الإسلام > القرآن > سور > سورة 79 النازعات > الآية ١٨ من سورة النازعات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 76 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨ من سورة النازعات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أي قل له هل لك أن تجيب إلى طريقة ومسلك تزكى به وتسلم وتطيع.
وقوله: ( فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ) يقول: فقل له: هل لك إلى أن تتطهَّر من دنس الكفر، وتؤمِن بربك؟
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ) قال: إلى أن تُسلم.
قال: والتزكي في القرآن كله: الإسلام، وقرأ قول الله: وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى قال: من أسلم، وقرأ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى قال: يسلم، وقرأ وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى .
ألا يسلم .
حدثني سعيد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، قال: ثنا حفص بن عُمَرَ العَدَنِيّ، عن الحكم بن أبان عن عكرمة، قول موسى لفرعون: ( هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ) هل لك إلى أن تقول: لا إله إلا الله .
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( تَزَكَّى ) فقرأته عامة قرَّاء المدينة ( تَزَّكَّى ) بتشديد الزاي، وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة ( إِلَى أَنْ تَزَكَّى ) بتخفيف الزاي.
وكان أبو عمرو يقول فيما ذُكر عنه ( تَزَّكَّى ) بتشديد الزاي، بمعنى: تتصدّق بالزكاة، فتقول: تتزكى، ثم تدغم، وموسى لم يدع فرعون إلى أن يتصدّق وهو كافر، إنما دعاه إلى الإسلام، فقال: تزكى: أي تكون زاكيا مؤمنا، والتخفيف في الزاي هو أفصح القراءتين في العربية.
فقل هل لك إلى أن تزكى أي تسلم فتطهر من الذنوب .
وروى الضحاك عن ابن عباس قال : هل لك أن تشهد أن لا إله إلا الله .
وأهديك إلى ربك أي وأرشدك إلى طاعة ربك فتخشى أي تخافه وتتقيه .وقرأ نافع وابن كثير ( تزكى ) بتشديد الزاي ، على إدغام التاء في الزاي ; لأن أصلها تتزكى .
الباقون : تزكى بتخفيف الزاي على معنى طرح التاء .
وقال أبو عمرو : ( تزكى ) بالتشديد تتصدق بالصدقة ، وتزكى يكون زكيا مؤمنا .
وإنما دعا فرعون ليكون زكيا مؤمنا .
قال : فلهذا اخترنا التخفيف .
وقال صخر بن جويرية : لما بعث الله موسى إلى فرعون قال له : اذهب إلى فرعون إلى قوله : وأهديك إلى ربك فتخشى ولن يفعل ، فقال : يا رب ، وكيف أذهب إليه وقد علمت أنه لا يفعل ؟
فأوحى الله إليه أن امض إلى ما أمرتك به ، فإن في السماء اثني عشر ألف ملك يطلبون علم القدر ، فلم يبلغوه ولا يدركوه .
{ فَقُلْ } له: { هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى } أي: هل لك في خصلة حميدة، ومحمدة جميلة، يتنافس فيها أولو الألباب، وهي أن تزكي نفسك وتطهرها من دنس الكفر والطغيان، إلى الإيمان والعمل الصالح؟
( فقل هل لك إلى أن تزكى ) قرأ أهل الحجاز ويعقوب بتشديد الزاي : أي تتزكى وتتطهر من الشرك ، وقرأ الآخرون [ بالتخفيف ] [ وأصله تتزكى فأدغمت التاء الثانية في الزاي في القراءة الأولى وحذفت في الثانية ، ومعناه تتطهر من الشرك ] أي : تسلم وتصلح ، قال ابن عباس : تشهد أن لا إله إلا الله .
«فقل هل لك» أدعوك «إلى أن تزكى» وفي قراءة بتشديد الزاي بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها: تتطهر من الشرك بأن تشهد أن لا إله إلا الله.
حين ناداه ربه بالوادي المطهَّر المبارك "طوى"، فقال له: اذهب إلى فرعون، إنه قد أفرط في العصيان، فقل له: أتودُّ أن تطهِّر نفسك من النقائص وتحليها بالإيمان، وأُرشدك إلى طاعة ربك، فتخشاه وتتقيه؟
ثم بين - سبحانه - ما قاله لموسى على سبيل الإِرشاد إلى أحكم وأفضل وسائل الدعوة إلى الحق فقال : ( فَقُلْ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى .
وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فتخشى ) .والمقصود بالاستفهام هنا : الحض والترغيب فى الاستجابة للحق ، كما تقول لمن تنصحه : هل كل فى كذا ، والجار والمجرور " لك " خب لمبتدأ محذوف ، أى : هل كل رغبة فى التزكية .أى : اذهب يا موسى إلى فرعون ، فقل له على سبيل النصح الحكيم ، والإِرشاد البليغ : هل لك يا فرعون رغبة فى أن أدلك على ما يزكيك ويطهرك من الرجس والفسوق والعصيان .وهل لك رغبة - أيضا - فى أن أرشدك إلى الطريق الذى يوصلك إلى رضى ربك ، فيترتب على وصولك إلى الطريق السوى ، الخشية منه - تعالى - والمعرفة التامة بجلاله وسلطانه .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: يقال هل لك في كذا، وهل لك إلى كذا، كما تقول: هل ترغب فيه، وهل ترغب إليه، قال الواحدي: المبتدأ محذوف في اللفظ مراد في المعنى، والتقدير: هل لك إلى تزكى حاجة أو إربه، قال الشاعر: فهل لكم فيها إلي فإنني *** بصير بما أعيا النطاسي حذيما ويحتمل أن يكون التقدير: هل لك سبيل إلى أن تزكى.
المسألة الثانية: الزكي الطاهر من العيوب كلها، قال: ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً ﴾ وقال: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها ﴾ وهذه الكلمة جامعة لكل ما يدعوه إليه، لأن المراد هل لك إلى أن تفعل ما تصير به زاكياً عن كل مالا ينبغي، وذلك بجمع كل ما يتصل بالتوحيد والشرائع.
المسألة الثالثة: فيه قراءتان: التشديد على إدغام تاء التفعل في الزاي لتقاربهما والتخفيف.
المسألة الرابعة: المعتزلة تمسكوا به في إبطال كون الله تعالى خالقاً لفعل العبد بهذه الآية، فإن هذا استفهام على سبيل التقرير، أي لك سبيل إلى أن تزكى، ولو كان ذلك بفعل الله تعالى لانقلب الكلام على موسى، والجواب عن أمثاله تقدم.
المسألة الخامسة: أنه لما قال لهما: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً ﴾ فكأنه تعالى رتب لهما ذلك الكلام اللين الرقيق، وهذا يدل على أنه لابد في الدعوة إلى الله من اللين والرفق وترك الغلظة، ولهذا قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ ويدل على أن الذين يخاشنون الناس ويبالغون في التعصب، كأنهم على ضد ما أمر الله به أنبياءه ورسله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اذهب ﴾ على إرادة القول.
وفي قراءة عبد الله ﴿ أن اذهب ﴾ لأنّ في النداء معنى القول.
هل لك في كذا، وهل لك إلى كذا؛ كما تقول: هل ترغب فيه، وهل ترغب إليه ﴿ إلى أَن تزكى ﴾ إلى أن تتطهر من الشرك، وقرأ أهل المدينة ﴿ تزكى ﴾ بالإدغام ﴿ وَأَهْدِيَكَ إلى رَبّكَ ﴾ وأرشدك إلى معرفة الله أنبهك عليه فتعرفه ﴿ فتخشى ﴾ لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة.
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ [فاطر: 28] أي العلماء به؛ وذكر الخشية لأنها ملاك الأمر، من خشي الله: أتى منه كل خير.
ومن أمن: اجترأ على كل شرّ.
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل» بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا، وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه بالتلطف في القول، ويستنزله بالمداراة من عتوه، كما أمر بذلك في قوله: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً ﴾ [طه: 44] ، ﴿ الأية الكبرى ﴾ قلب العصا حية لأنها كانت المقدمة والأصل، والأخرى كالتبع لها؛ لأنه كان يتقيها بيده، فقيل له: أدخل يدك في جيبك، أو أرادهما جميعاً، إلا أنه جعلهما واحدة؛ لأن الثانية كأنها من جملة الأولى لكونها تابعة لها ﴿ فَكَذَّبَ ﴾ بموسى والآية الكبرى، وسماهما ساحراً وسحراً ﴿ وعصى ﴾ الله تعالى بعد ما علم صحة الأمر، وأنّ الطاعة قد وجبت عليه ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يسعى ﴾ أي لما رأى الثعبان أدبر مرعوباً، يسعى: يسرع في مشيته.
قال الحسن كان رجلاً طياشاً خفيفاً.
أو تولى عن موسى يسعى ويجتهد في مكايدته، وأريد: ثم أقبل يسعى، كما تقول: أقبل فلان يفعل كذا، بمعنى: أنشأ يفعل، فوضع ﴿ أَدْبَرَ ﴾ موضع: أقبل؛ لئلا يوصف بالإقبال ﴿ فَحَشَرَ ﴾ فجمع السحرة، كقوله: ﴿ فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي المدائن حاشرين ﴾ [الشعراء: 53] .
﴿ فنادى ﴾ في المقام الذي اجتمعوا فيه معه.
أو أمر منادياً في الناس بذلك.
وقيل قام فيهم خطيباً فقال تلك العظيمة.
وعن ابن عباس: كلمته الأولى: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى ﴾ [القصص: 38] والآخرة: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى ﴾ [النازعات: 34] .
﴿ نَكَالَ ﴾ هو مصدر مؤكد، كوعد الله، وصبغة الله؛ كأنه قيل: نكل الله به نكال الآخرة والأولى والنكال بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم.
يعني الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة.
وعن ابن عباس: نكال كلمتيه الآخرة، وهي قوله: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى ﴾ والأولى وهي قوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى ﴾ [القصص: 28] ، وقيل: كان بين الكلمتين أربعون سنة.
وقيل عشرون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى ﴾ ألَيْسَ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهُ فَيُسَلِّيَكَ عَلى تَكْذِيبِ قَوْمِكَ وتُهَدِّدُهم عَلَيْهِ بِأنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ مَن هو أعْظَمُ مِنهم.
﴿ إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى ﴾ قَدْ مَرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ «طه».
﴿ اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، وقُرِئَ «أنِ اذْهَبْ» لِما في النِّداءِ مِن مَعْنى القَوْلِ.
﴿ فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ هَلْ لَكَ مَيْلٌ إلى أنْ تَتَطَهَّرَ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، وقَرَأ الحِجازِيّانِ ويَعْقُوبُ تَزَّكّى بِالتَّشْدِيدِ.
﴿ وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ ﴾ وأُرْشِدَكَ إلى مَعْرِفَتِهِ.
﴿ فَتَخْشى ﴾ بِأداءِ الواجِباتِ وتَرْكِ المُحَرَّماتِ، إذِ الخَشْيَةُ إنَّما تَكُونُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ وهَذا كالتَّفْصِيلِ لِقَوْلِهِ: ﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا ﴾ <div class="verse-tafsir"
{فقل هل لّك إلى أن تزكى} هل لك ميل إلى أن تتطهر من الشرك والعصيان بالطاعة والإيمان وبتشديد الزاي حجازي
﴿ فَقُلْ ﴾ بَعْدَ ما أتَيْتَهُ ﴿ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ أيْ: هَلْ لَكَ مَيْلٌ إلى أنْ تَتَزَكّى فَلَكَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و ﴿ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَهَلْ لَكم فِيها إلَيَّ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِما أعْيا النِّطاسِيَّ حِذْيَما قَدْ يُقالُ: هَلْ لَكَ في كَذا فَيُؤْتى بِفي ويُقَدَّرُ المُبْتَدَأُ رَغْبَةٌ ونَحْوُهُ مِمّا يَتَعَدّى بِها، ومِنهم مَن قَدَّرَهُ هُنا «رَغْبَةٌ» لِأنَّها تُعَدّى بِها أيْضًا، وقالَ أبُو البَقاءِ: لَمّا كانَ المَعْنى: أدْعُوكَ جِيءَ بِإلى ولَعَلَّهُ جَعَلَ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقًا بِمَعْنى الكَلامِ أوْ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، و ﴿ تَزَكّى ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ؛ أيْ: تَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عُمَرَ بِخِلافٍ «تَزَّكّى» بِتَشْدِيدِ الزّايِ وأصْلُهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ تَتَزَكّى فَأُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في الزّايِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم وعظهم بما أصاب فرعون في النكال في الدنيا فقال: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى يعني: قد أتاك خبر موسى إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ يعني: بالوادي المطهر طُوىً اسم الوادي اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى يعني: علا وتكبر وكفر فقال الله تعالى: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى يعني: ألم يأن لك أن تسلم.
ويقال: معناه هل ترغب في توحيد ربك، وتشهد أن لا إله إلا الله، وتزكي نفسك من الكفر، والشرك.
قرأ ابن كثير، ونافع إلى أن تزكى بتشديد الزاء، لأن أصله تتزكى، وأدغمت التاء في الزاء، وشددت.
والباقون بالتخفيف، لأنه حذف إحدى التائين، وتركت مخففة.
ثم قال: وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى يعني: أدعوك إلى توحيد ربك فتخشى.
يعني: تخاف عذابه فتسلم فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى يعني: العصا، واليد، وسائر الآيات.
فَكَذَّبَ وَعَصى يعني: كذب الآيات، ولم يقبل قول موسى- - ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى يعني: أدبر عن التوحيد، وسعى في هلاك موسى فَحَشَرَ يعني: فجمع أهل المدينة فَنادى يعني: فخاطب فَقالَ لهم اعبدوا أصنامكم التي كنتم تعبدون، فإن هؤلاء أربابكم الصغار.
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى يعني: فعاقبه بعقوبة الدنيا والآخرة، وهي الغرق وعقوبة الآخرة وهي النار.
ويقال: الآخرة والأولى.
يعني: العقوبة بالكلمة الأولى، والكلمة الأخرى، فأما الأولى قوله: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي والأخرى قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى وكان بين الكلمتين أربعون سنة.
ويقال: قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى كان في الابتداء، حيث أمرهم بعبادة الأصنام، ثم نهاهم عن ذلك، وأمرهم بأن لا يعبدوا غيره.
وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي ثم قال: إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في هلاك فرعون وقومه لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى يعني: لعظة لمن يريد أن يعتبر، ويسلم.
<div class="verse-tafsir"
فَالسَّابِقاتِ، فقيلَ هي الملائكةُ، وقيل: الرياحُ «١» ، وقيل: الخيلُ، وقيل: النُّجُوم، وقيل: المَنايَا تَسْبِقُ الآمالَ، وأما فَالْمُدَبِّراتِ فَهِي الملائكة قَولاً واحداً فيما علمتُ، تدبّر الأمورَ التي سخَّرَها اللَّهُ لَها وصَرَّفَها فيها كالرياح والسحاب، وغير ذلك، والرَّاجِفَةُ النفخة الأولى، والرَّادِفَةُ النفخة الأخِيرَة، وقال ابن زيد: الرَّاجِفَةُ: الموتُ، والرَّادِفَةُ: الساعة «٢» ، وفي «جَامِع الترمذي» عن أُبيِّ بن كعب قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا ذهب ثلثا اللّيل قام، فقال: يا أيّها النَّاسُ، اذكروا اللَّهَ، اذكروا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُها الرَّادِفَةُ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيه، [جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ] » الحديثَ «٣» ، قَال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ، انْتَهَى، وقد أتى به ع «٤» هنا وقال: إذا ذَهَبَ رُبُعُ الليل، والصوابُ ما تقدَّم، ثم أخبرَ تعالى عن قلوبٍ تَجِفُ [في] ذلكَ اليومِ، أي: تَرْتَعِدُ خوفاً وفَرَقاً من العذابِ، واخْتُلِفَ في جوابِ القسم: أين هو؟
فقال الزجاج والفراء: هو محذوفٌ دَلَّ عليهِ الظاهرُ تقديرُه: لَتَبْعَثُنَّ ونحوُه، وقال آخرونَ: هو موجودٌ في جملة قوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ كأنه قَال لَتَجِفَنَّ قلوبُ قومٍ يوم كذا.
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩)
فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤)
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩)
وقوله تعالى: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ حكايةُ حالِهم في الدنيا، والمعنى: هم الذين يقولون، والْحافِرَةِ: قال مجاهد والخليل: هي الأرضُ، حافرة بمعنى محفورة، والمراد: القبور والمعنى: أإنا لمردودون أحياء في قبورنا؟، وقيل غير
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى ﴾ أيْ: قَدْ جاءَكَ.
وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [طَهَ: ٩] وما بَعْدَهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ طُوًى ﴾ ﴿ اذْهَبْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: " طَوى اذْهَبْ " غَيْرَ مُجْراةٍ.
وقَرَأ الباقُونَ " طَوًى " مُنَوَّنَةً ﴿ فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: " تَزَكّى " بِتَشْدِيدِ الزّايِ، أيْ: تُطَهَّرُ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ ﴾ أيْ: أدْعُوكَ إلى تَوْحِيدِهِ، وعِبادَتِهِ ﴿ فَتَخْشى ﴾ عَذابَهُ ﴿ فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها اليَدُ والعَصا، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّها اليَدُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَذَّبَ ﴾ أيْ بِأنَّها مِنَ اللَّهِ، ﴿ وَعَصى ﴾ نَبِيَّهُ ﴿ ثُمَّ أدْبَرَ ﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ ﴿ يَسْعى ﴾ أيْ: يَعْمَلُ بِالفَسادِ في الأرْضِ ﴿ فَحَشَرَ ﴾ أيْ: فَجَمَعَ قَوْمَهُ وجُنُودَهُ ﴿ فَنادى ﴾ لَمّا اجْتَمَعُوا ﴿ فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ أيْ: لا رَبَّ فَوْقِي.
وقِيلَ: أرادَ أنَّ الأصْنامَ أرْبابٌ، وأنا رَبُّها ورَبُّكم.
وقِيلَ: أرادَ: أنا رَبُّ السّادَةِ والقادَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الأُولى قَوْلُهُ: " ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي " [القَصَصُ: ٣٨] والآخِرَةُ قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.
ورَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ بَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً.
قالَ السُّدِّيُّ: فَبَقِيَ بَعْدَ الآخِرَةِ ثَلاثِينَ سَنَةً.
قالَ الفَرّاءُ: فالمَعْنى: أخَذَهُ اللَّهُ أخَذًا نَكالًا لِلْآخِرَةِ والأُولى.
والثّانِي: المَعْنى: جَعَلَهُ اللَّهُ نَكالَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أغْرَقَهُ في الدُّنْيا، وعَذَّبَهُ في الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: عَذَّبَهُ اللَّهُ في أوَّلِ النَّهارِ بِالغَرَقِ، وفي آخِرِهِ بِالنّارِ.
والثّالِثُ: أنَّ الأُولى: تَكْذِيبُهُ وعِصْيانُهُ.
والآخِرَةَ قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ، قالَهُ أبُو رَزِينٍ.
والرّابِعُ: أنَّها أوَّلُ أعْمالِهِ وآخِرُها، رَواهُ مَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: النَّكالُ: مَنصُوبٌ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ مَعْنًى أخَذَهُ اللَّهُ: نَكَّلَ اللَّهُ بِهِ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى: فَأغْرَقَهُ في الدُّنْيا ويُعَذِّبُهُ في الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فُعِلَ بِفِرْعَوْنَ ﴿ لَعِبْرَةً ﴾ أيْ: لَعِظَةٌ ﴿ لِمَن يَخْشى ﴾ اللَّهَ.
ثُمَّ خاطَبَ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ بَناها ﴾ مِن صِفَةِ السَّماءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أمِ السَّماءُ الَّتِي بَناها.
وقالَ قَوْمٌ: السَّماءُ لَيْسَ مِمّا تُوصَلُ، ولَكِنَّ المَعْنى: أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا، أمِ السَّماءُ أشَدُّ خَلْقًا.
ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ خَلَقَها، فَقالَ تَعالى: ﴿ بَناها ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَلْقُكم بَعْدَ المَوْتِ أشَدُّ عِنْدَكُمْ، أمِ السَّماءُ في تَقْدِيرِكُمْ؟
وهُما في قُدْرَةِ اللَّهِ واحِدٌ.
ومَعْنى: " بَناها " رَفَعَها.
وكُلُّ شَيْءٍ ارْتَفَعَ فَوْقَ شَيْءٍ فَهو بِناءٌ.
ومَعْنى: ﴿ رَفَعَ سَمْكَها ﴾ رَفْعَ ارْتِفاعَها وعُلُوَّها في الهَواءِ ﴿ فَسَوّاها ﴾ بِلا شُقُوقٍ، ولا فُطُورٍ، ولا تَفاوُتٍ، يَرْتَفِعُ فِيهِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ ﴿ وَأغْطَشَ لَيْلَها ﴾ أيْ: أظْلَمَهُ فَجَعَلَهُ مُظْلِمًا.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: غَطَشَ اللَّيْلُ وأغْطَشَ، وغَبَشَ وأغْبَشَ، وغَسَقَ وأغْسَقَ، وغَشِيَ وأغْشى، كُلُّهُ بِمَعْنى أظْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخْرَجَ ضُحاها ﴾ أيْ: أبْرَزَ نَهارَها.
والمَعْنى: أظْهَرَ نُورَها بِالشَّمْسِ.
وإنَّما أضافَ النُّورَ والظُّلْمَةَ إلى السَّماءِ لِأنَّهُما عَنْها يَصْدُرانِ ﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ ﴿ دَحاها ﴾ أيْ: بَسَطَها.
وبَعْضُ مَن يَقُولُ: إنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّماءِ يَزْعُمُ أنَّ " بَعْدَ " هاهُنا بِمَعْنى " قَبْلَ " كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ﴾ .
وبَعْضُهم يَقُولُ: هي بِمَعْنى " مَعَ " كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ الأرْضُ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّماءِ، ثُمَّ دُحِيَتْ بَعْدَ كَمالِ السَّماءِ، وهَذا مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ.
وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا الخِلافِ في [البَقَرَةِ: ٢٩] .
ونُصِبَتِ الأرْضُ بِمُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَحاها ﴾ .
﴿ أخْرَجَ مِنها ماءَها ﴾ أيْ: فَجَّرَ العُيُونَ مِنها ﴿ وَمَرْعاها ﴾ وهو ما يَأْكُلُهُ النّاسُ والأنْعامُ ﴿ والجِبالَ أرْساها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أثْبَتَها ﴿ مَتاعًا لَكُمْ ﴾ أيْ: لِلْإمْتاعِ، لِأنَّ مَعْنى أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها: أمْتَعَ بِذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " مَتاعًا لَكم " أيْ: مَنفَعَةً [لَكُمْ] .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ﴾ ﴿ فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ﴾ ﴿ فَإذا هم بِالساهِرَةِ ﴾ ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى ﴾ ﴿ إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى ﴾ ﴿ اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى ﴾ ﴿ فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ ﴿ وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى ﴾ ﴿ فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى ﴾ ﴿ فَكَذَّبَ وعَصى ﴾ ﴿ ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى ﴾ ﴿ فَحَشَرَ فَنادى ﴾ ﴿ فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى عنهم قَوْلَهُمْ: ﴿ تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم لِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ وإنْكارِهِمْ قالُوا: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا، لَكانَتْ كَرَّتَنا ورَجْعَتَنا خاسِرَةً؛ وذَلِكَ لَهم إذْ هي النارُ، وقالَ الحَسَنُ: "خاسِرَةٌ" مَعْناهُ: كاذِبَةٌ، أيْ لَيْسَتْ بِكافِيَةٍ، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ صَنادِيدَ قُرَيْشٍ قالَ ذَلِكَ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن حالِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ﴾ ، أيْ: نَفْخَةٌ في الصُوَرِ، فَإذا الناسُ قَدْ نَشَرُوا وصارُوا أحْياءً عَلى وجْهِ الأرْضِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "فَإنَّما هي رِقَّةٌ واحِدَةٌ"، و"الساهِرَةُ" وجْهُ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: وفِيها لَحْمُ ساهِرَةٍ وبَحْرٌ وما فاهُوا بِهِ لَهم مُقِيمُ وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهْ: الساهِرَةُ جَبَلٌ بِالشامِ يَمُدُّهُ اللهُ تَعالى لِحَشْرِ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ كَيْفَ شاءَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ وسُفْيانُ: الساهِرَةُ أرْضُ مَكَّةَ، وقالَ الزُهْرِيُّ: "الساهِرَةُ" الأرْضُ كُلُّها.
ثُمَّ وقَّفَ تَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا عَلى جِهَةِ جَمْعِ النَفْسِ لِتَلَقِّي الحَدِيثِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى ﴾ الآيَةُ.
و"الوادِي المُقَدَّسِ" وادٍ بِالشامِ، قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هو بَيْنَ المَدِينَةِ ومِصْرَ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والأعْمَشُ، وابْنُ إسْحاقَ، وقُعْنُبُ"طَوى" بِكَسْرِ الطاءِ مُنَوَّنَةً، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "طَوى" بِضَمِّ الطاءِ، وأجْرى بَعْضُ القُرّاءِ "طَوى" وتَرَكَ إجْراءَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ اللَفْظَةِ في سُورَةِ طه.
وقَوْلُهُ تَعالى: "اذْهَبْ" تَفْسِيرُ النِداءِ الَّذِي ناداهُ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قالَ لَهُ اذْهَبْ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ اسْتِدْعاءٌ حَسَنٌ، وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَ أنْ يَقُولَ لَهُ: ﴿ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ ، وهَذا قَوْلُ جَوابِ كُلِّ عاقِلٍ عِنْدَهُ: نَعَمْ أُرِيدُ أنْ أتَزَكّى، والتَزَكِّي هو التَطَهُّرُ مِنَ النَقائِصِ والتَلَبُّسِ بِالفَضائِلِ، وفَسَّرَ بَعْضُهم "تَزَكّى" بِـ "تُسْلِمُ"، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِقَوْلِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وهَذا تَخْصِيصٌ، وما ذَكَرْناهُ يَعُمُّ كُلَّ هَذا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "تَزَّكّى" بِشَدِّ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ: "تَزَكّى" بِتَخْفِيفِ الزايِ.
ثُمَّ أمَرَ "اللهُ تَعالى" مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يُفَسِّرَ لَهُ التَزَكِّي الَّذِي دَعاهُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى"، والعِلْمُ تابِعٌ لِلْهُدى، والخَشْيَةُ تابِعَةٌ لِلْعِلْمِ، ﴿ إنَّما يَخْشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾ .
"والآيَةُ الكُبْرى" العَصا واليَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وهُما قَصَبُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلتَّحَدِّي، فَوَقَعَتِ المُعارَضَةُ في الواحِدَةِ وانْغَلَبَ فِيها فَرِيقُ الباطِلِ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "أدْبَرَ يَسْعى" حَقِيقَةً، قامَ مِن مَوْضِعِهِ مُوَلِّيًا فارًّا بِنَفْسِهِ مِن مُجالَسَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الجُمْهُورُ: "أدْبَرَ" كِنايَةٌ عن إعْراضِهِ عَنِ الإيمانِ، و"يَسْعى" مَعْناهُ: يَجْتَهِدُ عَلى أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ والرَدِّ في وجْهِ شَرْعِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَحَشَرَ" مَعْناهُ: جَمَعَ أهْلَ مَمْلَكَتِهِ، ثُمَّ ناداهم بِقَوْلِهِ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المَعْنى: فَنادى فَحَشَرَ، وقَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ نِهايَةٌ في المُخْرِقَةِ، ونَحْوُها باقٍ في مُلُوكِ مِصْرَ وأتْباعِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
هذه الآية اعتراض بين جملة ﴿ فإنما هي زجرة واحدة ﴾ [النازعات: 13] وبين جملة ﴿ أأنتم أشد خلقاً ﴾ [النازعات: 27] الذي هو الحجة على إثبات البعث ثم الإِنذار بما بعده دعت إلى استطراده مناسبة التهديد لمنكري ما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من البعث لتَماثُل حال المشركين في طغيانهم على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بحال فرعون وقومه وتماثل حال الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه بحال موسى عليه السلام مع فرعون ليحصل من ذكر قصة موسى تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وموعظة للمشركين وأيمتهم مثل أبي جهل وأميةَ بننِ خلف وأضرابهما لقوله في آخرها ﴿ إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ﴾ [النازعات: 26].
و ﴿ هل أتاك ﴾ استفهام صوري يقصد من أمثاله تشويق السامع إلى الخير من غير قصد إلى استعلام المخاطَببِ عن سابققِ علمه بذلك الخبر، فسواء في ذلك عَلِمه من قبل أو لم يعلمه، ولذلك لا ينتظِر المتكلم بهذا الاستفهام جواباً عنه من المسؤول بل يعقّب الاستفهام بتفصيل ما أوهم الاستفهام عنه بهذا الاستفهام كناية عن أهمية الخبر بحيث إنه مما يتساءل الناس عن علمه.
ولذلك لا تستعمل العرب في مثله من حروف الاستفهام غيرَ {هل لأنها تدل على طلب تحقيق المستفهَم عنه، فهي في الاستفهام مثل (قَد) في الإِخبار، والاستفهام معها حاصل بتقدير همزة استفهام، فالمستفهم بها يستفهم عن تحقيق الأمر، ومن قبيله قولهم في الاستفهام: أليس قد علمتَ كذا فيأتون ب (قد) مع فعل النفي المقترن باستفهام إِنكار من غير أن يكون علم المخاطب محققاً عند المتكلم.
والخطاب لغير معيّن فالكلام موعظة ويتبعه تسلية الرسول.
وأتاك} معناه: بلغك، استعير الإِتيان لحصول العلم تشبيهاً للمعقول بالمحسوس كأنَّ الحصول مجيء إنسان على وجه التصريحية، أو كأنَّ الخبر الحاصل إنسان أثبت له الإِتيان على طريقة الاستعارة المكنية، قال النابغة: أتاني أبيتَ اللعن أنَّك لُمتني *** والحديث: الخبر، وأصله فعيل بمعنى فاعل من حدث الأمر إذا طرأ وكان، أي الحادث من أحوال الناس وإنما يطلق على الخبر بتقدير مضاف لا يذكر لكثرة الاستعمال تقديره خبر الحديث، أي خبر الحادث.
و ﴿ إذْ ﴾ اسم زمان، واستعمل هنا في الماضي وهو بَدَل من ﴿ حديث موسى ﴾ بدل اشتمال لأن حديثه يشتمل على كلام الله إياه وغير ذلك.
وكما جاز أن تكون (إذْ) بدلاً من المفعول به في قوله تعالى: ﴿ واذكروا نعمة اللَّه عليكم إذ كنتم أعداء ﴾ [آل عمران: 103] يجوز أن تكون بدلاً من الفاعل وغيره.
واقتصار ابن هشام وغيره على أنها تكون مفعولاً به أو بدلاً من المفعول به اقتصار على أكثر موارد استعمالها إذا خرجت عن الظرفية، فقد جوز في «الكشاف» وقوع (إذْ) مبتدأ في قراءة من قرأ: ﴿ لقد من اللَّه على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً ﴾ في سورة آل عمران (164).
وأُضيف إذْ } إلى جملة ﴿ ناداه ربه ﴾ .
والمعنى: هل أتاك خَبر زماننِ نادى فيه موسى ربُّه.
والواد: المكان المنخفض بين الجبال.
والمقدّس: المطهّر.
والمراد به التطهير المعنوي وهو التشريف والتبريك لأجل ما نزل فيه من كلام الله دون توسط ملَك يبلغ الكلام إلى موسى عليه السلام، وذلك تقديس خاص، ولذلك قال الله له في الآية الأخرى ﴿ فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس ﴾ [طه: 12].
وطُوى: اسم مَكان ولعله هو نوع من الأودية يشبه البئر المطوية، وقد سمي مكان بظاهر مكة ذَا طُوى بضم الطاء وبفتحها وكسرها.
وتقدم في سورة طه.
وهذا واد في جانب جبل الطور في برية سينا في جانبه الغربي.
وقرأ الجمهور ﴿ طُوَى ﴾ بلا تنوين على أنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث بتأويل البُقعة، أو للعدل عن طَاوٍ، أو للعجمة.
وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف منوناً باعتباره اسم وادٍ مذكَّر اللفظ.
وجملة ﴿ اذْهب إلى فرعون ﴾ بيان لجملة ﴿ ناداه ربه ﴾ .
وجملة ﴿ إنه طغى ﴾ تعليل للأمر في قوله: ﴿ اذهب ﴾ ، ولذلك افتتحت بحرف (إنَّ) الذي هو للاهتمام ويفيد مُفاد التعليل.
والطغيان إفراط التكبر وتقدم عند قوله ﴿ للطاغين مئاباً ﴾ في سورة النبأ (22).
وفرعون: لقب ملك القِبط بمصر في القديم، وهو اسم معرَّب عن اللغة العبرانية ولا يعلم هل هو اسم للمَلك في لغة القِبط ولم يُطلقه القرآن إلا على ملك مصر الذي أرسل إليه موسى، وأُطلقَ على الذي في زمن يوسف اسم المَلِك، وقد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه ﴾ في سورة الأعراف (103).
و ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك ﴾ عرْض وترغيب قال تعالى: ﴿ فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ﴾ [طه: 44].
وقوله: ﴿ هل لك ﴾ تركيب جرى مجرى المثل فلا يغير عن هذا التركيب لأنه قصد به الإِيجاز يقال: هل لك إلى كذا؟
وهل لك في كذا؟
وهو كلام يقصد منه العرض بقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل؟
ومنه قول كعب: ألا بلّغا عني بجيراً رسالة *** فهل لك فيما قُلْت ويْحَكَ هَلْ لَكَا بضم تاء (قلتُ).
وقول بجير أخيه في جوابه عن أبياته: مَن مبلغٌ كعباً فهل لك في التي *** تَلومُ عليها باطلاً وهي أحزم و ﴿ لك ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هل لك رغبة في كذا؟
فحُذف (رغبة) واكتفي بدلالة حرف (في) عليه، وقالوا: هل لك إلى كذا؟
على تقدير: هل لك مَيل؟
فحذف (مَيل) لدلالة (إلى) عليه.
قال الطيبي: «قال ابن جني: متى كان فعل من الأفعال في معنى فعل آخر فكثيراً ما يُجرَى أحدهما مُجرى صاحبه فيعوَّل به في الاستعمال إليه (كذا) ويحتذى به في تصرفه حذو صاحبه وإن كان طريقُ الاستعمال والعرف ضده مأخذه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ هل لك إلى أن تزكى ﴾ وأنت إنما تقول: هل لك في كذا؟
لكنه لما دخله معنى: آخُذُ بك إلى كذا أو أدعوك إليه، قال: ﴿ هل لك إلى أن تزكى ﴾ .
وقولُه تعالى: ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ﴾ [البقرة: 187] لا يقال: رفثت إلى المرأة، إنما يقال: رفثتت بها، ومعها، لكن لما كان الرفث في معنى الإِفضاء عدّي ب (إلى) وهذا من أسَدّ مذاهب العربية، لأنه موضع يملك فيه المعنى عِنان الكلام فيأخذه إليه» ا ه.
قيل: ليس هذا من باب التضمين بل من باب المجاز والقرينة الجارة.
و ﴿ تزكى ﴾ قرأه نافع وابن كثير وأبو جعفر ويعقوب بتشديد الزاي على اعتبار أن أصله: تتزكى، بتاءين، فقلبت التاء المجاورة للزاي زاياً لتقارب مخرجيهما وأدغمت في الزاي.
وقرأه الباقون بتخفيف الزاي على أنه حدفت إحدى التاءين اقتصاراً للتخفيف.
وفعل ﴿ تزكى ﴾ على القراءتين أصله: تتزكى بتاءين مضارع تزكّى مطاوع زكاه، أي جعله زكياً.
والزكاة: الزيادة، وتطلق على الزيادة في الخير النفساني قال تعالى: ﴿ قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ﴾ [الشمس: 9، 10] وهو مجاز شائع ساوى الحقيقة ولذلك لا يحتاج إلى قرينة.
والمعنى: حَثُّهُ على أن يستعد لتخليص نفسه من العقيدة الضالة التي هي خبث مجازي في النفس فيقبَلَ إرشاد من يرشده إلى ما به زيادة الخير فإن فعل المطاوعة يؤذن بفعل فَاعِل يعالج نفسه ويروضها إذ كان لم يهتد أن يزكي نفسه بنفسه.
ولذلك أعقبه بعطف ﴿ وأهديك إلى ربك فتخشى ﴾ أي إن كان فيك إعداد نفسك للتزكية يكن إرشادي إياك فتخشى، فكان ترتيب الجمل في الذكر مراعىً فيه ترتبها في الحصول فلذلك لم يحتج إلى عطفه بفاء التفريع، إذ كثيراً ما يستغنى بالعطف بالواو مع إرادة الترتيب عن العطف بحرف الترتيب لأن الواو تفيد الترتيب بالقرينة، ويستغنى بالعطف عن ذكر حرف التفسير في العطف التفسيري الذي يكون الواو فيه بمعنى (أي) التفسيرية فإنَّ ﴿ أن تزكى وأهديك ﴾ في قوة المفرد.
والتقدير: هل لك في التزكية وهدايتي إياك فخشيتك الله تعالى.
والهداية الدلالة علء الطريق الموصل إلى المطلوب إذا قبلها المَهْدي.
وتفريع ﴿ فتخشى ﴾ على ﴿ أهديك ﴾ إشارة إلى أن خشية الله لا تكون إلا بالمعرفة قال تعالى: ﴿ إنما يخشى اللَّه من عبادة العلماء ﴾ [فاطر: 28]، أي العلماء به، أي يخشاه خشية كاملة لا خطأ فيها ولا تقصير.
قال الطيبي: وعن الواسطي: أوائل العلم الخشية، ثم الإِجلال، ثم التعظيم، ثم الهيبة، ثم الفناء.
وفي الاقتصار على ذكر الخشية إيجاز بليغ لأن الخشية ملاك كل خير.
وفي «جامع الترمذي» عن أبي هريرة قال: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من خَافَ أدْلَج ومن أَدْلَج بلغ المنزل ".
وذُكِر له الإله الحق بوصف ﴿ ربك ﴾ دون أن يذكر له اسمُ الله العلم أو غيره من طرق التعريف إلطافاً في الدعوة إلى التوحيد وتجنباً لاستطارة نفسه نفوراً، لأنه لا يعرف في لغة فرعون اسم لله تعالى، ولو عَرَّفه له باسمه في لغة إسرائيل لنَفر لأن فرعون كان يعبد آلهة باطلة، فكان في قوله: ﴿ إلى ربك ﴾ وفرعون يعلم أن له رباً إطماع له أن يرشده موسى إلى ما لا ينافي عقائده فيُصغي إليه سمعه حتى إذا سمع قوله وحجته داخَلهُ الإِيمان الحق مدرَّجاً، ففي هذا الأسلوب استنزالٌ لطائره.
والخشية: الخوف فإذا أطلقت في لسان الشرع يراد بها خشية الله تعالى، ولهذا نُزل فعلها هنا منزلة اللازم فلم يذكر له مفعول لأن المخشي معلوم مثل فعل الإِيمان في لسان الشرع يقال: آمَن فلان، وفلان مؤمن، أي مؤمن بالله ووحدانيته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى ﴾ ﴿ إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ مُبَشِّرِ بْنِ عَبِيدٍ هو وادٍ بِأيَلَةَ.
الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ، هو وادٍ بِفِلَسْطِينَ.
وَفي ﴿ المُقَدَّسِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: المُبارَكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: المُطَهَّرُ، قالَهُ الحَسَنُ: قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ.
وَفي ﴿ طُوًى ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ الوادِي المُقَدَّسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ.
الثّانِي: لِأنَّهُ مَرَّ بِالوادِي فَطَواهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: لِأنَّهُ طُوِيَ بِالبَرَكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: يَعْنِي طَأِ الوادِيَ بِقَدَمِكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا; أنَّهُ ما تَضاعَفَ تَقْدِيسُهُ حَتّى تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ المَعاصِي، مَأْخُوذٌ مِن طَيِّ الكِتابِ إذا ضُوعِفَ.
﴿ فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلى أنْ تُسْلِمَ، قالَ قَتادَةُ.
الثّانِي: إلى أنْ تَعْمَلَ خَيْرًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عَصاهُ ويَدُهُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها الجَنَّةُ والنّارُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ كَلامُهُ مِنَ الشَّجَرَةِ.
قَوْلُهُ ﴿ فَحَشَرَ فَنادى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَشَرَ السَّحَرَةَ لِلْمُعارَضَةِ، ونادى جُنْدَهُ لِلْمُحارَبَةِ.
الثّانِي: حَشَرَ النّاسَ لِلْحُضُورِ ونادى أيْ خَطَبَ فِيهِمْ.
﴿ فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عُقُوبَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَ قَتادَةُ: عَذَّبَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا بِالغَرَقِ وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ.
الثّانِي: عَذابٌ أوَّلَ عُمُرِهِ وآخِرَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي ﴾ والآخِرَةُ قَوْلُهُ ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ بَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً، وقالَ مُجاهِدٌ: ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَ السُّدِّيُّ: وهي الآخِرَةُ ثَلاثُونَ سَنَةً.
الرّابِعُ: عَذابُ الأُولى الإمْهالُ، والآخِرَةُ في النّارِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها ﴾ الآيَةَ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ اذهب إلى فرعون إنه طغى ﴾ قال: عصى وفي قوله: ﴿ فأراه الآية الكبرى ﴾ قال: عصاه ويده، وفي قوله: ﴿ ثم أدبر يسعى ﴾ قال: يعمل بالفساد، وفي قوله: ﴿ فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ﴾ قال: الأولى ما علمت لكم من إله غيري، والآخرة قوله: أنا ربكم الأعلى.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ فأراه الآية الكبرى ﴾ قال: عصاه ويده، وفي قوله: ﴿ فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ﴾ قال: صابته عقوبة الدنيا والآخرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن مثله.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن صخر بن جويرية قال: لما بعث الله موسى إلى فرعون قال: ﴿ اذهب إلى فرعون إنه طغى ﴾ إلى قوله: ﴿ وأهديك إلى ربك فتخشى ﴾ ولن يفعله، فقال موسى: يا رب كيف أذهب إليه وقد علمت أنه لا يفعل، فأوحى الله إليه أن امض إلى ما أمرت به فإن في السماء اثني عشر ألف ملك يطلبون علم القدر، فلم يبلغوه، ولم يدركوه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ هل لك إلى أن تزكى ﴾ قال: هل لك إلى أن تقول لا إله إلا الله.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ هل لك إلى أن تزكى ﴾ قال: إلى أن تقول لا إله إلا الله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ هل لك إلى أن تزكى ﴾ قال: إلى أن تخلص، وفي قوله: ﴿ ثم أدبر يسعى ﴾ قال: ليس بالشد يعمل بالفساد والمعاصي.
وأخرج ابن المنذر عن الربيع في قوله: ﴿ ثم أدبر يسعى ﴾ قال: أدبر عن الحق وسعى يجمع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قال موسى: يا فرعون هل لك في أن أعطيك شبابك لا تهرم، وملكك لا ينزع منك، وترد إليك لذة المناكح والمشارب والركوب، وإذا مت دخلت الجنة وتؤمن بي فوقعت في نفسه هذه الكلمات وهي اللينات، قال: كما أنت حتى يأتي هامان، فلما جاء هامان أخبره فعجزه هامان، وقال تصير تعبد إذا كنت رباً تُعْبَدُ فذلك حين خرج عليهم فقال لقومه وجمعهم ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ﴾ قال: بقوله: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ والأولى قوله: ما علمت.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة والضحاك مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي ﴿ فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ﴾ قال: هما كلمتاه الأولى ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ [ القصص: 38] والأخرى ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ وكان بينهما أربعون سنة.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبدالله بن عمرو قال: بين كلمتيه أربعون سنة.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن خيثمة قال: كان بين قول فرعون ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ وقوله: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ أربعون سنة.
<div class="verse-tafsir"
فقال: ﴿ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ﴾ .
أي تتطهر من الشرك، ومنه قوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ (١) ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً ﴾ (٢) والمبتدأ محذوف [في] (٣) (٤) قال: فَهَلْ لكُمُ فيها إليَّ فإنني ...
بصيرٌ بما أعيى (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) وقال مقاتل: توحد الله (١١) (١٢) (١) في (ع): زكيها.
(٢) في (أ): زاكية.
(٣) ساقط من: أ.
(٤) إربة: الإربة: الحاجة، والجمع: المآرب.
انظر مادة: (أرب) في مختار "الصحاح" 13، "المصباح المنير" 1/ 16.
(٥) في (أ): أعي.
(٦) ورد البيت في ديوانه: 111 ط دار صادر برواية: "طبيب بما أعيى"، "الخصائص" لابن جني: 2/ 453، "المفصل" 3/ 25، "الخزانة" 2/ 232.
ومعنى قوله: "فهل لكم فيما إلى: هل لكم علم وبصيرة فيما يرجع نفعه وفائدته إلى، ثم أعرض عن مشاورتهم وقال: إنني أعلم وأعرف بحالي منكم، فإنني بصير بما يعيي النطاسي ابن حذيم -وهو رجل من تيم الرباب- وكان متطببًا عالمًا.
"ديوانه" (111).
(٧) قرأ بذلك: أبو جعفر، وابن كثير، ونافع، ويعقوب: "إلى أن تزَّكَّى" مشددة الزاي.
انظر: "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 745، "الحجة" 6/ 374، "المبسوط" 395، "حجة القراءات" (749)، "كتاب التبصرة" (720).
(٨) قرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: "تزكى" خفيفة.
انظر: المراجع السابقة.
(٩) ما بين القوسين ساقط من: (أ).
(١٠) "معالم التنزيل" 4/ 444، "الدر المنثور" 8/ 410، وانظر: "الأسماء والصفات" 1/ 183.
(١١) "تفسير مقاتل" 227/ ب.
(١٢) "النكت والعيون" 6/ 197.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَلْ أَتَاكَ ﴾ توقيف وتنبيه وليس المراد به مجرد الاستفهام ﴿ طُوًى ﴾ ذكر في [طه: 12] ﴿ اذهب إلى فِرْعَوْنَ ﴾ تفسير للنداء ﴿ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى ﴾ أن تتطهر من الكفر والذنوب والعيوب والزذائل، وقال بعضهم: تزكى تسلم، وقيل: تقول لا إله إلا الله، والأول أعم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً ﴾ بالإدغام فيهما: أبو عمرو غير عباس ﴿ أئنا ﴾ ﴿ أئذا ﴾ كما مر في " الرعد " إلا ابن عامر فإنه وافق الكسائي ﴿ ناخرة ﴾ بالألف: حمزة وعلي غير نصير وعتيبة وخلف ورويس وعاصم غير المفضل وحفص و ﴿ طوى ﴾ كما مر في " طه " وكذا ما بعدها إلا حمزة وخلف في اختياره فإنهما يفتحان.
ومناه ﴿ تزكَّى ﴾ بتشديد الزاي: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس ويعقوب ﴿ منذر من ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.
الآخرون: بالإضافة للتخفيف.
الوقوف ﴿ غرقاً ﴾ ه لا ﴿ نشطاً ﴾ ه لا ﴿ سبقاً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه م لأن جواب القسم محذوف وهو ليبعثن ولأنه وصل لأوهم أن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ المدبرات ﴾ وليس كذلك لأن تدبير الملائكة قد انقضى وقتئذ بل عامل ﴿ يوم ﴾ تتبعها ﴿ الراجفة ﴾ ه لا ﴿ الرادفة ﴾ ه ط ﴿ واجفة ﴾ ه ط ﴿ خاشعة ﴾ ه م لتناهي وصف القيامة وابتداء حكاية قولهم في الدنيا ﴿ في الحافرة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ أئذا ﴾ مستفهماً ﴿ نخرة ﴾ ه ط ﴿ خاسرة ﴾ ه م لتناهي قولهم بالإنكار وابتداء أخبار الله ﴿ واحدة ﴾ ه ط ﴿ بالساهرة ﴾ ه ط ﴿ موسى ﴾ ه م لأن ﴿ إذ ناداه ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً لا ذكر قاله السجاوندي.
ويحتمل عندي تعلقه بالحديث وإن لم يجز تعلقه بإتيان الحديث ﴿ طوى ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ اذهب ﴾ مفعول ﴿ ناداه ﴾ لأنه في معنى القول واحتمال أن يكون مفعول القول المحذوف ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع اتفاق الجملتين والوصل أوجه للفاء ﴿ تزكى ﴾ ه لا للعطف ﴿ فتخشى ﴾ ط للآية وانتهاء الاستفهام مع العطف بفاء التعقيب ﴿ الكبرى ﴾ ه ز لذلك إنما كان الوصل أوجه للفاء واتصال المقصود ﴿ وعصى ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ه ﴿ فنادى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه والوصل ههنا ألزم للعبرة بتعجيل المؤاخذة ﴿ والأولى ﴾ ه ط ﴿ يخشى ﴾ ه ط لبتدل الكلام لفظاً ومعنى وابتداء الاستفهام ﴿ أم السماء ﴾ ه ط بناء على أن الجملة لا تقع صفة للمعرفة وتقدير حذف الموصول من ضيق العطن فاعرفه ﴿ بناها ﴾ ه لا ﴿ فسوّاها ﴾ ه لا ﴿ ضحاها ﴾ ه ص ﴿ دحاها ﴾ ه ط بناء على أن ما بعده كالتفسير للدحو وهو تمهيدها لأجل السكنى، وجوز أن يكون ﴿ أخرج ﴾ حالاً بإضمار " قد " فلا وقف ﴿ مرعاها ﴾ ه ص ﴿ أرساها ﴾ ه ﴿ ولأنعامكم ﴾ ه ط ﴿ الكبرى ﴾ ه ز لأن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ جاءت ﴾ وعامل " إذا " مقدّر تقديره أي ترون أو كان ما كان، وجوز أن يكون ﴿ يوم ﴾ مفعول " اذكر " وعامل " إذا " مقدّر قبل يوم، ويجوز أن يكون مجموع الشرط والجزاء وهو قوله ﴿ فأما من طغى ﴾ إلى آخره جوابا لقوله ﴿ فإذا جاءت ﴾ .
﴿ سعى ﴾ ه ط ﴿ لمن يرى ﴾ ه ﴿ طغى ﴾ ه لا ﴿ الدنيا ﴾ ه لا ﴿ المأوى ﴾ ط ﴿ الهوى ﴾ ه لا ﴿ المأوى ﴾ ه ط ﴿ مرساها ﴾ ط ﴿ ذكراها ﴾ ه ط ﴿ منتاها ﴾ ه ط ﴿ يخشاها ﴾ ه ط ﴿ ضحاها ﴾ ه.
التفسير: في الكلمات الخمس المذكورة في أول السورة وجوه على نسق ما سبق في المرسلات أحدها: أنها صفات طوائف الملائكة الذين ينزعون نفوس الكفرة من بني آدم غرقاً أي نزعاً بشدّة من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها.
والغرق والإغراق في اللغة واحد يقال: نزع في القوس فأغرق أي بلغ غايته حتى انتهى إلى النصل، وبالذين يجذبون نفوس المؤمنين برفق ولين كما ينشط الدلو من البئر، وبالطوائف التي تسبح في مضيها أي تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر بإذن الله أمراً من أمور العباد أو جنس الأمر.
قال مقاتل: يعني بهذه الطوائف جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وأعوان كل منهم.
فجبريل موكل بالرياح والجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وإسرافيل بنفخ الصور، وملك الموت عزرائيل وأعوانه بقبض الأرواح.
قال الإمام فخر الدين الرازي: النازعات هم الذين نزعوا أنفسهم عن الصفات البشرية والأخلاق الذميمة من الشهوة والغضب والموت والهرم والسقم لأنهم جواهر روحانية مجردة، والناشطات إشارة إلى أن خروجهم من هذه الأحوال ليس على سبيل الكلفة والمشقة ولكنه بمقتضى الطبيعة والماهية، والسابحات هم الذين سبحوا في بحار جلال الله فسبق بعضهم بعضاً في ميدان العرفان وحلبة البرهان فدبروا أمر العالم العلوي والعالم السفلي بإذن مبدعهم المنّان.
أقول: ويمكن حمل هذه الأمور على مراتب النفس الإنسانية بمثل التقدير المذكور.
الوجه الثاني وهو قول الحسن البصري أنها النجوم وتلخيص ذلك على الوجه المطابق للغة والشريعة أنها تغرق شبه النزع من المشرق إلى المغرب بالحركة السريعة، وتنشط نشطاً أي تخرج من برج إلى برج من قولك " ثور ناشط " إذا خرج من بلد إلى بلد، وهذا بحركته البطيئة الثابتة.
وأما السابحات فهي السيارة كقوله ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ ولأن سيرها المتفاوت يصير سبباً لسبق بعضها بعضاً، ويترتب على السبق الاتصالات والانصرافات ومعرفة الفصول والأوقات وتقدّم العلم بالكائنات بل العالم السفلي وتدبيراتها مناط بتلك الحركات بإذن خالق الأرض وفاطر السموات فلهذا أدخل الفاء في القرينتين الأخريين دون الأوليات.
الوجه الثالث أنها صفات خيل الغزاة تنزع في أعنتها نزعاً، تغرق الأعنة فيه لطول أعناقها لأنها عراب، وهى ناشطات تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، وهي سابحات تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر وتتسبب فيه.
الوجه الرابع وهو اختيار أبي مسلم النازعات أيدي الغزاة وأنفسهم تنزع القسي بإعراق السهام، والناشطات السهام الخارجة من أيديهم أو قسيهم، والسابحات الخيل العاديات أو الإبل، والمدبرات بمعنى المعقبات لأنها تأتي في أدبار هذه الأفاعيل بأمر الغلبة والنصر.
قال جار الله: ﴿ يوم ترجف ﴾ منصوب بجواب القسم المحذوف وهو " لتبعثن ".
وقوله ﴿ تتبعها ﴾ حال.
ثم أورد على نفسه أن هذا يوجب أن يكون البعث عند النفخة الأولة وأجاب عنه بأنهم يبعثون في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان كما يقال " رأيته عام كذا " وإنما رؤيته في ساعة منها.
والراجفة الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفخة الأولى فهي من الإسناد المجازي.
والرادفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء، وقد ورد الخبر أن ما بين النفختين أربعون عاماً.
ويروى أنه يمطر الأرض في هذه الأربعين ويصير ذلك الماء عليها كالنطف فيكون سبباً في الإحياء ولله أن يفعل ما يشاء.
وقيل: الراجفة هي النفخة الأولى، والرادفة هي قيام الساعة من قوله ﴿ عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون ﴾ وقيل: الراجفة الأرض والجبال من قوله ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال ﴾ والرادفة السماء والكواكب لأنها تنفطر وتنتثر على أثر ذلك.
وقيل: الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل، والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى.
قال أبو مسلم بناء على تفسيره الذي روينا عنه إن كلاً من الراجفة والرادفة هي خيل المشركين وأريد بهما طائفتان من المشركين حاربوا رسول الله فتبعت إحداهما الأخرى.
والقلوب الواجفة أي القلقة، والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين على الأقوال القلوب الموصوفة مبتدأ.
وقوله ﴿ أبصارها خاشعة ﴾ خبره وفي الكلام إضمار أي أصحابها خاشعة بدليل قوله ﴿ يقولون أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ أي الحالة الأولى وهي الحياة وأصله من قولهم " رجع فلان في حافرته " أي طريقه التي جاء فيها، جعل أثر قدميه حفراً فالطريق في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة على الإسناد المجازي أو على وتيرة النسبة أي ذات حفر كما قلنا في " عيشة راضية " ونحوه ﴿ كرة خاسرة ﴾ كما يجيء.
ثم زادوا في الإنكار مع إشارة إلى وجه الإحالة قائلين ﴿ أئذا كنا عظاماً نخرة ﴾ نردّ أو نبعث.
يقال: نخر العظم فهو نخر وناخر مثل حذر وحاذر وهو الأجوف البالي الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخر وهما لغتان فصيحتان، لأن النخر وإن كان أبلغ في المعنى إلا أن الناخرة بالألف أشبه بأخواتها من رؤوس الآي.
ثم أخبر أنهم قالوا على سبيل الاستهزاء ﴿ تلك ﴾ الكرة ﴿ إذا ﴾ أي إذا نحشر ونردّ ونرجع ﴿ كرة خاسرة ﴾ رجعة ذات خسران لأنا كذبنا بها.
ثم أفحمهم بقوله ﴿ فإنما هي زجرة ﴾ أي لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله فما هي إلا صيحة ﴿ واحدة ﴾ يقال: زجر البعير إذا صاح عليه وهي صيحة إسرافيل في النفخة الثانية.
يروى أنه يحييهم في بطون الأرض فيسمعونها فيقومون.
والساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن ساكنها لا ينام خوف الهلاك، أو لأن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة أي جارية.
والأظهر أنها أرض الآخرة.
وقيل: هي أرض الدنيا ثم ذكرهم بقصة موسى لأنه أبهر الأنبياء المتقدّمين معجزة وفيها تسلية للنبي لأن فرعون كان أكثر جمعاً وأشدّ قوة من كفار قريش.
والوادي المقدّس المبارك المطهر، وطوى اسم واد بالشأم عند الطور وقد مر في " طه ".
قوله ﴿ هل لك ﴾ الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي هل لك حاجة أو ميل أو التفات ونحو ذلك، وهذه كلمة جامعة لمواجب التكاليف لأن الملكف لا يصير زاكياً إلا بالتخلية عن كل ما لا ينبغي، ويجوز أن يكون التزكي إشارة إلى تطهير النفس الفاسدة.
قوله ﴿ وأهديك ﴾ إشارة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة أقلها وأفضلها التوحيد المرتب على الخشية التي منها تنشأ جوامع الخيرات ولهذا قال النبي " من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل" وعن بعض الحكماء: اعرفوا الله فمن عرفه لم يقدر أن يعصيه طرفه عين.
ثم ههنا إضمار كأنه قال: فذهب موسى إلى فرعون فقال له ما أمر به فلم يصدقه فرعون وجحد نبوته ﴿ فأراه ﴾ وفي ابتداء المخاطبة بالاستفهام الذي معناه العرض من التلطف والمداراة ما لايخفى فهو كقوله ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ والآية الكبرى العصا أو اليد أو هما كما مر في " طه " ﴿ فكذب ﴾ بالقلب واللسان إذ نسب المعجز إلى السحر ﴿ وعصى ﴾ بإظهار التمرد الطغيان ﴿ ثم أدبر ﴾ خوفاً من الثعبان ﴿ يسعى ﴾ هارباً أو يتحيل في دفع موسى أو تولى عن موسى إظهاراً للجحود.
وجوز أن يكون ﴿ أدبر ﴾ موضوعاً مكان " أقبل" مكان يقال: أقبل فلان يفعل كذا بمعنى طفق يفعل فكنى عن الإقبال بالإدبار إظهاراً للسخط ولقصد التفاؤل عليه.
ومعنى الفاء في ﴿ فكذب ﴾ أنه لم يلبث عقيب رؤية الآية الكبرى أن بادرها بنقيض مقتضاها لفرط عتوّه ورسوخ تفرعنه.
ومعنى " ثم " في ﴿ ثم أدبر ﴾ تراخي الرتبة فإن الهرب من الحية مع ادعاء الربوبية مما لا يجتمعان وكذا السعاية والمكيدة بين الناس ﴿ فحشر ﴾ جنوده للتشاور أو لجمع السحرة ﴿ فنادى ﴾ في المقام الذي اجتمعوا فيه معه أو أمر منادياً.
وقيل: قام فيهم خطيباً فقال ما قال.
وانتصب ﴿ نكال الآخرة ﴾ على أنه مصدر مؤكد كأنه قيل: نكل الله به نكالاً وهو مصدر كالتنكيل مثل السلام والتسليم.
قال الحسن وقتادة: عذاب الآخرة الإحراق وعذاب الأولى الإغراق.
وقيل: الآخرة والأولى صفتان لكلمتي فرعون.
ثم اختلفوا فعن مجاهد والشعبي وسعيد بن جبير ومقاتل ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس أن كلمته الأولى ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ والثانية ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ وبينهما أربعون سنة أو عشرون، وفيه دليل على أنه يمهل ولا يهمل.
وذكر قوم واستحسنه القفال أن كلمته الأولى تكذيب موسى حين أراه الآية، والأخرى هي قوله ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ وقد يدور في الخلد أن كلمته الأولى هي قوله ﴿ أنا ربكم ﴾ والآخرة وصفه بالأعلى فإنه لو اقتصرعلى الأولى لم يكن كفراً بدليل قول يوسف ﴿ ارجع إلى ربك ﴾ ﴿ إنه ربي أحسن مثواي ﴾ لكنه لما وصفه بالأعلى صار كفراً فأخذه بالأولى والآخرة.
قال الإمم فخر الدين الرازي: إن العاقل لا يشك في نفسه أنه ليس خالق السموات والأرض وما بينهما، فالوجه أن يقال: إن فرعون كان دهرياً منكراً للصانع والحشر والجزاء وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهي سواي فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم.
وأقول: كما أن نسبة الإنسان خلق العالم إلى نفسه يوجب الحكم عليه بالجنون وسخافة العقل فالقول بنفي الصانع ونسبة وجود الأشياء إلى ذواتها مع تغيرها في أنفسها يوجب الحكم عليه بعدم العقل فما الفرق بين الأمرين؟
وأيّ استبعاد في ذلك وقد قال الله ﴿ إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى ﴾ وسكر الدنيا أشدّ من سكر الخمر فإن الثمل من الخمر يرجى صحوه والثمل من شراب حب المال والجاه الطافح من خيال الرياسة لا ترجى إفاقته.
ثم ختم القصة بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الحديث أو النكال وهو في العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر به المعتبر ﴿ لعبرة لمن يخشى ﴾ أي يكون من أهل الخشية لا القسوة.
ثم خاطب منكري البعث بقوله ﴿ أأنتم أشدّ ﴾ أي أصعب ﴿ خلقاً أم السماء ﴾ فنبههم على أمر معلوم بالمشاهدة وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ في القدرة.
وإذا كان الله قادراً على إنشاء العالم الأكبر يكون على خلق العالم الأصغر بل على إعادته أقدر.
ثم أشار إلى كيفية خلق السماء فقال ﴿ بناها ﴾ وفيه تصوير للأمر المعقول وهو الإبداع والاختراع بالأمر المحسوس وهو البناء.
ثم ذكر هيئة البناء فقال ﴿ رفع سمكها ﴾ وهو الامتداد القائم على كل من امتدادي الطول والعرض.
فإذا اعتبر من السفل إلى العلو يسمى سمكاً، وإذا اعتبر بالعكس يسمى عمقاً.
وذكر أهل التفسير أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام.
ولأهل الهيئة طريقة أخرى قد برهنوا عليها في كتبهم.
قوله ﴿ فسوّاها ﴾ زعم أصحاب الهيئة أن المراد بهذه التسوية جعلها كرية ولا ضرر في الدين من هذا الاعتقاد.
وحملها المفسرون على تمام التأليف أو على نفي الفطور عنها.
وأقول: من الجائز أن يراد بها جعلها طبقات مرتبة كقوله ﴿ فسوّاهن سبع سموات ﴾ الغطش الظلمة يقال: غطش الليل وأغطشه الله.
ويقال: أغطش الليل أيضاً مثل أضاء وأظلم.
وعبر بالضحى عن النهار لأن الضحى أكمل أجزائه في النور والضوء.
وإنما أضاف الليل والنهار إلى السماء لأنهما بسبب غروب الشمس وطلوعها الحادثين بسبب حركة الفلك قوله ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قد مر تفسير الدحو في أول سورة " البقرة " وأن بعدية دحو الأرض لا تنافي تقدّم خلق الأرض على السماء في قوله ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء ﴾ قال أهل اللغة: دحوت أدحو ودحيت أدحى لغتان في حديث عليّ: اللهم داحي المدحيات أي باسط الأرضين السبع.
وقد يروى عن ابن عباس ومجاهد والسدّي وابن جريج أن قوله ﴿ بعد ذلك ﴾ يعنى مع ذلك كقوله ﴿ فك رقبة ﴾ إلى قوله ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ أي كان مع هذا من أهل الإيمان بالله.
ونصب ﴿ الأرض ﴾ ﴿ والجبال ﴾ فيما يجيء بإضمار دحى وأرسى على شريطة التفسير.
قال المفسرون: أراد بالمرعى جميع ما يأكله الناس والأنعام فيكون الرعي مستعاراً للإنسان ولهذا قال ﴿ متاعاً ﴾ أي فعل كل ذلك تمتيعاً لكم ولأنعامكم.
حين فرغ من دلائل القدرة على البعث رتب عليه شرح يوم القيامة.
والطامة الداهية التي لا تطاق من قولهم طم الفرس طميماً إذا استفرغ جهده في المشي والجري فإذا وصفت بالكبرى كانت في غاية الفظاعة ونهاية الشدّة، وفي أمثالهم " جرى الوادي فطم على القري " وهو مفرد وجمعه أقرية وقريان وهي الجداول والأنهار.
وأصل الطم الدفن والغلب فكل ما غلب شيئاً وقهره وأخفاه فقد طمه.
وقيل: الطامة النفخة الثانية عن الحسن.
وقيل: هي الساعة التي يساق بها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار.
قال جار الله: ﴿ يوم يتذكر ﴾ بدل من ﴿ إذا جاءت ﴾ لأنه إذا رأى أعماله مدوّنة مكتوبة تذكرها وكان قد نسيها.
قوله ﴿ وبرزت الجحيم لمن يرى ﴾ كقولهم " قد بين الصبح لذي عينين " وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد فعلى هذا يكون استعارة ولا يجب أن يراها كل أحد لأن الإخبار إنما وقع عن كونها بحيث لا تخفى على ذي بصر لا عن وقوع البصر.
وقيل: إنها برزت الجحيم ليراها كل من له بصر وعلى هذا يجب أن يراها كل أحد إلا أن المؤمنين يمرون عليها كالبرق الخاطف، وأما الكافرون فيقعون فيها فكأنها برزت لأجلهم فقط، وبهذا الاعتبار قال في موضع آخر.
﴿ وبرّزت الجحيم للغاوين ﴾ وقوله ﴿ طغى ﴾ إشارة إلى فساد القوى النظرية فإن من عرف الله بالكمال عرف نفسه بالنقصان فلم يصدر عنه الطغيان.
قوله ﴿ وآثر الحياة الدنيا ﴾ رمز إلى اختلال القوّة العملية فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.
واللام في ﴿ المأوى ﴾ للعهد الذهني أي مأواه اللائق به ولهذا استغنى عن العائد ولا حاجة إلى تكلف أن الألف، واللام بدل من الإضافة.
قوله ﴿ خاف مقام ربه ﴾ نقيض طغى.
قوله ﴿ ونهى النفس ﴾ الأمارة ﴿ وآثر الحياة الدنيا ﴾ فهذا الشخص إذا كامل في قوّته النظرية والعملية.
وتفسير ﴿ خاف مقام ربه ﴾ قد مر في سورة الرحمن.
﴿ ونهى النفس ﴾ ضبطها وتوطينها على متاعب التكاليف من الأفعال والتروك.
ثم إن المشركين كانوا يسمعون النبي يذكر الطامة والحاقة وغيرهما من أسماء القيامة فيسألون ﴿ أيان مرساها ﴾ أي زمان إرسائها وهو إقامة الله إياها وقد مر في آخر " الأعراف ".
وعن عائشة ا لم يزل رسول الله يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت.
وقوله ﴿ فيم أنت ﴾ على هذا تعجب من كثرة ذكره لها كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها حرصاً على جوابهم إلى ربك منتهى علمها لم يؤته أحداً من خلقه.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ من تتمة السؤال أي يسألونك فيم أنت من العلم بها.
ويحتمل أن يكون فيم إنكار سؤالهم أي فيم هذا السؤال.
ثم قيل: أنت من ذكراها أي إرسالك وأنت آخر الرسل وخاتم الأنبياء ذكر من أذكارها وعلامة من علاماتها فلا حاجة إلى الاستفهام عن وقتها بعد العلم باقترابها، فإن هذا القدر من العلم يكفي في وجوب الاستعداد لها بل لا يتم الغرض من التكليف إلا بإخفاء وقته كالموت ﴿ إنما أنت منذر ﴾ لا تتعداه إلى العلم بالغيب الذي العلم بالساعة جزئي منه.
وخص الإنذار بأهل الخشية لأنهم المنتفعون بذلك.
ثم أخبر أنهم حين يرون الساعة يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا.
وقيل: في القبور.
روى عطاء عن ابن عباس أن الهاء والألف صلة والمعنى لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى.
وقال النحويون: فيه إضمار والتقدير إلا عشية أو ضحى يوم تلك العشية على أن الإضافة في ﴿ ضحاها ﴾ يكفي فيها أدنى ملابسة وهو ههنا إجتماعهما في نهار واحد.
قال صاحب الكشاف: فائدة الإضافة الدلالة على أن مدة لبثهم كانها لم تبلغ يوماً كاملاً.
قلت: سلمنا أن هذه الفائدة مفهومة من عبارة القرآن إلا أنها تحصل أيضاً بتقدير عدم الإضافة كما لا يخفى فلا يصح أن تسند الفائدة إلى الإضافة وحدها.
فالوجه أن يقال: فائدة الإضافة أن يعلم أن مجموع الدنيا في ظنهم كيوم واحد وزمان لبثهم في الدنيا كساعة منه عشية أو ضحاها نظيره قول القائل " ما سرت إلا عشية أو ضحى " فإنه لا يفهم منه إلا السير في بعض يوم مّا، وقد تكون العشية من يوم والضحى من يوم آخر.
ولو قال " إلا عشية أو ضحاها " لم يمكن أن يكون السير إلا في أحد هذين الوقتين من يوم واحد.
قال بعضهم: فائدة الترديد أن زمان المحنة يعبر عنه بالعشية وزمان الراحة يعبر عنه بالضحى فكأنه قيل: ما كان عمرنا في الدنيا إلا هاتين الساعتين.
أقول: ويحتمل أن يقال إن مبدأ اليوم بليلته كان قبل شرعنا في أكثر الأديان من نصف النهار وقد صار المبدأ في شرعنا من أول الفجر وكأنهم حين أرادو التعبير عن بعض اليوم.
قالوا: إن كان المبدأ من نصف النهار فنحن لم نلبث إلا عشية وهو ما بعد الزوال إلى الغروب، وإن كان المبدأ من أول الفجر فلم نلبث إلا من الفجر إلى الضحى فلعل هذا هو السر في تقديم العشية على الضحى مع رعاية الفاصلة والله أعلم بأسرار كلامه.
قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ ﴾ : منهم من يقول: قد أتاك فخوفهم به.
وقال الحسن: لم يكن أتاه، فأتاه بهذا؛ كما يقول الرجل الآخر: هل أتاك ما فعل فلان؟
وهو يريد أن يذكره بهذا فيعلمه مع علمه أنه لم يكن علمه من قبل.
وقد ذكرنا ما في ذكر الأنباء من الفوائد من تثبيت الرسالة والتخويف لمن أساء صحبة الرسل - عليهم السلام - لئلا ينزل بهم ما نزل بفرعون وأتباعه حين أساءوا صبحة الرسول موسى، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ قيل: طوى: اسم ذلك الوادي.
وقيل: سمي: طوى؛ لأنه بورك مرتين، مرة حين أتاه إبراهيم ، ومرة بإتيان موسى .
وذكر عن الزجاج أن ﴿ طِوى ﴾ بكسر الطاء الذي بورك مرتين، ثم أضاف ذلك الحديث مرة إلى موسى ومرة إلى نفسه إذ ناداه؛ فظاهره: أن الله - - هو الذي كلمه، فأضيف إلى الله ؛ لأن أصله من الله - - كما ذكرنا في قوله - -: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴾ أي: عتا وطغى في نعمه، فاستعملها في كفران نعمه؛ فلم يشكر الله - - بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ ﴾ ، أي: هل لك في إجابة من إذا أجبت تزكيت، أو هل لك رغبة إلى ما تزكو به نفسك وتمنو.
ثم في هذه الآية دلالة من أراد أن يدعو آخر إلى ما فيه رشده وصلاحه، فالواجب عليه أن يدعوه أولا بالرقم واللين؛ كما أمر موسى وهارون - عليهما السلام - بقوله: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ ، وبقوله: ﴿ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ ﴾ ثم إذا ترك الإجابة ختم كلامه بالتعنيف؛ كما فعل موسى - - بقوله: ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً ﴾ بعد قوله: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ﴾ ، أي: أهديك إلى ربك فتهتدي، ثم تخشاه إذا اهتديت؛ أي: عرفت عظمته وجلاله؛ فتخشى عقوبته؛ فيكون العلم مثمرا للخشية؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ .
أو أهديك إلى طاعة ربك، وأنذرك عقابه إذا عصيته؛ فتخشى؛ فلا تعصيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرَاهُ ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ : منهم من ذكر أن الآية الكبرى هي اليد؛ سميت: كبرى؛ لأن سحرهم عمل في الحبال العصي، ولم يعمل في اليد؛ فكانت هذه الآية خارجة عن نوع سحرهم، فسيمت: كبرى؛ لهذا المعنى.
ومنهم من ذكر أن الآية الكبرى هي العصا؛ لأن غلبة موسى - - على السحرة كانت بالعصا، حيث تلقفت ما أتوا به من السحر، ولكن كل آياته كانت كرى، كما قال في آية أخرى: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ ، فكانت أحداهما أكبر من الأخرى عند ذوي الأحلام والنهى لما تأمل فيها وتدبر، والله الموفق.
وقوله: ﴿ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ﴾ ، أي: كذب بآيات الله، وعصى نبيه موسى؛ فلم يطعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ ﴾ ، قال الحسن: كان خفيفا طيَّاشاً، وإلا فالملوك إذا دعوا إلى أمر تدبروا فيه وتفكروا: إما ليجيبوا الداعي إلى ما دعاهم، أو ليردوا عليه، فأما الإدبار والسعي فليس إلا من الخفة والطيش.
وقال غيره: أدبر عن طاعة الله - - وتولى عنه، وسعى في جمع السحرة.
أو سعى في جمع من قال لموسى - -: ﴿ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ : ذلك اللعين قد علم أنه ليس ذلك إليه، لكن إذا صاروا من خاصته أذن لهم بأن يعبدوه، وأمر الخواص منهم بعبادته، فسمى نفسه: أعلى الأرباب؛ لهذا.
وقوله -: ﴿ فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ ﴾ : منهم من يقول: أخذه بعقوبة الكلمتين جميعا: الكلمة الأولى: قوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي ﴾ ، والكلمة الثانية: قوله: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ .
ومنهم من يقول: أخذه بعقوبة ما تقدم من الإجرام وما تأخر إلى أن غرق.
ومنهم من يقول: أخذه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، فغرقه في الدنيا، وعذب روحه بعد مماته بقوله: ﴿ ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ ، ويدخل في النار مع أتباعه بقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ﴾ ؛ فاتصلت عقوبة الدنيا بعقوبة الآخرة.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ : وفي ذلك كله عبرة، لكن الذي يعتبر بها من يخشى العواقب، ويخاف عقوبة الله .
وقوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ ﴾ : جائز أن يكونن هذا صلة قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ﴾ ؛ فيكون في قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ﴾ .
وفي قوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ﴾ تقرير له أيضا.
ثم قوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ ﴾ يحتمل أوجها: أحدها: أن إعادتهم خلقا جديدا وبعثهم أيسر في عقول منكري البعث من خلق السماوات، وقد أقروا أنه خالق السماء، فإذا لم يتعذر عليه خلق السماء، وإن كان خلقها أشد في عقولهم من خلق أمثالهم، فما بالهم ينكرون بعثهم وإعادتهم إلى ما كانوا عليه، وذلك أهون في عقولهم.
ويحتمل وجها آخر: وهو أن السماء مع شدة خلقها أشفقت على نفسها، فأبت قبول ما عرض عليها من الأمانة، وخافت نقمة الله - - [فما بال] هذا الإنسان مع ضعفه يمتنع عن الإجابة إلى ما دعي إليه؛ أفلا يشفق على نفسه، ولا يخاف نقمة الله ، وما خلقت النار والجنة إلا لأجل الإنس، فيذكرهم بهذا؛ ليخوفهم ويرتدعوا عما هم فيه من الطغيان ويجيبوا إلى ما دعاهم إليه الرسول.
وجائز أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ ، و ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ﴾ ، فيخبر أن السماء مع شدتها وطواعيتها لا تقوم بذلك اليوم؛ فكيف [يقوم الإنسان] لهول ذلك اليوم مع ضعفه؟!
فيرجع هذا - أيضا - إلى التخويف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾ : ﴿ بَنَاهَا ﴾ : أي: خلقها، ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا ﴾ : سقفها، ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ بالأرض، أو سواها على ما توجبه الحكمة ويدل على الوحدانية.
قال إمام الهدى أبو منصور - -: ثم لم يفهم أحد من قوله: ﴿ بَنَاهَا ﴾ ما يفهم من البناء المضاف إلى الخلق، ولا فهم من الرفع ما يفهم من الرفع المضاف إليهم، ولا فهم من قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ ما يفهم من البسط المعروف المنسوب إلى الخلق، فما بال [بعض] الناس فهموا من المجيء الذي أضيف إلى الله ما فهموا من المجيء الذي يضاف إلى الخلق، فلولا آفة حلت بهم حملتهم على أن يفهموا منه المكروه، وإلا لم تنصرف أوهامهم إلى مثل ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا ﴾ ، قيل: أظلم ليلها، ﴿ وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴾ : ففي؛ إظلام الليل، وإخراج الضحى ما ينفي عن منكري البعث الشبه التي تعترض لهم، وذلك أنه يغطش في ساعة لطيفة ويغشى ظلمتها كل شيء، ثم يتلفها في أدنى وهلة، ويفنيها كأنها لم تكن، ثم يعيدها بعدما أتلفها حتى لو أراد [أحد أن يميز] بين الأولى والثانية لم يقدر عليه، بل وقع عنده أن الأولى هي الثانية، والثانية هي الأولى، وهذا بعدما تلفت الظلمة الأولى، وذهبت كلها حتى لم يبق منها أثر؛ فلأن يكون قادرا على إعادتهم خلقا جديدا بعدما أفناهم، وقد بقي من آثار الخلق الأول بعضه - أولى.
ثم أضاف ذلك إلى السماء؛ لأن بدأهما يظهر من عندها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ قالوا: بسطها: فمنهم من يقول: خلقها مجتمعة، ثم بسطها بعدما خلق السماوات؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ دَحَاهَا ﴾ ، ولم يقل: خلقها.
ومنهم من ذكر أنه خلق سماء الدنيا أولاً، ثم خلق الأرضين بعد ذلك، ثم خلق السماوات الست من بعد.
ومنهم من ذكر أنها كانت قبل أن تبسط تحت بيت المقدس، ثم بسطها بعد ذلك.
قال أبو بكر: هذا لا يحتمل؛ لأنه لا يجوز أن تكون بجملتها وسعتها تحت بيت المقدس، والله أعلم.
ولكن معناه عندنا - إن كان على ما قالوا - [فهو] منصرف إلى الجواهر؛ أي: الجوهر الذي خلق منه الأرض كان هنالك، لا أن كانت بجملتها تحته؛ كما خلق هذا الإنسان من النطفة وإن لم يكن بكليته في النطفة، وخلق من التراب وإن لم يكن بكليته على ما هو عليه في التراب، وكان معناه: أنه خلق من ذلك الجوهر؛ فعلى ذلك الحكم فيما ذكره.
ومنهم من زعم أن خلقهما كان معا.
وذكر عن الحسن أن الأرضين خلقت قبل السماء بقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّٰهُنَّ...
﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ ، وقال: اسم السماء ما ارتفع من الشيء كما يقال للسقف، سماء؛ لارتفاعه عن الإنسان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾ : ذكر ما أنشأه لنا؛ لنحمده، وما أخرج منها للأنعام لتذكير النعم - أيضا - لنشكره ونحمده عليه؛ إذا الدواب خلقت لنا، فما رجع إلى منافعها فيه راجعة إلينا، إذ بها ما نصل إلى الانتفاع بالدواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ ، أثبتها؛ لئلا تميد بأهلها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ : فيه أن ما جعله متاعا لنا قد جعل شيئا من ذلك للدواب أيضا، والذي جعله للأنعام، لم يجعل لنا فيه شركاء؛ وذلك لأن الذي أنشأه لمتاع البشر منه ما يستخبث ويستقذر، ومنه ما يستطاب ويدخر، فجعل ما طاب منه للبشر، وما خبث منه لمنافع الدواب، والذي أنشأه لمنافع الدواب مما تستخبثه الطباع وتستقذره، فَفَضَّل أغذية مَنْ فَضَّلَ منازلهم، ففيما ذكرنا دلالة إباحة التناول من الطيبات؛ إذ الله مَنَّ على عباده أن جعل أغذيتهم بما طاب من الأشياء، وفضلهم على الأنعام، [فمن كره ذلك] فقد كره الانتفاع بما أنشئ للانتفاع، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فقل له: هل لك -يا فرعون- أن تتطهر من الكفر والمعاصي؟
<div class="verse-tafsir" id="91.0Wo7D"
(والنازعات إلخ) جاء في الكتاب العزيز ضروب من القسم بالأزمنة والأمكنة والأشياء.
والقسم إنما يكون بشيء يخشى المقسم إذا حنث في حلفه به أن يقع تحت المؤاخذة -نعوذ باللَّه أن يتوهم شيء من هذا في جانب اللَّه- وما كان اللَّه جل شأنه ليحتاج في تأكيد إخباره إلى القسم بما هو صنع قدرته، فليس لشيء في الوجود قدر إذا نسب إلى قدره الذي لا يقدره القادرون، بل لا وجود لكائن إذا قيس إلى وجوده إلا لأنه انبسط عليه شعاع من أشعة ظهوره جل شأنه.
ولهذا قد يسأل السائل عن هذا النوع من تأكيد الخبر الذي اختص به القرآن، وكيف يوجد في كلام اللَّه؟
فيجاب بأنك إذا رجعت إلى جميع ما أقسم اللَّه به وجدته إما شيئًا أنكره بعض الناس أو احتقره لغفلته عن فائدته، أو ذهل عن موضع العبرة فيه، وعمى عن حكمة اللَّه في خلقه، أو انعكس عليه الرأي في أمره فاعتقد فيه غير الحق الذي قرر اللَّه شأنه عليه، فيقسم اللَّه به إما لتقرير وجوده في عقل من ينكره، أو تعظيم شأنه في نفس من يحقره، أو تنبيه الشعور إلى ما فيه عند من لا يذكره، أو لقلب الاعتقاد في قلب من أضله الوهم أو خانه الفهم.
فمما أقسم اللَّه به يوم القيامة أو القرآن مثلًا، ذلك لتقرير أن الأول واقع لا مفر منه، وأن الثاني كلام اللَّه الحق الذي لا ريب فيه، ثم يكون في ذلك تعظيم كليهما: الأول لما يكون فيه من سعادة وشقاء، والثاني لما فيه من الهداية والشفاء لما يعرو النفوس من الأدواء.
ومن ذلك النجوم: قوم يحقرونها لأنها من جملة عالم المادة، ويغفلون عن حكمة اللَّه فيها وما ناط بها من المصالح، وآخرون يعتقدونها آلهة تتصرف في الأكوان السفلية تصرف الرب في المربوب، فيقسم اللَّه بها موصوفة بأوصاف تدل على أنها من المخلوقات التي تصرفها القدرة الإلهية وليس فيها شيء من صفات الألوهية، كما تراه في مفتتح هذه السورة وفي سورة إذا الشمس كورت، ثم تشير إلى ما نيط بها من المصالح كما سيرد عليك.
وسترى فيما يساق إليك من هذا التفسير في السور الآتية ما يرشدك إلى تفصيل ما أجملناه هنا.
وهناك أمر يجب التنبيه عليه، وهو أن من الأديان السابقة على دين الإسلام ما ظن أهله أن هذا الكون الجسماني وما فيه من نور وظلمة وأجرام وأعراض إنما هو كون مادي لم يشأ اللَّه خلقه إلا ليكون حبسًا للأنفس وفتنة للأرواح، فمن طلب رضا اللَّه فليعرض عنه، وليبعد عن طيباته، وليأخذ بدنه بضروب الإعنات التعذيب وأصناف الحرمان، وليغمض عينيه عن النظر إلى شيء مما يشتمل عليه هذا الكون الفاسد في زعمه، اللهم إلا على نية مقته والهروب منه.
فأقسم اللَّه بكثير من هذه الكائنات ليبين مقدار عنايته بها، وأنه لا يغضبه من عباده أن يتمتعوا بما متعهم به منها متى أدركوا حكمة اللَّه في ذلك المتاع ووقفوا عند حدوده في الانتفاع.
وقد افتتح اللَّه هذه السورة بأن أقسم ببعض مخلوقاته إظهارًا لعظم شأنها، واتقان نظامها، وغزارة فوائدها، وأنها مسخرة له، خاضعة لأمره، لَيَقعنَّ ما يوعدون، مما ذكر في السورة السابقة وما يذكر في هذه لسورة، في يوم تعظم فيه الأهوال، وتضطرب فيه القلوب وتخشع الأبصار، ويعجب فيه المبعوثون من عَوْدِهم إلى حياتهم الأولى بعد أن كانوا عظامًا نخرة بالية تمر فيها الرياح، ويتحققون حينئذ خَسارهم بما أنكروا في هذه الدنيا معادهم، فيجابون على تعجبهم هذا بأن لا تحسبوا تلك الكَرَّة إلى الحياة صعبة على اللَّه، فما الأمر عنده إلا صيحة واحدة فإذا الناس أحياء ظاهرون في أرض المعاد.
(النازعات) من نزع عن القوس رمى عنها.
و(الغرق) هو الإغراق في النزع، أي الإتيان على الغاية منه.
والنازعات غرقًا هي الكواكب تنزع عن قسي دوائرها ما نراه شهبًا ساقطة.
و(الناشطات نشطًا) من نشط ينشط إذا خرج من بلد إلى بلد، وهي الكواكب تفارق مداراتها وتنقلب من برج إلى برج فتختلف أقاليمها.
وهي (السابحات سبحًا)، تتحرك في الهواء، وتسير في الجواء سيرًا سريعًا، وهي السيارات من كواكب وأقمار.
وهي (السابقات) في سبحها، فتتم دورتها حول ما تدور عليه في مدة أسرع مما يتمم غيرها: كالقمر يتمم دورته في شهر قمري، وكالأرض تتم دورتها في سنة شمسية ونحو ذلك من السيارات ومنها ما لا يتمم دورته إلا في سنين، لكن السابقات هي التي انفردت بتدبير بعض الأمور الكونية في عالمنا الأرضي، كما قال (فالمدابرات أمرًا)، وليس التدبير إلا ظهور الأثر، فسبْق القمر عَلَّمنا حساب شهوره، وله من الأثر في السحاب والمطر، وفي البحر من المد والجزر، ولضيائه أيام امتلائه من الفوائد في تصريف منافع الناس والحيوان ما لا يخفى على ذي بصيرة.
وسَبْق الشمس في أبراجها -على ما يرى للناظر- عَلَّمنا حساب شهورها، وسَبْقها إلى تتميم دورتها السنوية، علمنا حساب السنين من جهة، وخالف بين فصول السنة من جهة أخرى.
واختلاف الفصول من أسباب حياة النبات والحيوان، ونسبة التدبير إليها لأنها أسباب ما نستفيده منها.
والمدبر الحكيم هو اللَّه جل شأنه.
(الراجفة) الأرض بمن عليها و(الرادفة) السماء وما فيها، تردفها أي تتبعها فتنشق وتنتشر كواكبها.
(الواجفة) شديد الاضطراب.
(أبصارها خاشعة) أي ذليلة، وأضاف الأبصار إلى ضمير القلوب لأنه أراد من وجيف القلوب شدة الخوف الواقع بأربابها، فهي كناية عنهم.
(الحافرة) الحالة الأولى، أي الحياة بعد الموت ظنوها حياتهم الأولى.
يقال رجع فلان في حافرته أي في طريقه التي جاء فيها.
و(النخرة) البالية الجوفاء التي تمر فيها الرياح و(الكرة) الواحدة من الكر، أي الرجوع، و(الخاسرة) التي يخسر أربابها ولا يربحون.
و(الزجرة) الصيحة يراد بها النفخة الثانية يبعث بها الأموات.
و(الساهرة) الأرض البيضاء، سميت بذلك لأن السراب يجري فيها، من قولهم عين ساهرة أي جارية الماء لا ينقطع جريانه منها.
(هل أتاك إلخ) يريد اللَّه أن يُذَكِّر نبيه بدعوة موسى لفرعون، وأمر اللَّه لنبيه موسى بالتلطف في القول واللين في الدعوة إلى الحق، موافاة للحكمة، وإقامة للحجة في الموعظة، ثم بما كان من عاقبة الدعوة، وعصيان فرعون، واستنكافه عن قبولها، وأخذ اللَّه له، وتنكيله به في الدنيا والآخرة حيث أغرقه، وفي الآخرة سيحرقه.
وفي ذلك تسلية له ووعد له بالفوز كما فاز موسى.
وفيه وعيد شديد لأولئك الذين كانوا يكذبون ما جاء به من التوحيد ووجوب الإيمان باليوم الآخر، وإنذارهم لهم بأن من أهلك فرعون في عتوه وجبروته قادر على إهلاكهم.
(الوادي المقدس) واد في أسفل جبل طور سيناء من برية الشام.
و(طوى) إما اسم لذلك الوادي، أو هو بمعنى مرتين، أي الوادي الذي قدس مرة بعد أخرى.
و(طغى) جاوز الحد في العدوان على رعيته من بني إسرائيل، وغلا في الكبر والعظمة حتى ظن أنه مظهر الألوهية.
هل لك إلى كذا؟
أي: هل ترغب فيه؟
ويقال: هل لك في كذا؟
وهل لك إلى كذا؟
بمعنى: هل ترغب فيه وترغب إليه؟
و(تزكى) أي تتزكى وتطهر من الشرك وما يتبعه من رذائل الأخلاق، وهو استفهام يقصد به العرض والطلب، وهو أفضل أنواعه وأوفقها باللطف والأدب و(أهديك) أي: هل تحب أن أدلك على ربك فتؤمن به؟
ومتى آمنت خفته وخشيته، فإن خشية اللَّه إنما تكون من العلم.
قال: إنما يخشى اللَّه من عباده.
ومن خشي اللَّه أتَّقاه، ومن أتقاه أمِن عقابه.
(فأراه الآية الكبرى) أي لما لم يقنع بالدليل القولي أظهر له آية ودليلًا يراه بعينه، وهو انقلاب العصا حية، ومع ذلك كذب الداعي وعصى سلطان البرهان.
(ثم أدبر) أي ترك موسى وانقلب (يسعى) في مكايدته (فحشر) أي جمع سحرته وأعوانه وقام فيهم يقول أنا ربكم الأعلى، فلا سلطان يعلو سلطاني.
ولم يزل في عتوه حتى تبع موسى وقومه إلى البحر الأحمر عند خروجهم من مصر، فأغرقه اللَّه في البحر هو وجنوده، وهو معنى قوله (فأخذه اللَّه نكال الآخرة والأولى) أي أن أخذ اللَّه لم يكن قاصرًا على الإغراق في البحر، بل نكل به وعذبه عذاب الآخرة: وهي يوم القيامة، والأولى: وهي هذه الدنيا.
(إن في ذلك لعبرة) أي موعظة (لمن يخشى) أي يخاف، أي لمن له عقل يتدبر به عواقب الأمور ومصائرها، فينظر في حوادث الماضين وأحوال الحاضرين ويتعظ به.
(أأنتم أشد خلقًا) عود إلى خطاب أولئك المكذبين المغرورين لتقريعهم وتسفيه أحلامهم في استبعاد ما يوعدون به من البعث وما يتبعه، أو استبطاء أخذ اللَّه لهم في هذه الدنيا، مع أنه هو الذي أنشأهم وخلقهم أول مرة.
فإن كانوا قد غفلوا عن أنه هو خالقهم فلينظروا إلى السماء وإلى الأرض، ليعلموا أن من خلقهما وأنشأهما لا يصعب عليه خلقهم، ولا يسعهم إنكار أن خالق السماء والأرض هو اللَّه، فكيف ينكرون أنه خالقهم وأنه القادر على إعادتهم كما بدأهم؟
(أشد خلقًا) أصعب إنشاء.
(بناها) بيان لكيفية خلقة السماء.
والبناء ضم الأجزاء المتفرقة بعضها إلى بعض مع ربطها بما يمسكها حتى يكون عنها بنية واحدة.
وهكذا صنع اللَّه بالكواكب: وضع كلًا منها على نسبة من الآخر مع ما يمسك كلًا في مداره حتى كان عنها عالم واحد في النظر سمي باسم واحد وهو السماء التي تعلونا، وهو معنى قوله (رفع سمكها فسواها) والسمك قامة كل شيء، فقد رفع أجرامها فوق رؤوسنا (فسواها) عدلها بوضع كل جرم في موضعه.
(أغطش الليل) أظلمه.
وغطش الليل أظلم، ونسبة الليل إلى السماء لأنه يكون بمغيب كواكبها.
و(ضحاها) نورها وضوء شمسها.
قال تعالى: والشمس وضحاها أي ضوؤها.
وتعاقب الليل والنهار واختلاف الفصول التابع لحركة بعض السيارات يهيئ الأرض للسكنى، وهو معنى قوله: (والأرض بعد ذلك) تسوية السماء على الوجه السابق وإبراز الأضواء.
(دحاها) أي مهدها وجعلها قابلة للسكنى، وذلك بأن (أخرج منها ماءها) بتفجير الينابيع والعيون والأنهار، (ومرعاها) أي رعيها، وهو النبات الذي يأكل منه الناس والدواب.
وتثبيت الجبال وجعلها مانعة من اضطراب الأرض من تتمة التمهيد وإعداد الأرض لسكنى الأحياء، وهو متأخر عن الاستعداد الأول لإثبات النبات وإن كان بروز الجبال سابقًا على ذلك.
وقد جعل اللَّه ذلك كله ليتمتع به الناس والأنعام، أفلا يكون صانع ذلك كله هو صانعكم؟
أفلا يكون خالقكم وواهبكم ما به تحبون، ورافع السماء فوقكم، وممهد الأرض تحتكم، قادرًا على بعثكم؟
وهل يليق به أن يترككم سدى أن دبركم هذا التدبير، ووفر لكم هذا الخير الكثير.
(فإذا جاءت إلخ) لما تبين أنه القادر على نشر الأموات، كما قَدَر على خلق الأكوان، تبيّن صدق ما أوحى به إلى نبيه من أن ذلك اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين لا بد منه.
فإذا جاءت طامته الكبرى التي تفوق كل طامة، ووقت مجيئها هو ذلك اليوم الذي تعرض فيه الأعمال على العالمين، فيتذكر كل سعيه وعمله، يوم يظهر اللَّه فيه الجحيم ودار العذاب للعيان، فيراها كل من له بصر.
في ذلك اليوم يوزع الجزاء على الأعمال.
(فأما من طغى) وجاوز حدود اللَّه المضروبة في أحكامه، وفضل لذائذ الحياة الدنيا على ثواب الآخرة، فدار العذاب مأواه ومستقره.
وأما من عرف بسطة السلطان الإلهي، فخاف ذلك الجلال الرفيع، وزجر نفسه عن هواها الباطل الذي يميل بها إلى اتباع الشهوات، فالجنة مأواه.
فعلى هذا يكون جواب إذا محذوفًا للإيجاز، دل عليه التقسيم في قوله: فأما من طغى، وتقديره وزع الجزاء على العمل فأما إلخ.
(الطامة الكبرى) الداهية التي تطم على الدواهي، أي تغلب وتعلو.
(مقام ربه) يراد منه جلاله وعظمته، وإلا فهو منزه عن المقام والقيام.
(المأوى) في الموضعين هو المستقر والمقام.
والتعريف إشارة إلى أنه معلوم لا شبهة فيه.
(يسألونك عن الساعة إلخ)، كان أهل العناد من قريش يعنتون رسول اللَّه بالسؤال عن وقت الساعة ومتى يقيمها اللَّه، فكان النبي يردد في نفسه ما يقولون ويتمنى لو أمكن الجواب عما يسألون، كما هو شأن الحريص على الهداية، الجاهد في الإقناع.
فنهاه اللَّه عن تمني ما لا يرجى، وجاء بالنهي في صورة الاستفهام الإنكاري حيث قال: فيم أنت من ذكراها؟
أي ما هذه الذكرى الدائمة؟
لست في شيء منها، أي لا حاجة لك بها، فإن علم ذلك ينتهي إلى ربك.
وإنما شأنك أن تنذر من يخافها، فتنبهه من غفلته حتى يستعد لما يلقاه يومها.
أما هؤلاء المعاندون فدعهم فإنهم لا يعقلون، ولا تشتغل بالجواب عما يسألون.
فإذا جاءت الساعة ذهبت صورة كل زمان مضى من أذهانهم، سواء طال أو قصر، فحسبوا أنهم لم يلبثوا من يوم خلقوا إلى يوم بعثوا إلا عشية أو ضحاها، أي طرفًا من أطراف النهار، لا نهارًا كاملًا، وذلك لمفاجأتها لهم على غير استعداد لتوقعها.
(الساعة) ساعة يبعث الناس، وهي يوم القيامة.
(أيان مرساها) أي متى إرساؤها أي إقامتها، ومتى حصولها.
(فيم أنت) أي: في أي شيء أنت من مداومة تذكرها؟
أو: في أي شيء أنت من ذكرها لهم وإخبارهم بوقتها؟
أي: لست في شيء من هذا.
أي ليس من شأنك أن تذكر لهم من خبرها شيئًا سوى أنك تنذر من يخافها.
و(العشية) طرف النهار من آخره، و(الضحى) طرفه من أوله.
وإضافة الضحى إلى ضمير العشية إشارة إلى أن العشية والضحى من يوم واحد.
فهم يحسبون أنهم لم يلبثوا إلا بعض يوم واحد، كما قال لم يلبثوا إلا ساعة من نهار.
واللبث الإقامة.