الآية ١٠ من سورة النازعات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 79 النازعات > الآية ١٠ من سورة النازعات

يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى ٱلْحَافِرَةِ ١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 115 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠ من سورة النازعات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة النازعات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( يقولون أئنا لمردودون في الحافرة ) ؟

يعني : مشركي قريش ومن قال بقولهم في إنكار المعاد ، يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى الحافرة ، وهي القبور ، قاله مجاهد .

وبعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم ونخورها ;

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) يقول تعالى ذكره: يقول هؤلاء المكذّبون بالبعث من مشركي قريش إذا قيل لهم: إنكم مبعوثون من بعد الموت: أئنا لمردودون إلى حالنا الأولى قبل الممات، فراجعون أحياء كما كنا قبل هلاكنا، وقبل مماتنا، وهو من قولهم: رجع فلان على حافرته: إذا رجع من حيث جاء؛ ومنه قول الشاعر: أحــافِرَةً عَــلى صَلَــعٍ وشَـيْبٍ مَعــاذَ اللــهِ مِــنْ سَـفَهٍ وطَيْشٍ (13) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: الْحَافِرَةِ يقول: الحياة .

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ يقول: أئنا لنحيا بعد موتنا، ونبعث من مكاننا هذا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة يقول: أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ أئنا لمبعوثون خلقا جديدا.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة فِي الْحَافِرَةِ قال: أي مردودون خَلقا جديدا .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس أو محمد بن كعب القُرَظيّ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ قال: في الحياة .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السديّ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ قال: في الحياة .

وقال آخرون: الحافرة: الأرض المحفورة التي حُفرت فيها قبورهم، فجعلوا ذلك نظير قوله: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ .

يعني مدفوق، وقالوا: الحافرة بمعنى المحفورة، ومعنى الكلام عندهم: أئنا لمردودون في قبورنا أمواتا.

حدثني محمد بن عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: الْحَافِرَةِ قال: الأرض: نبعث خلقا جديدا، قال: البعث .

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ قال: الأرض، نبعث خلقا جديدا .

وقال آخرون: الحافرة: النار.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قول الله: أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ قال: الحافرة: النار، وقرأ قول الله تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ قال: ما أكثر أسماءها، هي النار، وهي الجحيم، وهي سَقَرُ، وهي جهنم، وهي الهاوية، وهي الحافرة، وهي لَظَى، وهي الحُطَمة.

------------------ الهوامش : (13) البيت في ( اللسان : حفر ) ولم ينسبه .

والرواية فيه وفي تفسير الشوكاني ( 5 : 363 ) " من سفه وعار " قال : في اللسان : يقال : رجع على حافرته أي : الطريق الذي جاء منه .

والحافرة الخلقة الأولى ، وفي التنزيل : { أئنا لمردودون في الحافرة } أي : في أول أمرنا .

وأنشد ابن الأعرابي : " أحافرة ...

" البيت .

يقول : أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي وأمري الأول ، من الغزل أو الصبا ، بعد ما شبت وصلعت .

وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن : { أئنا لمردودون في الحافرة } : من حيث كنا ، يقال : رجع فلان في حافرته : من حيث جاء ، وعلى حافرته : من حيث كان .

ا هـ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يقولون أئنا لمردودون في الحافرة أي يقول هؤلاء المكذبون المنكرون للبعث ، إذا قيل لهم إنكم تبعثون ، قالوا منكرين متعجبين : أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر ، فنعود أحياء كما كنا قبل الموت ؟

وهو كقولهم : أئنا لمبعوثون خلقا جديدا يقال : رجع فلان في حافرته ، وعلى حافرته ، أي رجع من حيث جاء ; قاله قتادة .

وأنشد ابن الأعرابي :أحافرة على صلع وشيب معاذ الله من سفه وعاريقول : أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والصبا بعد أن شبت وصلعت !

ويقال : رجع على حافرته : أي الطريق الذي جاء منه .

وقولهم في المثل : النقد عند الحافرة .

قال يعقوب : أي عند أول كلمة .

ويقال : التقى القوم فاقتتلوا عند الحافرة .

أي عند أول ما التقوا وقيل : الحافرة العاجلة ; أي أئنا لمردودون إلى الدنيا فنصير أحياء كما كنا ؟

قال الشاعر :آليت لا أنساكم فاعلموا حتى يرد الناس في الحافرهوقيل : الحافرة : الأرض التي تحفر فيها قبورهم ، فهي بمعنى المحفورة ; كقوله تعالى : ماء دافق و عيشة راضية .

والمعنى أئنا لمردودون في قبورنا أحياء .

قاله مجاهد والخليل والفراء .

وقيل : سميت الأرض الحافرة ; لأنها مستقر الحوافر ، كما سميت القدم أرضا ; لأنها [ ص: 171 ] على الأرض .

والمعنى أئنا لراجعون بعد الموت إلى الأرض فنمشي على أقدامنا .

وقال ابن زيد : الحافرة : النار ، وقرأ تلك إذا كرة خاسرة .وقال مقاتل وزيد بن أسلم : هي اسم من أسماء النار .

وقال ابن عباس : الحافرة في كلام العرب : الدنيا .

وقرأ أبو حيوة : ( الحفرة ) بغير ألف مقصور من الحافر .

وقيل : الحفرة : الأرض المنتنة بأجساد موتاها ; من قولهم : حفرت أسنانه ، إذا ركبها الوسخ من ظاهرها وباطنها .

يقال : في أسنانه حفر ، وقد حفرت تحفر حفرا ، مثل كسر يكسر كسرا إذا فسدت أصولها .

وبنو أسد يقولون : في أسنانه حفر بالتحريك .

وقد حفرت مثال تعب تعبا ، وهي أردأ اللغتين قاله في الصحاح .لأنهم لا ينامون عليها حينئذ .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يقولون ) يعني المنكرين للبعث إذا قيل لهم إنكم مبعوثون من بعد الموت : ( أئنا لمردودون في الحافرة ) أي : إلى أول الحال وابتداء الأمر ، فنصير أحياء بعد الموت كما كنا ؟

تقول العرب : رجع فلان في حافرته ، أي رجع من حيث جاء ، والحافرة عندهم اسم لابتداء الشيء ، [ وأول الشيء ] .

وقال بعضهم : " الحافرة " وجه الأرض التي تحفر فيها قبورهم ، سميت حافرة بمعنى المحفورة ، كقوله : " عيشة راضية " أي مرضية .

وقيل : سميت حافرة لأنها مستقر [ الحوافر ] أي أئنا لمردودون إلى الأرض فنبعث خلقا جديدا نمشي عليها ؟

وقال ابن زيد : " الحافرة " النار .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يقولون» أي أرباب القلوب والأبصار استهزاء وإنكارا للبعث «أئنا» بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال الف بينهما على الوجهين في الموضعين «لمردودون في الحافرة» أي أنرد بعد الموت إلى الحياة، والحافرة: اسم لأول الأمر، ومنه رجع فلان في حافرته: إذا رجع من حيث جاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يقول هؤلاء المكذبون بالبعث: أنُرَدُّ بعد موتنا إلى ما كنا عليه أحياء في الأرض؟

أنردُّ وقد صرنا عظامًا بالية؟

قالوا: رجعتنا تلك ستكون إذًا خائبة كاذبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة .

أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً ) حكاية لما كان يقوله هؤلاء الكافرون فى الدنيا ، من إنكار للبعث ، ومن استهزاء لمن كان يذكرهم به ، ومن استبعاد شديد لحصوله .

.والمراد بالحافرة : العودة إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم وتحولهم إلى عظام بالية .قال صاحب الكشاف : ( فِي الحافرة ) أى : فى الحالة الأولى يعنون : الحياة بعد الموت .فإن قلت : ما حقيقة هذه الكلمة؟

قلت : يقال : رجع فلان فى حافرته ، أى : فى طريقه التى جاء فيها فحفرها .

أى : أثر فيها بمشيه فيها : جعل أثر قدميه حفرا .

.

ثم قيل لمن كان فى أمر فخرج منه ثم عاد إليه ، رجع إلى حافرته ، أى : طريقته وحالته الأولى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: جواب القسم المتقدم محذوف أو مذكور فيه وجهان الأول: أنه محذوف، ثم على هذا الوجه في الآية احتمالات: الأول: قال الفراء التقدير: لتبعثن، والدليل عليه ما حكى الله تعالى عنهم، أنهم قالوا: ﴿ أَءذَا كُنَّا عظاما نَّخِرَةً ﴾ أي أنبعث إذا صرنا عظاماً نخرة الثاني: قال الأخفش والزجاج: لننفخن في الصور نفختين ودل على هذا المحذوف ذكر الراجفة والرادفة وهما النفختان الثالث: قال الكسائي: الجواب المضمر هو أن القيامة واقعة وذلك لأنه سبحانه وتعالى قال: ﴿ والذريات ذَرْواً  ﴾ ثم قال: ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لصادق  ﴾ وقال: ﴿ ﴾ فكذلك هاهنا فإن القرآن كالسورة الواحدة القول الثاني: أن الجواب مذكور وعلى هذا القول احتمالات الأول: المقسم عليه هو قوله: ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أبصارها خاشعة ﴾ والتقدير والنازعات غرقاً أن يوم ترجف الراجفة تحصل قلوب واجفة وأبصارها خاشعة الثاني: جواب القسم هو قوله: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى  ﴾ فإن هل هاهنا بمعنى قد، كما في قوله: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية  ﴾ أي قد أتاك حديث الغاشية الثالث: جواب القسم هو قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يخشى  ﴾ .

المسألة الثانية: ذكروا في ناصب يوم بوجهين: أحدهما: أنه منصوب بالجواب المضمر والتقدير لتبعثن يوم ترجف الراجفة، فإن قيل كيف يصح هذا مع أنهم لا يبعثون عند النفخة الأولى والراجفة هي النفخة الأولى؟

قلنا المعنى لتبعثن في الوقت الواسع الذي يحصل فيه النفختان، ولا شك أنهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع وهو وقت النفخة الأخرى، ويدل على ما قلناه أن قوله: ﴿ تَتْبَعُهَا الرادفة ﴾ جعل حالاً عن الراجفة والثاني: أن ينصب يوم ترجف بما دل عليه: ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ أي يوم ترجف وجفت القلوب.

المسألة الثالثة: الرجفة في اللغة تحتمل وجهين: أحدهما: الحركة لقوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال  ﴾ .

الثاني: الهدة المنكرة والصوت الهائل من قولهم: رجف الرعد يرجف رجفاً ورجيفاً، وذلك تردد أصواته المنكرة وهدهدته في السحاب، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة  ﴾ فعلى هذا الوجه الراجفة صيحة عظيمة فيها هول وشدة كالرعد، وأما الرادفة فكل شيء جاء بعد شيء آخر يقال ردفه، أي جاء بعده، وأما القلوب الواجفة فهي المضطربة الخائفة، يقال: وجف قلبه يجف وجافاً إذا اضطرب، ومنه إيجاف الدابة، وحملها على السير الشديد، وللمفسرين عبارات كثيرة في تفسير الواجفة ومعناها واحد، قالوا: خائفة وجلة زائدة عن أماكنها قلقة مستوفزة مرتكضة شديدة الاضطراب غير ساكنة، أبصار أهلها خاشعة، وهو كقوله: ﴿ خاشعين مِنَ الذل يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيّ  ﴾ إذا عرفت هذا فنقول، اتفق جمهور المفسرين على أن هذه الأمور أحوال يوم القيامة، وزعم أبو مسلم الأصفهاني أنه ليس كذلك ونحن نذكر تفاسير المفسرين ثم نشرح قول أبي مسلم.

أما القول الأول: وهو المشهور بين الجمهور، أن هذه الأحوال أحوال يوم القيامة فهؤلاء ذكروا وجوهاً أحدها: أن الراجفة هي النفخة الأولى، وسميت به إما لأن الدنيا تتزلزل وتضطرب عندها، وإما لأن صوت تلك النفخة هي الراجفة، كما بينا القول فيه، والراجفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء على ما ذكره تعالى في سورة الزمر، ثم يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن بين النفختين أربعين عاماً، ويروى في هذه الأربعين يمطر الله الأرض ويصير ذلك الماء عليها كالنطف، وأن ذلك كالسبب للأحياء، وهذا مما لا حاجة إليه في الإعادة، ولله أن يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.

وثانيها: الراجفة هي النفخة الأولى والرادفة هي قيام الساعة من قوله: ﴿ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذي تَسْتَعْجِلُونَ  ﴾ أي القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعاداً لها فهي رادفة لهم لاقترابها.

وثالثها: الراجفة الأرض والجبال من قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال ﴾ والرادفة السماء والكواكب لأنها تنشق وتنتثر كواكبها على أثر ذلك.

ورابعها: الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى القول الثاني: وهو قول أبي مسلم أن هذه الأحوال ليست أحوال يوم القيامة، وذلك لأنا نقلنا عنه أنه فسر النازعات بنزع القوس والناشطات بخروج السهم، والسابحات بعدو الفرس، والسابقات بسبقها، والمدبرات بالأمور التي تحصل أدبار ذلك الرمي والعدو، ثم بنى على ذلك فقال الراجفة هي خيل المشركين وكذلك الرادفة ويراد بذلك طائفتان من المشركين غزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقت إحداهما الأخرى، والقلوب الواجفة هي القلقة، والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين كقوله: ﴿ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت  ﴾ كأنه قيل لما جاء خيل العدو يرجف، وردفتها أختها اضطرب قلوب المنافقين خوفاً، وخشعت أبصارهم جبناً وضعفاً، ثم قالوا: ﴿ أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة ﴾ أي نرجع إلى الدنيا حتى نتحمل هذا الخوف لأجلها وقالوا أيضاً: ﴿ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسرة  ﴾ فأول هذا الكلام حكاية لحال من غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين وأوسطه حكاية لحال المنافقين وآخره حكاية لكلام المنافقين في إنكار الحشر، ثم إنه سبحانه وتعالى أجاب عن كلامهم بقوله: ﴿ ﴾ وهذا كلام أبي مسلم واللفظ محتمل له وإن كان على خلاف قول الجمهور.

قوله تعالى: ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أبصارها خاشعة ﴾ اعلم أنه تعالى لم يقل: القلوب يومئذ واجفة، فإنه ثبت بالدليل أن أهل الإيمان لا يخافون بل المراد منه قلوب الكفار، ومما يؤكد ذلك أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: ﴿ أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة ﴾ وهذا كلام الكفار لا كلام المؤمنين، وقوله: ﴿ أبصارها خاشعة ﴾ لأن المعلوم من حال المضطرب الخائف أن يكون نظره نظر خاشع ذليل خاضع يترقب ما ينزل به من الأمر العظيم، وفي الآية سؤالان: السؤال الأول: كيف جاز الابتداء بالنكرة؟

الجواب: قلوب مرفوعة بالابتداء وواجفة صفتها وأبصارها خاشعة خبرها فهو كقوله: ﴿ لَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ  ﴾ .

السؤال الثاني: كيف صحت إضافة الأبصار إلى القلوب؟

الجواب: معناه أبصار أصحابها بدليل قوله يقولون، ثم اعلم أنه تعالى حكى هاهنا عن منكري البعث أقوالاً ثلاثة: أولها: قوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة ﴾ يقال رجع فلان في حافرته أي في طريقه التي جاء فيها فحفرها أي أثر فيها بمشيه فيها جعل أثر قدميه حفراً فهي في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة، كما قيل: ﴿ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ  ﴾ و ﴿ مَّاء دَافِقٍ  ﴾ أي منسوبة إلى الحفر والرضا والدفق أو كقولهم نهارك صائم، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى حافرته، أي إلى طريقته وفي الحديث: «إن هذا الأمر لا يترك على حاله حتى يرد على حافرته» أي على أول تأسيسه وحالته الأولى وقرأ أبو حيوة في الحفرة، والحفرة بمعنى المحفورة يقال: حفرت أسنانه، فحفرت حفراً، وهي حفرة، هذه القراءة دليل على أن الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفور، إذا عرفت هذا ظهر أن معنى الآية: أنرد إلى أول حالنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء كما كنا.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ أَءِذَا كُنَّا عظاما نَّخِرَةً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة وعاصم ناخرة بألف، وقرأ الباقون نخرة بغير ألف، واختلفت الرواية عن الكسائي فقيل: إنه كان لا يبالي كيف قرأها، وقيل: إنه كان يقرؤها بغير ألف، ثم رجع إلى الألف، واعلم أن أبا عبيدة اختار نخرة، وقال: نظرنا في الآثار التي فيها ذكر العظام التي قد نخرت، فوجدناها كلها العظام النخرة، ولم نسمع في شيء منها الناخرة، وأما من سواه، فقد اتفقوا على أن الناخرة لغة صحيحة، ثم اختلف هؤلاء على قولين: الأول: أن الناخرة والنخرة بمعنى واحد قال الأخفش هما جميعاً لغتان أيهما قرأت فحسن، وقال الفراء: الناخر والنخر سواء في المعنى بمنزله الطامع والطمع، والباخل والبخل، وفي كتاب الخليل نخرت الخشبة إذا بليت فاسترخت حتى تتفتت إذا مست، وكذلك العظم الناخر، ثم هؤلاء الذين قالوا: هما لغتان والمعنى واحد اختلفوا فقال الزجاج والفراء: الناخرة أشبه الوجهين بالآية لأنها تشبه أواخر سائر الآي نحو الحافرة والساهرة، وقال آخرون: الناخرة والنخر كالطامع والطمع، واللابث واللبث وفعل أبلغ من فاعل القول الثاني: أن النخرة غير والناخرة غير، أما النخرة فهو من نخر العظم ينخر فهو نخر مثل عفن يعفن فهو عفن، وذلك إذا بلي وصار بحيث لو لمسته لتفتت، وأما الناخرة فهي العظام الفارغة التي يحصل من هبوب الريح فيها صوت كالنخير، وعلى هذا الناخرة من النخير بمعنى الصوت كنخير النائم والمخنوق لا من النخر الذي هو البلى.

المسألة الثانية: إذاً منصوب بمحذوف تقدير إذا كنا عظاماً نرد ونبعث.

المسألة الثالثة: اعلم أن حاصل هذه الشبهة أن الذي يشير إليه كل أحد إلى نفسه بقوله: أنا هو هذا الجسم المبني بهذه البنية المخصوصة، فإذا مات الإنسان فقد بطل مزاجه وفسد تركيبه فتمتنع إعادته لوجوه: أحدها: أنه لا يكون الإنسان العائد هو الإنسان الأول إلا إذا دخل التركيب الأول في الوجود مرة أخرى، وذلك قول بإعادة عين ما عدم أولاً، وهذا محال لأن الذي عدم لم يبق له عين ولا ذات ولا خصوصية، فإذا دخل شيء آخر في الوجود استحال أيقال بأن العائد هو عين ما فني أولاً.

وثانيها: أن تلك الأجزاء تصير تراباً وتتفرق وتختلط بأجزاء كل الأرض وكل المياه وكل الهواء فتميز تلك الأجزاء بأعيانها عن كل هذه الأشياء محال.

وثالثها: أن الأجزاء الترابية باردة يابسة قشفة فتولد الإنسان الذي لابد وأن يكون حاراً رطباً في مزاجه عنها محال، هذا تمام تقرير كلام هؤلاء الذين احتجوا على إنكار البعث بقولهم: ﴿ أَءذَا كُنَّا عظاما نَّخِرَةً ﴾ والجواب: عن هذه الشبهة من وجوه أولها: وهو الأقوى: لا نسلم أن المشار إليه لكل أحد بقوله: أنا هو هذا الهيكل، ثم إن الذي يدل على فساده وجهان الأول: أن أجزاء هذا الهيكل في الزوبان والتبدل، والذي يشير إليه كل أحد إلى نفسه بقوله أنا ليس في التبدل والمتبدل مغاير لما هو غير متبدل والثاني: أن الإنسان قد يعرف أنه هو حال كونه غافلاً عن أعضائه الظاهرة والباطنة، والمشعور به مغاير لما هو غير مشعور به وإلا لاجتمع النفي والإثبات على الشيء الواحد وهو محال، فثبت أن المشار إليه لكل أحد بقوله: أنا ليس هو هذا الهيكل، ثم هاهنا ثلاث احتمالات أحدها: أن يكون ذلك الشيء موجوداً قائماً بنفسه ليس بجسم ولا بجسماني على ما هو مذهب طائفة عظيمة من الفلاسفة ومن المسلمين.

وثانيها: أن يكون جسماً مخالفاً بالماهية لهذه الأجسام القابلة للإنحلال والفساد سارية فيها سريان النار في الفحم وسريان الدهن في السمسم وسريان ماء الورد في جرم الورد فإذا فسد هذا الهيكل تقلصت تلك الأجزاء وبقيت حية مدركة عاقلة، إما في الشقاوة أو في السعادة.

وثالثها: أن يقال: إنه جسم مساو لهذه الأجسام في الماهية إلا أن الله تعالى خصها بالبقاء والاستمرار من أول حال تكون شخص في الوجود إلى آخر عمره، وأما سائر الأجزاء المتبدلة تارة بالزيادة وأخرى بالنقصان فهي غير داخلة في المشار إليه بقوله أنا فعند الموت تنفصل تلك الأجزاء.

وتبقى حية، إما في السعادة أو في الشقاوة، وإذا ظهرت هذه الاحتمالات ثبت أنه لا يلزم من فساد البدن وتفرق أجزائه فساد ما هو الإنسان حقيقة، وهذا مقام حسن متين تنقطع به جميع شبهات منكري البعث.

وعلى هذا التقدير لا يكون لصيرورة العظام نخرة بالية متفرقة تأثير في دفع الحشر والنشر ألبتة، سلمنا على سبيل المسامحة أن الإنسان هو مجموع هذا الهيكل، فلم قلتم: إن الإعادة ممتنعة؟

(أولاً): المعدوم لا يعاد: قلنا: أليس أن حال عدمه لم يمتنع عندكم صحة الحكم عليه بأنه يمتنع عوده، فلم لا يجوز أن لا يمتنع على قولنا أيضاً صحة الحكم عليه بالعود، قول: ثانياً: الأجزاء القليلة مختلطة بأجزاء العناصر الأربعة، قلنا لكن ثبت أن خالق العالم عالم بجميع الجزئيات، وقادر على كل الممكنات فيصح منه جمعها بأعيانها.

وإعادة الحياة إليها.

قوله: ثالثاً: الأجسام القشفة اليابسة لا تقبل الحياة.

قلنا: نرى السمندل، يعيش في النار، والنعامة تبتلع الحديدة المحماة، والحيات الكبار العظام متولدة في الثلوج، فبطل الاعتماد على الاستقراء، والله الهادي إلى الصدق والصواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أقسم سبحانه بطوائف الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد، وبالطوائف التي تنشطها أي تخريجها.

من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، وبالطوائف التي تسبح في مضيها، أي: تسرع فتسبق إلى ما أمروا به، فتدبر أمراً من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم كما رسم لهم ﴿ غَرْقاً ﴾ إغراقاً في النزع، أي: تنزعها من أقاصى الأجساد من أناملها وأظفارها أو أقسم بخيل الغزاة التي تنزع في أعنتها نزعاً تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها؛ لأنها عراب.

والتي تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب من قولك: (ثور ناشط) إذا خرج من بلد إلى بلد، والتي تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر الغلبة والظفر، وإسناد التدبير إليها، لأنها من أسبابه.

أو أقسم بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب.

وإغراقها في النزع: أن تقطع الفلك كله حتى تنحط في أقصى الغرب، والتي تخرج من برج إلى برج، والتي تسبح في الفلك من السيارة فتسبق فتدبر أمراً من علم الحساب.

وقيل النازعات أيدي الغزاة، أو أنفسهم تنزع القسيّ بإغراق السهام، والتي تنشط الأوهاق والمقسم عليه محذوف، وهو (لتبعثن) لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة.

و ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ﴾ منصوب بهذا المضمر.

و ﴿ الراجفة ﴾ الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال، وهي النفخة الأولى: وصفت بما يحدث بحدوثها ﴿ تَتْبَعُهَا الرادفة ﴾ أي الواقعة التي تردف الأولى، وهي النفخة الثانية.

ويجوز أن تكون الرادفة من قوله تعالى: ﴿ قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذى تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ [النمل: 72] ، أي القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعاداً لها، وهي رادفة لهم لاقترابها.

وقيل (الراجفة) الأرض والجبال، من قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال ﴾ [المزمل: 14] والرادفة: السماء والكواكب؛ لأنها تنشق وتنتثر كواكبها على أثر ذلك.

فإن قلت: ما محل تتبعها؟

قلت: الحال، أي: ترجف تابعتها الرادفة.

فإن قلت: كيف جعلت ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ﴾ ظرفاً للمضمر الذي هو لتبعثن، ولا يبعثون عند النفخة الأولى؟

قلت: المعنى لتبعثنّ في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان، وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النفخة الأخرى.

ودلّ على ذلك أنّ قوله: ﴿ تَتْبَعُهَا الرادفة ﴾ جعل حالاً عن الراجفة.

ويجوز أن ينتصب ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ﴾ بما دلّ عليه ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ أي يوم ترجف وجفت القلوب ﴿ وَاجِفَةٌ ﴾ شديدة الاضطراب، والوجيب والوجيف: أخوان ﴿ خاشعة ﴾ ذليلة.

فإن قلت: كيف جاز الابتدء بالنكرة؟

قلت: ﴿ قُلُوبٍ ﴾ مرفوعة بالابتداء و ﴿ وَاجِفَةٌ ﴾ صفتها، و ﴿ أبصارها خاشعة ﴾ خبرها فهو كقوله: ﴿ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ ﴾ [البقرة: 221] ، فإن قلت: كيف صح إضافة الأبصار إلى القلوب؟

قلت: معناه أبصار أصحابها بدليل قوله: ﴿ يَقُولُونَ ﴾ ﴿ فِى الحافرة ﴾ في الحالة الأولى، يعنون: الحياة بعد الموت.

فإن قلت: ما حقيقة هذه الكلمة؟

قلت: يقال: رجع فلان في حافرته، أي: في طريقه التي جاء فيها فحفرها، أي: أثر فيها بمشيه فيها: جعل أثر قدميه حفراً، كما قيل: حفرت أسنانه حفراً: إذا أثر الأكال في أسناخها.

والخط المحفور في الصخر.

وقيل: حافرة، كما قيل: عيشة راضية، أي: منسوبة إلى الحفر والرضا، أو كقولهم: نهارك صائم، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، أي طريقته وحالته الأولى.

قال: أَحَافِرَةٌ عَلَى صلَعٍ وَشَيْبٍ ** مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ سَفَهٍ وَعَارٍ يريد: أرجوعاً إلى حافرة؟

وقيل: النقد عند الحافرة، يريدون عند الحالة الأولى: وهي الصفقة وقرأ أبو حيوة ﴿ في الحفرة ﴾ والحفرة بمعنى: المحفورة.

يقال: حفرت أسنانه فحفرت حفراً، وهي حفرة؛ وهذه القراءة دليل على أن الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفورة.

يقال: (نخر) العظم فهو نخر وناخر، كقولك طمع فهو طمع وطامع؛ وفعل أبلغ من فاعل؛ وقد قرئ بهما: وهو البالي الأجوف الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخير.

و ﴿ إِذاً ﴾ منصوب بمحذوف، تقديره: أئذاكنا عظاماً نرد ونبعث ﴿ كَرَّةٌ خاسرة ﴾ منسوبة إلى الخسران، أو خاسر أصحابها.

والمعنى: أنها إن صحت فنحن إداً خاسرون لتكذيبنا بها، وهذا استهزاء منهم فإن قلت بم تعلق قوله ﴿ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ واحدة ﴾ قلت: بمحذوف، معناه: لا تستصعبوها، فإنما هي زجرة واحدة؛ يعني: لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله عز وجل، فإنها سهلة هينة في قدرته، ما هي إلا صيحة واحدة، يريد النفخة الثانية ﴿ فَإِذَا هُم ﴾ أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتاً في جوفها، من قولهم: زجر البعير، إذا صاح عليه.

والساهرة: الأرض البيضاء المستوية، سميت بذلك لأنّ السراب يجري فيها، من قولهم: عين ساهرة جارية الماء، وفي ضدها: نائمة.

قال الأشعث بن قيس: وَسَاهِرَةٍ يُضْحِى السَّرابُ مُجَلَّلاً ** لأَقْطَارِهَا قَدْ جُبْتُهَا مُتَلَثِّمَا أو لأنّ سالكها لا ينام خوف الهلكة.

وعن قتادة: فإذا هم في جهنم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ ﴾ في الحالَةِ الأُولى يَعْنُونَ الحَياةَ بَعْدَ المَوْتِ مِن قَوْلِهِمْ: رَجَعَ فُلانٌ في حافِرَتِهِ أيْ طَرِيقِهِ الَّتِي جاءَ فِيها، فَحَفَرَها أيْ أثَّرَ فِيها بِمَشْيِهِ عَلى النِّسْبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ أوْ تَشْبِيهِ القابِلِ بِالفاعِلِ وقُرِئَ: «فِي الحُفْرَةِ» بِمَعْنى المَحْفُورَةِ يُقالُ: حَفَرَتْ أسْنانُهُ فَحَفَرَتْ حُفَرًا وهي حَفِرَةٌ.

﴿ أإذا كُنّا ﴾ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ إذا كُنّا عَلى الخَبَرِ.

﴿ عِظامًا نَخِرَةً ﴾ بالِيَةً وقَرَأ الحِجازِيّانِ والشّامِيُّ وحَفْصٌ ورَوْحٌ نَخِرَةً وهي أبْلَغُ.

﴿ قالُوا تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ﴾ ذاتُ خُسْرانٍ أوْ خاسِرٌ أصْحابُها، والمَعْنى أنَّها إنْ صَحَّتْ فَنَحْنُ إذًا خاسِرُونَ لِتَكْذِيبِنا بِها وهو اسْتِهْزاءٌ مِنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يقولون} أى منكر والبعث فى الدنيا استهزاء وانكارا للبعث {أئنا لمردودون في الحافرةِ} استفهام بمعنى الإنكار أي أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر فنعود أحياء كما كنا والحافرة الحالة الأولى يقال لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد غليه رجع إلى حافرته أي إلى حالته الأولى ويقال النقد عند الحافرة أي عند الحالة الأة لى وهى الصفقة أنكروا البعث ثم زادوا استبعاد فقالوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ ﴾ حِكايَةً لِما يَقُولُهُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ المُكَذِّبُونَ بِالآياتِ النّاطِقَةِ بِهِ إثْرَ بَيانِ وُقُوعِهِ بِطَرِيقِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ، وذَكَرَ مُقَدَّماتِهِ الهائِلَةَ وما يَعْرِضُ عِنْدَ وُقُوعِها لِلْقُلُوبِ والأبْصارِ؛ أيْ: يَقُولُونَ إذا قِيلَ لَهُمْ: إنَّكم تُبْعَثُونَ مُنْكِرِينَ لَهُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ ﴿ أإنّا لَمَرْدُودُونَ ﴾ بَعْدَ مَوْتِنا ﴿ فِي الحافِرَةِ ﴾ أيْ: في الحالَةِ الأُولى يَعْنُونَ الحَياةَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لَمّا أقْسَمَ عَلى البَعْثِ وبَيَّنَ ذُلَّهم وخَوْفَهم ذَكَرَ هُنا إقْرارَهم بِالبَعْثِ ورَدَّهم إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ فالِاسْتِفْهامُ لِاسْتِغْرابِ ما شاهَدُوهُ بَعْدَ الإنْكارِ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِما يَقُولُونَ إذْ ذاكَ، والظّاهِرُ ما تَقَدَّمَ وإنَّ القَوْلَ في الدُّنْيا وأيًّا ما كانَ فَهو مِن قَوْلِهِمْ: «رَجَعَ فُلانٌ في حافِرَتِهِ» أيْ طَرِيقَتِهِ الَّتِي جاءَ فِيها فَحَفَرَها؛ أيْ: أثَّرَ فِيها بِمَشْيِهِ، والقِياسُ «المَحْفُورَةُ» فَهي إمّا بِمَعْنى ذا حَفْرٍ أوِ الإسْنادُ مَجازِيٌّ أوِ الكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ بِتَشْبِيهِ القابِلِ بِالفاعِلِ وجَعْلِ الحافِرِيَّةِ تَخْيِيلًا، وذَلِكَ نَظِيرُ ما ذَكَرُوا في ﴿ عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ ويُقالُ لِكُلِّ مَن كانَ في أمْرٍ فَخَرَجَ مِنهُ ثُمَّ عادَ إلَيْهِ رَجَعَ إلى حافِرَتِهِ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: أحافِرَةً عَلى صَلَعٍ وشَيْبٍ مَعاذَ اللَّهِ مِن سَفَهٍ وعارِ يُرِيدُ أأرْجِعُ إلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ في شَبابِي مِنَ الغَزَلِ والتَّصابِي بَعْدَ أنْ شِبْتُ، مَعاذَ اللَّهِ مِن ذاكَ سَفَهًا وعارًا.

ومِنهُ المَثَلُ: النَّقْدُ عِنْدَ الحافِرَةِ، فَقَدْ قِيلَ: الحافِرَةُ فِيهِ بِمَعْنى الحالَةِ الأُولى وهي الصَّفْقَةُ أيِ النَّقْدُ حالَ العَقْدِ لَكِنْ نَقَلَ المَيْدانِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ أنَّ مَعْناهُ النَّقْدُ عِنْدَ السَّبْقِ؛ وذَلِكَ أنَّ الفَرَسَ إذا سَبَقَ أخَذَ الرَّهْنَ، والحافِرَةُ الأرْضُ الَّتِي حَفَرَها السّابِقُ بِقَوائِمِهِ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلاتِ، وقِيلَ: «الحافِرَةُ» جَمْعُ الحافِرِ بِمَعْنى القَدَمِ أيْ ﴿ يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ ﴾ أحْياءٌ نَمْشِي عَلى أقْدامِنا ونَطَأُ بِها الأرْضَ، ولا يَخْفى أنَّ أداءَ اللَّفْظِ هَذا المَعْنى غَيْرُ ظاهِرٍ.

وعَنْ مُجاهِدٍ: «الحافِرَةُ» القُبُورُ المَحْفُورَةُ، أيْ: لَمَرْدُودُونَ أحْياءً في قُبُورِنا، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: هي النّارُ وهو كَما تَرى، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «فِي الحَفِرَةِ» بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الفاءِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن حَفِرَ اللّازِمِ كَعَلِمَ مُطاوِعِ حُفِرَ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ يُقالُ: حَفِرَتْ أسْنانُهُ فَحَفِرَتْ حَفَرًا بِفَتْحَتَيْنِ إذا أثَّرَ الأكّالُ في أسْنانِها وتَغَيَّرَتْ، ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى مَعْنى المَحْفُورَةِ، وقِيلَ: هي الأرْضُ المُنْتِنَةُ المُتَغَيِّرَةُ بِأجْسادِ مَوْتاها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وآياتها ست وأربعون آية مكية قوله تعالى: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً قال مقاتل يعني: ملك الموت ينزع روح الكافر من صدره، كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف.

فيخرج نفسه من حلقه منها العروق، كالغريق في الماء وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً ملك الموت، ينشط روح الكافر من قدمه إلى حلقه.

وقال الكلبي: وَالنَّازِعاتِ يعني: ملك الموت وأعوانه غَرْقاً كرهاً.

يقال: غرقت نفسه في صدره وذلك، أنه ليس من كافر يحضره الموت، إلا عرضت عليه جهنم، فيراها قبل أن يخرج نفسه، فيرى فيها أقواماً، مرة ينغمسون، ومرة يرتفعون.

فعند ذلك، تغرق روحه في جسده.

وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً يعني: الملائكة الذين يقبضون أرواح المؤمنين بالتيسير، وذلك أنه ما من مؤمن يحضره الموت، إلا ويرى منزلته في الجنة.

ويرى فيها أقواماً من أهل معرفته، وهم يدعون إلى أنفسهم، فعند ذلك ينشط إلى الخروج.

ويقال النَّازِعاتِ الملائكة تنزع النفس أغراقاً، كما يغرق النازع في القوس وَالنَّاشِطاتِ الملائكة تقبض نفس المؤمن، كما ينشط العقال.

وقال عطاء: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً يعني: ألقى وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً يعني: الأوهاق.

ثم قال: وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً يعني: الملائكة الذين يقبضون أرواح الصالحين، يسلونها سلاً رقيقاً، ويتركونها حتى تستريح رويداً.

ويقال: وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً يعني: السفن تجري في الماء.

ويقال: وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً يعني: الملائكة جعل نزولها في السماء كالسباحة.

ويقال: وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً يعني: النجوم الدوارة.

كما قال: وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: 33] ثم قال: فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً يعني: الملائكة الذين يسبقون إلى الخير والدعاء.

ويقال: فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً بالخير يعني: أرواح المؤمنين يعرج بها إلى السماء، سراعاً يفتح لها أبواب السماء.

ويقال: فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً يعني: خيول الغزاة.

فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً يعني: الملائكة الذين جعل إليهم تدبير الخلق، وهم جبريل وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، عليهم السلام.

أما جبريل فعلى الوحي، وإنزال الرحمة، والعذاب على الخلائق بأمر الله وأما ميكائيل فعلى الأمطار والنبات، يقسم على البلاد والعباد بإذن الله.

وأما عزرائيل، وهو ملك الموت، فعلى قبض الأرواح عند انقضاء أجلهم بإذن الله تعالى.

وإما إسرافيل، فعلى النفخ في الصور متى أمره الله تعالى، فهذا كله قسم، وجواب القسم مضمر، فكأنه أقسم بهذه الأشياء، أنهم يبعثون يوم القيامة، لأن في الكلام دليلاً عليه، وهو قوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ يعني: لتبعثن يوم القيامة في يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ يعني: الصيحة الأولى.

تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ يعني: الصيحة الثانية، يعني: النفخة الأولى للصعق، والنفخة الأخرى للبعث.

وروي عن يزيد بن ربيعة، عن الحسن في قوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قال: هما النفختان، فأما الأولى: فيميت الأحياء، وأما الثانية: فتحيي الموتى.

ثم تلا وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: 68] ثم نفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، وأصل الرجفة الحركة يعني: تزلزلت الأرض زلزلة شديدة عند النفخة الأولى، والرادفة كل شيء تجيء بعد شيء، فهو يردفه.

ثم قال: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ يعني: خائفة خاشعة من هول ذلك اليوم.

ويقال: يعني: ذليلة.

ويقال: زائلة عن مكانها.

أَبْصارُها خاشِعَةٌ يعني: أبصار الخلائق ذليلة.

ويقال: أبصار القلوب خاشعة.

ثم ذكر قول الكفار، وإنكارهم البعث فقال: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ تعجباً منهم، وفي الآية تقديم ومعناه: أإنا لمردودون في الحياة بعد الموت.

ويقال: أإنا لمردودون في الحافرة، أي: إلى أول أمرنا.

يقال: رجع فلان في حافرته، وعلى حافرته أي: رجع من حيث جاء.

ثم قال: أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً يعني: بعد ما كنا عظاماً بالية.

قرأ حمزة، والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر إِذَا كُنَّا عظاما ناخرة بالألف، والباقون بغير ألف.

قال بعضهم: معناهما واحد هما لغتان.

وقال بعضهم: الناخرة التي أكلت أطرافها، وبقيت أوساطها، والنخرة التي قد فسدت كلها.

وقال مجاهد: عظاماً نخرة، أو مرفوتة كما قال في قوله: عِظاماً وَرُفاتاً قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ يعني: إن كانوا كما يقولون، فنحن بخسران قوله تعالى: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ يعني: يبعثهم صيحة واحدة، وهو نفخ إسرافيل في الصور فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ يعني: على وجه الأرض يعني: هم قيام على ظهر الأرض.

ويقال: سميت الأرض ساهرة، لقيام الخلق، وسهرهم عليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فَالسَّابِقاتِ، فقيلَ هي الملائكةُ، وقيل: الرياحُ «١» ، وقيل: الخيلُ، وقيل: النُّجُوم، وقيل: المَنايَا تَسْبِقُ الآمالَ، وأما فَالْمُدَبِّراتِ فَهِي الملائكة قَولاً واحداً فيما علمتُ، تدبّر الأمورَ التي سخَّرَها اللَّهُ لَها وصَرَّفَها فيها كالرياح والسحاب، وغير ذلك، والرَّاجِفَةُ النفخة الأولى، والرَّادِفَةُ النفخة الأخِيرَة، وقال ابن زيد: الرَّاجِفَةُ: الموتُ، والرَّادِفَةُ: الساعة «٢» ، وفي «جَامِع الترمذي» عن أُبيِّ بن كعب قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا ذهب ثلثا اللّيل قام، فقال: يا أيّها النَّاسُ، اذكروا اللَّهَ، اذكروا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُها الرَّادِفَةُ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيه، [جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ] » الحديثَ «٣» ، قَال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ، انْتَهَى، وقد أتى به ع «٤» هنا وقال: إذا ذَهَبَ رُبُعُ الليل، والصوابُ ما تقدَّم، ثم أخبرَ تعالى عن قلوبٍ تَجِفُ [في] ذلكَ اليومِ، أي: تَرْتَعِدُ خوفاً وفَرَقاً من العذابِ، واخْتُلِفَ في جوابِ القسم: أين هو؟

فقال الزجاج والفراء: هو محذوفٌ دَلَّ عليهِ الظاهرُ تقديرُه: لَتَبْعَثُنَّ ونحوُه، وقال آخرونَ: هو موجودٌ في جملة قوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ كأنه قَال لَتَجِفَنَّ قلوبُ قومٍ يوم كذا.

هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩)

فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤)

فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩)

وقوله تعالى: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ حكايةُ حالِهم في الدنيا، والمعنى: هم الذين يقولون، والْحافِرَةِ: قال مجاهد والخليل: هي الأرضُ، حافرة بمعنى محفورة، والمراد: القبور والمعنى: أإنا لمردودون أحياء في قبورنا؟، وقيل غير

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ النّازِعاتِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنّازِعاتِ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَلائِكَةُ تَنْزِعُ أرْواحَ الكُفّارِ، قالَهُ عَلَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ.

ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي المَلائِكَةُ تَنْزِعُ نُفُوسَ بَنِي آدَمَ، وبِهِ قالَ مَسْرُوقٌ.

والثّانِي: أنَّهُ المَوْتُ يَنْزِعُ النُّفُوسَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّها النَّفْسُ حِينَ تَنْزِعُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّها النُّجُومُ تَنْزِعُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ تَطْلُعُ ثُمَّ تَغِيبُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ، وابْنُ كَيْسانَ.

والخامِسُ: أنَّها القِسِيُّ تَنْزِعُ بِالسَّهْمِ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ.

والسّادِسُ: أنَّها الوُحُوشُ تَنْزِعُ وتَنْفِرُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والسّابِعُ: أنَّها الرُّماةُ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَرْقًا ﴾ اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ الإغْراقِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: والنّازِعاتِ إغْراقًا، كَما يَغْرَقُ النّازِعُ في القَوْسِ، يَعْنِي: أنَّهُ يَبْلُغُ بِهِ غايَةَ المَدِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنّاشِطاتِ نَشْطًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَلائِكَةُ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها حِينَ تَنْشَطُ أرْواحُ الكُفّارِ حَتّى تُخْرِجَها بِالكَرْبِ والغَمِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قالَ مُقاتِلٌ: يَنْزِعُ مَلَكُ المَوْتِ رُوحَ الكافِرِ، فَإذا بَلَغَتْ تُرْقُوَتَهُ غَرَّقَّها في حَلْقِهِ، فَيَعُذِّبُهُ في حَياتِهِ، ثُمَّ يَنْشِطُها مِن حَلْقِهِ أيْ: يَجْذِبُها- كَما يَنْشَطُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ المُبْتَلِّ.

والثّانِي: أنَّها تَنْشَطُ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ بِسُرْعَةٍ، كَما يَنْشَطُ العِقالُ مِن يَدِ البَعِيرِ إذا حَلَّ عَنْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنَ العَرَبِ: كَما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ بِألْفٍ.

تَقُولُ: إذا رَبَطْتَ الحَبْلَ في يَدِ البَعِيرِ: نَشَطْتُهُ، فَإذا حَلَلْتَهُ قُلْتَ: أنْشَطْتُهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها أنْفُسُ المُؤْمِنِينَ تَنْشَطُ عِنْدَ المَوْتِ لِلْخُرُوجِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

وبَيانُهُ أنَّ المُؤْمِنَ يَرى مَنزِلَهُ مِنَ الجَنَّةِ قَبْلَ المَوْتِ فَتَنْشَطُ نَفْسُهُ لِذَلِكَ.

والثّالِثُ: أنَّ النّاشِطاتِ: المَوْتُ يُنْشِطُ نَفْسَ الإنْسانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: النُّجُومُ تَنْشَطُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ، أيْ: تَذْهَبُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ.

ويُقالُ لِبَقْرِ الوَحْشِ: نَواشِطُ، لِأنَّها تَذْهَبُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والهُمُومُ تَنْشَطُ بِصاحِبِها.

قالَ هِمْيانُ بْنُ قُحافَةَ: أمْسَتْ هُمُومِي تَنْشَطُ المَناشِطا الشّامَ بِي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطا والخامِسُ: أنَّها النَّفْسُ حِينَ تَنْشَطُ بِالمَوْتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّابِحاتِ سَبْحًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَلائِكَةُ تَسْبَحُ بِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: يَقْبِضُونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ كالَّذِي يَسْبَحُ في الماءِ.

فَأحْيانًا يَنْغَمِسُ، وأحْيانًا يَرْتَفِعُ، يَسُلُّونَها سَلًّا رَفِيقًا، ثُمَّ يَدَعُونَها حَتّى تَسْتَرِيحَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ يَنْزِلُونَ مِنَ السَّماءِ مُسْرِعِينَ، كَما يُقالُ لِلْفَرَسِ الجَوادِ: سابِحٌ: إذا أسْرَعَ في جَرْيِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ، والفَرّاءُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المَوْتُ يَسْبَحُ في نُفُوسِ بَنِي آدَمَ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

والرّابِعُ: أنَّها السُّفُنُ تَسْبَحُ في الماءِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والخامِسُ: أنَّها النُّجُومُ، والشَّمْسُ، والقَمَرُ، كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

والسّادِسُ: أنَّها الخَيْلُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالسّابِقاتِ سَبْقًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَلائِكَةُ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحُدُّها: أنَّها تَسْبِقُ الشَّياطِينَ بِالوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، قالَهُ عَلِيٌّ، ومَسْرُوقٌ.

والثّانِي: أنَّها تَسْبِقُ بِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو رَوْقٍ.

والثّالِثُ: أنَّها سَبَقَتْ بَنِي آدَمَ إلى الإيمانِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها أنْفُسُ المُؤْمِنِينَ تَسْبِقُ المَلائِكَةَ شَوْقًا إلى لِقاءِ اللَّهِ، فَيَقْبِضُونَها وقَدْ عايَنَتِ السُّرُورَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المَوْتُ يَسْبِقُ إلى النُّفُوسِ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

والرّابِعُ: أنَّها الخَيْلُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والخامِسُ: أنَّها النُّجُومُ يَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا في السَّيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالمُدَبِّراتِ أمْرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي المَلائِكَةُ.

قالَ عَطاءٌ: وُكِّلَتْ بِأُمُورٍ عَرَّفَهُمُ اللَّهُ العَمَلَ بِها.

وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا أرْبَعَةُ أمْلاكٍ: جِبْرِيلُ، وهو مُوَكَّلٌ بِالرِّياحِ والجُنُودِ.

ومِيكائِيلُ، وهو مُوَكَّلٌ بِالقَطْرِ والنَباتِ.

ومَلَكُ المَوْتِ، وهو مُوَكَّلٌ بِقَبْضِ الأنْفُسِ.

وإسْرافِيلُ، وهو يَنْزِلُ بِالأمْرِ عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ: بَلْ جِبْرِيلُ لِلْوَحْيِ، وإسْرافِيلُ لِلصُّورِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فالمُدَبِّراتُ أمْرًا: تَنْزِلُ بِالحَلالِ والحَرامِ.

فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ هَذِهِ الأقْسامِ، فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ الجَوابَ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: لَتُبْعَثُنَّ، ولَتُحاسَبُنَّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً ﴾ قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ ﴾ ، وهي النَّفْخَةُ الأوْلى الَّتِي يَمُوتُ مِنها جَمِيعُ الخَلائِقِ.

و " الرّاجِفَةُ " صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ فِيها تَرَدُّدٌ واضْطِرابٌ كالرَّعْدِ إذا تَمَحَّضَ.

و " تَرْجُفُ " بِمَعْنى: تَتَحَرَّكُ حَرَكَةً شَدِيدَةً ﴿ تَتْبَعُها الرّادِفَةُ ﴾ وهِيَ: النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ رَدِفَتِ الأُولى، أيْ: جاءَتْ بَعْدَها.

وكُلُّ شَيْءٍ جاءَ بَعْدَ شَيْءٍ فَهو يُرْدِفُهُ ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ ﴾ أيْ: شَدِيدَةُ الِاضْطِرابِ لِما عايَنَتْ مِن أهْوالِ القِيامَةِ ﴿ أبْصارُها خاشِعَةٌ ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ لِمُعايَنَةِ النّارِ.

قالَ عَطاءٌ: وهَذِهِ أبْصارُ مَن لَمْ يَمُتْ عَلى الإسْلامِ.

ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّهُ ذَكَرَ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ " أئِنّا " بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الأوْلى وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ، وفَصَلَ بَيْنِهِما بِألِفٍ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الحافِرَةَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.

فالمَعْنى: أنَرْجِعُ أحْياءً بَعْدَ مَوْتِنا؟!

وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطِيَّةَ، والسُّدِّيِّ.

قالَ الفَرّاءُ: يَعْنُونَ: أنُرَدُّ إلى أمْرِنا الأوَّلِ إلى الحَياةِ؟!

والعَرَبُ تَقُولُ: أتَيْتُ فُلانًا، ثُمَّ رَجَعْتُ عَلى حافِرَتِي، أيْ: رَجَعْتُ مِن حَيْثُ جِئْتُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: رَجَعَ فُلانٌ في حافِرَتِهِ، وعَلى حافِرَتِهِ: إذا رَجَعَ مِن حَيْثُ جاءَ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّها الأرْضُ الَّتِي تُحْفَرُ فِيها قُبُورُهُمْ، فَسُمِّيَتْ حافِرَةً، والمَعْنى: مَحْفُورَةً، كَما يُقالُ: ﴿ ماءٍ دافِقٍ  ﴾ و ﴿ عِيشَةٍ راضِيَةٍ  ﴾ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والخَلِيلِ.

فَيَكُونُ المَعْنى: أئِنّا لَمَرْدُودُونَ إلى الأرْضِ خَلْقًا جَدِيدًا؟!

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ فِي الحافِرَةِ ﴾ أيْ: إلى أوَّلِ أمْرِنا.

ومَن فَسَّرَها بِالأرْضِ، فَإلى هَذا يَذْهَبُ، لِأنّا مِنها بُدِئْنا.

قالَ الشّاعِرُ: أحافِرَةٌ عَلى صَلَعٍ وشَيْبٍ ∗∗∗ مَعاذَ اللَّهِ مِن سَفَهٍ وعارِ [كَأنَّهُ قالَ: أأرْجِعُ إلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ في شَبابِي مِنَ الغَزَلِ والصِّبا " بَعْدَ ما شِبْتُ وصَلَعْتُ؟!

" .

والثّالِثُ: أنَّ الحافِرَةَ: النّارُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " ناخِرَةً " .

قالَ الفَرّاءُ: وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ في اللُّغَةِ.

مِثْلُ طَمِعٍ، وطامِعٍ.

وحَذِرٍ، وحاذِرٍ.

وقالَ الأخْفَشُ: هُما لُغَتانِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: نَخِرَ العَظْمُ يَنْخَرُ، فَهو نَخِرٌ.

مِثْلُ عَفِنَ الشَّيْءُ يَعْفَنُ، فَهو عَفِنٌ.

وناخِرَةٌ عَلى مَعْنى: عِظامًا فارِغَةً، يَجِيءُ فِيها مِن هُبُوبِ الرِّيحِ كالنَّخِيرِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ أنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ، وقالُوا: نُرَدُّ أحْياءً إذا مِتْنا وبَلِيَتْ عِظامُنا؟!

﴿ تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ﴾ أيْ: إنْ رُدِدْنا بَعْدَ المَوْتِ لَنَخْسَرَنَّ بِما يُصِيبُنا مِمّا يَعِدُنا بِهِ مُحَمَّدٌ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِسُهُولَةِ البَعْثِ عَلَيْهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ فَإنَّما هِيَ ﴾ يَعْنِي النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ ﴿ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ﴾ أيْ: صَيْحَةٌ في الصُّورِ يَسْمَعُونَها مِن إسْرافِيلَ وهم في الأرْضِ فَيَخْرُجُونَ ﴿ فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ السّاهِرَةَ: وجْهُ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، واللُّغَوِيُّونَ.

قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّها سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّ فِيها نَوْمَ الحَيَوانِ وسَهَرَهم.

والثّانِي: أنَّهُ جَبَلٌ عِنْدَ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّالِثُ: أنَّها جَهَنَّمُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّها أرْضُ الشّامِ، قالَهُ سُفْيانُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ النازِعاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والنازِعاتِ غَرْقًا ﴾ ﴿ والناشِطاتِ نَشْطًا ﴾ ﴿ والسابِحاتِ سَبْحًا ﴾ ﴿ فالسابِقاتِ سَبْقًا ﴾ ﴿ فالمُدَبِّراتِ أمْرًا ﴾ ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الراجِفَةُ ﴾ ﴿ تَتْبَعُها الرادِفَةُ ﴾ ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ ﴾ ﴿ أبْصارُها خاشِعَةٌ ﴾ ﴿ يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ ﴾ ﴿ أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: "النازِعاتِ": المَلائِكَةُ تَنْزِعُ نُفُوسَ بَنِي آدَمَ، و"غَرْقًا" -عَلى هَذا القَوْلِ- إمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإغْراقِ والمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ كَما قالَ عَلَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: تَغْرَقُ نُفُوسُ الكَفَرَةِ في نارِ جَهَنَّمَ، وقالَ السُدِّيُّ وجَماعَةٌ: النازِعاتُ: النُفُوسُ تُنْزَعُ بِالمَوْتِ إلى رَبِّها، و"غَرْقًا" هُنا بِمَعْنى الإغْراقِ أيْ تَغْرَقُ في الصُدُورِ، وقالَ عَطاءٌ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: النازِعاتُ: الجَماعاتُ النازِعاتُ بِالقِسِيِّ، و"غَرْقًا" بِمَعْنى الإغْراقِ، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ كَيْسانَ، والأخْفَشُ: النازِعاتُ: النُجُومُ لِأنَّها تَنْزِعُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ، وقالَ قَتادَةُ: النازِعاتُ: النُفُوسُ الَّتِي تَحِنُّ إلى أوطانِها وتَنْزِعُ إلى مَذاهِبِها، ولَها نِزاعٌ عِنْدَ المَوْتِ، وقالَ مُجاهِدٌ: النازِعاتُ: المَنايا لِأنَّها تَنْزِعُ نُفُوسَ الحَيَوانِ، وقالَ عَطاءٌ وعِكْرِمَةُ: النازِعاتُ: القِسِيُّ أنْفُسُها لِأنَّها تُنْزَعُ بِالسِهامِ.

واخْتُلِفَ في "الناشِطاتِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: هي المَلائِكَةُ لِأنَّها تُنَشِّطُ النُفُوسَ عِنْدَ المَوْتِ، أيْ تُحِلُّها كَحَلِّ العِقالِ، وتَنْشَطُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى إلى حَيْثُ كانَ، وقالَ مُجاهِدٌ: الناشِطاتُ: المَنايا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، والأخْفَشُ، والحَسَنُ: الناشِطاتُ: النُجُومُ لِأنَّها تَنْشَطُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ، أيْ تَذْهَبُ وتَسِيرُ بِسُرْعَةٍ، وَمِن ذَلِكَ قِيلَ لِبَقْرِ الوَحْشِ: النَواشِطُ؛ لِأنَّهُنَّ يَذْهَبْنَ بِسُرْعَةٍ مِن مَوْضِعٍ إلى آخَرَ، وقالَ عَطاءٌ: الناشِطاتُ في الآيَةِ: البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ وما جَرى مَجْراها مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَنْشَطُ مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: أمْسَتْ هُمُومِي تَنْشِطُ المَناشِطا الشامَ بِي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطًا وكَأنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ في هَذا التَأْوِيلِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَشاطِ، وقالَ عَطاءٌ أيْضًا وعِكْرِمَةُ: الناشِطاتُ الأوهانُ، تَقُولُ: نَشِطَتِ البَعِيرُ والإنْسانُ إذا رَبَطَتْهُ، وأنْشَطَتْهُ: إذا حَلَلْتَهُ، حَكاهُ الفَرّاءُ وخُولِفَ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ « "كَأنَّما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الناشِطاتُ: النُفُوسُ المُؤْمِنَةُ تَنْشَطُ عِنْدَ المَوْتِ لِلْخُرُوجِ.

والسَبْحُ: العَوْمُ في الماءِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في خَرْقِ الهَواءِ والتَقَلُّبِ فِيهِ، واخْتُلِفَ في "السابِحاتِ" في الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: هي النُجُومُ لِأنَّها تَسْبَحُ في فَلَكٍ، وقالَ عَلِيٌّ ومُجاهِدٌ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي المَلائِكَةُ لِأنَّها تَتَصَرَّفُ في الآفاقِ بِأمْرِ اللهِ تَعالى، تَجِيءُ وتَذْهَبُ، وقالَ أبُو رَوْقٍ:السابِحاتُ: الشَمْسُ والقَمَرُ واللَيْلُ والنَهارُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: السابِحاتُ: السَحابُ لِأنَّها كالعائِمَةِ في الهَواءِ، وقالَ عَطاءٌ وجَماعَةٌ: السابِحاتُ: الخَيْلُ، ويُقالُ لِلْفَرَسِ: سابِحٌ، وقالَ آخَرُونَ السابِحاتُ: الحِيتانُ دَوابُّ البَحْرِ فَما دُونَها، وذَلِكَ مِن عَظِيمِ المَخْلُوقاتِ، فَيُرْوى أنَّ اللهَ تَعالى بَثَّ في الدُنْيا ألْفَ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، مِنها أرْبَعُمِائَةٍ في البَرِّ وسِتُّمِائَةٍ في البَحْرِ، وقالَ عَطاءٌ أيْضًا: السابِحاتُ: السُفُنُ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: السابِحاتُ: المَنايا تَسْبَحُ في نُفُوسِ الحَيَوانِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "السابِقاتِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ: هي المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الرِياحُ، وقالَ عَطاءٌ: هي الخَيْلُ، وقِيلَ: النُجُومُ، وقِيلَ: المَنايا تَسْبِقُ الآمالَ، وقالَ الشاعِرُ: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ وأمّا "المُدَبِّراتُ" فَلا أحْفَظُ خِلافًا أنَّها المَلائِكَةُ، ومَعْناها أنَّها تُدَبِّرُ الأُمُورَ الَّتِي يُسَخِّرُها اللهُ تَعالى وصَرَفَها فِيها كالرِياحِ والسَحابِ وسائِرِ المَخْلُوقاتِ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الراجِفَةُ": الأرْضُ بِأهْلِها، تَهْتَزُّ بِنَفْخَةِ الصُوَرِ الأُولى، وقِيلَ الراجِفَةُ النَفْخَةُ نَفْسُها، و"الرادِفَةُ" النَفْخَةُ الأُخْرى، ويُرْوى أنَّ بَيْنَهُما أرْبَعِينَ سَنَةً، وقالَ عَطاءٌ: الراجِفَةُ القِيامَةُ، والرادِفَةُ البَعْثُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الراجِفَةُ المَوْتُ، والرادِفَةُ الساعَةُ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «كانَ النَبِيُّ  إذا ذَهَبَ رُبْعُ اللَيْلِ قامَ وقالَ: "يا أيُّها الناسُ اذْكُرُوا اللهَ، جاءَتِ الراجِفَةُ، تَتْبَعُها الرادِفَةُ، جاءَ المَوْتُ بِما فِيهِ".» ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قُلُوبٍ تَجِفُ ذَلِكَ اليَوْمَ، أيْ تَرْتَعِدُ خَوْفًا وفَرْقًا مِنَ العَذابِ، ووَجِيفُ القَلْبِ يَكُونُ مِنَ الفَزَعِ ويَكُونُ مِنَ الإشْفاقِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: إنَّ بَنِي جَحْجَبى وأُسْرَتَهم ∗∗∗ أكْبادُنا مِن ورائِهِمْ تَجِفُ ورُفِعَ "قُلُوبٌ" بِالِابْتِداءِ، وجازَ ذَلِكَ وهو نَكِرَةٌ لِأنَّها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ".

واخْتَلَفَ الناسُ في جَوابِ القِسْمِ، أيْ هُوَ؟

فَقالَ الفَرّاءُ والزَجّاجُ: هو مَحْذُوفٌ دَلَّ الظاهِرُ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: لِتُبْعَثُنَّ أو لِتُعاقَبُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى  ﴾ ، وهَذا ضَعِيفٌ لِبُعْدِ القَوْلِ، ولِأنَّ المَعْنى هُنالِكَ يَسْتَحِقُّ "أنْ"، وقالَ آخَرُونَ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ اللامِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِيَوْمٍ، وقالَ آخَرُونَ: هو مَوْجُودٌ في جُمْلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الراجِفَةُ ﴾ ....

﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ ﴾ ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِتَجْفُنَ قُلُوبُ يَوْمِ كَذا، ولَمّا دَلَّتِ القُلُوبُ عَلى أصْحابِها ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أبْصارَها وخُشُوعَها، ذُلَّها وما يَظْهَرُ مِنها مِنَ الهَمِّ بِالحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَقُولُونَ" هي حِكايَةُ حالِهِمْ في الدُنْيا، مَعْناهُ: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ، وقَوْلُهُمْ: "أئِنّا" هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ والعَجَبِ والتَكْذِيبِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ يَعْمُرَ: "أِئِنّا" بِهَمْزَتَيْنِ ومُدَّةٍ، عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "آئِنّا" بِهَمْزَتَيْنِ ومُدَّةٍ، عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "أيِنّا" بِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةٍ واحِدَةٍ.

و"الحافِرَةِ" لَفْظَةٌ تُوقِعُها العَرَبُ عَلى أوَّلِ أمْرٍ رَجَعَ إلَيْهِ مِن آخِرِهِ، يُقالُ: عادَ فُلانٌ في الحافِرَةِ إذا ارْتَكَسَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أحافِرَةً عَلى صَلَعٍ وشِيبٍ؟

∗∗∗ مَعاذَ اللهِ مِن سَفَهٍ وعارٍ والمَعْنى: أئِنّا لَمَرْدُودُونَ: إلى الحَياةِ بَعْدَ مُفارَقَتِها بِالمَوْتِ، وقالَ مُجاهِدٌ والخَلِيلُ: الحافِرَةُ الأرْضُ، فاعِلَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ، وقِيلَ: بَلْ هو عَلى النَسَبِ، أيْ ذاتُ حَفْرٍ، والمُرادُ القُبُورُ لِأنَّها حُفِرَتْ لِلْمَوْتى، فالمَعْنى: أئِنّا لَمَرْدُودُونَ أحْياءً في قُبُورِنا؟

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الحافِرَةُ النارُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فِي الحُفْرَةِ" بِغَيْرِ ألِفٍ، فَقِيلَ: هو بِمَعْنى الحافِرَةِ، وقِيلَ: هي الأرْضُ المُنْتِنَةُ المُتَغَيِّرَةُ بِأجْسادِ مَوْتاها، مِن قَوْلِهِمْ: حُفِرَتْ أسْنانُهُ إذا تَأكَلَتْ وتَغَيَرَ رِيحُها.

و"الناخِرَةُ": المُصَوِّتَةُ بِالرِيحِ المُجَوَّفَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وأخْلَيْتُها مِن مُخِّها فَكَأنَّها ∗∗∗ قَوارِيرُ في أجْوافِها الرِيحُ تَنْخُرُ ويُرْوى: تَصْفَرُّ.

و"ناخِرَةٌ" هي قِراءَةُ حَمْزَةَ، وعاصِمٍ، في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، ومَسْرُوقٍ، ومُجاهِدٍ، وجَماعَةٍ سِواهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ، وشِبْلٌ، وقَتادَةُ، وأيُّوبُ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: "نَخِرَةٍ" دُونَ ألْفٍ بَعْدِ النُونِ، ومَعْناهُ: بالِيَة مُتَعَفِّنَة قَدْ صارَتْ رميمًا، يُقالُ: نَخِر العُود والعَظْم إذا بَلِيَ وصارَ يَتَفَتَّتُ، وحُكِيَ عن أبِي عُبَيْدَةَ، وأبِي حاتِمٍ، والفَرّاءِ، وغَيْرِهِمْ أنَّ الناخِرَةَ والنَخِرَةَ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَطامِعٍ وطَمِعٍ، وحاذِرٍ وحَذِرٍ، والأكْثَرُ مِنَ الناسِ عَلى ما قَدَّمْناهُ،قالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: الناخِرَةُ الَّتِي لَمْ تُنْخُرْ بَعْدُ، والنَخِرَةُ الَّتِي قَدْ بَلِيَتْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف إمَّا ابتدائيّ بعد جملة القَسَم وجوابه، لإفادة أن هؤلاء هم الذين سيكونون أصحاب القلوب الواجفة والأبصار الخاشعة يوم ترجف الراجفة.

وإما استئناف بياني لأن القَسَم وما بعده من الوعيد يثير سؤالاً في نفس السامع عن الداعي لهذا القسم فأجيب ب ﴿ يقولون أئنا لمرددون في الحافرة ﴾ ، أي منكرون البعث، ولذلك سلك في حكاية هذا القول أسلوب الغيبة شأنَ المتحدِّث عن غير حاضر.

وضمير ﴿ يقولون ﴾ عائد إلى معلوم من السياق وهم الذين شُهروا بهذه المقالة ولا يخفون على المطلع على أحوالهم ومخاطباتهم وهم المشركون في تكذيبهم بالبعث.

والمُساق إليه الكلام كل من يتأتى منه سماعه من المسلمين وغيرهم.

ويجوز أن يكون الكلام مسوقاً إلى منكري البعث على طريقة الالتفاف.

وحُكي مقالهم بصيغة المضارع لإِفادة أنهم مستمرون عليه وأنه متجدد فيهم لا يرعوون عنه.

وللإِشعار بما في المضارع من استحضار حالتهم بتكرير هذا القول ليكون ذلك كناية عن التعجيب من قولهم هذا كقوله تعالى: ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ﴾ [هود: 74].

وقد علم السامع أنهم ما كرروا هذا القول إلا وقد قالوه فيما مضى.

وهذه المقالة صادرة منهم وهم في الدنيا فليس ضمير ﴿ يقولون ﴾ بعائد إلى ﴿ قلوب ﴾ من قوله تعالى: ﴿ قلوب يومئذ واجفة ﴾ [النازعات: 8].

وكانت عادتهم أن يلقوا الكلام الذي ينكرون فيه البعث بأسلوب الاستفهام إظهاراً لأنفسهم في مظهر المتردد السائل لقصد التهكم والتعجب من الأمر المستفهم عنه.

والمقصود: التكذيب لزعمهم أن حجة استحالة البعث ناهضة.

وجُعل الاستفهام التعجيبي داخلاً على جملة اسمية مؤكدة ب (إنَّ) وبلام الابتداء وتلك ثلاثة مؤكدات مقوية للخبر لإِفادة أنهم أتوا بما يُفيد التعجب من الخبر ومن شدة يقين المسلمين به، فهم يتعجبون من تصديق هذا الخبر فضلاً عن تحقيقه والإِيقان به.

والمَردُود: الشيء المرجَّع إلى صاحبه بعد الانتفاع به مثل العارية ورَدِّ ثمن المبيع عند التفاسخ أو التقابل، أي لَمُرْجَعون إلى الحياة، أي إنا لمبعوثون من قبورنا.

والمراد ب ﴿ الحافرة ﴾ : الحالة القديمة، يعني الحياة.

وإطلاقات ﴿ الحافرة ﴾ كثيرة في كلام العرب لا تتميز الحقيقة منها عن المجاز، والأظهر ما في «الكشاف»: يقال رجَع فلان إلى حافرته، أي في طريقه التي جاء فيها فحَفَرها، أي أثّر فيها بمشْيه فيها جعل أثر قدميه حفراً أي لأن قدميه جعلتا فيها أثراً مثل الحفر، وأشار إلى أن وصف الطريق بأنها حافرة على معنى ذات حفر، وجُوز أن يكون على المجاز العقلي كقولهم: عيشة راضية، أي راض عائشُها، ويقولون: رجع إلى الحافرة، تمثيلاً لمن كان في حالة ففارقها، ثم رجع إليها فصار: رَجَعَ في الحافرة، ورُدّ إلى الحافرة، جارياً مجرى المثل.

ومنه قول الشاعر وهو عمران بن حطّان حسبما ظن ابن السيِّد البطليوسي في شرح «أدب الكتاب»: أحافرةً على صَلَع وشَيْب *** مَعَاذ اللَّهِ مِن سَفَهٍ وعار ومن الأمثال قولهم: «النقد عند الحافرة»، أي إعطاء سبق الرهان للسابق عند وصوله إلى الأمد المعين للرّهان.

يريد: أرجوعا إلى الحافرة.

وظرف (إذا) في قوله: ﴿ إذا كنّا عظاماً نخرة ﴾ هو مناط التعجب وادعاءٌ الاستحالة، أي إذا صرنا عظاماً بالية فكيف نرجع أحياء.

و ﴿ إذا ﴾ متعلق ب ﴿ مردودون ﴾ .

و ﴿ نخرة ﴾ صفة مشتقة من قولهم: نَخِر العَظْم، إذا بَلِي فصار فارغ الوسط كالقصبة.

وتأنيث ﴿ نخرة ﴾ لأن موصوفه جمع تكسير، فوصفه يجري على التأنيث في الاستعمال.

هي همزة (إذا).

وقرأ بقية العشرة {أإذا بهمزتين إحداهما مفتوحة همزة الاستفهام والثانية مكسورة هي همزة (إذا).

وهذا الاستفهام إنكاري مؤكد للاستفهام الأول للدلالة على أن هذه الحالة جديرة بزيادة إنكار الإِرجاع إلى الحياة بعد الموت، فهما إنكاران لإِظهار شدة إحالته.

وقرأ الجمهور نخرة} بدون ألف بعد النون.

وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ورويس عن يعقوب وخلف {ناخرة بالألف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ النّازِعاتِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والنّازِعاتِ غَرْقًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هي المَلائِكَةُ تَنْزِعُ نُفُوسَ بَنِي آدَمَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٌ.

الثّانِي: هو المَوْتُ يَنْزِعُ النُّفُوسَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: هي النُّفُوسُ حِينَ تُنْزَعُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: هي النُّجُومُ تَنْزِعُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ، ومِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

والخامِسُ: هي القِسِيُّ تَنْزِعُ بِالسَّهْمِ، قالَهُ عَطاءٌ.

السّادِسُ: هي الوَحْشُ تَنْزِعُ مِنَ الكَلَإ وتَنْفِرُ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، ومَعْنى ﴿ غَرْقًا ﴾ أيْ إبْعادًا في النَّزْعِ.

﴿ والنّاشِطاتِ نَشْطًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: هي المَلائِكَةُ تَنْشُطُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ بِسُرْعَةٍ كَنَشْطِ العِقالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: النُّجُومُ الَّتِي تَنْشَطُ مِن مَطالِعِها إلى مَغارِبِها، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: هو المَوْتُ يَنْشَطُ نَفْسَ الإنْسانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: هي النَّفْسُ حَيْثُ نَشِطَتْ بِالمَوْتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: هي الأوْهاقُ، قالَهُ عَطاءٌ.

السّادِسُ: هي الوَحْشُ تَنْشَطُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، كَما أنَّ الهُمُومَ تَنَشَطُ الإنْسانَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ قَوْلَ هَمّامِ بْنِ قُحافَةَ أمْسَتْ هُمُومِي تَنْشَطُ المَناشِطا الشّامَ بِي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطًا.

﴿ والسّابِحاتِ سَبْحًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هي المَلائِكَةُ سَبَّحُوا إلى طاعَةِ اللَّهِ مِن بَنِي آدَمَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ.

الثّانِي: هي النُّجُومُ تَسْبَحُ في فَلَكِها، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: هو المَوْتُ يَسْبَحُ في نَفْسِ ابْنِ آدَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: هي السُّفُنُ تَسْبَحُ في الماءِ، قالَهُ عَطاءٌ.

الخامِسُ: هي الخَيْلُ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ، كَما قالَ عَنْتَرَةُ والخَيْلُ تَعْلَمُ حِينَ تَسْ ∗∗∗ بَحُ في حِياضِ المَوْتِ سَبْحًا وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنْ تَكُونَ السّابِحاتُ الخَوْضُ في أهْوالِ القِيامَةِ.

﴿ فالسّابِقاتِ سَبْقًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها هي المَلائِكَةُ تَسْبِقُ الشَّياطِينَ بِالوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومَسْرُوقٌ.

وَقالَ الحَسَنُ: سَبَقَتْ إلى الإيمانِ.

الثّانِي: هي النُّجُومُ يَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: هو المَوْتُ يَسْبِقُ إلى النَّفْسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: هي النَّفْسُ تَسْبِقُ بِالخُرُوجِ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

الخامِسُ: هي الخَيْلُ، قالَهُ عَطاءٌ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنْ تَكُونَ السّابِقاتُ ما سَبَقَ مِنَ الأرْواحِ قَبْلَ الأجْسادِ إلى جَنَّةٍ أوْ نارٍ.

﴿ فالمُدَبِّراتِ أمْرًا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هي المَلائِكَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ، فَعَلى هَذا في تَدْبِيرِها بِالأمْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَدْبِيرُ ما أُمِرَتْ بِهِ وأُرْسِلَتْ فِيهِ.

الثّانِي: تَدْبِيرُ ما وُكِّلَتْ فِيهِ مِنَ الرِّياحِ والأمْطارِ.

الثّانِي: هي الكَواكِبُ السَّبْعَةُ، حَكاهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ; وعَلى هَذا في تَدْبِيرِها لِلْأمْرِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: تَدْبِيرُ طُلُوعِها وأُفُولِها.

الثّانِي: تَدْبِيرُ ما قَضاهُ اللَّهُ فِيها مِن تَقَلُّبِ الأحْوالِ.

وَمِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ ذَكَّرَها بِخالِقِها.

الثّانِي: أنَّهُ أقْسَمَ بِها وإنْ كانَتْ مَخْلُوَقَةً لا يَجُوزُ لِمَخْلُوقٍ أنْ يُقْسِمَ بِها، لِأنَّ لِلَّهِ تَعالى أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن خَلْقِهِ.

وَجَوابُ ما عُقِدَ لَهُ القَسَمُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ لَوْ أظْهَرَ: لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُحاسَبُنَّ، فاسْتَغْنى بِفَحْوى الكَلامِ وفَهْمِ السّامِعِ عَنْ إظْهارِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: أنَّهُ مَظْهَرٌ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ ﴾ ﴿ تَتْبَعُها الرّادِفَةُ ﴾ وفِيهِما ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الرّاجِفَةَ القِيامَةُ، والرّادِفَةَ البَعْثُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ الرّاجِفَةَ النَّفْخَةُ الأُولى تُمِيتُ الأحْياءَ، والرّادِفَةَ: النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ تُحْيِي المَوْتى، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

وَقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (بَيْنَهُما أرْبَعُونَ، ما زادَهم عَلى ذَلِكَ ولا سَألُوهُ، وكانُوا يَرَوْنَ أنَّها أرْبَعُونَ سَنَةً)» .

وقالَ عِكْرِمَةُ: الأُولى مِنَ الدُّنْيا، والثّانِيَةُ مِنَ الآخِرَةِ.

الثّالِثُ: أنَّ الرّاجِفَةَ الزَّلْزَلَةُ الَّتِي تَرْجُفُ الأرْضَ والجِبالَ والرّادِفَةَ إذا دُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ الرّاجِفَةَ أشْراطُ السّاعَةِ، والرّادِفَةَ: قِيامُها.

﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خائِفَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: طائِرَةٌ عَنْ أماكِنِها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ أبْصارُها خاشِعَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذَلِيلَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: خاضِعَةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحافِرَةَ الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وعَطِيَّةُ.

الثّانِي: أنَّها الأرْضُ المَحْفُورَةُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّها النّارُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّها الرُّجُوعُ إلى الحالَةِ الأوْلى تَكْذِيبًا بِالبَعْثِ، مِن قَوْلِهِمْ رَجَعَ فَلانٌ عَلى قَوْمِهِ إذا رَجَعَ مِن حَيْثُ جاءَ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ أحافِرَةُ عَلى صَلَعٍ وشَيْبٍ ∗∗∗ مَعاذَ اللَّهِ مِن جَهْلٍ وطَيْشِ ﴿ أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بالِيَةٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: عَفِنَةٌ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: خالِيَةٌ مُجَوَّفَةٌ تَدْخُلُها الرِّياحُ فَتَنْخُرُ، أيْ تُصَوِّتُ، قالَهُ عَطاءٌ والكَلْبِيُّ.

وَمَن قَرَأ (ناخِرَةً) فَإنَّ النّاخِرَةَ البالِيَةُ، والنَّخِرَةَ الَّتِي تَنْخُرُ الرِّيحَ فِيها.

﴿ تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: باطِلَةٌ لا يَجِيءُ مِنها شَيْءٌ، كالخُسْرانِ، ولَيْسَتْ كاسِبَةً، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ لَئِنْ رَجَعْنا أحْياءً بَعْدَ المَوْتِ لَنَخْسَرَنَّ بِالنّارِ، قالَهُ قَتادَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: إذا كُنّا نَنْتَقِلُ مِن نَعِيمِ الدُّنْيا إلى عَذابِ الآخِرَةِ فَهي كَرَّةٌ خاسِرَةٌ.

﴿ فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: نَفْخَةٌ واحِدَةٌ يَحْيا بِها الجَمِيعُ فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّانِي: الزَّجْرَةُ الغَضَبُ، وهو غَضَبٌ واحِدٌ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ لَأمْرٌ حَتْمٌ لا رَجْعَةَ فِيهِ ولا مَثْنَوِيَّةَ.

﴿ فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وجْهُ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ، والعَرَبُ تُسَمِّي وجْهَ الأرْضِ ساهِرَةً لِأنَّ فِيها نَوْمَ الحَيَوانِ وسَهَرَهُ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ وفِيها لَحْمُ ساهِرَةٍ وبَحْرٌ ∗∗∗ وما فاهُوا بِهِ لَهُمُ مُقِيمُ وَقالَ آخَرُ يَوْمَ ذِي قارٍ لِفَرَسِهِ أقْدِمْ مَحاجِ إنَّها الأساوِرُهُ ∗∗∗ ولا يَهُولَنَّكَ رِجْلٌ بادِرَهْ ∗∗∗ فَإنَّما قَصْرُكَ تُرْبٌ السّاهِرَهْ ∗∗∗ ثُمَّ تَعُودُ، بَعْدَها في الحافِرَهْ مِن بَعْدِ ما صِرْتَ عِظامًا ناخِرَهْ الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ مِنَ الأرْضِ بِعَيْنِهِ بِالشّامِ، وهو الصُّقْعُ الَّذِي بَيْنَ جَبَلِ أرِيحا وجَبَلِ حَسّانَ، يَمُدُّهُ اللَّهُ تَعالى كَيْفَ يَشاءُ، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ أبِي العاتِكَةِ.

الثّالِثُ: أنَّها جَبَلُ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ جَهَنَّمُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّها عَرْضَةُ القِيامِ لِأنَّها أوَّلُ مَواقِفِ الجَزاءِ، وهم في سَهَرٍ لا نَوْمَ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عليّ في قوله: ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: هي الملائكة تنزع أرواح الكفار ﴿ والناشطات نشطاً ﴾ هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها ﴿ والسابحات سبحاً ﴾ هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض ﴿ فالسابقات سبقاً ﴾ هي الملائكة يسبق بعضها بعضاً بأرواح المؤمنين إلى الله ﴿ فالمدبرات أمراً ﴾ قال: هي الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار.

وأخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس ﴿ والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً ﴾ قال: الموت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والناشطات نشطاً ﴾ قال: الموت.

وأخرج جويبر في تفسيره عن ابن عباس في قوله: ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: هي أرواح الكفار لما عاينت ملك الموت فيخبرها بسخط الله غرقت فينشطها انتشاطاً من العصب واللحم ﴿ والسابحات سبحاً ﴾ أرواح المؤمنين لما عاينت ملك الموت قال: اخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى روح وريحان ورب غير غضبان، سبحت سباحة الغائص في الماء فرحاً وشوقاً إلى الجنة ﴿ فالسابقات سبقاً ﴾ قال: تمشي إلى كرامة الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً ﴾ قال: هاتان الآيتان للكفار عند نزع النفس تنشط نشطاً عنيفاً مثل سفود في صوف، فكان خروجه شديداً ﴿ والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً ﴾ قال: هاتان للمؤمنين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: النفس حين تغرق في الصدور ﴿ والناشطات نشطاً ﴾ قال: الملائكة حين تنشط الروح من الأصابع والقدمين ﴿ والسابحات سبحاً ﴾ حين تسبح النفس في الجوف تتردد عند الموت.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: الملائكة الذين يلون أنفس الكفار إلى قوله: ﴿ والسابحات سبحاً ﴾ قال: الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: الملائكة ينزعون نفس الإِنسان ﴿ والناشطات نشطاً ﴾ قال: الملائكة ينشطون نفس الإِنسان ﴿ والسابحات سبحاً ﴾ قال: الملائكة حين ينزلون من السماء إلى الأرض ﴿ فالسابقات سبقاً ﴾ قال: الملائكة ﴿ فالمدبرات أمراً ﴾ قال: الملائكة يدبرون ما أمروا به.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد ﴿ والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً ﴾ قال: الموت.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً فالمدبرات أمراً ﴾ قال: الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: هو الكافر ﴿ والناشطات نشطاً ﴾ قال: هي النجوم ﴿ والسابحات سبحاً ﴾ قال: هي النجوم ﴿ والسابقات سبقاً ﴾ قال: هي النجوم ﴿ فالمدبرات أمراً ﴾ قال: هي الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: القسي ﴿ والناشطات نشطاً ﴾ قال: الأوهاق ﴿ فالسابقات سبقاً ﴾ قال: الخيل.

وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمزق الناس فتمزقك كلاب النار.

قال الله: ﴿ والناشطات نشطاً ﴾ أتدري ما هو؟

قلت يا نبي الله: ما هو؟

قال: كلاب في النار تنشط العظم واللحم» .

وأخرج ابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ والسابحات سبحاً ﴾ قال: هي النجوم كلها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب أن ابن الكوّا سأله عن ﴿ فالمدبرات أمراً ﴾ قال: الملائكة يدبرون ذكر الرحمن وأمره.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الرحمن بن سابط قال: يدبر أمر الدنيا أربعة جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل، فإما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل فهو ينزل عليهم بالأمر.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت من طريق أبي المتوكل الناجي عن ابن عباس في قوله: ﴿ فالمدبرات أمراً ﴾ قال: ملائكة يكونون مع ملك الموت يحضرون الموتى عند قبض أرواحهم، فمنهم من يعرج بالروح، ومنهم من يؤمن على الدعاء، ومنهم من يستغفر للميت حتى يصلى عليه ويدلى في حفرته.

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم ترجف الراجفة ﴾ قال: النفخة الأولى ﴿ تتبعها الرادفة ﴾ قال: النفخة الثانية ﴿ قلوب يومئذ واجفة ﴾ قال: خائفة ﴿ أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ قال: الحياة.

وأخرج عبد حميد والبيهقي في البعث عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم ترجف الراجفة ﴾ قال: ترجف الأرض والجبال، وهي الزلزلة ﴿ تتبعها الرادفة ﴾ قال: دكتا دكة واحدة.

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وعبد بن حميد وابن المنذر والحكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبيّ بن كعب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف الراجفة رجفاً وتزلزل بأهلها وهي التي يقول الله: ﴿ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ﴾ يقول: مثل السفينة في البحر تكفأ بأهلها مثل القنديل المعلق بأرجائه» .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح ﴿ يوم ترجف الراجفة ﴾ قال: النفخة الأولى ﴿ تتبعها الرادفة ﴾ قال: النفخة الثانية.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ﴾ قال: هما الصيحتان، أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله، وأما الأخرة فتحيي كل شيء بإذن الله.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه سئل عن قول الله: ﴿ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ﴾ قال: هما النفختان، أما الأولى فتميت الأحياء، وأما الثانية فتحيي الموتى، ثم تلا هذه الآية ﴿ ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ [ الزمر: 68] .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ قلوب يومئذ واجفة ﴾ قال: وجلة متحركة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ قلوب يومئذ واجفة ﴾ قال: خائفة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ قلوب يومئذ واجفة ﴾ قال: وجلة وفي قوله: ﴿ أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ قال: الأرض نبعث خلقاً جديداً ﴿ أئذا كنا عظاماً نخرة ﴾ قال: مدقوقة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ قلوب يومئذ واجفة ﴾ قال: وجفت مما عاينت ﴿ يومئذ أبصارها خاشعة ﴾ قال: ذليلة ﴿ يقولون أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ أننا لمبعوثون خلقاً جديداً إذا متنا تكذيباً بالبعث ﴿ أئذا كنا عظاماً نخرة ﴾ قال: بالية.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ قال: خلقاً جديداً.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ﴿ أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ قال: الحياة.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ أئنا لمردودون في الحافرة أئذا كنا عظاماً نخرة ﴾ قال: لما نزلت هذه الآية قال كفار قريش: لئن حيينا بعد الموت لنحشرن، فنزلت ﴿ تلك إذاً كرة خاسرة ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب أنه كان يقرأ ﴿ أئذا كنا عظاماً ناخرة ﴾ بألف.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿ ناخرة ﴾ بالألف.

وأخرج الطبراني عن ابن عمر أنه كان يقرأ هذا الحرف ﴿ إئذا كنا عظاماً ناخرة ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد قال: سمعت ابن الزبير يقرؤها ﴿ عظاماً ناخرة ﴾ فذكرت ذلك لابن عباس فقال: أوليس كذلك؟

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر من طرق ابن عباس أنه كان يقرأ التي في النازعات ﴿ ناخرة ﴾ بالألف وقال: بالية.

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب القرظي وعكرمة وإبراهيم النخعي أنهم كانوا يقرؤون ﴿ ناخرة ﴾ بالألف.

وأخرج الفراء عن ابن الزبير أنه قال على المنبر: ما بال صبيان يقرؤون ﴿ نخرة ﴾ إنما هي «ناخرة» وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ عظاماً ناخرة ﴾ قال: بالية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الناخرة العظم يبلى فتدخل الريح فيه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ قالوا تلك إذاً كرة خاسرة ﴾ قال: إن خلقنا خلقاً جديداً لنرجعن إلى الخسران، وفي قوله: ﴿ فإنما هي زجرة واحدة ﴾ قال: صيحة ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: المكان المستوي في الأرض.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ قالوا تلك إذاً كرة خاسرة ﴾ قال: رجعة خاسرة.

قال: فلما تباعد البعث في أنفس القوم قال الله: ﴿ إنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: فإذا هم على ظهر الأرض بعد أن كانوا في جوفها.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: كانوا في بطن الأرض ثم صاروا على ظهرها.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن والشعبي مثله.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الأنباري في الوقف والابتداء وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة أنه سئل عن قوله: ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: الأرض كلها ساهرة.

وقال ابن عباس: قال أمية بن أبي الصلت: وفيها لحم ساهرة وبحر وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: الساهرة وجه الأرض، وفي لفظ، قال: الأرض كلها ساهرة، ألا ترى الشاعر يقول: صيد بحر وصيد ساهرة وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الشعبي ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: إذا هم بالأرض، ثم تمثل ببيت أمية بن أبي الصلت: وفيها لحم ساهرة وبحر ** وما فاهوا به أبداً مقيم وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: بالأرض.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: بالأرض كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ بالساهرة ﴾ قال: تسمى الأرض ساهرة بني فلان.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سهل بن سعد الساعدي ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: أرض بيضاء عفراء كالخبزة من النقى.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه قال: الساهرة جبل إلى جنب بيت المقدس.

وأخرج ابن المنذر عن قتادة ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: في جهنم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ﴾ قال الكلبي: يعنون في الخلق الجديد إلى الدنيا بعد الموت (١) والمعنى: أنرد إلى أول خلقنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء كما كنا؟

وهذا قول جميع أهل اللغة (٢) قال أبو إسحاق (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) والحافرة عند العرب: اسم أول (٨) (٩) (قال ابن السكيت: يقال: التقى القوم فاقتتلوا عند الحافرة، أي عند أول ما التقوا.

قال الله تعالى: ﴿ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ﴾ أي في أول أمرنا، -قال- وأنشدني ابن الأعرابي: أحافرةً على صَلَعٍ وشَيْبِ ...

معَاذَ اللهِ مِنْ سَفَهٍ وعَارِ (١٠) (١١) وفي الحديث: (أن هذا الأمر لا يترك على حاله حتى يرد على حافرته) (١٢) (١٣) قال أبو العباس: هذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند السَّبْق.

والحافرة: الأرض المحفورة.

يقال (١٤) (١٥) (١٦) هذا هو الأصل، ثم صار مثلًا لابتداء الشيء، وأوله، وأصله ابتداء السبق -كما ذكرنا- وللمفسرين قول آخر في الحافرة: قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الأرض (١٧) (١٨) والمعنى: أنرد إلى ظهر الأرض أحياءً نمشي عليها؟

(والحافرة، على هذا القول، من الأرض، سميت حافرة يعني محفورة؛ لأن قبورهم تحفر فيها.

(قاله الفراء) (١٩) ﴿ مَاءٍ دَافِقٍ ﴾ أي مدفوق (٢٠) (٢١) (١) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٢) قال الليث: الحافرة: العودة في الشيء حتى يُردَّ آخره على أوله.

"تهذيب اللغة" 5/ 18 مادة: (حفر)، وانظر: "مقاييس اللغة" 2/ 85، "الصحاح" 2/ 635، "لسان العرب" 4/ 205، وجميعها في مادة: (حفر).

(٣) لعله يريد به الثعلبي، فقد ورد بنحو هذا القول عنه في "الكشف والبيان" ج 13: 36/ ب.

(٤) "مجاز القرآن" 2/ 284.

(٥) ما بين القوسين ساقط من: (ع).

(٦) "معاني القرآن" 3/ 232.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 278.

(٨) بياض في (ع).

(٩) بياض في (ع).

(١٠) ورد البيت غير منسوب في "إصلاح المنطق" لابن السكيت: 295.

وانظر مادة: (حفر) في "تهذيب اللغة" 5/ 18، "الصحاح" 2/ 635، "لسان= العرب" 2/ 205، وفي "جامع البيان" 30/ 33، "الكشف والبيان" ج 13: 36/ أ، "النكت والعيون" 6/ 195 برواية: معاذ الله من جهل وطيش، "زاد المسير" 8/ 173، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 195.

(١١) إلى قوله: بعد أن صلعت وشبت ينتهي قول ابن السكيت.

انظر: "إصلاح المنطق" 295.

(١٢) ورد الأثر في "النهاية في غريب الحديث والأثر" 1/ 406، كما ورد تحت مادة: (حفر) في "تهذيب اللغة" 5/ 18، "لسان العرب" 2/ 205.

(١٣) انظر أيضًا هذا المعنى في "النهاية في غريب الحديث والأثر" 1/ 406.

(١٤) في (ع): يقول.

(١٥) أقل: هكذا وردت في "تهذيب اللغة" 5/ 18 مادة: (حفر).

(١٦) ما بين القوسين أي من قوله: قال ابن السكيت ..

إلى: كما يسبق تقول هات النقد نقله الإمام الواحدي عن الأزهري من "تهذيب اللغة" 5/ 17 - 18 مادة: (حفر).

(١٧) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٨) لم أعثر على مصدر لقوله وقد ورد عن مجاهد بمثل قوليهما.

انظر: "جامع البيان" 30/ 34، وكذا ابن عيسى في "النكت والعيون" 6/ 195.

(١٩) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٢٠) في (أ): مدوق.

(٢١) ما بين القوسين نقله عن الفراء بتصرف.

انظر: "معاني القرآن" 3/ 232، وقد حكاه الفراء عن بعضهم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة * أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً ﴾ هذا حكاية قول الكفار في الدنيا، ومعناه على الجملة إنكار البعث، فالهمزة في قوله: ﴿ أئنا لمردودون ﴾ للإنكار.

ولذلك اتفق العلماء على قراءته بالهمزتين، إلا أن منهم من سهَّل الثانية ومنهم من خففها.

واختلفوا في إذ كنا عظاماً نخرة فمنهم من قرأه بهمزة واحدة لأنه ليس بموضع استفهام ولا إنكار، ومنهم من قرأه بهمزتين تأكيداً للإنكار المتقدم، ثما اختلفوا في معنى الحافرة على ثلاثة أقوال: أحدها أنها الحالة الأولى.

يقال: رجع فلان في حافرته إذا رجع إلى حالته الأولى.

فالمعنى أننا لمردودون إلى الحياة بعد الموت.

والآخر أن الحافرة الأرض بمعنى محفورة فالمعنى أننا لمردودون إلى وجه الأرض بعد الدفن في القبور.

والثالث أن الحافرة النار والعظام النخرة البالية المتعفنة، وقرئ ناخرة بألف وبحذف الألف وهما بمعنى واحد؛ إلا أن حذف الألف أبلغ لأن فَعَلَ أبلغُ من فَاعَل وقيل: معناه العظام المجوفة التي تمر بها الريح فيسمع لها نخير، والعامل في ﴿ إئذا كنا ﴾ محذوف تقديره إذا كنا عظاماً نبعث، ويحتمل أن يكون العامل فيه: مردودون في الحافرة، ولكن إنما يجوز ذلك على قراءة إذا كنا بهمزة واحدة على الخبر، ولا يجوز على قراءته بهمزتين.

لأن همزة الاستفهام لا يعمل ما قبلها فيما بعدها ﴿ قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴾ الكرة الرجعة والخاسرة منسوبة إلى الخسران كقوله: عيشة راضية، أي ذات رضى أو معنى خاسر أصحابها ومعنى هذا الكلام أنهم قالوا: إن كان البعث حقاً فكرَّتنا خاسرة، لأنا ندخل النار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً ﴾ بالإدغام فيهما: أبو عمرو غير عباس ﴿ أئنا ﴾ ﴿ أئذا ﴾ كما مر في " الرعد " إلا ابن عامر فإنه وافق الكسائي ﴿ ناخرة ﴾ بالألف: حمزة وعلي غير نصير وعتيبة وخلف ورويس وعاصم غير المفضل وحفص و ﴿ طوى ﴾ كما مر في " طه " وكذا ما بعدها إلا حمزة وخلف في اختياره فإنهما يفتحان.

ومناه ﴿ تزكَّى ﴾ بتشديد الزاي: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس ويعقوب ﴿ منذر من ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.

الآخرون: بالإضافة للتخفيف.

الوقوف ﴿ غرقاً ﴾ ه لا ﴿ نشطاً ﴾ ه لا ﴿ سبقاً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه م لأن جواب القسم محذوف وهو ليبعثن ولأنه وصل لأوهم أن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ المدبرات ﴾ وليس كذلك لأن تدبير الملائكة قد انقضى وقتئذ بل عامل ﴿ يوم ﴾ تتبعها ﴿ الراجفة ﴾ ه لا ﴿ الرادفة ﴾ ه ط ﴿ واجفة ﴾ ه ط ﴿ خاشعة ﴾ ه م لتناهي وصف القيامة وابتداء حكاية قولهم في الدنيا ﴿ في الحافرة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ أئذا ﴾ مستفهماً ﴿ نخرة ﴾ ه ط ﴿ خاسرة ﴾ ه م لتناهي قولهم بالإنكار وابتداء أخبار الله  ﴿ واحدة ﴾ ه ط ﴿ بالساهرة ﴾ ه ط ﴿ موسى ﴾ ه م لأن ﴿ إذ ناداه ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً لا ذكر قاله السجاوندي.

ويحتمل عندي تعلقه بالحديث وإن لم يجز تعلقه بإتيان الحديث ﴿ طوى ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ اذهب ﴾ مفعول ﴿ ناداه ﴾ لأنه في معنى القول واحتمال أن يكون مفعول القول المحذوف ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع اتفاق الجملتين والوصل أوجه للفاء ﴿ تزكى ﴾ ه لا للعطف ﴿ فتخشى ﴾ ط للآية وانتهاء الاستفهام مع العطف بفاء التعقيب ﴿ الكبرى ﴾ ه ز لذلك إنما كان الوصل أوجه للفاء واتصال المقصود ﴿ وعصى ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ه ﴿ فنادى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه والوصل ههنا ألزم للعبرة بتعجيل المؤاخذة ﴿ والأولى ﴾ ه ط ﴿ يخشى ﴾ ه ط لبتدل الكلام لفظاً ومعنى وابتداء الاستفهام ﴿ أم السماء ﴾ ه ط بناء على أن الجملة لا تقع صفة للمعرفة وتقدير حذف الموصول من ضيق العطن فاعرفه ﴿ بناها ﴾ ه لا ﴿ فسوّاها ﴾ ه لا ﴿ ضحاها ﴾ ه ص ﴿ دحاها ﴾ ه ط بناء على أن ما بعده كالتفسير للدحو وهو تمهيدها لأجل السكنى، وجوز أن يكون ﴿ أخرج ﴾ حالاً بإضمار " قد " فلا وقف ﴿ مرعاها ﴾ ه ص ﴿ أرساها ﴾ ه ﴿ ولأنعامكم ﴾ ه ط ﴿ الكبرى ﴾ ه ز لأن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ جاءت ﴾ وعامل " إذا " مقدّر تقديره أي ترون أو كان ما كان، وجوز أن يكون ﴿ يوم ﴾ مفعول " اذكر " وعامل " إذا " مقدّر قبل يوم، ويجوز أن يكون مجموع الشرط والجزاء وهو قوله ﴿ فأما من طغى ﴾ إلى آخره جوابا لقوله ﴿ فإذا جاءت ﴾ .

﴿ سعى ﴾ ه ط ﴿ لمن يرى ﴾ ه ﴿ طغى ﴾ ه لا ﴿ الدنيا ﴾ ه لا ﴿ المأوى ﴾ ط ﴿ الهوى ﴾ ه لا ﴿ المأوى ﴾ ه ط ﴿ مرساها ﴾ ط ﴿ ذكراها ﴾ ه ط ﴿ منتاها ﴾ ه ط ﴿ يخشاها ﴾ ه ط ﴿ ضحاها ﴾ ه.

التفسير: في الكلمات الخمس المذكورة في أول السورة وجوه على نسق ما سبق في المرسلات أحدها: أنها صفات طوائف الملائكة الذين ينزعون نفوس الكفرة من بني آدم غرقاً أي نزعاً بشدّة من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها.

والغرق والإغراق في اللغة واحد يقال: نزع في القوس فأغرق أي بلغ غايته حتى انتهى إلى النصل، وبالذين يجذبون نفوس المؤمنين برفق ولين كما ينشط الدلو من البئر، وبالطوائف التي تسبح في مضيها أي تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر بإذن الله أمراً من أمور العباد أو جنس الأمر.

قال مقاتل: يعني بهذه الطوائف جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وأعوان كل منهم.

فجبريل موكل بالرياح والجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وإسرافيل بنفخ الصور، وملك الموت عزرائيل وأعوانه بقبض الأرواح.

قال الإمام فخر الدين الرازي: النازعات هم الذين نزعوا أنفسهم عن الصفات البشرية والأخلاق الذميمة من الشهوة والغضب والموت والهرم والسقم لأنهم جواهر روحانية مجردة، والناشطات إشارة إلى أن خروجهم من هذه الأحوال ليس على سبيل الكلفة والمشقة ولكنه بمقتضى الطبيعة والماهية، والسابحات هم الذين سبحوا في بحار جلال الله فسبق بعضهم بعضاً في ميدان العرفان وحلبة البرهان فدبروا أمر العالم العلوي والعالم السفلي بإذن مبدعهم المنّان.

أقول: ويمكن حمل هذه الأمور على مراتب النفس الإنسانية بمثل التقدير المذكور.

الوجه الثاني وهو قول الحسن البصري أنها النجوم وتلخيص ذلك على الوجه المطابق للغة والشريعة أنها تغرق شبه النزع من المشرق إلى المغرب بالحركة السريعة، وتنشط نشطاً أي تخرج من برج إلى برج من قولك " ثور ناشط " إذا خرج من بلد إلى بلد، وهذا بحركته البطيئة الثابتة.

وأما السابحات فهي السيارة كقوله ﴿ كل في فلك يسبحون  ﴾ ولأن سيرها المتفاوت يصير سبباً لسبق بعضها بعضاً، ويترتب على السبق الاتصالات والانصرافات ومعرفة الفصول والأوقات وتقدّم العلم بالكائنات بل العالم السفلي وتدبيراتها مناط بتلك الحركات بإذن خالق الأرض وفاطر السموات فلهذا أدخل الفاء في القرينتين الأخريين دون الأوليات.

الوجه الثالث أنها صفات خيل الغزاة تنزع في أعنتها نزعاً، تغرق الأعنة فيه لطول أعناقها لأنها عراب، وهى ناشطات تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، وهي سابحات تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر وتتسبب فيه.

الوجه الرابع وهو اختيار أبي مسلم النازعات أيدي الغزاة وأنفسهم تنزع القسي بإعراق السهام، والناشطات السهام الخارجة من أيديهم أو قسيهم، والسابحات الخيل العاديات أو الإبل، والمدبرات بمعنى المعقبات لأنها تأتي في أدبار هذه الأفاعيل بأمر الغلبة والنصر.

قال جار الله: ﴿ يوم ترجف ﴾ منصوب بجواب القسم المحذوف وهو " لتبعثن ".

وقوله ﴿ تتبعها ﴾ حال.

ثم أورد على نفسه أن هذا يوجب أن يكون البعث عند النفخة الأولة وأجاب عنه بأنهم يبعثون في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان كما يقال " رأيته عام كذا " وإنما رؤيته في ساعة منها.

والراجفة الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفخة الأولى فهي من الإسناد المجازي.

والرادفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء، وقد ورد الخبر أن ما بين النفختين أربعون عاماً.

ويروى أنه  يمطر الأرض في هذه الأربعين ويصير ذلك الماء عليها كالنطف فيكون سبباً في الإحياء ولله  أن يفعل ما يشاء.

وقيل: الراجفة هي النفخة الأولى، والرادفة هي قيام الساعة من قوله  ﴿ عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون  ﴾ وقيل: الراجفة الأرض والجبال من قوله ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال  ﴾ والرادفة السماء والكواكب لأنها تنفطر وتنتثر على أثر ذلك.

وقيل: الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل، والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى.

قال أبو مسلم بناء على تفسيره الذي روينا عنه إن كلاً من الراجفة والرادفة هي خيل المشركين وأريد بهما طائفتان من المشركين حاربوا رسول الله  فتبعت إحداهما الأخرى.

والقلوب الواجفة أي القلقة، والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين على الأقوال القلوب الموصوفة مبتدأ.

وقوله ﴿ أبصارها خاشعة ﴾ خبره وفي الكلام إضمار أي أصحابها خاشعة بدليل قوله ﴿ يقولون أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ أي الحالة الأولى وهي الحياة وأصله من قولهم " رجع فلان في حافرته " أي طريقه التي جاء فيها، جعل أثر قدميه حفراً فالطريق في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة على الإسناد المجازي أو على وتيرة النسبة أي ذات حفر كما قلنا في " عيشة راضية " ونحوه ﴿ كرة خاسرة ﴾ كما يجيء.

ثم زادوا في الإنكار مع إشارة إلى وجه الإحالة قائلين ﴿ أئذا كنا عظاماً نخرة ﴾ نردّ أو نبعث.

يقال: نخر العظم فهو نخر وناخر مثل حذر وحاذر وهو الأجوف البالي الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخر وهما لغتان فصيحتان، لأن النخر وإن كان أبلغ في المعنى إلا أن الناخرة بالألف أشبه بأخواتها من رؤوس الآي.

ثم أخبر أنهم قالوا على سبيل الاستهزاء ﴿ تلك ﴾ الكرة ﴿ إذا ﴾ أي إذا نحشر ونردّ ونرجع ﴿ كرة خاسرة ﴾ رجعة ذات خسران لأنا كذبنا بها.

ثم أفحمهم بقوله ﴿ فإنما هي زجرة ﴾ أي لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله فما هي إلا صيحة ﴿ واحدة ﴾ يقال: زجر البعير إذا صاح عليه وهي صيحة إسرافيل في النفخة الثانية.

يروى أنه  يحييهم في بطون الأرض فيسمعونها فيقومون.

والساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن ساكنها لا ينام خوف الهلاك، أو لأن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة أي جارية.

والأظهر أنها أرض الآخرة.

وقيل: هي أرض الدنيا ثم ذكرهم بقصة موسى لأنه أبهر الأنبياء المتقدّمين معجزة وفيها تسلية للنبي  لأن فرعون كان أكثر جمعاً وأشدّ قوة من كفار قريش.

والوادي المقدّس المبارك المطهر، وطوى اسم واد بالشأم عند الطور وقد مر في " طه ".

قوله ﴿ هل لك ﴾ الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي هل لك حاجة أو ميل أو التفات ونحو ذلك، وهذه كلمة جامعة لمواجب التكاليف لأن الملكف لا يصير زاكياً إلا بالتخلية عن كل ما لا ينبغي، ويجوز أن يكون التزكي إشارة إلى تطهير النفس الفاسدة.

قوله ﴿ وأهديك ﴾ إشارة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة أقلها وأفضلها التوحيد المرتب على الخشية التي منها تنشأ جوامع الخيرات ولهذا قال النبي  " من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل" وعن بعض الحكماء: اعرفوا الله فمن عرفه لم يقدر أن يعصيه طرفه عين.

ثم ههنا إضمار كأنه قال: فذهب موسى إلى فرعون فقال له ما أمر به فلم يصدقه فرعون وجحد نبوته ﴿ فأراه ﴾ وفي ابتداء المخاطبة بالاستفهام الذي معناه العرض من التلطف والمداراة ما لايخفى فهو كقوله ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ والآية الكبرى العصا أو اليد أو هما كما مر في " طه " ﴿ فكذب ﴾ بالقلب واللسان إذ نسب المعجز إلى السحر ﴿ وعصى ﴾ بإظهار التمرد الطغيان ﴿ ثم أدبر ﴾ خوفاً من الثعبان ﴿ يسعى ﴾ هارباً أو يتحيل في دفع موسى أو تولى عن موسى إظهاراً للجحود.

وجوز أن يكون ﴿ أدبر ﴾ موضوعاً مكان " أقبل" مكان يقال: أقبل فلان يفعل كذا بمعنى طفق يفعل فكنى عن الإقبال بالإدبار إظهاراً للسخط ولقصد التفاؤل عليه.

ومعنى الفاء في ﴿ فكذب ﴾ أنه لم يلبث عقيب رؤية الآية الكبرى أن بادرها بنقيض مقتضاها لفرط عتوّه ورسوخ تفرعنه.

ومعنى " ثم " في ﴿ ثم أدبر ﴾ تراخي الرتبة فإن الهرب من الحية مع ادعاء الربوبية مما لا يجتمعان وكذا السعاية والمكيدة بين الناس ﴿ فحشر ﴾ جنوده للتشاور أو لجمع السحرة ﴿ فنادى ﴾ في المقام الذي اجتمعوا فيه معه أو أمر منادياً.

وقيل: قام فيهم خطيباً فقال ما قال.

وانتصب ﴿ نكال الآخرة ﴾ على أنه مصدر مؤكد كأنه قيل: نكل الله به نكالاً وهو مصدر كالتنكيل مثل السلام والتسليم.

قال الحسن وقتادة: عذاب الآخرة الإحراق وعذاب الأولى الإغراق.

وقيل: الآخرة والأولى صفتان لكلمتي فرعون.

ثم اختلفوا فعن مجاهد والشعبي وسعيد بن جبير ومقاتل ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس أن كلمته الأولى ﴿ ما علمت لكم من إله غيري  ﴾ والثانية ﴿ أنا ربكم الأعلى  ﴾ وبينهما أربعون سنة أو عشرون، وفيه دليل على أنه  يمهل ولا يهمل.

وذكر قوم واستحسنه القفال أن كلمته الأولى تكذيب موسى حين أراه الآية، والأخرى هي قوله ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ وقد يدور في الخلد أن كلمته الأولى هي قوله ﴿ أنا ربكم ﴾ والآخرة وصفه بالأعلى فإنه لو اقتصرعلى الأولى لم يكن كفراً بدليل قول يوسف ﴿ ارجع إلى ربك  ﴾ ﴿ إنه ربي أحسن مثواي  ﴾ لكنه لما وصفه بالأعلى صار كفراً فأخذه بالأولى والآخرة.

قال الإمم فخر الدين الرازي: إن العاقل لا يشك في نفسه أنه ليس خالق السموات والأرض وما بينهما، فالوجه أن يقال: إن فرعون كان دهرياً منكراً للصانع والحشر والجزاء وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهي سواي فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم.

وأقول: كما أن نسبة الإنسان خلق العالم إلى نفسه يوجب الحكم عليه بالجنون وسخافة العقل فالقول بنفي الصانع ونسبة وجود الأشياء إلى ذواتها مع تغيرها في أنفسها يوجب الحكم عليه بعدم العقل فما الفرق بين الأمرين؟

وأيّ استبعاد في ذلك وقد قال الله  ﴿ إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى  ﴾ وسكر الدنيا أشدّ من سكر الخمر فإن الثمل من الخمر يرجى صحوه والثمل من شراب حب المال والجاه الطافح من خيال الرياسة لا ترجى إفاقته.

ثم ختم القصة بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الحديث أو النكال وهو في العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر به المعتبر ﴿ لعبرة لمن يخشى ﴾ أي يكون من أهل الخشية لا القسوة.

ثم خاطب منكري البعث بقوله ﴿ أأنتم أشدّ ﴾ أي أصعب ﴿ خلقاً أم السماء ﴾ فنبههم على أمر معلوم بالمشاهدة وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ في القدرة.

وإذا كان الله قادراً على إنشاء العالم الأكبر يكون على خلق العالم الأصغر بل على إعادته أقدر.

ثم أشار إلى كيفية خلق السماء فقال ﴿ بناها ﴾ وفيه تصوير للأمر المعقول وهو الإبداع والاختراع بالأمر المحسوس وهو البناء.

ثم ذكر هيئة البناء فقال ﴿ رفع سمكها ﴾ وهو الامتداد القائم على كل من امتدادي الطول والعرض.

فإذا اعتبر من السفل إلى العلو يسمى سمكاً، وإذا اعتبر بالعكس يسمى عمقاً.

وذكر أهل التفسير أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام.

ولأهل الهيئة طريقة أخرى قد برهنوا عليها في كتبهم.

قوله ﴿ فسوّاها ﴾ زعم أصحاب الهيئة أن المراد بهذه التسوية جعلها كرية ولا ضرر في الدين من هذا الاعتقاد.

وحملها المفسرون على تمام التأليف أو على نفي الفطور عنها.

وأقول: من الجائز أن يراد بها جعلها طبقات مرتبة كقوله ﴿ فسوّاهن سبع سموات  ﴾ الغطش الظلمة يقال: غطش الليل وأغطشه الله.

ويقال: أغطش الليل أيضاً مثل أضاء وأظلم.

وعبر بالضحى عن النهار لأن الضحى أكمل أجزائه في النور والضوء.

وإنما أضاف الليل والنهار إلى السماء لأنهما بسبب غروب الشمس وطلوعها الحادثين بسبب حركة الفلك قوله ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قد مر تفسير الدحو في أول سورة " البقرة " وأن بعدية دحو الأرض لا تنافي تقدّم خلق الأرض على السماء في قوله ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء  ﴾ قال أهل اللغة: دحوت أدحو ودحيت أدحى لغتان في حديث عليّ: اللهم داحي المدحيات أي باسط الأرضين السبع.

وقد يروى عن ابن عباس ومجاهد والسدّي وابن جريج أن قوله ﴿ بعد ذلك ﴾ يعنى مع ذلك كقوله ﴿ فك رقبة ﴾ إلى قوله ﴿ ثم كان من الذين آمنوا  ﴾ أي كان مع هذا من أهل الإيمان بالله.

ونصب ﴿ الأرض ﴾ ﴿ والجبال ﴾ فيما يجيء بإضمار دحى وأرسى على شريطة التفسير.

قال المفسرون: أراد بالمرعى جميع ما يأكله الناس والأنعام فيكون الرعي مستعاراً للإنسان ولهذا قال ﴿ متاعاً ﴾ أي فعل كل ذلك تمتيعاً لكم ولأنعامكم.

حين فرغ من دلائل القدرة على البعث رتب عليه شرح يوم القيامة.

والطامة الداهية التي لا تطاق من قولهم طم الفرس طميماً إذا استفرغ جهده في المشي والجري فإذا وصفت بالكبرى كانت في غاية الفظاعة ونهاية الشدّة، وفي أمثالهم " جرى الوادي فطم على القري " وهو مفرد وجمعه أقرية وقريان وهي الجداول والأنهار.

وأصل الطم الدفن والغلب فكل ما غلب شيئاً وقهره وأخفاه فقد طمه.

وقيل: الطامة النفخة الثانية عن الحسن.

وقيل: هي الساعة التي يساق بها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار.

قال جار الله: ﴿ يوم يتذكر ﴾ بدل من ﴿ إذا جاءت ﴾ لأنه إذا رأى أعماله مدوّنة مكتوبة تذكرها وكان قد نسيها.

قوله ﴿ وبرزت الجحيم لمن يرى ﴾ كقولهم " قد بين الصبح لذي عينين " وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد فعلى هذا يكون استعارة ولا يجب أن يراها كل أحد لأن الإخبار إنما وقع عن كونها بحيث لا تخفى على ذي بصر لا عن وقوع البصر.

وقيل: إنها برزت الجحيم ليراها كل من له بصر وعلى هذا يجب أن يراها كل أحد إلا أن المؤمنين يمرون عليها كالبرق الخاطف، وأما الكافرون فيقعون فيها فكأنها برزت لأجلهم فقط، وبهذا الاعتبار قال في موضع آخر.

﴿ وبرّزت الجحيم للغاوين  ﴾ وقوله ﴿ طغى ﴾ إشارة إلى فساد القوى النظرية فإن من عرف الله بالكمال عرف نفسه بالنقصان فلم يصدر عنه الطغيان.

قوله ﴿ وآثر الحياة الدنيا ﴾ رمز إلى اختلال القوّة العملية فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.

واللام في ﴿ المأوى ﴾ للعهد الذهني أي مأواه اللائق به ولهذا استغنى عن العائد ولا حاجة إلى تكلف أن الألف، واللام بدل من الإضافة.

قوله ﴿ خاف مقام ربه ﴾ نقيض طغى.

قوله ﴿ ونهى النفس ﴾ الأمارة ﴿ وآثر الحياة الدنيا ﴾ فهذا الشخص إذا كامل في قوّته النظرية والعملية.

وتفسير ﴿ خاف مقام ربه ﴾ قد مر في سورة الرحمن.

﴿ ونهى النفس ﴾ ضبطها وتوطينها على متاعب التكاليف من الأفعال والتروك.

ثم إن المشركين كانوا يسمعون النبي  يذكر الطامة والحاقة وغيرهما من أسماء القيامة فيسألون ﴿ أيان مرساها ﴾ أي زمان إرسائها وهو إقامة الله إياها وقد مر في آخر " الأعراف ".

وعن عائشة  ا لم يزل رسول الله  يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت.

وقوله ﴿ فيم أنت ﴾ على هذا تعجب من كثرة ذكره لها كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها حرصاً على جوابهم إلى ربك منتهى علمها لم يؤته أحداً من خلقه.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ من تتمة السؤال أي يسألونك فيم أنت من العلم بها.

ويحتمل أن يكون فيم إنكار سؤالهم أي فيم هذا السؤال.

ثم قيل: أنت من ذكراها أي إرسالك وأنت آخر الرسل وخاتم الأنبياء ذكر من أذكارها وعلامة من علاماتها فلا حاجة إلى الاستفهام عن وقتها بعد العلم باقترابها، فإن هذا القدر من العلم يكفي في وجوب الاستعداد لها بل لا يتم الغرض من التكليف إلا بإخفاء وقته كالموت ﴿ إنما أنت منذر ﴾ لا تتعداه إلى العلم بالغيب الذي العلم بالساعة جزئي منه.

وخص الإنذار بأهل الخشية لأنهم المنتفعون بذلك.

ثم أخبر أنهم حين يرون الساعة يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا.

وقيل: في القبور.

روى عطاء عن ابن عباس أن الهاء والألف صلة والمعنى لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى.

وقال النحويون: فيه إضمار والتقدير إلا عشية أو ضحى يوم تلك العشية على أن الإضافة في ﴿ ضحاها ﴾ يكفي فيها أدنى ملابسة وهو ههنا إجتماعهما في نهار واحد.

قال صاحب الكشاف: فائدة الإضافة الدلالة على أن مدة لبثهم كانها لم تبلغ يوماً كاملاً.

قلت: سلمنا أن هذه الفائدة مفهومة من عبارة القرآن إلا أنها تحصل أيضاً بتقدير عدم الإضافة كما لا يخفى فلا يصح أن تسند الفائدة إلى الإضافة وحدها.

فالوجه أن يقال: فائدة الإضافة أن يعلم أن مجموع الدنيا في ظنهم كيوم واحد وزمان لبثهم في الدنيا كساعة منه عشية أو ضحاها نظيره قول القائل " ما سرت إلا عشية أو ضحى " فإنه لا يفهم منه إلا السير في بعض يوم مّا، وقد تكون العشية من يوم والضحى من يوم آخر.

ولو قال " إلا عشية أو ضحاها " لم يمكن أن يكون السير إلا في أحد هذين الوقتين من يوم واحد.

قال بعضهم: فائدة الترديد أن زمان المحنة يعبر عنه بالعشية وزمان الراحة يعبر عنه بالضحى فكأنه قيل: ما كان عمرنا في الدنيا إلا هاتين الساعتين.

أقول: ويحتمل أن يقال إن مبدأ اليوم بليلته كان قبل شرعنا في أكثر الأديان من نصف النهار وقد صار المبدأ في شرعنا من أول الفجر وكأنهم حين أرادو التعبير عن بعض اليوم.

قالوا: إن كان المبدأ من نصف النهار فنحن لم نلبث إلا عشية وهو ما بعد الزوال إلى الغروب، وإن كان المبدأ من أول الفجر فلم نلبث إلا من الفجر إلى الضحى فلعل هذا هو السر في تقديم العشية على الضحى مع رعاية الفاصلة والله أعلم بأسرار كلامه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴾ ، اختلف في تأويله: فمنهم من حمل ذلك كله على الملائكة، فقال: ﴿ وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً ﴾ هم الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفرة، ويغرقون إغراقا؛ أي: يشددون في النزع كما يغرق النازع في القوس، أو يشتد عليه شدة الأمر على الغريق، أو تنزع أرواح الكفرة فتغرق في النار.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴾ ، قيل: أي: ينشط أرواح الكفرة نشطا عنيفا، أي: تنزع ملائكة العذاب أرواح الكفرة من أجوافهم نزعا شديدا.

وقيل: هذا في حق المؤمنين أن الملائكة تنشط أرواح المؤمنين؛ أي: تحلها حلا رقيقا، كما ينشط من العقال؛ فيجبر بهذا عن خفة ذلك على المؤمنين، ويخبر بالأول عن شدته على الكافر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً ﴾ قيل: إن الملائكة يسلون أرواح الصالحين سلا رقيقا.

وقيل: الملائكة يسبحون بين السماء والأرض.

قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً ﴾ ، أي: تسبق الملائكة إلى أرواح المؤمنين.

وقيل: ﴿ فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً ﴾ الملائكة الذين يسبقون بالوحي إلى الأنبياء، عليهم السلام.

وقيل: هم الكَرُوبِيُّون، الذين لا يفترون عن تسبيح رب العالمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴾ : هم الملائكة المكلون بأمور الخلائق وأرزاقهم.

ومنهم: من صرف تأويل الآيات إلى النجوم: أنهن النجوم اللاتي يطعلن من مطالعهن لحوائج الخلق، ولأمور جعلت لها، ويغربن في مغاربهن، ثم ينشطن إلى مطالعهن، فيطلعن منها؛ أي: لا يطلعن كرها؛ بل ناشطات لأمر الله -  - إلى ما سخرن له.

﴿ وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً ﴾ : النجوم أيضا، وسبحهن: دورانهن في الأفق لأمور، خفي ذلك على الخلق؛ لقوله: ﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً ﴾ أي: يسبق بعضها بعضا، أو تسبقن الشياطين بالرجم والطرد، لا تدعهن يقربون إلى السماء، وبه قال الحسن، والله أعلم.

ومنهم: من صرف تأويل الآيات إلى مختلف الأشياء، فقال: ﴿ وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً ﴾ هي القسي ينزعها الإنسان، فيغرق في نزعها، ﴿ وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴾ هي الأَوْهاق تنشط بها الدابة تكون منه في جهة.

﴿ وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً ﴾ : هي السفن.

﴿ فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً ﴾ : هن الخيل.

﴿ فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴾ : هي الملائكة، وبه قال عطاء.

ومنهم: من صرفها إلى أنفس المؤمنين وأرواحهم، فقال: ﴿ وَٱلنَّازِعَاتِ ﴾ : هي الأنفس التي تغرق في الصدر، ﴿ وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴾ حين تنشط من القدمين.

وقيل: إن أنفس المؤمنين ينشطن إلى الخروج عن الأبدان إذا عاينوا ما أعد لهم في الجنة.

﴿ وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً ﴾ : هي أرواح المؤمنين، سميت: سابحات؛ لسهولة الأمر عليها، كما يسهل الخروج من الماء لمن يعلم السباحة.

وقوله: ﴿ فَٱلسَّابِقَاتِ ﴾ - أيضا -: هي أرواح المؤمنين، سميت: سابقات؛ لما تكاد تسبق فتخرج قبل وقتها؛ لما تعاين من كرامات الله  وما ينتشر من الخير؛ يؤيد هذا ما روي عن رسول الله  أنه قال: "الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر" وقيل: ذلك عند موتة المؤمن إذا حضره الموت صار في ذلك الوقت كالمسجون الذي يتمنى الراحة والخلاص منه؛ لأنه يرى ما أعد له من الثواب؛ فتتهوع نفسه تود لو خرجت حتى تصل إلى ما أعد لها من الكرامة، والكافر إذا رأى عندما حُضِرَ جعل يبتلغ نفسه؛ كراهة أن يخرج، فتصير الدنيا في ذلك الوقت كالجنة له فيما لا يجب مفارقها من شدة ما يرى من عذاب الله  .

وعلى هذا قيل في تأويل قوله -  -: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومنه كره لقاء الله كره الله لقاءه" : إن ذلك عند الموت [أن المؤمن إذا حضره الموت] ورأى ثوابه من الجنة، ود أن تخرج نفسه؛ فيحب لقاء الله  ، ويحب الله لقاءه، والكافر يكره في ذلك الوقت أن تخرج نفسه، فذلك حين كره لقاء الله، وكره الله لقاءه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴾ ، قالوا جميعا: المراد منها الملائكة الموكلون بأمور الخلق وأرزاقهم، ونحو ذلك، والله أعلم.

ثم اختلف في الذي قصد إليه باليمين والقسم: فمنهم من ذكر أن الذي وقع عليه القسم قوله - عز وجل -: ﴿ لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ ﴾ على معنى: إنكم مبعوثون، وأن القيامة حق، فكأنه أقسم بهذه الأشياء أهم لمبعوثون، وأضمر الجواب هاهنا؛ لما دل عليه المعنى؛ فاكتفى به.

ومنهم من ذكر أن القصد من اليمين قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ﴾ ، فأقسم بما ذكر أن النخفتين كائنتان: فالنفخة الأولى يموت بها الخلق، والنفخة الثانية؛ لإحياء الأموات، والراجفة هي النفخة، فجائز أن يكون على حقيقة النفخة؛ فتكون النفخة علامة الموت والحياة، لا أن تكون علة الإماتة والإحياء.

ثم اختلفوا بعد هذا: فمنهم: من يحمله على التحقيق؛ فيزعم أن النفخة الأولى يهلك بها الخلق، والنفخة الثانية يحيا بها الخلق.

ومنهم من ذكر أن النفخات ثلاث: فالنفخة الأولى؛ للتفزيع والتهويل؛ قال الله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ...

﴾ الآية [الحج: 1-2]، والنفخة الثانية يهلك بها الخلق بقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [النمل: 87]، والنفخة الثالثة يحيا بها الخلق بقوله: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ  ﴾ .

ومنهم من ذكر أن هذا ليس على تحقيق النفخ؛ بل على التمثيل، فمثل به إما لخفة البعث والإحياء على الله -  - وسهولته كفخة النفخ على النافخ.

أو مثل به؛ لسرعته؛ كما قال  : ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ .

وقالوا: الرجفة: هي الزلزلة: والتحرك، ﴿ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ﴾ وهي الزلزلة الأخرى.

ثم إن كان القسم على إثبات البعث، ففيها ذكر إشارة إلى أحوال البعث وأفعالها، وإن كان موجفة، على قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ فكأنهم سألوا: كيف تكون القلوب في ذلك اليوم؟

فقال: تكومن واجفة، والواجفة: الخائفة الوجلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴾ ، أي: ذليلة.

ووجه تخصيص الأبصار والقلوب - والله أعلم -: هو أنه لا يتهيأ لأحد استعمال قلبه وبصره، بل يحدث للقلوب فِكَرٌ وبدوا لا يمكنه أن يدفع عنها الفكر، وكذلك هذا في البصرح فيخبر أن ما نزل بهم من الخوف والهيبة يمنع القلوب والأبصار عن عملها؛ فلا تنظر إلا إلى الداعي، ولا يحدث للقلوب فكر، بل تكون الأفئدة هواء، لا تقر؛ لشدة ما حل بها [من الخوف]؛ إذ المرء إذا أحزنه أمر فهو يعمل أنواعا من الحيل ويوقع بصره على شيء فشيء؛ رجاء أن يستدرك ما فيه خلاصه وسلامته من ذلك الأمر؛ ثم ينقطع عنهم التدبير في ذلك اليوم؛ فتكن القلوب هواء لا تقر في موضع، ولا تقف على تدبيره؛ لشدة ما حل بهم، وتكون الأبصار خاشعة ذليلة إلى ما يدعو الداعي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ ﴾ ، أي: يقولون: أئنا لنرد إلى ما كنا عليه في الدنيا في ابتداء الأمر خلقا جديدا؛ يقال: أتى فلان فلانا، فرجع على حافرته؛ يقول: على مجيئه الأول.

ويقال: النقد عن الحافرة؛ أي: عند أول البيع والكلام، فقالوا هذا على جهة الإنكار بالبعث والاستهزاء به.

قال أبو بكر: هذا مأخوذ من حافر الدابة، وهو أن الفارس يمكنه أن يصرفها بحافرتها إلى الموضع الذي ابتدأ السير منه من وراء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً ﴾ و(ناخرة)؛ فالناخرة: هي البالية التي لم تفتت بعد، والنخرة هي التي صارت رفاتا ودرست حتى تنسفها الريح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴾ ، قال الحسن وأبو بكر: هذا منهم تكذيب للبعث؛ أي: لا يكن أبدا.

وقال غيرهما: معناه: أن لو كانت كرة كما يزعمها المسلمون فهي كرة خاسرة على المسلمين؛ لأنهم ظنوا أنهم إذا كانوا في الدنيا أنعم حالا وأرغد عيشا، وكان المسلمون في ضيق من العيش وشدة من الحال - أن يكونوا كذلك في الآخرة؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً  ﴾ فكانوا يظنون أنهم بما أنعم الله -  - عليهم إنما أنعم؛ لأنهم أقرب منزلة، وأعظم درجة من المؤمنين؛ إذ لا يجوز أن يضيق على أوليائه، ويوسع على أعدائه، فإذا وسع عليهم ظنوا أنهم هم المفضلون في الدنيا والآخرة، وأن من خالفهم هم الأخسرون.

ومنهم من قطع هذا الكلام عن مقالة الكفرة، وزعم أن هذا الوصف راجع إلى الكفرة، فقيل: خاسرة؛ لما خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم، وخاسرة، أي: مخسرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ ، ففيه إخبار عن سرعة كون ذلك الوقت وسهولته على الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ﴾ ، قيل: الساهرة: هي وجه الأرض.

وجائز أن يكون أريد بهذا أن العيون تسهر في ذلك اليوم، ولا يعتريها النوم؛ بل تكون مهطعة إلى الداعي ذليلة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكانوا يقولون: هل نرجع إلى الحياة بعد أن متنا؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.XRedp"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(والنازعات إلخ) جاء في الكتاب العزيز ضروب من القسم بالأزمنة والأمكنة والأشياء.

والقسم إنما يكون بشيء يخشى المقسم إذا حنث في حلفه به أن يقع تحت المؤاخذة -نعوذ باللَّه أن يتوهم شيء من هذا في جانب اللَّه- وما كان اللَّه جل شأنه ليحتاج في تأكيد إخباره إلى القسم بما هو صنع قدرته، فليس لشيء في الوجود قدر إذا نسب إلى قدره الذي لا يقدره القادرون، بل لا وجود لكائن إذا قيس إلى وجوده إلا لأنه انبسط عليه شعاع من أشعة ظهوره جل شأنه.

ولهذا قد يسأل السائل عن هذا النوع من تأكيد الخبر الذي اختص به القرآن، وكيف يوجد في كلام اللَّه؟

فيجاب بأنك إذا رجعت إلى جميع ما أقسم اللَّه به وجدته إما شيئًا أنكره بعض الناس أو احتقره لغفلته عن فائدته، أو ذهل عن موضع العبرة فيه، وعمى عن حكمة اللَّه في خلقه، أو انعكس عليه الرأي في أمره فاعتقد فيه غير الحق الذي قرر اللَّه شأنه عليه، فيقسم اللَّه به إما لتقرير وجوده في عقل من ينكره، أو تعظيم شأنه في نفس من يحقره، أو تنبيه الشعور إلى ما فيه عند من لا يذكره، أو لقلب الاعتقاد في قلب من أضله الوهم أو خانه الفهم.

فمما أقسم اللَّه به يوم القيامة أو القرآن مثلًا، ذلك لتقرير أن الأول واقع لا مفر منه، وأن الثاني كلام اللَّه الحق الذي لا ريب فيه، ثم يكون في ذلك تعظيم كليهما: الأول لما يكون فيه من سعادة وشقاء، والثاني لما فيه من الهداية والشفاء لما يعرو النفوس من الأدواء.

ومن ذلك النجوم: قوم يحقرونها لأنها من جملة عالم المادة، ويغفلون عن حكمة اللَّه فيها وما ناط بها من المصالح، وآخرون يعتقدونها آلهة تتصرف في الأكوان السفلية تصرف الرب في المربوب، فيقسم اللَّه بها موصوفة بأوصاف تدل على أنها من المخلوقات التي تصرفها القدرة الإلهية وليس فيها شيء من صفات الألوهية، كما تراه في مفتتح هذه السورة وفي سورة إذا الشمس كورت، ثم تشير إلى ما نيط بها من المصالح كما سيرد عليك.

وسترى فيما يساق إليك من هذا التفسير في السور الآتية ما يرشدك إلى تفصيل ما أجملناه هنا.

وهناك أمر يجب التنبيه عليه، وهو أن من الأديان السابقة على دين الإسلام ما ظن أهله أن هذا الكون الجسماني وما فيه من نور وظلمة وأجرام وأعراض إنما هو كون مادي لم يشأ اللَّه خلقه إلا ليكون حبسًا للأنفس وفتنة للأرواح، فمن طلب رضا اللَّه فليعرض عنه، وليبعد عن طيباته، وليأخذ بدنه بضروب الإعنات التعذيب وأصناف الحرمان، وليغمض عينيه عن النظر إلى شيء مما يشتمل عليه هذا الكون الفاسد في زعمه، اللهم إلا على نية مقته والهروب منه.

فأقسم اللَّه بكثير من هذه الكائنات ليبين مقدار عنايته بها، وأنه لا يغضبه من عباده أن يتمتعوا بما متعهم به منها متى أدركوا حكمة اللَّه في ذلك المتاع ووقفوا عند حدوده في الانتفاع.

وقد افتتح اللَّه هذه السورة بأن أقسم ببعض مخلوقاته إظهارًا لعظم شأنها، واتقان نظامها، وغزارة فوائدها، وأنها مسخرة له، خاضعة لأمره، لَيَقعنَّ ما يوعدون، مما ذكر في السورة السابقة وما يذكر في هذه لسورة، في يوم تعظم فيه الأهوال، وتضطرب فيه القلوب وتخشع الأبصار، ويعجب فيه المبعوثون من عَوْدِهم إلى حياتهم الأولى بعد أن كانوا عظامًا نخرة بالية تمر فيها الرياح، ويتحققون حينئذ خَسارهم بما أنكروا في هذه الدنيا معادهم، فيجابون على تعجبهم هذا بأن لا تحسبوا تلك الكَرَّة إلى الحياة صعبة على اللَّه، فما الأمر عنده إلا صيحة واحدة فإذا الناس أحياء ظاهرون في أرض المعاد.

(النازعات) من نزع عن القوس رمى عنها.

و(الغرق) هو الإغراق في النزع، أي الإتيان على الغاية منه.

والنازعات غرقًا هي الكواكب تنزع عن قسي دوائرها ما نراه شهبًا ساقطة.

و(الناشطات نشطًا) من نشط ينشط إذا خرج من بلد إلى بلد، وهي الكواكب تفارق مداراتها وتنقلب من برج إلى برج فتختلف أقاليمها.

وهي (السابحات سبحًا)، تتحرك في الهواء، وتسير في الجواء سيرًا سريعًا، وهي السيارات من كواكب وأقمار.

وهي (السابقات) في سبحها، فتتم دورتها حول ما تدور عليه في مدة أسرع مما يتمم غيرها: كالقمر يتمم دورته في شهر قمري، وكالأرض تتم دورتها في سنة شمسية ونحو ذلك من السيارات ومنها ما لا يتمم دورته إلا في سنين، لكن السابقات هي التي انفردت بتدبير بعض الأمور الكونية في عالمنا الأرضي، كما قال (فالمدابرات أمرًا)، وليس التدبير إلا ظهور الأثر، فسبْق القمر عَلَّمنا حساب شهوره، وله من الأثر في السحاب والمطر، وفي البحر من المد والجزر، ولضيائه أيام امتلائه من الفوائد في تصريف منافع الناس والحيوان ما لا يخفى على ذي بصيرة.

وسَبْق الشمس في أبراجها -على ما يرى للناظر- عَلَّمنا حساب شهورها، وسَبْقها إلى تتميم دورتها السنوية، علمنا حساب السنين من جهة، وخالف بين فصول السنة من جهة أخرى.

واختلاف الفصول من أسباب حياة النبات والحيوان، ونسبة التدبير إليها لأنها أسباب ما نستفيده منها.

والمدبر الحكيم هو اللَّه جل شأنه.

(الراجفة) الأرض بمن عليها و(الرادفة) السماء وما فيها، تردفها أي تتبعها فتنشق وتنتشر كواكبها.

(الواجفة) شديد الاضطراب.

(أبصارها خاشعة) أي ذليلة، وأضاف الأبصار إلى ضمير القلوب لأنه أراد من وجيف القلوب شدة الخوف الواقع بأربابها، فهي كناية عنهم.

(الحافرة) الحالة الأولى، أي الحياة بعد الموت ظنوها حياتهم الأولى.

يقال رجع فلان في حافرته أي في طريقه التي جاء فيها.

و(النخرة) البالية الجوفاء التي تمر فيها الرياح و(الكرة) الواحدة من الكر، أي الرجوع، و(الخاسرة) التي يخسر أربابها ولا يربحون.

و(الزجرة) الصيحة يراد بها النفخة الثانية يبعث بها الأموات.

و(الساهرة) الأرض البيضاء، سميت بذلك لأن السراب يجري فيها، من قولهم عين ساهرة أي جارية الماء لا ينقطع جريانه منها.

(هل أتاك إلخ) يريد اللَّه أن يُذَكِّر نبيه بدعوة موسى لفرعون، وأمر اللَّه لنبيه موسى بالتلطف في القول واللين في الدعوة إلى الحق، موافاة للحكمة، وإقامة للحجة في الموعظة، ثم بما كان من عاقبة الدعوة، وعصيان فرعون، واستنكافه عن قبولها، وأخذ اللَّه له، وتنكيله به في الدنيا والآخرة حيث أغرقه، وفي الآخرة سيحرقه.

وفي ذلك تسلية له  ووعد له بالفوز كما فاز موسى.

وفيه وعيد شديد لأولئك الذين كانوا يكذبون ما جاء به من التوحيد ووجوب الإيمان باليوم الآخر، وإنذارهم لهم بأن من أهلك فرعون في عتوه وجبروته قادر على إهلاكهم.

(الوادي المقدس) واد في أسفل جبل طور سيناء من برية الشام.

و(طوى) إما اسم لذلك الوادي، أو هو بمعنى مرتين، أي الوادي الذي قدس مرة بعد أخرى.

و(طغى) جاوز الحد في العدوان على رعيته من بني إسرائيل، وغلا في الكبر والعظمة حتى ظن أنه مظهر الألوهية.

هل لك إلى كذا؟

أي: هل ترغب فيه؟

ويقال: هل لك في كذا؟

وهل لك إلى كذا؟

بمعنى: هل ترغب فيه وترغب إليه؟

و(تزكى) أي تتزكى وتطهر من الشرك وما يتبعه من رذائل الأخلاق، وهو استفهام يقصد به العرض والطلب، وهو أفضل أنواعه وأوفقها باللطف والأدب و(أهديك) أي: هل تحب أن أدلك على ربك فتؤمن به؟

ومتى آمنت خفته وخشيته، فإن خشية اللَّه إنما تكون من العلم.

قال: إنما يخشى اللَّه من عباده.

ومن خشي اللَّه أتَّقاه، ومن أتقاه أمِن عقابه.

(فأراه الآية الكبرى) أي لما لم يقنع بالدليل القولي أظهر له آية ودليلًا يراه بعينه، وهو انقلاب العصا حية، ومع ذلك كذب الداعي وعصى سلطان البرهان.

(ثم أدبر) أي ترك موسى وانقلب (يسعى) في مكايدته (فحشر) أي جمع سحرته وأعوانه وقام فيهم يقول أنا ربكم الأعلى، فلا سلطان يعلو سلطاني.

ولم يزل في عتوه حتى تبع موسى وقومه إلى البحر الأحمر عند خروجهم من مصر، فأغرقه اللَّه في البحر هو وجنوده، وهو معنى قوله (فأخذه اللَّه نكال الآخرة والأولى) أي أن أخذ اللَّه لم يكن قاصرًا على الإغراق في البحر، بل نكل به وعذبه عذاب الآخرة: وهي يوم القيامة، والأولى: وهي هذه الدنيا.

(إن في ذلك لعبرة) أي موعظة (لمن يخشى) أي يخاف، أي لمن له عقل يتدبر به عواقب الأمور ومصائرها، فينظر في حوادث الماضين وأحوال الحاضرين ويتعظ به.

(أأنتم أشد خلقًا) عود إلى خطاب أولئك المكذبين المغرورين لتقريعهم وتسفيه أحلامهم في استبعاد ما يوعدون به من البعث وما يتبعه، أو استبطاء أخذ اللَّه لهم في هذه الدنيا، مع أنه هو الذي أنشأهم وخلقهم أول مرة.

فإن كانوا قد غفلوا عن أنه هو خالقهم فلينظروا إلى السماء وإلى الأرض، ليعلموا أن من خلقهما وأنشأهما لا يصعب عليه خلقهم، ولا يسعهم إنكار أن خالق السماء والأرض هو اللَّه، فكيف ينكرون أنه خالقهم وأنه القادر على إعادتهم كما بدأهم؟

(أشد خلقًا) أصعب إنشاء.

(بناها) بيان لكيفية خلقة السماء.

والبناء ضم الأجزاء المتفرقة بعضها إلى بعض مع ربطها بما يمسكها حتى يكون عنها بنية واحدة.

وهكذا صنع اللَّه بالكواكب: وضع كلًا منها على نسبة من الآخر مع ما يمسك كلًا في مداره حتى كان عنها عالم واحد في النظر سمي باسم واحد وهو السماء التي تعلونا، وهو معنى قوله (رفع سمكها فسواها) والسمك قامة كل شيء، فقد رفع أجرامها فوق رؤوسنا (فسواها) عدلها بوضع كل جرم في موضعه.

(أغطش الليل) أظلمه.

وغطش الليل أظلم، ونسبة الليل إلى السماء لأنه يكون بمغيب كواكبها.

و(ضحاها) نورها وضوء شمسها.

قال تعالى: والشمس وضحاها أي ضوؤها.

وتعاقب الليل والنهار واختلاف الفصول التابع لحركة بعض السيارات يهيئ الأرض للسكنى، وهو معنى قوله: (والأرض بعد ذلك) تسوية السماء على الوجه السابق وإبراز الأضواء.

(دحاها) أي مهدها وجعلها قابلة للسكنى، وذلك بأن (أخرج منها ماءها) بتفجير الينابيع والعيون والأنهار، (ومرعاها) أي رعيها، وهو النبات الذي يأكل منه الناس والدواب.

وتثبيت الجبال وجعلها مانعة من اضطراب الأرض من تتمة التمهيد وإعداد الأرض لسكنى الأحياء، وهو متأخر عن الاستعداد الأول لإثبات النبات وإن كان بروز الجبال سابقًا على ذلك.

وقد جعل اللَّه ذلك كله ليتمتع به الناس والأنعام، أفلا يكون صانع ذلك كله هو صانعكم؟

أفلا يكون خالقكم وواهبكم ما به تحبون، ورافع السماء فوقكم، وممهد الأرض تحتكم، قادرًا على بعثكم؟

وهل يليق به أن يترككم سدى أن دبركم هذا التدبير، ووفر لكم هذا الخير الكثير.

(فإذا جاءت إلخ) لما تبين أنه القادر على نشر الأموات، كما قَدَر على خلق الأكوان، تبيّن صدق ما أوحى به إلى نبيه من أن ذلك اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين لا بد منه.

فإذا جاءت طامته الكبرى التي تفوق كل طامة، ووقت مجيئها هو ذلك اليوم الذي تعرض فيه الأعمال على العالمين، فيتذكر كل سعيه وعمله، يوم يظهر اللَّه فيه الجحيم ودار العذاب للعيان، فيراها كل من له بصر.

في ذلك اليوم يوزع الجزاء على الأعمال.

(فأما من طغى) وجاوز حدود اللَّه المضروبة في أحكامه، وفضل لذائذ الحياة الدنيا على ثواب الآخرة، فدار العذاب مأواه ومستقره.

وأما من عرف بسطة السلطان الإلهي، فخاف ذلك الجلال الرفيع، وزجر نفسه عن هواها الباطل الذي يميل بها إلى اتباع الشهوات، فالجنة مأواه.

فعلى هذا يكون جواب إذا محذوفًا للإيجاز، دل عليه التقسيم في قوله: فأما من طغى، وتقديره وزع الجزاء على العمل فأما إلخ.

(الطامة الكبرى) الداهية التي تطم على الدواهي، أي تغلب وتعلو.

(مقام ربه) يراد منه جلاله وعظمته، وإلا فهو منزه عن المقام والقيام.

(المأوى) في الموضعين هو المستقر والمقام.

والتعريف إشارة إلى أنه معلوم لا شبهة فيه.

(يسألونك عن الساعة إلخ)، كان أهل العناد من قريش يعنتون رسول اللَّه  بالسؤال عن وقت الساعة ومتى يقيمها اللَّه، فكان النبي يردد في نفسه ما يقولون ويتمنى لو أمكن الجواب عما يسألون، كما هو شأن الحريص على الهداية، الجاهد في الإقناع.

فنهاه اللَّه عن تمني ما لا يرجى، وجاء بالنهي في صورة الاستفهام الإنكاري حيث قال: فيم أنت من ذكراها؟

أي ما هذه الذكرى الدائمة؟

لست في شيء منها، أي لا حاجة لك بها، فإن علم ذلك ينتهي إلى ربك.

وإنما شأنك أن تنذر من يخافها، فتنبهه من غفلته حتى يستعد لما يلقاه يومها.

أما هؤلاء المعاندون فدعهم فإنهم لا يعقلون، ولا تشتغل بالجواب عما يسألون.

فإذا جاءت الساعة ذهبت صورة كل زمان مضى من أذهانهم، سواء طال أو قصر، فحسبوا أنهم لم يلبثوا من يوم خلقوا إلى يوم بعثوا إلا عشية أو ضحاها، أي طرفًا من أطراف النهار، لا نهارًا كاملًا، وذلك لمفاجأتها لهم على غير استعداد لتوقعها.

(الساعة) ساعة يبعث الناس، وهي يوم القيامة.

(أيان مرساها) أي متى إرساؤها أي إقامتها، ومتى حصولها.

(فيم أنت) أي: في أي شيء أنت من مداومة تذكرها؟

أو: في أي شيء أنت من ذكرها لهم وإخبارهم بوقتها؟

أي: لست في شيء من هذا.

أي ليس من شأنك أن تذكر لهم من خبرها شيئًا سوى أنك تنذر من يخافها.

و(العشية) طرف النهار من آخره، و(الضحى) طرفه من أوله.

وإضافة الضحى إلى ضمير العشية إشارة إلى أن العشية والضحى من يوم واحد.

فهم يحسبون أنهم لم يلبثوا إلا بعض يوم واحد، كما قال لم يلبثوا إلا ساعة من نهار.

واللبث الإقامة.

مزيد من التفاسير لسورة النازعات

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله