يَسْقُطَ رِدائِي.

وقالَ عَطاءٌ: هو الذَّهابُ والمَشْيُ إلى الصَّلاةِ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّعْيِ: العَمَلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والقُرَظِيُّ، والضَّحّاكُ، فَيَكُونُ المَعْنى: فاعْمَلُوا عَلى المُضِيِّ إلى ذِكْرِ اللَّهِ بِالتَّفَرُّغِ لَهُ، والِاشْتِغالِ بِالطَّهارَةِ ونَحْوِها.

والثّالِثُ: أنَّهُ النِّيَّةُ بِالقَلْبِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو المُبادَرَةُ بِالنِّيَّةِ والجِدِّ.

وَفِي المُرادِ بِـ (ذِكْرِ اللَّهِ ) قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّلاةُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: مَوْعِظَةُ الإمامِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَرُوا البَيْعَ ﴾ أيْ: دَعُوا التِّجارَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وعِنْدَنا: أنَّهُ لا يَجُوزُ البَيْعُ في وقْتِ النِّداءِ، ويَقَعُ البَيْعُ باطِلًا في حَقِّ مَن يَلْزَمُهُ فَرْضُ الجُمْعَةِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ.

* فَصْلٌ تَجِبُ الجُمْعَةُ عَلى مَن سَمِعَ النِّداءَ مِنَ المِصْرِ، إذا كانَ المُؤَذِّنُ صَيِّتًا، والرِّيحُ ساكِنَةً.

وقَدْ حَدَّهُ مالِكٌ بِفَرْسَخٍ، ولَمْ يَحُدَّهُ الشّافِعِيُّ.

وعَنْ أحْمَدَ في التَّحْدِيدِ نَحْوُهُما.

وتَجِبُ الجُمْعَةُ عَلى أهْلِ القُرى.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا تَجِبُ إلّا عَلى أهْلِ الأمْصارِ.

ويَجُوزُ لِأهْلِ المِصْرِ أنْ يُقِيمُوا الجُمْعَةَ في الصَّحْراءِ القَرِيبَةِ مِنَ المِصْرِ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ.

ولا تَنْعَقِدُ الجُمْعَةُ بِأقَلَّ مِن أرْبَعِينَ.

وعَنْ أحْمَدَ: أقَلُّهُ خَمْسُونَ.

وعَنْهُ: أقَلُّهُ ثَلاثَةٌ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَنْعَقِدُ بِثَلاثَةٍ والإمامٍ، والعَدَدُ شَرْطٌ في الجُمْعَةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ: يَصِحُّ أنْ يَخْطُبَ مُنْفَرِدًا.

وهَلْ تَجِبُ الجُمْعَةُ عَلى العَبِيدِ؟

فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

وعِنْدَنا: تَجِبُ عَلى الأعْمى إذا وجَدَ قائِدًا، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.

ولا تَنْعَقِدُ الجُمْعَةُ بِالعَبِيدِ والمُسافِرِينَ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.

وهَلْ تَجِبُ الجُمْعَةُ والعِيدانِ مِن غَيْرِ إذْنِ سُلْطانٍ؟

فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

وتَجُوزُ الجُمْعَةُ في مَوْضِعَيْنِ في البَلَدِ مَعَ الحاجَةِ.

وقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو يُوسُفَ: لا تَجُوزُ إلّا في مَوْضِعٍ واحِدٍ.

وتَجُوزُ إقامَةُ الجُمْعَةِ قَبْلَ الزَّوالِ خِلافًا لِأكْثَرِهِمْ، وإذا وقَعَ العِيدُ يَوْمَ الجُمْعَةِ أجَزَأ حُضُورُهُ عَنْ يَوْمِ الجُمْعَةِ، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ.

والمُسْتَحَبُّ لِأهْلِ الأعْذارِ أنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ في جَماعَةٍ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ.

ولا يَجُوزُ السَّفَرُ يَوْمَ الجُمْعَةِ بَعْدَ الزَّوالِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ.

وهَلْ يَجُوزُ السَّفَرُ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ؟

فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

ونُقِلَ عَنْ أحْمَدَ: أنَّهُ لا يَجُوزُ الخُرُوجُ في الجُمْعَةِ إلّا لِلْجِهادِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ لِكُلِّ سَفَرٍ.

وقالَ الشّافِعِيُّ لا يَجُوزُ أصْلًا.

والخُطْبَةُ شَرْطٌ في الجُمْعَةِ.

وقالَ داوُدُ: هي مُسْتَحَبَّةٌ.

والطَّهارَةُ لا تُشْتَرَطُ في الخُطْبَةِ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ.

والقِيامُ لَيْسَ بِشَرْطٍ في الخُطْبَةِ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ.

ولا تَجِبُ القَعْدَةُ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ، خِلافًا لَهُ أيْضًا.

وَمِن شَرْطِ الخُطْبَةِ: التَّحْمِيدُ، والصَّلاةُ عَلى النَّبِيِّ  ، وقِراءَةُ آيَةٍ، والمَوْعِظَةُ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أنْ يَخْطُبَ بِتَسْبِيحَةٍ.

والخُطْبَتانِ واجِبَتانِ.

وأمّا القِراءَةُ في الخُطْبَةِ الثّانِيَةِ، فَهي شَرْطٌ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ.

والسُّنَّةُ لِلْإمامِ إذا صَعِدَ المِنبَرَ، واسْتَقْبَلَ النّاسَ: أنْ يُسَلِّمَ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ.

وهَلْ يَحْرُمُ الكَلامُ في حالِ سَماعِ الخُطْبَةِ؟

فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

ويَحْرُمُ عَلى المُسْتَمِعِ دُونَ الخاطِبِ، خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ.

ولا يُكْرَهُ الكَلامُ قَبْلَ الِابْتِداءِ بِالخُطْبَةِ، وبَعْدَ الفَراغِ مِنها، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.

وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ تَحِيَّةَ المَسْجِدِ والإمامُ يَخْطُبُ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ.

وَهَلْ يَجُوزُ أنْ يَخْطُبَ واحِدٌ، ويُصَلِّيَ آخَرُ، فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: إنْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِالأصْلَحِ ﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ﴾ أيْ: فَرَغْتُمْ مِنها ﴿ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ ﴾ هَذا أمْرُ إباحَةٍ ﴿ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ إباحَةٌ لِطَلَبِ الرِّزْقِ بِالتِّجارَةِ بَعْدَ المَنعِ مِنها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَذَرُوا البَيْعَ ﴾ وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو طَلَبُ العِلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ واذْكُرُوا اللهِ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ ومِنَ التِجارَةِ واللهُ خَيْرٌ الرازِقِينَ ﴾ النِداءُ بِالجُمْعَةِ هو في ناحِيَةٍ مِنَ المَسْجِدِ، وكانَ عَلى الجِدارِ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ  ، وقالَ السائِبُ بْنُ يَزِيدَ: كانَ لِلنَّبِيِّ  مُؤَذِّنٌ واحِدٌ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وفي مُصْحَفِ أبِي داوُدَ: كانَ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى مِنبَرِ أذانٍ، وهو الَّذِي اسْتَعْمَلَ بَنُو أُمِّيَّةَ، وبَقِيَ بِقُرْطُبَةَ إلى الآنَ، ثُمَّ زادَ عُثْمانُ النِداءَ عَلى الزَوْراءِ لِيُسْمِعَ الناسَ، فَقَوْمٌ عَبَّرُوا عن زِيادَةِ عُثْمانَ بِالثانِي كَأنَّهم لَمْ يَعْتَدُّوا الَّذِي كانَ بَيْنَ يَدَيِ النَبِيِّ  ، وقَوْمٌ عَبَّرُوا عنهُ بِالثالِثِ.

وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ والأعْمَشُ: "الجُمْعَةُ" بِإسْكانِ المِيمِ، وهي لُغَةٌ.

والمَأْمُورُ بِالسَعْي هو المُؤْمِنُ الصَحِيحُ البالِغُ الحُرُّ الذَكَرُ، ولا جُمْعَةَ عَلى مُسافِرٍ في طاعَةٍ، فَإنْ حَضَرَها أحْسَنَ وأجْزَأتْهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في الحَدِّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ السَعْيُ، فَقالَ مالِكٌ: ثَلاثَةُ أمْيالٍ مِن مَنزِلِ الساعِي إلى المُنادِي، وقالَ فَرِيقٌ: مِن مَنزِلِ الساعِي إلى أوَّلِ المَدِينَةِ الَّتِي فِيها النِداءُ، وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: يَلْزَمُ أهْلَ المَدِينَةِ كُلِّها السَعْيُ مَن سَمِعَ النِداءَ ومَن لَمْ يَسْمَعْ وإنْ كانَتْ أقْطارُها فَوْقَ ثَلاثَةِ أمْيالٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ولا يَلْزَمُ مِن مَنزِلِهِ خارِجَ المَدِينَةِ كَزُرارَةَ مِنَ الكُوفَةِ، وإنَّما بَيْنُهُما مَجْرى نَهْرٍ، ولا تَجُوزُ لَهم إقامَتُها لِأنَّ مِن شُرُوطِها الجامِعُ والسُلْطانُ القاهِرُ والسُوقُ القائِمَةُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: السَعْيُ مِن خَمْسَةِ أمْيالٍ، وقالَ الزَهْرِيُّ: مِن سِتَّةِ أمْيالٍ، وقالَ أيْضًا: مِن أرْبَعَةِ أمْيالٍ، وقالَهُ ابْنُ المُنْكَدِرِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ حَنْبَلٍ: إنَّما يَلْزَمُ السَعْيُ مَن سَمِعَ النِداءَ، وفي هَذا نَظَرٌ.

والسَعْيُ في الآيَةِ لَيْسَ الإسْراعُ في المَشْيِ كالسَعْيِ بَيْنَ الصَفا والمَرْوَةَ، وإنَّما هو بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى  ﴾ ، فالقِيامُ والوُضُوءُ ولُبْسُ الثَوْبِ والمَشْيُ سَعْيٌ كُلُّهُ إلى ذِكْرِ اللهِ تَعالى، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، وغَيْرُهُمْ: إنَّما تُؤْتى الصَلاةُ بِالسَكِينَةِ، فالسَعْيُ هو بِالنِيَّةِ والإرادَةِ والعَمَلِ، و"الذِكْرُ" هو وعْظُ الخُطْبَةِ، قالَهُ ابْنُ المُسَيِّبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ المَلائِكَةَ عَلى أبْوابِ المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمْعَةَ، يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، إذا خَرَجَ الإمامُ طُوِيَتِ الصُحُفُ وجَلَسَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِكْرَ"،» والخُطْبَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ شَرْطٌ في انْعِقادِ الجُمْعَةِ، وقالَ الحَسَنُ: وهي مُسْتَحَبَّةٌ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وجَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ: "فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللهِ"، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ قَرَأْتَ: "فاسْعَوْا" لَأسْرَعْتُ حَتّى يَقَعَ رِدائِي.

واخْتَلَفَ الناسُ فِي: البَيْعِ في الوَقْتِ المَنهِيِّ عنهُ إذا وقَعَ: ما الحُكْمُ فِيهِ؟

بَعْدَ إجْماعِهِمْ عَلى وُجُوبِ امْتِناعِهِ بَدْءًا، فَقالَ الشافِعِيُّ: يَمْضِي، وقالَ مُرَّةُ: يُفْسَخُ ما لَمْ يَفُتْ، فَإنْ فاتَ مَضى.

وقالَ مالِكٌ: يُفْسَخُ ما لَمْ يَفُتْ، فَإنْ فاتَ أصْلَحَ بِالقِيمَةِ، واخْتُلِفَ في وقْتِ التَقْوِيمِ، فَقِيلَ: وقْتُ القَبْضِ، وقِيلَ: وقْتُ الحُكْمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكُمْ" إشارَةٌ إلى السَعْيِ وتَرْكِ البَيْعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فانْتَشِرُوا" أجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ مُقْتَضى هَذا الأمْرِ الإباحَةُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ ﴾ أنَّهُ لِلْإباحَةِ في طَلَبِ المَعاشِ، وأنَّ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا  ﴾ ، إلّا ما رُوِيَ عن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "ذَلِكَ الفَضْلُ المُبْتَغى هو عِيادَةُ مَرِيضٍ أو صِلَةُ صَدِيقٍ أوِ اتِّباعُ جَنازَةٍ"».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المَرْءُ بَقِيَّةَ يَوْمِ الجُمْعَةَ، ويَكُونُ تَخَيُّرُهُ صُبْحَ يَوْمِ السَبْتَ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصادِقُ، وقالَ مَكْحُولٌ: الفَضْلُ المُبْتَغى العِلْمُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَطْلُبَ إثْرَ الجُمْعَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا ﴾ ، الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ قائِمًا عَلى المِنبَرِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَأقْبَلَتْ عِيرٌ مِنَ الشامِ تَحْمِلُ مِيرَةً، وصاحِبُ أمْرِها دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الكَلْبِيُّ، قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أنَّ تَدْخُلَ العِيرُ المَدِينَةَ بِالطَبْلِ والمَعازِفِ والصِياحُ مِن ورائِها، فَدَخَلَتِ العِيرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المَسْجِدِ إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ وسَماعِهِ، وتَرَكُوا رَسُولَ اللهِ  قائِمًا عَلى المِنبَرِ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا أحَدُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ تَمُرَّ بِي تَسْمِيَتُهم في دِيوانٍ فِيما أذْكُرُهُ، إلّا إنِّي سَمِعْتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَقُولُ: هُمُ العَشْرَةُ المَشْهُودُ لَهم بِالجَنَّةِ، واخْتُلِفَ في الحادِي عَشَرَ، فَقِيلَ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: بَقِيَ مَعَهُ ثَمانِيَةُ نَفَرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "لَوْلا هَؤُلاءِ لَقَدْ كانَتِ الحِجارَةُ سُوِّمَتْ عَلى المُنْفَضِّينَ مِنَ السَماءِ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ولَوْ تَتابَعْتُمْ حَتّى لا يَبْقى مِنكم أحَدٌ لَسالَ عَلَيْكُمُ الوادِي نارًا"،» وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ لِأنَّ قُدُومَ العِيرِ كانَ يُوافِقُ يَوْمَ الجُمْعَةَ، بِسَبَبِ أنَّ المَراحِلَ كانَتْ تُعْطِي ذَلِكَ، وقالَ تَعالى: "إلَيْها" ولَمْ يَقُلْ: "إلَيْهِما" تَقْدِيمًا لِلْأهَمِّ، إذْ كانَتْ هي سَبَبُ اللهْوِ ولَمْ يَكُنِ اللهْوُ سَبَبَها، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمِنَ التِجارَةِ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا واللهُ خَيْرُ الرازِقِينَ".

وتَأمَّلْ إنْ قُدِّمَتِ التِجارَةُ مَعَ الرُؤْيَةِ لِأنَّها أهَمُّ، وأُخِّرَتْ مَعَ التَفْضِيلِ لِتَقَعَ النَفْسُ أوَّلًا عَلى الأبْيَنِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ قِيامُ الخَطِيبِ، وأوَّلُ مَنِ اسْتَراحَ في الخُطْبَةِ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ:، وأوَّلُ مَن خَطَبَ جالِسًا مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

و"الرازِقُ" صِفَةُ فِعْلٍ، وقَدْ يَتَّصِفُ بِها بَعْضُ البَشَرِ تَجَوُّزًا إذا كانَ سَبَبَ رِزْقِ الحَيَوانِ، واللهُ تَعالى خَيْرُ الرازِقِينَ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجُمْعَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الآيات هي المقصود من السورة وما قبلها مقدمات وتوطئات لها كما ذكرناه آنفاً.

وقد تقدم ما حكاه «الكشاف» من أن اليهود افتخروا على المسلمين بالسبت فشرع الله للمسلمين الجمعة.

فهذا وجه اتصال هذه الآية بالآيات الأربع التي قبلها فكن لهذه الآية تمهيداً وتوطئة.

اللام في قوله: ﴿ للصلاة ﴾ لام التعليل، أي نادى مناد لأجل الصلاة من يوم الجمعة، فعلم أن النداء هنا هو أذان الصلاة.

والجمعة بضم الجيم وضم الميم في لغة جمهور العرب وهو لغة أهل الحجاز.

وبنُو عُقَيْل بسكون الميم.

والتعريف في ﴿ الصلاة ﴾ تعريف العهد وهي الصلاة المعروفة الخاصة بيوم الجمعة.

وقد ثبتت شرعاً بالتواتر ثم تقررت بهذه الآية فصار دليل وجوبها في الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة.

وكانت صلاةُ الجمعة مشروعة من أول أيام الهجرة.

رُوي عن ابن سيرين أن الأنصار جمَّعوا الجمعة قبل أن يقدمَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قالوا: إن لليهود يوماً يجتمعون فيه وللنصارى يوم مثل ذلك فتعالَوا فلنجتمع حتى نجعل يوماً لنا نذكر الله ونصلي فيه.

وقالوا: إن لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العَروبة.

فاجتمعَوا إلى أسعدَ بننِ زُرَارةَ فصلى بهم يومئذٍ ركعتين وذكَّرهم.

وروى البيهقي عن الزهري أن مُصْعَب بن عُمير كان أول من جَمَّع الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعين أن يكون ذلك قد عَلم به النبي صلى الله عليه وسلم ولعلهم بلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثُ فضل يوم الجمعة وأنه يوم المسلمين.

فمشروعية صلاة الجمعة والتجميع فيه إجابة من الله تعالى رغبة المسلمين مثل إجابته رغبة النبي صلى الله عليه وسلم استقبال الكعبة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ [البقرة: 144].

وأما أول جمعة جمَّعها النبي صلى الله عليه وسلم فقال أهل السِيرَ: كانت في اليوم الخامس للهجرة لأن رسول الله قدم المدينة يومَ الاثنين لاثنتيْ عشرةَ ليلةً خلتْ من ربيع الأول فأقام بِقُبَاء ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركه وقتُ الجُمعة في بطن واد لبني سَالم بننِ عوف كان لهم فيه مسجد، فجمَّع بهم في ذلك المسجد، وخطب فيه أول خطبة خطبها بالمدينة وهي طويلة ذكر نصها القرطبي في «تفسيره».

وقولهم: «فأدركه وقت الجمعة»، يدل على أن صلاة الجمعة كانت مشروعة يومئذٍ وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عازماً أن يصليها بالمدينة فضاق عليه الوقت فأداها في مسجد بني سالم، ثم صلّى الجمعة القابلة في مسجده بالمدينة وكانت جمعة المسجد النبوي بالمدينة الثانيةَ بالأخبار الصحيحة.

وأول جُمعة جُمِّعت في مسجد من مساجد بلاد الإِسلام بعدَ المدينة كانت في مسجد جُؤَاثاء من بلاد البحرين وهي مدينة الخَطّ قرية لعبد القيس.

ولما ارتدت العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أهل جُؤَاثاء على الإِسلام.

وتقرر أن يوم الجمعة اليوم السابع من أيام الأسبوع في الإِسلام وهو الذي كان يسمّى في الجاهلية عَروبَة.

قال بعض الأيمة: ولا تدخل عليه اللام.

قال السهيلي: معنى العَروبة الراحة فيما بلغني عن بعض أهل العلم اه.

قلت وذلك مروي عن ثعلب، وهو قبل يوم السبت وقد كان يوم السبت عيدَ الأسبوع عند اليهود وهو آخر أيام الأسبوع.

وقد فرضت عليهم الراحة فيه عن الشغل بنص التوراة فكانوا يبتدئون عدد أيام الأسبوع من يوم الأحد وهو الموالي للسبت وتبعهم العرب في ذلك لأسباب غير معروفة ولذلك سمّى العرب القدماءُ يوم الأحد أولَ.

فأيام الأسبوع عند العرب في القديم هي: أوَّلُ، أَهونُ جُبَار، (كغُراب وكِتاب)، دُبار (كذلك)، مُؤيِس (مهموزاً)، عَروبة، شِيار (بشين معجمة مكسورة بعدها تحتية مخففة).

ثم أحدثوا أسماءَ لهذه الأيام هي: الأحد، الإثنين، الثُّلاثاء بفتح المثلثة الأولى وبضمها، الإِرْبِعاء بكسر الهمزة وكسر الموحدة، الخميس، عَروبة أو الجمعة في قول بعضهم السَّبْت.

وأصل السبت: القطع، سمي سبتاً عند الإِسرائيليين لأنهم يقطعون فيه العمل، وشاع ذلك الاسم عند العرب.

وسمّوا الأيام الأربعة بعدهُ بأسماء مشتقة عن أسماء العدد على ترتيبها وليس في التوراة ذكر أسماء للأيام.

وفي سفر التكوين منها «ذُكرت أيامُ بدء الخلق بأعدادها أولُ وثانٍ» الخ، وأن الله لم يخلق شيئاً في اليوم الذي بعد اليوم السادس.

وسمتْه التوراة سَبْتاً، قال السهيلي: قيل أول من سَمى يوم عَروبة الجمعةَ كَعبُ بن لُؤَي جدُّ أبي قُصي.

وكان قريش يجتمعون فيه إلى كعب قال: وفي قول بعضهم.

لم يسم يوم عروبة يوم الجمعة إلا مذ جاء الإِسلام.

جعل الله يوم الجمعة للمسلمين عيدَ الأُسبوع فشرع لهم اجتماع أهل البلد في المسجد وسماعَ الخطبة ليعلَّموا ما يهمهم في إقامة شؤون دينهم وإصلاحهم.

قال القفّال: ما جعل الله الناس أشرف العالم السفلي لم يُخْففِ عظم المنة وجلالة قدر موهبتِه لهم فأمرهم بالشكر على هذه الكرامة في يوم من الأيام السبعة ليكون في اجتماعهم في ذلك اليوم تنبيه على عظم ما أنعم الله به عليهم.

ولكل أهل ملةٍ معروفة يومٌ من الأسبوع معظم، فلليهود يوم السبت وللنصارى الأحد وللمسلمين يوم الجمعة.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " نحن الآخِرون "، أي آخر الدنيا السابقون يوم القيامة (يوم القيامة يتعلق ب«السابقون»).

بيدَ أنهم (أي اليهود والنصارى) أوتوا الكتاب من قبلنا ثم كان هذا اليومَ الذي اختلفوا فيه فهدَانَا الله إليه، فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد.

ولما جُعل يوم الجمعة يوم شكر وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذي تقع به شهرته فجُمِّعت الجماعات لذلك، واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيراً بالنعمة وحثّاً على استدامتها.

ولما كان مدار التعظيم إنما هو على الصلاة جعلت الصلاة لهذا اليوم وسط النهار ليتم الاجتماع ولم تُجْز هذه الصلاة إلا في مسجد واحد ليكون أدعى الاجتماع اه.

كلام القفال.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم «والنصارى بعد غد»، إشارة إلى ما عمله النصارى بعد المسيح وبعدَ الحواريين من تعويض يوم السبت بيوم الأحد لأنهم زعموا أن يومَ الأحد فيه قام عيسى من قبره.

فعوضوا الأحد عن يوم السبت بأمر من قُسطنطين سلطاننِ الروم في سنة 321 المسيحي.

وصار دِيناً لهم بأمر أحبارهم.

وصلاة الجمعة هي صلاة ظُهرِ يوم الجمعة، وليست صلاةً زائدة على الصلوات الخمس فأُسقط من صلاة الظهر ركعتان لأجْل الخطبتين.

روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: وإنما قُصِّرت الجمعة لأجل الخطبة.

وأحسب أن ذلك تخفيف على الناس إذ وجبت عليهم خطبتان مع الصلاة فكانت كل خطبة بمنزلة ركعةٍ وهذا سبب الجلوس بين الخطبتين للإِيماء إلى أنهما قائمتان مقام الركعتين ولذلك كان الجلوس خفيفاً.

غير أن الخطبتين لم تعطيَا أحكام الركعتين فلا يضر فوات إحداهما أو فواتهما معاً ولا يجب على المسبوق تعويضهما ولا سجودٌ لنقصهما عند جمهور فقهاء الأمصار، روي عن عطاء ومجاهد وطاووس: أن من فاتته الخطبة يوم الجمعة صلى أربعاً صلاة الظهر.

وعن عطاء: أن من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أضاف إليها ثلاث ركعات وهو أراد إن فاتته الخطبة وركعة من صلاة الجمعة.

وجعلت القراءة في الصلاة جهراً مع أن شأن صلوات النهار إسرار القراءة لفائدة إسماع الناس سُوراً من القرآن كما أسمِعوا الخطبة فكانت صلاةَ إرشاد لأهل البلد في يوم من كل أسبوع.

والإِجماع على أن صلاة الجمعة قائمة مقام صلاة الظهر في يوم الجمعة فمن صلاها لا يصلي معها ظهراً فأما من لم يصلِها لعذر أو لغيره فيجب عليه أن يصلي الظهر.

ورأيت في الجامع الأموي في دمشق قَام إمام يصلي بجماعة ظُهراً بعد الفراغ من صلاة الجمعة وذلك بدعة.

وإنما اختلف الأيمة في أصل الفرض في وقت الظهر يوم الجمعة فقال مالك والشافعي في آخر قوليه وأحمد وزُفَر من أصحاب أبي حنيفة: صلاة الجمعة المعروفة فرضُ وقت الزوال في يوم الجمعة وصلاة الظهر في ذلك اليوم لا تكون إلا بَدلاً عن صلاة الجمعة، أي لمن لم يصل الجمعة لعذر ونحوه.

وقال أبو حنيفة والشافعي في أول قوليه (المرجوع عنه) وأبو يوسف ومحمدٌ في رواية: الفرضُ بالأصل هو الظهر وصلاة الجمعة بَدل عن الظهر، وهو الذي صححه فقهاء الحنفية.

وقال محمد في رواية عنه: الفرض إحدى الصلاتين من غير تعيين والتعيينُ للمكلف فأشبه الواجبَ المخير (لأن الواجب المخير لا يأثم فيه فاعل أحد الأمرين وتارك الجمعة بدون عذر آثم).

قالوا: تظهر فائدة الخلاف في حُرَ مقيم صلّى الظهر في أول الوقت؛ فقال أبو حنيفة وأصحابه: له صلاة الظهر مطلقاً حتى لو خرج بعد أن صلّى الظهرَ أو لم يخرج لم يبطل فرضُه، لكن عند أبي حنيفة يبطل ظُهره بمجرد السعي مطلقاً وعند صاحبيه لا يبطل ظُهره إلا إذا أدرك الجمعة.

وقال مالك والشافعي: لا يجوز أن يصلّي الظهر يوم الجمعة سواء أدرك الجمعةَ أم لا، خرج إليها أم لا (يعني فإن أدرك الجمعة فالأمرُ ظاهر وإن لم يدركها وجب عليه أن يصلي ظهراً آخر).

والنداء للصلاة: الأذان المعروف وهو أذان الظهر ورد في «الصحيح» عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإِمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعُمر.

قال السائب بن يزيد: فلما كان عثمان وكثُر الناس بالمدينة زاد أذاناً على الزوراء (الزوراء موضع بسوق المدينة).

وربما وصف في بعض الرّوايات بالأذان الثاني.

ومعنى كونه ثانياً أنه أذانٌ مكرِّر للأذان الأصلي فهو ثان في المشروعية ولا يريد أنه يؤذن به بعد الفراغ من الأذان الذي يؤذن به وقت جلوس الإِمام على المنبر، أي يؤذن به في باب المسجد، إذْ لم يكن للناس يومئذٍ صومعة، وربما وقع في بعض الروايات وصفه بالنداء الثالث وإنما يُعنَى بذلك أنه ثالث بضميمه الأذان الأول.

ولا يراد أن الناس يؤذنون أذانين في المسجد وإنما زاده عثمان ليُسمعَ النداءُ من في أطراف المدينة، وربما سموه الأذان الأول.

والذي يظهر من تحقيق الروايات أن هذا الأذان الثاني يؤذّن به عقب الأذان الأول، لأن المقصود حضور الناس للصلاة في وقت واحد ووقع في بعض عبارات الروايات والرواة أنه كان يؤذن بأذان الزوراء أولاً ثم يخرج الإِمام فيؤذن بالأذان بَين يديه.

قال ابن العربي في «العارضة»: «لما كثر الناس في زمن عثمان زاد النداءَ على الزوراء ليشعر الناس بالوقت فيأخذوا بالإِقبال إلى الجمعة ثم يخرج عثمان فإذا جلس على المنبر أُذِّن الثاني الذي كان أولاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخطب.

ثم يؤذَّن الثالث يعني به الإِقامة» اه.

وقال في «الأحكام»: «وسمّاه في الحديث (أي حديثثِ السائب بن يزيد) ثالثاً لأنه أضافه إلى الإِقامة فجعله ثالثَ الإِقامة، (أي لأنه أحدث بعد أن كانت الإِقامة مشروعة وسمّى الإِقامة أذاناً مشاكلة أو لأنها إيذان بالدخول في الصلاة) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " بينَ كل أذانَيْن صلاةٌ لمن شاء " يعني بين الأذان والإِقامة، فتوهم الناس أنه أذانٌ أصْليّ فجعلوا الأذانات ثلاثة فكان وهَماً.

ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهَماً على وهَم اه.

فتوهم كثير من أهل الأمصار أن الأذان لصلاة الجمعة ثلاث مرات لهذا تراهم يؤذنون في جوامع تونس ثلاثة أذانات وهو بدعة.

قال ابن العربي في «العارضة»: فأما بالمَغْرب (أي بلاد المغرب) فيؤذن ثلاثة من المؤذنين لجهل المفتين قال في «الرسالة»: «وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية» فوصفه بالثاني وهو التحقيق، ولكنه نسبه إلى بني أمية لعدم ثبوت أن الذي زاده عثمان، ورواه البخاري وأهل السنن عن السائب بن يزيد ولم يروه مسلم ولا مالك في «الموطأ».

والسبب في نسبته إلى بني أمية: أن علي بن أبي طالب لما كان بالكوفة لم يُؤذّن للجمعة إلا أذاناً واحداً كما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وألغى الأذان الذي جعله عثمان بالمدينة.

فلعل الذي أرجع الأذان الثاني بعضُ خلفاء بني أمية قال مالك في «المجموعة»: إن هشام بن عبد الملك أحدث أذاناً ثانياً بين يَدَيه في المسجد.

واعلم أن النداء الذي نيط به الأمر بالسعي في هذه الآية هو النداء الأول، وما كان النداء الثاني إلا تبليغاً للأذان لمن كان بعيداً فيجب على من سمعه السعي إلى الجمعة للعلم بأنه قد نُودي للجمعة.

والسعي: أصله الاشتداد في المشي.

وأطلق هنا على المشي بحرص وتوقي التأخر مجازاً.

و ﴿ ذِكر الله ﴾ فُسر بالصلاة وفُسر بالخطبة، بهذا فسره سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير.

قال أبو بكر بن العربي «والصحيح أنه الجميع أوله الخطبة».

قلت: وإيثار ﴿ ذكر الله ﴾ هنا دون أن يقول: إلى الصلاة، كما قال: ﴿ فإذا قضيت الصلاة ﴾ لتتأتى إرادة الأمرين الخطبة والصلاة.

وفيه دليل على وجوب الخطبة في صلاة الجمعة وشرطيته على الجملة.

وتفصيل أحكام التخلف عن الخطبة ليست مساوية للتخلف عن الصلاة إلاّ في أصل حرمة التخلف عن حضور الخطبة بغير عذر.

وفي حديث «الموطأ» «فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» ولا شك أن الإِمام إذا خرج ابتدأ بالخطبة فكانت الخطبة من الذكر وفي ذلك تفسير للفظ الذكر في هذه الآية.

وإنما نهوا عن البيع لأنه الذي يشغلهم ولأن سبب نزول الآية كان لترك فريق منهم الجمعة إقبالاً على عِير تجارة وردت كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ﴾ [الجمعة: 11].

ومثل البيع كل ما يشغل عن السعي إلى الجمعة، وبعد كون البيع وما قيس عليه منهياً عنه فقد اختُلف في فسخ العقود التي انعقدت وقت الجمعة.

وهو مبني على الخلاف في اقتضاء النهي فساد المنهي عنه، ومذهب مالك أن النهي يقتضي الفساد إلا لِدليل.

وقول مالك في «المدونة»: إن البيع الواقع في وقت صلاة الجمعة بين من تجب عليهم الجمعة يفسخ.

وقال الشافعي: لا يفسخ.

وجعله كالصلاة في الأرض المغصوبة وهو قول أبي حنيفة أيضاً.

وأما النكاح المعقود في وقت الجمعة: ففي «العتيبة» عن ابن القاسم: لا يفسخ.

ولعله اقتصر على ما ورد النهي عنه في القرآن ولم ير القياس موجباً لفسخ المقيس.

وكذلك قال أيمة المالكية: لا تفسخ الشركة والهبة والصدقة الواقعة في وقت الجمعة وعللوا ذلك بندرة وقوع أمثالها بخلاف البيع.

وخطاب الآية جميعَ المؤمنين فدل على أن الجمعة واجبة على الأعيان.

وشذ قوم قالوا: إنها واجبة على الكفاية قال ابن الفرس: ونسب إلى بعض الشافعية وخطاب القرآن الذين آمنوا عام خصصته السنة بعدم وجوب الجمعة على النساء والعبيد والمسافر إذا حل بقرية الجمعة ومن لا يستطيع السعي إليها.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ من يوم الجمعة ﴾ تبعيضية فإن يوم الجمعة زمان تقع فيه أعمال منها الصلاة المعهودة فيه، فنزّل ما يقع في الزمان بمنزلة أجزاء الشيء.

ويجوز كون ﴿ مِن ﴾ للظرفية مثل التي في قوله تعالى: ﴿ أروني ماذا خلقوا من الأرض ﴾ [فاطر: 40]، أي فيها من المخلوقات الأرضية.

والإِشارة ب ﴿ ذلكم ﴾ إلى المذكور، أي ما ذُكر من أمر بالسعي إليها، وأمر بترك البيع حينئذٍ، أي ذلك خير لكم مما يحصل لكم من البيوعات.

فلفظ ﴿ خير ﴾ اسم تفضيل أصله: أخير، حذفت همزته لكثرة الاستعمال.

والمفضل عليه محذوف لدلالة الكلام عليه.

والمفضل: الصلاة، أي ثوابها.

والمفضل عليه: منافع البيع للبائع والمشتري.

وإنما أعقب بقوله تعالى: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ تنبيهاً على أن لهم سعة من النهار يجعلونها للبيع ونحوه من ابتغاء أسباب المعاش فلا يأخذوا ذلك من وقت الصلاة، وذكر الله.

والأمر في ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ للإباحة.

والمراد ب ﴿ فضل الله ﴾ : اكتساب المال والرزق.

وأما قوله: ﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ فهو احتراس من الانصباب في أشغال الدنيا انصباباً ينسي ذكر الله، أو يشغل عن الصلوات فإن الفلاح في الإِقبال على مرضاة الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ في السَّعْيِ إلَيْها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النِّيَّةُ بِالقُلُوبِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ العَمَلُ لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ إجابَةُ الدّاعِي، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: المَشْيُ عَلى القَدَمِ مِن غَيْرِ إسْراعٍ، وذُكِرَ أنَّ عُمَرَ وابْنَ مَسْعُودٍ كانا يَقْرَآنِ فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وفي ذِكْرِ اللَّهِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مَوْعِظَةُ الإمامِ في الخُطْبَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

الثّانِي: أنَّها الوَقْتُ، حَكاهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الصَّلاةُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وَكانَ اسْمُ يَوْمِ الجُمُعَةِ في الجاهِلِيَّةِ العُرُوبَةَ، لِأنَّ أسْماءَ الأيّامِ في الجاهِلِيَّةِ كانَتْ غَيْرَ هَذِهِ الأسْماءِ، فَكانُوا يُسَمُّونَ يَوْمَ الأحَدِ أوَّلُ، والِاثْنَيْنَ أهْوَنُ، والثُّلاثاءَ جُبارٌ، والأرْبِعاءَ دَبارٌ، والخَمِيسَ مُؤْنِسٌ، والجُمُعَةَ عُرُوبَةُ، والسَّبْتَ شِيارٌ، وأنْشَدَنِي بَعْضُ أهْلِ الأدَبِ أُؤَمِّلُ أنْ أعِيشَ وإنَّ يَوْمِي بِأوَّلَ أوْ أهْوَنَ أوْ جُبارَ ∗∗∗ أوِ التّالِي دَبارٍ أوْ فَيَوْمِي ∗∗∗ بِمُؤْنِسٍ أوْ عُرُوبَةَ أوْ شِيارِ وَأوَّلُ مَن سَمّاهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ كَعْبُ بْنُ لُؤَيِّ بْنِ غالِبٍ لِاجْتِماعِ قُرَيْشٍ فِيهِ إلى كَعْبٍ، وقِيلَ بَلْ سُمِّيَ في الإسْلامِ لِاجْتِماعِ النّاسِ فِيهِ لِلصَّلاةِ.

﴿ وَذَرُوا البَيْعَ ﴾ مَنَعَ اللَّهُ مِنهُ عِنْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ وحَرَّمَهُ في وقْتِها عَلى ما كانَ مَخاطَبًا بِفَرْضِها.

وَفي وقْتِ التَّحْرِيمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَعْدَ الزَّوالِ [إلى ما] بَعْدَ الفَراغِ مِنها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: مِن وقْتِ أذانَ الخُطْبَةِ إلى الفَراغِ مِنَ الصَّلاةِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَأمّا الأذانُ الأوَّلُ فَمُحْدَثٌ، فَعَلَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ لِيَتَأهَّبَ النّاسُ بِهِ لِحُضُورِ الخُطْبَةِ عِنْدَ اتِّساعِ المَدِينَةِ وكَثْرَةِ أهْلِها، وقَدْ كانَ عُمَرُ أمَرَ أنْ يُؤَذَّنَ في السُّوقِ قَبْلَ المَسْجِدِ لِيَقُومَ النّاسُ عَنْ بَيُوعِهِمْ، فَإذا اجْتَمَعُوا أُذِّنَ في المَسْجِدِ، فَجَعَلَهُ [عُثْمانُ] أذانَيْنِ في المَسْجِدِ، ولَيْسَ يَحْرُمُ البَيْعُ بَعْدَهُ وقَبْلَ الخُطْبَةِ، فَإنْ عُقِدَ في هَذا الوَقْتِ المُحَرَّمِ بَيْعٌ لَمْ يَبْطُلِ البَيْعُ وإنْ كانَ قَدْ عَصى اللَّهَ، لِأنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِسَبَبٍ يَعُودُ إلى العاقِدَيْنِ دُونَ العَقْدِ، وأبْطَلَهُ ابْنُ حَنْبَلٍ تَمَسُّكًا بِظاهِرِ النَّهْيِ.

﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي أنَّ الصَّلاةَ خَيْرٌ لَكم مِنَ البَيْعِ والشِّراءِ لِأنَّ الصَّلاةَ تَفُوتُ بِخُرُوجِ وقْتِها، والبَيْعَ لا يَفُوتُ.

﴿ فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ﴾ يَعْنِي أُدِّيَتْ.

﴿ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ ﴾ حُكِيَ عَنْ عِراكِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ كانَ إذا صَلّى الجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أجَبْتُ دَعْوَتَكَ وصَلَّيْتُ فَرَضِيتُكَ وانْتَشَرْتُ كَما أمَرَتْنِي فارْزُقْنِي مِن فَضْلِكَ وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ.

﴿ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الرِّزْقُ مِنَ البَيْعِ والشِّراءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: العَمَلُ في يَوْمِ السَّبْتِ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ.

الثّالِثُ: ما رَواهُ أبُو خَلَفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشَرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ، قالَ: لَيْسَ بِطَلَبِ الدُّنْيا لَكِنْ مِن عِيادَةِ مَرِيضٍ وحُضُورِ جِنازَةٍ وزِيارَةِ أخٍ في اللَّهِ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ إن زعمتم أنكم أولياء لله ﴾ قالوا: نحن أبناء الله واحباؤه، وفي قوله: ﴿ ولا يتمنونه أبداً، بما قدمت أيديهم ﴾ قال: عرفوا أن محمداً نبي الله فكتموه، وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم ﴾ قال: إن سوء العمل يكره الموت شديداً.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن معمر قال: تلا قتادة ﴿ ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ﴾ قال: إن الله أذل ابن آدم بالموت لا أعلمه إلا رفعه.

قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ﴾ الآية.

أخرج سعيد بن منصور وابن مردويه «عن أبي هريرة قال: قلت يا نبي الله لأي شيء سمي يوم الجمعة؟

قال: لأن فيها جمعت طينة أبيكم آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا فيها بدعوة استجاب له» .

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والنسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سلمان قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أتدري ما يوم الجمعة؟

قال: الله ورسوله أعلم.

قالها ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: هو اليوم الذي جمع فيه أبوكم آدم أفلا أحدثكم عن يوم الجمعة لا يتطهر رجل فيحسن طهوره، ويلبس أحسن ثيابه، ويصيب من طيب أهله، إن كان لهم طيب، وإلا فالماء ثم يأتي المسجد فيجلس وينصت حتى يقضي الإِمام صلاته إلا كانت كفارة ما بين الجمعة ما اجتنيت الكبائر، وذلك الدهر كله» .

وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي لبابة بن عبد المنذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى، وفيه خمس خصال: خلق الله فيه آدم، وأهبط فيه إلى الأرض، وفيه توفي الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا أعطاه الله ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك ولا أرض ولا سماء ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة أن تقوم فيه الساعة» .

وأخرج أحمد وابن مردويه عن سعد بن عبادة «أن رجلاً من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرنا عن يوم الجمعة ماذا فيه من الخير؟

قال: فيه خمس خصال: فيه خلق آدم، وفيه أهبط آدم، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله شيئاً إلا آتاه إياه ما لم يسأل مأثماً أو قطيعة رحم، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبل ولا ريح إلا يشفقن من يوم الجمعة» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «في سبعة أيام يوم اختاره الله على الأيام كلها يوم الجمعة، فيه خلق الله السموات والأرض، وفيه قضى الله خلقهن، وفيه خلق الله الجنة والنار، وفيه خلق آدم، وفيه أهبطه من الجنة وتاب عليه، وفيه تقوم الساعة ليس شيء من خلق إلا وهو يفزع من ذلك اليوم شفقة أن تقوم الساعة إلا الجن والانس» .

وأخرج ابن مردويه عن كعب الأحبار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئاتها، ويبعث الجمعة زهراء منيرة لأهلها يحفون بها كالعروس يهدي إلى كريمها تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانها كالثلج بياضهم، رياحهم تسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان ما يطرفون تعجباً حتى يدخلوا الجنة، لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الأيام يوم الجمعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أوس بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه النفخة وفيه الصعقة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: لم تطلع الشمس في يوم هو أعظم من يوم الجمعة إنها إذا طلعت فزع لها كل شيء إلا الثقلان اللذان عليهما الحساب والعذاب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: إن يوم الجمعة لتفزع له الخلائق إلا الجن والإِنس وأنه ليضاعف فيه الحسنة والسيئة، وإنه ليوم القيامة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: الحسنة تضاعف يوم الجمعة.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عمر قال: «نزل جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي يده شبه مرآة فيها نكتة سوداء، فقال يا جبريل: ما هذه؟

قال: هذه الجمعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل وفي يده كالمرآة البيضاء فيها كالنكتة السوداء، فقلت يا جبريل: ما هذه؟

قال: هذه الجمعة، قلت: وما الجمعة؟

قال: لكم فيها خير، قلت: وما لنا فيها؟

قال: تكون عيداً لك ولقومك من بعدك، وتكون اليهود والنصارى تبعاً لك.

قلت: وما لنا فيها؟

قال: لكم فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها شيئاً من الدنيا والآخرة هو لكم قسم إلا أعطاه إياه، وليس له قسم إلا ادخر له عنده ما هو أفضل منه، أو يتعوّذ به من شر هو عليه مكتوب إلا صرف عنه من البلاء ما هو أعظم منه، قلت له: وما هذه النكتة فيها؟

قال: هي الساعة، وهي تقوم يوم الجمعة، وهو عندنا سيد الأيام، ونحن ندعوه يوم القيامة، يوم المزيد، قلت: مم ذاك؟

قال: لأن ربك اتخذ في الجنة وادياً من مسك أبيض، فإذا كان يوم القيامة هبط من عليين على كرسيه، ثم حف الكرسي بمنابر من ذهب مكللة بالجوهر، ثم يجيء النبيون حتى يجلسوا عليها، وينزل أهل الغرف حتى يجلسوا على ذلك الكثيب، ثم يتجلى لهم ربهم تبارك وتعالى ثم يقول: سلوني أعطكم، فيسألونه الرضا فيقول: رضاي أحلكم داري وأنا لكم كريم، متى تسألوني أعطكم، فيسألونه الرضا فيشهدهم أني قد رضيت عنهم، فيفتح لهم ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر، وذلكم مقدار انصرافكم من يوم الجمعة، ثم يرتفع ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء، ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم، وهي درة بيضاء ليس فيها وصم ولا فصم، أو درة حمراء، أو زبرجدة خضراء فيها غرفها وأبوابها مطروزة، وفيها أنهارها وثمارها متدلية، قال: فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا إلى ربهم نظراً، وليزدادوا منه كرامة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجمعة لساعة ما دعا الله فيها عبد مسلم بشيء إلا استجاب له» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «في الجمعة ساعة من النهار لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا أعطي سؤله، قيل: أي ساعة هي؟

قال: هي أن تقام الصلاة إلى الانصراف فيها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن يوم الجمعة مثل يوم عرفة، تفتح فيه أبواب الرحمة، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد شيئاً إلا أعطاه، قيل وأي ساعة؟

قال: إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة.

وأخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن يوم الجمعة مثل يوم عرفة، وإن فيه لساعة تفتح أبواب الرحمة، فقيل: أي ساعة؟

قالت: حين ينادي بالصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عطاء عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم قالا: الساعة التي تذكر في الجمعة، قال: فقلت: هي الساعة اختار الله لها أوفى فيها الصلاة، قال: فمسح رأسي وبرك عليّ وأعجبه ما قلت.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي أمامة قال: إني لأرجو أن تكون الساعة التي في الجمعة إحدى هذه الساعات إذا أذن المؤذن أو جلس الإِمام على المنبر، أو عند الإِقامة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال: هي عند زوال الشمس.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: هي ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بردة قال: إن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة حين يقوم الإِمام في الصلاة حتى ينصرف منها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عوف بن حصيرة في الساعة التي ترجى في الجمعة ما بين خروج الإِمام إلى أن تقضى الصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاووس قال: إن الساعة التي ترجى في الجمعة بعد العصر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن هلال بن يسار قال: قال رسول الله: «إن في الجمعة لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه، فقال رجل: يا رسول الله ماذا أسأله؟

قال: سل الله العافية في الدنيا والآخرة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهوره وادهن من دهنه أو مس طيباً من بيته، ثم راح فلم يفرق بين اثنين، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا تكلم الإِمام إلا غفر له ما بينه إلى الجمعة الأخرى» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن السائب بن يزيد قال: كان النداء الذي ذكر الله في القرآن يوم الجمعة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعامة خلافة عثمان أن ينادي المنادي إذا جلس الإِمام على المنبر، فلما تباعدت المساكن وكثر الناس أحدث النداء الأول، فلم يعب الناس ذلك عليه، وقد عابوا عليه حين أتم الصلاة بمنى، قال: فكنا في زمان عمر نصلي، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر قطعنا الصلاة وتحدثنا، فربما أقبل عمر على بعض من يليه فسألهم عن سوقهم وقد أمهم والمؤذن يؤذن، فإذا سكت المؤذن قام عمر فتكلم ولم يتكلم حتى يفرغ من خطبته.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ﴾ قال: هو الوقت.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ﴾ قال: النداء عند الذكر عزمة.

وأخرج أبو الشيخ في كتاب الأذان عن ابن عباس قال: الأذان نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع فرض الصلاة ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة، قالت الأنصار: لليهود يوم تجمعون فيه كل سبعة أيام، والنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل يوماً نجتمع فيه، فنذكر الله ونشكره، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمون الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين، وذكرهم، فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه فذبح لهم شاة فتغدوا وتعشوا منها، وذلك لقلتهم، فأنزل الله في ذلك بعد ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ الآية.

وأخرج الدارقطني عن ابن عباس قال: «أذن النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع أن يجمع بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير» أما بعد، فأنظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور فأجمعوا نسائكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين «قال: فهو أول من جمع حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فجمع بعد الزوال من الظهر وأظهر ذلك» .

وأخرج أبو داود وابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن أباه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة فقلت له يا أبتاه أرأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الآذان للجمعة ما هو؟

قال: إنه أول من جمع بنا في نقيع يقال له نقيع الخضمات من حرة بني بياضة.

قلت: كم كنتم يومئذٍ؟

قال: أربعون رجلاً.

وأخرج الطبراني عن أبي مسعود الأنصاري قال: أول من قدم من المهاجرين المدينة مصعب بن عمير وهو أول من جمع بها يوم الجمعة بهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم اثنا عشر رجلاً.

وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن ابن شهاب قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة من قباء، فمر على بني سالم، فصلى فيهم الجمعة ببني سالم، وهو المسجد الذي في بطن الوادي، وكانت أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن ماجة عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: «إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا، إلى يوم القيامة، فمن تركها استخفافاً بها أو جحوداً لها فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ولا زكاة له، ولا حج له، ولا صوم له، ولا بركة له، حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر وابن عباس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على أعواد المنبر: «لينتهين أقوام عن ترك الجمعة والجماعات، أو ليطمسن الله على قلوبهم وليكتبن من الغافلين» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سمرة بن جندب مرفوعاً: «من ترك الجمعة من غير عذر طمس على قلبه» .

وأخرج أحمد والحاكم عن أبي قتادة مرفوعاً: «من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه» .

وأخرج النسائي وابن ماجة وابن خزيمة من حديث جابر مثله.

وأخرج أحمد وابن حبان عن أبي الجعد الضمري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق» .

وأخرج أبو يعلى والمروزي في الجمعة من طريق محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن عمه عن النبي صلى الله عليه وسلم «سيد الأيام عند الله يوم الجمعة، أعظم من يوم النحر والفطر، وفيه خمس خلال: خلق آدم فيه، وفيه أهبط من الجنة إلى الأرض، وتوفي فيه آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها ربه إلا أعطاه، ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ميمون بن أبي شعيب قال: أردت الجمعة في زمن الحجاج، فتهيأت للذهاب، ثم قلت: أين أذهب أصلي خلف هذا، فقلت مرة أذهب ومرة لا أذهب، فأجمع رأيي على الذهاب، فناداني منادٍ من جانب البيت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ الآية.

أخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحر قال: رأى معي عمر بن الخطاب لوحاً مكتوباً فيه ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ فقال: من أملى عليك هذا؟

قلت: أبيّ بن كعب.

قال: إن أبياً أقرؤنا للمنسوخ قرأها ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: قيل لعمر: إن أبياً يقرأ ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال عمر: أبيّ أعلمنا بالمنسوخ، وكان يقرأها ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: ما سمعت عمر يقرأها قط إلا ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: ما سمعت عمر يقرؤها قط إلا ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: لقد توفي عمر وما يقول هذه الآية التي في سورة الجمعة إلا ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري والطبراني من طرق عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ قال: ولو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي.

وأخرج عبد الرزاق والطبراني عن قتادة قال في حرف ابن مسعود: ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ وهو كقوله: ﴿ إن سعيكم لشتى ﴾ [ الليل: 4] .

وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي العالية عن أبيّ بن كعب وابن مسعود أنهما كانا يقرآن ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقرأها ﴿ فامضوا إلى ذكر الله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال: فامضوا.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال: ما هو بالسعي على الأقدام ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في شعب الإِيمان عن قتادة في قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال: السعي أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها.

قال الله: ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ [ الصافات: 102] قال: لما مشى مع أبيه.

وأخرج عبد بن حميد عن ثابت قال: كنا مع أنس بن مالك يوم الجمعة فسمع النداء بالصلاة فقال: قم لنسعى إليها.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء في قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال: الذهاب والمشي.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: إنما السعي العمل، وليس السعي على الأقدام.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن محمد بن كعب قال: السعي العمل.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس وعكرمة مثله.

وأخرج البيهقي في سننه عن عبد الله بن الصامت قال: خرجت إلى المسجد يوم الجمعة فلقيت أبا ذر، فبينا أنا أمشي إذ سمعت النداء، فرفعت في المشي لقول الله: ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ فجذبني جذبة فقال: أولسنا في سعي.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ قال: موعظة الإِمام.

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمت التجارة يوم الجمعة ما بين الأذان الأول إلى الإِقامة إلى انصراف الإِمام، لأن الله يقول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر ﴾ إلى ﴿ وذروا البيع ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانا يختلفان في تجارتهما إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، يخطب فيدعونه ويقومون فيما هم إلا بيعاً حتى تقام الصلاة فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ﴾ قال: فحرم عليهم ما كان قبل ذلك.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الزهري قال: الأذان الذي يحرم فيه البيع هو الأذان الذي عند خروج الإِمام.

قال: وأرى أن يترك البيع الآن عند الأذان الأول.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم الشراء والبيع.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الضحاك قال: إذا زالت الشمس من يوم الجمعة حرم البيع والتجارة حتى تقضى الصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء والحسن أنهما قالا: ذلك.

وأخرج عبد بن حميد عن أيوب قال: لأهل المدينة ساعة يوم الجمعة ينادون: حرم البيع، وذلك عند خروج الإِمام.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ميمون بن مهران قال: كان بالمدينة إذا أذن المؤذن من يوم الجمعة ينادون في الأسواق: حرم البيع حرم البيع.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن القاسم أن القاسم دخل على أهله في يوم الجمعة وعندهم عطار يبايعونه، فاشتروا منه، وخرج القاسم إلى الجمعة، فوجد الإِمام قد خرج، فأمرهم أن يناقضوه البيع.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد قال: من باع شيئاً بعد الزوال يوم الجمعة فإن بيعه مردود لأن الله تعالى نهى عن البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل تعلم من شيء يحرم إذا أذن بالأولى سوى البيع؟

قال عطاء: إذا نودي بالأولى حرم اللهو والبيع، والصناعات كلها هي بمنزلة البيع والرقاد، وأن يأتي الرجل أهله، وأن يكتب كتاباً قلت: إذا نودي بالأولى وجب الرواح حينئذ؟

قال: نعم.

قلت: من أجل قوله إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة؟

قال: نعم، فليدع حينئذ كل شيء وليرح.

أخرج أبو عبيد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن عبدالله بن بسر الحراني قال: رأيت عبدالله بن بشر المازني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الجمعة خرج فدار في السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد، فصلى ما شاء الله أن يصلي، فقيل له: لأي شيء تصنع هذا؟

قال: لأني رأيت سيد المرسلين هكذا يصنع، وتلا هذه الآية ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: إذا انصرفت يوم الجمعة فاخرج إلى باب المسجد فساوم بالشيء وإن لم تشتره.

وأخرج ابن المنذر عن الوليد بن رباح أن أبا هريرة كان يصلي بالناس الجمعة، فإذا سلم صاح ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله ﴾ فيبتدر الناس الأبواب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وعطاء ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ﴾ قالا: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في قوله: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ﴾ قال: هو إذن من الله، فإذا فرغ فإن شاء خرج، وإن شاء قعد في المسجد.

وأخرج ابن جرير عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ قال: ليس لطلب دنيا ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ قال: لم يؤمروا بشيء من طلب الدنيا، إنما هو عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله.

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى الجمعة فصام يومه وعاد مريضاً وشهد جنازة وشهد نكاحاً وجبت له الجنة» .

قوله تعالى: ﴿ وإذا رأوا تجارة ﴾ الآية.

أخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن جابر بن عبدالله قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائماً إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلاً أنا فيهم وأبو بكر وعمر، فأنزل الله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ إلى آخر السورة.

وأخرج البزار عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقدم دحية بن خليفة يبيع سلعة له، فما بقي في المسجد أحد إلا نفر، والنبي صلى الله عليه وسلم قائم، فأنزل الله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً ﴾ قال: قدم دحية الكلبي بتجارة، فخرجوا ينظرون إلا سبعة نفر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً ﴾ قال: «جاءت عير عبد الرحمن بن عوف تحمل الطعام، فخرجوا من الجمعة، بعضهم يريد أن يشتري، وبعضهم يريد أن ينظر إلى دحية، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر، وبقي في المسجد اثنا عشر رجلاً وسبع نسوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم ناراً» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قدمت عير المدينة يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب، فانفض أكثر من كان في المسجد، فأنزل الله في هذه الآية ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ .

وأخرج أبو داود في مراسيله عن مقاتل بن حيان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى كان يوم الجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف، فخرج الناس ولم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء، فأنزل الله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن مقاتل بن حيان قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ويقوم قائماً، وإن دحية الكلبي كان رجلاً تاجراً، وكان قبل أن يسلم: قدم بتجارته إلى المدينة خرج الناس ينظرون إلى ما جاء به ويشترون منه، فقدم ذات يوم ووافق الجمعة، والناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وهو قائم يخطب، فاستقبل أهل دحية العير حين دخل المدينة بالطبل واللهو، فذلك اللهو الذي ذكر الله، فسمع الناس في المسجد أن دحية قد نزل بتجارة عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، وسمعوا أصواتاً، فخرج عامة الناس إلى دحية ينظرون إلى تجارته وإلى اللهو، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً ليس معه كبير عدة أحد، فبلغني والله أعلم أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، وبلغنا أن العدة التي بقيت في المسجد مع النبي صلى الله عليه وسلم عدة قليلة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: لولا هؤلاء، يعني الذين بقوا في المسجد؛ عند النبي صلى الله عليه وسلم: لقصدت إليهم الحجارة من السماء» ونزل ﴿ قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس يوم الجمعة، فإذا كان نكاح لعب أهله وعزفوا ومروا باللهو على المسجد، وإذا نزل بالبطحاء جلب قال: وكانت البطحاء مجلساً بفناء المسجد الذي يلي بقيع الغرقد، وكانت الأعراب إذا جلبوا الخيل والإِبل والغنم وبضائع الأعراب نزلوا البطحاء، فإذا سمع ذلك من يقعد للخطبة قاموا للهو والتجارة وتركوه قائماً، فعاتب الله المؤمنين لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ قال: رجال يقومون إلى نواضحهم وإلى السفر يقدمون يبتغون التجارة واللهو.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: «بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، إذ قدمت عير المدينة فانفضوا إليها وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يبق معه إلا رهط منهم أبو بكر وعمر، فنزلت هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى معي أحد منكم لسال بكم الوادي ناراً» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: «ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قام يوم الجمعة فخطبهم ووعظهم وذكرهم، فقيل: جاءت عير، فجعلوا يقومون حتى بقيت عصابة منهم فقال: كم أنتم فعدوا أنفسكم فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة، ثم قام الجمعة الثانية فخطبهم ووعظهم وذكرهم، فقيل: جاءت عير، فجعلوا يقومون حتى بقيت عصابة منهم، فقال:كم أنتم فعدوا أنفسكم، فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة، فقال: والذي نفس محمد بيده لو أتبع آخركم أولكم لالتهب الوادي عليكم ناراً» وأنزل الله فيها ﴿ وإذا رأوا تجارة ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أو لهواً ﴾ قال: هو الضرب بالطبل.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة أقبل شاء وشيء من سمن، فجعل الناس يقومون إليه، حتى لم يبق إلا قليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو تتابعتم لتأجج الوادي ناراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود أنه سئل: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً أو قاعداً؟

قال: أما تقرأ ﴿ وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن مرديه والبيهقي في سننه عن كعب بن عجرة أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً وقد قال الله: ﴿ وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج أحمد وابن ماجة وابن مردويه عن جابر بن سمرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً.

وأخرج أحمد وابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن جابر بن سمرة قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكر الناس.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يخطب خطبتين يجلس بينهما.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة قائماً، ثم يقعد، ثم يقوم فيخطب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه سئل عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقرأ ﴿ وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن مرة قال: سألت أبا عبيدة رضي الله عنه عن الخطبة يوم الجمعة، فقرأ ﴿ وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاووس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً وأبو بكر وعمر وعثمان، وإن أوّل من جلس على المنبر معاوية بن أبي سفيان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاووس قال: الجلوس على المنبر يوم الجمعة بدعة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: إنما خطب معاوية قاعداً حين كثر شحم بطنه ولحمه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه الكريم، فقال: السلام عليكم، ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ سورة ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن سمرة قال: كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم قصراً وصلاته قصراً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول قال: إنما قصرت صلاة الجمعة من أجل الخطبة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه سئل عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقرأ ﴿ وتركوك قائماً ﴾ .

وأخرج ابن أبي الدنيا في شعب الإِيمان والديلمي «عن الحسن البصري قال: طلبت خطب النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة فأعيتني، فلزمت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فقال: كان يخطب فيقول في خطبته يوم الجمعة: يا أيها الناس إن لكم علماً فانتهوا إلى علمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، فإن المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري كيف صنع الله فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري كيف الله بصانع فيه، فليتزوّد المؤمن من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشباب قبل الهرم، ومن الصحة قبل السقم، فإنكم خلقتم للآخرة، والدنيا خلقت لكم والذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار، وأستغفر الله لي ولكم» .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن شهاب قال: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا خطب: «كل ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا يخف لأمر الناس، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الناس أمراً ويريد الله أمراً، وما شاء الله كان، ولو كره الناس، لا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما بعد الله ولا يكون شيء إلا بإذن الله» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس: إذا صليتم الفريضة (١) وقال مقاتل: فرغتم من الصلاة يوم الجمعة فانتشروا في الأرض هذا أمر إباحته للانتشار بعد الأمر بالاجتماع للصلاة بالسعي إليها (٢) قال ابن عباس: فإن شئت فأخرج وان شئت فصل العصر، وإن شئت فاقعد (٣) ﴿ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ ﴾ إباحة لطلب الرزق بالتجارة بعد المنع بقوله: ﴿ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ .

قال مقاتل: أحل لهم ابتغاء الرزق بعد الصلاة فمن شاء خرج إلى تجارته ومن شاء لم يفعل (٤) وقال مجاهد: إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل (٥) وقال الضحاك: هو إذن من الله إذا فرع إن شاء خرج وإن شاء قعد في المسجد (٦) والأحسن في الابتغاء من فضل الله أنه طلب الرزق وذكر أوجه من طلب الولد، وطلب العلم، وعيادة المريض وحضور الجنازة، والظاهر هو الأول، لأن إباحة ما منع هو البيع (٧) وروى أن عراك بن مالك (٨) (٩) (١٠) وأجمع المفسرون على أن الأمر بالانتشار والابتغاء أمر إباحة كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا  ﴾ وليس على كل من حل من إحرامه أن يصطاد، قال أبو إسحاق: هذا مثل قولك في الكلام: إذا حضرتني فلا تنطق (١١) (١٢) قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ قال مقاتل: باللسان (١٣) (١٤) وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين كثيرًا حتى يذكره قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا (١٥) قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً ﴾ الآية.

قال مقاتل: إن دحية الكلبي أقبل بتجارة من الشام قبل أن يسلم وكان يحمل معه من أنواع التجارة، وكان يتلقاه أهل المدينة بالطبل والصفق، ووافق قدومه يوم الجمعة، والنبي -  - قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس وتركوا النبي -  - ولم يبق إلا اثنا عشر رجلاً.

فقال النبي -  -: "لولا هؤلاء لقد سومت لهم الحجارة".

وأنزل الله هذه الآية (١٦) (١٧) وقال الحسن: أصاب أهل المدينة جوع، وغلا سعرهم، فقدمت عير ورسول الله -  - يخطب يوم الجمعة، فسمعوا بها وخرجوا إليها، والنبي -  - قائم كما هو فقال: "لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب عليهم الوادي نارًا" (١٨) وقال قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات لعير تقدم (١٩) قوله تعالى: ﴿ أَوْ لَهْوًا ﴾ المفسرون على أنه الطبل الذي كان يضرب لقدوم الغير.

وقال جابر: كان النبي -  - يخطب يوم الجمعة قائمًا على المنبر، وكانوا إذا نكحوا الجواري يضربون المزامير والكبر (٢٠)  - قائمًا على المنبر (٢١) قوله تعالى: ﴿ انْفَضُّوا إِلَيْهَا ﴾ أي تفرقوا عنك، كقوله: ﴿ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ  ﴾ قال المبرد: انفضوا إليها، الضمير للتجارة (٢٢) وقال الزجاج، والمبرد: ولو كان انفضوا إليه وإليهما جاز كما جاز انفضوا إليها (٢٣) (٢٤) وهذا من كلام العرب المستقيم أن يذكروا الشيئين اللذين يرجعان إلى معنى مما يطلب فيهما فيردوا الخبر إلى أحدهما استغناء واختصارًا، كقوله: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ  ﴾ ، ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا  ﴾ .

ونحو هذا قال الفراء، وزاد فقال: وأجود من (٢٥) (٢٦) قوله تعالى: ﴿ وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ﴾ أجمعوا على أن هذا القيام كان في الخطبة، وهذا دليل على أن من (٢٧) قال جابر بن سمرة: ما رأيت رسول الله -  - خطب إلا وهو قائم فمن حدثك أنه خطب وهو جالس فكذبه (٢٨)  - يخطب قائمًا أو قاعدًا؟

فقرأ (وتركوك قائمًا) (٢٩) (٣٠) وروي أن كعب بن عجرة دخل المسجد وعبد الرحمن (٣١) ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا ﴾ وتلا الآية (٣٢) وقال الشعبي: أول من خطب قاعدًا معاوية (٣٣) قوله: ﴿ قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ﴾ قال مقاتل: يعني من الطبل والصفق ﴿ وَمِنَ التِّجَارَةِ ﴾ التي جاء بها دحية (٣٤) قوله: ﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ المخلوق مرزوق فإذا غضب قطع رزقه، والله عز وجل يسخط ولا يقطع وهو أحكم الحاكمين.

(63) تفسير سورة المنافقون (١) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 74، بلفظ: (إذا فرغ الإمام من صلاة الجمعة).

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 155 أ.

(٣) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 345، و"التفسير الكبير" 30/ 9.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 155/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 9.

(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 157 عن مجاهد وعطاء.

وانظر: "الدر المنثور" 6/ 22.

(٦) انظر: "جامع البيان" 28/ 66، و"الدر" 6/ 22.

(٧) قال النحاس: وظاهر الآية يدل على إباحة الانتشار في الأرض لطلب رزق في الدنيا أو ثواب في الآخرة.

"إعراب القرآن" 3/ 430.

(٨) هو عِرَاكُ بن مالك الغفاري، الكناني، المدني، ثقة فاضل.

مات في خلافة يزيد بن عبد الملك بعد المائة.

انظر: "العبر" 1/ 92، و"التقريب" 2/ 17.

(٩) (إني) ساقطة من (ك).

(١٠) أخرج ابن أبي حاتم عنه، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 367.

(١١) في (ك): (تنطلق).

(١٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 172.

(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 155 أ، و"التفسير الكبير" 3/ 9.

(١٤) انظر: "التفسير الكبير" 3/ 9.

(١٥) انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 367.

(١٦) انظر: "تفسير مقاتل" 155 ب، وفيه: (اثنا عشر رجلاً وامرأة ..).

(١٧) أخرجه مسلم في رواية هشيم.

"فتح الباري" 2/ 424، والإمام أحمد في "المسند"، وروى العقيلي: أن منهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود، وأناسًا من الأنصار، وعنده بسند متصل أن الاثني عشر هم العشرة المبشرة، وبلال، وابن مسعود.

"فتح الباري" 2/ 424.

(١٨) انظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 494، ونسبه للمفسرين، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 292، عن الحسن، و"جامع البيان" 28/ 67، عن الحسن.

وقوله: (لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب علبهم الوادي نارًا) قال ابن حجر -رحمه الله- (فائدة: ذكر الحميد في الجمع أن أبا مسعود الدمشقي ذكر في آخر هذا الحديث أنه -  - قال: (...)، ولم أر هذه الزيادة في الأطراف لابن مسعود، ولا هي في شيء من طرق حديث جابر المذكورة، وإنما وقعت في مرسلي الحسن وقتادة) "فتح البارى" 2/ 424 - 425.

(١٩) انظر: "جامع البيان" 28/ 67، و"الكشف والبيان" 13/ 127 أ.

(٢٠) الكّبَر: طبل له وجه واحد.

"تهذيب اللغة" 10/ 213، و"اللسان" 3/ 212 (كبر).

(٢١) وقع عند الشافعي من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلاً، ووصله أبو عوانه في "صحيحه"، والطبري.

وانظر: "جامع البيان" 28/ 68، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 43 ..

قلت: ما صح عن جابر  في سبب النزول وما ذكره المفسرون في المراد باللهو لا تعارض بينهما إذ تفسير جابر للمراد باللهو بأنه ضرب الطبل في النكاح لم يصرح فيه على ما رواه ابن جرير وغيره بأن ذلك كان في يوم الجمعة فلعله كان أثناء خطبته -  - في غير الجمعة فحملت الآية على العموم، وربما تكررت الحادثة كما ذكر قتادة، والله أعلم.

"فتح الباري" 2/ 424، وقال: ولا بعد في أن تنزل في الأمرين معًا وأكثر 2/ 424.

(٢٢) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 11.

(٢٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 172.

(٢٤) انظر: "الكشاف" 4/ 99.

(٢٥) (من) ساقطة من (ك).

(٢٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 157.

(٢٧) لعل الصواب: (وهذا دليل على من) بدون (أن).

(٢٨) أخرجه مسلم في كتاب: الجمعة، باب: ذكر الخطبتين قبل الصلاة، وما فيهما من الجلسة، وأبو داود في باب: الخطبة قائمًا، من كتاب: الصلاة، وأحمد في "المسند" 5/ 87، والنسائي في باب: السكوت في القعدة بين الخطبتين، كتاب: الجمعة.

(٢٩) أخرجه ابن مردويه، وابن أبي شيبة، انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة، وابن ماجه، والطبراني.

"الدر" 6/ 221، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 13/ 127 ب.

(٣٠) انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة، عن ابن سيرين.

"الدر" 6/ 222، وذكره البغوي فقال: (وقال علقمة: سئل عبد الله بن عمر ..)، و"معالم التنزيل" 4/ 346.

(٣١) هو عبد الرحمن بن أبي الحكم.

(٣٢) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة 2/ 590، وابن أبي شيبة 2/ 112.

(٣٣) رواه ابن أبي شيبة 2/ 112 من طريق الشعبي، أن معاوية إنما خطب قاعدًا لما كثر شحم بطنه ولحمه.

وأخرج عن طاووس ..

وأول من جلس على المنبر معاوية.

وروى سعيد بن منصور عن الحسن: ..

وأول من خطب جالسًا معاوية.

وانظر: "فتح الباري" 2/ 401، و"الدر" 6/ 222 (٣٤) انظر: "تفسير مقاتل" 155 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله ﴾ النداء للصلاة هو الأذان لها، ومن في قوله: ﴿ مِن يَوْمِ الجمعة ﴾ لبيان إذا، وتفسير له، وذكر الله: يراد به الخطبة والصلاة، ويتعلق بهذه الآية ثمان مسائل: الأولى اختلف في الأذان للجمعة هل هو سنة كالأذان لسائر الصلوات؟

أو واجب لظاهر الآية لأنه شرط في السعي لها أن يكون عند الأذان، والسعي واجب فالأذان واجب.

الثانية كان الأذان للجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جدار المسجد وقيل: على باب المسجد وقيل: كان بين يديه صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، وقد كان بنو أمية يأخذون بهذا، وبقي بقرطبة زماناً وهو باق في المشرق إلى الآن.

قال أبو محمد بن الفرس: قال مالك في المجموعة إن هشام بن عبد الملك هو الذي أحدث الأذان بين يديه قال: وهذا دليل على أن الحديث في ذلك ضعيف.

الثالث كان الأذان للجمعة واحداً ثم زاد عثمان رضي الله عنه النداء على الزوراء ليسمع الناس.

واختلف الفقهاء هل المستحب أن يؤذن فيها اثنان أو ثلاثة: الرابعة: السعي في الآية بمعنى المشي لا بمعنى الجري، وقرأ عمر بن الخطاب: فامضوا إلى ذكر الله وهذا تفسير للسعي، فهو بخلاف السعي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا نودي للصلاة فلا تأتونها وأنتم تسعون.

الخامسة: حضور الجمعة واجب، لحمل الأمر الذي في الآية على الوجوب باتفاق، إلا أنها لا تجب على المرأة ولا على الصبي ولا على المريض باتفاق، ولا على العبد والمسافر عند مالك والجمهور؛ خلافاً للظاهرية.

وتعلقوا بعموم الآية وحجة الجمهور قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجمعة واجبة على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض وحجتهم في المسافر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقيم الجمعة في السفر، واختلف هل تسقط الجمعة بسب المطر أم لا؟

وهل يجوز للعروس التخلف عنها أم لا، والمشهور أنها لا تتتسقط عنه لعموم الآية، السادسة: اختلف متى يتعين الإقبال إلى الصلاة؟

فقيل: إذا زالت الشمس، وقيل: إذا أذن المؤذن وهو ظاهر الآية، السابعة: اختلف في الموضع الذي يجب منه السعي إلى الجمعة.

فقيل: ثلاثة أميال وهو مذهب مالك، وقيل: ستة أميال وقيل: على من كان داخل المصر، وقيل: على من سمع النداء، وقيل: على من آواه الليل إلى أهله، الثامنة: اختلف في الوالي هل هو من شرط الجمعة أم لا؟

على قولين، والمشهور سقوطه لأن الله لم يشترطه في الآية.

﴿ وَذَرُواْ البيع ﴾ أمر بترك البيع يوم الجمعة إذا أخذ المؤذنون في الأذان، وذلك على الوجوب، فيقتضي تحريم البيع، واختلف في البيع الذي يعقد في ذلك الوقت هل يفسخ أم لا؟

واختلف في بيع من لا تلزهم الجمعة من النساء والعبد هل يجوز في ذلك الوقت أم لا؟

والأظهر جوازه؛ لأنه إنما منع منه من يدعى إلى الجمعة ﴿ فانتشروا فِي الأرض ﴾ هذا الأمر للإباحة باتفاق، وحكى الإجماع على ذلك ابن عطية وابن الفرس ﴿ وابتغوا مِن فَضْلِ الله واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ قيل: معناه طلب المعاش، فالأمر على هذا للإباحة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الفضل المبتغى عيادة مريض أو صلة صديق أو اتباع جنازة» وقيل: هو طلب العلم.

وإن صح الحديث لم يعدل إلى سواه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كمثل الحمار ﴾ و ﴿ التوراة ﴾ بالإمالة قد سبق ذكرهما.

الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ لا ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف أي وفي آخرين ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ أسفاراً ﴾ ط ﴿ بآيات الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أيديهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ البيع ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ للتجارة ﴾ ط ﴿ الرازقين ﴾ ه.

التفسير: في الأميين منسوب إلى أمة العرب أو إلى أم القرى.

وقد مر سائر الوجوه في " الأعراف " في قوله ﴿ النبيّ الأميّ  ﴾ وباقي الآية مذكورة في " البقرة " و " آل عمران ".

والمراد بآخرين التابعون وحدهم أو مع تبع التابعين إلى يوم القيامة.

ثمّ شبه اليهود الطاعنين في نبوّة محمد  مع أنهم حاملوا التوراة وحفاظها العارفون بما فيها من نعت نبيّ آخر الزمان بالحمار الحامل للأسفار أي الكتب الكبار لأنه لا يدري منها إلا ما مر بجنبيه من الكدّ والتعب.

ومعنى ﴿ حملوا ﴾ كلفوا العمل بما فيها.

ومحل ﴿ يحمل ﴾ جر صفة للحمار كما في قوله " على اللئيم يسبني " وهذا مثل كل من علم علماً يتعلق بعمل صالح ثم لم يعمل به.

ثم قبح مثلهم بقوله ﴿ بئس ﴾ مثلاً ﴿ مثل القوم الذين ﴾ وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه فقيل لهم: إن كان قولكم حقاً ﴿ فتمنوا الموت ﴾ ليكون وصولكم إلى دار الكرامة أسرع وقد مر مثله في أول " البقرة " إلا أنه قال ههنا ﴿ ولا يتمنونه ﴾ وهناك ولن يتمنوه وذلك أن كليهما للنفي إلا أن " لن" أبلغ في نفي الاستقبال وكانت دعواهم هناك قاطعة بالغة وهي كون الجنة لهم بصفة الخلوص فخص الأبلغ بتلك السورة.

ثم بين أن الموت الذي لا يجترؤن على تمنيه خيفة أن يؤاخذوا بوبال كفرهم فإنه ملاقيهم لا محالة.

قال أهل النظم: قد أبطل الله  قول اليهود في ثلاث: زعموا أنهم أولياء لله فكذبهم بقوله ﴿ فتمنوا الموت ﴾ وافتخروا بأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وباهوا بالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع لنا الجمعة.

قال جار الله: يوم الجمعة بالسكون الفوج المجموع كضحكة للمضحوك منه، وضمَّ الميم تثقيل لها كما قيل في عسرة عسرة.

قلت: ومما يدل على أن أصلها الكسون جمعها على جمع كقدرة وقدر.

وفي الكشاف أن ﴿ من يوم الجمعة ﴾ بيان " إذا " وتفسير له.

وأقوال: إن اليوم أعم من وقت النداء والعام.

لإبهامه لا يصير بياناً ظاهراً فالأولى أن تكون " من " للتبعيض.

والنداء الأذان في أول وقت الظهر، وقد كان لرسول الله  مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر على ذلك، حتى إذا كان عثمان وكثر الناس زاد مؤذناً آخر، مؤذن على داره التي تسمى زوراء فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة.

وعن ابن عباس: إن أول جمعة في الإسلام بعد جمعة رسول الله  لجمعة أجتمعت بجواثى قرية من قرى البحرين من قرى عبد القيس وروي أن الأنصار بالمدينة اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة.

وكنيته أبو إمامة وقالوا: هلموا نجعل لنا يوماًنجتمع فيه فنذكر الله ونصلي فإن لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العروبة، فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتمعاهم فيه، وأنزل الله  آية الجمعة فهي أول جمعة كانت في الإسلام قبل مقدم النبي  وأول جمعة جمعها رسول الله  أنه لما قدم المدينة مهاجراً نزل قباء على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلّى الجمعة.

وفضيلة صلاة الجمعة كثيرة منها ما ورد في الصحاح عن أبي هريرة " إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول" و " "مثل المبكر كمثل الذي يهدي بدنه ثم كالذي يهدي بقرة ثم كبشاً ثم دجاجة ثم بيضة فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر" وعنه  " "من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقى فتنة القبر" وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر غاصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج.

وقيل: أول بدعة أحدثت مع الإسلام ترك البكور إلى الجمعة.

ولا تقام الجمعة عند أبي حنيفة إلا في مصر جامع وهو ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام.

وقد يقال: ما يكون فيه نهر جار وسوق قائم وملك قاهر وطبيب حاذق.

وعنده تنعقد بثلاثة سوى الإمام، وعند الشافعي لا تنعقد إلاّ بأربعين متوطنين.

وأعذار الجمعة مشهورة في كتب الفقه.

ومعنى السعي القصد دون العدو ومنه قول الحسن: ليس السعي على الأقدام ولكنه على النيات والقلوب.

وعن ابن عمر أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي.

قال العلماء: وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه.

قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ أي إلى الخطبة والصلاة وهي تسمية الشيء بأشرف أجزائه.

ومذهب أبي حنيفة أنه لو اقتصر على كل ما يسمى ذكراً مثل الحمد لله أو سبحان الله جاز.

وعند صاحبيه والشافعي لا بد من كلام يسمى خطبة.

وعن جابر كان رسول الله  يقول في خطبته: نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعنه أن النبي  كان صلاته قصداً وخطبته قصداً.

وعن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قال: إني سمعت رسول الله  يقول " إن طول الصلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأقصر الخطبة وأطل الصلاة " وإن من البيان لسحراً.

قوله ﴿ وذروا البيع ﴾ خاص ولكنه عام في الحقيقة لكل ما يذهل عن ذكر الله.

وسبب التخصيص أن أهل القرى وقتئذ يجتمعون من كل أوب في السوق وأغلب اجتماعهم على البيع والشراء.

ولا خلاف بين العلماء في تحريم البيع وقت النداء.

وهل يصح ذلك البيع إن وقع الأكثرون؟

نعم لأن المنع غير متوجه نحو خصوص البيع.

وإنما هو متوجه نحو ترك الجمعة حتى لو تركها بسبب آخر فقد ارتكب النهي ولو باع في غير تلك الحالة لم يصادفه نهي.

قوله ﴿ فانتشروا ﴾ وابتغوا إباحة بعد حظر.

وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا امتثالاً للآية.

وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله.

وعن الحسن وسعيد بن المسيب: الطلب طلب العلم.

وقيل: صلاة التطوع.

وفي قوله ﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ إشارة إلى أن المرء لا ينبغي أن يغفل عن ذكر ربه في كل حال كما قال ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله  ﴾ عن جابر قال: بينا نحن نصلي مع النبي  إذا قيل: عير تحمل طعاماً فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي  إلا اثنا عشر رجلاً فنزلت ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ أي تفرقوا إليها ﴿ وتركوك قائماً ﴾ في الصلاة أو في الخطبة أو في الزاوية، وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهذا هو المراد باللهو والتقدير إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه.

يروى أنه  وآله قال: والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً.

ثم حث على تجارة الآخرة وعلى تيقن أن لا رازق بالحقيقة إلا هو  وقد مر مراراً.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، هذا السعي يحتمل وجهين: أحدهما: أن أقبلوا على العمل الذي أمرتم به وامضوا فيه.

والثاني: واسعوا في المشي وأسرعوا، لأن السعي في المشي هو السرعة فيه، والسعي في الأعمال هو الإقبال عليها والمبادرة إليها، فإن كان المراد من هذا السعي في المشي فخروج الآية مخرج الترهيب والتضييق؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ﴾ كيف أمرك بترك البيع وقد يمكن البيع في حال المشي، وإلى قوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ كيف أمر بالانتشار في الأرض بعد الفراغ من الفريضة دون أن يذكر هنالك شيئاً في أدائها، ولو كان المراد منه الترغيب، لكان يأمره بالعدو إليها؛ فدلت هذه المعاني أن تخرج الآية على الترهيب والتضييق، وإن كان السعي في سائر الصلاة المفروضة غير مندوب إليه؛ على ما روي عن النبي  أنه قال: "إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون، ولا تأتوها وأنتم تسعون، عليكم بالسكينة والوقار، وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" فاختص الجمعة به؛ لما ذكرنا من التضييق هاهنا والتوسيع في سائر الصلاة، ولكن الأشبه أن المراد من السعي هو الإقبال على أدائها والتأهب لها والمبادرة إليها، والسعي مستعمل في هذا؛ قال الله  : ﴿ وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ  وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ  ﴾ ، وإنما أراد العمل، وكذلك روي عن عمر وابن مسعود وأبي وابن الزبير -  م - أنهم قرءوا: (فامضوا إلى ذكر) حتى قال عبد الله: "لو كانت القراءة ﴿ فَٱسْعَوْاْ ﴾ لسعيت، ولو سقط ردائي لم ألتفت إليه"؛ خوفا من تضييع حقها؛ فذلك يدل على أن تأويل الأول عندهم على الإقبال والمبادرة إليها دون السرعة والمشي، ولأن هذا موافق لسائر الصلوات في أن العدو غير مستحب، والله أعلم.

والحديث الوارد في السكينة الوقار مطلق ليس فيه فصل بين الجمعة وغيرها، وعليه إجماع الفقهاء أنه يمشي إلى الجمعة على هينته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ﴾ قال بعض الناس بأنه إذا باع في وقت الجمعة، لم يجز بيعه؛ لهذه الآية.

وعندنا أن البيع جائز، لكنه مكروه.

والذي يدل على جوازه أن النهي عن البيع في هذه الآية ليس لمكان البيع، ولكن لمكان الجمعة، فالفساد إذا ورد فإنما يرد في الجمعة لا في البيع؛ لأنه إذا باع في الصلاة فالبيع يفسد الصلاة؛ لأن الصلاة تفسد البيع، ولأن الأصل عندنا أن كل عقد نهي لأجل غيره، فالنقصان إذا ورد من النهي فإنما يرد في ذلك الغير لا في العقد، وعلى هذا ما روي عنه -  - أنه قال: "المحرم لا ينكح ولا ينكح" إذ النهي عن النكاح إنما هو لمكان الإحرام ليس لمكان النكاح؛ ولذلك نقول بجواز نكاح المحرم وبفساد الحج إذا جامع بذلك النكاح؛ لأن النهي إذا لم يكن لنفس العقد لم يستقم فساد العقد والنهي ليس من أجله، والله أعلم.

ثم لما قال: ﴿ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ لم يقل: إلى الجمعة، ولا: لها؛ دل أنه قبل الجمعة ذكر يجب الاستماع إليه والسعي إليه؛ فدل هذا على فرضية الخطبة، ولما ثبت أن المعنى من قوله: ﴿ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ أن المراد بالذكر الخطبة، ثم أمر بترك البيع للسعي إلى هذا الذكر والاستماع له - ثبت أن الكلام في وقت الخطبة مكروه، وفي وقت خروج الإمام إلى الخطبة مكروه أيضاً؛ لأن البيع في ذلك الوقت مكروه، والبيع كلام؛ فيدل على كراهية كل كلام؛ فيدل على صحة مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - في أنه يلزم السكوت إذا خرج الإمام حتى يفرغ من الصلاة، وعلى ذلك ورد الحديث عن النبي  أنه قال: "من أتى الجمعة ثم صلى ما شاء أن يصلي، ثم إذا خرج الإمام سكت إلى أن يفرغ من صلاته - كان ذلك كفارة له من الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام بعده" ، فلما ألزمه السكوت من حين يخرج الإمام إلى أن يفرغ من الصلاة، ثبت أن الكلام في ذلك الوقت مكروه، والله أعلم.

قال: وفي هذه الآية دلالة على كذب من قال: إن الصلاة إنما تفترض في آخر الوقت، وأن من أدى فرضاً في أول وقت فإنما يؤدي تطوعا؛ لأنه أمره بالسعي وفرض عليه إذا نودي، ومعلوم أنه إذا تهيأ للإمام تأخير الصلاة في ذلك الوقت نص عليه مع ذلك؛ فدل هذا على كذب مقالتهم، والله أعلم.

وأقبح من هذا أنهم قالوا: إن الصلوات مفروضات على الكفرة في حال كفرهم وعلى المسلمين تطوع مع أنه يجيء على قولهم: إنه ليس أحد من الأمة أدى فرضا ألبتة؛ لأنه لم يذكر عن أحد منهم أنه فرط في أداء الصلاة حتى خاف خروج وقتها، فهذا قول قبيح يجب أن يستتاب عنه صاحبه وعن أمثاله، والله أعلم.

وفي هذه الآية دلالة على أن الجمعة لا تجب على من بعد من الإمام بفرسخين؛ لأنه أمره بالسعي بعد النداء، ومن بعد فرسخين، قد يخرج وقت الجمعة ولا يدركها؛ فثبت أنه على ما دونه وهو أن يكون في حد الأمصار، والله أعلم.

ثم الوقت الذي نهي عن البيع فيه يوم الجمعة: عن مسروق وجماعة: هو وقت الزوال إلى أن يفرغ الإمام من الجمعة.

وعن مجاهد والزهري: أنه ينهى عن البيع بعد النداء؛ عملا بظاهر الآية: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ ﴾ ، والأول أشبه؛ لأنه إنما يجب الحضور إلى الجمعة عند دخول الوقت وهو زوال الشمس وإن تأخر النداء؛ ولأن النداء بعد الزوال غير معتبر فكان وجوده وعدمه سواء.

وقوله -عز وجل-: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: رحمة الله؛ هذا خرج في الظاهر مخرج الأمر، ولكنه في حكم الإباحة عندنا؛ لأن هذا أمر خرج على أثر الحظر، والأصل المجمع عليه عندهم: أن كل أمر خرج على أثر الحظر فهو في حكم الإباحة، وما خرج مخرج الإباحة فإن الحكم فيه يتصرف على تصرف الأحوال، فإن كانت الحالة توجب فرضيته كان فرضاً، وإن كانت توجب واجبا فواجب، وإن أدبا فأدب.

والدليل على أن كل أمر خرج على أثر الحظر، فهو في حق الإباحة - قوله  : ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ  ﴾ ، ولم يكن ذلك محمولا على الفرض والحتم الذي لا يجوز تركه، ولكن على إباحة الاصطياد، أي: اصطادوا [إن] شئتم، وأتوهن إن أردتم، فكذلك يجوز أن يكون المعنى من قوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ على ذلك الوجه، وإذا كان الأمر على هذا السبيل صار كأنه قال: فإذا قضيت الصلاة التي نودي لها، فانتشروا في الأرض إن أردتم أو إن شئتم، والله المستعان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ .

يعني: التجارة والكسب، قال: البيع؛ كأنه ينتظم ابتغاء فضل الله، لكن قال فيما خرج [مخرج] الإذن والإطلاق: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقال فيما نهى عن ذلك: ﴿ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ﴾ ، وإن كان المراد منهما جميعاً البيع؛ لأن كان يقبح أن يقول: وذروا ابتغاء فضل الله؛ ولأن ابتغاء الفضل يتضمن البيع وغيره؛ فلا يستقيم أن يقال: "وذروا ابتغاء فضل الله"، فقال هاهنا ﴿ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ﴾ ؛ ليلحقه النهي خاصة، وأما الإطلاق والإذن، فإنه يستقيم في البيع وغيره، فقال: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ ، والله المستعان.

وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: اذكروا الله كثيرا بألسنتكم وقلوبكم.

والثاني: اذكروا الله بالإقبال على الطاعات التي فيها تحقق ذكر الله.

وقوله: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ، له أوجه: أحدها: على رجاء الفلاح.

والثاني: أي: لكي تفلحوا.

والثالث: على قطع وجوب الفلاح إذا فعل ذلك؛ بما قالوا: إن (لعل) و (عسى) من الله  واجب.

وقوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً ﴾ .

التجارة واللهو لا يريان في الحقيقة، وإنما يرى اللاهي والتاجر، ولكنه ذكر فيه الرؤية؛ لقرب اللهو من اللاهي والتجارة من التاجر، كما قال  : ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ  ﴾ وكما يقال: سمعت كلام فلان، والكلام ليس بمسموع في الحقيقة، وإنما المسموع في ذلك الصوت الذي به يفهم كلامه، ولكن أطلق لفظ السماع في ذلك لتقاربهما، والله أعلم.

وبعد، فإن المعنى من هذا - والله أعلم - ليس نفس الرؤية؛ وإنما المعنى منه عندنا: كأنه قال: (وإذا علموا)؛ وذلك أنهم كانوا لا يرون التجارة، ولكن ينهى إليهم خبرها فيعلمون بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا ﴾ .

ولم يقل: (إليهما) وقد ذكر شيئين، ولم يلحق ما بعدهما من الكناية بهما، بل بأحدهما، ويجوز مثل ذلك؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا  ﴾ ، ولم يقل: (ولا ينفقونهما) لرجع الكناية إلى جميع ما سبق ذكره، وكما قال: ﴿ وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ  ﴾ وقد رجعت الكناية إلى أحد المذكورين لا إليهما، وكذلك هذا، وهذا؛ لأن المقصود من خروجهم إنما كان هو التجارة دون اللهو، ولكنهم إنما يعلمون ما يجلب إليهم بذلك اللهو؛ فجاز أن يكون ذكر الله لهذا المعنى، وإنما المقصود من ذلك التجارة، وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا  ﴾ فذكر حق الإنفاق فيما كان الإنفاق منه أيسر وأسهل في المتعارف وذلك الفضة، وإن كان الحق واجبا فيهما جميعاً؛ لما أن المقصود [واحد] وهو الصرف إلى الفقراء فعلى ذلك هاهنا، وأما المعنى منه عندنا: إنما خص الصلاة برجوع الكناية إليها؛ لأنها ثقلت على اليهود؛ لأن القبلة كانت أولا إلى بيت المقدس فلما حولت إلى الكعبة ثقلت الصلاة إلى الكعبة على الكفار، فقال: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ  ﴾ يعني: الصلاة إلى الكعبة، والله أعلم.

فإن قيل: كيف جاز أن ينفر أصحاب رسول الله  وهو في الخطبة إلى اللهو والتجارة، مع جلال قدرهم وتعظيمهم للنبي  ، وكذلك السؤال عن ضحكهم حين دخل الأعمى المسجد فوقع في بئر؟!

والجواب عن هذا أن القوم كانوا حديثي عهد بالإسلام، وكانوا من سوقة القوم ومن سفلتهم، ولم يكونوا عرفوا حق الخطاب وحق الخطبة عليهم، وكانت تلك تجارة يأملون منها منافع لو لم يبادروا إليها ذهبت عنهم، فإنما خرجوا من المسجد؛ جهلا منهم بحق الخُطْبة والخاطب.

وبعد فإنهم لم يكونوا من أجلة القوم، ولا صَاحَبُوا أجلتهم؛ ليعرفوا حق الخُطْبة والخاطب، فانفلت منهم الزلة، ومن مثلهم هذه، فأما الذين كانوا من أجلة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - ومن علمائهم، فلم ينفر واحد منهم.

وكذلك الضحك أيضاً يجوز أن يكون من ضحك من أتباع القوم وسفلتهم، ولم يكونوا من الأجلة والنجباء، ولا يستنكر من مثل أولئك هذا الصنيع، والله أعلم.

قال: والمعنى من ترك النبي  نهيهم عن الخروج - وجهان: أحدهما: أن يكون الكلام كان محرماً وقت الخطبة؛ فلم ينههم للنهي عن الكلام في ذلك الوقت.

والثاني: يجوز أن يكونوا أسرعوا الخروج؛ فلم يبلغهم نهيه، أو لم ينههم؛ لما علم أنهم لم يسمعوا، والله أعلم.

وفي الخبر "أنه عد الذين ثبتوا معه بعدما فرغ من الصلاة فوجدهم اثني عشر رجلا، فقال: لو لحق آخركم بأولكم لاضطرم الوادي ناراً" أي: المدينة، ففي هذا دلالة على أن الجمعة تقام بدون الأربعين؛ لأنه -  - جمع باثني عشر رجلا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَرَكُوكَ قَآئِماً ﴾ .

هذا يدل على [أن] الخطبة إنما تكون قائما.

وقوله: ﴿ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ ﴾ .

قال إمام الهدى: ولولا هذا قد كان يعلم أن ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة، ولكن المعنى من ذلك - والله أعلم - أن الدنيا كلها متجر، وأن أهلها فيها تجار: إما تجارة الدنيا، أو تجارة الآخرة؛ لأن الطاعة والعبادة في الاعتبار كأنها تجارة؛ لأنه يكتسب بها منافع الآخرة، وتجارة الدنيا يكتسب بها منافع الدنيا، فقال: التجارة التي عند الله في طاعته واكتساب منافع الآخرة خير من اللهو، ومن التجارة التي يكتسب بها منافع الدنيا، والله أعلم.

وجائز أن يكون معناه كأنه قال: اتقوا الله؛ فإنكم إذا اتقيتموه اكتسبتم به المنافع في الرزق وغيره، والتجارة الدنيوية لا يكتسب بها إلا منافع الدنيا؛ ألا ترى إلى [قوله]: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ  ﴾ ، فإذا كانت التقوى يستفاد بها الرزق والبر في الأمور وكفارة الذنوب، والتجارة لا يكتسب بها إلا منافع الدنيا، فرغبهم فيما فيه جملة المنافع وهو التقوى؛ ليمكثوا عند النبي  ، فيقول: رغبتكم فيما يكسبكم جملة المنافع إن اتقيتم ومكثتم عند النبي  خير من اللهو ومن التجارة التي تُكْسِبكم منفعة واحدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .

ليس يقتضي ذكر هذا أن هناك رازقا آخر؛ ليكون هو خيرهم، ولكن المعنى من هذا [كالمعنى] في قوله: و ﴿ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: 14\] و ﴿ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ  ﴾ ؛ لأنه كان هو خير الرازقين، وأحسن الخالقين، وأحكم الحاكمين؛ لأنه لا يحكم إلا عدلا، ولا يخلق إلا ما فيه حكمة؛ فكذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .

وجائز أن يضاف الرزق والخلق والحكم إلى العبيد مجازا، فقال: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ ممن يرزقكم؛ لأن غيره من الخلق إنما يرزق غيره من رزقه، ويعدل بحكمه، ويفعل بتوفيقه وتسديده، فقال: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ الذين يرزقون من رزقه، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإذا أنهيتم صلاة الجمعة فانتشروا في الأرض بحثًا عن الكسب الحلال، وعن قضاء حاجاتكم، واطلبوا من فضل الله عن طريق الكسب الحلال والربح الحلال، واذكروا الله في أثناء بحثكم عن الرزق ذكرًا كثيرًا، ولا يُنْسِكم بحثكم عن الرزق ذكر الله؛ رجاء الفوز بما تحبونه، والنجاة مما ترهبونه.

<div class="verse-tafsir" id="91.4W6VQ"

مزيد من التفاسير لسورة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله