الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٤٤
الحديث رقم ١٢٤٤ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الدخول على الميت بعد الموت.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٢٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:
جيء بوالد جابر وهو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك يوم أحد وقد مثل الكفار بقتلى المسلمين، بتشويه أجسامهم، فوضع بين يديه فأراد جابر أن يكشف عن وجهه متوجعاً له مما مثل به الكفار فنهاه قومه عن ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها" تشريفاً له وتكريماً.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٢٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضمِّ الغين المعجمة، محمَّد بن جعفر البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ المُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (﵄، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي) عبد الله بن عمرٍو يوم أُحُدٍ في شوَّال سنة ثلاثٍ من الهجرة، وكان المشركون مثَّلوا به، جدعوا أنفه وأذنيه (جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ) حال كوني (أَبْكِي) عليه (وَيَنْهَوْنِي) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ وأبي الوقت: «ينهونني» بزيادة نونٍ ثانيةٍ بعد الواو على الأصل (عَنْهُ) أي: عن البكاء، ولفظة: «عنه» ساقطةٌ لأبي ذَرٍّ (وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَنْهَانِي) عنه (فَجَعَلَتْ عَمَّتِي) شقيقةُ أبي (١) عبدِ الله ابن عمرو (فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) معزِّيًا لها ومخبرًا لها بما آل إليه من الخير: (تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ، مَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فما» (زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا) مجتمعين عليه، متزاحمين على المبادرة لصعودهم بروحه، وتبشيره (٢) بما أعدَّ الله له من الكرامة، أو أظلُّوه من الحرِّ لئلَّا يتغيَّر، أو لأنَّه من السَّبعة الَّذين يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه (٣)، و «أو» ليست للشَّكِّ، بل من (٤) كلامه ﵊ للتَّسوية بين البكاء وعدمه (٥)، أي: فوالله إنَّ الملائكة تظلُّه، سواءٌ تبكين أم لا (حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ) من مقتله (٦)، وهذا قاله ﵊ بطريق الوحي،
فلا يعارضه ما في حديث أمِّ العلاء السَّابق [خ¦١٢٤٣] لأنَّه أنكر عليها قطعها، إذ لم تعلم هي من أمره شيئًا، وقد أخرج هذا (١) الحديث المؤلِّف أيضًا في «الفضائل» [خ¦٤٠٨٠]، والنَّسائيُّ في «الجنائز» و «المناقب»، ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «جعلت أكشف الثَّوب عن وجهه»؛ لأنَّ الثَّوب أعمُّ من أن يكون الَّذي سجَّوه به ومن الكفن.
(تَابَعَهُ) أي: تابع شعبة (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ المُنْكَدِرِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر في نسخةٍ: «أخبرني محمَّد بن المنكدر» أنَّه (سَمِعَ جَابِرًا ﵁) وهذا وصله مسلمٌ من طريق عبد الرَّزَّاق عنه، وأوَّله: جاء قومي بأبي قتيلًا يوم أحد … ، وذكر المؤلِّف هذه المتابعة لينفي ما وقع في ابن ماهان من «صحيح مسلم»، عن عبد الكريم، عن محمَّد بن عليٍّ (٢) بن حسينٍ، عن جابرٍ: فجعل محمَّد بن عليٍّ بدل محمَّد بن المنكدر، فبيَّن البخاريُّ أنَّ الصَّواب: محمَّد بن المنكدر، كما رواه شعبة.
(٤) (باب الرَّجُلِ يَنْعَى) الميِّت، حذف مفعول ينعى وهو الميِّت؛ لدلالة الكلام عليه، وذُكِرَ
المفعول الآخر الَّذي عُدِّي له بحرف الجرِّ (١)، أي: يظهر خبر موته (إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ بِنَفْسِهِ) ولا يستنيب فيه أحدًا ولو كان رفيعًا، والتَّأكيد، أي: في قوله: بنفسه (٢)، للضَّمير المستكن في «ينعى»، فهو عائدٌ إلى النَّاعي لا المنعيِّ، أو يرجع الضَّمير إلى المنعيِّ وهو الميِّت، أي: ينعى إلى أهل الميِّت نفسُ الميت، أو بسبب ذهاب نفسه (٣)، وفائدة التَّرجمة بذلك دفع توهُّم أنَّ هذا من إيذاء أهل الميِّت، وإدخال المساءة عليهم، والإشارة إلى أنَّه مباحٌ، بل صرَّح النَّوويُّ في «المجموع» باستحبابه؛ لحديث الباب، ولنعيه جعفر بن أبي طالبٍ وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، ولما يترتَّب عليه من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره للصَّلاة عليه، والدُّعاء والاستغفار له، وتنفيذ وصاياه، وغير ذلك، نعم، يُكرَه نعي الجاهليَّة للنَّهي (٤) عنه، رواه التِّرمذيُّ وحسَّنه وصحَّحه، وهو النِّداء بموت الشَّخص، وذكر مآثره ومفاخره، قال المتولِّي وغيره: ويكره مرثيَّة الميِّت وهي عدُّ محاسنه؛ للنَّهي عن المراثي. انتهى. والوجه: حمل تفسيرها بذلك على غير صيغة النَّدب الآتي بيانها إن شاء الله تعالى، وإلَّا فيلزم اتَّحادها معه، وقد أطلقها الجوهريُّ على عدِّ محاسنه مع البكاء، وعلى نظم الشِّعر فيه، فيكره كلٌّ منهما؛ لعموم النَّهي عن ذلك، والأَوجه: حمل النَّهي عن ذلك على ما يظهر فيه تبرُّمٌ، أو على فعله
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فأسنده مرّة عَن ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، حَدثنِي يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَابْن حجر قَالُوا: حَدثنَا إِسْمَاعِيل وَهُوَ ابْن جَعْفَر عَن الْعَلَاء عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (حق الْمُسلم على الْمُسلم سِتّ قيل: مَا هن يَا رَسُول الله؟ قَالَ: إِذا لَقيته فَسلم عَلَيْهِ، وَإِذا دعَاك فأجبه. وَإِذا استنصحك فانصح لَهُ، فَإِذا عطس فَحَمدَ الله فشمته. وَإِذا مرض فعده، وَإِذا مَاتَ فَاتبعهُ) . والْعَلَاء هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (حق الْمُسلم) ، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا اللَّفْظ أَعم من الْوَاجِب على الْكِفَايَة وعَلى الْعين، وَمن الْمَنْدُوب، وَقَالَ ابْن بطال: أَي: حق الْحُرْمَة والصحبة. وَفِي (التَّوْضِيح) : الْحق فِيهِ بِمَعْنى حق حرمته عَلَيْهِ وَجَمِيل صحبته لَهُ، لَا أَنه من الْوَاجِب، وَنَظِيره: (حق الْمُسلم أَن يغْتَسل كل جُمُعَة) . وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد من الْحق هُنَا الْوُجُوب خلافًا لقَوْل ابْن بطال. قلت: المُرَاد هُوَ الْوُجُوب على الْكِفَايَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: هَذِه كلهَا من حق الْإِسْلَام، يَسْتَوِي فِيهَا جَمِيع الْمُسلمين برهم وفاجرهم، غير أَنه يخص الْبر بالبشاشة والمصافحة دون الْفَاجِر الْمظهر للفجور، وَقد مر الْكَلَام فِي بَقِيَّة الحَدِيث عَن قريب.
تابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ
أَي: تَابع عَمْرو بن أبي سَلمَة عبد الرَّزَّاق بن هما، قَالَ: أخبرنَا معمر بن رَاشد، وَهَذِه الْمُتَابَعَة ذكرهَا مُسلم، رَحمَه الله، وَقد ذَكرنَاهَا الْآن.
وَرَوَاهُ سَلَامَةُ عنْ عُقَيْلٍ أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور سَلامَة، بتَخْفِيف اللَّام: ابْن خَالِد بن عقيل الْأَيْلِي توفّي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة، وَهُوَ ابْن أخي عقيل، بِضَم الْعين: إِبْنِ خَالِد بن عقيل، ذكر البُخَارِيّ أَنه سمع من عقيل بن خَالِد، وَذكر غير وَاحِد أَن حَدِيثه عَنهُ كتاب وَلم يسمع مِنْهُ، وَسُئِلَ أَبُو زرْعَة عَن سَلامَة فَقَالَ: ضَعِيف مُنكر الحَدِيث.
٣ - (بابُ الدُّخُولِ عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ المَوْتِ إذَا أُدْرِجَ فِي أكفَانِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الدُّخُول على الْمَيِّت إِذا أدرج أَي: إِذا لف فِي أَكْفَانه.
٢٤٢١ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخبرَنا عَبْدُ الله قَالَ أَخْبرنِي مَعْمَرٌ ويُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَة أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبَرَتْهُ قالَتْ أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حتَّى نَزَلَ فدَخَلَ المَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فتَيَمَّمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهْوَ مُسَجَّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ بَكَى فقَالَ بِأبِي أنْتَ يَا نَبِيَّ الله لَا يَجْمَعُ الله عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كَتَبَ الله علَيْكَ فَقَدْ مُتُّهَا. قَالَ أبُو سَلَمَةَ فَأَخْبرنِي ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّ أبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ خَرَجَ وَعُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ اجْلِسْ فَأبَى فَقَالَ إجْلِسْ فأبَى فتَشَهَّدَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَمَالَ إلَيْهِ النَّاسُ وتَرَكُوا عُمَرَ فقالَ أمَّا بَعْدُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدا فإنَّ مُحَمَّدا قَدْ ماتَ وَمَنْ كانَ يَعْبُدُ الله فَإنَّ الله حيٌّ لَا يَمُوتُ. قَالَ الله تَعَالَى وَمَا مُحَمَّدٌ إلَاّ رَسُولٌ إِلَى الشَّاكِرِينَ وَالله لَكَأنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الله أنزَلَ الآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إلَاّ يَتْلُوهَا.
. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، قيل: لَا نسلم الظُّهُور، لِأَن التَّرْجَمَة فِي الدُّخُول على الْمَيِّت إِذا أدرج فِي الْكَفَن، وَمتْن الحَدِيث وَهُوَ مسجى يبرد حبرَة، وَلم يكن حِينَئِذٍ غسل، فضلا عَن أَن يكون مدرجا فِي الْكَفَن. وَأجِيب: بِأَن كشف الْمَيِّت بعد تسجيته
مساوٍ لحاله بعد تكفينه، وَذَلِكَ لِأَن مِنْهُم من منع عَن الِاطِّلَاع على الْمَيِّت إلَاّ الْغَاسِل، وَمن يَلِيهِ، لِأَن الْمَوْت سَبَب لتغير محَاسِن الْحَيّ، لِأَنَّهُ يكون كريها فِي المنظر، فَلذَلِك أَمر بتغميضه وتسجيته، وَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى جَوَاز ذَلِك بالترجمة الْمَذْكُورَة، وَلما كَانَ حَاله بعد التسجية مثل حَاله بعد التَّكْفِين وَقع التطابق بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث من هَذِه الْحَيْثِيَّة.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين، ابْن رَاشد. الرَّابِع: يُونُس ابْن يزِيد. الْخَامِس: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. السَّادِس: أَبُو سَلمَة عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ وَعبد الله مروزيان وَمعمر بَصرِي وَيُونُس أيلي وَالزهْرِيّ وَأَبُو سَلمَة مدنيان. وَفِيه: أَرْبَعَة مِنْهُم بِلَا نِسْبَة، وَوَاحِد بالكنية. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث عَن عقيل وَفِي فضل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن أبي مُعَاوِيَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بالسنح) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَالنُّون والحاء الْمُهْملَة، وَهُوَ منَازِل بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج، بَينهمَا وَبَين منزل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ميل، وَزعم صَاحب (الْمطَالع) أَن أَبَا ذَر كَانَ يَقُوله بِإِسْكَان النُّون. قَوْله: (فتميم) ، أَي: قصد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَهُوَ مسجى) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. ومسجى إسم مفعول من سجى يسجي تسجية. يُقَال: سجيت الْمَيِّت تسجية إِذا مددت عَلَيْهِ ثوبا، وَمعنى مسجىً: هُنَا مغطىً. قَوْله: (ببر حبرَة) ، بِالْوَصْفِ وَالْإِضَافَة، وَالْبرد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء: وَهُوَ نوع من الثِّيَاب مَعْرُوف، وَالْجمع: أبراد وبرود، والبردة والشملة المخططة وحبرة على وزن عنبة ثوب يماني يكون من قطن أَو كتاب مخطط، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ ثوب أَخْضَر. قَوْله: (ثمَّ أكب عَلَيْهِ) ، هَذَا اللَّفْظ من النَّوَادِر حَيْثُ هُوَ لَازم، وثلاثيه كب مُتَعَدٍّ عكس مَا هُوَ الْمَشْهُور فِي الْقَوَاعِد التصريفية. قَوْله: (فَقبله) أَي: بَين عَيْنَيْهِ وَقد ترْجم عَلَيْهِ النَّسَائِيّ وَأوردهُ صَرِيحًا حَيْثُ قَالَ: تَقْبِيل الْمَيِّت وَأَيْنَ يقبل مِنْهُ؟ قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن عَمْرو بن السَّرْح، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة: أَن أَبَا بكر قبل بَين عَيْني النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ميت) . قَوْله: (بِأبي أَنْت) أَي: أَنْت مفدىً بِأبي، فالباء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف فَيكون مَرْفُوعا لِأَنَّهُ يكون مُبْتَدأ وخبرا. وَقيل: فعل، فَيكون مَا بعده مَنْصُوبًا تَقْدِيره: فديتك بِأبي. قَوْله: (لَا يجمع الله عَلَيْك موتتين) ، قَالَ الدَّاودِيّ: لم يجمع الله عَلَيْك شدَّة بعد الْمَوْت لِأَن الله تَعَالَى قد عصمك من أهوال الْقِيَامَة. قَالَ: وَقيل: لَا يَمُوت موتَة أُخْرَى فِي قَبره كَمَا يحيى غَيره فِي الْقَبْر فَيسْأَل ثمَّ يقبض، وَقَالَ ابْن التِّين: أَرَادَ بذلك مَوته وَمَوْت شَرِيعَته، يدل عَلَيْهِ. قَوْله: (من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا) . وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ردا لمن قَالَ: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يمت وسيبعث وَيقطع أَيدي رجال وأرجلهم. قيل: إِنَّه معَارض لقَوْله تَعَالَى: {امتّنا اثْنَتَيْنِ واحيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ} (غَافِر: ١١) . وَأجِيب: بِأَن الأولى الْخلقَة من التُّرَاب وَمن نُطْفَة لِأَنَّهُمَا موَات، وَالثَّانيَِة الَّتِي بِمَوْت الْخلق، وَإِحْدَى الحياتين فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى بعد الْمَوْت فِي الْآخِرَة. وَعَن الضَّحَّاك: أَن الأولى الْمَوْت فِي الدُّنْيَا، وَالثَّانيَِة الْمَوْت فِي الْقَبْر بعد الْفِتْنَة والمسالة، وَاحْتج بِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُقَال للنطفة وَالتُّرَاب ميت، وَإِنَّمَا الْمَيِّت من تقدّمت لَهُ حَيَاة، ورد عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى: {وَآيَة لَهُم الأَرْض الْميتَة أحييناها} (يس: ٣٣) . لم يتَقَدَّم لَهَا حَيَاة قطّ، وَإِنَّمَا خلقهَا الله جمادا ومواتا، وَهَذَا من سَعَة كَلَام الْعَرَب. قَوْله: (الَّتِي كتب الله) أَي: قدر الله، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (الَّتِي كتبت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: قدرت. قَوْله: (مِنْهَا) ، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا، من: مَاتَ يَمُوت، وَمَات يمات، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الموتة. قَوْله: (وَعمر يكلم النَّاس) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فَمَا يسمع بشر) ، يسمع على صِيغَة الْمَجْهُول تَقْدِيره: مَا يسمع بشر يَتْلُو شَيْئا إلَاّ هَذِه الْآيَة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ اسْتِحْبَاب تسجية الْمَيِّت. وَفِيه: جَوَاز تَقْبِيل الْمَيِّت لفعل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَأن
أَبَا بكر فِي تقبيله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَفْعَله إلَاّ قدوة بِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لما روى التِّرْمِذِيّ مصححا: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل على عُثْمَان بن مَظْعُون وَهُوَ ميت فأكب عَلَيْهِ وَقَبله ثمَّ بَكَى حَتَّى رَأَيْت الدُّمُوع تسيل على وجنتيه وَفِي (التَّمْهِيد) لما توفّي عُثْمَان كشف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الثَّوْب عَن وَجهه وَبكى بكاء طَويلا وَقبل بَين عَيْنَيْهِ، فَلَمَّا رفع على السرير قَالَ: طُوبَى لَك يَا عُثْمَان، لم تلبسك الدُّنْيَا وَلم تلبسها) . وَفِيه: جَوَاز الْبكاء على الْمَيِّت من غير نوح. وَفِيه: أَن الصدِّيق أعلم من عمر، وَهَذِه إِحْدَى الْمسَائِل الَّتِي ظهر فِيهَا ثاقب علمه، وَفضل مَعْرفَته، ورجاحة رَأْيه، وبارع فهمه، وَحسن إسراعه بِالْقُرْآنِ، وثبات نَفسه، وَكَذَلِكَ مكانته عِنْد الإمرة لَا يُسَاوِيه فِيهَا أحد إلَاّ يرى أَنه حِين تشهد بَدَأَ بالْكلَام مَال إِلَيْهِ النَّاس وَتركُوا عمر وَلم يكن ذَلِك إلَاّ لعَظيم مَنْزِلَته فِي النُّفُوس على عمر وسمو مَحَله عِنْدهم، وَقد أقرّ بذلك عمر حِين مَاتَ الصّديق، فَقَالَ: وَالله مَا أحب أَن ألْقى الله بِمثل عمل أحد إلَاّ بِمثل عمل أبي بكر، ولوددت أَنِّي شَعْرَة فِي صَدره، وَذكر الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِنِّي وَالله لأمشي مَعَ عمر فِي خِلَافَته وَبِيَدِهِ الدرة وَهُوَ يحدث نَفسه وَيضْرب قدمه بدرته مَا مَعَه غَيْرِي، إِذْ قَالَ لي: يَا ابْن عَبَّاس، هَل تَدْرِي مَا حَملَنِي على مَقَالَتي الَّتِي قلت حِين مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قلت: لَا أَدْرِي وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فَإِنَّهُ مَا حَملَنِي على ذَلِك إلَاّ قَوْله عز وَجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا} إِلَى قَوْله: {شَهِيدا} (الْبَقَرَة: ٣٤١) . فوَاللَّه إِن كنت لأَظُن أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَيبقى فِي أمته حَتَّى يشْهد عَلَيْهَا بأجزاء أَعمالهَا. وَفِيه: حجَّة مَالك فِي قَوْله فِي الصَّحَابَة: مخطىء ومصيب فِي التَّأْوِيل. وَفِيه اهتمام عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا بِأَمْر الشَّرِيعَة وَإِنَّهَا لم يشغلها ذَلِك عَن حفظهَا مَا كَانَ من أَمر النَّاس فِي ذَلِك اليوموفيه: غيبَة الصدّيق عَن وَفَاته، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم بالسنح، وَكَانَ متزوجا هُنَاكَ. وَفِيه: الدُّخُول على الْمَيِّت بِغَيْر اسْتِئْذَان، وَيجوز أَن يكون عِنْد عَائِشَة غَيرهَا فَصَارَ كالمحفل لَا يحْتَاج الدَّاخِل إِلَى إِذن، وَرُوِيَ أَنه اسْتَأْذن فَلَمَّا دخل أذن للنَّاس. وَفِيه: قَول أبي بكر لعمر: إجلس، فَأبى إِنَّمَا ذَلِك لما دخل عمر من الدهشة والحزن، وَقد قَالَت أم سَلمَة: مَا صدقت بِمَوْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى سَمِعت وَقع الكرازين. قَالَ الْهَرَوِيّ: هِيَ الفئوس، وَقيل: تُرِيدُ وَقع الْمساحِي تحثو التُّرَاب عَلَيْهِ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيحْتَمل أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ظن أَن أَجله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يَأْتِ وَأَن الله تَعَالَى منَّ على الْعباد بطول حَيَاته، وَيحْتَمل أَن يكون أنسي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّك ميت} (الزمر: ٠٣) . وَقَوله: {وَمَا مُحَمَّد إلَاّ رَسُول} إِلَى: {أفائن مَاتَ} (آل عمرَان: ٤٤١) . وَكَانَ يَقُول مَعَ ذَلِك: ذهب مُحَمَّد لميعاد ربه، كَمَا ذهب مُوسَى لمناجاة ربه، وَكَانَ فِي ذَلِك ردعا لِلْمُنَافِقين وَالْيَهُود حِين اجْتمع النَّاس. وَأما أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَأى إِظْهَار الْأَمر تجلدا، وَلما تَلا الْآيَة كَانَت تعزيا وتصبرا. وَفِيه: جَوَاز التفدية بِالْآبَاءِ والأمهات. وَفِيه: ترك تَقْلِيد الْمَفْضُول عِنْد وجود الْفَاضِل.
٣٤٢١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي خارِجَةُ ابنُ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ أنَّ أُمَّ العَلَاءِ امْرَأةً مِنَ الأنْصَارِ بايَعَتِ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخْبَرَتْهُ أنَّهُ اقتُسِمَ المُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ فأنْزَلْنَاهُ فِي أبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أثْوَابِهِ دَخَلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقُلْتُ رَحْمَةُ الله عليْكَ أبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لقدْ أكْرَمَكَ الله فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومَا يُدْرِيكِ أنَّ الله أكْرَمَهُ فَقُلْتُ بِأبِي أنْتَ يَا رسولَ الله فَمَنْ يُكْرِمُهُ الله؟ فَقَالَ أمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ وَالله إنِّي لأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ وَالله مَا أدْرِي وَأنَا رسولُ الله مَا يفْعَلُ بِي قالَتْ فَوالله لَا اُزْكِي أحدا بَعْدَهُ أبَدا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (دخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) يَعْنِي على عُثْمَان بعد أَن غسل وكفن، وَهَذِه الْمُطَابقَة أظهر من مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق للتَّرْجَمَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: خَارِجَة اسْم فَاعل من الْخُرُوج ابْن زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة بِالْمَدِينَةِ، مَاتَ سنة مائَة. السَّادِس: أم الْعَلَاء بنت الْحَارِث
ابْن ثَابت بن خَارِجَة الْأَنْصَارِيَّة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور باسم جده وَأَنه وَشَيْخه مصريان وعقيلي أيلي وَابْن شهَاب وخارجة مدنيان. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: أم الْعَلَاء ذكر فِي (تَهْذِيب الْكَمَال) وَيُقَال: إِن أم الْعَلَاء زَوْجَة زيد بن ثَابت وَأم أَبِيه خَارِجَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ التِّرْمِذِيّ: هِيَ أم خَارِجَة، ثمَّ قَالَ: وَلَا يخفى أَن ذكر خَارِجَة مُبْهمَة لَا يَخْلُو عَن غَرَض أَو أغراض.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات، وَفِي التَّفْسِير عَن أبي الْيَمَان، وَفِي الْهِجْرَة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن عَبْدَانِ، وَفِي التَّعْبِير والجنائز أَيْضا عَن سعيد بن عقيل، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرُّؤْيَا عَن سُوَيْد بن نصر عَن عبد الله بن الْمُبَارك بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أم الْعَلَاء) ، مَنْصُوب بِأَن وَخَبره. قَوْله: (أخْبرته) قَوْله: (امْرَأَة من الْأَنْصَار) عطف بَيَان وَيجوز أَن يرفع على أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ امْرَأَة من الْأَنْصَار. قَوْله: (بَايَعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع أَو النصب على أَنَّهَا صفة لامْرَأَة على الْوَجْهَيْنِ. قَوْله: (أَنه) الضَّمِير فِيهِ للشأن. قَوْله: (اقتسم الْمُهَاجِرُونَ قرعَة) اقتسم على صِيغَة الْمَجْهُول. و: الْمُهَاجِرُونَ، مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، و: قرعَة، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بِقرْعَة، وَالْمعْنَى: اقتسم الْأَنْصَار الْمُهَاجِرين بِالْقُرْعَةِ فِي نزولهم عَلَيْهِم وسكناهم فِي مَنَازِلهمْ، لِأَن الْمُهَاجِرين لما دخلُوا الْمَدِينَة لم يكن مَعَهم شَيْء من أَمْوَالهم فَدَخَلُوهَا فُقَرَاء، وَكَانَ بَنو مَظْعُون ثَلَاثَة: عُثْمَان وَعبد الله وَقُدَامَة بدريون أخوال ابْن عمر. قَوْله: (فطار لنا عُثْمَان) يَعْنِي: وَقع فِي الْقرعَة فِي سهم الْأَنْصَار الَّذين أم الْعَلَاء مِنْهُم، ويروى: (فَصَارَ لنا) ، فَإِن ثبتَتْ هَذِه الرِّوَايَة فمعناها صَحِيح. قَوْله: (وَجَعه) ، نصب على الْمصدر. قَوْله: (أَبَا السَّائِب) ، بِالسِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، منادى حذف حرف ندائه، وَالتَّقْدِير: يَا أَبَا السَّائِب، وَهُوَ كنية عُثْمَان بن مَظْعُون، وَلَفظ البُخَارِيّ فِي كتاب الشَّهَادَات فِي: بَاب الْقرعَة فِي المشكلات: أَن عُثْمَان بن مَظْعُون طَار لَهُ سَهْمه فِي السُّكْنَى حِين أقرعت الْأَنْصَار سُكْنى الْمُهَاجِرين. قَالَت: أم الْعَلَاء: فسكن عندنَا عُثْمَان بن مَظْعُون، فاشتكى فمرضناه حَتَّى إِذا توفّي وجعلناه فِي ثِيَابه دخل علينا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقلت: رَحْمَة الله عَلَيْك أَبَا السَّائِب. وَفِي كتاب الْهِجْرَة وَالتَّعْبِير: (قَالَت أم الْعَلَاء: فأحزنني ذَلِك فَنمت، فأوريت لَهُ عينا تجْرِي، فَجئْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَخْبَرته فَقَالَ: ذَاك عمله يجْرِي لَهُ) . قَوْله: (فشهادتي عَلَيْك) ، جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، وَمثل هَذَا التَّرْكِيب يسْتَعْمل عرفا وَيُرَاد بِهِ معنى الْقسم، كَأَنَّهَا قَالَت: أقسم بِاللَّه لقد أكرمك الله. قَالَ الْكرْمَانِي: (شهادتي) مُبْتَدأ، (وَعَلَيْك) صلته، وَالْقسم مُقَدّر، وَالْجُمْلَة القسمية خبر الْمُبْتَدَأ، وَتَقْدِيره: شهادتي عَلَيْك قولي وَالله لقد أكرمك الله. ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: هَذِه الشَّهَادَة لَهُ لَا عَلَيْهِ؟ قلت: الْمَقْصُود مِنْهَا معنى الاستعلاء فَقَط بِدُونِ مُلَاحظَة الْمضرَّة وَالْمَنْفَعَة. قَوْله: (وَمَا يدْريك؟) بِكَسْر الْكَاف أَي: من أَيْن علمت أَن الله أكْرمه؟ أَي: عُثْمَان؟ قَوْله: (بِأبي أَنْت) أَي: مفدى أَنْت بِأبي، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب: قَوْله: (فَمن يُكرمهُ الله) أَي: هُوَ مُؤمن خَالص مُطِيع فَإِذا لم يكن هُوَ من الْمُكرمين من عِنْد الله فَمن يُكرمهُ؟ قَوْله: (أما هُوَ) أَي: عُثْمَان وَكلمَة: أما، تَقْتَضِي القسيم، وقسميهما هُنَا مُقَدّر تَقْدِيره: وَأما غَيره فخاتمة أمره غير مَعْلُومَة، أهوَ مِمَّا يُرْجَى لَهُ الْخَيْر عِنْد الْيَقِين أَي الْمَوْت أم لَا؟ قَوْله: (وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَا يفعل بِي) كلمة: مَا، مَوْصُولَة أَو استفهامية. قَالَ الدَّاودِيّ: مَا يفعل بِي وهم، وَالصَّوَاب: مَا يفعل بِهِ، أَي: بعثمان، لِأَنَّهُ لَا يعلم من ذَلِك إِلَّا مَا يُوحى إِلَيْهِ. وَقيل: قَوْله: (مَا يفعل بِي) ، يحْتَمل أَن يكون قبل إِعْلَامه بالغفران لَهُ، أَو يكون الْمَعْنى: مَا يفعل بِي فِي أَمر الدُّنْيَا مِمَّا يصيبهم فِيهَا. فَإِن قلت: عُثْمَان هَذَا أسلم بعد ثَلَاثَة عشر رجلا، وَهَاجَر الهجرتين، وَشهد بَدْرًا، وَهُوَ أول من مَاتَ من الْمُهَاجِرين بِالْمَدِينَةِ، وَقد أخبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن أهل بدر غفر الله لَهُم. قلت: قد قيل: بِأَن ذَلِك قبل أَن يخبر أَن أهل بدر من أهل الْجنَّة. فَإِن قلت: هَذَا أَيْضا يُعَارض قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (مَا زَالَت الْمَلَائِكَة تظله بأجنحتها حَتَّى رفعتموه) . قلت: لَا تعَارض فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا ينْطق عَن الْهوى، فَأنْكر على أم الْعَلَاء قطعهَا على عُثْمَان إِذْ لم تعلم هِيَ من أمره شَيْئا. وَفِي حَدِيث جَابر، قَالَ: مَا علمه إلَاّ بطرِيق الْوَحْي إِذْ لَا يقطع على مثل هَذَا إلَاّ بِوَحْي، حَاصله أَن مَا قَالَه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِخْبَار من لَا ينْطق عَن الْهوى، وَذَلِكَ كَلَام أم الْعَلَاء وليسا بالسواء.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دَلِيل على أَنه لَا يجْزم لأحد بِالْجنَّةِ إلَاّ مَا نَص عَلَيْهِ الشَّارِع: كالعشرة المبشرة وأمثالهم
سِيمَا وَالْإِخْلَاص أَمر قلبِي لَا اطلَاع لنا عَلَيْهِ. وَفِيه: مواساة الْفُقَرَاء الَّذين لَيْسَ لَهُم مَال وَلَا منزل ببذل المَال وَإِبَاحَة الْمنزل. وَفِيه: إِبَاحَة الدُّخُول على الْمَيِّت بعد التَّكْفِين. وَفِيه: جَوَاز الْقرعَة. وَفِيه: الدُّعَاء للْمَيت.
حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ مِثْلَهُ
سعيد هَذَا هُوَ سعيد بن كثير بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا رَاء: أَبُو عُثْمَان الْمصْرِيّ، يروي عَن اللَّيْث بن سعد عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ بِمثلِهِ، أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور، وَأخرج من هَذَا الطَّرِيق فِي التَّعْبِير على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وقالَ نافِعُ بنُ يَزيدَ عنْ عُقَيْلٍ مَا يُفْعَلُ بِهِ
أَشَارَ بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى أَن الْمَحْفُوظ فِي رِوَايَة اللَّيْث مَا يفعل بِهِ، وَقد مر أَنه الصَّوَاب دون مَا يفعل بِي، وأكتفي بِهَذَا الْقدر إِشَارَة إِلَى أَن بَاقِي الحَدِيث لم يخْتَلف فِيهِ، وَنَافِع بن يزِيد أَبُو يزِيد مولى شُرَحْبِيل بن حَسَنَة الْقرشِي الْمصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَوصل الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا التَّعْلِيق عَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا: حَدثنَا الْحسن بن عبد الْعَزِيز الجروي حَدثنَا عبد الله بن يحيى المغافري حَدثنَا نَافِع بن يزِيد عَن عقيل بِهِ.
وَتَابَعَهُ شُعَيْبٌ وَعَمْرُو بنُ دِينَارٍ وَمَعْمَرٌ
ذكر البُخَارِيّ مُتَابعَة شُعَيْب فِي كتاب الشَّهَادَات، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدثنِي خَارِجَة ابْن زيد الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الحَدِيث، ومتابعة عَمْرو بن دِينَار وَصلهَا ابْن أبي عمر فِي (مُسْنده) عَن ابْن عُيَيْنَة عَنهُ، ومتابعة معمر بن رَاشد ذكرهَا البُخَارِيّ فِي التَّعْبِير فِي: بَاب الْعين الْجَارِيَة: حَدثنَا عَبْدَانِ أخبرنَا عبد الله أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن خَارِجَة بن زيد بن ثَابت عَن أم الْعَلَاء. . إِلَى آخِره.
٤٤٢١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ المُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا قُتِلَ أبي جَعَلْتُ أكْشِفُ الثَّوْبَ عنْ وَجْهِهِ أبْكِي ويَنْهَوْنِي عَنْهُ والنبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَنْهَانِي فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فاطِمةُ تَبْكِي فقالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَبْكِينَ أوْ لَا تَبْكِينَ مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (جعلت أكشف الثَّوْب عَن وَجهه) ، وَالثَّوْب أَعم من أَن يكون الثَّوْب الَّذِي سجوه بِهِ أَو من الْكَفَن.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن أبي الْوَلِيد. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن عَمْرو بن يزِيد وَفِي المناقب عَن أبي كريب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما قتل أبي) ، وَكَانَ قتل أَبِيه عبد الله يَوْم أحد، وَكَانَ الْمُشْركُونَ مثلُوا بِهِ، جدعوا أَنفه وَأُذُنَيْهِ، وَكَانَت غَزْوَة أحد فِي سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة فِي شَوَّال. قَوْله: (أبْكِي) جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (وينهوني) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وينهونني) على الأَصْل. قَوْله: (عَمَّتي فَاطِمَة) ، عمَّة جَابر هِيَ شَقِيقَة أَبِيه عبد الله بن عَمْرو. قَوْله: (تبكين أَو لَا تبكين) ، كلمة: أَو، لَيست هِيَ للشَّكّ من الرَّاوِي، بل هِيَ من كَلَام الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للتسوية بَين الْبكاء وَعَدَمه، أَي: فوَاللَّه إِن الْمَلَائِكَة تظله سَوَاء تبكين أم لَا. وَفِي (التَّلْوِيح) فِي مَوضِع آخر: (لِمَ تبْكي) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَذَا صحت الرِّوَايَة بِلِمَ، الَّتِي للاستفهام وَفِي مُسلم: (تبْكي) بِغَيْر نون لِأَنَّهُ اسْتِفْهَام لمخاطب عَن فعل غَائِبَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَلَو خاطبها بالاستفهام خطاب الْحَاضِرَة قَالَ: لِمَ تبكين، بالنُّون. وَفِي رِوَايَة: (تبكيه أَو لَا تبكيه) . وَهُوَ إِخْبَار عَن غَائِبَة، وَلَو كَانَ خطاب الْحَاضِرَة لقَالَ: تبكينه أَو لَا تبكينه، بنُون فعل الْوَاحِدَة الْحَاضِرَة، ثمَّ معنى هَذَا: أَن عبد الله مكرم عِنْد الْمَلَائِكَة، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (تبكين. .) إِلَى آخِره،
يعزيها بذلك ويخبرها بِمَا صَار إِلَيْهِ من الْفضل. قَوْله: (حَتَّى رفعتموه) ، أَي: من مغسلة، لِأَنَّهُ نسب الْفِعْل إِلَى أَصله قَالَه الدَّاودِيّ، وإظلاله بأجنحتها لِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهِ وتزاحمهم على الْمُبَادرَة بصعود روحه، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وتبشيره بِمَا أعد الله لَهُ من الْكَرَامَة، أَو أَنهم أظلوه من الْحر لِئَلَّا يتَغَيَّر أَو لِأَنَّهُ من السَّبْعَة الَّذين يظلهم الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إلَاّ ظله، وروى بَقِي بن مخلد (عَن جَابر: لَقِيَنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: أَلا أُبَشِّرك أَن الله أَحَي أَبَاك وَكلمَة كفاحا وَمَا كلم أحدا قطّ إلَاّ من وَرَاء حجاب؟ .
وَفِيه: فَضِيلَة عَظِيمَة لم تسمع لغيره من الشُّهَدَاء فِي دَار الدُّنْيَا. وَفِيه: جَوَاز الْبكاء على الْمَيِّت كَمَا مضى، وَنهى أهل الْمَيِّت بَعضهم بَعْضًا عَن الْبكاء للرفق بالباكي.
تابَعَهُ ابنُ جُرَيْجَ قَالَ أَخْبرنِي ابنُ المُنْكَدِرِ سَمِعَ جابِرا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
يَعْنِي: تَابع شُعْبَة عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج ذكر هَذِه الْمُتَابَعَة لينفي مَا وَقع فِي نُسْخَة ابْن ماهان فِي (صَحِيح مُسلم) عَن عبد الْكَرِيم عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن عَن جَابر جعل بدل مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، فَبين البُخَارِيّ أَن الصَّوَاب: ابْن الْمُنْكَدر، كَمَا رَوَاهُ شُعْبَة، وشده بِرِوَايَة ابْن جريج، وَوصل مُسلم هَذِه الْمُتَابَعَة: حَدثنَا عبد بن حميد حَدثنَا روح بن عبَادَة حَدثنَا ابْن جريج عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر.
وَأخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث من خَمْسَة طرق. الأول: من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر (عَن جَابر يَقُول: لما كَانَ يَوْم أحد جِيءَ بِأبي مسجى، وَقد مثل بِهِ) الحَدِيث. الثَّانِي: من طَرِيق شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر. الثَّالِث: من طَرِيق ابْن جريج عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر. الرَّابِع: من طَرِيق معمر عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر. الْخَامِس: من طَرِيق مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن جَابر، وَهَذَا فِي نُسْخَة ابْن ماهان.
٤ - (بابٌ الرَّجُلِ يَنْعَى إلَى أهْلِ المَيِّتِ بِنَفْسِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الرجل ينعي إِلَى أهل الْمَيِّت، فَقَوله: بَاب، منون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف كَمَا قَدرنَا. وَقَوله: الرجل، مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ. وَقَوله: (ينعى) ، خَبره وَمعنى: ينعى إِلَى أهل الْمَيِّت، يظْهر خبر مَوته إِلَيْهِم، يُقَال: نعاه ينعاه نعيا ونعيانا، وَهُوَ من بَاب: فعل يفعل، بِفَتْح الْعين فيهمَا، وَفِي (الْمُحكم) : النعي الدُّعَاء بِمَوْت الْمَيِّت والإشعار بِهِ. وَفِي (الصِّحَاح) : النعي خبر الْمَوْت، وَكَذَلِكَ النعي على فعيل وَفِي (الواعي) : النعي على فعيل هُوَ نِدَاء الناعي، والنعي: أَيْضا هُوَ الرجل الَّذِي ينعى، والنعي: الرجل الْمَيِّت، والنعي) الْفِعْل، وَالضَّمِير فِي: بِنَفسِهِ، يرجع إِلَى الْمَيِّت أَي: بِنَفس الْمَيِّت، وَهَذِه التَّرْجَمَة بِهَذِهِ الصّفة هِيَ الْمَشْهُورَة فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِحَذْف الْبَاء فِي: بِنَفسِهِ، أَي: ينعي نفس الْمَيِّت إِلَى أَهله، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ سقط ذكر الْأَهْل، وَلَيْسَ لَهَا وَجه. وَقَالَ الْمُهلب: الصَّوَاب أَن يَقُول: بَاب الرجل ينعى إِلَى النَّاس الْمَيِّت بِنَفسِهِ، وَإِلَيْهِ مَال ابْن بطال، فَقَالَ: فِي التَّرْجَمَة خلل، ومقصود البُخَارِيّ: بَاب الرجل ينعى إِلَى النَّاس الْمَيِّت بِنَفسِهِ، وَيكون الْمَيِّت نصبا مفعول: ينعى، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا خلل فِيهِ لجَوَاز حذف الْمَفْعُول عِنْد الْقَرِينَة، وَقَالَ بَعضهم نصْرَة للْبُخَارِيّ: التَّعْبِير بالأهل لَا خلل فِيهِ، لِأَن مُرَاده بِهِ مَا هُوَ أَعم من الْقَرَابَة أَو أخوة الدّين، وَهُوَ أولى من التَّعْبِير بِالنَّاسِ لِأَنَّهُ يخرج من لَيْسَ لَهُ بِهِ أَهْلِيَّة كالكفار. قلت: فِيهِ نظر، لِأَن الْأَهْل لَا يسْتَعْمل فِي أخوة الدّين، وَقد تكلم جمَاعَة فِي هَذَا الْموضع بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ، وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة فَافْهَم.
٥٤٢١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَن سَعِيدِ ابنِ المُسَيِّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي ماتَ فِيهِ خَرَجَ إلَى المُصَلَّى فصَفَّ بِهِمْ وكَبَّرَ أرْبَعا.
(٥٤٢١.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ النّظر إِلَى مُجَرّد النعي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: من كَانَ فِي الْمَدِينَة أَهلا للنجاشي حَتَّى تصح التَّرْجَمَة؟ قلت: الْمُؤْمِنُونَ أَهله من حَيْثُ أخوة الْإِسْلَام. قلت: قد ذكرنَا أَن الْأَهْل لَا يسْتَعْمل فِي أخوة الدّين أللهم إلَاّ إِذا ارْتكب الْمجَاز فِيهِ، وَرِجَال هَذَا الحَدِيث قد تكَرر واجدا وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أويس عبد الله الأصبحي الْمدنِي إِبْنِ أُخْت مَالك ابْن أنس، وَابْن شهَاب وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن مُسَدّد عَن يزِيد بن زُرَيْع. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع مُخْتَصرا على التَّكْبِير. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن سُوَيْد بن نصر عَن عبد الله بن الْمُبَارك، ستتهم عَن مَالك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (نعى النَّجَاشِيّ) أَي: أخبر بِمَوْتِهِ، وَالنَّجَاشِي، بِفَتْح النُّون وَكسرهَا: كلمة للحبش تسمى بهَا مُلُوكهَا، والمتأخرون يلقبونه الأبجري. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ بالنبطية، ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: هُوَ بِكَسْر النُّون، يجوز أَن يكون من نجش أوقد كَأَنَّهُ يطريه، ويوقد فِيهِ، قَالَه قطرب. وَفِي (الفصيح) : النَّجَاشِيّ، بِالْفَتْح، وَفِي (الْعلم الْمَشْهُور) لأبي الْخطاب مشدد الْيَاء، قَالُوا: وَالصَّوَاب تخفيفها، وَفِي (الْمثنى) لِابْنِ عديس: النَّجَاشِيّ، بِالْفَتْح وَالْكَسْر: الْمُسْتَخْرج للشَّيْء. وَفِي (سيرة ابْن إِسْحَاق) . اسْمه: أَصْحَمَة، وَمَعْنَاهُ، عَطِيَّة. وَقَالَ أَبُو الْفرج: أَصْحَمَة بن أبجري، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الصَّاد وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، قَالَ: وَقع فِي (مُسْند ابْن أبي شيبَة) فِي هَذَا الحَدِيث تَسْمِيَته: صحمة، بِفَتْح الصَّاد وَإِسْكَان الْحَاء. قَالَ: هَكَذَا قَالَ لنا يزِيد بن هَارُون، وَإِنَّمَا هُوَ صمحة، بِتَقْدِيم الْمِيم على الْحَاء. قَالَ: وَهَذَانِ شَاذان. وَفِي (التَّلْوِيح) : أَخْبرنِي غير وَاحِد من نبلاء الْحَبَشَة أَنهم لَا ينطقون بِالْحَاء على صرافتها، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ فِي اسْم الْملك: أَصْمِخَة، بِتَقْدِيم الْمِيم على الْخَاء الْمُعْجَمَة. وَذكر السُّهيْلي أَن اسْم أَبِيه: يجْرِي، بِغَيْر همزَة، وَذكر مقَاتل بن سُلَيْمَان فِي كِتَابه (نَوَادِر التَّفْسِير) : إسمه مَكْحُول بن صصه، وَفِي كتاب (الطَّبَقَات) لِابْنِ سعد: لما رَجَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْحُدَيْبِيَة سنة سِتّ أرسل النَّجَاشِيّ سنة سبع فِي الْمحرم عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي، فَأخذ كتاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوَضعه على عَيْنَيْهِ، وَنزل عَن سَرِيره فَجَلَسَ على الأَرْض تواضعا، ثمَّ أسلم، وَكتب إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك، وَأَنه أسلم على يَدي جَعْفَر ابْن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَتُوفِّي فِي رَجَب سنة تسع منصرفة من تَبُوك. فَإِن قلت: وَقع فِي (صَحِيح مُسلم) : كتب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى النَّجَاشِيّ، وَهُوَ غير النَّجَاشِيّ الَّذِي صلى عَلَيْهِ؟ قلت: قيل: كَأَنَّهُ وهم من بعض الروَاة، أَو أَنه عبر بِبَعْض مُلُوك الْحَبَشَة عَن الْملك الْكَبِير، أَو يحمل على أَنه لما توفّي قَامَ مقَامه آخر فَكتب إِلَيْهِ. قَوْله: (خرج إِلَى الْمصلى) ، ذكر السُّهيْلي من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى عَلَيْهِ بِالبَقِيعِ.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه:
الأول: فِيهِ إِبَاحَة النعي، وَهُوَ أَن يُنَادى فِي النَّاس أَن فلَانا مَاتَ ليشهدوا جنَازَته، وَقَالَ بعض أهل الْعلم: لَا بَأْس أَن يعلم الرجل قرَابَته وإخواته، وَعَن إِبْرَاهِيم: لَا بَأْس أَن يعلم قرَابَته. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: إِعْلَام أهل الْمَيِّت وقرابته وأصدقائه استحسنه الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ من أَصْحَابنَا وَغَيرهم، وَذكر صَاحب (الْحَاوِي) من أَصْحَابنَا وَجْهَيْن فِي اسْتِحْبَاب الْإِنْذَار بِالْمَيتِ وإشاعة مَوته بالنداء والإعلام، فاستحب ذَلِك بَعضهم للغريب والقريب لما فِيهِ من كَثْرَة الْمُصَلِّين عَلَيْهِ والداعين لَهُ، وَقَالَ بَعضهم: يسْتَحبّ ذَلِك للغريب وَلَا يسْتَحبّ لغيره. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالْمُخْتَار اسْتِحْبَابه مُطلقًا إِذا كَانَ مُجَرّد إِعْلَام. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَالَ صَاحب الْبَيَان) من أَصْحَابنَا: يكره نعي الْمَيِّت، وَهُوَ أَن يُنَادى عَلَيْهِ فِي النَّاس أَن فلَانا قد مَاتَ ليشهدوا جنَازَته، وَفِي وَجه حَكَاهُ الصيدلاني: لَا يكره. وَفِي (حلية الرَّوْيَانِيّ) من أَصْحَابنَا: الإختيار إِن يُنَادى بِهِ ليكْثر المصلون. وَقَالَ ابْن الصّباغ: قَالَ أَصْحَابنَا: يكره النداء عَلَيْهِ، وَلَا بَأْس أَن يعلم أصدقاءه، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا بَأْس بِهِ، وَنَقله الْعَبدَرِي عَن مَالك أَيْضا، وَنقل ابْن التِّين عَن مَالك كَرَاهَة الْإِنْذَار بالجنائز على أَبْوَاب الْمَسَاجِد والأسواق لِأَنَّهُ من النعي. قَالَ عَلْقَمَة بن قيس: الْإِنْذَار بالجنائز من النعي وَهُوَ من أَمر الْجَاهِلِيَّة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ النَّهْي أَيْضا عَن ابْن عمر وَأبي سعيد وَسَعِيد بن الْمسيب وعلقمة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالربيع بن خَيْثَم. قلت: وَأبي وَائِل وَأبي ميسرَة وَعلي بن الْحُسَيْن وسُويد بن غَفلَة ومطرف بن عبد الله وَنصر بن عمرَان أبي جَمْرَة، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث حُذَيْفَة أَنه قَالَ: إِذا مت فَلَا تؤذنوا بِي أحدا فَإِنِّي أَخَاف أَن يكون نعيا، وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ينْهَى عَن النعي، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن، وروى أَيْضا من حَدِيث عبد الله عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إيَّاكُمْ والنعي، فَإِن النعي من أَمر الْجَاهِلِيَّة) . وَقَالَ: حَدِيث غَرِيب. والمجوزون احْتَجُّوا بِحَدِيث الْبَاب، وَرُبمَا ورد فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نعى للنَّاس زيدا وجعفرا. وَفِي الصَّحِيح أَيْضا
قَول فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، حِين توفّي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وأبتاه، من ربه مَا أدناه، وأبتاه إِلَى جِبْرِيل ننعاه، وَفِي الصَّحِيح أَيْضا فِي قصَّة الرجل الَّذِي مَاتَ وَدفن لَيْلًا فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَفلا كُنْتُم آذنتموني؟) فَهَذِهِ الْأَحَادِيث دَالَّة على جَوَاز النعي. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن النعي الْمنْهِي عَنهُ إِنَّمَا هُوَ نعي الْجَاهِلِيَّة، قَالَ: وَكَانَت عَادَتهم إِذا مَاتَ مِنْهُم شرِيف بعثوا رَاكِبًا إِلَى الْقَبَائِل يَقُول: نعا يَا فلَان، أَو: يَا نعاء الْعَرَب، أَي: هَلَكت الْعَرَب بِهَلَاك فلَان. وَيكون مَعَ النعي ضجيج وبكاء، وَأما إِعْلَام أهل الْمَيِّت وأصدقائه وقرابته فمستحب على مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا. وَاعْترض بِأَن حَدِيث النَّجَاشِيّ لم يكن نعيا، إِنَّمَا كَانَ مُجَرّد إِخْبَار بِمَوْتِهِ، فَسمى نعيا لشبهه بِهِ فِي كَونه إعلاما، وَكَذَا القَوْل فِي جَعْفَر بن أبي طَالب وَأَصْحَابه، ورد بِأَن الأَصْل الْحَقِيقَة على أَن حَدِيث النَّجَاشِيّ أصح من حَدِيث حُذَيْفَة وَعبد الله. فَإِن قلت: قَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا نعي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، النَّجَاشِيّ وَصلى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْد بعض النَّاس على غير الْإِسْلَام فَأَرَادَ إعلامهم بِصِحَّة إِسْلَامه (قلت) نعيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعفراً وَأَصْحَابه يرد ذَلِك، وَحمل بَعضهم النَّهْي على نعي الْجَاهِلِيَّة الْمُشْتَمل على ذكر المفاخر وَشبههَا.
الْوَجْه الثَّانِي: فِيهِ دَلِيل على أَنه لَا يُصَلِّي على الْجِنَازَة فِي الْمَسْجِد، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبر بِمَوْتِهِ فِي الْمَسْجِد ثمَّ خرج بِالْمُسْلِمين إِلَى الْمصلى، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة، أَنه لَا يصلى على ميت فِي مَسْجِد جمَاعَة، وَبِه قَالَ مَالك وَابْن أبي ذِئْب، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر: لَا بَأْس بهَا إِذا لم يخف تلويثه، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ (أَن سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما توفّي أمرت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِإِدْخَال جنَازَته الْمَسْجِد حَتَّى صلى عَلَيْهَا أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ قَالَت: هَل عَابَ النَّاس علينا مَا فعلنَا؟ فَقيل لَهَا: نعم، فَقَالَت: مَا أسْرع مَا نسوا، مَا صلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على جَنَازَة سُهَيْل بن الْبَيْضَاء إلَاّ فِي الْمَسْجِد) . رَوَاهُ مُسلم، وَاحْتج أَصْحَابنَا من حَدِيث ابْن أبي ذِئْب عَن صَالح مولى التومة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من صلى على ميت فِي الْمَسْجِد فَلَا شَيْء لَهُ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِهَذَا اللَّفْظ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَلَفظه: (فَلَيْسَ لَهُ شَيْء) ، وَقَالَ الْخَطِيب الْمَحْفُوظ: (فَلَا شَيْء لَهُ، وَرُوِيَ (فَلَا شَيْء عَلَيْهِ) ، وَرُوِيَ: (فَلَا أجر لَهُ) . وَقَالَ ابْن عبد الْبر: رِوَايَة: فَلَا أجر لَهُ، خطأ فَاحش، وَالصَّحِيح: فَلَا شَيْء لَهُ، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بِلَفْظ: (فَلَا صَلَاة لَهُ) . فَإِن قلت: روى ابْن عدي فِي (الْكَامِل) هَذَا الحَدِيث وعده من مُنكرَات صَالح، ثمَّ أسْند إِلَى شُعْبَة أَنه كَانَ لَا يروي عَنهُ وَينْهى عَنهُ، وَإِلَى مَالك: لَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِثِقَة، وَإِلَى النَّسَائِيّ أَنه قَالَ فِيهِ: ضَعِيف، وَقَالَ ابْن حبَان فِي (كتاب الضُّعَفَاء) : اخْتَلَط بِآخِرهِ وَلم يتَمَيَّز حَدِيثه من قديمه فَاسْتحقَّ التّرْك، ثمَّ ذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: إِنَّه بَاطِل، وَكَيف يَقُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد صلى على سُهَيْل بن الْبَيْضَاء فِي الْمَسْجِد. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: صَالح مُخْتَلف فِي عَدَالَته، كَانَ مَالك يجرحه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أُجِيب عَن هَذَا بأجوبة. أَحدهَا: أَنه ضَعِيف لَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ، قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: هَذَا حَدِيث ضَعِيف تفرد بِهِ صَالح مولى التومة وَهُوَ ضَعِيف. الثَّانِي: أَن الَّذِي فِي النّسخ الْمَشْهُورَة المسموعة من سنَن أبي دَاوُد: فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، فَلَا حجَّة فِيهِ. الثَّالِث: أَن اللَّام فِيهِ بِمَعْنى: على، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَإِن أسأتم فلهَا} (الْإِسْرَاء: ٧) . أَي: فعلَيْهَا، جمعا بَين الْأَحَادِيث. قلت: الْجَواب عَمَّا قَالُوهُ من وُجُوه:
الأول: أَن أَبَا دَاوُد روى بِهَذَا الحَدِيث وَسكت عَنهُ، فَهَذَا دَلِيل رِضَاهُ بِهِ، وَأَنه صَحِيح عِنْده. الثَّانِي: أَن يحيى بن معِين الَّذِي هُوَ فيصل فِي هَذَا الْبَاب قَالَ: صَالح ثِقَة إلَاّ أَنه اخْتَلَط قبل مَوته، فَمن سمع مِنْهُ قبل ذَلِك فَهُوَ ثَبت حجَّة، وَمِمَّنْ سمع مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط: ابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب. الثَّالِث: قَالَ ابْن عبد الْبر: مِنْهُم من يقبل عَن صَالح مَا رَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي ذِئْب خَاصَّة. الرَّابِع: أَن غَالب مَا ذكر فِيهِ تحامل من ذَلِك قَول النَّوَوِيّ: إِن الَّذِي فِي النّسخ الْمَشْهُورَة المسموعة من سنَن أبي دَاوُد: فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يردهُ قَول الْخَطِيب الْمَحْفُوظ: (فَلَا شَيْء لَهُ) وَقَول السرُوجِي؛ وَفِي الاسرار (فَلَا صَلَاة لَهُ) وَفِي المرغيناني: (فَلَا أجر لَهُ) وَلم يذكر ذَلِك فِي كتب الحَدِيث يردهُ مَا ذَكرْنَاهُ من رِوَايَة ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : (فَلَا صَلَاة لَهُ) . وَقَالَ الْخَطِيب: (فَلَا أجر لَهُ) فلعدم إطلاعه فِي هَذَا الْموضع جازف فِيهِ، وَمن تحاملهم جعل: اللَّام، بِمَعْنى: على، بالتحكم من غير دَلِيل وَلَا دَاع إِلَى ذَلِك، وَلَا سِيمَا أَن الْمجَاز عِنْدهم ضَرُورِيّ لَا يُصَار إِلَيْهِ إلَاّ عِنْد الضَّرُورَة، فَلَا ضررة هَهُنَا. وَأقوى مَا يرد كَلَامه هَذَا رِوَايَة ابْن أبي شيبَة:
(فَلَا صَلَاة لَهُ) ، فَلَا يُمكن لَهُ أَن يَقُول: اللَّام، بِمَعْنى: على، لفساد الْمَعْنى. الْخَامِس: أَن قَول ابْن حبَان: هَذَا بَاطِل، جرْأَة مِنْهُ على تبطيل الصَّوَاب، فَكيف يَقُول هَذَا القَوْل وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسكت عَنهُ؟ فَأَقل الْأَمر أَنه عِنْده حسن لِأَنَّهُ رَضِي بِهِ، وحاشاه من أَن يرضى بِالْبَاطِلِ. السَّادِس: مَا قَالَه الجهبذ النقاد الإِمَام أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله، مُلَخصا، وَهِي أَن الرِّوَايَات لما اخْتلفت عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هَذَا الْبَاب يحْتَاج إِلَى الْكَشْف ليعلم الْمُتَأَخر مِنْهَا، فَيجْعَل نَاسِخا لما تقدم، فَحَدِيث عَائِشَة إِخْبَار عَن فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَال الْإِبَاحَة الَّتِي لم يتقدمها شَيْء، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة إِخْبَار عَن نهي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي تقدمه الْإِبَاحَة، فَصَارَ نَاسِخا لحَدِيث عَائِشَة، وإنكار الصَّحَابَة عَلَيْهَا مِمَّا يُؤَكد ذَلِك. فَإِن قلت: من أَي قبيل يكون هَذَا النّسخ؟ قلت: من قبيل النّسخ بِدلَالَة التَّارِيخ، وَهُوَ أَن يكون أحد النصين مُوجبا للحظر وَالْآخر مُوجبا للْإِبَاحَة، فَفِي مثل هَذَا يتَعَيَّن الْمصير إِلَى النَّص الْمُوجب للحظر، لِأَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة، والحظر طَار عَلَيْهَا، فَيكون مُتَأَخِّرًا. فَإِن قلت: فَلم لَا يَجْعَل بِالْعَكْسِ؟ قلت: لِئَلَّا يلْزم النّسخ مرَّتَيْنِ، وَهَذَا ظَاهر. فَإِن قلت: لَيْسَ بَين الْحَدِيثين مُنَافَاة فَلَا تعَارض فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّوْفِيق؟ قلت: ظهر لَك صِحَة حَدِيث أبي هُرَيْرَة؟ بالوجوه الَّتِي ذَكرنَاهَا فَثَبت التَّعَارُض (فَإِن قلت) مُسلم أخرج حَدِيث عَائِشَة وَلم يخرج حَدِيث أبي هُرَيْرَة قلت: لَا يلْزم من ترك مُسلم تَخْرِيجه عدم صِحَّته، لِأَنَّهُ لم يلْتَزم بِإِخْرَاج كل مَا صَحَّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَلِكَ البُخَارِيّ، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك وَأَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة لَا يَخْلُو من كَلَام، فَكَذَلِك حَدِيث عَائِشَة لَا يَخْلُو عَن كَلَام، لِأَن جمَاعَة من الْحفاظ مثل الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره عابوا على مُسلم تَخْرِيجه إِيَّاه مُسْندًا، لِأَن الصَّحِيح أَنه مُرْسل كَمَا رَوَاهُ مَالك والماجشون عَن أبي النَّضر عَن عَائِشَة مُرْسلا، والمرسل لَيْسَ بِحجَّة عِنْدهم. وَقد أول بعض أَصْحَابنَا حَدِيث عَائِشَة بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا صلى فِي الْمَسْجِد بِعُذْر مطر. وَقيل: بِعُذْر الِاعْتِكَاف، وعَلى كل: تَقْدِير الصَّلَاة على الْجِنَازَة خَارج الْمَسْجِد أولى وَأفضل، بل أوجب، لِلْخُرُوجِ عَن الْخلاف، لَا سِيمَا فِي بَاب الْعِبَادَات. وَلِأَن الْمَسْجِد بني لأَدَاء الصَّلَوَات المكتوبات فَيكون غَيرهَا فِي خَارج الْمَسْجِد أولى وَأفضل. فَإِن قلت: قَالُوا: خُرُوج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الْمَسْجِد إِلَى الْمصلى كَانَ لِكَثْرَة الْمُصَلِّين وللإعلام. قلت: نَحن أَيْضا نقُول صلَاته فِي الْمَسْجِد كَانَ للمطر أَو للاعتكاف كَمَا ذكرنَا.
الْوَجْه الثَّالِث فِيهِ: دَلِيل على أَن سنة هَذِه الصَّلَاة الصَّفّ كَسَائِر الصَّلَوَات، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مَالك بن هُبَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من صلى عَلَيْهِ ثَلَاثَة صُفُوف فقد أوجب) ، مَعْنَاهُ: وَجَبت لَهُ الْجنَّة، أَو وَجَبت لَهُ الْمَغْفِرَة، وروى النَّسَائِيّ من رِوَايَة الحكم بن فروخ، قَالَ: صلى بِنَا أَبُو الْمليح على حنازة فظننا أَنه كبر، فَأقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أقِيمُوا صفوفكم ولتحسن شفاعتكم، وَقَالَ أَبُو الْمليح: حَدثنِي عبد الله عَن إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ، وَهِي مَيْمُونَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَت: أَخْبرنِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: مَا من ميت يُصَلِّي عَلَيْهِ أمة من النَّاس إلَاّ شفعوا فِيهِ، فَسَأَلت أَبَا الْمليح عَن الْأمة، قَالَ: أَرْبَعُونَ.
الْوَجْه الرَّابِع فِيهِ: حجَّة لمن جوز الصَّلَاة على الْغَائِب، وَمِنْهُم الشَّافِعِي وَأحمد. قَالَ النَّوَوِيّ: فَإِن كَانَ الْمَيِّت فِي الْبَلَد فَالْمَذْهَب أَنه لَا يجوز أَن يصلى عَلَيْهِ حَتَّى يحضر عِنْده، وَقيل: يجوز، وَفِي الرَّافِعِيّ: يَنْبَغِي أَن لَا يكون بَين الإِمَام وَالْمَيِّت أَكثر من مِائَتي ذِرَاع، أَو ثلثمِائة تَقْرِيبًا.
فرع: عِنْدهم: لَو صلى على الْأَمْوَات الَّذين مَاتُوا فِي قَرْيَة وغسلوا فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ، وَلَا يعرف عَددهمْ، جَازَ. قَالَه فِي (الْبَحْر) . قَالَ فِي (التَّوْضِيح) : وَهُوَ صَحِيح، لَكِن لَا يخْتَص بِبَلَد، وَقَالَ الْخطابِيّ: النَّجَاشِيّ رجل مُسلم قد آمن برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَصدقه على ثُبُوته إلَاّ أَنه كَانَ يكتم إيمَانه، وَالْمُسلم إِذا مَاتَ وَجب على الْمُسلمين أَن يصلوا عَلَيْهِ، إلَاّ أَنه كَانَ بَين ظهراني أهل الْكفْر وَلم يكن بِحَضْرَتِهِ من يقوم بِحقِّهِ فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ، فَلَزِمَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن يفعل ذَلِك، إِذْ هُوَ نبيه ووليه وأحق النَّاس بِهِ، فَهَذَا وَالله أعلم هُوَ السَّبَب الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الصَّلَاة عَلَيْهِ بِظهْر الْغَيْب، فعلى هَذَا إِذا مَاتَ الْمُسلم بِبَلَد من الْبلدَانِ وَقد قضى حَقه من الصَّلَاة عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يصلى عَلَيْهِ من كَانَ بِبَلَد آخر غَائِبا عَنهُ، فَإِن علم أَنه لم يصل عَلَيْهِ لعائق أَو مَانع عذر كَانَ السّنة
أَن يصلى عَلَيْهِ وَلَا يتْرك ذَلِك لبعد الْمسَافَة، فَإِذا صلوا عَلَيْهِ استقبلوا الْقبْلَة وَلم يتوجهوا إِلَى بلد الْمَيِّت إِن كَانَ فِي غير جِهَة الْقبْلَة، وَقد ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى كَرَاهَة الصَّلَاة على الْمَيِّت الْغَائِب، وَزَعَمُوا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذَا الْفِعْل، إِذْ كَانَ فِي حكم الْمشَاهد للنجاشي لما رُوِيَ فِي بعض الْأَخْبَار أَنه قد سويت لَهُ الأَرْض حَتَّى يبصر مَكَانَهُ، وَهَذَا تَأْوِيل فَاسد، لِأَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا فعل شَيْئا من أَفعَال الشَّرِيعَة كَانَ علينا اتِّبَاعه والأيتساء بِهِ، والتخصيص لَا يعلم إلَاّ بِدَلِيل، وَمِمَّا يبين ذَلِك أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خرج بِالنَّاسِ إِلَى الصَّلَاة، فَصف بهم وصلوا مَعَه، فَعلم أَن هَذَا التَّأْوِيل فَاسد. قلت: هَذَا التشنيع كُله على الْحَنَفِيَّة من غير تَوْجِيه وَلَا تَحْقِيق، فَنَقُول: مَا يظْهر لَك فِيهِ دفع كَلَامه، وَهُوَ أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رفع سَرِيره فَرَآهُ، فَتكون الصَّلَاة عَلَيْهِ كميت رَآهُ الإِمَام وَلَا يرَاهُ الْمَأْمُوم. فَإِن قلت: هَذَا يحْتَاج إِلَى نقل يُبينهُ، وَلَا يَكْتَفِي فِيهِ بِمُجَرَّد الِاحْتِمَال. قلت: ورد مَا يدل على ذَلِك، فروى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إِن أَخَاكُم النَّجَاشِيّ توفّي، فَقومُوا صلوا عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وصفوا خَلفه فَكبر أَرْبعا وهم يظنون أَن جنَازَته بَين يَدَيْهِ، وَجَوَاب آخر: أَنه من بَاب الضَّرُورَة، لِأَنَّهُ مَاتَ بِأَرْض لم تقم فِيهَا عَلَيْهِ فَرِيضَة الصَّلَاة، فَتعين فرض الصَّلَاة عَلَيْهِ لعدم من يُصَلِّي عَلَيْهِ ثمَّة، وَيدل على ذَلِك أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يصل على غَائِب غَيره، وَقد مَاتَ من الصَّحَابَة خلق كثير وهم غائبون عَنهُ، وَسمع بهم فَلم يصل عَلَيْهِم إلَاّ غَائِبا وَاحِدًا ورد أَنه طويت لَهُ الأَرْض حَتَّى حَضَره وَهُوَ: مُعَاوِيَة بن مُعَاوِيَة الْمُزنِيّ، روى حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) وَكتاب (مُسْند الشاميين) : حَدثنَا عَليّ بن سعيد الرَّازِيّ حَدثنَا نوح بن عُمَيْر بن حوى السكْسكِي حَدثنَا بَقِيَّة بن الْوَلِيد عَن مُحَمَّد بن زِيَاد الْأَلْهَانِي (عَن أبي أُمَامَة، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بتبوك فَنزل عَلَيْهِ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِن مُعَاوِيَة بن مُعَاوِيَة الْمُزنِيّ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، أَتُحِبُّ أَن تطوى لَك الأَرْض فَتُصَلِّي عَلَيْهِ؟ قَالَ: نعم، فَضرب بجناحه على الأَرْض وَرفع لَهُ سَرِيره فصلى عَلَيْهِ وَخَلفه صفان من الْمَلَائِكَة، فِي كل صف سَبْعُونَ ألف ملك، ثمَّ رَجَعَ، وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لجبريل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: بِمَ أدْرك هَذَا؟ قَالَ: بحبه سُورَة: قل هُوَ الله أحد، وقراءته إِيَّاهَا جاثيا وذاهبا وَقَائِمًا وَقَاعِدا وعَلى كل حَال) . انْتهى. فَإِن قلت: قد صلى على اثْنَيْنِ أَيْضا وهما غائبان وهما زيد بن حَارِثَة وجعفر بن أبي طَالب، ورد عَنهُ أَنه كشف لَهُ عَنْهُمَا أخرجه الْوَاقِدِيّ فِي كتاب (الْمَغَازِي) فَقَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن صَالح عَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة، وحَدثني عبد الْجَبَّار بن عمَارَة عَن عبد الله بن أبي بكر، قَالَا: لما التقى النَّاس بمؤتة جلس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْمِنْبَر وكشف لَهُ مَا بَينه وَبَين الشَّام، فَهُوَ ينظر إِلَى معتركهم، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَخذ الرَّايَة زيد بن حَارِثَة فَمضى حَتَّى اسْتشْهد، وَصلى عَلَيْهِ ودعا لَهُ: وَقَالَ: اسْتَغْفرُوا لَهُ وَقد دخل الْجنَّة وَهُوَ يسْعَى ثمَّ أَخذ الرَّايَة جَعْفَر بن أبي طَالب فَمضى حَتَّى اسْتشْهد، فصلى عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ودعا لَهُ، وَقَالَ: اسْتَغْفرُوا لَهُ وَقد دخل الْجنَّة، فَهُوَ يطير فِيهَا بجناحيه حَيْثُ شَاءَ. قلت: هُوَ مُرْسل من الطَّرِيقَيْنِ الْمَذْكُورين، والمرسل لَيْسَ بِحجَّة، على أَنهم يَقُولُونَ: فِي الْوَاقِدِيّ مقَال، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) فِي معرض التحامل: وَمن ادّعى أَن الأَرْض طويت لَهُ حَتَّى شَاهده لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وَإِن كَانَت الْقُدْرَة صَالِحَة لذَلِك. قلت: كَأَنَّهُ لم يطلع على مَا رَوَاهُ ابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَوَقع فِي كَلَام ابْن بطال تَخْصِيص ذَلِك بالنجاشي، فَقَالَ: بِدَلِيل إطباق الْأمة على ترك الْعَمَل بِهَذَا الحَدِيث، قَالَ: وَلم أجد لأحد من الْعلمَاء إجَازَة الصَّلَاة على الْغَائِب إلَاّ مَا ذكره ابْن زيد عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا استؤذن أَنه غرق أَو قتل أَو أكله السبَاع وَلم يُوجد مِنْهُ شَيْء صلى عَلَيْهِ، كَمَا فعل بالنجاشي، وَبِه قَالَ ابْن حبيب، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أَكثر أهل الْعلم يَقُولُونَ: إِن ذَلِك مَخْصُوص بِهِ، وَأَجَازَهُ بَعضهم إِذا كَانَ فِي يَوْم الْمَوْت أَو قريب مِنْهُ، وَفِي (المُصَنّف) عَن الْحسن إِنَّمَا دَعَا لَهُ وَلم يصل.
الْوَجْه الْخَامِس: فِي أَن التَّكْبِير على الْجِنَازَة أَرْبَعَة، وَصرح بذلك فِي الحَدِيث وَهُوَ آخر مَا اسْتَقر عَلَيْهِ أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ ابْن أبي ليلى: يكبر خمْسا، وَإِلَيْهِ ذهب الشِّيعَة. وَقيل: ثَلَاثًا، قَالَه بعض الْمُتَقَدِّمين، وَقيل: أَكْثَره سبع وَأقله ثَلَاث، ذكره القَاضِي أَبُو مُحَمَّد، وَقيل: سِتّ، ذكره ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن أَحْمد: لَا ينقص من أَربع وَلَا يُزَاد على سبع. وَقَالَ ابْن
مَسْعُود: يكبر مَا كبر إِمَامه، وروى مُسلم من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى. قَالَ: كَانَ زيد بن أَرقم يكبر على جنائزنا خمْسا، فَسَأَلته، فَقَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكبرها، وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه والطَّحَاوِي، وَقَالَ: ذهب قوم إِلَى أَن التَّكْبِير على الْجَنَائِز خمس، وَأخذُوا بِهَذَا الحَدِيث. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَعِيسَى مولى حُذَيْفَة وَأَصْحَاب معَاذ بن جبل وَأَبا يُوسُف من أَصْحَاب أبي حنيفَة، وَإِلَيْهِ ذهبت الظَّاهِرِيَّة والشيعة. وَفِي (الْمَبْسُوط) وَهِي رِوَايَة عَن أبي يُوسُف، وَقَالَ الْحَازِمِي: وَمِمَّنْ رأى التَّكْبِير على الْجِنَازَة خمْسا ابْن مَسْعُود وَزيد بن أَرقم وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان. وَقَالَ فرقة: يكبر سبعا، رُوِيَ ذَلِك عَن ذَر بن حُبَيْش. وَقَالَ فرقة: يكبر ثَلَاثًا روى ذَلِك عَن أنس وَجَابِر بن زيد، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ. قلت: أَرَادَ بهم مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَابْن سِيرِين وَالنَّخَعِيّ وسُويد بن غَفلَة وَالثَّوْري وَأَبا حنيفَة ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبا مجلز لَاحق بن حميد، ويحكى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَزيد بن ثَابت وَجَابِر وَابْن أبي أوفى وَالْحسن بن عَليّ والبراء بن عَازِب، وَأبي هُرَيْرَة وَعقبَة بن عَامر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلم يذكر التَّسْلِيم هُنَا فِي حَدِيث النَّجَاشِيّ. وَذكر فِي حَدِيث سعيد ابْن الْمسيب رِوَايَة ابْن حبيب عَن مطرف عَن مَالك، وَاسْتَغْرَبَهُ ابْن عبد الْبر، قَالَ: إِلَّا أَنه لَا خلاف عَلمته بَين الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ من الْفُقَهَاء فِي السَّلَام، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا: هَل هِيَ وَاحِدَة أَو اثْنَتَانِ؟ فالجمهور على تَسْلِيمَة وَاحِدَة، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي، وَقَالَت طَائِفَة: تسليمتان، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَهُوَ قَول الشّعبِيّ، وَرِوَايَة عَن إِبْرَاهِيم، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنهُ وَاحِدَة: عمر وَابْنه عبد الله وَعلي وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَجَابِر وَأنس وَابْن أبي أوفى وواثلة وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وَجَابِر بن زيد وَابْن سِيرِين وَالْحسن وَمَكْحُول وَإِبْرَاهِيم فِي رِوَايَة. وَقَالَ الْحَاكِم: صحت الرِّوَايَة فِي الْوَاحِدَة عَن عَليّ وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة وَابْن أبي أوفى أَنهم كَانُوا يسلمُونَ تَسْلِيمَة وَاحِدَة، وَقَالَ ابْن التِّين: وَسَأَلَ أَشهب مَالِكًا: أتكره السَّلَام فِي صَلَاة الْجَنَائِز؟ قَالَ: لَا، وَقد كَانَ ابْن عمر يسلم. قَالَ: فاستناد مَالك إِلَى فعل ابْن عمر دَلِيل على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يسلم فِي صلَاته على النَّجَاشِيّ وَلَا على غَيره.
٦٤٢١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلَالٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخَذَ الرَّايةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أخَذَهَا عَبْدُ الله بنُ رَوَاحَةَ فأُصِيبَ وَإنَّ عَيْنَيْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَتَذْرِفَانِ ثُمَّ أخَذَهَا خالِدُ بنُ الوَلِيدِ منْ غَيْرِ إمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَخذ الرَّايَة زيد. .) إِلَى آخِره نعى مِنْهُ إِلَيْهِم، لِأَنَّهُ أخبر بموتهم. غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه صرح بالنعي فِي الحَدِيث السَّابِق وَهَهُنَا ذكره بِالْمَعْنَى، وَصرح بالنعي فِي عَلَامَات النُّبُوَّة حَيْثُ قَالَ: (إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نعى زيدا وجعفرا. .) الحَدِيث.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَمعمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو المقعد، وَعبد الْوَارِث ابْن سعيد وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.
وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن يُوسُف بن يَعْقُوب وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم فرقهما، وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي فضل خَالِد وَفِي الْمَغَازِي عَن أَحْمد بن وَاقد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَخذ الرَّايَة زيد) ، وقصته فِي غَزْوَة مُؤْتَة، وَهِي مَوضِع فِي أَرض البلقاء من أَطْرَاف الشَّام، وَذَلِكَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرسل سَرِيَّة فِي جُمَادَى الأولى من سنة ثَمَان، وَاسْتعْمل عَلَيْهِم زيد بن حَارِثَة، وَقَالَ: إِن أُصِيب زيد فجعفر ابْن أبي طَالب على النَّاس، فَإِن أُصِيب جَعْفَر فعبد الله بن رَوَاحَة على النَّاس، فَخَرجُوا وهم ثَلَاثَة آلَاف فتلاقوا مَعَ الْكفَّار فَاقْتَتلُوا فَقتل زيد بن حَارِثَة ثمَّ أَخذ الرَّايَة جَعْفَر بن أبي طَالب فقاتل بهَا حَتَّى قتل، ثمَّ أَخذهَا عبد الله بن رَوَاحَة فقاتل بهَا حَتَّى قتل، ثمَّ أَخذهَا خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَفتح الله على يَدَيْهِ. وَعَن أنس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نعى زيدا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٢٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضمِّ الغين المعجمة، محمَّد بن جعفر البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ المُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (﵄، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي) عبد الله بن عمرٍو يوم أُحُدٍ في شوَّال سنة ثلاثٍ من الهجرة، وكان المشركون مثَّلوا به، جدعوا أنفه وأذنيه (جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ) حال كوني (أَبْكِي) عليه (وَيَنْهَوْنِي) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ وأبي الوقت: «ينهونني» بزيادة نونٍ ثانيةٍ بعد الواو على الأصل (عَنْهُ) أي: عن البكاء، ولفظة: «عنه» ساقطةٌ لأبي ذَرٍّ (وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَنْهَانِي) عنه (فَجَعَلَتْ عَمَّتِي) شقيقةُ أبي (١) عبدِ الله ابن عمرو (فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) معزِّيًا لها ومخبرًا لها بما آل إليه من الخير: (تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ، مَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فما» (زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا) مجتمعين عليه، متزاحمين على المبادرة لصعودهم بروحه، وتبشيره (٢) بما أعدَّ الله له من الكرامة، أو أظلُّوه من الحرِّ لئلَّا يتغيَّر، أو لأنَّه من السَّبعة الَّذين يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه (٣)، و «أو» ليست للشَّكِّ، بل من (٤) كلامه ﵊ للتَّسوية بين البكاء وعدمه (٥)، أي: فوالله إنَّ الملائكة تظلُّه، سواءٌ تبكين أم لا (حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ) من مقتله (٦)، وهذا قاله ﵊ بطريق الوحي،
فلا يعارضه ما في حديث أمِّ العلاء السَّابق [خ¦١٢٤٣] لأنَّه أنكر عليها قطعها، إذ لم تعلم هي من أمره شيئًا، وقد أخرج هذا (١) الحديث المؤلِّف أيضًا في «الفضائل» [خ¦٤٠٨٠]، والنَّسائيُّ في «الجنائز» و «المناقب»، ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «جعلت أكشف الثَّوب عن وجهه»؛ لأنَّ الثَّوب أعمُّ من أن يكون الَّذي سجَّوه به ومن الكفن.
(تَابَعَهُ) أي: تابع شعبة (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ المُنْكَدِرِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر في نسخةٍ: «أخبرني محمَّد بن المنكدر» أنَّه (سَمِعَ جَابِرًا ﵁) وهذا وصله مسلمٌ من طريق عبد الرَّزَّاق عنه، وأوَّله: جاء قومي بأبي قتيلًا يوم أحد … ، وذكر المؤلِّف هذه المتابعة لينفي ما وقع في ابن ماهان من «صحيح مسلم»، عن عبد الكريم، عن محمَّد بن عليٍّ (٢) بن حسينٍ، عن جابرٍ: فجعل محمَّد بن عليٍّ بدل محمَّد بن المنكدر، فبيَّن البخاريُّ أنَّ الصَّواب: محمَّد بن المنكدر، كما رواه شعبة.
(٤) (باب الرَّجُلِ يَنْعَى) الميِّت، حذف مفعول ينعى وهو الميِّت؛ لدلالة الكلام عليه، وذُكِرَ
المفعول الآخر الَّذي عُدِّي له بحرف الجرِّ (١)، أي: يظهر خبر موته (إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ بِنَفْسِهِ) ولا يستنيب فيه أحدًا ولو كان رفيعًا، والتَّأكيد، أي: في قوله: بنفسه (٢)، للضَّمير المستكن في «ينعى»، فهو عائدٌ إلى النَّاعي لا المنعيِّ، أو يرجع الضَّمير إلى المنعيِّ وهو الميِّت، أي: ينعى إلى أهل الميِّت نفسُ الميت، أو بسبب ذهاب نفسه (٣)، وفائدة التَّرجمة بذلك دفع توهُّم أنَّ هذا من إيذاء أهل الميِّت، وإدخال المساءة عليهم، والإشارة إلى أنَّه مباحٌ، بل صرَّح النَّوويُّ في «المجموع» باستحبابه؛ لحديث الباب، ولنعيه جعفر بن أبي طالبٍ وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، ولما يترتَّب عليه من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره للصَّلاة عليه، والدُّعاء والاستغفار له، وتنفيذ وصاياه، وغير ذلك، نعم، يُكرَه نعي الجاهليَّة للنَّهي (٤) عنه، رواه التِّرمذيُّ وحسَّنه وصحَّحه، وهو النِّداء بموت الشَّخص، وذكر مآثره ومفاخره، قال المتولِّي وغيره: ويكره مرثيَّة الميِّت وهي عدُّ محاسنه؛ للنَّهي عن المراثي. انتهى. والوجه: حمل تفسيرها بذلك على غير صيغة النَّدب الآتي بيانها إن شاء الله تعالى، وإلَّا فيلزم اتَّحادها معه، وقد أطلقها الجوهريُّ على عدِّ محاسنه مع البكاء، وعلى نظم الشِّعر فيه، فيكره كلٌّ منهما؛ لعموم النَّهي عن ذلك، والأَوجه: حمل النَّهي عن ذلك على ما يظهر فيه تبرُّمٌ، أو على فعله
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فأسنده مرّة عَن ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، حَدثنِي يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَابْن حجر قَالُوا: حَدثنَا إِسْمَاعِيل وَهُوَ ابْن جَعْفَر عَن الْعَلَاء عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (حق الْمُسلم على الْمُسلم سِتّ قيل: مَا هن يَا رَسُول الله؟ قَالَ: إِذا لَقيته فَسلم عَلَيْهِ، وَإِذا دعَاك فأجبه. وَإِذا استنصحك فانصح لَهُ، فَإِذا عطس فَحَمدَ الله فشمته. وَإِذا مرض فعده، وَإِذا مَاتَ فَاتبعهُ) . والْعَلَاء هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (حق الْمُسلم) ، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا اللَّفْظ أَعم من الْوَاجِب على الْكِفَايَة وعَلى الْعين، وَمن الْمَنْدُوب، وَقَالَ ابْن بطال: أَي: حق الْحُرْمَة والصحبة. وَفِي (التَّوْضِيح) : الْحق فِيهِ بِمَعْنى حق حرمته عَلَيْهِ وَجَمِيل صحبته لَهُ، لَا أَنه من الْوَاجِب، وَنَظِيره: (حق الْمُسلم أَن يغْتَسل كل جُمُعَة) . وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد من الْحق هُنَا الْوُجُوب خلافًا لقَوْل ابْن بطال. قلت: المُرَاد هُوَ الْوُجُوب على الْكِفَايَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: هَذِه كلهَا من حق الْإِسْلَام، يَسْتَوِي فِيهَا جَمِيع الْمُسلمين برهم وفاجرهم، غير أَنه يخص الْبر بالبشاشة والمصافحة دون الْفَاجِر الْمظهر للفجور، وَقد مر الْكَلَام فِي بَقِيَّة الحَدِيث عَن قريب.
تابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ
أَي: تَابع عَمْرو بن أبي سَلمَة عبد الرَّزَّاق بن هما، قَالَ: أخبرنَا معمر بن رَاشد، وَهَذِه الْمُتَابَعَة ذكرهَا مُسلم، رَحمَه الله، وَقد ذَكرنَاهَا الْآن.
وَرَوَاهُ سَلَامَةُ عنْ عُقَيْلٍ أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور سَلامَة، بتَخْفِيف اللَّام: ابْن خَالِد بن عقيل الْأَيْلِي توفّي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة، وَهُوَ ابْن أخي عقيل، بِضَم الْعين: إِبْنِ خَالِد بن عقيل، ذكر البُخَارِيّ أَنه سمع من عقيل بن خَالِد، وَذكر غير وَاحِد أَن حَدِيثه عَنهُ كتاب وَلم يسمع مِنْهُ، وَسُئِلَ أَبُو زرْعَة عَن سَلامَة فَقَالَ: ضَعِيف مُنكر الحَدِيث.
٣ - (بابُ الدُّخُولِ عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ المَوْتِ إذَا أُدْرِجَ فِي أكفَانِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الدُّخُول على الْمَيِّت إِذا أدرج أَي: إِذا لف فِي أَكْفَانه.
٢٤٢١ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخبرَنا عَبْدُ الله قَالَ أَخْبرنِي مَعْمَرٌ ويُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَة أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبَرَتْهُ قالَتْ أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حتَّى نَزَلَ فدَخَلَ المَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فتَيَمَّمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهْوَ مُسَجَّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ بَكَى فقَالَ بِأبِي أنْتَ يَا نَبِيَّ الله لَا يَجْمَعُ الله عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كَتَبَ الله علَيْكَ فَقَدْ مُتُّهَا. قَالَ أبُو سَلَمَةَ فَأَخْبرنِي ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّ أبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ خَرَجَ وَعُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ اجْلِسْ فَأبَى فَقَالَ إجْلِسْ فأبَى فتَشَهَّدَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَمَالَ إلَيْهِ النَّاسُ وتَرَكُوا عُمَرَ فقالَ أمَّا بَعْدُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدا فإنَّ مُحَمَّدا قَدْ ماتَ وَمَنْ كانَ يَعْبُدُ الله فَإنَّ الله حيٌّ لَا يَمُوتُ. قَالَ الله تَعَالَى وَمَا مُحَمَّدٌ إلَاّ رَسُولٌ إِلَى الشَّاكِرِينَ وَالله لَكَأنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الله أنزَلَ الآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إلَاّ يَتْلُوهَا.
. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، قيل: لَا نسلم الظُّهُور، لِأَن التَّرْجَمَة فِي الدُّخُول على الْمَيِّت إِذا أدرج فِي الْكَفَن، وَمتْن الحَدِيث وَهُوَ مسجى يبرد حبرَة، وَلم يكن حِينَئِذٍ غسل، فضلا عَن أَن يكون مدرجا فِي الْكَفَن. وَأجِيب: بِأَن كشف الْمَيِّت بعد تسجيته
مساوٍ لحاله بعد تكفينه، وَذَلِكَ لِأَن مِنْهُم من منع عَن الِاطِّلَاع على الْمَيِّت إلَاّ الْغَاسِل، وَمن يَلِيهِ، لِأَن الْمَوْت سَبَب لتغير محَاسِن الْحَيّ، لِأَنَّهُ يكون كريها فِي المنظر، فَلذَلِك أَمر بتغميضه وتسجيته، وَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى جَوَاز ذَلِك بالترجمة الْمَذْكُورَة، وَلما كَانَ حَاله بعد التسجية مثل حَاله بعد التَّكْفِين وَقع التطابق بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث من هَذِه الْحَيْثِيَّة.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين، ابْن رَاشد. الرَّابِع: يُونُس ابْن يزِيد. الْخَامِس: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. السَّادِس: أَبُو سَلمَة عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ وَعبد الله مروزيان وَمعمر بَصرِي وَيُونُس أيلي وَالزهْرِيّ وَأَبُو سَلمَة مدنيان. وَفِيه: أَرْبَعَة مِنْهُم بِلَا نِسْبَة، وَوَاحِد بالكنية. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث عَن عقيل وَفِي فضل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن أبي مُعَاوِيَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بالسنح) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَالنُّون والحاء الْمُهْملَة، وَهُوَ منَازِل بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج، بَينهمَا وَبَين منزل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ميل، وَزعم صَاحب (الْمطَالع) أَن أَبَا ذَر كَانَ يَقُوله بِإِسْكَان النُّون. قَوْله: (فتميم) ، أَي: قصد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَهُوَ مسجى) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. ومسجى إسم مفعول من سجى يسجي تسجية. يُقَال: سجيت الْمَيِّت تسجية إِذا مددت عَلَيْهِ ثوبا، وَمعنى مسجىً: هُنَا مغطىً. قَوْله: (ببر حبرَة) ، بِالْوَصْفِ وَالْإِضَافَة، وَالْبرد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء: وَهُوَ نوع من الثِّيَاب مَعْرُوف، وَالْجمع: أبراد وبرود، والبردة والشملة المخططة وحبرة على وزن عنبة ثوب يماني يكون من قطن أَو كتاب مخطط، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ ثوب أَخْضَر. قَوْله: (ثمَّ أكب عَلَيْهِ) ، هَذَا اللَّفْظ من النَّوَادِر حَيْثُ هُوَ لَازم، وثلاثيه كب مُتَعَدٍّ عكس مَا هُوَ الْمَشْهُور فِي الْقَوَاعِد التصريفية. قَوْله: (فَقبله) أَي: بَين عَيْنَيْهِ وَقد ترْجم عَلَيْهِ النَّسَائِيّ وَأوردهُ صَرِيحًا حَيْثُ قَالَ: تَقْبِيل الْمَيِّت وَأَيْنَ يقبل مِنْهُ؟ قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن عَمْرو بن السَّرْح، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة: أَن أَبَا بكر قبل بَين عَيْني النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ميت) . قَوْله: (بِأبي أَنْت) أَي: أَنْت مفدىً بِأبي، فالباء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف فَيكون مَرْفُوعا لِأَنَّهُ يكون مُبْتَدأ وخبرا. وَقيل: فعل، فَيكون مَا بعده مَنْصُوبًا تَقْدِيره: فديتك بِأبي. قَوْله: (لَا يجمع الله عَلَيْك موتتين) ، قَالَ الدَّاودِيّ: لم يجمع الله عَلَيْك شدَّة بعد الْمَوْت لِأَن الله تَعَالَى قد عصمك من أهوال الْقِيَامَة. قَالَ: وَقيل: لَا يَمُوت موتَة أُخْرَى فِي قَبره كَمَا يحيى غَيره فِي الْقَبْر فَيسْأَل ثمَّ يقبض، وَقَالَ ابْن التِّين: أَرَادَ بذلك مَوته وَمَوْت شَرِيعَته، يدل عَلَيْهِ. قَوْله: (من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا) . وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ردا لمن قَالَ: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يمت وسيبعث وَيقطع أَيدي رجال وأرجلهم. قيل: إِنَّه معَارض لقَوْله تَعَالَى: {امتّنا اثْنَتَيْنِ واحيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ} (غَافِر: ١١) . وَأجِيب: بِأَن الأولى الْخلقَة من التُّرَاب وَمن نُطْفَة لِأَنَّهُمَا موَات، وَالثَّانيَِة الَّتِي بِمَوْت الْخلق، وَإِحْدَى الحياتين فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى بعد الْمَوْت فِي الْآخِرَة. وَعَن الضَّحَّاك: أَن الأولى الْمَوْت فِي الدُّنْيَا، وَالثَّانيَِة الْمَوْت فِي الْقَبْر بعد الْفِتْنَة والمسالة، وَاحْتج بِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُقَال للنطفة وَالتُّرَاب ميت، وَإِنَّمَا الْمَيِّت من تقدّمت لَهُ حَيَاة، ورد عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى: {وَآيَة لَهُم الأَرْض الْميتَة أحييناها} (يس: ٣٣) . لم يتَقَدَّم لَهَا حَيَاة قطّ، وَإِنَّمَا خلقهَا الله جمادا ومواتا، وَهَذَا من سَعَة كَلَام الْعَرَب. قَوْله: (الَّتِي كتب الله) أَي: قدر الله، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (الَّتِي كتبت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: قدرت. قَوْله: (مِنْهَا) ، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا، من: مَاتَ يَمُوت، وَمَات يمات، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الموتة. قَوْله: (وَعمر يكلم النَّاس) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فَمَا يسمع بشر) ، يسمع على صِيغَة الْمَجْهُول تَقْدِيره: مَا يسمع بشر يَتْلُو شَيْئا إلَاّ هَذِه الْآيَة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ اسْتِحْبَاب تسجية الْمَيِّت. وَفِيه: جَوَاز تَقْبِيل الْمَيِّت لفعل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَأن
أَبَا بكر فِي تقبيله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَفْعَله إلَاّ قدوة بِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لما روى التِّرْمِذِيّ مصححا: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل على عُثْمَان بن مَظْعُون وَهُوَ ميت فأكب عَلَيْهِ وَقَبله ثمَّ بَكَى حَتَّى رَأَيْت الدُّمُوع تسيل على وجنتيه وَفِي (التَّمْهِيد) لما توفّي عُثْمَان كشف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الثَّوْب عَن وَجهه وَبكى بكاء طَويلا وَقبل بَين عَيْنَيْهِ، فَلَمَّا رفع على السرير قَالَ: طُوبَى لَك يَا عُثْمَان، لم تلبسك الدُّنْيَا وَلم تلبسها) . وَفِيه: جَوَاز الْبكاء على الْمَيِّت من غير نوح. وَفِيه: أَن الصدِّيق أعلم من عمر، وَهَذِه إِحْدَى الْمسَائِل الَّتِي ظهر فِيهَا ثاقب علمه، وَفضل مَعْرفَته، ورجاحة رَأْيه، وبارع فهمه، وَحسن إسراعه بِالْقُرْآنِ، وثبات نَفسه، وَكَذَلِكَ مكانته عِنْد الإمرة لَا يُسَاوِيه فِيهَا أحد إلَاّ يرى أَنه حِين تشهد بَدَأَ بالْكلَام مَال إِلَيْهِ النَّاس وَتركُوا عمر وَلم يكن ذَلِك إلَاّ لعَظيم مَنْزِلَته فِي النُّفُوس على عمر وسمو مَحَله عِنْدهم، وَقد أقرّ بذلك عمر حِين مَاتَ الصّديق، فَقَالَ: وَالله مَا أحب أَن ألْقى الله بِمثل عمل أحد إلَاّ بِمثل عمل أبي بكر، ولوددت أَنِّي شَعْرَة فِي صَدره، وَذكر الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِنِّي وَالله لأمشي مَعَ عمر فِي خِلَافَته وَبِيَدِهِ الدرة وَهُوَ يحدث نَفسه وَيضْرب قدمه بدرته مَا مَعَه غَيْرِي، إِذْ قَالَ لي: يَا ابْن عَبَّاس، هَل تَدْرِي مَا حَملَنِي على مَقَالَتي الَّتِي قلت حِين مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قلت: لَا أَدْرِي وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فَإِنَّهُ مَا حَملَنِي على ذَلِك إلَاّ قَوْله عز وَجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا} إِلَى قَوْله: {شَهِيدا} (الْبَقَرَة: ٣٤١) . فوَاللَّه إِن كنت لأَظُن أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَيبقى فِي أمته حَتَّى يشْهد عَلَيْهَا بأجزاء أَعمالهَا. وَفِيه: حجَّة مَالك فِي قَوْله فِي الصَّحَابَة: مخطىء ومصيب فِي التَّأْوِيل. وَفِيه اهتمام عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا بِأَمْر الشَّرِيعَة وَإِنَّهَا لم يشغلها ذَلِك عَن حفظهَا مَا كَانَ من أَمر النَّاس فِي ذَلِك اليوموفيه: غيبَة الصدّيق عَن وَفَاته، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم بالسنح، وَكَانَ متزوجا هُنَاكَ. وَفِيه: الدُّخُول على الْمَيِّت بِغَيْر اسْتِئْذَان، وَيجوز أَن يكون عِنْد عَائِشَة غَيرهَا فَصَارَ كالمحفل لَا يحْتَاج الدَّاخِل إِلَى إِذن، وَرُوِيَ أَنه اسْتَأْذن فَلَمَّا دخل أذن للنَّاس. وَفِيه: قَول أبي بكر لعمر: إجلس، فَأبى إِنَّمَا ذَلِك لما دخل عمر من الدهشة والحزن، وَقد قَالَت أم سَلمَة: مَا صدقت بِمَوْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى سَمِعت وَقع الكرازين. قَالَ الْهَرَوِيّ: هِيَ الفئوس، وَقيل: تُرِيدُ وَقع الْمساحِي تحثو التُّرَاب عَلَيْهِ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيحْتَمل أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ظن أَن أَجله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يَأْتِ وَأَن الله تَعَالَى منَّ على الْعباد بطول حَيَاته، وَيحْتَمل أَن يكون أنسي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّك ميت} (الزمر: ٠٣) . وَقَوله: {وَمَا مُحَمَّد إلَاّ رَسُول} إِلَى: {أفائن مَاتَ} (آل عمرَان: ٤٤١) . وَكَانَ يَقُول مَعَ ذَلِك: ذهب مُحَمَّد لميعاد ربه، كَمَا ذهب مُوسَى لمناجاة ربه، وَكَانَ فِي ذَلِك ردعا لِلْمُنَافِقين وَالْيَهُود حِين اجْتمع النَّاس. وَأما أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَأى إِظْهَار الْأَمر تجلدا، وَلما تَلا الْآيَة كَانَت تعزيا وتصبرا. وَفِيه: جَوَاز التفدية بِالْآبَاءِ والأمهات. وَفِيه: ترك تَقْلِيد الْمَفْضُول عِنْد وجود الْفَاضِل.
٣٤٢١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي خارِجَةُ ابنُ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ أنَّ أُمَّ العَلَاءِ امْرَأةً مِنَ الأنْصَارِ بايَعَتِ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخْبَرَتْهُ أنَّهُ اقتُسِمَ المُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ فأنْزَلْنَاهُ فِي أبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أثْوَابِهِ دَخَلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقُلْتُ رَحْمَةُ الله عليْكَ أبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لقدْ أكْرَمَكَ الله فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومَا يُدْرِيكِ أنَّ الله أكْرَمَهُ فَقُلْتُ بِأبِي أنْتَ يَا رسولَ الله فَمَنْ يُكْرِمُهُ الله؟ فَقَالَ أمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ وَالله إنِّي لأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ وَالله مَا أدْرِي وَأنَا رسولُ الله مَا يفْعَلُ بِي قالَتْ فَوالله لَا اُزْكِي أحدا بَعْدَهُ أبَدا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (دخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) يَعْنِي على عُثْمَان بعد أَن غسل وكفن، وَهَذِه الْمُطَابقَة أظهر من مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق للتَّرْجَمَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: خَارِجَة اسْم فَاعل من الْخُرُوج ابْن زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة بِالْمَدِينَةِ، مَاتَ سنة مائَة. السَّادِس: أم الْعَلَاء بنت الْحَارِث
ابْن ثَابت بن خَارِجَة الْأَنْصَارِيَّة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور باسم جده وَأَنه وَشَيْخه مصريان وعقيلي أيلي وَابْن شهَاب وخارجة مدنيان. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: أم الْعَلَاء ذكر فِي (تَهْذِيب الْكَمَال) وَيُقَال: إِن أم الْعَلَاء زَوْجَة زيد بن ثَابت وَأم أَبِيه خَارِجَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ التِّرْمِذِيّ: هِيَ أم خَارِجَة، ثمَّ قَالَ: وَلَا يخفى أَن ذكر خَارِجَة مُبْهمَة لَا يَخْلُو عَن غَرَض أَو أغراض.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات، وَفِي التَّفْسِير عَن أبي الْيَمَان، وَفِي الْهِجْرَة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن عَبْدَانِ، وَفِي التَّعْبِير والجنائز أَيْضا عَن سعيد بن عقيل، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرُّؤْيَا عَن سُوَيْد بن نصر عَن عبد الله بن الْمُبَارك بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أم الْعَلَاء) ، مَنْصُوب بِأَن وَخَبره. قَوْله: (أخْبرته) قَوْله: (امْرَأَة من الْأَنْصَار) عطف بَيَان وَيجوز أَن يرفع على أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ امْرَأَة من الْأَنْصَار. قَوْله: (بَايَعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع أَو النصب على أَنَّهَا صفة لامْرَأَة على الْوَجْهَيْنِ. قَوْله: (أَنه) الضَّمِير فِيهِ للشأن. قَوْله: (اقتسم الْمُهَاجِرُونَ قرعَة) اقتسم على صِيغَة الْمَجْهُول. و: الْمُهَاجِرُونَ، مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، و: قرعَة، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بِقرْعَة، وَالْمعْنَى: اقتسم الْأَنْصَار الْمُهَاجِرين بِالْقُرْعَةِ فِي نزولهم عَلَيْهِم وسكناهم فِي مَنَازِلهمْ، لِأَن الْمُهَاجِرين لما دخلُوا الْمَدِينَة لم يكن مَعَهم شَيْء من أَمْوَالهم فَدَخَلُوهَا فُقَرَاء، وَكَانَ بَنو مَظْعُون ثَلَاثَة: عُثْمَان وَعبد الله وَقُدَامَة بدريون أخوال ابْن عمر. قَوْله: (فطار لنا عُثْمَان) يَعْنِي: وَقع فِي الْقرعَة فِي سهم الْأَنْصَار الَّذين أم الْعَلَاء مِنْهُم، ويروى: (فَصَارَ لنا) ، فَإِن ثبتَتْ هَذِه الرِّوَايَة فمعناها صَحِيح. قَوْله: (وَجَعه) ، نصب على الْمصدر. قَوْله: (أَبَا السَّائِب) ، بِالسِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، منادى حذف حرف ندائه، وَالتَّقْدِير: يَا أَبَا السَّائِب، وَهُوَ كنية عُثْمَان بن مَظْعُون، وَلَفظ البُخَارِيّ فِي كتاب الشَّهَادَات فِي: بَاب الْقرعَة فِي المشكلات: أَن عُثْمَان بن مَظْعُون طَار لَهُ سَهْمه فِي السُّكْنَى حِين أقرعت الْأَنْصَار سُكْنى الْمُهَاجِرين. قَالَت: أم الْعَلَاء: فسكن عندنَا عُثْمَان بن مَظْعُون، فاشتكى فمرضناه حَتَّى إِذا توفّي وجعلناه فِي ثِيَابه دخل علينا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقلت: رَحْمَة الله عَلَيْك أَبَا السَّائِب. وَفِي كتاب الْهِجْرَة وَالتَّعْبِير: (قَالَت أم الْعَلَاء: فأحزنني ذَلِك فَنمت، فأوريت لَهُ عينا تجْرِي، فَجئْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَخْبَرته فَقَالَ: ذَاك عمله يجْرِي لَهُ) . قَوْله: (فشهادتي عَلَيْك) ، جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، وَمثل هَذَا التَّرْكِيب يسْتَعْمل عرفا وَيُرَاد بِهِ معنى الْقسم، كَأَنَّهَا قَالَت: أقسم بِاللَّه لقد أكرمك الله. قَالَ الْكرْمَانِي: (شهادتي) مُبْتَدأ، (وَعَلَيْك) صلته، وَالْقسم مُقَدّر، وَالْجُمْلَة القسمية خبر الْمُبْتَدَأ، وَتَقْدِيره: شهادتي عَلَيْك قولي وَالله لقد أكرمك الله. ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: هَذِه الشَّهَادَة لَهُ لَا عَلَيْهِ؟ قلت: الْمَقْصُود مِنْهَا معنى الاستعلاء فَقَط بِدُونِ مُلَاحظَة الْمضرَّة وَالْمَنْفَعَة. قَوْله: (وَمَا يدْريك؟) بِكَسْر الْكَاف أَي: من أَيْن علمت أَن الله أكْرمه؟ أَي: عُثْمَان؟ قَوْله: (بِأبي أَنْت) أَي: مفدى أَنْت بِأبي، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب: قَوْله: (فَمن يُكرمهُ الله) أَي: هُوَ مُؤمن خَالص مُطِيع فَإِذا لم يكن هُوَ من الْمُكرمين من عِنْد الله فَمن يُكرمهُ؟ قَوْله: (أما هُوَ) أَي: عُثْمَان وَكلمَة: أما، تَقْتَضِي القسيم، وقسميهما هُنَا مُقَدّر تَقْدِيره: وَأما غَيره فخاتمة أمره غير مَعْلُومَة، أهوَ مِمَّا يُرْجَى لَهُ الْخَيْر عِنْد الْيَقِين أَي الْمَوْت أم لَا؟ قَوْله: (وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَا يفعل بِي) كلمة: مَا، مَوْصُولَة أَو استفهامية. قَالَ الدَّاودِيّ: مَا يفعل بِي وهم، وَالصَّوَاب: مَا يفعل بِهِ، أَي: بعثمان، لِأَنَّهُ لَا يعلم من ذَلِك إِلَّا مَا يُوحى إِلَيْهِ. وَقيل: قَوْله: (مَا يفعل بِي) ، يحْتَمل أَن يكون قبل إِعْلَامه بالغفران لَهُ، أَو يكون الْمَعْنى: مَا يفعل بِي فِي أَمر الدُّنْيَا مِمَّا يصيبهم فِيهَا. فَإِن قلت: عُثْمَان هَذَا أسلم بعد ثَلَاثَة عشر رجلا، وَهَاجَر الهجرتين، وَشهد بَدْرًا، وَهُوَ أول من مَاتَ من الْمُهَاجِرين بِالْمَدِينَةِ، وَقد أخبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن أهل بدر غفر الله لَهُم. قلت: قد قيل: بِأَن ذَلِك قبل أَن يخبر أَن أهل بدر من أهل الْجنَّة. فَإِن قلت: هَذَا أَيْضا يُعَارض قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (مَا زَالَت الْمَلَائِكَة تظله بأجنحتها حَتَّى رفعتموه) . قلت: لَا تعَارض فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا ينْطق عَن الْهوى، فَأنْكر على أم الْعَلَاء قطعهَا على عُثْمَان إِذْ لم تعلم هِيَ من أمره شَيْئا. وَفِي حَدِيث جَابر، قَالَ: مَا علمه إلَاّ بطرِيق الْوَحْي إِذْ لَا يقطع على مثل هَذَا إلَاّ بِوَحْي، حَاصله أَن مَا قَالَه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِخْبَار من لَا ينْطق عَن الْهوى، وَذَلِكَ كَلَام أم الْعَلَاء وليسا بالسواء.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دَلِيل على أَنه لَا يجْزم لأحد بِالْجنَّةِ إلَاّ مَا نَص عَلَيْهِ الشَّارِع: كالعشرة المبشرة وأمثالهم
سِيمَا وَالْإِخْلَاص أَمر قلبِي لَا اطلَاع لنا عَلَيْهِ. وَفِيه: مواساة الْفُقَرَاء الَّذين لَيْسَ لَهُم مَال وَلَا منزل ببذل المَال وَإِبَاحَة الْمنزل. وَفِيه: إِبَاحَة الدُّخُول على الْمَيِّت بعد التَّكْفِين. وَفِيه: جَوَاز الْقرعَة. وَفِيه: الدُّعَاء للْمَيت.
حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ مِثْلَهُ
سعيد هَذَا هُوَ سعيد بن كثير بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا رَاء: أَبُو عُثْمَان الْمصْرِيّ، يروي عَن اللَّيْث بن سعد عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ بِمثلِهِ، أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور، وَأخرج من هَذَا الطَّرِيق فِي التَّعْبِير على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وقالَ نافِعُ بنُ يَزيدَ عنْ عُقَيْلٍ مَا يُفْعَلُ بِهِ
أَشَارَ بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى أَن الْمَحْفُوظ فِي رِوَايَة اللَّيْث مَا يفعل بِهِ، وَقد مر أَنه الصَّوَاب دون مَا يفعل بِي، وأكتفي بِهَذَا الْقدر إِشَارَة إِلَى أَن بَاقِي الحَدِيث لم يخْتَلف فِيهِ، وَنَافِع بن يزِيد أَبُو يزِيد مولى شُرَحْبِيل بن حَسَنَة الْقرشِي الْمصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَوصل الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا التَّعْلِيق عَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا: حَدثنَا الْحسن بن عبد الْعَزِيز الجروي حَدثنَا عبد الله بن يحيى المغافري حَدثنَا نَافِع بن يزِيد عَن عقيل بِهِ.
وَتَابَعَهُ شُعَيْبٌ وَعَمْرُو بنُ دِينَارٍ وَمَعْمَرٌ
ذكر البُخَارِيّ مُتَابعَة شُعَيْب فِي كتاب الشَّهَادَات، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدثنِي خَارِجَة ابْن زيد الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الحَدِيث، ومتابعة عَمْرو بن دِينَار وَصلهَا ابْن أبي عمر فِي (مُسْنده) عَن ابْن عُيَيْنَة عَنهُ، ومتابعة معمر بن رَاشد ذكرهَا البُخَارِيّ فِي التَّعْبِير فِي: بَاب الْعين الْجَارِيَة: حَدثنَا عَبْدَانِ أخبرنَا عبد الله أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن خَارِجَة بن زيد بن ثَابت عَن أم الْعَلَاء. . إِلَى آخِره.
٤٤٢١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ المُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا قُتِلَ أبي جَعَلْتُ أكْشِفُ الثَّوْبَ عنْ وَجْهِهِ أبْكِي ويَنْهَوْنِي عَنْهُ والنبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَنْهَانِي فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فاطِمةُ تَبْكِي فقالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَبْكِينَ أوْ لَا تَبْكِينَ مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (جعلت أكشف الثَّوْب عَن وَجهه) ، وَالثَّوْب أَعم من أَن يكون الثَّوْب الَّذِي سجوه بِهِ أَو من الْكَفَن.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن أبي الْوَلِيد. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن عَمْرو بن يزِيد وَفِي المناقب عَن أبي كريب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما قتل أبي) ، وَكَانَ قتل أَبِيه عبد الله يَوْم أحد، وَكَانَ الْمُشْركُونَ مثلُوا بِهِ، جدعوا أَنفه وَأُذُنَيْهِ، وَكَانَت غَزْوَة أحد فِي سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة فِي شَوَّال. قَوْله: (أبْكِي) جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (وينهوني) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وينهونني) على الأَصْل. قَوْله: (عَمَّتي فَاطِمَة) ، عمَّة جَابر هِيَ شَقِيقَة أَبِيه عبد الله بن عَمْرو. قَوْله: (تبكين أَو لَا تبكين) ، كلمة: أَو، لَيست هِيَ للشَّكّ من الرَّاوِي، بل هِيَ من كَلَام الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للتسوية بَين الْبكاء وَعَدَمه، أَي: فوَاللَّه إِن الْمَلَائِكَة تظله سَوَاء تبكين أم لَا. وَفِي (التَّلْوِيح) فِي مَوضِع آخر: (لِمَ تبْكي) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَذَا صحت الرِّوَايَة بِلِمَ، الَّتِي للاستفهام وَفِي مُسلم: (تبْكي) بِغَيْر نون لِأَنَّهُ اسْتِفْهَام لمخاطب عَن فعل غَائِبَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَلَو خاطبها بالاستفهام خطاب الْحَاضِرَة قَالَ: لِمَ تبكين، بالنُّون. وَفِي رِوَايَة: (تبكيه أَو لَا تبكيه) . وَهُوَ إِخْبَار عَن غَائِبَة، وَلَو كَانَ خطاب الْحَاضِرَة لقَالَ: تبكينه أَو لَا تبكينه، بنُون فعل الْوَاحِدَة الْحَاضِرَة، ثمَّ معنى هَذَا: أَن عبد الله مكرم عِنْد الْمَلَائِكَة، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (تبكين. .) إِلَى آخِره،
يعزيها بذلك ويخبرها بِمَا صَار إِلَيْهِ من الْفضل. قَوْله: (حَتَّى رفعتموه) ، أَي: من مغسلة، لِأَنَّهُ نسب الْفِعْل إِلَى أَصله قَالَه الدَّاودِيّ، وإظلاله بأجنحتها لِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهِ وتزاحمهم على الْمُبَادرَة بصعود روحه، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وتبشيره بِمَا أعد الله لَهُ من الْكَرَامَة، أَو أَنهم أظلوه من الْحر لِئَلَّا يتَغَيَّر أَو لِأَنَّهُ من السَّبْعَة الَّذين يظلهم الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إلَاّ ظله، وروى بَقِي بن مخلد (عَن جَابر: لَقِيَنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: أَلا أُبَشِّرك أَن الله أَحَي أَبَاك وَكلمَة كفاحا وَمَا كلم أحدا قطّ إلَاّ من وَرَاء حجاب؟ .
وَفِيه: فَضِيلَة عَظِيمَة لم تسمع لغيره من الشُّهَدَاء فِي دَار الدُّنْيَا. وَفِيه: جَوَاز الْبكاء على الْمَيِّت كَمَا مضى، وَنهى أهل الْمَيِّت بَعضهم بَعْضًا عَن الْبكاء للرفق بالباكي.
تابَعَهُ ابنُ جُرَيْجَ قَالَ أَخْبرنِي ابنُ المُنْكَدِرِ سَمِعَ جابِرا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
يَعْنِي: تَابع شُعْبَة عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج ذكر هَذِه الْمُتَابَعَة لينفي مَا وَقع فِي نُسْخَة ابْن ماهان فِي (صَحِيح مُسلم) عَن عبد الْكَرِيم عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن عَن جَابر جعل بدل مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، فَبين البُخَارِيّ أَن الصَّوَاب: ابْن الْمُنْكَدر، كَمَا رَوَاهُ شُعْبَة، وشده بِرِوَايَة ابْن جريج، وَوصل مُسلم هَذِه الْمُتَابَعَة: حَدثنَا عبد بن حميد حَدثنَا روح بن عبَادَة حَدثنَا ابْن جريج عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر.
وَأخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث من خَمْسَة طرق. الأول: من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر (عَن جَابر يَقُول: لما كَانَ يَوْم أحد جِيءَ بِأبي مسجى، وَقد مثل بِهِ) الحَدِيث. الثَّانِي: من طَرِيق شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر. الثَّالِث: من طَرِيق ابْن جريج عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر. الرَّابِع: من طَرِيق معمر عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر. الْخَامِس: من طَرِيق مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن جَابر، وَهَذَا فِي نُسْخَة ابْن ماهان.
٤ - (بابٌ الرَّجُلِ يَنْعَى إلَى أهْلِ المَيِّتِ بِنَفْسِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الرجل ينعي إِلَى أهل الْمَيِّت، فَقَوله: بَاب، منون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف كَمَا قَدرنَا. وَقَوله: الرجل، مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ. وَقَوله: (ينعى) ، خَبره وَمعنى: ينعى إِلَى أهل الْمَيِّت، يظْهر خبر مَوته إِلَيْهِم، يُقَال: نعاه ينعاه نعيا ونعيانا، وَهُوَ من بَاب: فعل يفعل، بِفَتْح الْعين فيهمَا، وَفِي (الْمُحكم) : النعي الدُّعَاء بِمَوْت الْمَيِّت والإشعار بِهِ. وَفِي (الصِّحَاح) : النعي خبر الْمَوْت، وَكَذَلِكَ النعي على فعيل وَفِي (الواعي) : النعي على فعيل هُوَ نِدَاء الناعي، والنعي: أَيْضا هُوَ الرجل الَّذِي ينعى، والنعي: الرجل الْمَيِّت، والنعي) الْفِعْل، وَالضَّمِير فِي: بِنَفسِهِ، يرجع إِلَى الْمَيِّت أَي: بِنَفس الْمَيِّت، وَهَذِه التَّرْجَمَة بِهَذِهِ الصّفة هِيَ الْمَشْهُورَة فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِحَذْف الْبَاء فِي: بِنَفسِهِ، أَي: ينعي نفس الْمَيِّت إِلَى أَهله، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ سقط ذكر الْأَهْل، وَلَيْسَ لَهَا وَجه. وَقَالَ الْمُهلب: الصَّوَاب أَن يَقُول: بَاب الرجل ينعى إِلَى النَّاس الْمَيِّت بِنَفسِهِ، وَإِلَيْهِ مَال ابْن بطال، فَقَالَ: فِي التَّرْجَمَة خلل، ومقصود البُخَارِيّ: بَاب الرجل ينعى إِلَى النَّاس الْمَيِّت بِنَفسِهِ، وَيكون الْمَيِّت نصبا مفعول: ينعى، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا خلل فِيهِ لجَوَاز حذف الْمَفْعُول عِنْد الْقَرِينَة، وَقَالَ بَعضهم نصْرَة للْبُخَارِيّ: التَّعْبِير بالأهل لَا خلل فِيهِ، لِأَن مُرَاده بِهِ مَا هُوَ أَعم من الْقَرَابَة أَو أخوة الدّين، وَهُوَ أولى من التَّعْبِير بِالنَّاسِ لِأَنَّهُ يخرج من لَيْسَ لَهُ بِهِ أَهْلِيَّة كالكفار. قلت: فِيهِ نظر، لِأَن الْأَهْل لَا يسْتَعْمل فِي أخوة الدّين، وَقد تكلم جمَاعَة فِي هَذَا الْموضع بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ، وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة فَافْهَم.
٥٤٢١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَن سَعِيدِ ابنِ المُسَيِّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي ماتَ فِيهِ خَرَجَ إلَى المُصَلَّى فصَفَّ بِهِمْ وكَبَّرَ أرْبَعا.
(٥٤٢١.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ النّظر إِلَى مُجَرّد النعي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: من كَانَ فِي الْمَدِينَة أَهلا للنجاشي حَتَّى تصح التَّرْجَمَة؟ قلت: الْمُؤْمِنُونَ أَهله من حَيْثُ أخوة الْإِسْلَام. قلت: قد ذكرنَا أَن الْأَهْل لَا يسْتَعْمل فِي أخوة الدّين أللهم إلَاّ إِذا ارْتكب الْمجَاز فِيهِ، وَرِجَال هَذَا الحَدِيث قد تكَرر واجدا وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أويس عبد الله الأصبحي الْمدنِي إِبْنِ أُخْت مَالك ابْن أنس، وَابْن شهَاب وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن مُسَدّد عَن يزِيد بن زُرَيْع. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع مُخْتَصرا على التَّكْبِير. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن سُوَيْد بن نصر عَن عبد الله بن الْمُبَارك، ستتهم عَن مَالك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (نعى النَّجَاشِيّ) أَي: أخبر بِمَوْتِهِ، وَالنَّجَاشِي، بِفَتْح النُّون وَكسرهَا: كلمة للحبش تسمى بهَا مُلُوكهَا، والمتأخرون يلقبونه الأبجري. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ بالنبطية، ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: هُوَ بِكَسْر النُّون، يجوز أَن يكون من نجش أوقد كَأَنَّهُ يطريه، ويوقد فِيهِ، قَالَه قطرب. وَفِي (الفصيح) : النَّجَاشِيّ، بِالْفَتْح، وَفِي (الْعلم الْمَشْهُور) لأبي الْخطاب مشدد الْيَاء، قَالُوا: وَالصَّوَاب تخفيفها، وَفِي (الْمثنى) لِابْنِ عديس: النَّجَاشِيّ، بِالْفَتْح وَالْكَسْر: الْمُسْتَخْرج للشَّيْء. وَفِي (سيرة ابْن إِسْحَاق) . اسْمه: أَصْحَمَة، وَمَعْنَاهُ، عَطِيَّة. وَقَالَ أَبُو الْفرج: أَصْحَمَة بن أبجري، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الصَّاد وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، قَالَ: وَقع فِي (مُسْند ابْن أبي شيبَة) فِي هَذَا الحَدِيث تَسْمِيَته: صحمة، بِفَتْح الصَّاد وَإِسْكَان الْحَاء. قَالَ: هَكَذَا قَالَ لنا يزِيد بن هَارُون، وَإِنَّمَا هُوَ صمحة، بِتَقْدِيم الْمِيم على الْحَاء. قَالَ: وَهَذَانِ شَاذان. وَفِي (التَّلْوِيح) : أَخْبرنِي غير وَاحِد من نبلاء الْحَبَشَة أَنهم لَا ينطقون بِالْحَاء على صرافتها، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ فِي اسْم الْملك: أَصْمِخَة، بِتَقْدِيم الْمِيم على الْخَاء الْمُعْجَمَة. وَذكر السُّهيْلي أَن اسْم أَبِيه: يجْرِي، بِغَيْر همزَة، وَذكر مقَاتل بن سُلَيْمَان فِي كِتَابه (نَوَادِر التَّفْسِير) : إسمه مَكْحُول بن صصه، وَفِي كتاب (الطَّبَقَات) لِابْنِ سعد: لما رَجَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْحُدَيْبِيَة سنة سِتّ أرسل النَّجَاشِيّ سنة سبع فِي الْمحرم عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي، فَأخذ كتاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوَضعه على عَيْنَيْهِ، وَنزل عَن سَرِيره فَجَلَسَ على الأَرْض تواضعا، ثمَّ أسلم، وَكتب إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك، وَأَنه أسلم على يَدي جَعْفَر ابْن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَتُوفِّي فِي رَجَب سنة تسع منصرفة من تَبُوك. فَإِن قلت: وَقع فِي (صَحِيح مُسلم) : كتب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى النَّجَاشِيّ، وَهُوَ غير النَّجَاشِيّ الَّذِي صلى عَلَيْهِ؟ قلت: قيل: كَأَنَّهُ وهم من بعض الروَاة، أَو أَنه عبر بِبَعْض مُلُوك الْحَبَشَة عَن الْملك الْكَبِير، أَو يحمل على أَنه لما توفّي قَامَ مقَامه آخر فَكتب إِلَيْهِ. قَوْله: (خرج إِلَى الْمصلى) ، ذكر السُّهيْلي من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى عَلَيْهِ بِالبَقِيعِ.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه:
الأول: فِيهِ إِبَاحَة النعي، وَهُوَ أَن يُنَادى فِي النَّاس أَن فلَانا مَاتَ ليشهدوا جنَازَته، وَقَالَ بعض أهل الْعلم: لَا بَأْس أَن يعلم الرجل قرَابَته وإخواته، وَعَن إِبْرَاهِيم: لَا بَأْس أَن يعلم قرَابَته. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: إِعْلَام أهل الْمَيِّت وقرابته وأصدقائه استحسنه الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ من أَصْحَابنَا وَغَيرهم، وَذكر صَاحب (الْحَاوِي) من أَصْحَابنَا وَجْهَيْن فِي اسْتِحْبَاب الْإِنْذَار بِالْمَيتِ وإشاعة مَوته بالنداء والإعلام، فاستحب ذَلِك بَعضهم للغريب والقريب لما فِيهِ من كَثْرَة الْمُصَلِّين عَلَيْهِ والداعين لَهُ، وَقَالَ بَعضهم: يسْتَحبّ ذَلِك للغريب وَلَا يسْتَحبّ لغيره. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالْمُخْتَار اسْتِحْبَابه مُطلقًا إِذا كَانَ مُجَرّد إِعْلَام. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَالَ صَاحب الْبَيَان) من أَصْحَابنَا: يكره نعي الْمَيِّت، وَهُوَ أَن يُنَادى عَلَيْهِ فِي النَّاس أَن فلَانا قد مَاتَ ليشهدوا جنَازَته، وَفِي وَجه حَكَاهُ الصيدلاني: لَا يكره. وَفِي (حلية الرَّوْيَانِيّ) من أَصْحَابنَا: الإختيار إِن يُنَادى بِهِ ليكْثر المصلون. وَقَالَ ابْن الصّباغ: قَالَ أَصْحَابنَا: يكره النداء عَلَيْهِ، وَلَا بَأْس أَن يعلم أصدقاءه، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا بَأْس بِهِ، وَنَقله الْعَبدَرِي عَن مَالك أَيْضا، وَنقل ابْن التِّين عَن مَالك كَرَاهَة الْإِنْذَار بالجنائز على أَبْوَاب الْمَسَاجِد والأسواق لِأَنَّهُ من النعي. قَالَ عَلْقَمَة بن قيس: الْإِنْذَار بالجنائز من النعي وَهُوَ من أَمر الْجَاهِلِيَّة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ النَّهْي أَيْضا عَن ابْن عمر وَأبي سعيد وَسَعِيد بن الْمسيب وعلقمة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالربيع بن خَيْثَم. قلت: وَأبي وَائِل وَأبي ميسرَة وَعلي بن الْحُسَيْن وسُويد بن غَفلَة ومطرف بن عبد الله وَنصر بن عمرَان أبي جَمْرَة، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث حُذَيْفَة أَنه قَالَ: إِذا مت فَلَا تؤذنوا بِي أحدا فَإِنِّي أَخَاف أَن يكون نعيا، وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ينْهَى عَن النعي، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن، وروى أَيْضا من حَدِيث عبد الله عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إيَّاكُمْ والنعي، فَإِن النعي من أَمر الْجَاهِلِيَّة) . وَقَالَ: حَدِيث غَرِيب. والمجوزون احْتَجُّوا بِحَدِيث الْبَاب، وَرُبمَا ورد فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نعى للنَّاس زيدا وجعفرا. وَفِي الصَّحِيح أَيْضا
قَول فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، حِين توفّي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وأبتاه، من ربه مَا أدناه، وأبتاه إِلَى جِبْرِيل ننعاه، وَفِي الصَّحِيح أَيْضا فِي قصَّة الرجل الَّذِي مَاتَ وَدفن لَيْلًا فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَفلا كُنْتُم آذنتموني؟) فَهَذِهِ الْأَحَادِيث دَالَّة على جَوَاز النعي. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن النعي الْمنْهِي عَنهُ إِنَّمَا هُوَ نعي الْجَاهِلِيَّة، قَالَ: وَكَانَت عَادَتهم إِذا مَاتَ مِنْهُم شرِيف بعثوا رَاكِبًا إِلَى الْقَبَائِل يَقُول: نعا يَا فلَان، أَو: يَا نعاء الْعَرَب، أَي: هَلَكت الْعَرَب بِهَلَاك فلَان. وَيكون مَعَ النعي ضجيج وبكاء، وَأما إِعْلَام أهل الْمَيِّت وأصدقائه وقرابته فمستحب على مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا. وَاعْترض بِأَن حَدِيث النَّجَاشِيّ لم يكن نعيا، إِنَّمَا كَانَ مُجَرّد إِخْبَار بِمَوْتِهِ، فَسمى نعيا لشبهه بِهِ فِي كَونه إعلاما، وَكَذَا القَوْل فِي جَعْفَر بن أبي طَالب وَأَصْحَابه، ورد بِأَن الأَصْل الْحَقِيقَة على أَن حَدِيث النَّجَاشِيّ أصح من حَدِيث حُذَيْفَة وَعبد الله. فَإِن قلت: قَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا نعي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، النَّجَاشِيّ وَصلى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْد بعض النَّاس على غير الْإِسْلَام فَأَرَادَ إعلامهم بِصِحَّة إِسْلَامه (قلت) نعيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعفراً وَأَصْحَابه يرد ذَلِك، وَحمل بَعضهم النَّهْي على نعي الْجَاهِلِيَّة الْمُشْتَمل على ذكر المفاخر وَشبههَا.
الْوَجْه الثَّانِي: فِيهِ دَلِيل على أَنه لَا يُصَلِّي على الْجِنَازَة فِي الْمَسْجِد، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبر بِمَوْتِهِ فِي الْمَسْجِد ثمَّ خرج بِالْمُسْلِمين إِلَى الْمصلى، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة، أَنه لَا يصلى على ميت فِي مَسْجِد جمَاعَة، وَبِه قَالَ مَالك وَابْن أبي ذِئْب، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر: لَا بَأْس بهَا إِذا لم يخف تلويثه، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ (أَن سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما توفّي أمرت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِإِدْخَال جنَازَته الْمَسْجِد حَتَّى صلى عَلَيْهَا أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ قَالَت: هَل عَابَ النَّاس علينا مَا فعلنَا؟ فَقيل لَهَا: نعم، فَقَالَت: مَا أسْرع مَا نسوا، مَا صلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على جَنَازَة سُهَيْل بن الْبَيْضَاء إلَاّ فِي الْمَسْجِد) . رَوَاهُ مُسلم، وَاحْتج أَصْحَابنَا من حَدِيث ابْن أبي ذِئْب عَن صَالح مولى التومة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من صلى على ميت فِي الْمَسْجِد فَلَا شَيْء لَهُ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِهَذَا اللَّفْظ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَلَفظه: (فَلَيْسَ لَهُ شَيْء) ، وَقَالَ الْخَطِيب الْمَحْفُوظ: (فَلَا شَيْء لَهُ، وَرُوِيَ (فَلَا شَيْء عَلَيْهِ) ، وَرُوِيَ: (فَلَا أجر لَهُ) . وَقَالَ ابْن عبد الْبر: رِوَايَة: فَلَا أجر لَهُ، خطأ فَاحش، وَالصَّحِيح: فَلَا شَيْء لَهُ، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بِلَفْظ: (فَلَا صَلَاة لَهُ) . فَإِن قلت: روى ابْن عدي فِي (الْكَامِل) هَذَا الحَدِيث وعده من مُنكرَات صَالح، ثمَّ أسْند إِلَى شُعْبَة أَنه كَانَ لَا يروي عَنهُ وَينْهى عَنهُ، وَإِلَى مَالك: لَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِثِقَة، وَإِلَى النَّسَائِيّ أَنه قَالَ فِيهِ: ضَعِيف، وَقَالَ ابْن حبَان فِي (كتاب الضُّعَفَاء) : اخْتَلَط بِآخِرهِ وَلم يتَمَيَّز حَدِيثه من قديمه فَاسْتحقَّ التّرْك، ثمَّ ذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: إِنَّه بَاطِل، وَكَيف يَقُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد صلى على سُهَيْل بن الْبَيْضَاء فِي الْمَسْجِد. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: صَالح مُخْتَلف فِي عَدَالَته، كَانَ مَالك يجرحه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أُجِيب عَن هَذَا بأجوبة. أَحدهَا: أَنه ضَعِيف لَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ، قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: هَذَا حَدِيث ضَعِيف تفرد بِهِ صَالح مولى التومة وَهُوَ ضَعِيف. الثَّانِي: أَن الَّذِي فِي النّسخ الْمَشْهُورَة المسموعة من سنَن أبي دَاوُد: فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، فَلَا حجَّة فِيهِ. الثَّالِث: أَن اللَّام فِيهِ بِمَعْنى: على، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَإِن أسأتم فلهَا} (الْإِسْرَاء: ٧) . أَي: فعلَيْهَا، جمعا بَين الْأَحَادِيث. قلت: الْجَواب عَمَّا قَالُوهُ من وُجُوه:
الأول: أَن أَبَا دَاوُد روى بِهَذَا الحَدِيث وَسكت عَنهُ، فَهَذَا دَلِيل رِضَاهُ بِهِ، وَأَنه صَحِيح عِنْده. الثَّانِي: أَن يحيى بن معِين الَّذِي هُوَ فيصل فِي هَذَا الْبَاب قَالَ: صَالح ثِقَة إلَاّ أَنه اخْتَلَط قبل مَوته، فَمن سمع مِنْهُ قبل ذَلِك فَهُوَ ثَبت حجَّة، وَمِمَّنْ سمع مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط: ابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب. الثَّالِث: قَالَ ابْن عبد الْبر: مِنْهُم من يقبل عَن صَالح مَا رَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي ذِئْب خَاصَّة. الرَّابِع: أَن غَالب مَا ذكر فِيهِ تحامل من ذَلِك قَول النَّوَوِيّ: إِن الَّذِي فِي النّسخ الْمَشْهُورَة المسموعة من سنَن أبي دَاوُد: فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يردهُ قَول الْخَطِيب الْمَحْفُوظ: (فَلَا شَيْء لَهُ) وَقَول السرُوجِي؛ وَفِي الاسرار (فَلَا صَلَاة لَهُ) وَفِي المرغيناني: (فَلَا أجر لَهُ) وَلم يذكر ذَلِك فِي كتب الحَدِيث يردهُ مَا ذَكرْنَاهُ من رِوَايَة ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : (فَلَا صَلَاة لَهُ) . وَقَالَ الْخَطِيب: (فَلَا أجر لَهُ) فلعدم إطلاعه فِي هَذَا الْموضع جازف فِيهِ، وَمن تحاملهم جعل: اللَّام، بِمَعْنى: على، بالتحكم من غير دَلِيل وَلَا دَاع إِلَى ذَلِك، وَلَا سِيمَا أَن الْمجَاز عِنْدهم ضَرُورِيّ لَا يُصَار إِلَيْهِ إلَاّ عِنْد الضَّرُورَة، فَلَا ضررة هَهُنَا. وَأقوى مَا يرد كَلَامه هَذَا رِوَايَة ابْن أبي شيبَة:
(فَلَا صَلَاة لَهُ) ، فَلَا يُمكن لَهُ أَن يَقُول: اللَّام، بِمَعْنى: على، لفساد الْمَعْنى. الْخَامِس: أَن قَول ابْن حبَان: هَذَا بَاطِل، جرْأَة مِنْهُ على تبطيل الصَّوَاب، فَكيف يَقُول هَذَا القَوْل وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسكت عَنهُ؟ فَأَقل الْأَمر أَنه عِنْده حسن لِأَنَّهُ رَضِي بِهِ، وحاشاه من أَن يرضى بِالْبَاطِلِ. السَّادِس: مَا قَالَه الجهبذ النقاد الإِمَام أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله، مُلَخصا، وَهِي أَن الرِّوَايَات لما اخْتلفت عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هَذَا الْبَاب يحْتَاج إِلَى الْكَشْف ليعلم الْمُتَأَخر مِنْهَا، فَيجْعَل نَاسِخا لما تقدم، فَحَدِيث عَائِشَة إِخْبَار عَن فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَال الْإِبَاحَة الَّتِي لم يتقدمها شَيْء، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة إِخْبَار عَن نهي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي تقدمه الْإِبَاحَة، فَصَارَ نَاسِخا لحَدِيث عَائِشَة، وإنكار الصَّحَابَة عَلَيْهَا مِمَّا يُؤَكد ذَلِك. فَإِن قلت: من أَي قبيل يكون هَذَا النّسخ؟ قلت: من قبيل النّسخ بِدلَالَة التَّارِيخ، وَهُوَ أَن يكون أحد النصين مُوجبا للحظر وَالْآخر مُوجبا للْإِبَاحَة، فَفِي مثل هَذَا يتَعَيَّن الْمصير إِلَى النَّص الْمُوجب للحظر، لِأَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة، والحظر طَار عَلَيْهَا، فَيكون مُتَأَخِّرًا. فَإِن قلت: فَلم لَا يَجْعَل بِالْعَكْسِ؟ قلت: لِئَلَّا يلْزم النّسخ مرَّتَيْنِ، وَهَذَا ظَاهر. فَإِن قلت: لَيْسَ بَين الْحَدِيثين مُنَافَاة فَلَا تعَارض فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّوْفِيق؟ قلت: ظهر لَك صِحَة حَدِيث أبي هُرَيْرَة؟ بالوجوه الَّتِي ذَكرنَاهَا فَثَبت التَّعَارُض (فَإِن قلت) مُسلم أخرج حَدِيث عَائِشَة وَلم يخرج حَدِيث أبي هُرَيْرَة قلت: لَا يلْزم من ترك مُسلم تَخْرِيجه عدم صِحَّته، لِأَنَّهُ لم يلْتَزم بِإِخْرَاج كل مَا صَحَّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَلِكَ البُخَارِيّ، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك وَأَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة لَا يَخْلُو من كَلَام، فَكَذَلِك حَدِيث عَائِشَة لَا يَخْلُو عَن كَلَام، لِأَن جمَاعَة من الْحفاظ مثل الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره عابوا على مُسلم تَخْرِيجه إِيَّاه مُسْندًا، لِأَن الصَّحِيح أَنه مُرْسل كَمَا رَوَاهُ مَالك والماجشون عَن أبي النَّضر عَن عَائِشَة مُرْسلا، والمرسل لَيْسَ بِحجَّة عِنْدهم. وَقد أول بعض أَصْحَابنَا حَدِيث عَائِشَة بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا صلى فِي الْمَسْجِد بِعُذْر مطر. وَقيل: بِعُذْر الِاعْتِكَاف، وعَلى كل: تَقْدِير الصَّلَاة على الْجِنَازَة خَارج الْمَسْجِد أولى وَأفضل، بل أوجب، لِلْخُرُوجِ عَن الْخلاف، لَا سِيمَا فِي بَاب الْعِبَادَات. وَلِأَن الْمَسْجِد بني لأَدَاء الصَّلَوَات المكتوبات فَيكون غَيرهَا فِي خَارج الْمَسْجِد أولى وَأفضل. فَإِن قلت: قَالُوا: خُرُوج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الْمَسْجِد إِلَى الْمصلى كَانَ لِكَثْرَة الْمُصَلِّين وللإعلام. قلت: نَحن أَيْضا نقُول صلَاته فِي الْمَسْجِد كَانَ للمطر أَو للاعتكاف كَمَا ذكرنَا.
الْوَجْه الثَّالِث فِيهِ: دَلِيل على أَن سنة هَذِه الصَّلَاة الصَّفّ كَسَائِر الصَّلَوَات، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مَالك بن هُبَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من صلى عَلَيْهِ ثَلَاثَة صُفُوف فقد أوجب) ، مَعْنَاهُ: وَجَبت لَهُ الْجنَّة، أَو وَجَبت لَهُ الْمَغْفِرَة، وروى النَّسَائِيّ من رِوَايَة الحكم بن فروخ، قَالَ: صلى بِنَا أَبُو الْمليح على حنازة فظننا أَنه كبر، فَأقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أقِيمُوا صفوفكم ولتحسن شفاعتكم، وَقَالَ أَبُو الْمليح: حَدثنِي عبد الله عَن إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ، وَهِي مَيْمُونَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَت: أَخْبرنِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: مَا من ميت يُصَلِّي عَلَيْهِ أمة من النَّاس إلَاّ شفعوا فِيهِ، فَسَأَلت أَبَا الْمليح عَن الْأمة، قَالَ: أَرْبَعُونَ.
الْوَجْه الرَّابِع فِيهِ: حجَّة لمن جوز الصَّلَاة على الْغَائِب، وَمِنْهُم الشَّافِعِي وَأحمد. قَالَ النَّوَوِيّ: فَإِن كَانَ الْمَيِّت فِي الْبَلَد فَالْمَذْهَب أَنه لَا يجوز أَن يصلى عَلَيْهِ حَتَّى يحضر عِنْده، وَقيل: يجوز، وَفِي الرَّافِعِيّ: يَنْبَغِي أَن لَا يكون بَين الإِمَام وَالْمَيِّت أَكثر من مِائَتي ذِرَاع، أَو ثلثمِائة تَقْرِيبًا.
فرع: عِنْدهم: لَو صلى على الْأَمْوَات الَّذين مَاتُوا فِي قَرْيَة وغسلوا فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ، وَلَا يعرف عَددهمْ، جَازَ. قَالَه فِي (الْبَحْر) . قَالَ فِي (التَّوْضِيح) : وَهُوَ صَحِيح، لَكِن لَا يخْتَص بِبَلَد، وَقَالَ الْخطابِيّ: النَّجَاشِيّ رجل مُسلم قد آمن برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَصدقه على ثُبُوته إلَاّ أَنه كَانَ يكتم إيمَانه، وَالْمُسلم إِذا مَاتَ وَجب على الْمُسلمين أَن يصلوا عَلَيْهِ، إلَاّ أَنه كَانَ بَين ظهراني أهل الْكفْر وَلم يكن بِحَضْرَتِهِ من يقوم بِحقِّهِ فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ، فَلَزِمَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن يفعل ذَلِك، إِذْ هُوَ نبيه ووليه وأحق النَّاس بِهِ، فَهَذَا وَالله أعلم هُوَ السَّبَب الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الصَّلَاة عَلَيْهِ بِظهْر الْغَيْب، فعلى هَذَا إِذا مَاتَ الْمُسلم بِبَلَد من الْبلدَانِ وَقد قضى حَقه من الصَّلَاة عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يصلى عَلَيْهِ من كَانَ بِبَلَد آخر غَائِبا عَنهُ، فَإِن علم أَنه لم يصل عَلَيْهِ لعائق أَو مَانع عذر كَانَ السّنة
أَن يصلى عَلَيْهِ وَلَا يتْرك ذَلِك لبعد الْمسَافَة، فَإِذا صلوا عَلَيْهِ استقبلوا الْقبْلَة وَلم يتوجهوا إِلَى بلد الْمَيِّت إِن كَانَ فِي غير جِهَة الْقبْلَة، وَقد ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى كَرَاهَة الصَّلَاة على الْمَيِّت الْغَائِب، وَزَعَمُوا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذَا الْفِعْل، إِذْ كَانَ فِي حكم الْمشَاهد للنجاشي لما رُوِيَ فِي بعض الْأَخْبَار أَنه قد سويت لَهُ الأَرْض حَتَّى يبصر مَكَانَهُ، وَهَذَا تَأْوِيل فَاسد، لِأَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا فعل شَيْئا من أَفعَال الشَّرِيعَة كَانَ علينا اتِّبَاعه والأيتساء بِهِ، والتخصيص لَا يعلم إلَاّ بِدَلِيل، وَمِمَّا يبين ذَلِك أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خرج بِالنَّاسِ إِلَى الصَّلَاة، فَصف بهم وصلوا مَعَه، فَعلم أَن هَذَا التَّأْوِيل فَاسد. قلت: هَذَا التشنيع كُله على الْحَنَفِيَّة من غير تَوْجِيه وَلَا تَحْقِيق، فَنَقُول: مَا يظْهر لَك فِيهِ دفع كَلَامه، وَهُوَ أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رفع سَرِيره فَرَآهُ، فَتكون الصَّلَاة عَلَيْهِ كميت رَآهُ الإِمَام وَلَا يرَاهُ الْمَأْمُوم. فَإِن قلت: هَذَا يحْتَاج إِلَى نقل يُبينهُ، وَلَا يَكْتَفِي فِيهِ بِمُجَرَّد الِاحْتِمَال. قلت: ورد مَا يدل على ذَلِك، فروى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إِن أَخَاكُم النَّجَاشِيّ توفّي، فَقومُوا صلوا عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وصفوا خَلفه فَكبر أَرْبعا وهم يظنون أَن جنَازَته بَين يَدَيْهِ، وَجَوَاب آخر: أَنه من بَاب الضَّرُورَة، لِأَنَّهُ مَاتَ بِأَرْض لم تقم فِيهَا عَلَيْهِ فَرِيضَة الصَّلَاة، فَتعين فرض الصَّلَاة عَلَيْهِ لعدم من يُصَلِّي عَلَيْهِ ثمَّة، وَيدل على ذَلِك أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يصل على غَائِب غَيره، وَقد مَاتَ من الصَّحَابَة خلق كثير وهم غائبون عَنهُ، وَسمع بهم فَلم يصل عَلَيْهِم إلَاّ غَائِبا وَاحِدًا ورد أَنه طويت لَهُ الأَرْض حَتَّى حَضَره وَهُوَ: مُعَاوِيَة بن مُعَاوِيَة الْمُزنِيّ، روى حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) وَكتاب (مُسْند الشاميين) : حَدثنَا عَليّ بن سعيد الرَّازِيّ حَدثنَا نوح بن عُمَيْر بن حوى السكْسكِي حَدثنَا بَقِيَّة بن الْوَلِيد عَن مُحَمَّد بن زِيَاد الْأَلْهَانِي (عَن أبي أُمَامَة، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بتبوك فَنزل عَلَيْهِ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِن مُعَاوِيَة بن مُعَاوِيَة الْمُزنِيّ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، أَتُحِبُّ أَن تطوى لَك الأَرْض فَتُصَلِّي عَلَيْهِ؟ قَالَ: نعم، فَضرب بجناحه على الأَرْض وَرفع لَهُ سَرِيره فصلى عَلَيْهِ وَخَلفه صفان من الْمَلَائِكَة، فِي كل صف سَبْعُونَ ألف ملك، ثمَّ رَجَعَ، وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لجبريل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: بِمَ أدْرك هَذَا؟ قَالَ: بحبه سُورَة: قل هُوَ الله أحد، وقراءته إِيَّاهَا جاثيا وذاهبا وَقَائِمًا وَقَاعِدا وعَلى كل حَال) . انْتهى. فَإِن قلت: قد صلى على اثْنَيْنِ أَيْضا وهما غائبان وهما زيد بن حَارِثَة وجعفر بن أبي طَالب، ورد عَنهُ أَنه كشف لَهُ عَنْهُمَا أخرجه الْوَاقِدِيّ فِي كتاب (الْمَغَازِي) فَقَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن صَالح عَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة، وحَدثني عبد الْجَبَّار بن عمَارَة عَن عبد الله بن أبي بكر، قَالَا: لما التقى النَّاس بمؤتة جلس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْمِنْبَر وكشف لَهُ مَا بَينه وَبَين الشَّام، فَهُوَ ينظر إِلَى معتركهم، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَخذ الرَّايَة زيد بن حَارِثَة فَمضى حَتَّى اسْتشْهد، وَصلى عَلَيْهِ ودعا لَهُ: وَقَالَ: اسْتَغْفرُوا لَهُ وَقد دخل الْجنَّة وَهُوَ يسْعَى ثمَّ أَخذ الرَّايَة جَعْفَر بن أبي طَالب فَمضى حَتَّى اسْتشْهد، فصلى عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ودعا لَهُ، وَقَالَ: اسْتَغْفرُوا لَهُ وَقد دخل الْجنَّة، فَهُوَ يطير فِيهَا بجناحيه حَيْثُ شَاءَ. قلت: هُوَ مُرْسل من الطَّرِيقَيْنِ الْمَذْكُورين، والمرسل لَيْسَ بِحجَّة، على أَنهم يَقُولُونَ: فِي الْوَاقِدِيّ مقَال، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) فِي معرض التحامل: وَمن ادّعى أَن الأَرْض طويت لَهُ حَتَّى شَاهده لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وَإِن كَانَت الْقُدْرَة صَالِحَة لذَلِك. قلت: كَأَنَّهُ لم يطلع على مَا رَوَاهُ ابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَوَقع فِي كَلَام ابْن بطال تَخْصِيص ذَلِك بالنجاشي، فَقَالَ: بِدَلِيل إطباق الْأمة على ترك الْعَمَل بِهَذَا الحَدِيث، قَالَ: وَلم أجد لأحد من الْعلمَاء إجَازَة الصَّلَاة على الْغَائِب إلَاّ مَا ذكره ابْن زيد عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا استؤذن أَنه غرق أَو قتل أَو أكله السبَاع وَلم يُوجد مِنْهُ شَيْء صلى عَلَيْهِ، كَمَا فعل بالنجاشي، وَبِه قَالَ ابْن حبيب، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أَكثر أهل الْعلم يَقُولُونَ: إِن ذَلِك مَخْصُوص بِهِ، وَأَجَازَهُ بَعضهم إِذا كَانَ فِي يَوْم الْمَوْت أَو قريب مِنْهُ، وَفِي (المُصَنّف) عَن الْحسن إِنَّمَا دَعَا لَهُ وَلم يصل.
الْوَجْه الْخَامِس: فِي أَن التَّكْبِير على الْجِنَازَة أَرْبَعَة، وَصرح بذلك فِي الحَدِيث وَهُوَ آخر مَا اسْتَقر عَلَيْهِ أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ ابْن أبي ليلى: يكبر خمْسا، وَإِلَيْهِ ذهب الشِّيعَة. وَقيل: ثَلَاثًا، قَالَه بعض الْمُتَقَدِّمين، وَقيل: أَكْثَره سبع وَأقله ثَلَاث، ذكره القَاضِي أَبُو مُحَمَّد، وَقيل: سِتّ، ذكره ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن أَحْمد: لَا ينقص من أَربع وَلَا يُزَاد على سبع. وَقَالَ ابْن
مَسْعُود: يكبر مَا كبر إِمَامه، وروى مُسلم من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى. قَالَ: كَانَ زيد بن أَرقم يكبر على جنائزنا خمْسا، فَسَأَلته، فَقَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكبرها، وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه والطَّحَاوِي، وَقَالَ: ذهب قوم إِلَى أَن التَّكْبِير على الْجَنَائِز خمس، وَأخذُوا بِهَذَا الحَدِيث. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَعِيسَى مولى حُذَيْفَة وَأَصْحَاب معَاذ بن جبل وَأَبا يُوسُف من أَصْحَاب أبي حنيفَة، وَإِلَيْهِ ذهبت الظَّاهِرِيَّة والشيعة. وَفِي (الْمَبْسُوط) وَهِي رِوَايَة عَن أبي يُوسُف، وَقَالَ الْحَازِمِي: وَمِمَّنْ رأى التَّكْبِير على الْجِنَازَة خمْسا ابْن مَسْعُود وَزيد بن أَرقم وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان. وَقَالَ فرقة: يكبر سبعا، رُوِيَ ذَلِك عَن ذَر بن حُبَيْش. وَقَالَ فرقة: يكبر ثَلَاثًا روى ذَلِك عَن أنس وَجَابِر بن زيد، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ. قلت: أَرَادَ بهم مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَابْن سِيرِين وَالنَّخَعِيّ وسُويد بن غَفلَة وَالثَّوْري وَأَبا حنيفَة ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبا مجلز لَاحق بن حميد، ويحكى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَزيد بن ثَابت وَجَابِر وَابْن أبي أوفى وَالْحسن بن عَليّ والبراء بن عَازِب، وَأبي هُرَيْرَة وَعقبَة بن عَامر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلم يذكر التَّسْلِيم هُنَا فِي حَدِيث النَّجَاشِيّ. وَذكر فِي حَدِيث سعيد ابْن الْمسيب رِوَايَة ابْن حبيب عَن مطرف عَن مَالك، وَاسْتَغْرَبَهُ ابْن عبد الْبر، قَالَ: إِلَّا أَنه لَا خلاف عَلمته بَين الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ من الْفُقَهَاء فِي السَّلَام، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا: هَل هِيَ وَاحِدَة أَو اثْنَتَانِ؟ فالجمهور على تَسْلِيمَة وَاحِدَة، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي، وَقَالَت طَائِفَة: تسليمتان، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَهُوَ قَول الشّعبِيّ، وَرِوَايَة عَن إِبْرَاهِيم، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنهُ وَاحِدَة: عمر وَابْنه عبد الله وَعلي وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَجَابِر وَأنس وَابْن أبي أوفى وواثلة وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وَجَابِر بن زيد وَابْن سِيرِين وَالْحسن وَمَكْحُول وَإِبْرَاهِيم فِي رِوَايَة. وَقَالَ الْحَاكِم: صحت الرِّوَايَة فِي الْوَاحِدَة عَن عَليّ وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة وَابْن أبي أوفى أَنهم كَانُوا يسلمُونَ تَسْلِيمَة وَاحِدَة، وَقَالَ ابْن التِّين: وَسَأَلَ أَشهب مَالِكًا: أتكره السَّلَام فِي صَلَاة الْجَنَائِز؟ قَالَ: لَا، وَقد كَانَ ابْن عمر يسلم. قَالَ: فاستناد مَالك إِلَى فعل ابْن عمر دَلِيل على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يسلم فِي صلَاته على النَّجَاشِيّ وَلَا على غَيره.
٦٤٢١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلَالٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخَذَ الرَّايةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أخَذَهَا عَبْدُ الله بنُ رَوَاحَةَ فأُصِيبَ وَإنَّ عَيْنَيْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَتَذْرِفَانِ ثُمَّ أخَذَهَا خالِدُ بنُ الوَلِيدِ منْ غَيْرِ إمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَخذ الرَّايَة زيد. .) إِلَى آخِره نعى مِنْهُ إِلَيْهِم، لِأَنَّهُ أخبر بموتهم. غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه صرح بالنعي فِي الحَدِيث السَّابِق وَهَهُنَا ذكره بِالْمَعْنَى، وَصرح بالنعي فِي عَلَامَات النُّبُوَّة حَيْثُ قَالَ: (إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نعى زيدا وجعفرا. .) الحَدِيث.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَمعمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو المقعد، وَعبد الْوَارِث ابْن سعيد وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.
وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن يُوسُف بن يَعْقُوب وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم فرقهما، وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي فضل خَالِد وَفِي الْمَغَازِي عَن أَحْمد بن وَاقد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَخذ الرَّايَة زيد) ، وقصته فِي غَزْوَة مُؤْتَة، وَهِي مَوضِع فِي أَرض البلقاء من أَطْرَاف الشَّام، وَذَلِكَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرسل سَرِيَّة فِي جُمَادَى الأولى من سنة ثَمَان، وَاسْتعْمل عَلَيْهِم زيد بن حَارِثَة، وَقَالَ: إِن أُصِيب زيد فجعفر ابْن أبي طَالب على النَّاس، فَإِن أُصِيب جَعْفَر فعبد الله بن رَوَاحَة على النَّاس، فَخَرجُوا وهم ثَلَاثَة آلَاف فتلاقوا مَعَ الْكفَّار فَاقْتَتلُوا فَقتل زيد بن حَارِثَة ثمَّ أَخذ الرَّايَة جَعْفَر بن أبي طَالب فقاتل بهَا حَتَّى قتل، ثمَّ أَخذهَا عبد الله بن رَوَاحَة فقاتل بهَا حَتَّى قتل، ثمَّ أَخذهَا خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَفتح الله على يَدَيْهِ. وَعَن أنس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نعى زيدا