الآية ١٢ من سورة التحريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 66 التحريم > الآية ١٢ من سورة التحريم

وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَٰنَ ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَـٰنِتِينَ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة التحريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة التحريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ) أي حفظته وصانته .

والإحصان : هو العفاف والحرية ، ( فنفخنا فيه من روحنا ) أي : بواسطة الملك ، وهو جبريل فإن الله بعثه إليها فتمثل لها في صورة بشر سوي ، وأمره الله تعالى أن ينفخ بفيه في جيب درعها ، فنزلت النفخة فولجت في فرجها ، فكان منه الحمل بعيسى ، عليه السلام .

ولهذا قال : ( فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه ) أي : بقدره وشرعه ( وكانت من القانتين ) قال الإمام أحمد : حدثنا يونس ، حدثنا داود بن أبي الفرات ، عن علباء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : خط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأرض أربعة خطوط ، وقال : " أتدرون ما هذا ؟

" قالوا : الله ورسوله أعلم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أفضل نساء أهل الجنة : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، ومريم ابنة عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون " .

وثبت في الصحيحين من حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن مرة الهمداني ، عن أبي موسى الأشعري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ، ومريم ابنة عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " .

وقد ذكرنا طرق هذه الأحاديث ، وألفاظها ، والكلام عليها في قصة عيسى ابن مريم عليهما السلام ، في كتابنا " البداية والنهاية " ولله الحمد والمنة وذكرنا ما ورد من الحديث من أنها تكون هي وآسية بنت مزاحم من أزواجه ، عليه السلام ، في الجنة عند قوله : ( ثيبات وأبكارا ) آخر تفسير سورة التحريم ولله الحمد والمنة.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا ( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ) يقول: التي منعت جيب درعها جبريل عليه السلام، وكلّ ما كان في الدرع من خرق أو فتق، فإنه يسمى فَرْجًا، وكذلك كلّ صدع وشقّ في حائط، أو فرج سقف فهو فرج.

وقوله: ( فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ) يقول: فنفخنا فيه في جيب درعها، وذلك فرجها، من روحنا من جبرئيل، وهو الروح.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ) فنفخنا في جيبها من روحنا( وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا ) يقول: آمنت بعيسى، وهو كلمة الله ( وَكُتُبِهِ ) يعني التوراة والإنجيل ( وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ) يقول: وكانت من القوم المطيعين.

كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( مِنَ الْقَانِتِينَ ) من المطيعين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتينقوله تعالى : ومريم ابنة عمران أي واذكر مريم .

وقيل : هو معطوف على امرأة فرعون .

والمعنى : وضرب الله مثلا لمريم ابنة عمران وصبرها على أذى اليهود .التي أحصنت فرجها أي عن الفواحش .

وقال المفسرون : إنه أراد بالفرج هنا الجيب لأنه قال : [ ص: 188 ] فنفخنا فيه من روحنا ، وجبريل عليه السلام إنما نفخ في جيبها ولم ينفخ في فرجها .

وهي في قراءة أبي " فنفخنا في جيبها من روحنا " .

وكل خرق في الثوب يسمى جيبا ; ومنه قوله تعالى : وما لها من فروج .

ويحتمل أن تكون أحصنت فرجها ونفخ الروح في جيبها .

ومعنى فنفخنا أرسلنا جبريل فنفخ في جيبها من روحنا أي روحا من أرواحنا وهي روح عيسى .

وقد مضى في آخر سورة " النساء " بيانه مستوفى والحمد لله .وصدقت بكلمات ربها قراءة العامة وصدقت بالتشديد .

وقرأ حميد والأموي " وصدقت " بالتخفيف .

" بكلمات ربها " : قول جبريل لها : إنما أنا رسول ربك الآية .

وقال مقاتل : يعني بالكلمات عيسى وأنه نبي وعيسى كلمة الله .

وقد تقدم .وقرأ الحسن وأبو العالية " بكلمة ربها وكتابه " وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم : " وكتبه " جمعا .

وعن أبي رجاء " وكتبه " مخفف التاء .

والباقون " بكتابه " على التوحيد .

والكتاب يراد به الجنس ; فيكون في معنى كل كتاب أنزل الله تعالى .وكانت من القانتين أي من المطيعين .

وقيل : من المصلين بين المغرب والعشاء .

وإنما لم يقل من القانتات ; لأنه أراد وكانت من القوم القانتين .

ويجوز أن يرجع هذا إلى أهل بيتها ; فإنهم كانوا مطيعين لله .

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخديجة وهي تجود بنفسها : " أتكرهين ما قد نزل بك ولقد جعل الله في الكره خيرا ، فإذا قدمت على ضراتك فأقرئيهن مني السلام : مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكليمة - أو قال : حكيمة - بنت عمران أخت موسى بن عمران " .

فقالت : بالرفاء والبنين يا رسول الله .

وروى قتادة عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " حسبك من نساء العالمين أربع مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون بنت مزاحم " .

وقد مضى في ( آل عمران ) الكلام في هذا مستوفى ، والحمد لله

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } أي: صانته وحفظته عن الفاحشة، لكمال ديانتها، وعفتها، ونزاهتها.

{ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا } بأن نفخ جبريل [عليه السلام] في جيب درعها فوصلت نفخته إلى مريم، فجاء منها عيسى ابن مريم [عليه السلام]، الرسول الكريم والسيد العظيم.

{ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ } وهذا وصف لها بالعلم والمعرفة، فإن التصديق بكلمات الله، يشمل كلماته الدينية والقدرية، والتصديق بكتبه، يقتضي معرفة ما به يحصل التصديق، ولا يكون ذلك إلا بالعلم والعمل، [ولهذا قال] { وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } أي: المطيعين لله، المداومين على طاعته بخشية وخشوع، وهذا وصف لها بكمال العمل، فإنها رضي الله عنها صديقة، والصديقية: هي كمال العلم والعمل.

تمت ولله الحمد

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه ) أي في جيب درعها ولذلك ذكر الكناية ( من روحنا وصدقت بكلمات ربها ) يعني الشرائع التي شرعها الله للعباد بكلماته المنزلة ( وكتبه ) قرأ أهل البصرة وحفص : " وكتبه " على الجمع ، وقرأ الآخرون : " وكتابه " على التوحيد .

والمراد منه الكثرة أيضا .

وأراد بكتبه التي أنزلت على إبراهيم وموسى وداود وعيسى عليهم السلام .

( وكانت من القانتين ) أي من القوم القانتين المطيعين لربها ولذلك لم يقل من القانتات .

وقال عطاء : " من القانتين " أي من المصلين .

ويجوز أن يريد بالقانتين رهطها وعشيرتها فإنهم كانوا أهل صلاح مطيعين لله .

وروينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " حسبك من نساء العالمين : مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومريم» عطف على امرأة فرعون «ابنة عمران التي أحصنت فرجها» حفظته «فنفخنا فيه من روحنا» أي جبريل حيث نفخ في جيب درعها بخلق الله تعالى فعله الواصل إلى فرجها فحملت بعيسى «وصدقت بكلمات ربها» شرائعه «وكتبه» المنزلة «وكانت من القانتين» من القوم المطيعين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وضرب الله مثلا للذين آمنوا مريم بنت عمران التي حفظت فرجها، وصانته عن الزنى، فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام أن ينفخ في جيب قميصها، فوصلت النفخة إلى رحمها، فحملت بعيسى عليه السلام، وصدَّقت بكلمات ربها، وعملت بشرائعه التي شرعها لعباده، وكتبه المنزلة على رسله، وكانت من المطيعين له.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( وَمَرْيَمَ ابنت عِمْرَانَ .

.

) معطوف على ( امرأت فِرْعَوْنَ .

.

) .أى : وضرب الله - تعالى - مثلا آخر للمؤمنين مريم ابنة عمران .( التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ) أى حفظته وصانته ، إذ الإحصان جعل الشىء حصينا ، بحيث لا يتوصل إليه ، وهو كناية عن عفتها وطهارتها وبعدها عن كل فاحشة .وقوله ( فَنَفَخْنَا فِيهِ ) النافخ رسوله جبريل - عليه السلام - فالإسناد مجازى .

وقيل الكلام على حذف مضاف ، أى : فنفخ رسولنا ، وضمير ( فِيهِ ) للفرج .واشتهر أن جبريل - عليه السلام - نفخ فى جيبها فوصل أثر ذلك إلى الفرج .وقال الفراء : ذكر المفسرون أن الفرج جيب درعها ، وهو محتمل لأن الفرج معناه فى اللغة ، كل فرجة بين شيئين ، وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج ، وهذا أبلغ فى الثناء عليها ، لأنها إذا منعت جيب درعها ، فهى للنفس أمنع .

.

.أى : فنفخ رسولنا جبريل فى فرجها أو فى جيب درعها ، روحا من أرواحنا هى روح عبدنا ونبينا عيسى - عليه السلام - .وإضافة الروح إلى ذاته - تعالى - لأنه هو الخالق والموجد وللإشارة إلى أن تكوين المخلوق الحى فى رحمها ، كان على غير الأسباب المعتادة .وقوله - تعالى - : ( وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القانتين ) زيادة فى مدحها ، وفى الثناء عليها .

.

.أى : وكان من صفات مريم ابنة عمران أنها آمنت إيمانا حقا ( بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا ) أى : بشرائعه التى شرعها لعباده ، وبما ألقاه إليها من إرشادات عن طريق وحيه .و ( وَكُتُبِهِ ) أى : وصدقت بكتبه التى أنزلها على أنبيائه ، وقرأ الجمهور ( وكتابه ) بالإفراد ، على أن المراد به جنس الكتب ، أو الإنجيل الذى أنزله - سبحانه - على ابنها عيسى .و ( مِنَ ) فى قوله - تعالى - ( وَكَانَتْ مِنَ القانتين ) للابتداء ، أى : وكانت من نسل الرجال القانتين ، الذين بذلوا أقصى جهدهم فى طاعة الله - تعالى - ، وفى إخلاص العبادة له .ويصح أن تكون ( مِنَ ) للتبعيض .

أى : وكانت من عداد المواظبين على الطاعة ، وجىء بجمع الذكور على سبيل التغليب ، وللإشعار بأن طاعتها لا تقل عن طاعة الرجال ، الذين بلغوا الغاية فى المواظبة على طاعة الله - تعالى - .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد اشتملت على ثلاثة أمثال : مثل للكافرين ، ومثلين للمؤمنين .وقد تضمن مثل الكفار ، أن الكافر يعاقب على كفره ، دون أن ينفعه ما بينه وبين المؤمنين من قرابة أو نسب .

.

.

كما حدث لامرأة نوح وامرأة لوط .

.وأما المثلان اللذان للمؤمنين ، فقد تضمنا أن اتصال المؤمن بالكافر ، لا يضره شيئا إذا فارقه فى كفره وعمله ..وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى فقال : ما ملخصه مثَّل الله - تعالى - حال الكفار ، فى أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين .

دون أن ينفعهم ما بينهم وبينهم من صلة أو قرابة - بحال امرأة نوح وامرأة لوط : فإنهما لما نافقتا وخانتا الرسولين .

لم يغن عنهما ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج شيئا .

.ومثل حال المؤمنين - فى أن وصلة الكافرين لا تضرهم .

ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند الله - بحال امرأة فرعون ، فإنها مع كونها زوجة أعدى أعداء الله ، فإنها بسبب إيمانها قد رفع منزلتها عنده .

.وبحال مريم ابنة عمران ، فقد أعطاها الله ما أعطاها من الكرامة .

.

.

مع أن قومها كانوا كافرين .وفى طى هذين التمثيلين تعريض بأمى المؤمنين المذكورتين فى أول السورة ، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما كرهه ، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده .

.وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا فى الإخلاص والكمال فيه ، كمثل هاتين المؤمنتين ، وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين .

.

.وأسرار التنزيل ورموزه فى كل باب ، بالعة من اللطف والخفاء ، حدا يدق عن تفطن العالم ، ويزل عن تبصره .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أحصنت أي عن الفواحش لأنها قذفت بالزنا.

والفرج حمل على حقيقته، قال ابن عباس: نفخ جبريل في جيب الدرع ومده بأصبعيه ونفخ فيه، وكل ما في الدرع من خرق ونحوه فإنه يقع عليه اسم الفرج، وقيل: ﴿ أَحْصَنَتْ ﴾ تكلفت في عفتها، والمحصنة العفيفة: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ أي فرج ثوبها، وقيل: خلقنا فيه ما يظهر به الحياة في الأبدان.

وقوله: ﴿ فِيهِ ﴾ أي في عيسى، ومن قرأ (فيها) أي في نفس عيسى والنفث مؤنث، وأما التشبيه بالنفخ فذلك أن الروح إذا خلق فيه انتشر في تمام الجسد كالريح إذا نفخت في شيء، وقيل: بالنفخ لسرعة دخوله فيه نحو الريح وصدقت بكلمات ربها.

قال مقاتل: يعني بعيسى، ويدل عليه قراءة الحسن (بكلمة ربها) وسمي عيسى (كلمة الله) في مواضع من القرآن.

وجمعت تلك الكلمة هنا، وقال أبو علي الفارسي: الكلمات الشرائع التي شرع لها دون القول، فكأن المعنى صدقت الشرائع وأخذت بها وصدقت الكتب فلم تكذب والشرائع سميت بكلمات كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ صَدَّقْتَ ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد على أنها جعلت الكلمات والكتب صادقة يعني وصفتها بالصدق، وهو معنى التصديق بعينه، وقرئ (كلمة) و(كلمات)، و(كتبه) و(كتابه)، والمراد بالكتاب هو الكثرة والشياع أيضاً قوله تعالى: ﴿ وَكَانَتْ مِنَ القانتين ﴾ الطائعين قاله ابن عباس، وقال عطاء: من المصلين، وفي الآية مباحث.

البحث الأول: ما كلمات الله وكتبه؟

نقول: المراد بكلمات الله الصحف المنزلة على إدريس وغيره، وبكتبه الكتب الأربعة، وأن يراد جميع ما كلم الله تعالى (به) ملائكته وما كتبه في اللوح المحفوظ وغيره، وقرئ: ﴿ بِكَلِمَةِ الله وكتابه ﴾ أي بعيسى وكتابه وهو الإنجيل، فإن قيل: (لم قيل) ﴿ مِنَ القانتين ﴾ على التذكير، نقول: لأن القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين، فغلب ذكوره على إناثه، ومن للتبعيض، قاله في الكشاف، وقيل: من القانتين لأن المراد هو القوم، وأنه عام، ك ﴿ اركعي مَعَ الراكعين  ﴾ أي كوني من المقيمين على طاعة الله تعالى، ولأنها من أعقاب هارون أخي موسى عليهما السلام.

وأما ضرب المثل بامرأة نوح المسماة بواعلة، وامرأة لوط المسماة بواهلة، فمشتمل على فوائد متعددة لا يعرفها بتمامها إلا الله تعالى، منها التنبيه للرجال والنساء على الثواب العظيم، والعذاب الأليم، ومنها العلم بأن صلاح الغير لا ينفع المفسد، وفساد الغير لا يضر المصلح، ومنها أن الرجل وإن كان في غاية الصلاح فلا يأمن المرأة، ولا يأمن نفسه، كالصادر من امرأتي نوح ولوط، ومنها العلم بأن إحصان المرأة وعفتها مفيدة غاية الإفادة، كما أفاد مريم بنت عمران، كما أخبر الله تعالى، فقال: ﴿ إِنَّ الله اصطفاك وَطَهَّرَكِ واصطفاك  ﴾ ومنها التنبيه على أن التضرع بالصدق في حضرة الله تعالى وسيلة إلى الخلاص من العقاب، وإلى الثواب بغير حساب، وأن الرجوع إلى الحضرة الأزلية لازم في كل باب، وإليه المرجع والمآب، جلت قدرته وعلت كلمته، لا إله إلا هو وإليه المصير، والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيد المرسلين، وآله وصحبه وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وامرأة فرعون: آسية بنت مزاحم.

وقيل: هي عمة موسى عليه السلام آمنت حين سمعت بتلقف عصا موسى الإفك، فعذبها فرعون.

عن أبي هريرة: أن فرعون وتد امرأته بأربعة أوتاد، واستقبل بها الشمس؛ وأضجعها على ظهرها، ووضع رحى على صدرها.

وقيل: أمر بأن تلقى عليها صخرة عظيمة فدعت الله فرقي بروحها، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه.

وعن الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة؛ فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتتنعم فيها.

وقيل: لما قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة: أريت بيتها في الجنة يبنى.

وقيل: إنه من درة.

وقيل: كانت تعذب في الشمس فتظلها الملائكة.

فإن قلت: ما معنى الجمع بين عندك وفي الجنة؟

قلت طلبت القرب من رحمة الله والبعد من عذاب أعدائه، ثم بينت مكان القرب بقولها: ﴿ فِى الجنة ﴾ أو أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة وأن تكون جنتها من الجنان التي هي أقرب إلى العرش وهي جنات المأوى، فعبرت عن القرب إلى العرش بقولها: ﴿ عِندَكَ ﴾ .

﴿ مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ﴾ من عمل فرعون.

أو من نفس فرعون الخبيثة وسلطانه الغشوم، وخصوصاً من عمله وهو: الكفر، وعبادة الأصنام، والظلم، والتعذيب بغير جرم ﴿ وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين ﴾ من القبط كلهم.

وفيه دليل على أنّ الاستعاذة بالله والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل: من سير الصالحين وسنن الأنبياء والمرسلين: ﴿ فافتح بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجّنِى وَمَن مَّعِى مِنَ المؤمنين ﴾ ، [الشعراء: 118] ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين ﴾ [يونس: 86] .

﴿ فِيهِ ﴾ في الفرج.

وقرأ ابن مسعود: فيها، كما قرئ في سورة الأنبياء، والضمير للجملة، وقد مرّ لي في هذا الظرف كلام.

ومن بدع التفاسير: أنّ الفرج هو جيب الدرع، ومعنى أحصنته: منعته جبربل، وأنه جمع في التمثيل بين التي لها زوج والتي لا زوج لها، تسلية للأرامل وتطييباً لأنفسهنّ ﴿ وَصَدَّقَتْ ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف على أنها جعلت الكلمات والكتب صادقة، يعني: وصفتها بالصدق، وهو معنى التصديق بعينه.

فإن قلت: فما في كلمات الله وكتبه؟

قلت: يجوز أن يراد بكلماته: صحفه التي أنزلها على إدريس وغيره، سماها كلمات لقصرها، وبكتبه: الكتب الأربعة، وأن يراد جميع ما كلم الله به ملائكته وغيرهم، وجميع ما كتبه في اللوح وغيره.

وقرئ: ﴿ بكلمة الله وكتابه ﴾ ، أي: بعيسى وبالكتاب المنزل عليه وهو الإنجيل.

فإن قلت: لم قيل ﴿ مِنَ القانتين ﴾ على التذكير؟

قلت: لأنّ القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين، فغلب ذكوره على إناثه.

و ﴿ مِنَ ﴾ للتبعيض ويجوز أن يكون لابتداء الغاية، على أنهاولدت من القانتين؛ لأنها من أعقاب هرون أخي موسى صلوات الله عليهما.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد.

وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» وأما ما روي أنّ عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف سمى الله المسلمة؟

تعني مريم، ولم يسم الكافرة؟

فقال: بغضاً لها: قالت: وما اسمها؟

قال: اسم امرأة نوح (واعلة) واسم امرأة لوط (واهلة) فحديث أثر الصنعة عليه ظاهر بين، ولقد سمى الله تعالى جماعة من الكفار بأسمائهم وكناهم، ولو كانت التسمية للحب وتركها للبغض لسمى آسية، وقد قرن بينها وبين مريم في التمثيل للمؤمنين، وأبى الله إلا أن يجعل للمصنوع أمارة تنم عليه، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أحكم وأسلم من ذلك.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحاً» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ ﴾ شَبَّهَ حالَهم في أنَّ وُصْلَةَ الكافِرِينَ لا تَضُرُّهم بِحالِ آسِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ومَنزِلَتِها عِنْدَ اللَّهِ مَعَ أنَّها كانَتْ تَحْتَ أعْدى أعْداءِ اللَّهِ.

﴿ إذْ قالَتْ ﴾ ظَرْفٌ لِلْمَثَلِ المَحْذُوفِ.

﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ﴾ قَرِيبًا مِن رَحْمَتِكَ أوْ في أعْلى دَرَجاتِ المُقَرَّبِينَ.

﴿ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ﴾ مِن نَفْسِهِ الخَبِيثَةِ وعَمَلِهِ السَّيِّئِ.

﴿ وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ مِنَ القِبْطِ التّابِعِينَ لَهُ في الظُّلْمِ.

﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ ﴾ عَطْفٌ عَلى امْرَأتَ فِرْعَوْنَ تَسْلِيَةً لِلْأرامِلِ.

﴿ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها ﴾ مِنَ الرِّجالِ ﴿ فَنَفَخْنا فِيهِ ﴾ في فَرْجِها، وقُرِئَ «فِيها» أيْ في مَرْيَمَ أوْ في الجُمْلَةِ.

﴿ مِن رُوحِنا ﴾ مِن رُوحٍ خَلَقْناهُ بِلا تَوَسُّطِ أصْلٍ.

﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها ﴾ بِصُحُفِهِ المُنَزَّلَةِ أوْ بِما أوْحى إلى أنْبِيائِهِ.

وكُتُبِهِ وما كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ جِنْسِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ وتَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ البَصْرِيَّيْنِ وحَفْصٍ بِالجَمْعِ، وقُرِئَ «بِكَلِمَةِ اللَّهِ وكِتابِهِ» أيْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والإنْجِيلِ.

﴿ وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ ﴾ مِن عِدادِ المُواظِبِينَ عَلى الطّاعَةِ، والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ والإشْعارِ بِأنَّ طاعَتَها لَمْ تَقْصُرْ عَنْ طاعَةِ الرِّجالِ الكامِلِينَ حَتّى عُدَّتْ مِن جُمْلَتِهِمْ، أوْ مِن نَسْلِهِمْ فَتَكُونُ مِنَ ابْتِدائِيَّةً.

عَنِ النَّبِيِّ  : «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا أرْبَعٌ: آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، ومَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ.

وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى سائِرِ الطَّعامِ».» وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ التَّحْرِيمِ آتاهُ اللَّهُ تَوْبَةً نَصُوحًا».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ التى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} من الرجال {فَنَفَخْنَا} فنفخ جبريل بأمرنا {فِيهِ} في الفرج {مِن رُّوحِنَا} المخلوقة لنا {وَصَدَّقَتْ بكلمات

رَبَّهَا} أي بصحفه التي أنزلها على إدريس وغيره {وَكُتُبِهِ} بصري وحفص يعني الكتب الأربعة {وَكَانَتْ مِنَ القانتين} لما كان القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين غلب ذكوره على أناثه ومن للبعيض ويجوز أن يكون لابتداء الغاية على أنها ولدت من الفائتين لأنها من أعقاب هرون أخي موسى عليهما السلام ومثل حال المؤمنين في أن وصلة الكافرين لا تضرهم لا تنقص شيئاً من ثوابهم وزلفاهم عند الله بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله مع كونها زوجة أعدى أعداء الله ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين مع أن قومها كانوا كفاراً وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمى المؤمنين بما كرهه وتحذير لهما على أغلظ وجه إشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين وأن لا يتكلا على أنهما زوجا رسول الله صلى الله عليه وسلم

سورة الملك مكية وهي ثلاثون آية وتسمى الوقعية والمنجية لأنها تقي قارئها من عذاب القبر وجاء مرفوعاً من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ امْرَأتَ فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ وضَرَبَ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا حالَتَها وما أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ والِاصْطِفاءِ مَعَ كَوْنِ أكْثَرِ قَوْمِها كُفّارًا، وجَمَعَ في التَّمْثِيلِ بَيْنَ مَن لَها زَوْجٌ ومَن لا زَوْجَ لَها تَسْلِيَةً لِلْأرامِلِ وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ عَلى ما قِيلَ، وهو مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ كَما في الكَشّافِ، وقَرَأ السِّخْتِيانِيُّ -ابْنَهْ - بِسُكُونِ الهاءِ وصْلًا أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ ﴿ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها ﴾ صانَتْهُ ومَنَعَتْهُ مِنَ الرِّجالِ، وقِيلَ: مَنَعَتْهُ عَنْ دَنَسِ المَعْصِيَةِ.

والفَرْجُ ما بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ وكُنِّيَ بِهِ عَنِ السَّوْءَةِ وكَثُرَ حَتّى صارَ كالصَّرِيحِ، ومِنهُ ما هُنا عِنْدَ الأكْثَرِينَ ﴿ فَنَفَخْنا فِيهِ ﴾ النّافِخُ رَسُولُهُ تَعالى وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَنَفَخَ رَسُولُنا، وضَمِيرُ فِيهِ لِلْفَرْجِ، واشْتُهِرَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفَخَ في جَيْبِها فَوَصَلَ أثَرُ ذَلِكَ إلى الفَرْجِ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الفَرّاءُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الفَرْجَ جَيْبُ دِرْعِها وهو مُحْتَمَلٌ لِأنَّ الفَرْجَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ كُلُّ فُرْجَةٍ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، ومَوْضِعُ جَيْبِ دِرْعِ المَرْأةِ مَشْقُوقٌ فَهو فَرْجٌ، وهَذا أبْلَغُ في الثَّناءِ عَلَيْها لِأنَّها إذا مَنَعَتْ جَيْبَ دِرْعِها فَهي لِلنَّفْسِ أمْنَعُ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ المُرادَ مَنَعَتْ جَيْبَ دِرْعِها عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: قَوْلَها ﴿ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا  ﴾ وأفادَ كَلامُ البَعْضِ أنَّ أحْصَنَتْ فَرْجَها عَلى ما نُقِلَ أوَّلًا عَنِ الفَرّاءِ كِنايَةٌ عَنِ العِفَّةِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: هو نَقِيُّ الجَيْبِ طاهِرُ الذَّيْلِ.

وجُوِّزَ في ضَمِيرِ فِيهِ رُجُوعُهُ إلى الحَمْلِ، وهو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ المُشْعِرِ بِهِ الكَلامُ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ - فِيها - كَما في الأنْبِياءِ، فالضَّمِيرُ لِمَرْيَمَ، والإضافَةُ في قَوْلِها تَعالى: ﴿ مِن رُوحِنا ﴾ لِلتَّشْرِيفِ، والمُرادُ مِن رُوحٍ خَلَقْناهُ بِلا تَوَسُّطِ أصْلٍ، وقِيلَ: لِأدْنى مُلابَسَةٍ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ وصَدَّقَتْ ﴾ آمَنَتْ ﴿ بِكَلِماتِ رَبِّها ﴾ بِصُحُفِهِ عَزَّ وجَلَّ المُنَزَّلَةِ عَلى إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، وسَمّاها سُبْحانَهُ كَلِماتٍ لِقِصَرِها ﴿ وكُتُبِهِ ﴾ بِجَمِيعِ كُتُبِهِ والمُرادُ بِهِ ما عَدا الصُّحُفَ مِمّا في طُولٍ، أوِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ، وعُدَّ المُصْحَفُ مِن ذَلِكَ وإيمانُها بِهِ ولَمْ يَكُنْ مُنَزَّلًا بَعْدُ كالإيمانِ بِالنَّبِيِّ المَوْعُودِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَذْكُورًا بِكِتابِهِ في الكُتُبِ الثَّلاثَةِ، وتَفْسِيرُ الكَلِماتِ والكُتُبِ بِذَلِكَ هو ما اخْتارَهُ جَمْعٌ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يُرادَ بِالكَلِماتِ ما أوْحاهُ اللَّهُ تَعالى إلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وبِالكُتُبِ ما عُرِفَ فِيها مِمّا يَشْمَلُ الصُّحُفَ وغَيْرَها، وقِيلَ: جَمِيعُ ما كُتِبَ مِمّا يَشْمَلُ اللَّوْحَ وغَيْرَهُ، وأنْ يُرادَ بِالكَلِماتِ وعْدُهُ تَعالى ووَعِيدُهُ أوْ ذَلِكَ وأمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ ونَهْيُهُ سُبْحانَهُ، وبِالكُتُبِ أحَدُ الأوْجُهِ السّابِقَةِ، وإرادَةُ كَلامِهِ تَعالى القَدِيمِ القائِمِ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الكَلِماتِ بَعِيدٌ جِدًّا، وقَرَأ يَعْقُوبُ وأبُو مِجْلَزٍ وقَتادَةُ وعِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ «صَدَقَتْ» بِالتَّخْفِيفِ، ويَرْجِعُ إلى مَعْنى المُشَدَّدِ وفي البَحْرِ أيْ كانَتْ صادِقَةً بِما أخْبَرَتْ بِهِ مِن أمْرِ عِيسى وما أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى لَها مِنَ الكَراماتِ وفِيهِ قُصُورٌ لا يَخْفى.

وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ - بِكَلِمَةٍ - عَلى التَّوْحِيدِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، وأنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وأنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ أطْلَقَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ ذَلِكَ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ - وكِتابَهُ - عَلى الإفْرادِ فاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ وأنْ يُرادَ بِهِ الإنْجِيلُ لا سِيَّما إنْ فُسِّرَتِ الكَلِمَةُ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ «وكُتْبَهُ» بِسُكُونِ التّاءِ عَلى ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وبِهِ وبِفَتْحِ الكافِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُقِيمَ الِاسْمُ عَلى ما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ.

﴿ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ ﴾ أيْ مِن عِدادِ المُواظِبِينَ عَلى الطّاعَةِ - فَمِن - لِلتَّبْعِيضِ، والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ، والإشْعارِ بِأنَّ طاعَتَها لَمْ تَقْصُرْ عَنْ طاعَةِ الرِّجالِ حَتّى عُدَّتْ مِن جُمْلَتِهِمْ فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِنا: وكانَتْ مِنَ القانِتاتِ، أوْ قانِتَةً، وقِيلَ: مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمُرادُ كانَتْ مِن نَسْلِ القانِتِينَ لِأنَّها مِن أعْقابِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، ومَدْحُها بِذَلِكَ لِما أنَّ الغالِبَ أنَّ الفَرْعَ تابِعٌ لِأصْلِهِ ﴿ والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا  ﴾ وهي عَلى ما في بَعْضِ الأخْبارِ سَيِّدَةُ النِّساءِ ومِن أكْمَلِهِنَّ، رَوى أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: «سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ ثُمَّ فاطِمَةُ ثُمَّ خَدِيجَةُ ثُمَّ آسِيَةُ ثُمَّ عائِشَةُ»، وفي الصَّحِيحِ «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا أرْبَعٌ: آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى سائِرِ الطَّعامِ» وخُصَّ الثَّرِيدُ - وهو خُبْزٌ يُجْعَلُ في مَرَقٍ وعَلَيْهِ لَحْمٌ - كَما قِيلَ: إذا ما الخُبْزُ تَأدَمَّهُ بِلَحْمٍ فَذاكَ أمانَةُ اللَّهِ الثَّرِيدُ لا اللَّحْمُ فَقَطْ كَما قِيلَ لِأنَّ العَرَبَ لا يُؤُثِرُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتّى سَمَّوْهُ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ، والسِّرُّ فِيهِ عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ: إنَّ الثَّرِيدَ مَعَ اللَّحْمِ جامِعٌ بَيْنَ الغِذاءِ واللَّذَّةِ والقُوَّةِ وسُهُولَةِ التَّناوُلِ وقِلَّةِ المَئُونَةِ في المَضْغِ وسُرْعَةِ المُرُورِ في المَرِيءِ فَضَرَبَ بِهِ مَثَلًا لِيُؤْذِنَ بِأنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أُعْطِيَتْ مَعَ حُسْنِ الخُلُقِ حَلاوَةَ المَنطِقِ وفَصاحَةَ اللَّهْجَةِ وجَوْدَةَ القَرِيحَةِ ورَزانَةَ الرَّأْيِ ورَصانَةَ العَقْلِ والتَّحَبُّبَ لِلْبَعْلِ فَهي تَصْلُحُ لِلْبَعْلِ والتَّحَدُّثِ والِاسْتِئْناسِ بِها والإصْغاءِ إلَيْها، وحَسْبُكَ أنَّها عَقَلَتْ مِنَ النَّبِيِّ  ما لَمْ يَعْقِلْ غَيْرُها مِنَ النِّساءِ ورَوَتْ ما لَمْ يَرْوِ مِثْلُها مِنَ الرِّجالِ، وعَلى مَزِيدِ فَضْلِها في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن عِتابِها وعِتابِ صاحِبَتِها حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما لا يَخْفى، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِن حَيْثُ البِضْعِيَّةُ لا يُعَدَّ لَها في الفَضْلِ أحَدٌ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في مَحَلِّهِ.

وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ مَرْيَمَ وآسِيَةَ زَوْجا رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الجَنَّةِ، أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ جُنادَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ اللَّهَ زَوَّجَنِي في الجَنَّةِ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ وامْرَأةَ فِرْعَوْنَ وأُخْتَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ»» وزَعْمُ نُبُوَّتِها كَزَعْمِ نُبُوَّةِ غَيْرِهِما مِنَ النِّساءِ كَهاجَرَ وسارَّةَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِاشْتِراطِ الذُّكُورَةِ في النُّبُوَّةِ عَلى الصَّحِيحِ خِلافًا لِلْأشْعَرِيِّ، وقَدْ نَبَّهَ عَلى هَذا الزَّعْمِ العَلّامَةُ ابْنُ قاسِمٍ في الآياتِ البَيِّناتِ وهو غَرِيبٌ فَلْيُحْفَظْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ يعني: جاهد الكفار بالسيف، وجاهد المنافقين بالقول والتهديد.

وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ يعني: اشدد عليهم، يعني: على كلا الفريقين، يعني: على الكفار بالسيف، وعلى المنافقين باللسان.

وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ يعني: إن لم يرجعوا ولم يتوبوا، فمرجعهم إلى جهنم، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: بئس القرار وبئس المرجع.

قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا يعني: وصف الله شبهاً لكفار مكة، وذلك أنهم استهزءوا وقالوا: إن محمدا  يشفع لنا.

فبيّن الله تعالى أن شفاعته-  - لا تنفع لكفار مكة، كما لا تنفع شفاعة نوح لامرأته.

وشفاعة لوط لامرأته.

وذلك قوله: لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ واسمها واعلة، وَامْرَأَتَ لُوطٍ واسمها داهلة.

ويقال: فيه تخويف لأزواج النبيّ  ، ليثبتن على دينه وطاعته.

ثم قال: كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ يعني: نوحاً ولوطاً- عليهما السلام- فَخانَتاهُما يعني: خالفتاهما في الدين.

وروي عن ابن عباس أنه قال: ما زنت امرأة نبي قط، وما كانت خيانتهما إلا في الدين.

فأما امرأة نوح كانت تخبر الناس أنه مجنون، وأما امرأة لوط كانت تدل على الأضياف.

وقال عكرمة: الخيانة في كل شيء ليس في الزنى.

فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يعني: لم يمنعهما صلاح زوجيهما مع كفرهما مّنَ الله شيئا، يعني: من عذاب الله شيئاً.

وَقِيلَ لهما في الآخرة: ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ، فكذلك كفار مكة، وإن كانوا أقرباء النبيّ  ، لا ينفعهم صلاح النبي  .

وكذلك أزواجه، إذا خالفنه.

ثم ضرب الله مثلاً للمؤمنين، فقال عز وجل: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: بيَّن الله شبهاً وصفة للمؤمنين الذين آمنوا.

امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ، فإنها كانت صالحة، لم يضرها كفر فرعون، فكذلك من كان مطيعاً لله لا يضره شر غيره ويقال: هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة، يعني: لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون، صبرت على إيذاء فرعون.

إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وذلك أن فرعون لما علم بإيمانها، فطلب منها أن ترجع، فأبت ولم ترجع عن إيمانها، فوتدها بأربعة أوتاد في يديها ورجليها، وربطها وجعل على صدرها حجر الرحى، وجعلها في الشمس.

فأراها الله تعالى بيتها في الجنة، ونسيت ما هي فيه من العذاب، وضحكت، فقالوا عند ذلك: هي مجنونة تضحك، وهي في العذاب.

وروى أبو عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي قال: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا ذرت، أي: طلعت الشمس وارتفعت، أظلتها الملائكة بأجنحتها، وأريت مقعدها من الجنة.

وروى قتادة، عن أنس، عن النبيّ  أنه قال: «حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ أَرْبَعٌ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ  وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ» .

ثُمّ قال الله عزّ وجلّ: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ يعني: ارزقني في الجنة.

وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ يعني: من عذاب فرعون وظلمه.

وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني: مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، يعني: من تعييرهم وشماتتهم.

ثم قال عز وجل: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ يعني: واذكر مريم، ويقال: معناه: وضرب الله مثلاً مريم ابنة عمران وصبرها على إيذاء اليهود، الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها يعني: عفت نفسها عن الفواحش.

فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا يعني: أرسلنا جبريل-  - فنفخ في جيب درعها، وذلك قوله: فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا أي: في جيبها، أي روحاً من أرواحنا، وهي روح عيسى-  - وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها أي: صدقت بعيسى-  - ويقال: صدقت بالبشارات التي بشرها بها جبريل.

وَكُتُبِهِ يعني: آمنت بكتاب الله تعالى وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص وَكُتُبِهِ يعني: الكتب التي أنزلت على الأنبياء، والباقون بكتابه يعني: الإنجيل.

وقرأ بعضهم وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها يعني: صار عيسى مخلوقاً بكلمة الله، فصدقت بذلك.

وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ يعني: المطيعين لله.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

العباداتِ، والنَّصُوح بناءَ مبالغةٍ من النُّصْحِ، أي: توبة نَصَحَتْ صَاحِبها، وأرْشَدَتْه، وعن عمرَ: التوبةَ النصوحُ: هي أن يتوبَ ثم لا يعودُ ولا يريدُ أن يعودَ «١» ، وقال أبو بكر الوَرَّاق، هي أن تَضِيقَ عليكَ الأرْضُ بما رَحُبَتْ كتوبةِ الذين خُلِّفُوا.

ورُوِيَ/ في معنى قولِه تعالى:

«يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ» أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تضرّع مرّة إلى الله- عز وجل- في أمْرِ أُمَّتِهِ، فأوحَى اللَّه إلَيْهِ إنْ شِئْتَ جَعَلْتُ حِسَابَهُمْ إلَيْكَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَنْتَ أَرْحَمُ بِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ تعالى: إذَنْ لا أخزيك فيهم «٢» .

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ يَحْتَمِل: أن يكونَ معطوفاً عَلى النبيِّ فيخرجُ المؤمِنونَ من الخزي، ويحتملُ: أنْ يَكُونَ مبتدأ، ونُورُهُمْ يَسْعى: جملةٌ هِي خبرُه، وقولهم: أَتْمِمْ لَنا نُورَنا قال الحسنُ بن أبي الحسن: هو عند ما يَرَوْنَ مِنِ انْطِفَاءِ نورِ المنافقين «٣» حَسْبَمَا تقدم تفسيرُه، وقيل: يقوله من أُعْطِي منَ النور بقدر ما يَرَى موضعَ قدميه فقط، وباقي الآية بيَّن مما تقدم في غيرِ هذا الموضع.

وقوله سبحانه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ ...

الآية، هذَانِ المَثَلاَنِ اللذانِ للكفارِ والمؤمنينَ معناهما: أنَّ مَنْ كَفَرَ لا يُغْنِي عنه مِنَ اللَّهِ شيءٌ ولا ينفعُه سَبَبٌ، وإنَّ مَنْ آمنَ لا يدفعُه عَنْ رِضْوَانِ اللَّهِ دافعٌ وَلُوْ كَانَ في أسوأِ مَنْشَأٍ وأخسِّ حالٍ، وقول من قال: إنَّ في المثلين عبرة لأزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم بعيدٌ.

قال ابن عباس وغيره: «خَانَتَاهُمَا» : أي في الكُفْرِ «٤» ، وفي أن امرأةَ نوحٍ كانَتْ تقول للناس: إنَّه مجنُونٌ، وأن امرأةَ لوطٍ كانت تنمّ

إلى قَوْمِها خَبَر أضْيَافِه، قال ابن عباس: وَمَا بَغَتْ زَوْجَةُ نَبِيٍّ قَطُّ «١» ، وامرأة فرعون اسمُها آسية، وقولها: وَعَمَلِهِ تعني كُفْرَهُ ومَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ.

وقوله: الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها الجمهورُ أنه فَرْجُ الدِّرْعِ، وقال قوم: هو الفَرْجُ الجَارِحَةُ وإحْصَانُه صَوْنُه.

وقولُه سبحانه: فَنَفَخْنا فِيهِ عبارةٌ عَنْ فِعل جبريلَ، / ت: وقد عَكَسَ- رحمه اللَّه- نَقْلَ ما نَسَبَهُ للجمهورِ في سورةِ الأنبياءِ فقال: المَعْنَى واذْكُرِ الَّتي أحصنتْ فَرْجَها وهو الجارِحَة المعروفةُ، هذا قولُ الجمهورِ، انظر بقيةَ الكلامِ هناك.

وقوله سبحانه: مِنْ رُوحِنا إضافةُ مخلوقٍ إلى خالقٍ، ومملوك إلى مالكٍ، كما تقول بَيْتُ اللَّهِ، ونَاقَةُ اللَّهِ، وكذلك الرُّوحُ الجنسُ كلُّه هو روح اللَّه، وقرأ الجمهور «٢» :

وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها بالجَمْعِ فَيُقَوِّي أنْ يريدَ التوراةَ، ويحتملُ أنْ يريدَ أمْرَ عيسَى، وَقَرَأ الجحدري «٣» : «بِكَلِمِة» فَيُقَوِّي أنْ يريدَ أمْرَ عيسى، ويحتملُ أنْ يريدَ التوراةَ، فتكونُ الكلمةُ اسْمُ جنسٍ، وقرأ نافع «٤» وغيره: «وكِتَابِهِ» وقرأ أبو عمرو وغيره: «وَكُتُبِهِ» - بضم التاء- وَالجَمْعِ، وذلك كلَّه مرادٌ بهِ التوراةُ والإنْجِيلُ، قال الثعلبيُّ: واختار أبو حاتم قراءةَ أبي عمرٍو بالجَمْعِ لعمومِها، واختار أبو عبيدة قِراءَة الإفْرَادِ لأن الكتَابَ يُرَادُ به الجنسُ، انتهى وهو حَسَنٌ، وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ أي: من القوم القانتينَ وهم المطيعونَ العابِدونَ، وقد تقدّم بيانه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٧٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ مِنهم مُقاتِلٌ: هَذا المَثَلُ يَتَضَمَّنُ تَخْوِيفَ عائِشَةَ وحَفْصَةَ أنَّهُما إنْ عَصَيا رَبَّهُما لَمْ يُغْنِ رَسُولُ اللَّهِ  عَنْهُما شَيْئًا.

قالَ مُقاتِلٌ: اسْمُ امْرَأةِ نُوحٍ "والِهَةُ" وامْرَأةِ لُوطٍ "والِغَةُ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ ﴾ يَعْنِي: نُوحًا ولُوطًا عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ فَخانَتاهُما ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما بَغَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، إنَّما كانَتْ خِيانَتُهُما في الدِّينِ، كانَتِ امْرَأةُ نُوحٍ تُخْبِرُ النّاسَ أنَّهُ مَجْنُونٌ، وكانَتِ امْرَأةُ لُوطٍ تَدُلُّ عَلى الأضْيافِ، فَإذا نَزَلَ بِلُوطٍ ضَيْفٌ بِاللَّيْلِ أوْقَدَتِ النّارَ، وإذا نَزَلَ بِالنَّهارِ دَخَّنَتْ لِيَعْلَمَ قَوْمُهُ أنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ.

وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ خِيانَتُهُما: كُفْرُهُما.

وَقالَ الضَّحّاكُ: نَمِيمَتُهُما.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: نِفاقُهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ أيْ: فَلَمْ يَدْفَعا عَنْهُما مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.

وهَذِهِ الآيَةُ تَقْطَعُ طَمَعَ مَن رَكِبَ المَعْصِيَةَ ورَجا أنْ يَنْفَعَهُ صَلاحُ غَيْرِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَعْصِيَةَ الغَيْرِ لا تَضُرُّ المُطِيعَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ ﴾ وهي آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ الأوَّلَ يُحَذِّرُ بِهِ عائِشَةَ وحَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

ثُمَّ ضَرَبَ لَهُما هَذا المَثَلَ يُرَغِّبُهُما في التَّمَسُّكِ بِالطّاعَةِ.

وكانَتْ آسِيَةُ قَدْ آمَنَتْ بِمُوسى.

قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: ضَرَبَ فِرْعَوْنُ لِامْرَأتِهِ أوْتادًا في يَدَيْها ورِجْلَيْها، وكانُوا إذا تَفَرَّقُوا عَنْها أظَلَّتْها المَلائِكَةُ، فَقالَتْ: ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ﴾ فَكَشَفَ اللَّهُ لَها عَنْ بَيْتِها في الجَنَّةِ حَتّى رَأتْهُ قَبْلَ مَوْتِها ﴿ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ عَمَلَهُ: جِماعُهُ.

والثّانِي: أنَّهُ دِينُهُ رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ دِينِ المُشْرِكِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها ﴾ قَدْ ذَكَرْنا فِيهِ قَوْلَيْنِ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٩٢] فَمَن قالَ: هو فَرَجُ ثَوْبِها، قالَ: "الهاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَنَفَخْنا فِيهِ ﴾ يَرْجِعُ إلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ مَدَّ جَيْبَ دِرْعِها، فَدَخَلَ فِيهِ.

ومَن قالَ هو مَخْرَجَ الوَلَدِ، قالَ: "الهاءُ" كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِأنَّهُ إنَّما نَفَخَ في دِرْعِها لا في فَرْجِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها قَوْلُ جِبْرِيلَ ﴿ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّ الكَلِماتِ هي الَّتِي تَضَمَّنَتْها كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ.

وقَرَأ أُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "بِكَلِمَةِ رَبِّها" عَلى التَّوْحِيدِ "وَكُتُبِهِ" قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "وَكِتابِهِ" عَلى التَّوْحِيدِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ "وَكُتُبِهِ" جَماعَةً، وهي الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى الأنْبِياءِ، ومَن قَرَأ "وَكِتابِهِ" فَهو اسْمُ جِنْسٍ عَلى ما بَيَّنّا في خاتِمَةِ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] وقَدْ بَيَّنّا فِيها القُنُوتَ مَشْرُوحًا [البَقَرَةِ: ١١٦] .

وَمَعْنى الآيَةِ: وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: مِنَ القانِتاتِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِن القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِن القانِتِينَ ﴾ امْرَأتَ فِرْعَوْنَ اسْمُها "آسِيَةُ" وقَوْلُها: "وَعَمَلِهِ" مَعْناهُ: وكُفْرِهِ وما هو عَلَيْهِ مِنَ الضَلالَةِ، وهَذا قَوْلُ كافَّةِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مِن ظُلْمِهِ وعِقابِهِ وتَعْذِيبِهِ لِي، ورُوِيَ في هَذا أنَّ فِرْعَوْنَ اتَّصَلَ بِهِ إيمانُها بِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّها تُحِبُّ أنْ تَغْلِبَ، فَبَعَثَ إلَيْها قَوْمًا، فَقالَ: إنْ رَأيْتُمْ مِنها ذَلِكَ فابْطَحُوها في الأرْضِ، ووَتِّدُوا يَدَيْها ورِجْلَيْها، وألْقُوا عَلَيْها أعْظَمَ حَجَرٍ، وإنْ لَمْ تَرَوْا ذَلِكَ فَهي امْرَأتِي، قالَ: فَذَهَبَ القَوْمُ، فَلَمّا أحَسَّتِ الشَرَّ مِنهم دَعَتْ بِهَذِهِ الدَعَواتِ، فَقَبَضَ اللهُ رَوْحَها، ووَضَعَ أُولَئِكَ الحَجَرَ بِشَخْصٍ لا رُوحَ فِيهِ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا يَطُولُ فاخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ.

وقالَ آخَرُونَ -فِي كِتابِ النَقّاشِ -: "وَعَمَلِهِ" كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ والمُضاجَعَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الفَرْجِ الَّذِي أحْصَنَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَلامُ، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو فَرْجُ الدِرْعِ الَّذِي كانَ عَلَيْها، وأنَّها كانَتْ صَبِيَّةً، وأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ نَفَخَ فِيها الرُوحَ مِن جَيْبِ الدِرْعِ، وقالَ قَوْمٌ: هو الفَرْجُ الجارِحَةٌ، ولَفْظَةُ "أحْصَنَتْ" -إذا كانَ فَرْجَ الجارِحَةِ- مُتَمَكِّنَةٌ حَقِيقَةً، والإحْصانُ: صَوْنُهُ، وفِيهِ هي مُسْتَعْمَلَةٌ، وإذا قَدَّرْناهُ فَرْجَ الدِرْعِ فَلَفْظَةُ "أحْصَنَتْ" مُسْتَعارَةٌ مِن حَيْثُ أحْصَنَتْهُ وصانَتْهُ ومِن حَيْثُ سارَ مَسْلَكًا لِوَلَدِها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "فَنَفَخْنا" عِبارَةٌ عن فِعْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، حَقِيقَةً، وإنْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ النَفْخَ فِعْلُ اللهِ تَعالى، فَهو عِبارَةٌ عن خَلْقِهِ واخْتِراعِهِ الوَلَدَ في بَطْنِها، وشُبِّهَ ذَلِكَ بِالنَفْخِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُسَيِّرَ الشَيْءَ بِرِفْقٍ ولُطْفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن رُوحِنا" إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى خالِقٍ، ومَمْلُوكٍ إلى مالِكٍ، كَما تَقُولُ: بَيْتُ اللهِ، وناقَةُ اللهِ، وكَذَلِكَ الرُوحُ الجِنْسُ كُلُّهُ هو رُوحُ اللهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَصَدَّقَتْ" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ أبُو مِجْلِزٍ بِتَخْفِيفِها، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بِكَلِماتِ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "بِكَلِمَةٍ" عَلى الإفْرادِ، فَأمّا الإفْرادُ فَيُقَوِّي أنْ يُرِيدَ أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ وهو التَوْراةُ، ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَيُقَوِّي أنَّهُ يُرِيدُ التَوْراةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، ونافِعٌ: "وَكِتابِهِ" عَلى الوَحِيدِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، عن عاصِمٍ، وخارِجَةُ عن نافِعٍ: "وَكُتُبِهِ" بِضَمِّ التاءِ عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِسُكُونِ التاءِ: "وَكُتْبِهِ"، وذَلِكَ كُلُّهُ مُرادٌ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ.

و"القانِتُونَ": العابِدُونَ، والمَعْنى: كانَتْ مِنَ القَوْمِ القانِتِينَ في عِبادَتِها وحالِ دِينِها.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَحْرِيمِ]، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ امرأت فرعون ﴾ ، أي وضرب الله مثلاً للذين آمنوا مريم ابنة عمران، فضرَب مثلَيْن في الشرّ ومثلين في الخير.

ومريم ابنة عمران تقدم الكلام على نسبها وكرامتها في سورة آل عمران وغيرها، وقد ذكر الله باسمها في عدة مواضع من القرآن، وقال ابن التلمساني في «شرح الشفاء» لعياض: لم يَذكُر الله امرأة في القرآن باسمها إلا مريم للتنبيه على أنها أمةُ الله إبطالاً لعقائد النصارى.

والإِحصان: جعل الشيء حصيناً، أي لا يُسلك إليه.

ومعناه: منعت فرجها عن الرجال.

وتفريع ﴿ فنفخنا فيه من روحنا ﴾ تفريع العطية على العمل لأجله.

أي جزيناها على إحصان فرجها، أي بأن كوّن الله فيه نبيئاً بصفة خارقة للعادة فخلد بذلك ذكرها في الصالحات.

والنفخ: مستعار لسرعة إبداع الحياة في المكوّن في رحمها.

وإضافة الروح إلى ضمير الجلالة لأن تكوين المخلوق الحيّ في رحمها كان دون الأسباب المعتادة، أو أُريد بالروح الملك الذي يؤمر بنفخ الأرواح في الأجنة، فعلى الأول تكون ﴿ من ﴾ تبعيضية، وعلى الثاني تكون ابتدائية، وتقدم قوله تعالى: ﴿ فنفخنا فيها من روحنا ﴾ في سورة [الأنبياء: 91].

وتصديقها: يقينها بأن ما أبلغ إليها الملَكُ من إرادة الله حملها.

وكلمات ربها}: هي الكلمات التي ألقاها إليها بطريق الوحي.

و ﴿ وكتابه ﴾ يجوز أن يكون المراد به «الإِنجيل» الذي جاء به ابنها عيسى وهو إن لم يكن مكتوباً في زمن عيسى فقد كتبه الحواريون في حياة مريم.

ويجوز أن يراد ب ﴿ كتابه ﴾ ، أراده الله وقدّره أن تحمل من دون مس رجل إياها من باب وكان كتاباً مفعولاً.

والقانت: المتمحض للطاعة.

يجوز أن يكون و ﴿ من ﴾ للابتداء.

والمراد بالقانتين: المكثرون من العبادة.

والمعنى أنها كانت سليلة قوم صالحين، أي فجاءت على طريقة أصولها في الخير والعفاف: وهل ينبت الخَطِّيُّ إلا وشيجَهُ *** وهذا إيماء إلى تبرئتها مما رماها به القوم البهت.

وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون ﴾ [النور: 26].

ويجوز أن تجعل ﴿ من ﴾ للتعبيض، أي هي بعض من قنت لله.

وغلبت صيغة جمع الذكور ولم يقل: من القانتات، جرياً على طريقة التغليب وهو من تخريج الكلام على مقتضى الظاهر.

وهذه الآية مثال في علم المعاني.

ونكتته هنا الإِشارة إلى أنها في عداد أهل الإِكثار من العبادة وأن شأن ذلك أن يكون للرجال لأن نساء بني إسرائيل كن معفيات من عبادات كثيرة.

ووصفت مريم بالموصول وصلته لأنها عُرفت بتلك الصلة من قصتها المعروفة من تكرر ذكرها فيما نزل من القرآن قبل هذه السورة.

وفي ذكر ﴿ القانتين ﴾ إيماء إلى ما أوصى الله به أمهات المؤمنين بقوله تعالى: ﴿ ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين ﴾ [الأحزاب: 31] الآية.

وقرأ الجمهور ﴿ وكتابه ﴾ .

وقرأه حفص وأبو عمرو ويعقوب ﴿ وكُتُبه ﴾ بصيغة الجمع، أي آمنت بالكتب التي أنزلت قبل عيسى وهي «التوراة» و«الزبور» وكتب الأنبياء من بني إسرائيل، و«الإِنجيل» إن كان قد كتبه الحواريون في حياتها.

الجزء التاسع والعشرون

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ ﴾ قِيلَ اسْمُها آسِيَةَ بِنْتَ مُزاحِمٍ.

﴿ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: اطَّلَعَ فِرْعَوْنُ عَلى إيمانِ امْرَأتِهِ فَخَرَجَ عَلى المَلَإ فَقالَ لَهم: ما تَعْلَمُونَ مِن آسِيَةَ بِنْتِ مُزاحِمٍ؟

فَأثْنَوْا عَلَيْها، فَقالَ لَهم: فَإنَّها تَعْبُدُ رَبًّا غَيْرِي، فَقالُوا لَهُ: اقْتُلْها، فَأوْتَدَ لَها أوْتادًا فَشَدَّ يَدَيْها ورِجْلَيْها، فَدَعَتْ آسِيَةُ رَبَّها فَقالَتْ: ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ﴾ الآيَةَ، فَكُشِفَ لَها الغِطاءُ فَنَظَرَتْ إلى بَيْتِها في الجَنَّةِ، فَوافَقَ ذَلِكَ حُضُورَ فِرْعَوْنَ، فَضَحِكَتْ حِينَ رَأتْ بَيْتَها في الجَنَّةِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: ألا تَعْجَبُونَ مِن جُنُونِها، فَعَذَّبَها وهي تَضْحَكُ وقُبِضَتْ رُوحُها.

وَقَوْلُها: ﴿ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الشِّرْكُ.

الثّانِي: الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ أهْلُ مِصْرَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: القِبْطُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ أرادَ بِالفَرْجِ الجَيْبَ لِأنَّهُ قالَ ﴿ فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا ﴾ وجِبْرِيلُ إنَّما نَفَخَ في جَيْبِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أحْصَنَتْ فَرْجَها ونَفَخَ الرُّوحَ في جَيْبِها.

﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ (كَلِماتِ رَبِّها) الإنْجِيلُ، و(كُتُبَهُ) التَّوْراةُ والزَّبُورُ.

الثّانِي: أنْ (كَلِماتِ رَبِّها) قَوْلُ جِبْرِيلَ حِينَ نَزَلَ عَلَيْها ﴿ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا ﴾ ، ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ الإنْجِيلُ الَّذِي أنْزَلَهُ مِنَ السَّماءِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنْ (كَلِماتِ رَبِّها) عِيسى، و(كُتُبَهُ) الإنْجِيلُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ ﴾ أيْ مِنَ المُطِيعِينَ في التَّصْدِيقِ.

الثّانِي: مِنَ المُطِيعِينَ في العِبادَةِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن سلمان رضي الله عنه قال: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة.

وأخرج أبو يعلى والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها، فكانوا إذا تفرقوا عنها أظلتها الملائكة عليهم السلام، فقالت: ﴿ رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ فكشف لها عن بيتها في الجنة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد، وأضجعها على صدرها، وجعل على صدرها رحى، واستقبل بهما عين الشمس، فرفعت رأسها إلى السماء فقالت: ﴿ رب ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ إلى ﴿ الظالمين ﴾ ففرج الله عن بيتها في الجنة فرأته.

وأخرج أحمد والطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون مع ما قصّ الله علينا من خبرهما في القرآن ﴿ قالت رب ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ » .

وأخرج وكيع في الغرر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ونجني من فرعون وعمله ﴾ قال: من جماعه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فنفخنا فيه من روحنا ﴾ قال: في جيبها، وفي قوله: ﴿ وكانت من القانتين ﴾ قال: من المطيعين.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وصدقت بكلمات ربها ﴾ بالألف «وكتابه واحد» .

وأخرج الطبراني عن سعد بن جنادة قال: قال رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ﴾ وقد تقدم تفسيره في سورة الأنبياء (١) قال مقاتل: أحصنت فرجها عن الفواحش، وإنما ذكرت بذلك لأنها قذفت بالزنا (٢) (٣) قال الزجاج: والعرب تقول للعفيف: هو نقي الثوب وهو طيب الحُجْزة.

تريد أنه عفيف، وأنشد للنابغة (٤) رقاق النعال طيب حجزاتهم ...

يحيون بالريحان يوم السباسب ونحو هذا قال الفراء، وهو مستقصى فيما تقدم (٥) ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ﴾ أي في فرج ثوبها (٦) قال مقاتل: يعني في الجيب، وذلك أن جبريل مد حبيب درعها بإصبعه ثم نفخ في جيبها، فحملت (٧) (٨) (٩) قوله تعالى: ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا ﴾ قال مقاتل: يعني بعيسى أنه نبي الله (١٠) (١١) (١٢) وقال أبو علي الفارسي: الكلمات تكون الشرائع التي شرع لها دون القول، لأن ذلك قد استغرقه.

قوله تعالى: ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ وكأن المعنى: صدقت بالشرائع التي ابتلي بها إبراهيم فأخذت بها وصدقت الكتاب فلم تكذب بها، وإنما سميت الشرائع كلمات كما سميت الشرائع (١٣) ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ  ﴾ وقد مر.

وهذا الذي ذكرناه قول أبي علي (١٤) ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ قال: التي أنزل على إبراهيم وموسى وداود وعيسى (١٥) وقرئ، (وكتابِهِ) على الواحد (١٦) والمراد به الكثرة (١٧) ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا  ﴾ ، فكما أن المراد بنعمة الله الكثرة، كذلك في قوله: (وكتابه) (١٨) قوله تعالى: ﴿ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴾ قال ابن عباس: من الطائعين لله عز وجل (١٩) قال مقاتل: من المطيعين لربها (٢٠) (٢١) قيل: كانت تصلي بين المغرب والعشاء.

وقال قتادة: كانت من القوم المطيعين (٢٢) ﴿ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴾ دون القانتات: لأنه أراد القوم، وهو عام، كقوله: ﴿ وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ  ﴾ ، ومعنى من القوم القانتين أي من الذين (٢٣) (٢٤) (١) عند تفسيره الآية (91) من سورة الأنبياء.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 50.

(٣) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 103، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 169، ونسبه للمفسرين.

(٤) "ديوان النابغة الذبياني" ص 49، و"تهذيب اللغة" 4/ 124، و"اللسان" 1/ 574 (حجز)، و"الخزانة" 4/ 393.

والسباسب والبسابس: القفار، واحدها: سبسب وبسبس، ومنه قيل للأباطيل: الترهات البسابس.

"تهذيب اللغة" 12/ 315 (سب).

(٥) في (س): (ونحو هذا قال الفراء وهو مستقصي فيما تقدم) زيادة، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 169.

(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 196.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ.

(٨) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، و"جامع البيان" 28/ 110، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 394.

(٩) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 203.

(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 55.

(١١) قرأ بها الحسن، وأبو العالية، وأبو مجلز، وعاصم الجحدري، وغيرهم.

انظر: "زاد المسير" 8/ 316، و"البحر المحيط" 8/ 295.

(١٢) وردت بهذا المعنى في الآيتين (39، 45) من سورة آل عمران، (171) من سورة النساء.

(١٣) (س): (كلمات كما سميت الشرائع) زيادة.

(١٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 50.

(١٥) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 103، و"الوسيط" 4/ 324.

(١٦) قرأ أبوعمرو وحفص ويعقوب ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ بالجمع، وقرأ الباقون (وكتابه) بالانفراد.

انظر: "حجة القراءات" ص 715، و"النشر" 2/ 389، و"الإتحاف" ص 419.

(١٧) في (ك): (الكثير).

(١٨) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 304.

(١٩) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 104، و"التفسير الكبير" 30/ 50.

(٢٠) انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 368.

(٢١) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 368، و"التفسير الكبير" 30/ 55.

(٢٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، "جامع البيان" 28/ 110.

(٢٣) (س): (أي من الذين) زيادة.

(٢٤) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 368.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا ﴾ يعني الفرج الذي هو الجارحة، وإحصانها له هو صيانتها وعفتها عن كل مكروه ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ عبارة عن نفخ جبريل في فرجها، فخلق الله فيه عيسى عليه السلام وأضاف الله الروح إلى نفسه إضافة مخلوق إلى خالقه، وفي ذلك تشريف له ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ ﴾ كلمات ربها، يحتمل أن يريد بها الكتب التي أنزل الله أو كلامه مع الملائكة وغيرهم، وكتابه بالإفراد يحتمل أن يريد به التوراة أو الإنجيل أو جنس الكتب، وقرأ أبو عمرو وحفص بالجمع يعني: جميع كتب الله ﴿ مِنَ القانتين ﴾ أي من العابدين، فإن قيل: لم قال من القانتين بجمع المذكر وهي أنثى؟

فالجواب: أن القنوت صفة تجمع الرجال والنساء فغلب الذكور.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ عرف ﴾ بالتخفيف: عليّ ﴿ تظاهرا ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.

﴿ أن يبدله ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصوحاً ﴾ بضم النون: يحيى وحماد ﴿ وكتبه ﴾ على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.

الوقوف ﴿ لك ﴾ ج لاحتمال أن الجملة بعده حال أو استفهامية بحذف الحرف وهذا أحسن، لأن تحريم الحلال بغير ابتغاء مرضاتهن أيضاً غير جائز ﴿ أزواجك ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أيمانكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ مولاكم ﴾ ط للابتداء بذكر ما لم يزل من الوصفين مع اتفاق الجملتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ حديثاً ﴾ ج ﴿ عن بعض ﴾ ج ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ قلوبكما ﴾ ج ﴿ المؤمنين ﴾ ه لتناهي الشرط إلى الإخبار ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ وأبكاراً ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ نصوحاً ﴾ ط ﴿ الأنهار ﴾ لا بناء على أن الظرف يتعلق بقوله ﴿ ويدخلكم ﴾ وج لاحتمال أن ﴿ يوم ﴾ متعلق بقوله ﴿ يسعى ﴾ بعد ﴿ واغفر لنا ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال اللام ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لابتداء الحكاية ﴿ الداخلين ﴾ ه ﴿ فرعون ﴾ ج لئلا يتوهم أن الظرف متعلق بـ ﴿ ضرب ﴾ بل التقدير " اذكروا " ﴿ الظالمين ﴾ ه لأن ما بعده معطوف على امرأة فرعون ﴿ القانتين ﴾ ه.

التفسير: كان النبي  يأتي زينب بنت جحش فيشرب عندها العسل، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنما نشم منك ريح المغافير.

والمغفور والمغثور شيء واحد ينضحه العرفط والرمث مثل الصمغ وهو حلو كالعسل ويؤكل وله ريح كريهة.

وكان النبي  يكره التفل فحرم لقولهما على نفسه العسل.

الثاني أنه ما أحل الله له من ملك اليمين.

وههنا روايتان: الأولى "أنه  خلا بمارية القبطية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمي عليّ وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي" ، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين.

الثانية أنه خلا بمارية في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية فقال عمر لابنته: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك.

فنزل جبريل  وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها لمن نسائك في الجنة.

قال جمع من العلماء: لم يثبت عن رسول الله  تحريم حلال بأن يقول: هو عليّ حرام ولكنه كان يميناً كقوله " والله لا أشرب العسل ولا أقرب الجارية بعد اليوم" فقيل له: لم تحرم أي لم تمتنع منه بسبب اليمين يعني أقدم على ما حلفت عليه وكفر عن يمينك ﴿ والله غفور ﴾ لك ﴿ رحيم ﴾ بك والدليل عليه ظاهر.

قوله ﴿ قد فرض الله لكم تحلة ﴾ بمعنى التحليل كالتكرمة ﴿ أيمانكم ﴾ أي شرع لكم تحليلها بالكفارة.

وقيل: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها وذلك أن يقول: إن شاء الله عقبها حتى لا يحنث.

والتحلة تفعلة بمعنى التحليل كالتكرمة بمعنى التكريم.

عن الحسن أنه  لم يكفر عن يمينه لأنه كان مغفوراً له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين.

وعن مقاتل أنه أعتق رقبة في تحريم مارية.

وما حكم تحريم الحلال؟

قال أبو حنيفة: هو يمين على الامتناع من الانتفاع المقصود، فلو حرم طعاماً فهو يمين على الامتناع من أكله، أو أمه فعلى الامتناع من وطئها، أو زوجة فمحمول على ما نوى، فإن نوى الظهار فظهار، أو الطلاق فطلاق بائن، وإن لم ينو شيئاً فعلى الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا فعلى ما نوى.

وعن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد أن الحرام يمين.

وقال الشافعي: هو في النساء من صرائح ألفاظ الطلاق.

وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي.

وعن علي رضي الله عنه: ثلاث.

وعن عثمان: ظهار.

وعن مسروق والشعبي أنه ليس بشيء فما لم يحرمه الله ليس لأحد أن يحرمه ﴿ والله مولاكم ﴾ متولي أموركم وقيل: أولى بكم من أنفسكم ونصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم ﴿ وهو العليم ﴾ بما يصلحكم ﴿ الحكيم ﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ إذا أسرّ النبي إلى بعض أزواجه ﴾ وهي حفصة ﴿ حديثاً ﴾ هو حديث مارية وإمامة الشيخين ﴿ فلما نبأت به ﴾ حفصة عائشة ﴿ وأظهره الله ﴾ على نبيه أي أطلعه على إفشائه على لسان جبريل.

وقيل: أظهر الله الحديث على النبي فيكون من الظهور ﴿ عرف بعضه ﴾ أعلم ببعض الحديث.

ومن قرأ بالتخفيف من العرفان فمعناه المجازاة من قولك للمسيء " لأعرفنّ لك ذلك" وكان جزاؤه تطليقه إياها.

وقيل: المعرف حديث الإمامة والمعرض عنه حديث مارية.

وإنما أعرض عن البعض تكرماً.

قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام.

وروي أنه قال لها: ألم أقل لك اكتمي عليّ؟

قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحاً بالكرامة التي خص الله بها أبي.

وإنما ترك المفعول ولم يقل " فلما نبأت به بعضهنّ وعرفها بعضه لأن ذلك ليس بمقصود وإنما الغرض ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به"، وأن رسول الله  بكرمه وحلمه لم يوجد منه إلا الإعلام بالبعض وهو حديث الإمامة.

ولما كان المقصود في قوله ﴿ من أنبأك هذا ﴾ ذكر المنبأ به أتى بالمفعولين جميعاً.

ثم وبخ عائشة وحفصة على طريقة الالتفات قائلاً ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴾ أي فقد وجد منكما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن إخلاص رسول الله  من حب ما يحبه وبغض ما يكرهه والأصل قلباكما.

ووجه الجمع ما مر في قوله ﴿ فاقطعوا أيديهما  ﴾ ﴿ وإن تظاهرا ﴾ أي تعاونا على ما يوجب غيظه فلم يعدم هو من يظاهره كيف والله ﴿ مولاه ﴾ أي ناصره ﴿ وجبريل ﴾ خاصة من بين الملائكة ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال أكثر العلماء: هو واحد في معنى الجمع لأنه أريد الجنس لشمول كل من آمن وعمل صالحاً.

وجوز أن يكون جمعاً وقد أسقط الواو في الخط لسقوطه في اللفظ.

عن سعيد بن جبير: هو كل من برىء من النفاق.

وقيل: الأنبياء والصحابة والخلفاء.

﴿ والملائكة ﴾ على كثرة جموعهم ﴿ بعد ذلك ﴾ الذي عرف من نصرة المذكورين ﴿ ظهير ﴾ فوج مظاهر له كأنهم يد واحدة فأي وزن لاتفاق امرأتين بعد تظاهر هؤلاء على ضد مطلوبهما.

ولا يخفى أن الكلام مسوق للمبالغة في الظاهر وإلا فكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً.

ثم وبخهما بنوع آخر وهو قوله ﴿ عسى ربه إن طلقكنّ ﴾ الآية.

والسائحات الصائمات كما في آخر التوبة.

قال جار الله: شبه الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره بالسائح الذي لا زاد معه فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد من يطعمه.

وقيل: السائحات المهاجرات فانظر في شؤم العصيان فإن أمهات المؤمنين وهنّ خير نساء العالمين يصير غيرهن بفرض عدم العصيان خيراً منهن بفرض العصيان وتطليق الرسول إياهن.

وقد عرفت في النظائر أن الواو في قوله ﴿ وأبكاراً ﴾ يقال لها " واو الثمانية " إلا أن للواو في هذا المقام فائدة أخرى وهي أن وصفي الثيابة والبكارة متنافيان لا يكون إلا أحدهما بخلاف الصفات المتقدمة فإنها ممكنة الاجتماع، فالمراد أن أولئك النساء جامعات للأوصاف المتقدمة ولأحد هذين.

ثم عمم التحذير فقال ﴿ قوا أنفسكم ﴾ وهو أمر من الوقاية في الحديث " "رحم الله رجلاً قال يا أهلاه صلاتكم وصيامكم وزكاتكم مسكينكم ويتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعهم معه في الجنة " وتفسير قوله ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ قد مر في أول " البقرة ".

وكونها معدّة للكافرين لا ينافي تعذيب المؤمنين الفسقة بها إن استحقوها.

وجوز أن يكون أمراً بالتوقي من الارتداد وأن يكون خطاباً للذين آمنوا بألسنتهم ﴿ عليها ملائكة ﴾ أي موكل على أهلها الزبانية التسعة عشر الموصوفون بالغلظة والشدة في الإجرام أو في الأفعال أو فيهما لأنه لا تأخذهم رأفة بمن عصى الله.

وقوله ﴿ ما أمرهم ﴾ نصب على البدل أي لا يعصون أمر الله.ولا يخفى أن عدم العصيان يستلزم امتثال الأمر فصرح بما عرف ضمناً قائلاً ﴿ ويفعلون ما يؤمرون ﴾ ويجوز أن يكون الأوّل عائداً إلى الماضي والثاني إلى المستقبل.

ثم وعظ المؤمنين بما يقال للكافرين عند دخولهم النار وهو قوله ﴿ لا تعتذروا ﴾ لأنه لا عذر لكم أو لا عذر مقبولاً لكم، وليس هذا من قبيل الظلم ولكنه جزاء أعمالهم.

ثم أرشد المؤمنين إلى طريق التوبة، ووصفت بالنصوح على الإسناد المجازي لأن النصح صفة التائبين وهو أن ينصحوا أنفسهم بالتوبة لا يكون فيها شوب رياء ولا نفاق.

وقيل: هو من نصاحة الثوب أي توبة ترفأ خروقك في دينك.

وقيل: خالصة عسل ناصح إذا خلص من الشمع.

وقيل: توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها.

و ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع ولئلا يتكلوا.

قوله ﴿ لا يخزي ﴾ تعريض لمن أخزاهم من أهل النار ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ كأنه استحمد المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم.

قوله ﴿ نورهم يسعى ﴾ قد مرّ في الحديد قوله ﴿ يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ﴾ أي قائلين ذلك إذا طفىء نور المنافقين خوفاً من زواله على عادة البشرية، أو لأن الإخلاص والنفاق من صفة الباطن لا يعرفه إلا الله  على أنه يجوز أن يدعو المؤمن بما هو حاصل له مثل اهدنا، ويجوز أن يدعو به من هو أدنى منزلة لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلاً لا مجازاة لانقطاع التكليف والعمل يومئذ.

ثم أمر نبيه  بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة أو بإقامة الحدود عليهم، وأمر باستعمال الغلظة والخشونة على الفريقين هذا عذابهم في الدنيا ولهم في الآخرة جهنم وقد سبق نظير الآية في " التوبة ".

ثم ضرب مثلاً لأهل الكفر امرأة نوح واسمها قيل واعلة وامرأة لوط.

واسمها قيل واهلة ومثلاً لأهل الإيمان امرأة فرعون واسمها آسية وهي عمة موسى ومريم ابنة عمران.

وفي ضمن التمثيلين تعريض بما مرّ في أول السورة من حال عائشة وحفصة وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين لا الكافرتين اللتين حين خانتا زوجيهما لم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئاً، وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة ﴿ ادخلا النار مع ﴾ سائر ﴿ الداخلين ﴾ الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء من قوم نوح وقوم لوط أو من كل قوم.

وفي قوله ﴿ عبدين من عبادنا ﴾ إشارة إلى أن سبب المزية والرجحان عند الله ليس إلا الصلاح كائناً من كان.

وخيانة المرأتين ليست هي الفجور وإنما هي نفاقهما وإبطانهما الكفر وتظاهرهما على الرسولين.

فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه.

قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط.

عن أبى هريرة أن آسية حين آمنت بموسى  وتدها فرعون باربعة أوتاد واستقبل بها الشمس وأضجعها على ظهرها ووضع الرحى على صدرها.

قال الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتنعم فيها.

وقيل: لما ﴿ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ بنى من درّة.

ومعنى ﴿ عندك بيتاً في الجنة ﴾ أنها طلبت القرب من الله والبعد عن عدوّه في مقام القرب، أو أرادت أعلى موضع في الجنة.

وقولها ﴿ من فرعون وعمله ﴾ كقولك " أعجبني زيد وكرمه " وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله من الأشرار دأب الصالحين.

والضمير في ﴿ فيه ﴾ للفرج.

وقيل: هو جيب الدرع وقد مرّ في " الأنبياء".

وكلمات الله صحف إبراهيم وغيره أو جميع ما كلم الله به وكتبه اللوح أو الكتب الأربعة ومن وحد فهو الإنجيل.

وقرىء ﴿ بكلمة الله ﴾ أي بعيسى ﴿ وكانت من القانتين ﴾ من باب التغليب كما مرّ في قوله ﴿ واركعي مع الراكعين  ﴾ وقيل: " من " للابتداء أي ولدت منهم لأنهم من أعقاب هارون  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ ﴾ .

فجائز أن هذا المثل لمكان الكفرة الذين لهم برسول الله  اتصال من حرمة القرابة، فكانوا يطمعون منه الشفاعة في الآخرة إن كان الأمر على ما ذكره النبي  لهم؛ لأنهم عرفوه بالشفقة والرحمة على الخلق جملة، فكيف يدع شفقته ورحمته على قرابته وهو يراهم يترددون في الهلاك؟!

فبين لهم شأن امرأة نوح وامرأة لوط وما كان بينهما وبين نوح ولوط - عليهما السلام - من الاتصال؛ لئلا يغزوا باتصالهم بالنبي  .

وجائز أن يكون هذا في بدء الإسلام، في الوقت الذي يتفرد الآباء بالإسلام دون الأبناء، والأبناء دون الآباء؛ فيكون المثل لمكان أولئك الذين التزموا وداوموا عليه، ولم يتبعوا آباءهم وأبناءهم فيقول: لا ينفع من دام على الكفر إسلام من أسلم منهم، وإن كان بينهما قرب من جهة الأبوة والبنوة؛ لأن رحمة الإنسان وشفقته على زوجته أكثر من شفقته على من ذكرنا، وكذلك الاتصال، فإذا لم ينفعهما إسلام زوجيهما، فكذلك لا ينفع أولئك الذين داموا على الكفر إسلام من أسلم من آبائهم وأبنائهم.

وجائز أن يكون هذا المثل؛ لمكان أهل النفاق فيما أظهروا موافقة المؤمنين، وأسروا الخلاف لهم، فيخبر أنه لا ينفعهم إظهار موافقتهم في الدين إذا كانوا على خلافه في التحقيق؛ كما لم ينفع زوجتي نوح ولوط - عليهما السلام - إظهار الموافقة منهما لزوجيهما إذا كانتا على خلافهما في السر، والله أعلم.

قال أبو بكر الأصم: في هذه الآية دلالة أن صلاح الصالح لا ينفع للطالح؛ كما لم ينفع صلاح نوح ولوط - عليهما السلام - للزوجين إذا كانتا في أنفسهما فاسدتين، وأراد بهذا نفي الشفاعة لأهل الكبائر.

وليس كما ذكر؛ لأن هذا المثل ضرب للكافرين لا للعصاة؛ إذ لم يقل: "ضرب الله مثلا للذين عصوا"، فليس له تعلق في هذه الآية.

ثم قد نجد صلاح الصالح في الشاهد ينفع الطالح وإن لم ينفع الكافر؛ لأن المرء قد يكون له زوجة طالحة تمتنع عن كثير من الشرور؛ لمكان زوجها إذا كان زوجها من أهل الصلاح والبر؛ وكذلك الولد ينفعه صلاح والديه في الدنيا؛ إذ بخشيتهما ينتهي عن كثير من المناهي لصلاحهما، فقد نفعه صلاح والديه ونفعها صلاح زوجها، فجائز أن ينفع الطالح أيضاً في الآخرة صلاح الصالحين، وأما الكافر فهو لم يمتنع عن الخلاف لمكان أبويه ولا لمكان أحد من الخلق؛ فلم ينفعه إسلام أبويه ولا صلاحهما في الدنيا فكذلك لا ينفعه في الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ ﴾ .

أي: فخانتاهما في الدين.

ومنهم من يذكر أن خيانة امرأة نوح هي أن أخبرت قومه بجنون زوجها، وكانت خيانة امرأة لوط هي أن أخبرت قوم لوط بشأن أضيافه.

ولكن إن كان هذا صحيحا، فهو يرجع إلى الأول؛ لأن الذي حمل كل واحدة منهما على الإخبار بما أخبرت موافقَتُهَا أولئك القوم وخلافها لزوجها في الدين، ولا يجوز أن نشهد بهذا إلا بتواتر جاء.

وذكر بعضهم: أنهما زنيا، فخيانتهما زناهما، وهذا غير ثابت؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - عصموا عما يوجب عليهم العار والشنار، والزوج يعير بزنى زوجته وفراشه، وفيه توهم التهمة في أولادهم؛ فدل أن هذا التأويل غير صحيح، وحاجتنا إلى وجود الخيانة منهما دون التفسير، ولا يجب أن نشهد بهذا إلا بتواتر جاء مزيداً في الحجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ﴾ .

وجه ضرب المثل بها هو أن يعلم المقهور تحت أيدي الكفرة أن لا عذر له في التخلف عن الإيمان بالله  ؛ إذ كانت امرأة فرعون مقهورة تحت يديه، وكانت بين ظهراني الظلمة، ولم يمنعها ذلك عن الإيمان بالله -  - وعن التصديق [برسوله موسى] -  -.

والثاني: أنها لم تشاهد من زوجها ومن القوم الذين بين ظهرانيهم سوى الكفر بالله  ، ثم الله  بلطفه ألهمها الإيمان به فآمنت، وكانت امرأة نوح -  - تحت نوح ولم تشاهد منه سوى الطاعة والعبادة لربه - جل وعلا - ثم لم ينفعها إيمانه وعبادته؛ ليعلم أنه لا ينفع أحدا إسلام أحد، ولا يضر أحدا كفر غيره، وإنما يصير مؤمنا بفعل نفسه كافرا بفعل نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ ﴾ .

وهي لم ترد بقولها: ﴿ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً ﴾ بقيام الوجه الذي عرفت بناء زوجها وغيره من الخلائق، وإنما أرادت بقولها: ﴿ ٱبْنِ لِي ﴾ ، أي اخلق لي بيتا في الجنة ولذلك لم يفهم أحد من قوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ ما فهم الخلق من النفخ في الأشياء، وإنما فهموا به الخلق والإنشاء، فما بال المشبهة فهموا من قوله  : ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ، ومن قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ ما فهموا من الاستواء المضاف إلى الخلق لولا ضعف اعتقادهم وجهلهم بصانعهم في التحقيق.

ثم الأصل أن ينظر في الأسماء التي هي أسماء الأفعال المشتركة فيما بين الخلق إذا أضيف شيء منها إلى الله  ، فنعرضها على الأسماء التي هي أسماء الأفعال المخصوصة لله  ، فما أريد بالاسم المخصوص من ذلك، فذلك المعنى هو المراد بالاسم المشترك؛ فالاسم المخصوص لفعل الله  هو الخلق، إذ لا أحد من الخلائق يسمي أحدا من الخلائق: خالقاً، فيفهم بقوله ﴿ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ ﴾ أي: اخلق لي، ويفهم بقوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ الخلق والإنشاء، والذي يبين أن الأسماء [المشتركة يجب عرضها على الأسماء] المخصوصة ويفهم بها ما يفهم بالأخرى قوله  : ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ ومعناه: هو الذي خلق سيركم في البر والبحر، وقال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ  ﴾ ، يعني: هو الذي يخلق الموت والحياة، وقال: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ  ﴾ أي: يخلق الضلال ﴿ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ  ﴾ ، أي: يخلق هدايته، ومن حمل الأمر على ما ذكرنا سلم من الشبه كلها ووسواس الشيطان، وسلم من التشبيه، والله الموفق.

وفي هذا دلالة إيمانها بالبعث [والحساب.

ثم] من الجائز أن تكون وصلت إلى علم البعث والحساب بالتلقين، أو بنظرها وتفكرها في الحجج والبراهين.

وذكر أهل التفسير أنها قالت ذلك عندما عذبها فرعون، واختلفوا في صفة العذاب من أوجه، وحق مثله الإمساك عنه، وألا تشتغل بتفسيرها؛ لما يتوهم من قوع زيادة فيها أو نقصان على القدر الذي بين في الكتب المتقدمة، وهذه الأنباء جعلت حججا لرسالة نبينا -  - على أهل الكتاب لما وجدوها موافقة للأنباء التي ذكرت في كتبهم، وإذا وقع فيها زيادة أو نقصان وجدوا فيه موضع الطعن في رسالته؛ فلهذا المعنى ما يجب ترك الخوض فيها والإعراض عن ذكرها.

[وذكر عن الحسن وغيره] أنه قال: ما من مؤمن ولا كافر إلا وبُني له بيت في الجنة، فإن مات على الإسلام سكن البيت، وإن قبض كافرا ورثه غيره.

وهذا لا يحتمل؛ لأن الله -  - إذا علم أنه يموت على الكفر فهو يبني له ذلك البيت كي لا يسكنه، ومن بنى لنفسه في الشاهد وهو يعلم أنه لا يسكنه، صار عابثا في فعله، وجل الله  عن أن يوصف بالعبث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

أي: نجني من شر فرعون وجوره، ومن عمله أي: من كفره؛ فيكون قولها: ﴿ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ ﴾ راجعا إلى نفسه، والآخر راجعا إلى عمله، ﴿ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ﴾ راجعا إلى قومه، فسألت النجاة عنهم جملة، لما كانوا يمنعونها عن عبادة الله  ، فكانت تخاف ناحيتهم، ولا تأمن وتخاف منهم، فسألت النجاة منهم؛ لتصل إلى عبادة ربها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ﴾ .

فأخبر عنها بإحصانها فرجها، وذلك بالأسباب، وهي ما اتخذت بين نفسها وبين الناس حجابا؛ لئلا يقع بصر الناس عليها، ولا يقع بصرها عليهم لتصل به إلى تحصين فرجها؛ قال الله  : ﴿ قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ  ﴾ ، وهم إذا غضوا الأبصار، وصلوا إلى حفظ الفروج؛ ففي الحجاب غض البصر، وفي غض البصر وصول إلى حفظ الفرج وإحصانه، وقال في آية أخرى: ﴿ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ  ﴾ ، وتطهيره إياها في أن طهرها من الفواحش والزنى، فأضاف الإحصان إليها في الآية الأولى، وأضاف التطهير هاهنا إلى نفسه، فوجه إضافة الإحسان إليها ما ذكرنا: أنها تكلفت الأسباب التي هي أسباب الموانع للزنى، الدواعي إلى الإحصان، وأضاف إلى نفسه التطهير؛ لأن وقوع ذلك وحصوله كائن به، ففيه دلالة أن كل فعل من أفعال العباد لا يخلو من أن يكون لله -  - فيه صنع وتدبير.

وقوله -  -: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ .

أي: خلقنا فيه ما به تحيا الصور والأبدان.

وقوله: ﴿ فِيهِ ﴾ ، أي: في عيسى، وقال في آية أخرى: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهَا  ﴾ أي: في نفس عيسى -  - والنفس مؤنث.

ثم تشبيهه بالنفخ: أن الروح إذا خلق فيه انتشر في الجسد كالريح إذا نفخت في شيء انتشرت فيه.

أو التشبيه بالنفخ لسرعة دخوله فيما نفخ فيه كالريح، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا ﴾ .

فجائز أن يكون الكلمات هي التي بشرت بها مريم من قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ  ﴾ ، فصدقت بجملتها أنها من عند الله، لا شيء ألقى إليها الشيطان.

أو ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا ﴾ أي: بحجج ربها وبراهينه؛ لقوله: ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ  ﴾ ، أي: بحججه: وأدلته.

ثم تكون الحجج حجج البعث أو حجج الرسالة أو الوحدانية، أو يكون قوله: ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا ﴾ ، أي: بالكلمات التي يستعاذ بها من الشرور، فصدقت أنها تعيذ من تعوذ بها، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ ، وقرئ ﴿ وكتابه ﴾ .

وفي تصديقها بالكتاب تصديق منها بالكتب؛ لأن من آمن بكتاب من كتب الله  ، فقد آمن بسائر كتبه؛ لأنها يوافق بعضها بعضاً، ومن آمن بكتبه فقد آمن بكل كتاب له على الإشارة إليه؛ فثبت أن في الإيمان بكتاب إيماناً بسائر الكتب، فكل واحدة من القراءتين تقتضي معنى القراءة الأخرى؛ فإن قوله: ﴿ بكتابه ﴾ أي: بالإنجيل، وقوله ﴿ بكتبه ﴾ أي: بالإنجيل وسائر الكتب المتقدمة المنزلة من عند الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ ﴾ .

قيل: من المصلين؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿ يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ  ﴾ وإذا وصف الصلاة، فالتزمت هذا الأمر؛ فصارت من القانتين.

وقيل: أي: من المطيعين لربها، والله أعلم بالصواب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وضرب الله مثلًا للذين آمنوا بالله وبرسله، بحال مريم ابنة عمران التي حفظت فرجها من الزنى، فأمر الله جبريل أن ينفخ فيه، فحملت بقدرة الله بعيسى بن مريم من غير أب، وصدّقت بشرائع الله، وبكتبه المنزلة على رسله، وكانت من المطيعين لله بامتثال أوامره والكفّ عن نواهيه.

من فوائد الآيات التوبة النصوح سبب لكل خير.

في اقتران جهاد العلم والحجة وجهاد السيف دلالة على أهميتهما وأنه لا غنى عن أحدهما.

القرابة بسبب أو نسب لا تنفع صاحبها يوم القيامة إذا فرّق بينهما الدين.

العفاف والبعد عن الريبة من صفات المؤمنات الصالحات.

مزيد من التفاسير لسورة التحريم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده