الآية ٣١ من سورة النبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 78 النبأ > الآية ٣١ من سورة النبأ

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة النبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة النبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن السعداء وما أعد لهم تعالى من الكرامة والنعيم المقيم فقال تعالى "إن للمتقين مفازا" قال ابن عباس والضحاك متنزها وقال مجاهد وقتادة: فازوا فنجوا من النار الأظهر هنا قول ابن عباس.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) يقول: إن للمتقين مَنجَى من النار إلى الجنة، ومخلصا منها لهم إليها، وظفرا بما طلبوا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا) قال: فازوا بأن نَجَوا من النار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا) إي والله مفازا من النار إلى الجنة، ومن عذاب الله إلى رحمته.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا) قال: مفازا من النار إلى الجنة.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاومة، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا) يقول: مُنْتَزَها (1) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ذكر جزاء من اتقى مخالفة أمر الله " مفازا " موضع فوز ونجاة وخلاص مما فيه أهل النار .ولذلك قيل للفلاة إذا قل ماؤها : مفازة , تفاؤلا بالخلاص منها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر حال المجرمين ذكر مآل المتقين فقال: { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا } أي: الذين اتقوا سخط ربهم، بالتمسك بطاعته، والانكفاف عما يكرهه فلهم مفاز ومنجي، وبعد عن النار.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل: "إن للمتقين مفازاً"، فوزاً ونجاةً من النار، وقال الضحاك: متنزهاً.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن للمتقين مفازا» مكان فوز في الجنة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن للذين يخافون ربهم ويعملون صالحًا، فوزًا بدخولهم الجنة.

إن لهم بساتين عظيمة وأعنابًا، ولهم زوجات حديثات السن، نواهد مستويات في سن واحدة، ولهم كأس مملوءة خمرًا.

لا يسمعون في هذه الجنة باطلا من القول، ولا يكذب بعضهم بعضًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وكعادة القرآن الكريم فى الموازنة بين عاقبة الأشرار والأخيار ، جاء الحديث عن حسن عاقبة المتقين ، بعد الحديث عن سوء عاقبة الطاغين فقال - تعالى - : ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ) أى : للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضى ربهم .

.

( مَفَازاً ) أى : فوزاً برضوانه وجنته فقوله ( مَفَازاً ) مصدر بمعنى الفوز والظفر بالمطلوب ، وتنوينه للتعظيم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما المتقي فقد تقدم تفسيره في مواضع كثيرة ﴿ ومفازاً ﴾ يحتمل أن يكون مصدراً بمعنى فوزاً وظفراً بالبغية، ويحتمل أن يكون موضع فوز والفوز يحتمل أن يكون المراد منه فوزاً بالمطلوب، وأن يكون المراد منه فوزاً بالنجاة من العذاب، وأن يكون المراد مجموع الأمرين، وعندي أن تفسيره بالفوز بالمطلوب أولى من تفسيره بالفوز بالنجاة من العذاب، ومن تفسيره بالفوز بمجموع الأمرين أعني النجاة من الهلاك والوصول إلى المطلوب، وذلك لأنه تعالى فسر المفاز بما بعده وهو قوله: ﴿ حَدَائِقَ وأعنابا  ﴾ فوجب أن يكون المراد من المفاز هذا القدر.

فإن قيل الخلاص من الهلاك أهم من حصول اللذة، فلم أهمل الأهم وذكر غير الأهم؟

قلنا: لأن الخلاص من الهلاك لا يستلزم الفوز باللذة والخير، أما الفوز باللذة والخير فيستلزم الخلاص من الهلاك، فكان ذكر هذا أولى.

وثانيها: قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَفَازاً ﴾ فوزاً وظفراً بالبغية.

أو موضع فوز.

وقيل: نجاة مما فيه أولئك.

أو موضع نجاة.

وفسر المفاز بما بعده.

والحدائق: البساتين فيها أنواع الشجر المثمر.

والأعناب: الكروم.

والكواعب: اللاتي فلكت ثديهن، وهن النواهد.

والأتراب.

اللدات: والدهاق: المترعة.

وأدهق الحوض: ملأه حتى قال قطنى.

وقرئ ﴿ ولا كذاباً ﴾ بالتشديد والتخفيف، أي: لا يكذب بعضه بعضاً ولا يكذبه.

أو لا يكاذبه.

وعن علي رضي الله عنه أنه قرأ بتخفيف الاثنين ﴿ جَزَآءً ﴾ مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله: ﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً (31) ﴾ كأنه قال: جازى المتقين بمفاز.

و ﴿ عَطَآءً ﴾ نصب بحزاء نصب المفعول به.

أي: جزاهم عطاء.

و ﴿ حِسَاباً ﴾ صفة بمعنى: كافياً.

من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال حسبي.

وقيل: على حسب أعمالهم.

وقرأ ابن قطيب ﴿ حساباً ﴾ بالتشديد، على أنّ الحساب بمعنى المحسب، كالدرّاك بمعنى المدرك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا ﴾ فَوْزًا أوْ مَوْضِعَ فَوْزٍ.

﴿ حَدائِقَ وأعْنابًا ﴾ بَساتِينَ فِيها أنْواعُ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ بَدَلٌ مِن مَفازًا بَدَلُ الِاشْتِمالِ أوِ البَعْضِ.

﴿ وَكَواعِبَ ﴾ نِساءً فَلِكَتْ ثَدْيُهُنَّ ﴿ أتْرابًا ﴾ لِداتٍ.

﴿ وَكَأْسًا دِهاقًا ﴾ مَلَآنًا وأدْهَقَ الحَوْضَ مَلَأهُ.

﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ أيْ كَذِبًا أوْ مُكاذَبَةً، إذْ لا يَكْذِبُ بَعْضُهم بَعْضًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} مفعل من الفوز يصلح مصدراً أي نجاة من كل مكروه وظفراً بكل محبوب ويصلح للمكان وهو الجنة ثم أبدل مه بدل البعض من الكل فقال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَحاسِنَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ إثْرَ بَيانِ سُوءِ أحْوالِ الكافِرِينَ و ﴿ مَفازًا ﴾ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوِ اسْمُ مَكانٍ، أيْ: إنَّ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ عَمَلَ الكُفْرِ فَوْزًا وظَفَرًا بِمَساعِيهِمْ أوْ مَوْضِعَ فَوْزٍ، وقِيلَ: نَجاةً مِمّا فِيهِ أُولَئِكَ أوْ مَوْضِعَ نَجاةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: لاَّ يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً يعني: لا يكون فيها برد يمنعهم من حرها.

وقال القتبي: البرد النوم.

وقال الزجاج: يجوز أن يكون البرد نوماً، ويجوز أن يكون معناه: لا يذوقون فيها برد ريح، ولا ظل وَلا شَراباً يعني: شراباً ينفعهم إِلَّا حَمِيماً يعني: ماءً حاراً قد انتهى حره وَغَسَّاقاً يعني: زمهريراً.

وقال الزجاج: الغساق ما يغسق من جلودهم، أي: ما يسيل وقد قيل الشديد البرد.

قرأ حمزة، والكسائي وعاصم في رواية حفص، وغساقاً بالتشديد.

والباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد.

ثم قال: جَزاءً وِفاقاً يعني: العقوبة موافقة لأعمالهم، لأن أعظم الذنوب الشرك نعوذ بالله، وأعظم العذاب النار، ووافق الجزاء العمل.

ثم قال: إِنَّهُمْ كانُوا لاَ يَرْجُونَ حِساباً يعني: لا يخافون البعث بعد الموت.

ويقال: كانوا لا يرجون ثواب الآخرة، أنهم كانوا ينكرون البعث.

قوله تعالى: وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً يعني: جحدوا بمحمد  ، وبالقرآن كذاباً يعني: تكذيباً وجحوداً.

ثم قال: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً يعني: أثبتناه في اللوح المحفوظ فَذُوقُوا يعني: يقال لهم: فذوقوا العذاب فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً.

ثم بين حال المؤمنين فقال عز وجل: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً يعني: نجاة من النار إلى الجنة.

ويقال: المفاز بمعنى الفوز.

يعني: موضع النجاة حَدائِقَ وَأَعْناباً يعني: لهم حدائق في الجنة، والحدائق ما أحيط بالجدار، وفيه من النخيل والثمار، وأعناباً يعني: كروماً وَكَواعِبَ أَتْراباً والكواعب، الجواري مفلكات الثديين أَتْراباً مستويات في الميلاد والسن.

وقال أهل اللغة: الكواعب النساء، قد كعب ثديهن وَكَأْساً دِهاقاً كل إناء فيه شراب فهو كأس، فإذا لم يكن فيه شراب فليس بكأس، كما يقال للمائدة إذا كان عليها طعام مائدة، وإذا لم يكن فيها طعام خوان يقال دِهاقاً يعني: سائغاً.

وقال الكلبي: وَكَأْساً دِهاقاً يعني: إناء فيه خمر ملآن متتابعاً.

وهذا قول عطية وسعيد، والعباس بن عبد المطلب، -  م-، ومجاهد، وإبراهيم النخعي.

لاَّ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً يعني: حلفاً وباطلاً.

ويقال: ولا يسمعون في مشربها فحشاً خبثا وَلا كِذَّاباً يعني: تكذيباً في شربها.

يعني: لا يكذبون فيها.

قرأ الكسائي كذاباً بالتخفيف، يعني: لا يكذب بعضهم بعضاً.

وقرأ الباقون بالتشديد فهو من التكذيب ثم قال: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ يعني: ثواباً من ربك عَطاءً حِساباً يعني: كثيراً وقال مجاهد: عطاء من الله، حساباً بما عملوا.

وقال أهل اللغة: حساباً أي: كثيراً.

كما يقال: أعطينا فلاناً عطاء حساباً، أي: كثيراً.

وأصله أن يعطيه حتى يقول حسبي.

وقال الزجاج: حساباً.

أي: ما يكفيهم، يعني: فيه ما يشتهون.

ثم قال: رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خالق السموات والأرض.

قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو، رب السموات والأرض بضم الباء والباقون بالكسر فمن قرأ بالضم فمعناه هو رب السموات والأرض ومن قرأ بالكسر فهو على معنى الصفة أي: جزاء من ربك رب السموات والأرض وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ يعني: الرحمن هو رب السموات والأرض لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً يعني: لا يملكون الكلام بالشفاعة، إلا بإذنه يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ قال الضحاك: هو جبريل.

وقال قتادة عن ابن عباس، وخلق على صورة بني آدم.

ويقال: هو خلق واحد، يقوم صفاً واحداً وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا يعني: صفوفاً.

ويقال: الروح لا يعلمه إلا الله، كما قال قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: 85] .

ثم قال عز وجل: لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ يعني: لا يتكلمون بالشفاعة، إلا من أذن له الرحمن بالشفاعة وَقالَ صَواباً يعني: لا إله إِلاَّ الله يعني: من كان معه من التوحيد، وهو من أهل الشفاعة.

ثم قال عز وجل: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ يعني: القيامة كائنة فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ يعني: من شاء وجد واتخذ بذلك التوحيد إِلى رَبِّهِ مَآباً يعني: مرجعاً.

ويقال: من شاء اتخذ بالطاعة إلى ربه مرجعاً.

ثم خوفهم فقال: نَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يعني: خوفناكم بعذاب قريب، وهو يوم القيامة.

ثم خوف المؤمنين، ووصف ذلك اليوم وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ يعني: ما عملوا من الخير والشر يعني: ينظر المؤمن إلى عمله، وينظر الكافر إلى عمله يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً يعني: لو كنت بهماً منها فأكون تراباً، أستوي بالأرض.

وذلك، إن الله تعالى يقول للسباع والبهائم، كوني تراباً فعند ذلك، يتمنى الكافرا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً.

وروى عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة-  -، أنه قال: إن الله يحشر البهائم والدواب والناس، ثم يقتص لبعضهم من بعض، حتى يقتص للشاة.

الجماء من الشاة القرناء.

ثم إن الله تعالى يقول لها: كوني تراباً، فيراها الكافر ويتمنى أن يكون مثلها تراباً.

ويقول: الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً يعني: يا ليتني لم أبعث كقوله: يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ [الحاقة: 25] إلى قوله: يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ [الحاقة: 27] والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الجهير، وذبح الهدي، وأَلْفافاً أي: ملتفّة الأغصان والأوراق، ويَوْمَ الْفَصْلِ هُو يوم القيامةِ، والأفواجُ: الجماعاتُ، يتلو بعضُها بعضاً، «وفُتِحَتِ السماء» بتشديد التَّاء قراءةُ نافعٍ وأبي عمرٍو وابن كثير وابن عامر، والباقون دون تشديد «١» .

وقوله تعالى: فَكانَتْ أَبْواباً قيل معناه: تَتَشَقَّقُ حتَى يكونَ فيها فُتُوحٌ كالأَبوابِ في الجدرات، وقيل: إنها تتقطعُ السماء قِطَعاً صغاراً حتى تكونَ كألواح الأَبواب، والقولُ الأول أحسَنُ، وقد قال بعض أهل العلم: تَنْفَتِح في السماء أبواب للملائِكَةِ من حيثُ ينزلونَ ويصعَدون.

وقوله تعالى: فَكانَتْ سَراباً عبارةٌ عن تلاشيها بعد كونها هباء منبثّا، ومِرْصاداً: مَوْضع الرصدِ، وقيل: مِرْصاداً بمعنى رَاصِدٍ، والأحقاب: جمع حُقُبٍ وهي المدةُ الطويلةُ من الدهر غيرَ محدودة، وقال ابن عباس وابن عمر الحُقْبُ: ثمانونَ سنةٍ «٢» .

وقال أبو أمامة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه ثلاثون ألفَ سَنَة، وقد أكثر الناسُ في هذا، واللازمُ أنّ اللَّه تعالى أخبرَ عن الكفارِ أنهم يلبثُونَ أحْقَاباً، كلما مَرَّ حُقْبٌ جَاءَ غيره إلى غير نهاية، نجانا اللَّه من سَخَطِه، قال الحسنُ: ليسَ للأحْقَابِ عدّة إلا الخلود في النار «٣» .

وقوله سبحانه: لاَّ يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً ...

الآية، قال الجمهورُ: البَرْدُ في الآية مَسُّ الهَوَاءِ البَاردِ، أي: لا يمسُّهم منه مَا يُسْتَلَذُّ، وقال أبو عبيدة وغيره: البردُ في الآية النوم «٤» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ النَّبَإ وَيُقالُ لَها: سُورَةُ التَّساؤُلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ أصْلُهُ " عَنْ ما " فَأُدْغِمَتِ النُّونُ في المِيمِ، وحُذِفَتْ ألِفُ " ما " كَقَوْلِهِمْ: فِيمَ، وبِمَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ  جَعَلَ المُشْرِكُونَ يَتَساءَلُونَ بَيْنَهُمْ، فَيَقُولُونَ: ما الَّذِي أتى بِهِ؟

ويَتَجادَلُونَ، ويَخْتَصِمُونَ فِيما بُعِثَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

واللَّفْظُ لَفْظُ اسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: تَفْخِيمُ القِصَّةِ، كَما يَقُولُونَ: أيُّ شَيْءٍ زَيْدٌ؟

إذا أرَدْتَ تَعْظِيمَ شَأْنِهِ.

ثُمَّ بَيَّنَ ما الَّذِي يَتَساءَلُونَ عَنْهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ يَعْنِي: عَنِ الخَبَرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ.

وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.

قالَ الفَرّاءُ: فَلَمّا أجابَ صارَتْ " عَمَّ " كَأنَّها في مَعْنى: لِأيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ القُرْآنِ.

والثّانِي: البَعْثُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أمْرُ النَّبِيِّ  ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ مَن قالَ: إنَّهُ القُرْآنُ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو شِعْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وكَذَلِكَ مَن قالَ: هو أمْرُ النَّبِيِّ  ، فَأمّا مَن قالَ: إنَّهُ البَعْثُ والقِيامَةُ، فَفي اخْتِلافِهِمْ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَمّا سَمِعُوا بِهِ، فَمِنهم مَن صَدَّقَ وآمَنَ، ومِنهم مَن كَذَّبَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَصَدَّقَ بِهِ المُسْلِمُونَ، وكَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: هي رَدْعٌ وزَجْرٌ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: هي نَفْيٌ لِاخْتِلافِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا ﴿ سَيَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ حِينَ يَنْكَشِفُ الأمْرُ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ وعِيدٌ عَلى إثْرِ وعِيدٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " سَتَعْلَمُونَ " في الحَرْفَيْنِ بِالتّاءِ.

ثُمَّ ذَكَرَ صُنْعَهُ لِيَعْرِفُوا تَوْحِيدَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا ﴾ أيْ: فِراشًا وبِساطًا ﴿ والجِبالَ أوْتادًا ﴾ لِلْأرْضِ لِئَلّا تَمِيدَ ﴿ وَخَلَقْناكم أزْواجًا ﴾ أيْ: أصْنافًا، وأضْدادًا، ذُكُورًا، وإناثًا، سُودًا، وبِيضًا، وحُمْرًا.

﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: راحَةٌ لِأبْدانِكم.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [الفُرْقانِ: ٤٧] وشَرَحْنا هُناكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ أيْ: سَبَبًا لِمَعاشِكم.

والمَعاشُ: العَيْشُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُعاشُ بِهِ، فَهو مَعاشٌ.

والمَعْنى: جَعَلْنا النَّهارَ مَطْلَبًا لِلْمَعاشِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعاشًا، أيْ: عَيْشًا، وهو مَصْدَرٌ ﴿ وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هي السَّمَواتُ، غِلْظُ كُلِّ سَماءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ مِثْلُ ذَلِكَ، وهي فَوْقَكم يا بَنِي آدَمَ.

فاحْذَرُوا أنْ تَعْصُوا فَتَخِرَّ عَلَيْكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا ﴾ يَعْنِي: الشَّمْسَ ﴿ وَهّاجًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُضِيءُ.

وقالَ اللُّغَوِيُّونَ: الوَهّاجُ: الوَقّادُ.

وقِيلَ: الوَهّاجُ يَجْمَعُ النُّورَ والحَرارَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها السَّمَواتُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّها الرِّياحُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: هي الجَنُوبَ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ " مِن " بِمَعْنى " الباءِ " فَتَقْدِيرُهُ: بِالمُعْصِراتِ.

وإنَّما قِيلَ لِلرِّياحِ: مُعْصِراتٌ، لِأنَّها تَسْتَدِرُّ المَطَرَ.

والثّالِثُ: أنَّها السَّحابُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ.

والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ.

قالَ الفَرّاءُ: السَّحابَةُ المُعْصِرُ: الَّتِي تَتَحَلَّبُ بِالمَطَرِ ولَمّا يَجْتَمِعْ، مِثْلُ الجارِيَةِ المُعْصِرِ، قَدْ كادَتْ تَحِيضُ، ولَمّا تَحِضْ.

وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: شُبِّهَتِ السَّحابُ بِمَعاصِيرِ الجَوارِي، والمُعْصِرُ: الجارِيَةُ الَّتِي قَدْ دَنَتْ مِنَ الحَيْضِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ لِلسَّحابِ: مُعْصِراتٌ، كَما قِيلَ: أجَزَّ الزَّرْعُ، فَهو مُجَزٌّ، أيْ: صارَ إلى أنْ يُجَزَّ، فَكَذَلِكَ السَّحابُ إذا صارَ إلى أنْ يُمْطِرَ، فَقَدْ أعْصَرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماءً ثَجّاجًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: مَطَرًا كَثِيرًا مُنْصَبًّا يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

وقالَ غَيْرُهُ: يُقالُ: ثَجَّ الماءُ يَثُجُّ: إذا انْصَبَّ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الماءِ ﴿ حَبًّا ونَباتًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الحَبَّ: ما يَأْكُلُهُ النّاسُ، والنَّباتَ: ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما حُصِدَ حَبٌّ، وكُلُّ ما أكَلَتْهُ الماشِيَةُ مِنَ الكَلَإ، فَهو نَباتٌ.

والثّانِي: أنَّ الحَبَّ: اللُّؤْلُؤُ، والنَّباتُ: العُشْبُ.

قالَ عِكْرِمَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ قَطْرًا، إلّا أنْبَتَ بِهِ في البَحْرِ لُؤْلُؤًا، وفي الأرْضِ عُشْبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَنّاتٍ ﴾ يَعْنِي: بَساتِينَ ﴿ ألْفافًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: مُلْتَفَّةٌ مِنَ الشَّجَرِ لَيْسَ بَيْنَها خِلالٌ، الواحِدَةُ: لَفّاءٌ، وجَنّاتٌ لُفٌّ، وجَمْعُ الجَمْعِ: ألْفافٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَدَلَّ بِذِكْرِ المَخْلُوقاتِ عَلى البَعْثِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ ﴾ أيْ: يَوْمَ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ ﴿ كانَ مِيقاتًا ﴾ لِما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.

﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ ﴾ مِن قُبُورِكم ﴿ أفْواجًا ﴾ أيْ: زُمَرًا زُمَرًا مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿ وَفُتِحَتِ السَّماءُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " وفُتِّحَتْ " بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ، وإنَّما تُفْتَحُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ ﴿ فَكانَتْ أبْوابًا ﴾ أيْ: ذاتُ أبْوابٍ ﴿ وَسُيِّرَتِ الجِبالُ ﴾ عَنْ أماكِنِها ﴿ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ أيْ: كالسَّرابِ، لِأنَّها تَصِيرُ هَباءً مُنْبَثًّا فَيَراها النّاظِرُ كالسَّرابِ بَعْدَ شِدَّتِها وصَلابَتِها ﴿ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: مِرْصادًا يَرْصُدُونَ بِهِ، أيْ: هو مُعَدٌّ لَهم يَرْصُدُ بِها خَزَنَتُها الكُفّارَ.

وقالَ الأزْهَرِيُّ: المِرْصادُ: المَكانُ الَّذِي يَرْصُدُ فِيهِ الرّاصِدُ العَدُوَّ.

ثُمَّ بَيَّنَ لِمَن هي مِرْصادٌ فَقالَ تَعالى: ﴿ لِلطّاغِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِلْمُشْرِكِينَ ﴿ مَآبًا ﴾ أيْ: مَرْجِعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لابِثِينَ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ " لَبِثِينَ " والمَعْنى: فِيهِما واحِدٌ.

يُقالُ: هو لابِثٌ بِالمَكانِ، ولَبِثٌ.

ومِثْلُهُ طامِعٌ، وطَمِعٌ، وفارِهٌ، وفَرِهٌ.

وأمّا الأحْقابُ فَجَمْعَ حِقْبٍ، وقَدْ ذَكَرْنا الِاخْتِلافَ فِيهِ في [الكَهْفِ: ٦٠] .

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ذِكْرِ الأحْقابِ، وخُلُودُهم في النّارِ لا نَفادَ لَهُ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى غايَةٍ، لِأنَّهُ كُلَّما مَضى حِقْبٌ تَبِعَهُ حِقْبٌ.

ولَوْ أنَّهُ قالَ " لابِثِينَ فِيها عَشْرَةَ أحْقابٍ أوْ خَمْسَةً " دَلَّ عَلى غايَةٍ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، والجُمْهُورِ.

وبَيانُهُ أنَّ زَمانَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ يُتَصَوَّرُ دُخُولُهُ تَحْتَ العَدَدِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها نِهايَةٌ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: أنَّهم يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا ﴿ لا يَذُوقُونَ ﴾ في الأحْقابِ ﴿ بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ فَأمّا خُلُودُهم في النّارِ فَدائِمٌ.

هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وبَيانُهُ أنَّ الأحْقابَ حَدٌّ لِعَذابِهِمْ بِالحَمِيمِ والغَسّاقِ، فَإذا انْقَضَتِ الأحْقابُ عُذِّبُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ.

وفي المُرادِ " بِالبَرْدِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ بَرْدُ الشَّرابِ.

رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدَ الشَّرابِ، ولا الشَّرابَ.

والثّانِي: أنَّهُ الرُّوحُ والرّاحَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ النَّوْمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وأنْشَدُوا: فَإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ وإنْ شِئْتُ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النُّقاخُ: الماءُ، والبَرْدُ: النَّوْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَبْرُدُ فِيهِ الحَرارَةُ.

وَقالَ مُقاتِلٌ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا يَنْفَعُهم مِن حَرِّها، ولا شَرابًا يَنْفَعُهم مِن عَطَشٍ ﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " غَساقًا " بِالتَّخْفِيفِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتَّشْدِيدِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحَمِيمِ، والغَسّاقِ [ص: ٥٧] ﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: وِفْقًا لِأعْمالِهِمْ.

وقالَ غَيْرُهُ: جُوزُوا جَزاءً وِفاقًا لِأعْمالِهِمْ عَلى مِقْدارِها فَلا ذَنْبَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ، ولا عَذابَ أعْظَمُ مِنَ النّارِ.

﴿ إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَخافُونَ أنْ يُحاسَبُوا، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: لا يَرْجُونَ ثَوابَ حِسابٍ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الكِذّابُ بِالتَّشْدِيدِ لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ فَصِيحَةٌ، يَقُولُونَ: كَذَّبْتُ بِهِ كِذّابًا، وخَرَقْتُ القَمِيصَ خِرّاقًا، وكُّلُّ " فَعَلْتُ " فَمَصْدَرُهُ في لُغَتِهِمْ مُشَدَّدٌ.

قالَ لِي أعْرابِيٌّ مِنهم عَلى المَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي: الحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ، أمِ القِصّارُ؟

وأنْشَدَنِي بَعْضُ بَنِي كِلابٍ: لَقَدْ طالَ ما ثَبَّطَتْنِي عَنْ صَحابَتِي ∗∗∗ وعَنْ حِوَجٍ قِضّاؤُها مِن شِفائِيا وَأمّا أهْلُ نَجْدٍ، فَيَقُولُونَ: كَذَّبْتُ بِهِ تَكْذِيبًا.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكِذّابُ أشَدُّ مِنَ الكِذابِ، وهُما مَصْدَرُ المُكاذَبَةِ.

قالَ الأعْشى: فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " كُلَّ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ: أحْصَيْناهُ، والمَعْنى: أحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ، و ﴿ كِتابًا ﴾ تَوْكِيدٌ ِلـِ " أحْصَيْناهُ "، لِأنَّ مَعْنى " أحْصَيْناهُ " و " كَتَبْناهُ " فِيما يَحْصُلُ ويَثْبُتُ واحِدٌ.

فالمَعْنى: كَتَبْناهُ كِتابًا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ أثْبَتْناهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿ فَذُوقُوا ﴾ أيْ: فَيُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا جَزاءَ فِعالِكم ﴿ فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ ﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الَّذِينَ لَمْ يُشْرِكُوا ﴿ مَفازًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُتَنَزَّهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: فازُوا بِأنْ نَجَوْا مِنَ النّارِ بِالجَنَّةِ، ومِنَ العَذابِ بِالرَّحْمَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " مَفازًا " في مَوْضِعِ " فَوْزٍ " ﴿ حَدائِقَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَدائِقُ: بَساتِينُ نَخْلٍ، واحِدُها: حَدِيقَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَواعِبَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكَواعِبُ: النَّواهِدُ.

قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: كَعَبَتِ المَرْأةُ كَعابَةً، فَهي كاعِبٌ: إذا نَتَأ ثَدْيُها.

وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " الأتْرابِ " في [ص: ٥٢] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَأْسًا دِهاقًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَلْأى، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها المُتَتابِعَةُ.

رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ.

وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّها الصّافِيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها ﴾ أيْ: في الجَنَّةِ إذا شَرِبُوها ﴿ لَغْوًا ﴾ وقَدْ ذَكَرْناهُ في [الطَّوْرِ: ٢٣] وغَيْرِها ﴿ وَلا كِذّابًا ﴾ أيْ: لا يُكَذِّبُ بَعْضُهم بَعْضًا، لِأنَّ أهْلَ الدُّنْيا إذا شَرِبُوا الخَمْرَ تَكَلَّمُوا بِالباطِلِ، وأهْلُ الجَنَّةِ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ.

قالَ الفَرّاءُ: وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " كِذابًا " بِالتَّخْفِيفِ، كَأنَّهُ -واللَّهُ أعْلَمُ- لا يَتَكاذَبُونَ فِيها.

وكانَ الكِسائِيُّ يُخَفِّفُ هَذِهِ ويُشَدِّدُ، " وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا " لِأنَّ " كَذَّبُوا " يُقَيِّدُ " الكِذّابَ " بِالمَصْدَرِ، وهَذِهِ لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً بِفِعْلٍ يُصَيِّرُها مَصْدَرًا.

وقَدْ ذَكَرْنا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ الكِذّابَ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ مَصْدَرُ المُكاذَبَةِ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: " الكِذابُ " بِالتَّخْفِيفِ مَصْدَرُ " كَذَبَ "، مِثْلُ " الكِتابِ " مَصْدَرُ " كَتَبَ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: جازاهم بِذَلِكَ جَزاءً، وكَذَلِكَ " عَطاءً "، لِأنَّ مَعْنًى أعْطاهم وجازاهم واحِدٌ.

و ﴿ حِسابًا ﴾ مَعْناهُ: ما يَكْفِيهِمْ، أيْ: فِيهِ كُلُّ ما يَشْتَهُونَ.

يُقالُ: أحْسَبَنِي كَذا بِمَعْنى كَفانِي.

﴿ رَبِّ السَّماواتِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والمُفَضَّلُ: " رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنُ " بِرَفْعِ الباءِ مِن " رَبِّ " والنُّونِ مِنَ " الرَّحْمَنِ " عَلى مَعْنى: هو رَبُّ السَّمَواتِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِخَفْضِ الباءِ والنُّونِ عَلى الصِّفَةِ مِن " رَبِّكَ " .

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الباءِ ورَفْعِ النُّونِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الفَرّاءُ، ووافَقَهُ عَلى هَذا جَماعَةٌ، وعَلَّلُوا بِأنَّ الرَّبَّ قَرِيبٌ مِنَ المَخْفُوضِ، والرَّحْمَنَ بَعِيدٌ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا بِإذْنِهِ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: لا يَقْدِرُ الخَلْقُ أنْ يُكَلِّمُوا الرَّبَّ إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جُنْدٌ مِن جُنْدِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسُوا بِمَلائِكَةٍ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقالَ مُجاهِدٌ: هم خَلْقٌ عَلى صُورَةِ بَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ مَلَكٌ أعْظَمُ مِنَ السَّمَواتِ والجِبالِ، والمَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرُّوحُ: مَلَكٌ ما خَلَقَ اللَّهُ أعْظَمَ مِنهُ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قامَ هو وحْدَهُ صَفًّا، وقامَتِ المَلائِكَةُ كُلُّهم صَفًّا واحِدًا، فَيَكُونُ عِظَمُ خَلْقِهِ مِثْلَ صُفُوفِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّها أرْواحُ النّاسِ تَقُومُ مَعَ المَلائِكَةِ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تُرَدَّ إلى الأجْسامِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أنَّهم بَنُو آدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والسّابِعُ: أنَّهم أشْرَفُ المَلائِكَةِ، قالَهُ َمُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ صَفًّا ﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: هُما سِماطانِ، سِماطٌ مِنَ الرُّوحِ، وسِماطٌ مِنَ المَلائِكَةِ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ صَفًّا، والمَلائِكَةُ صَفًّا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صَفًّا ﴾ صُفُوفًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَتَكَلَّمُونَ ﴾ يَعْنِي: الخَلْقَ كُلَّهم ﴿ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ في الكَلامِ ﴿ وَقالَ صَوابًا ﴾ أيْ: قالَ في الدُّنْيا صَوابًا، وهو الشَّهادَةُ بِالتَّوْحِيدِ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ حَقًّا في الدُّنْيا، وعَمِلَ بِهِ ﴿ ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ ﴾ الكائِنُ الواقِعُ بِلا شَكٍّ ﴿ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ أيْ: مَرْجِعًا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ.

ثُمَّ خَوَّفَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا ﴾ وهو عَذابُ الآخِرَةِ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ﴾ أيْ: يَرى عَمَلَهُ مُثْبَتًا في صَحِيفَتِهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا ﴿ وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ يا لَيْتَنِي لَمْ أُبْعَثْ.

وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ بَعْضِ أشْياخِهِ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّ الكافِرَ هاهُنا: إبْلِيسُ، وذَلِكَ أنَّهُ عابَ آدَمَ، لِأنَّهُ خُلِقَ مِنَ التُّرابِ، فَتَمَنّى يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ كانَ بِمَكانِ آدَمَ، فَقالَ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ ﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ ﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ ﴿ إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا ﴾ ﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا ﴾ ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ كِتابًا ﴾ ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ ﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا ﴾ ﴿ حَدائِقَ وأعْنابًا ﴾ ﴿ وَكَواعِبَ أتْرابًا ﴾ ﴿ وَكَأْسًا دِهاقًا ﴾ ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا ﴾ ﴿ جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا ﴾ ﴿ رَبِّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ، والفَضْلُ بْنُ خالِدٍ، ومُعاذٌ النَحْوِيُّ: البَرْدُ في هَذِهِ الآيَةِ النُوَّمُ، والعَرَبُ تَسِمُهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَبْرِدُ سُورَةَ العَطَشِ، ومِن كَلامِهِمْ: "مَنَعَ البَرْدُ البَرْدَ"، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "البَرْدُ في الآيَةِ: مَسُّ الهَواءِ البارِدِ، وهو القَرُّ، أيْ: لا يَمَسُّهم مِنهُ ما يَسْتَلِذُّ ويَكْسِرُ عَذابَ الحَررِّ، فالذَوْقُ -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ- مُسْتَعارٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البَرْدُ الشَرابُ البارِدُ المُسْتَلَذُّ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: يَسْقُونَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمْ بِرَدى يُصَفِّقُ بِالرَحِيقِ السَلْسَلِ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أمانِي مِن سُعْدى حِسانٌ كَأنَّما ∗∗∗ سَقَتْكَ بِها سُعْدى عَلى ظَمَأٍ بَرْدا ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا شَرابًا ﴾ ﴿ إلا حَمِيمًا ﴾ ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، و"الحَمِيمُ": الحارُّ الذائِبُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الماءِ السُخْنِ والعَرَقِ، ومِنهُ الحَمّامُ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الحَمِيمُ دُمُوعُ أعْيُنِهِمْ، وقالَ النَقّاشُ: الحَمِيمُ الصُفْرُ المُذابُ المُتَناهِي الحَرِّ، واخْتَلَفَ الناسُ في "الغَسّاقِ"، فَقالَ قَتادَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسامِ أهْلِ النارِ مِن صَدِيدٍ ونَحْوِهِ، يُقالُ: غَسَقَ الجُرْحُ: إذا سالَ مِنهُ قَيْحٌ ودَمٌ، وغَسَقَتِ العَيْنُ: إذا دَمَعَتْ وإذا خَرَجَ قَذاها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الغَسّاقُ مَشْرُوبٌ لَهم مُفْرِطُ الزَمْهَرِيرِ، كَأنَّهُ في الطَرَفِ الثانِي مِنَ الحَمِيمِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِبَرْدِهِ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بِرِيدَةَ: "الغَسّاقُ" المُنْتِنُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وجَماعَةٌ مِنَ الجُمْهُورِ: "غَساقًا" مُخَفَّفَةَ السِينِ، وهو اسْمٌ عَلى ما قَدَّمْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والشَعْبِيُّ، والحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "غَسّاقًا" مُشَدَّدَةَ السِينِ، وهي صِفَةٌ أُقِيمَتْ مَقامَ المَوْصُوفِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ومَشْرُوبًا غَسّاقًا، أيْ سائِلٌ مِن أبْدانِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ مَعْناهُ: لِأعْمالِهِمْ وكُفْرِهِمْ، أيْ: هو جَزاؤُهُمُ الجَدِيرُ بِهِمْ، المُوافِقُ مَعَ التَحْذِيرِ لِأعْمالِهِمْ، فَهي كُفْرٌ والجَزاءُ نارٌ.

و"يَرْجُونَ" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَخافُونَ، وقالَ غَيْرُهُ: الرَجاءُ هُنا عَلى بابِهِ، ولا رَجاءَ إلّا وهو مُقْتَرِنٌ بِخَوْفٍ، ولا خَوْفَ إلّا وهو مُقْتَرِنٌ بِرَجاءٍ، فَذَكَرَ أحَدَ القِسْمَيْنِ لِأنَّ المَقْصِدَ العِبارَةُ عن تَكْذِيبِهِمْ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهم كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ، فَهم لِذَلِكَ لا يَرْجُونَهُ ولا يَخافُونَهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَذّابًا" بِشَدِّ الذالِ وكَسْرِ الكافِ، وهو مَصْدَرٌ بِلُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، وهي يَمانِيَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ أحَدِهِمْ وهو يَسْتَفْتِي: "الحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ القِصّارُ"؟

ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَقَدْ طالَما ثَبَّطَتْنِي عن صَحابَتَيْ ∗∗∗ وعن حِوَجٍ قَضاؤُها مِن شِفائِيا وهَذا عِنْدَهم مَصْدَرٌ مَن فَعَّلَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في "كِذّابًا"، وأراهُ أرادَ السَبْعَةَ، وأمّا في الشاذِّ فَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَوْفُ الأعْرابِيُّ، وعِيسى -بِخِلافٍ- والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ: "كِذّابًا" بِكَسْرِ الكافِ وبِتَخْفِيفِ الذالِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "كُذّابًا" بِضَمِّ الكافِ وشَدِّ الذالِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كاذِبٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ ﴾ يُرِيدُ كُلَّ شَيْءٍ شَأْنُهُ أنْ يُحْصى، وفي هَذا الخَبَرِ رَبْطٌ لِأجْزاءِ القِصَّةِ بِأوَّلِها أيْ: هم مُكَذِّبُونَ وكافِرُونَ ونَحْنُ قَدْ أحْصَيْنا فالقَوْلُ لَهم في الآخِرَةِ: "ذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا"، وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: ما نَزَلَتْ في أهْلِ النارِ آيَةٌ أشَدُّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ  .

وَلَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَ أهْلِ النارِ عَقَّبَ بِذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، و"المَفازُ" مَوْضِعُ الفَوْزِ؛ لِأنَّهم زُحْزِحُوا عَنِ النارِ، وأُدْخِلُوا الجَنَّةَ، و"الحَدائِقُ" البَساتِينُ الَّتِي عَلَيْها جِدْراتٌ أوَ حَظائِرُ، و"أتْرابًا" مَعْناهُ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، والتُرْبانُ هُما اللَذانِ مَسّا التُرابَ في وقْتٍ واحِدٍ، و"الدِهاقُ" المُتْرَعَةُ فِيما قالَ الجُمْهُورُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ مَعْناهُ: المُتابَعَةُ، وهي مِنَ الدَهْقِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الصافِيَةُ، وفي البُخارِيِّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَمِعْتُ أُبَيَّ في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ لِلسّاقِي: اسْقِنا كَأْسًا دِهاقًا.

و"اللَغْوُ" سَقْطُ الكَلامُ، وهو ضُرُوبٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "كِذّابًا" إلّا أنَّ الكِسائِيَّ مِنَ السَبْعَةِ قَرَأ في هَذا المَوْضِعِ "كَذابًا" بِالتَخْفِيفِ، وهو مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهُ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "حِسابًا"، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ واللُغَوِيِّينَ: مَعْناهُ: مُحْسِبًا، أيْ كافِيًا، مِن قَوْلِهِمْ: أحْسَبُنِي هَذا الأمْرَ، أيْ كَفانِي، ومِنهُ، حَسْبِيَ اللهُ، وقالَ مُجاهِدٌ مَعْناهُ: إنَّ "حِسابًا" مَعْناهُ: مُقْسِطًا عَلى الأعْمالِ، لِأنَّ نَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهِ وتَفَضُّلِهِ لا بِعَمَلٍ، والدَرَجاتُ فِيها والنِعَمُ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، فَإذا ضاعَفَ اللهُ تَعالى لِقَوْمٍ حَسَناتِهِمْ بِسَبْعِمائَةٍ مَثَلًا ومِنهُمُ المُكْثِرُ مِنَ الأعْمالِ والمُقِلُّ أخَذَ كُلَّ واحِدٍ سَبْعَمِائَةٍ بِحَسَبِ عَمَلِهِ، وكَذَلِكَ في كُلِّ تَضْعِيفٍ، فالحِسابُ ها هو بِمُوازَنَةِ أعْمالِ القَوْمِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "حِسابًا" بِكَسْرِ الحاءِ وتَخْفِيفِ السِين مَفْتُوحَةً، وقَرَأ ابْنُ قَطِيبٍ "حِسابًا" بِفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: جاءَ بِالِاسْمِ مِن أفْعَلَ عَلى فِعالٍ كَما قالُوا: أدْرَكَ فَهُوَ: دِراكٌ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسِراجٌ: " عَطاءً حَسَنًا" بِالنُونِ مِنَ الحُسْنِ، وحَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ قَرَأ: "حَسِبا" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ السِينِ وبِالباءِ، وقَرَأ شُرَيْحُ بْنُ يَزِيدَ الحِمْصِيُّ: "حِسّابًا" بِكَسْرِ الحاءِ وشَدِّ السِينِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأهْلُ الحَرَمَيْنِ: "رَبُّ" بِالرَفْعِ، وكَذَلِكَ "الرَحْمَنُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ: "رَبِّ" بِالخَفْضِ، وكَذَلِكَ "الرَحْمَنِ".

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "رَبِّ": بِالخَفْضِ، و"الرَحْمَنُ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ- بِخِلافٍ عنهُما ووُجُوهُ هَذِهِ القِراءاتِ بَيِّنَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا" الضَمِيرُ لِلْكُفّارِ، أيْ: لا يَمْلِكُونَ مِن أفْضالِهِ وإجْمالِهِ أنْ يُخاطِبُوهُ بِمَعْذِرَةٍ ولا غَيْرِها، وهَذا في مَوْطِنٍ خاصٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جرى هذا الانتقال على عادة القرآن في تعقيب الإِنذار للمنذَرين بتبشير من هم أهل للتبشير.

فانتقل من ترهيب الكافرين بما سيلاقونه إلى ترغيب المتقين فيما أُعدَّ لهم في الآخرة من كرامة ومن سلامة مما وقع فيه أهل الشرك.

فالجملة متصلة بجملة ﴿ إن جهنّم كانت مرصاداً للطاغين مئاباً ﴾ [النبأ: 21 22] وهي مستأنفة استئنافاً ابتدائياً بمناسبة مُقتضِي الانتقال.

وافتتاحها بحرف ﴿ إنَّ ﴾ للدلالة على الاهتمام بالخبر لئلا يشك فيه أحد.

والمقصود من المتقين المؤمنون الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم واتبعوا ما أمرهم به واجتنبوا ما نهاهم عنه لأنهم المقصود من مقابلتهم بالطاغين المشركين.

والمفاز: مكان الفوز وهو الظفَر بالخير ونيل المطلوب.

ويجوز أن يكون مصدراً ميمياً بمعنى الفوز، وتنوينُه للتعظيم.

وتقديم خبر ﴿ إن ﴾ على اسمها للاهتمام به تنويهاً بالمتقين.

والمراد بالمفاز: الجنة ونعيمها.

وأوثرت كلمة ﴿ مفازاً ﴾ على كلمة: الجنة، لأن في اشتقاقه إثارة الندامة في نفوس المخاطبين بقوله: ﴿ فتأتون أفواجاً ﴾ [النبأ: 18] وبقوله: ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ [النبأ: 30].

وأُبْدل ﴿ حدائق ﴾ من ﴿ مفازاً ﴾ بدلَ بعض من كل باعتبار أنه بعض من مكان الفوز، أو بدل اشتمال باعتبار معنى الفوز.

والحدائق: جمع حديقة وهي الجنة من النخيل والأشجار ذواتتِ الساق المحوطة بحائط أو جدار أو حضائر.

والأعناب: جمع عِنَب وهو اسم يطلق على شَجرة الكَرْم ويطلق على ثمرها.

والكواعب: جمع كاعِب، وهي الجارية التي بلغت سن خمس عشرة سنة ونحوها.

ووصفت بكاعب لأنها تكَعَّب ثديُها، أي صار كالكعب، أي استدار ونتأ، يقال: كَعَبَتْ من باب قَعَد، ويقال: كَعَّبت بتشديد العين، ولما كان كاعب وصفاً خاصاً بالمرأة لم تلحقه هاء التأنيث وجمع على فواعل.

والأتراب: جمع تِرب بكسر فسكون: هو المساوي غيره في السِنّ، وأكثر ما يطلق على الإناث.

قيل: هو مشتق من التراب فقيل لأنه حينَ يولد يقع على التراب مِثل الآخر، أو لأن التِرْب ينشأ مع لِدَته في سنّ الصِّبا يلعب بالتراب.

وقيل: مشتق من الترائب تشبيهاً في التساوي بالترائب وهي ضلوع الصدر فإنها متساوية.

وتقدم الأتراب في قوله تعالى: ﴿ عرباً أتراباً ﴾ في الواقعة (37)، فيجوز أن يَكون وصفهن بالأتراب بالنسبة بينهن في تساوي السن لزيادة الحسن، أي لا تفوت واحدة منهن غيرها، أي فلا تكون النفس إلى إحداهن أميل منها إلى الأخرى فتكون بعضهن أقل مسرة في نفس الرجل.

ويجوز أن يكون هذا الوصف بالنسبة بينهن وبين أزواجهن لأن ذلك أحب إلى الرجال في معتاد أهل الدنيا لأنه أوفق بطرح التكلف بين الزوجين وذلك أحلى المعاشرة.

والكأس: إناء معدّ لشرب الخمر وهو اسم مؤنث تكون من زجاج ومن فضة ومن ذهب، وربما ذكر في كتب اللغة أن الكأس الزجاجة فيها الشرابُ، ولم أقف على أن لها شكلاً معيّناً يميزها عن القَدَح وعن الكُوب وعن الكوز، ولم أجد في قواميس اللغة التعريف بالكأس بأنها: إناء الخمر وأنها الإِناء ما دام فيه الشراب.

وهذا يقتضي أنها لا تختص بصنف من الآنية.

وقد يطلقون على الخمر اسم الكأس وأريد بالكأس الجنس إذا المعنى: وأكؤساً.

وعُدل عن صيغة الجمع لأن كأساً بالإفراد أخف من أكؤس وكؤوس ولأن هذا المركّب جرى مجرى المثل كما سيأتي.

ودهاق: اسم مصدر دهق من باب جعل أو اسم مصدر أدهق، ولكونه في الأصل مصدراً لم يقترن بعلامة تأنيث.

والدهق والإِدهاق ملء الإِناء من كثرة ما صبّ فيه.

ووصفُ الكأس بالدهق من إطلاق المصدر على المفعول كالخلق بمعنى المخلوق فإن الكأس مدهقة لا داهقة.

ومركب (كأس دهاق) يَجري مجرى المثل قال عِكرمة: قال ابن عباس: سمعتُ أبي في الجاهلية يقول: اسْقِنَا كأساً دِهاقاً، ولذلك أفرد كأساً، ومعناه مملوءة خمراً، أي دون تقتير لأن الخمر كانت عزيزة فلا يكيل الحَانَوِي للشارب إلا بمقدار فإذا كانت الكأس ملأى كان ذلك أسر للشارب.

وقوله: لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً} يجوز أن يكون الضمير المجرور عائداً إلى الكأس، فتكون (في) للظرفية المجازية بتشبيه تناول الندامى للشراب من الكأس بحلولهم في الكأس على طريق المَكْنية، وحرف (في) تخييل أو تكون (في) للتعليل كما في الحديث: " دخلت امرأةٌ النارَ في هِرة " الحديث، أي من أجل هرة.

والمعنى: لا يسمعون لغواً ولا كذَّاباً منها أو عندها، فتكون الجملة صفة ثانية ل«كأساً».

والمقصود منها أن خمر الجنة سليمة مما تسببه خمر الدنيا من آثار العربدة من هذَيان، وكذب وسباب، واللغو والكذب من العيوب التي تعرض لمن تَدب الخمر في رؤوسهم، أي فأهل الجنة ينعمون بلذة السكر المعروفة في الدنيا قَبل تحريم الخمر ولا تأتي الخمر على كمالاتهم النفسية كما تأتي عليها خمر الدنيا.

وكان العرب يمدحون من يُمسك نفسه عن اللغو ونحوه في شرب الخمر، قال عمارة بن الوليد: ولَسْنَا بشرْب أم عَّمرو إذا انتشوا *** ثيابُ الندامَى بينهم كالغنائم ولكننا يا أم عمرو نديمُنا *** بمنزلة الرَيَّان ليس بِعَائم وكان قيس بن عاصم المنقري ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية وقال: فإن الخمر تفضَح شاربيها *** وتجنيهم بها الأمرَ العظيما ويجوز أن يعود ضمير ﴿ فيها ﴾ إلى ﴿ مفازاً ﴾ باعتبار تأويله بالجنة لوقوعه في مقابلة ﴿ جهنم ﴾ من قوله: ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ [النبأ: 21] أو لأنه أبدل ﴿ حدائق ﴾ من ﴿ مفازاً ﴾ .

وهذا المعنى نشأ عن أسلوب نظم الكلام حيث قدم ﴿ حدائق وأعناباً ﴾ الخ، وأخّر ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ حتى إذا جاء ضمير (فيها) بعد ذلك جاز إرجاعه إلى الكأس وإلى المفاز كما علمت.

وهذا من بديع الإيجاز مع وفرة المعاني مما عددناه من وجوه الإِعجاز من جانب الأسلوب في المقدمة العاشرة من هذا التفسير، أي لا يسمعون في الجنة الكلام السافِل ولا الكذب، فلما أحاط بأهل جهنم أشدُّ الأذى بجميع حواسهم من جراء حرق النار وسقيهم الحميم والغساق لينال العذاب بواطنهم كما نال ظاهر أجسادهم، كذلك نفى عن أهل الجنة أقل الأذى وهو أذى سماع ما يكرهه الناس فإن ذلك أقل الأذى.

وكني عن انتفاء اللغو والكِذّاب عن شاربي خمر الجنة بأنهم لا يسمعون اللغو والكذاب فيها لأنه لو كان فيها لغو وكذب لسمعوه وهذا من باب قول امرئ القيس: على لاَحببٍ لا يهتدى بمناره *** أي لا منار به فيهتدى به، وهو نوع من لطيف الكناية، والذي في الآية أحسن مما وقع في بيت امرئ القيس ونحوه لأن فيه إيماء إلى أن أهل الجنة منزهة أسماعهم عن سقط القول وسفل الكلام كما في قوله في سورة الواقعة (25) ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً.

﴾ واللغو: الكلام الباطل والهذيان وسقط القول الذي لا يورد عن روية ولا تفكير.

والكِذَّاب: تقدم معناه آنفاً.

وقرأ الجمهور: كِذَّاباً } هنا مشدداً، وقرأه الكسائي هنا بتخفيف الذال.

وانتصب ﴿ جزاء ﴾ على الحال من ﴿ مفازاً ﴾ .

وأصل الجزاء مصدر جَزَى، ويطلق على المُجَازى به من إطلاق المصدر على المفعول، فالجزاءُ هُنا المجازَى به وهو الحدائق والجنات والكواعب والكأس.

والجزاء: إعطاء شيء عوضاً على عمل.

ويجوز أن يجعل الجزاء على أصل معناه المصدري وينتصب على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعللٍ مقدر.

والتقدير: جزيْنا المتقين.

وإضافة ربّ إلى ضمير المخاطب مراداً به النبي صلى الله عليه وسلم للإِيماء إلى أن جزاء المتقين بذلك يشتمل على إكرام النبي صلى الله عليه وسلم لأن إسداء هذه النعم إلى المتقين كان لأجل إيمانهم به وعملهم بما هداهم إليه.

و ﴿ من ﴾ ابتدائية، أي صادراً من لدن الله، وذلك تنويه بكرم هذا الجزاء وعظم شأنه.

ووصفُ الجزاء بعطاء وهو اسم لم يُعطَى، أي يتفضل به بدون عوض للإِشارة إلى أن ما جوزوا به أوفرُ مما عملوه، فكان ما ذكر للمتقين من المفاز وما فيه جزاء شكراً لهم وعطاءً كرماً من الله تعالى وكرامة لهذه الأمة إذ جعل ثوابها أضعافاً.

و ﴿ حساباً ﴾ : اسم مصدر حَسب بفتح السين يحسُب بضمها، إذا عَدَّ أشياء وجميع ما تصرف من مادة حسب متفرع عن معنى العدّ وتقديرِ المقدار، فوقع ﴿ حساباً ﴾ صفة ﴿ جزاء ﴾ ، أي هو جزاء كثير مقدَّر على أعمالهم.

والتنوين فيه للتكثير، والوصف باسم المصدر للمبالغة وهو بمعنى المفعول، أي محسوباً مقدراً بحسب أعمالهم، وهذا مقابل ما وقع في جزاء الطاغين من قوله ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ [النبأ: 26].

وهذا الحساب مجمل هنا يبينه قوله تعالى: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ [الأنعام: 160] وقوله: ﴿ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللَّه كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ﴾ البقرة (261).

وليس هذا الحساب للاحتراز عن تجاوز الحد المعيَّن، فذلك استعمال آخر كما في قوله تعالى: ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ [الزمر: 10] ولكل آية مقامها الذي يجري عليه استعمال كلماتها فَلا تعارض بين الآيتين.

ويجوز أن يكون ﴿ حساباً ﴾ اسم مصدر أحْسَبَه، إذا أعطاه ما كفاه، فهو بمعنى إحساباً، فإن الكفاية يطلق عليها حَسْب بسكون السين فإنه إذا أعطاه ما كفاه قال: حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَجاةٌ مِن شَرِّها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: فازُوا بِأنْ نَجَوْا مِنَ النّارِ بِالجَنَّةِ، ومِنَ العَذابِ بِالرَّحْمَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، وتَحْقِيقُ هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ الخَلاصُ مِنَ الهَلاكِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْفَلاةِ إذا قَلَّ ماؤُها مَفازَةٌ تَفاؤُلًا بِالخَلاصِ مِنها.

﴿ وَكَواعِبَ أتْرابًا ﴾ في الكَواعِبِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: النَّواهِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: العَذارى، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ وكَمْ مِن حَصانٍ قَدْ حَوَيْنا كَرِيمَةٍ ومِن كاعِبٍ لَمْ تَدْرِ ما البُؤْسُ مُعْصِرُ وَفِي الأتْرابِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الأقْرانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الأمْثالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: المُتَصافِياتُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: المَتَآخِياتُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَكَأْسًا دِهاقًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَمْلُوءَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أتانًا عامِرٌ يَبْغِي قِرانًا ∗∗∗ فَأتْرَعْنا لَهُ كَأْسًا دِهاقًا الثّانِي: مُتَتابِعَةٌ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: صافِيَةٌ، رَواهُ عُمَرُ بْنُ عَطاءٍ، قالَ الشّاعِرُ لَأنْتِ آلى الفُؤادِ أحَبُّ قُرْبًا ∗∗∗ مِنَ الصّادِي إلى كَأْسٍ دِهاقِ.

﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا ﴾ في اللَّغْوِ ها هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها الباطِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الحَلِفُ عِنْدَ شُرْبِها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: الشَّتْمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: المَعْصِيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفي ﴿ كِذّابًا ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا يُكَذِّبُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الخُصُومَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المَأْثَمُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الجَنَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: في شُرْبِ الخَمْرِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

﴿ جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كافِيًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: كَثِيرًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: حِسابًا لِما عَمِلُوا، فالحِسابُ بِمَعْنى العَدِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إن للمتقين مفازاً ﴾ قال: فازوا بأن: نجوا من النار.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إن للمتقين مفازاً ﴾ قال: مفازاً من النار إلى الجنة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن للمتقين مفازاً ﴾ قال: منتزها ﴿ وكواعب ﴾ قال: نواهد ﴿ أتراباً ﴾ قال: مستويات ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: ممتلئاً.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ حدائق وأعناباً ﴾ قال: الحدائق البساتين.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: بلاد سقاها الله أما سهولها ** فقضب ودر مغدق وحدائق قال: أخبرني عن قوله: ﴿ كأساً دهاقاً ﴾ قال: الكأس الخمر والدهاق الملآن.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: أتانا عامر يرجو قرانا ** فأترعنا له كأساً دهاقاً وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ كواعب ﴾ قال: العذارى.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ كواعب ﴾ قال: نواهد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: هي الممتلئة المترعة المتتابعة، وربما سمعت العباس يقول: يا غلام اسقنا وادهق لنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: ملأى.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وقتادة ومجاهد والضحاك والحسن مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: يتبع بعضها بعضاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: المتتابعة.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير والضحاك مثله.

وأخرج هناد عن عطية قي قوله: ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: ملأى متتابعة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي هريرة ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: دمادم.

قال: المؤلف فارسي بمعنى متتابعة.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: متتابعة صافية.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: إذا كان فيها خمر فهي كأس، وإذا لم يكن فيها خمر فليس بكأس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً ﴾ قال: باطلاً ولا مأثماً، وفي قوله: ﴿ عطاء حساباً ﴾ قال: كثيراً وفي قوله: ﴿ لا يملكون منه خطاباً ﴾ قال: كلاماً.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ جزاء من ربك ﴾ قال: عطاء منه ﴿ حساباً ﴾ قال: لما عملوا وفي قوله: ﴿ لا يملكون منه خطاباً ﴾ قال: كلاماً.

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الروح جند من جنود الله ليسوا بملائكة لهم رؤوس وأيد وأرجل، ثم قرأ ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ قال: هؤلاء جند وهؤلاء جند.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد قال: الروح خلق على صورة بني آدم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد قال: الروح يأكلون ولهم أيد وأرجل ورؤوس وليسوا بملائكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي صالح في قوله: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ قال: الروح خلق كالناس، وليسو بالناس، لهم أيد وأرجل.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن الشعبي في قوله: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ قال: هما سماطا رب العالمين يوم القيامة، سماط من الروح، وسماط من الملائكة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبدالله بن بريدة قال: ما يبلغ الجن والإِنس والملائكة والشياطين عشر الروح، ولقد قبض النبي وما يعلم الروح.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ قال: الروح أعظم خلقاً من الملائكة، ولا ينزل ملك إلا ومعه روح.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يقوم الروح ﴾ قال: هو ملك من أعظم الملائكة خلقاً.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود، قال: الروح في السماء السابعة، وهو أعظم من السموات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كل تسبيحة ملكاً من الملائكة يجيء يوم القيامة صفاً وحده.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الضحاك قال: الروح حاجب الله يقوم بين يدي الله يوم القيامة، وهو أعظم الملائكة لو فتح فاه لوسع جميع الملائكة، والخلق إليه ينظرون، فمن مخافته لا يرفعون طرفهم إلى من فوقه.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مقاتل بن حبان قال: الروح أشرف الملائكة، أقربهم من الرب، وهو صاحب الوحي.

وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن وهب بن منبه قال: الروح ملك من الملائكة، له عشرة آلاف جناح، ما بين كل جناحين منها ما بين المشرق والمغرب، له ألف وجه، لكل وجه ألف لسان، وشفتان وعينان يسبح الله تعالى.

وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات «عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ يوم يقوم الروح ﴾ قال: جبريل.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: إن جبريل يوم القيامة القائم بين يدي الجبار ترعد فرائصه فرقاً من عذاب الله يقول: سبحانك لا إله إلا أنت، ما عبدناك حق عبادتك إن ما بين منكبيه كما بين المشرق إلى المغرب، أما سمعت قول الله: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يقوم الروح ﴾ قال: يعني حين تقوم أرواح الناس مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الأرواح إلى الأجساد.

أخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقال صواباً ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقال صواباً ﴾ قال: شهادة أن لا إله ألا الله.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وقال صواباً ﴾ قال: حقاً في الدنيا وعمل به.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن جابر بن عبدالله قال: «قال العباس بن عبد المطلب يا رسول الله: ما الجمال؟

قال: صواب القول بالحق.

قال: فما الكمال؟

قال: حسن الفعال بالصدق والله أعلم» .

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً ﴾ قال: سبيلاً.

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ يوم ينظر المرء ﴾ قال: المؤمن.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن أنه قرأ هذه الآية ﴿ يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ﴾ قال: هو المؤمن العامل بطاعة الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور عن أبي هريرة قال: يحشر الخلائق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً فذلك حين يقول الكافر: ﴿ يا ليتني كنت تراباً ﴾ .

وأخرج الدينوري في المجالسة عن يحيى بن جعدة قال: إن أول خلق الله يحاسب يوم القيامة الدواب والهوام حتى يقضي بينها، حتى لا يذهب شيء بظلامته، ثم يجعلها تراباً، ثم يبعث الثقلين الجن والإِنس فيحاسبهم فيومئذ يتمنى الكافر ﴿ يا ليتني كنت تراباً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: تقاد المنقورة من الناقرة، والمركوضة من الراكضة، والجلحاء من ذات القرون، والناس ينظرون، ثم يقول: كوني تراباً لا جنة ولا نار، فذلك حين يقول الكافر: ﴿ يا ليتني كنت تراباً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن شاهين في كتاب العجائب والغرائب عن أبي الزناد قال: إذا قضى بين الناس وأمر بأهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجن عودوا تراباً فيعودوا تراباً، فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم قد عادوا تراباً: ﴿ يا ليتني كنت تراباً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: إذا حوسبت البهائم ثم صيرها الله تراباً، فعند ذلك قال الكافر: ﴿ يا ليتني كنت تراباً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن ليث بن أبي سليم قال: الجن يعودون تراباً.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال: ثواب الجن أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا تراباً.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ﴾ قال ابن عباس: يعني: الذين لم يجعلوا لله شريكاً (١) (٢) ثم فسر ذلك الفوز فقال: ﴿ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴾ يعني أشجار الجنة وثمارها.

﴿ وَكَوَاعِبَ ﴾ جمع كاعب (٣) (٤) قال مجاهد (٥) (٦) وقال الكلبي: المفلكات (٧) (٨) ومعنى تفسير الأتراب في سورة ص (٩) ﴿ وَكَأْسًا دِهَاقًا ﴾ قال الليث: أدهقت الكأس إذا ملأتها جداً (١٠) (١١) وكذلك قال الكسائي (١٢) (١٣) ألا اسقني صرفاً سقاك الساقي ...

من مائها بكأسة ماء الدهاق (١٤) [وقال] (١٥) (١٦) قال (١٧) (١٨) (١٩) قال عكرمة: وربما سمعت ابن عباس يقول: اسقنا، وأدهق لنا (٢٠) (٢١) وأهل اللغة على القول الأول، وأصل القول الثاني من قول العرب: (ادَّهقت الحجارة ادِّهاقاً، وهو شدةٌ تلازمها، ودخول بعضها في بعض) (٢٢) عكرمة في قوله: (وكأساً دهاقاً) قال: هي الصافية (٢٣) والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع (دَهَقٍ، وهو خشبتان يغمز بها ويعصر) (٢٤) والمراد بـ (الكأس) الخمر.

قال الضحاك: كل كأس في القرآن فهو خمر (٢٥) (١) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٢) قال بذلك: قتادة، ومجاهد.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 343، "جامع البيان" 30/ 17، "النكت والعيون" 6/ 188، "زاد المسير" 8/ 166، "تفسير القرآن == العظيم" 4/ 495، "الدر المنثور" 8/ 398، "تفسير الإمام مجاهد" 696، وبه قال الطبري في "جامع البيان" 30/ 17.

وإلى هذا القول ذهب أيضًا: القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 181، الخازن في "لباب التأويل" 4/ 348.

وأصل الفاء، والواو، والزاي: كلمتان متضادتان، فالأولى: النجاة، والآخرة: الهلكة.

انظر: "مقاييس اللغة" 4/ 459.

(٣) الكاعب هي: الجارية التي كَعَب ثدياها، وكعَّب بالتشديد، والتخفيف، والجمع: الكواعب.

انظر (كعب) في "تهذيب اللغة" 1/ 325، "لسان العرب" 1/ 719.

(٤) الناهد: نهد الثدي ينهد نُهودًا -بالضم-: إذا كعب وارتفع، يقال: نهد الثدي إذا ارتفع عن الصدر، وصار له حجم.

"تاج العروس" 2/ 519 (نهد).

(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.

وقد قال بمثله ابن عباس كما في "جامع البيان" 30/ 18.

(٧) فَلَّك ثديُ الجارية تفليكًا، وتفلَّك: استدار.

انظر: (ذلك) في "الصحاح" 4/ 1604، "لسان العرب" 10/ 478.

(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٩) سورة -  - 52.

قال تعالى: (وعندهم قاصرات الطرف أتراب) ومما جاء في تفسير أتراب قوله: (أتراب: جمع ترب، وهو اللِّدة.

قال أبو عبيدة: أتراب: أسنانهن واحدة، قال ابن عباس، والمفسرون: (أتراب): مستويات على سن واحد، وميلاد واحد، بنات ثلاث وثلاثين.

وقال مجاهد: أتراب: أمثال.

وقال النحويون: أي هن في غاية الشباب والحسن).

(١٠) ذكر الأزهري معنى هذا القول من غير نسبة قال: (وقال غيره: أدهقت الكأس إلى أضبارها، أي ملأتها إلى أعاليها.

وعبارة الليث: أدهقتها: شددت ملأها، قال: والدَّهْدقة: دوران البضع الكثير في القدر إذا غلت، تراها تعلو مرة وتسفل أخرى).

"تهذيب اللغة" 5/ 394 (دهق).

(١١) "تهذيب اللغة" المرجع السابق.

وقال ابن فارس: (الدال، والهاء، والقاف: يدل على امتلاء في مجيء وذهاب، واضطراب، يقال: أدهقت الكأس ملأتُها).

"مقاييس اللغة": 2/ 307 (دهق).

وانظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 145 (دهق).

(١٢) بمعناه في "التفسير الكبير" 31/ 21، وعبارته: ممتلئة.

(١٣) المرجع السابق، وبنفس العبارة أيضًا.

(١٤) ورد البيت غير منسوب في "فتح القدير" 5/ 369.

ولم أعثر على مصدر لقول المبرد فيما بين يدي من كتبه.

(١٥) ساقطة من: أ، وقد أثبت ما رأيت فيه استقامة المعنى.

(١٦) ورد قوله مختصرًا في "جامع البيان" 30/ 19، "زاد المسير" 8/ 166، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 181، "لباب التأويل" 4/ 348، "الدر المنثور" 8/ 398، "روح المعاني" 30/ 18.

وانظر: "صحيح البخاري" 2/ 431، كتاب بدء الخلق: باب: 8، و"تفسير ابن عباس" للحميدي: 2/ 963.

وانظر: "كتاب البعث" 207، رقم: 322.

(١٧) في (أ): ابن، والصواب حذفها؛ لأن الرواية وردت بنصها عند الطبري: 30/ 18 عن مسلم، وليس ابن مسلم، وكذا في "الوسيط" 4/ 415.

(١٨) هو: مسلم بن نَسْطاس، روى عن عبيدة السلماني، وأبي البختري، وروى عنه يحيى بن ميسرة، نا عبد الرحمن، قال: سمعت أبي يقول: أرى أنهما واحد، وكان البخاري قد فرقهما.

انظر: كتاب "الجرح والتعديل" 8/ 197 ت 861، كتاب " التاريخ الكبير" 7/ 274: ت: 1159.

(١٩) "جامع البيان" 30/ 18، "التفسير الكبير" 31/ 21، "البعث" 207 ح 323.

(٢٠) "التفسير الكبير" 31/ 21، "تفسير ابن عباس" 2/ 964.

وانظر: "المستدرك" 2/ 512 "كتاب التفسير".

وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.

(٢١) منهم سعيد بن جبير، وابن عباس، ومجاهد، وعطية، والعباس بن عبد المطلب، وإبراهيم النخعي، وأبو هريرة، وعكرمة، والضحاك.

انظر: "جامع البيان" 30/ 19، "بحر العلوم" 3/ 440، "الكشف والبيان" ج 2913/ ب، "زاد المسير" 8/ 166، "التفسير الكبير" 31/ 21، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 181، "الدر المنثور" 8/ 398.

(٢٢) ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة" 5/ 394 (دهق)، وهو من قول الليث، وانظر: "لسان العرب" 10/ 106 - 107 (دهق).

(٢٣) "جامع البيان" 30/ 19، "التفسير الكبير" 31/ 21، "تفسير القرآن العظيم" == 4/ 496، "الدر المنثور" 8/ 399، "روح المعاني" 30/ 18.

(٢٤) نقله عن "تهذيب اللغة" 5/ 394 (دهق)، وهو قول الليث، والعبارة عنه: قال: الدّهق: خشبان يُغْمزُ بهما الساق.

وانظر: "لسان العرب" 10/ 106 (دهق).

(٢٥) "التفسير الكبير" 31/ 18.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَفَازاً ﴾ أي موضع فوز يعني الجنة ﴿ حَدَآئِقَ ﴾ أي بساتين ﴿ وَكَوَاعِبَ ﴾ جمع كاعب وهي الجارية التي خرج ثديها ﴿ أَتْرَاباً ﴾ أي على سن واحد ﴿ وَكَأْساً دِهَاقاً ﴾ أي ملأى وقيل: صافية، والأول أشهر ﴿ عَطَآءً حِسَاباً ﴾ أي كافياً من أحسب الشيء إذا كفاه، وقيل: معناه على حسب أعمالهم ﴿ رَّبِّ السماوات ﴾ بالرفع مبتدأ أو خبر ابتداء مضمر وبالخفض صفة لربك، والرحمنُ بالخفض صفة، وبالرفع خبر المبتدأ أو خبر ابتداء مضمر ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً ﴾ قال ابن عطية: الضمير للكفار أي لا يملكون أن يخاطبوه بمقدرة ولا غيرها، وقيل: المعنى لا يقدرون أن يخاطبهم كقوله: ولا يكلمهم الله، وقال الزمخشري: الضمير لجميع الخلق أي ليس بأيديهم شيء من خطاب الله ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الروح ﴾ قيل هو جبريل، وقيل: ملك عظيم يكون هو وحده صفاً والملائكة صفاً، وقيل: يعني أرواح بني آدم فهو اسم جنس، ويوم يتعلق بلا يملكون أو بلا يتكلمون ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ ﴾ الضمير للملائكة والروح، أي تمنعهم الهيبة من الكلام إلا من بعد أن يأذن الله لهم.

وقول الصواب يكون في ذلك الموطن على هذا.

وقيل: الضمير للناس خاصة والصواب المشار إليه قول: إلا إله إلا الله أي من قالها في الدنيا ﴿ ذَلِكَ اليوم الحق ﴾ أي الحق وجوده ووقوعه ﴿ فَمَن شَآءَ ﴾ تخصيص وترغيب ﴿ عَذَاباً قَرِيباً ﴾ يعني عذاب الآخرة ووصفه بالقرب لأن كل آت قريب، أو لأن الدنيا على آخرها ﴿ يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ المرء هنا عموم في المؤمن والكافر، وقيل: هو المؤمن وقيل: هو الكافر، والعموم أحسن، لأن كل أحد يرى ما عمل لقوله تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [الزلزلة: 7] الآية ﴿ وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً ﴾ يتمنى أن يكون يوم القيامة تراباً فلا يحاسب ولا يجازى، وقيل: تمنى أن يكون في الدنيا تراباً أي لم يخلق، وروي أن البهائم تحشر ليقتص لبعضهم من بعض ثم ترد تراباً، فيتمنى الكافر أن يكون تراباً مثلها، وهذا يقوّي الأول، وقيل: الكافر هنا إبليس يتمنى أن يكون خلق من تراب، مثل آدم وذريته لما رأى ثوابهم، وقد كان احتقر التراب في قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ [الأعراف: 12].

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ كلا ستعلمون ﴾ بتاء الخطاب في الموضعين: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ وفتحت ﴾ بالتخفيف: عاصم وحمزة وعليّ وخلف ﴿ لبثين ﴾ مقصوراً: حمزة ﴿ ولا كذاباً ﴾ مخففاً.

عليّ ﴿ رب ﴾ بالرفع بتقدير هو رب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبوعمرو والمفضل.الباقون: بالجر على البدل ﴿ الرحمن ﴾ باجر على البدل أو البيان: ابن عامر وسهل ويعقوب وعاصم غير المفضل.

الآخرون: بالرفع على" هو الرحمن " أو على أنه خير آخر.

الوقوف ﴿ يتساءلون ﴾ ه ج لاحتمال أن الجار متصل بالفعل المذكور والمراد التهديد.

قال الفراء: " عن " بمعنى اللام أي لأي شيء، أو متصل بمحذوف كأن سائلاً سأل عن أي شيء يتساءلون فأجيب عن النبأ.

﴿ العظيم ﴾ ه لا ﴿ مختلفون ﴾ ه ط بناء على أن معنى كلا حقاً ﴿ سيعلمون ﴾ لا ه ﴿ سيعلمون ﴾ ه ج ﴿ مهاداً ﴾ ه لا ﴿ أوتاداً ﴾ ه ص ﴿ أزوجاً ﴾ ه ﴿ سباتاً ﴾ ه لا ﴿ لباساً ﴾ ه لا ﴿ معاشاً ﴾ ه ص ﴿ شداداً ﴾ ه لا ﴿ وهاجاً ﴾ ه ص ﴿ ثجاجاً ﴾ ه لا ﴿ ونباتاً ﴾ ه ك ﴿ ألفافاً ﴾ ه ط ﴿ ميقاتاً ﴾ ه ط لأن ما بعده بدل ﴿ أفواجاً ﴾ ه ك ﴿ أبواباً ﴾ ه ك ﴿ سراباً ﴾ ه ط ﴿ مرصاداً ﴾ ه لا ﴿ مآباً ﴾ ه لا ﴿ أحقاباً ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً، ويجوز أن يكون صفة لـ ﴿ أحقاباً ﴾ لمكان عود الضمير في ﴿ فيها ﴾ إليها ﴿ شراباً ﴾ ه لا ﴿ غساقاً ﴾ ه ك ﴿ وفاقاً ﴾ ه ﴿ حساباً ﴾ ه ﴿ كذاباً ﴾ ه م لأن التقدير أحصينا كل شيء أحصيناه ﴿ كتاباً ﴾ ه لا ﴿ عذاباً ﴾ ه ﴿ مفازاً ﴾ ه ﴿ وأعناباً ﴾ ه ﴿ أتراباً ﴾ ه ك ﴿ دهاقاً ﴾ ه ط لأنه لو وصل اشتبه بالصفة وللموصوف وجه كما يجيء في التفسير.

﴿ كذاباً ﴾ ه ط لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح مصدراً ومفعولاً له ﴿ حساباً ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ رب ﴾ بالرفع وقف على ﴿ بينهما ﴾ إلا لمن قرأ ﴿ الرحمن ﴾ بالرفع ﴿ رب ﴾ بالجر على الرحمن وقف على الوجوه إلا إن جعله مبتدأ ﴿ لا يملكون ﴾ خبره ﴿ خطاباً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ لا يملكون ﴾ ﴿ صفاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ لا يتكلمون ﴾ ﴿ صواباً ﴾ ه لحق الشرط مع الفاء ﴿ مآباً ﴾ ه ﴿ قريباً ﴾ ه ج لأن ﴿ يوم ﴾ متعلق باذكر أو بـ ﴿ عذاباً ﴾ ﴿ تراباً ﴾ ه.

التفسير: حرف الجر إذا دخل على " ما " الإستفهامية تحذف ألفها نحو " بم " و " عم " و " علام " و " لم " ه لشدّة الإتصال وكثرة الإستعمال.

ثم إن كان الكلام مبنياً على السؤال والجواب فالسائل والمجيب واحد وهو الله، والفائدة في هذا الأسلوب أن يكون إلى التفهيم أقرب.

ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما وقع فيه التساؤل وبيان أن مطلب ما وضع للسؤال عن حقائق الأشياء المجهولة والشيء العظيم الذي تعجز العقول عن إدراكه أو يدعي فيه العجز يكون مجهولاً، فوقع بين المسؤول بما وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه، والمشابهة أحد أسباب المجاز.

والنبأ العظيم القيامة بدليل الردع عن الاختلاف وللتهديد بعده.

وتقديم الضمير وبناء الكلام عليه لتقوى الكلام لا لا للاختصاص فإن غير قريش أيضاً مختلفون في أمر بالبعث فمنهم من يثبت الروحاني في المعاد فقط، ومنهم من يشك فيه كقوله ﴿ وما أظن الساعة قائمة  ﴾ ومنهم من يقطع بعدم البعث ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ \[المؤمنون: 37\] كان يسأل بعضهم بعضاً عن القيامة ويتحدثون عنها متعجبين من وقوعها.

ويجوزأن يكون المفعول محذوفاً أي يتساءلون النبي والمؤمنون نحو تراءينا الهلال فيكون التساؤل بطريق الاستهزاء ويحتمل أن يكون الضمير للمسلمين والكافرين جميعاً فقد كانوا جميعاً يتساءلون عنه، أما المؤمن فليزداد خشية واستعداد، وأما الكافر فلأجل الاستهزاء.

وقيل: النبأ العظيم القرآن، واختلافهم فيه أن بعضهم جعلوه سحراً.

وبعضهم شعراً وكهانة.

وقيل: نبوّة محمد كانوا يقولون ما هذا الذي حدث ﴿ بل عجبوا إن جاءهم منذر منهم  ﴾ وقالت الشيعة: هو عليّ قال القائل في حقه هو النبأ العظيم وفلك نوح وباب الله وانقطع الخطاب.

قال أهل المعاني: تكرير الردع مع الوعيد دليل على غاية التهديد.

وفي " ثم " إشارة إلى أن الوعيد الثاني أبلغ، ويجوز أن يكون الأول في الدنيا والثاني في الآخرة، أو الأول للكفار والثاني للمؤمنين.

وقيل: الأول ردع عن الاختلاف والثاني عن الكفر.

وحذف المفعول به أي سيعلمون أن ما يتساءلون عنه مختلفين فيه حق وصدق وذلك إذا اتصل العيان بالخبر.

ومن قرأ الخطاب فقد سلك سبيل الالتفات.

ثم عدد دلائل القدرة على البعث ودلائل الحكمة في الجزاء على أن كلاً منهما نعمة يجب أن تشكر بالتوفر على الطاقة ولا تكفر بالإقدام على المعصية.

والمهاد الفراش، والأوتاد ما يشدّ بها أطناب الخمية، شبهت الجبال الراسيات بها لأنها تحفظ الأرض أن تميد بما عليها وقد سبق تقريره.

والأزواج الأصناف المتقابلات القبيح بإزاء الحسن والطويل بحذاء القصير وغير ذلك من الأضداد.

والسبات الراحة.

والتركيب يدل على القطع والإزالة ومنه سبت الرجل رأسه إذا حلقه، والنوم يزيل التعب عن الإنسان فيستعقب الراحة قاله ابن الأعرابي والمبرد.

وقال الزجاج وغيره: هو الموت وهذا التفسير لا يناسبه مقام تعداد النعم.

واللباس ما يتغطى به والليل أخفى للويل.

والمعاش مصدر أو اسم زمان لأن الناس يتقبلون فيه لوجوه تعيشهم.

والشداد المحكمة التي لا تقبل الشق والخرق إلا ما شاء الله.

والوهاج المتلألىء الوقاد.

وفي كتاب الخليل: الوهج النار.

ولا شك أن الشمس جامعة للنور والحرارة.

والمعصرات السحاب بلغة قريش من أعصرت إذا شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك " أحصد الزرع " أي حان أن يحصد، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض وهذا القول مروي عن ابن عباس واختاره أبو العالية والربيع والضحاك.

وقال مجاهد والكلبي ومقاتل وقتادة: هي الرياح التي تنشىء السحاب وتدرّ أخلافه فكأنها مبادىء الإنزال.

الثجاج المنصب بكثرة يقال " ثجة وثج بنفسه " وفي الحديث " أفضل الحج العج والثج " فالعج رفع الصوت بالتلبية والثج صب دماء الهدي.

ثم بين غاية الإنزال وهي إخراج الحب للإنسان، والنبات للأنعام غالباً، والجنات الملتفة لأجل التلذذ والتفكه.

قال الكسائي والأخفش: والألفاف جمع لف بالكسر ويحتمل أن يكون جمع لفيف كشريف وأشراف.

وقال في الكشاف: إنه لا واحد له كالأوزاع للجماعات المتفرقة ومنه قولهم " أخوة أخياف " أي مختلفة.

واعلم أن هذه التسعة نظراً إلى حدوثها وإمكانها تدل على الفاعل المختار، ونظراً إلى ما فيها من الإتقان والإحكام تدل على كمال علمه وحكمته الذاتية.

وبعد ثبوت كماله في هذه الأوصاف لم يبق للمتأمل شك في إمكان الحشر وقد أخبر الصادق عن وقوع هذا الممكن فوجب الجزم به على أن في إخراج النبات بعد جفافه ويبسه دليلاً ظاهراً على إمكان إخراج الموتى من القبور وبعثهم فلهذا رتب على هذه البيانات قوله ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتاً ﴾ أي حداً توقت به الدنيا أو حداً لفصل الحكومات تنتهي الخلائق إليه.

والنفخة ههنا هي الثانية التي تكون عندها الحياة بدليل قوله ﴿ فتأتون أفواجاً ﴾ أي طائفة طائفة إلى أن يتكامل اجتماعهم.

وقال عطاء: كل نبي يأتي مع أمته.

وروى صاحب الكشاف عن معاذ أنه سأل رسول الله  عنه فقال  : " "يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ثم أرسل عينيه وقال: تحشر عشرة أصناف من أمتيّ بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمي، وبعضهم صم بكم، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشدّ نتناً من الجيف، وبعضهم ملبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم.

فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس، وأما الذين على صورة الخنازير فآكل السحت، وأما المنكسون فأكلة الربا، وأما العمي فالذين يجورون في الحكم، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعملاهلم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هو أشد نتناً من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء " وفتح السماء شقها وانفطارها أو معنى آخر مغاير لهما.

والضمير في ﴿ فكانت ﴾ للسماء كأنها لكثرة أبوابها المفتوحة لنزول الملائكة صارت بكليتها أبواباً كقوله ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً  ﴾ ويحتمل أن يعود إلى مقدر دل عليه الكلام أي فكانت تلك المواضع المفتوحة أبواباً.

وقال الواحدي: المضاف محذوف أي فكانت ذات أبواب.

وأما الجبال فإنه  ذكر حالها بعبارات مختلفة، ويمكن الجمع بينها بأن تدرك أوّلاً ﴿ وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة  ﴾ ثم تصير كالعهن ثم تصير كالهباء ﴿ وبست الجبال بساً فكانت هباء منبثاً ﴾ وهي في كل هذه الأحوال باقية في مواضعها ثم تنسف بإرسال الرياح عليها ﴿ وإذا الجبال نسفت  ﴾ ثم تطير ههنا أحوال إذا برزت من تحتها ﴿ ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة  ﴾ والثاني للجبال فتطيره في الهواء كالهباء فمن نظر إليها حسبها لتكاثفها أجساماً جامدة وهي بالحقيقة مارة بتحريك الهواء كما قال ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب  ﴾ والثالث لها باعتبار أماكنها الأصلية فمن نظر إلى المواضع من بعيد ظن أن الجبال هناك حتى إذا دنا منها لم يجد فيها شيئاً ﴿ كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً  ﴾ وقد أشار إلى هذه الحالة بقوله ﴿ وسيرت الجبال فكانت سراباً ﴾ .

ثم أخبر عن أحوال السعداء والأشقياء يومئذ.

وقدم ذكر هذا المقام غير محرر فلينظر الأشقياء لأن الكلام في السورة بني على التهديد فقال ﴿ إن جهنم كانت ﴾ أي في علم الله أو هي مسلوبة الدلالة على المضي.

والمرصاد إما اسم للمكان الذي يرصد فيه كالضمار للذي تضمر فيه الخيل، والمنهاج إسم للمكان الذي ينهج فيه.

والمعنى أن خزنة جهنم يرصدون الكفار هناك، أو أن خزنتها يستقبلون المؤمنين عندها لأن جوازهم عليه بدليل قوله ﴿ وإن منكم إلا واردها  ﴾ ولهذا قال الحسن وقتادة: يعني طريقاً إلى الجنة.

وإما صفة نحو " مقدام " بمعنى أنها ترصد أعداء الله.

وقوله ﴿ للطاغين ﴾ متعلق بما بعده أو بما قبله، وعلى التقديرين لا بد من إضمار وهو لفظة لهم أو لأهل الجنة.

ثم ذكر كيفية استقرارهم هناك فقال ﴿ لابثين ﴾ ومن قرأ بغير ألف فهو أدل على الثبات.

قال جار الله: اللابث من وجد منه اللبث فقط، واللبث من لا يكاد يبرح المكان أما الأحقاب فزعم الفراء أن أصله الترادف والتتابع أي دهوراً مترادفة لا تكاد تتناهى كلما مضى حقب تبعه آخر.

وقال الحسن: الأحقاب لا يدري أحد ما هي ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدّون.

وسأل هلال الهجري علياً فقال: الحقب مائة سنة السنة اثنا عشر شهراً والشهر ثلاثون يوماً واليوم ألف سنة.

وقال عطاء والكلبي ومقاتل عن ابن عباس: الحقب الواحد بضع وثمانون سنة والسنة ثلثمائة وستون يوماً واليوم ألف سنة من أيام الدنيا.

ونحو هذا يروى عن ابن عباس وقطرب مرفوعاً.

فإن قيل: عذاب أهل النار ولا سيما الطاغين غير متناه والأحقاب بالتفاسير المذكورة وإن كثر مبلغها متناهية، فلما وجه الجمع بينهما؟

قلنا: الحق متناه ولكن الأحقاب لا نسلم أنها متناهية فإن الجمع لا يلزم تناهي آحاده فيجوز أن يكون المعنى كلما مضى حقب تبعه آخر.

قال الفراء: سلمنا أن الأحقاب تفيد التناهي لكن بالمفهوم والنصوص الدالة على التأبيد كقوله ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وماهم بخارجين منها  ﴾ تدل بالمنطوق ولا شك أن المنطوق راجح.

وقال الزجاج: المعنى أنهم يلبثون فيه أحقاباً غير ذائقين برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً، ثم ينقلون إلى جنس آخر غير الحميم والغساق.

وذكر في الكشاف وجهاً آخر وهو أن يكون أحقاباً من حق بعامنا هذا إذا قل خيره.

وحقب فلان ذا أخطأ الرزق فهو حقب كحذر وجمعه أحقاب فينتصب حالاً منهم أي لابثين في أسوأ حال.

والبرد معروف أي لا يجدون هواء بارداً ولا ماء بارداً.

وقال الأخفش والفراء: هو النوم ولذلك أن البرد لازم للنوم ولهذا يسكن العطش.

وسببه توجه الحرارة الغريزية إلى الباطن عند فتور الحواس الظاهرة والحركات الاختيارية وفي أمثالهم " منع البرد البرد " أي أصابني من البرد ما منعني من النوم.

وقد يضعف هذا القول أنهم لا يقولون ذقت البرد ويقولون " ذقت الكرى " وبأنهم يجدون الزمهرير فكيف يصح نفي البرد عنهم.

وقد يجاب عن الأول بأن الذوق في الصورتين مجاز فأي ترجيح لأحدهما على الآخر.

وعن الثاني بأن المراد برد له روح لا الذي فيه عذاب.

والحميم الماء البالغ في الحرارة، والغساق صديد أهل النار.

قوله ﴿ جزاء ﴾ نصب على المصدر أي جزاهم جزءا.

وانتصب ﴿ وفاقاً ﴾ على الوصف أي ذا وفاق أو موافقاً لعملهم في القبح والفظاعة والدوام.

ثم ذكر علة التأبيد فقال ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حساباً ﴾ لا يخافون أو لا يتوقوعن حساباً وهذه إشارة إلى نقصانهم بحسب القوة العلمية فإن الذي اعتقد أنه لا حشر ولا حساب ولا يبالي بأي شيء ترك من القبائح والمظالم أو أي شيء ترك من الخيرات والفضائل.

قوله ﴿ وكذبوا بآياتنا كذاباً ﴾ إشارة إلى فساد عقائدهم حتى جحدوا الحق وكذبوا الرسل.

ومصدر " فعل " مشدد العين يجيء على " فعال " بالتشديد وهو الأكثر، وبالتخفيف عند بعضهم ولهذا لم يقرأ به إلا في الشواذ.

قال جار الله: هو مصدر كذب بدليل قوله: فصدّقتها وكذبتها *** والمرء ينفعه كذابه وهو مثل قوله ﴿ أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ يعني وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذاباً أو تنصبه بـ ﴿ كذبوا ﴾ لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب.

وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة أو كذبوا بها مكاذبين، لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يبالغ في أمر فبلغ فيه أقصى جهده.

أقول: أراد بهذا الوجه الأخير أن باب المغالبة يبنى على المفاعلة فيمكن أن يستدل بالمفاعلة على المبالغة بطريق العكس الجزئي ﴿ وكل شيء أحصيناه ﴾ من باب الإضمار على شريطة التفسير.

قوله ﴿ كتاباً ﴾ مصدر لأنه والإحصاء يتلاقيان في معنى الضبط والتحصيل، ويجوز أن يكون حالاً أي مكتوباً في اللوح أو في صحف الأعمال.

قال جار الله: هذه جملة معترضة.

أقول: إنها من تمام التعليل المذكور أي فعلوا كذا وكذا ونحن عالمون بجميع الكليات والجزيئات فلهذا كتبنا جزاء العاصين على وفق أعمالهم.

ثم أظهر غاية السخط بطريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والتعقيب بفاء الجزاء الدال على أن المذكور سبب عن كفرهم بالحسنات وتكذيبهم بالآيات.

وزيادة العذاب يحتمل أن تكون لأجل أن المؤثر إذا استمرَّ ودام ازداد الإحساس بأثره، ويحتمل أن يكون لازدياد كفرهم وعتوّهم حيناً بعد حين كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ ويحتمل أن تكون زيادة العذاب عبارة عن نفس استمراره لأنه يتزايد بمرور الزمان، والمراد انا لن نخلصكم من العذاب إلى خلافه.

ثم شرع في شرح أحوال السعداء قائلاً ﴿ إن للمتقين مفازاً ﴾ فوزاً وظفراً بالمطالب والأماني أو موضع فوز ثم فسره بقوله ﴿ حدائق ﴾ الخ.

والحدائق البساتين فيها أنواع الشجر وقد مرّ في قوله ﴿ حدائق ذات بهجة  ﴾ وخص منها الأعناب لشأن مزيته على سائر الفواكه.

والكواعب النواهد واحدها كاعب كطالق وطامث وهي التي ظهر ثديها كالكعب لها نتوّ قليل.

والأتراب اللذات.

والدهاق المترعة المملوءة وهذا قول أكثر أهل اللغة كأبي عبيدة والزجاج والكسائي والمبرد.

يروى أن ابن عباس دعا غلاماً له فقال: اسقنا دهاقاً فجاء الغلام بها ملآنة فقال ابن عباس: هذا هو الدهاق.

وعن أبي هريرة وسعيد بن جبير ومجاهد: هي المتتابعة.

قال الواحدي: وأصل هذا من قول العرب أدهقت الحجارة إدهاقاً وهو شدّة تلازمها ودخولها بعضها في بعض.

وعن عكرمة: دهاقاً أي صافية.

والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع دهق وهي خشبتان يعصر بهما.

والكأس الخمر أي خمراً ذات دهاق وهي التي عصرت وصفيت بالدهاق.

﴿ ولا يسمعون فيها ﴾ أي في الجنة وهو الأظهر أو في الكأس وشربها ﴿ لغواً ﴾ كلاماً باطلاً ﴿ ولا كذاباً ﴾ أي لا يكذب بعضهم بعضاً لأنهم إخوان الصفاء أخذان الوفاء.

ومن قرأ بالتخفيف فمعناه أنه لا يجري بينهم كذاب أو مكاذبة.

قال جار الله: ﴿ جزاء ﴾ مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله ﴿ إن للمتقين مفازاً ﴾ كأنه قال: جازى المتقين بمفاوز ﴿ عطاء ﴾ نصب بـ ﴿ جزاء ﴾ نصب المفعول به أي جزاهم عطاء.

وقال الزجاج: المعنى جازاهم بذلك جزاء وأعطاهم عطاء.

ومعنى ﴿ حساباً ﴾ كافياً من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال: حسبي.

وقيل: أي على حسب أعمالهم فمعنى الحساب العدّو والتقدير لبعضهم عشرة ولبعضهم سبعمائة وأكثر.

وقال ابن قتيبة: هو من أحسبت فلاناً أي أكثرت له يعني عطاء كثيراً.

وإنما قال في الأول ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ لأن جزاء السيئة سيئة مثلها أي موافقة لها.

وأما ههنا فالمراد ثواب المؤمنين وليس ذلك بتقدير العمل فقط ولكن بمقدار ما يكفيه.

ثم مدح نفسه بقوله ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن ﴾ وقد تقدّم إعرابه في الوقوف.

والضمير في ﴿ لا يملكون ﴾ قيل للكافرين نقله عطاء عن ابن عباس، يريد لا يخاطب المشركون الله، وأما المؤمنون فيشفعون ويقبل الله ذلك منهم.

وقيل للمؤمنين لأن ذكرهم أقرب من ذكر الكفار، والمراد أنه ما تحيف حقهم فبأي سبب يخاطبونه.

والأكثرون على أن الضمير لأهل السموات والأرض فإن أحداً من المخلوقين لا يملك خطاباً من جهة الله إذ كل من هو سواه فهو مملوكه، والمملوك لا يملك من جهة مالكه شيئاً وإلا لم يكن للمالك كمال الملك.

وقالت المعتزلة: إنه عالم بقبح القبيح غني عن فعله وعالم بغناه فلا يفعل إلا الحسن وحينئذ لا وجه للمطالبة والمخاطبة.

ثم أكد المعنى المذكور بقوله ﴿ يوم يقوم الروح ﴾ وهو أعظم المخلوقات قدراً كما مرّ في سورة سبحان في تفسير قوله  ﴿ ويسألونك عن الروح  ﴾ والصف مصدر في الأصل لا يثنى ولا يجمع غالباً فلهذا جاز أن يكون المراد أنهم يقومون صف من الروح وحده ومن الملائكة بأسرهم صف، وجاز أن يكون يراد يقوم الكل صفاً واحداً أو يقومون صفوفاً لقوله ﴿ وجاء ربك والملك صفاً صفاً  ﴾ ثم بين أنهم مع جلالة قدرهم لا يتكلمون إلا بشرطين: أحدهما الإذن من الله، والضمير في ﴿ له ﴾ إما للشافع أو للمشفوع.

والثاني أن يقول ﴿ صواباً ﴾ والضمير في ﴿ قال ﴾ أيضاً إما للشافع فالمراد أنهم لا ينطقون إلا بعد ورود الإذن في الكلام، ثم بعد الإذن يجتهدون حتى لا يتكلمون إلا بما هو حق وصواب.

وإما للمشفوع.

والقول الصواب على هذا التفسير شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ وذلك اليوم الحق ﴾ أي لا باطل فيه ولا ظلم أو هو الكائن لا محالة ﴿ فمن شاء اتخذ ﴾ بالطاعة ﴿ إلى ربه مآباً ﴾ ومرجعاً.

والظاهر أن الضمير عائد في ﴿ شاء ﴾ إلى ﴿ من ﴾ وفيه دليل للمعتزلة.

ويروى عن الخدري وابن عباس أن الضمير لله ﴿ عذاباً قريباً ﴾ هو عذاب الآخرة لأن ما هو آت قريب.

وفي المرء أقوال: فعن عطاء أنه الكافر لتقدّم ذكر الإنذار وقوله الكافر ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم.

وعن الحسن وقتادة: إنه المؤمن لمجيء ذكر الكافر بعده، ولأن المؤمن لما قدّم الخير والشر فهو منتظر لأمر الله كيف يحدث، وأما الكافر فإنه قاطع بالعذاب ومع القطع لا يحصل الانتظار.

والأظهر أنه عام في كل مكلف.

و " ما " استفهامية منصوبة بـ ﴿ قدّمت ﴾ أو موصولة منصوبة بـ ﴿ ينظر ﴾ فيلزم إضمار " إن " حذف العائد من قدّمته، وحذف الجار لأن الأصل أن يقال ينظر إليه.

قوله ﴿ كنت تراباً ﴾ فيه وجوه أحدها: ليتني لم أبعث غير محشور.

الثاني ما ورد في الأخبار أن البهائم تحشر فيقتص للجماء من القرناء ثم تردّ تراباً فيودّ الكافر حالها ليتخلص من العذاب.

وأنكر بعض المعتزلة ذلك لأنه  إذا أعادها فهي بين معوّض وبين متفضل عليه، وعلى التقديرين لا يجوز أن يقطعها عن المنافع لأن ذلك كالإضرار بها.

قال القاضي: إذا وفر الله أعواضها وهي غير كاملة العقل لم يبعد أن يزيل الله حياتها على وجه لا يحصل لها شعور بالألم فلا يكون ضرراً.

وقال بعضهم: إن الحيوانات إذا انتهت مدّة أعواضها جعل الله  كل ما كان منها حسن الصورة ثواباً لأهل الجنة، وما كان قبيح الصورة عقاباً لأهل النار.

الثالث قال بعض الصوفية: أراد يا ليتني كنت متواضعاً في طاعة الله كالتراب لا مرتفعاً كالنار.

الرابع قيل: الكافر إبليس يرى آدم وثواب أولاده فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين  ﴾ .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ﴾ ، أي: مفازا عن أنواع العذاب التي ذكرت في الطاغين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً ﴾ ، فالحدائق هي الأماكن التي أحاطت الأشجار بأطرافها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْنَاباً ﴾ ظاهر، وقد ذكرنا أنهم وعدوا في الآخرة بكل ما يقع لهم الرغبة في الدنيا.

ثم الأصل أن هذه السورة نزلت على إثر التساؤل بقوله  : ﴿ عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ  عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ  ﴾ ، فجائز أن يكون الذي حملهم على السؤال ما اعترض لهم من الشبه، أو خطر ببالهم، فسألوا؛ ليبين لهم، وتزول عنه الشبه، فذكرهم عظم نعمه وعجائب تدبيره وقوته وسلطانه، ووعد أن من أمعن النظر فيها دلهم ذلك على بعثهم وإزاحة الإشكال عنهم بقوله: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ  ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ  ﴾ ، وبين مآب من استقام على الصراط المستقيم، وسلك سبيله، وأخبر أنه من لم ينعم النظر فيها، ولم يعط النصفة من نفسه وضيعها، فمصيره إلى ما ذكر من قوله: ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً  لِّلطَّاغِينَ مَآباً  ﴾ ، وسيعلم ذلك بقوله: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ  ﴾ إن حمل هذا على الوعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً ﴾ قيل: الكاعب: هي التي تكعب ثدياها، وذلك حين تبلغ أن تحيض، وهي ناهد، وهي أشهى ما يكون إلى الرجال.

والأتراب المستويات في السن؛ ففي هذا إنباء أنهن يكن أبدا على سن واحد، لا يتغيرن عن تلك الحال، ولا يهرمن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأْساً دِهَاقاً ﴾ ، قيل: ملآنا.

وقيل: صافيا.

وقيل: متتابعا.

فوصفه بالملآن؛ ليعلم أن ذلك الشراب لا ينقص ما داموا يشربون؛ خلافا لما عليه شراب أهل الدنيا.

ومن حمله على الصفاء، فمعناه: أنه صاف عن الآفات والمكروه التي تكون في شراب أهل أهل الدنيا من التصديع وإذهاب العقل، وغير ذلك.

ومن حمله على التتابع، فمعناه: أن ذلك الشراب لا ينقطع، ولا نفد ما داموا ي شربه، بل يتتابع عليهم، ولا يحدث فيهم حال تمنعهم عن الشرب من السكر وغيره؛ فيمتنعوا عن شربه؛ خلافا لشرب أهل الدنيا.

وروي عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: "كنا إذا استحثثنا الساقي في الجاهلية، قلنا: داهق لنا"، أي: تابع لنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً ﴾ ، أي: لا يسمعون فيها ما يحق أن يلغى، بل يسمعون فيها كل خير، والذي يحق أن يلغى ما ذكروا من الحلف والباطل والكذب؛ فلا يسمعون شيئا من ذلك ما يسمع من أهلها في الدنيا إذا شربوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كِذَّاباً ﴾ إن قرئ بالتخفيف فهو من الكذب؛ أي: لا يكذبون.

وإن قرئ بالتشديد فهو من التكذيب؛ أي: لا يكذب بعضهم بعضا؛ فكان معناه: أن ذلك الشراب لا يعمل فيهم هذا العمل؛ حتى يحملهم على الكذب والتكذيب؛ كما يوجد في شراب أهل الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا ﴾ أي: في الجنة.

ثم قوله: ﴿ كِذَّاباً ﴾ قرأه بعضهم بالتخفيف في الموضعين هانا وفي: ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً  ﴾ وقرئ بالتشديد في الموضعين، وقرأه بعض القراء بالتشديد في الأول ، وبالتخفيف في الثاني.

وعن الكسائي أنه قال: بالتخفيف لغة مضر، وبالتشديد لغة يمانية؛ يقولون: كذبه تكذيبا وكذابا، وخربه تخريبا وخرابا، ونحو ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً ﴾ ، قوله: ﴿ جَزَآءً ﴾ ، أي: جزاهم، و ﴿ عَطَآءً ﴾ : أعطاهم، و ﴿ حِسَاباً ﴾ حاسبهم.

وقال الحسن: جزاهم بأعمالهم، أي: زادهم على القدر الذي استوجبوا.

وقال بعضهم: أعطاهم عطاء كثيرا حتى قال كل واحد منهم: حسبي، حسبي.

والذي يؤيد هذا التأويل ما روي عن ابن عباس -  ما - أنه كان يقرأ: (جواء من ربك عطاء حَسَناً).

وقال بعضهم: جزاء باعمالهم التي كتبت الحفظة، وأحصتها عليهم، وأعطى عطاء حسابا؛ أي: كثيرا؛ جزاء لما أخفوا من أعمالهم التي لم يطلع عليها ملائكة، فأعطاهم عطاء بينا ظاهرا يعرفه الناس.

وجائز أن يكون الجزاء عطاء من ربه، لا أنه يستوجب الجزاء؛ لما ذكرنا أنه لا أحد من هذا البشر إلا وقد سبقت له من الله -  - نعم، لو أنفذ جميع عمره في أداء شكره منها، لم يصل إلى كنه ما عليه من الشكر؛ إذ من قام بالشكر، ووفق عليه، زيد له - أيضا - في النعم؛ لمكان الشكر، فإذا وصل إلى جزاء عمله في الدنيا، لم يستوجب به المزيد؛ فثبت أن الجزاء في الآخرة بحق الإفضال من الله  والإنعام، لا بحق الاستيجاب؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ...

﴾ الآية [النساء: 69]، فسمى الكرامة: إنعاما، وقال في آية أخرى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ  ﴾ ، فجعل ما آتاهم من النعيم فضلا منه؛ فثبت أن الذي جزاهم به عطاء من ربه حساب، أي: كثير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ ، فالرب: المالك، فذكر أنه مالك السماوات والأرض وما بينهما؛ ليعلموا أنه لم يمتحن أحدا بعبادته لحاجة تقع له، أو لمنفعة تصل إليه، بل هو الغني، وله ما في السماوات وما في الأرض، وأن منفعة ما امتحنوا به من العبادات راجعة إلى أنفسهم إذا وفوا بها، وإذا لم يقوموا بأدائها كان الضرر راجعا إليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ بين أنه رحمان؛ ليرغبوا في رحمته، ويتسارعوا إلى مغفرته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً ﴾ هيبة من الله  ، وتعظيما لحقه؛ فلا يملكون من هيبته الخطاب بالشفاعة أو بالخصومة أو بأي شيء كان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً ﴾ ، اختلف في الروح: فمنهم من صرفه إلى أرواح المسلمين.

ومنهم من ذكر أنهم الحفظة على الملائكة يرون الملائكة ولا تراهم الملائكة.

وجائز أن يكون الروح الكتب المنزلة من السماء، كما قال: ﴿ يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ  ﴾ ؛ فتكون الكتب مخاصمة مع من ضيع حقها وبنذها وراء ظهره، وشافعه لمن أدى حقها، وعمل بما فيها.

ومنهم من ذكر أن هذا من المكتوم الذي لا يفسر؛ قال الله  : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً ﴾ ، جائز أن يكون هذا منصرفا إلى الشافع؛ أي: الشافع لا يقول فيما يشفع غير الصواب، وما حل به من الرهبة والخوف من هيبة الله  لا يزيله عن التكلم بالحق؛ بل الله  يثبته على الحق، ويجرى على لسانه الصواب.

وقال بعضهم: معناه: لا يشفع إلا من قال في الدنيا صوابا، وهو الحق.

وقيل: معناه: أنه لا ينال من الشافعة حظا إلا من قال في الدنيا الصواب، والصواب أن يكون مقيما فيما دان به من التوحيد.

وذكر علي بن أبي طالب -  - أنه مر بعجوز وهي تدعو فتقول: "اللهم اجعلني من أهل شفاعة محمد  " فقال لها: قولي: "اجعلني من رفقاء محمد  في الجنة؛ فإن شفاعته لأهل الكبائر من أمته".

قال -  -: وبهذا الفصل تعارضنا المعتزلة، فتقول: إذا قلتم: ا للهم [اجعل لنا] من شفاعة محمد نصيبا، فقد قلتم: اللهم اجعلنا ممن يرتكب الكبائر؛ إذ شفاعته في زعمكم لأهل الكبائر.

فالجواب عن هذا أن الذي ابتلي بارتكاب الكبائر دون الشرك إنما ينال الشفاعة بما سبق منه من الخيرات من التوحيد وتعظيمه ربه - عز وجل - فمحاسنه التي سبقت منه هي التي تجعله محلا للشفاعة، ولولاها ما نالها، فإذا قال: اللهم اجعل لي من شفاعة نبيك نصيبا، فهو يقول: اللهم وفقني على فعل الخيرات، واجعلني ممن يعظمك ويتقرب إليك بالطاعة حتى أنال بها الشفاعة، لا أن يقصد بدعائه جعله من أهل الكبائر، والذي يدل على صحة ما ذكرنا قوله: ﴿ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ  لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ  ﴾ فأخبر الله  أن تسبيحه ما أنقذه من بطن الحوت، ولو لم يكن مسبحا لم يستوجب الخلاص، وكذلك صاحب الكبيرة يستوجب الشفاعة، ويرجى له الخلاص بما سبق منه من الحسنات دون أن يستوجبها لارتكاب الكبيرة.

ثم من قول المعتزلة: أنهم يرون الصغائر مغفورة لأربابها إذا اجتنبوا الكبائر؛ فيقال لهم: إن من دعا الله  ، وسأله المغفرة، فكأنه يدعو، فيقول: اللهم ابتلني بالصغائر حتى تغفرها [لي]، فإن قلتم بأن دعاءه بالمغفرة لا يقتضي ما عارضناكم به، فقولوا كذلك فيمن يقول: "اللهم اجعل لي من شفاعة محمد  نصيبا": إنه لا يقتضي أن يجعله من أهل الكبائر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ ﴾ قيل: معناه: ألا يقال في ذلك اليوم غير الحق.

وجائز أن يكون منصرفا إلى اليوم نفسه؛ فيكون معناه: أن كونه حقا يكون لا محالة.

وقوله: ﴿ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً ﴾ ، أي: مرجعا؛ تأويله: أن الله  بين للخلق سبيل الضلال والهدى، ولم يصد أحدا عن سبيل [الضلال و] الهدى، وبين أن من سلك سبيل الضلال فمآبه إلى النار، ومن سلك سبيل الرشد والهدى، فمآبه إلى الجنة، وذلك مآبه إلى الله  ، واتخاذ السبيل إليه  .

وقوله: ﴿ إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً ﴾ ، أي: العذاب الذي أوعدهم به قريب مأتاه، وإن استبعدتموه في أوهامكم؛ قال الله -  -: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ ، فجائز أن يكون هذا منصرفا إلى الخلائق أجمع مؤمنهم وكافرهم.

ثم تخصيص الأيدي بالذكر هو أن التقديم والتأخير في الشاهد يقع بالأيدي؛ فأضيف إليها؛ وإن احتمل ألا يكون للأيدي صنع فيما ارتكب من الآثام، أو فيما فعل من الخيرات، وهو كالمطر يسمى: رحمة الله، وإن لم يكن ذلك من أوصافه؛ لأنه برحمة الله ما ينزل من السماء، وسمي الكلام: لسانا وإن لم يكن هو لسانا؛ لأنه باللسان ما يتكلم؛ فكذلك التقديم أضيف إلى الأيدي؛ لما بها يقع التقديم في الشاهد وإن لم يكن للأيدي صنع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً ﴾ ، ذكر هذا التمني في الكافر دون المؤمن؛ لأن المؤمن يرى حسناته متقبلة وسيئاته مغفور؛ فيأمن من عقاب الله  ا، والكافر يرى نفسه مؤاخذة بالسيئات، ولا يرى لها حسنات متقبلة؛ فيتمنى أن يكون ترابا؛ ليتخلص عن عذاب الله .

وقال بعضهم: إن الوحوش تحشر والطيور كلها، ثم يقول الله -  -: "كوني ترابا"؛ فيتمنى الكافر في ذلك الوقت أن يكون ترابا، والله أعلم [بالصواب].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن للمتقين ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، مكانَ فوزٍ يفوزون فيه بمطلوبهم وهو الجنة.

<div class="verse-tafsir" id="91.p3rjV"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان غير المؤمنين يسأل بعضهم بعضًا عن رسالة النبي  ، ويسألون غيرهم فيقولون: هل هو رسول؟

وما هذا الخبر الذي جاء به من دعوى أنه مرسل من قِبَل الله يدعوه إلى توحيده وإلى الاعتقاد باليوم الآخر وهو يوم القيامة، يوم يسأل كل عامل عما عمل؟

فبكتهم الله بقوله: عن أي شيء يتساءلون؟

ثم قال: عن الخبر العظيم الذي هم فيه مختلفون، بعضهم ينكره، وبعضهم يتردد في صحته، ثم رد عليهم الانكار بقوله: كلا سيعملون، ثم كلا سيعملون -أي ستنكشف لهم الحقيقة، ويرون صحة الخبر، وتنقطع الريبة فيه يوم تقوم الساعة ويفصل بينهم.

ثم ذكرهم بدلائل قدرته وآيات رحمته فقال: ألم نجعل الأرض مهادًا إلخ، أي أن من ينعم على الناس هذه النعم العظيمة لا يهملهم من إرسال داع إلى توحيده بعد ما ضلوا عنه، وهاد إلى طريقة المستقيم، ومذكر بيوم الحساب، وليس بعظيم على صاحب هذا الاحسان أن يرسل ذلك الرسول، ولا أن يحقق ما يدعو إلى الاعتقاد به من شؤون اليوم الآخر، وهي ما ذكر في قوله: إن يوم الفصل إلخ.

(عم) أصله عما، أي عن أي شيء، والإبهام للتعظيم، و(النبأ) الخبر الذي يُهْتَمّ له.

و(كلا) للردع ونفي الزعم الباطل.

(المهاد) الفراش، وقد جعل الله الأرض موطئًا للناس والدواب يقيمون عليها، فهي فراش لهم.

و(الأوتاد) جمع وتد، بسكون التاء وكسرها وهو معروف، وإنما كانت الجبال أوتادًا لأن بروزها في الأرض كبروز الأوتاد المغروزة فيها، ولأنها في تثبيت الأرض ومنعها من الَميدان والاضطراب كالأوتاد في حفظ الخيمة من مثل ذلك، كأن أقطار الأرض قد شدت إليها، ولولا الجبال لكانت الأرض دائمة الاضطراب بما في جوفها من المواد الدائمة الجيشان.

و(أزواجًا) ذكرًا وأنثى ليتم الائتناس والتعاون على سعادة المعيشة وحفظ النسل وتكميله بالتربية، و (السبات) بضم السين الموت، والسبوت الميت، من السبت وهو القطع.

والنوم أحد الموتين، ونعمة الله فيه كبيرة، فإن موت بضع ساعات في اليوم يريح القوى من تعبها، وينشطها من كسلها، ويعيد إليها ما فقد منها، ولو لم يكن النوم موتًا واليقظة بعثًا لم يتم هذا التجديد للقوى.

(لباس) الجسم ما يستره، والليل شبيه باللباس لأنه يستر الأشخاص بظلمته.

وللناس في هذا الستر فوائد اللباس، فكما أن اللباس يقي من الحر والبرد ويستر العورات عن النظر كذلك يستتر فيه الفار من العدو أو الحيوان المفترس المطارد له، ويختفي فيه الكامن للوثوب على ما يريد التخلص منه والنجاة من شر مساورته.

وكم لظلال الليل عنك من يد تخبر أن المانوية تكذب( ) و(المعاني) الحياة فكما جعل النوم موتًا جعل اليقظة حياة.

والنهار زمن هذه الحياة، أي جعل النهار وقت معاش يستيقظون فيه وينقلبون في حوائجهم ومكاسبهم.

و(السبع الشداد) الطرائق السبع، وهي ما فيه الكواكب السبعة السيارة المشهورة.

وخصها بالذكر لظهورها ومعرفة العامة لها، وإلا فقد بنى ما هو أعظم منها وهو ما وراءها من عوالم السموات ووصفها بالشدة لأنها محكمة متينة لا يؤثر فيها مرور الزمان.

و (الوهاج) المتلألئ الوقاد.

والسراج الوهاج هو الشمس.

و (المعصرات) السحائب والغيوم إذا أعصرت، أي جاء وقت أن تعصر الماء فيسقط منها المطر.

و (الثجاج) المنصب بكثرة.

و (الحب) يعني به ما يقتات به الناس من نحو الحنطة والشعير.

و (النبات) ما يقتات به الدواب من التبن والحشيش "كلوا وارعوا أنعامكم" "متاعًا لكم ولأنعامكم".

و (الجنات) جمع جنة، وهي الحديقة والبستان فيه الشجر أو النخل.

و (ألفافًا) أي ملتفة الشجر لتقارب أغصانه وطول أفنانه.

و (يوم الفصل) هو يوم القيامة، يظهر فيه الحق، وينكشف الستار عن القلوب، والالتباس عن العيون فيفصل بين الحق والباطل.

و (كان ميقاتًا) أي ينتهي إليه الناس فيجتمعون فيه ليرى كُلُّ عاقبة عمله.

وكان كذلك أي قضاه الله وقدره.

(يوم ينفخ في الصور) بدل من يوم الفصل، أو عطف بيان له، والنفخ في الصور تمثيل لبعث الله للناس يوم القيامة بسرعة لا يمثلها إلا نفخة في بوق، فإذا هم قيام ينظرون.

وعلينا أن نؤمن بما ورد من النفخ في الصور وليس علينا أن نعلم ما هي حقيقة ذلك الصور، والبحث وراء هذا عبث لا يسوغ للمسلم.

و (الافواج) الأمم والطوائف، أي تأتون أممًا وطوائف مختلفة.

(وفتحت السماء) أي أنه يتغير في ذلك اليوم نظام الكون، فلا تبقى أرض على أنها تُقِلّ ولا سماء على أنها تظل -بل تكون السماء بالنسبة إلى الأرواح مفتحة الأبواب، بل تكون أبوابًا فلا يبقى علو ولا سفل، ولا يكون مانع يمنع الأرواح من السير حيث تشاء.

والآخرة عالم آخر غير عالم الدنيا التي نحن فيها، فنؤمن بما ورد به الخبر في وصفه ولا نبحث عن حقائقه ما دام الوارد غير محال.

ولا شك أن امتناع السماء علينا إنما هو لطبيعة أجسامنا في هذه الحياة الدنيا.

أما النشأة الأخرى فقد تكون على غير ذلك، فتكون السماء بالنسبة إلينا أبوابًا ندخل من أيها شئنا بإذن الله.

وقد يكون معنى تفتح السماء ما عنى بقوله: إذا السماء انشقت..

إذا السماء انفطرت..

يوم تشقق السماء بالغمام، أي انه يقع الاضطراب في نظام الكواكب، فيذهب التماسك بينها، ولا يكون فيما يسمى سماء إلا مسالك وأبواب لا يلتقي فيها شيء بشيء، وذلك هو خراب الكون العلوي كما يخرب الكون السفلي.

(وسيرت الجبال) تمثيل لمور الأرض في ذلك اليوم، وأن جبالها لا تكون على رسوخها المعروف اليوم، بل يذهب ما كان لها من قرار وتعود كأنها سراب يرى من بعيد، فإذا لمسته لم تجد شيئًا، وذلك لتفرق أجزائها وانبثاث جواهرها.

بعد أن عدد وجوه إحسانه ودلائل قدرته على إرسال رسوله وتأييده، وذكر أن الفصل بين الرسول وبين معانديه سيكون يوم القيامة، وذكر هوله وامتياز شؤونه عن شؤونه أيام الدنيا جاء إلى وعيد المكذبين وبيان ما يلاقونه، وأخبر أن جهنم -وهي دار العذاب- قد قدرها الله مرصادًا واحدًا يرصدون فيه للعذاب، وهي مرجعهم الذي ينتهون إليه، وأنهم سيقيمون فيها مددًا طوالًا، مجدبين معدمين لا يجدون شيئًا من النعيم والراحة، ولا يذوقون فيها روحًا ينفس عنهم حر النار، ولا يذوقون من الشراب إلا الماء الحار والصديد الذي يسيل من أبدانهم جزاء يوافق أعمالهم، لأنهم كانوا لا ينتظرون يوم الحساب، ولذلك اقترفوا السيئات، وأتوا قبائح الأعمال، وكذبوا بالدلائل التي أقامها الله على صدق رسله تكذيبًا أشد تكذيب، وقد أحصى الله كل شيء في كتاب علمه، فلم يغب عنه شيء مما صدر منهم، وسيوفيهم جزاء ما صنعوا، وستكون كلمته العالية أن يقول لهم ذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابًا.

(المآب) المرجع.

(لابثين) مقيمين.

(الاحقاب) جمع حقب بضمتين، قيل هو ثمانون سنة، وقيل أكثر من ذلك.

والمراد المدد المتطاولة، ولا يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها، أي يلبثون فيها مددًا إلى غير النهاية.

(البرد) برد الهواء، أو هو النوم، ورد عن بعض العرب "منع البرد البرد".

(الغساق) من غسق يغسق إذا انصب وسال، وهو القبح والصديد الدائم السيلان من أجساد أهل النار.

(الوفاق) مصدر وافق، وصف به الجزاء مبالغة.

(كذابًا) أي تكذيبًا.

وهذه الصيغة فاشية في كلام فصحاء العرب في باب فعل، فيقال فسر فسارًا مثلًا.

(كتابًا) مصدر كتب، وهو في موضع إحصاء، كأنه قيل أحصيناه إحصاء، أو أن أحصيناه في معنى كتبناه، لأن الإحصاء بالكتابة والكتابة هنا على النحو الذي يليق بتنزيه الله تعالى، وهو أعلى من كتابتنا التي نعرفها، واشد منها ضبطًا، لكنا لا نُكَلَّف بالبحث عنها، فذلك مما نؤمن به ونكل علم حقيقته إلى الله.

(إن للمتقين إلخ).

بعد ما بين حال المكذبين جاء بما يناله المتقون، وأنهم سيفوزون بالأجر العظيم في الجنان التي وصفها ووصف ما فيها، وأن ذلك عطاء لهم من مالك السموات والأرض، عظيم الرحمة والإنعام الذي لا يملك أحد من أهل السموات والأرض أن يخاطبه في شأن الثواب والعقاب، بل هو المتصرف فيه وحده في ذلك اليوم الذي يقوم فيه الروح والخلق المقدس من عالم الغيب والملائكة صفًا، ولا يمكن لأحد أن يتكلم إلا من أذن له الرحمن ونطق بالصواب.

(المفاز): الفوز بالنعيم والثواب أو مكان ذلك.

(والحدائق): البساتين فيها أنواع الشجر المثمر.

و(الاعناب) معروفة، جمع عنب، خصها بالذكر لأهميتها.

و (الكواعب) البنات اللاتي استدارت ثديهن.

و(الاتراب) اللاتي من سن واحدة.

والتمتع بهذه البنات في الجنة مما يتمثله الانسان في هذه الدنيا على نحو من اللذة ولكن لا تعلم حقيقته في الجنة، وغاية ما يجب أن نصدق به أنه تمتع فائق اللذة على حسب ما يناسب ذلك العالم الأخروي.

(كأس) إناء من بلور يشرب فيه.

و (الدهاق) المملؤة المترعة، وأدهق الحوض ملأه.

و (اللغو) ما لا يعتد به من الكلام.

و (الكِذّاب) التكذيب كما سبق، واللغو والتكذيب مما تألم له أنفس الصادقين بل هو من أشد الأذى لقلوبهم، فأراد الله إزاحة ذلك عنهم، و (الحساب) الكافي.

و (الروح والملائكة) من مخلوقات الله المغيبة عنا التي لا نُكلَّف بالبحث عن حقائقها، وقيامها واصطفافها على النحو الذي يليق بها.

والذي تفيده هذه الآية الكريمة أنهم -مع قربهم من الله- لا يستطيع أحد منهم أن يشفع لأحد أو يستمنح منحة إلا إذا أذن الله له، ولا يأذن إلا لمن علم أنه سيجاب، وإنما يكون الكلام ضربًا من التكريم لمن يأذن الله له به، يختص به من يشاء ولا أثر له فيما أراد البتة.

(ذلك اليوم الحق إلخ) بعد أن ذكر في قوله: إن يوم الفصل كان ميقاتًا إلخ - أن يوم القيامة موعد يفصل فيه بين الحق والباطل، وترفع فيه ستر الشبهة عن القلوب، وبيّن كيف يتحول العالم فيه من حال إلى حال، وكيف ينشر الموتى ويحشرون.

ثم ذكر أن دار العذاب حد ينتهي إليه أهل الجهالة والجحود في ذلك اليوم الموعود، وأن الفوز موعد لأهل الجنة وهم المتقون.

وأنهى الكلام في تعداد ما أعد لهم بأن ذلك سيكون لهم في ذلك اليوم، ووصفة بوصف آخر لم يسبق، وهو أنه يقوم فيه الروح والملائكة صفًا إلخ، عقب ذلك كله بتأكيد أن هذا اليوم حق لا ريب في أنه يأتي لا محالة.

فإذا كان هذا اليوم يوم الجزاء حقًا لا ريب فيه، ومرجعًا لا مفر منه، والناس فيه فريقان، فريق بعيد عن الله مدحور مآبه النار، ودار العذاب، وفريق مآبه القرب من الله ومنازل الكرامة، فمن كانت له مشيئة صادقة فليتخذ مآبًا إلى ربه، فليعمل عملًا صالحًا يقربه منه ويحله مَحالّ كرامته.

ثم رجع إلى تهديد المخاطبين من المعاندين وتحذيرهم عاقبة عنادهم فقال: (إنا أنذرناكم عذابًا قريبًا) وهو ما وصفه فيما سبق، وقربه لأنهم يجدون منه عقب موتهم، فإن الروح متى فارقت البدن انكشف لها ما ينتظرها، ولا تزال في ألم منه إلى أن تلاقيه يوم ينظر المرء أعماله حاضرة لديه معروضة عليه، وعند ذلك يقول الكافر، من شدة ما يلقى وهول ما يرى: يا ليتني كنت ترابًا، ويتمنى أن كان جمادًا لم يصب حظًا من الحياة.

(الإنذار) الأخبار بالمكروه قبل وقوعه.

(والمرء) الإنسان ذكرًا كان أو أنثى.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل