الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣١٤
الحديث رقم ١٣١٤ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حمل الرجال الجنازة دون النساء.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٨٦⦘
وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ.»
١٣١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه إذا وضعت الجنازة على السرير، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني لما تراه أمامها من النعيم، وإن كانت غير صالحة صاحت بصوت منكر: يا هلاكها أين يذهبون بها؟! لما تراه أمامها من العذاب، يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لغشي عليه من شدة ما يسمعه.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطَلَعَتْ جِنَازَةٌ، فَلَمَّا رَآهَا قَامَ، وَقَامَ أَصْحَابُهُ حَتَّى بَعُدَتْ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مِنْ شَأْنِهَا أَوْ مِنْ تَضَايُقِ الْمَكَانِ، وَمَا سَأَلْنَاهُ عَنْ قِيَامِهِ. وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ جِنَازَةٍ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الْيَهُودِيِّ وُقُوفًا مَعَ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَقَالَ: هَذَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا أَوْ يَكُونَ قَامَ لِعِلَّةٍ، وَأَيُّهُمَا كَانَ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَرَكَهُ بَعْدَ فِعْلِهِ، وَالْحُجَّةُ فِي الْآخِرِ مِنْ أَمْرِهِ، وَالْقُعُودُ أَحَبُّ إِلَيَّ. انْتَهَى. وَأَشَارَ بِالتَّرْكِ إِلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ: أَنَّهُ ﷺ قَامَ لِلْجِنَازَةِ، ثُمَّ قَعَدَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يَحْتَمِلُ قَوْلَ عَلِيٍّ: ثُمَّ قَعَدَ. أَيْ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَتْهُ وَبَعُدَتْ عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ كَانَ يَقُومُ فِي وَقْتٍ، ثُمَّ تَرَكَ الْقِيَامَ أَصْلًا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِعْلُهُ الْأَخِيرُ قَرِينَةً فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ النَّدْبُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا لِلْوُجُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَجَازِ - يَعْنِي فِي الْأَمْرِ - أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ. انْتَهَى. وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ يَدْفَعُهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْمٍ قَامُوا: أَنْ يَجْلِسُوا، ثُمَّ حَدَّثَهُمُ الْحَدِيثَ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْقِيَامِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: قُعُودُهُ ﷺ بَعْدَ أَمْرِهِ بِالْقِيَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا، لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنَهْيٍ أَوْ بِتَرْكٍ مَعَهُ نَهْيٌ. انْتَهَى. وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى النَّهْيِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُومُ لِلْجِنَازَةِ، فَمَرَّ بِهِ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ: هَكَذَا نَفْعَلُ، فَقَالَ: اجْلِسُوا وَخَالِفُوهُمْ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفًا لَكَانَ حُجَّةً فِي النَّسْخِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ، وَهُوَ هُنَا مُمْكِنٌ. قَالَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَبِهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي. انْتَهَى. وَقَوْلُ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ: هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمِ لِمَا تَقْتضِيهِ صِيغَةُ أَفْعَلَ مِنَ الِاشْتِرَاكِ، وَلَكِنَّ الْقُعُودَ عِنْدَهُ أَوْلَى، وَعَكْسُهُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: كَانَ قُعُودُهُ ﷺ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَمَنْ جَلَسَ فَهُوَ فِي سَعَةٍ، وَمَنْ قَامَ فَلَهُ أَجْرٌ.
وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى جَوَازِ إِخْرَاجِ جَنَائِزِ أَهْلِ الذِّمَّةِ نَهَارًا غَيْرِ مُتَمَيِّزَةٍ عَنْ جَنَائِزِ الْمُسْلِمِينَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ، قَالَ: وَإِلْزَامُهُمْ بِمُخَالَفَةِ رُسُومِ الْمُسْلِمِينَ وَقَعَ اجْتِهَادًا مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا ثَبَتَ النَّسْخُ لِلْقِيَامِ تَبِعَهُ مَا عَدَاهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَامِ، فَلَمَّا تُرِكَ الْقِيَامُ مُنِعَ مِنَ الْإِظْهَارِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ) هُوَ السُّكَّرِيُّ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ مُرَّةَ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، وَلَفْظُهُ نَحْوُ حَدِيثِ شُعْبَةَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: فَمَرَّتْ عَلَيْهِمَا جِنَازَةٌ فَقَامَا، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: بِالْقَادِسِيَّةِ.
وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ سَمَاعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ سَهْلٍ وَقَيْسٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ) هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ مَوْصُولَةٌ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ. وَأَبُو مَسْعُودٍ الْمَذْكُورُ فِيهَا هُوَ الْبَدْرِيُّ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى ذَكَرَ قَيْسًا، وَسَهْلًا مُفْرَدَيْنِ لِكَوْنِهِمَا رَفَعَا لَهُ الْحَدِيثَ، وَذَكَرَهُ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ قَيْسٍ، وَأَبِي مَسْعُودٍ لِكَوْنِ أَبِي مَسْعُودٍ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٠ - بَاب حَمْلِ الرِّجَالِ الْجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ
١٣١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن قال (١): (كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (٢) الأنصاريُّ (وَقَيْسٌ) هو ابن سعدٍ المذكور (يَقُومَانِ لِلْجِنَازَةِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: ويُجمَع بين ما وقع فيه مِن (٣) الاختلاف بأنَّ عبد الرَّحمن بن أبي ليلى ذكر قيسًا وسهلًا مفردَين (٤)؛ لكونهما رفعا له الحديث، وذكره مرَّة أخرى عن قيسٍ وأبي مسعودٍ؛ لكون أبي مسعودٍ لم يرفعه، والله أعلم.
(٥٠) (باب حَمْلِ الرِّجَالِ الجِنَازَةَ دُونَ) حمل (النِّسَاءِ) إيَّاها؛ لضعفهنَّ عن مشاهدة الموتى غالبًا، فكيف بالحمل مع ما يُتوقَّع من صراخهنَّ عند حمله ووضعه وغير ذلك من وجوه المفاسد.
١٣١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ المدنيُّ الأعرج قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) كيسان: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الأنصاريَّ (الخُدْرِيَّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ) أي: الميِّت على النَّعش (وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ) هذا موضع التَّرجمة لكنَّه استُشكِلَ لكونه إخبارًا، فكيف يكون حجَّةً في منع النِّساء؟ وأُجيبَ بأنَّ كلام الشَّارع مهما أمكن يُحمَل على التَّشريع، لا مجرَّد الإخبار عن الواقع، وفي حديث أنسٍ عند أبي يَعلى، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازةٍ، فرأى نسوةً، فقال: «أتحملنه؟» قلن:
لا، قال: «أتدفنَّه؟» قلن: لا، قال: «فارجعن مأزوراتٍ غير مأجوراتٍ»، ولعلَّ المؤلِّف أشار إليه بالتَّرجمة (١) ولم يخرِّجه لكونه على غير شرطه، وحينئذٍ فالحمل خاصٌّ بالرِّجال وإن كان الميِّت امرأةً لضعف النِّساء غالبًا، وقد ينكشف منهنَّ شيءٌ لو حَمْلن كما مرَّ، فيُكره لهنَّ الحمل لذلك، فإن لم يوجد غيرهنَّ تعيَّن عليهنَّ (فَإِنْ كَانَتْ) أي: الجنازة (صَالِحَةً قَالَتْ) قولًا حقيقيًّا: (قَدِّمُونِي) لثواب العمل الصَّالح الَّذي عملته، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قدِّموني» مرَّةً ثانيًة (وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا) أي: يا حزني، احضر، هذا أوانك، وكان القياس أن يكون: يا ويلي (٢)، لكنَّه أُضيف إلى الغائب حملًا على المعنى، كأنَّه لمَّا أبصر نفسه غير صالحةٍ؛ نفر عنها، وجعلها كأنَّها غيره (٣)، أو كره أن يضيف الويل إلى نفسه، قاله في «شرح المشكاة» (أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟) قالته لأنَّها تعلم أنَّها لم تقدِّم خيرًا، أو أنَّها تُقدِم على ما يسوْءُها، فتكره القدوم عليه (يَسْمَعُ (٤) صَوْتَهَا) المنكَر بذلك الويل (كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ) أي: مات، وللحَمُّويي والمُستملي: «لصعق»، قال ابن بطَّالٍ: وإنَّما يتكلَّم روح الجنازة؛ لأنَّ الجسد لا يتكلَّم بعد خروج الرُّوح منه إلَّا أن يردَّها الله إليه، وهذا بناءً منه على أنَّ الكلام شرطه الحياة، وليس كذلك إذا كان الكلام الحروف والأصوات، فيجوز أن يُخلَق في الميِّت، ويكون الكلام النَّفسيُّ قائمًا بالرُّوح، وإنَّما تسمع الأصوات وهو المراد بالحديث.
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ.
(٥١) (باب السُّرْعَةِ بِالجِنَازَةِ) بعد الحمل.
(وَقَالَ أَنَسٌ ﵁) ممَّا وصله عبد الوهَّاب بن عطاءٍ الخفَّافُ في «كتاب الجنائز» له، وابن أبي شيبة بنحوه عن حُمَيدٍ عن أنسٍ أنه سُئِل عن المشي في الجنازة؟ فقال: (أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، فَامْشوا) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ بالجمع، ولغيرهما: «وامشِ» بالواو مع الإفراد، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «فامشِ» بالفاء والإفراد، والأوَّل أنسب (١) (بَيْنَ يَدَيْهَا، وَخَلْفَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ شِمَالِهَا) قال الزَّين بن المُنيِّر: مطابقة هذا الأثر للتَّرجمة: أنَّ الأثر يتضمَّن التَّوسعة على المشيِّعين، وعدم التزامهم (٢) جهةً معيَّنةً وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي، وقضيَّة الإسراع بالجنازة ألَّا يُلزَموا بمكانٍ واحدٍ يمشون فيه؛ لئلَّا يشقَّ على بعضهم ممَّن يضعف في المشي عمَّن (٣) يقوى عليه، ومحصِّله: أنَّ السُّرعة لا تتَّفق غالبًا إلَّا مع عدم (٤) التزام المشي في جهةٍ معيَّنةٍ، فتناسبا (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير أنسٍ: امشِ (قَرِيبًا مِنْهَا) أي: من الجنازة من أيِّ جهةٍ كان؛ لاحتمال أن يحتاج حاملوها إلى المعاونة، والغير المذكور: قال في «الفتح»: أظنُّه عبد الرَّحمن بن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ- وهو صحابيٌّ، وكان (٥) من أهل الصُّفَّة، ثمَّ ذكر حديثًا عن عروة عن (٦) رُوَيمٍ عنه، عند سعيد بن منصورٍ قال: شهد عبد الرَّحمن بن قُرْطٍ جنازةً، فرأى ناسًا تقدَّموا، وآخرين استأخروا، فأمر بالجنازة فوُضِعَت، ثمَّ رماهم بالحجارة حتَّى اجتمعوا إليه، ثمَّ أمر بها فحُمِلَت، ثم قال (٧):
امشوا (١) بين يديها وخلفها وعن يسارها وعن يمينها وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ ما ذكره تخمينٌ وحسبانٌ، ولئن سلَّمنا أنَّه هو ذلك الغير؛ فلا نسلِّم أنَّ هذا مناسبٌ لما ذكره الغير، بل هو بعينه مثل ما قاله أنسٌ، وفي إيراد المؤلِّف لأثر أنسٍ المذكور دليلٌ على اختياره لهذا المذهب، وهو التَّخيير في المشي مع الجنازة -وهو قول الثَّوريِّ وغيره- وبه قال ابن حزمٍ، لكنَّه قيَّده بالماشي؛ لحديث المغيرة بن شعبة المرويِّ في «السُّنن الأربعة»، وصحَّحه ابن حِبَّان والحاكم مرفوعًا: «الرَّاكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها»، والجمهور: أنَّ المشي وكونه أمامها أفضل للاتِّباع، رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ، ولأنَّه شفيعٌ، وحقُّ الشَّفيع أن يتقدَّم، وأمَّا ما رواه سعيد بن منصورٍ وغيره عن عليٍّ موقوفًا (٢): المشي خلفها أفضل؛ فضعيفٌ، وكونه قريبًا منها بحيث يراها إن التفت إليها أفضلُ منه بعيدًا بألَّا يراها لكثرة الماشين معها، ولو مشى خلفها حصل له أصل فضيلة المتابعة، وفاته كمالها، ويُكرَه ركوبه في ذهابه معها؛ لحديث التِّرمذيِّ: أنَّه ﷺ رأى ناسًا ركبانًا مع جنازةٍ، فقال: «ألا تستحيون (٣)؟ إنَّ ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدَّوابِّ». نعم إن كان له عذرٌ كمرض، أو في رجوعه فلا كراهة (٤) فيه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
رُوِيَ لَهُ أَرْبَعُونَ حَدِيثا، للْبُخَارِيّ مِنْهَا أَرْبَعَة، مَاتَ بِالْكُوفَةِ وَصلى عَلَيْهِ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقيس بن سعد بن عبَادَة، بِضَم الْمُهْملَة: الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ الْجواد ابْن الْجواد، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة ودهاة الْعَرَب شرِيف قومه لم يكن فِي وَجهه لحية وَلَا شَعْرَة، وَكَانَت الْأَنْصَار تَقول: وَدِدْنَا أَن نشتري لحية الْقَيْس بِأَمْوَالِنَا، وَكَانَ جميلاً، مَاتَ سنة سِتِّينَ.
واالحديث أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَمُحَمّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار وَعَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَاعِدين) ، تَثْنِيَة قَاعد مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر: كَانَ. قَوْله: (بالقادسية) ، بِالْقَافِ وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وبالسين الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: مَدِينَة صَغِيرَة ذَات نخيل ومياه. قَالَ الْكرْمَانِي: بَينهَا وَبَين الْكُوفَة مرحلتان، وَفِي (الْمُشْتَرك) بَينهَا وَبَين الْكُوفَة خَمْسَة عشر فرسخا فِي طَرِيق الْحَاج، وَبهَا كَانَت وقْعَة الْقَادِسِيَّة فِي أَيَّام عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، والقادسية قَرْيَة كَبِيرَة بِالْقربِ من سامراء يعْمل فِيهَا الزّجاج، وَإِنَّمَا سميت بِهَذَا الإسم لنزول أهل قادس بهَا، وقادس قَرْيَة بمرو الروذ، وَذكر ياقوت خمس بِلَاد يُقَال لكل وَاحِد مِنْهَا: قادسية. قَوْله: (عَلَيْهِمَا) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: (عَلَيْهِم) ، أَي: على سهل وَقيس وَمن كَانَ مَعهَا. قَوْله: (أَي من أهل الذِّمَّة) ، هَذَا تَفْسِير لقَوْله: (من أهل الأَرْض) ، كَذَا فِي رِوَايَات (الصَّحيحين) وَغَيرهمَا، وَقَالَ ابْن التِّين نَاقِلا عَن الدَّاودِيّ: إِنَّه شَرحه بِلَفْظ: أَو، الَّتِي للشَّكّ. وَقَالَ: لم أر لغيره، وَقيل: لأهل الذِّمَّة: أهل الأَرْض، لِأَن الْمُسلمين لما فتحُوا الْبِلَاد أقروهم على عمل الأَرْض وَحمل الْخراج. قَوْله: (أليست نفسا؟) قَالَ ابْن بطال: أليست نفسا فَمَاتَتْ؟ فالقيام لَهَا لأجل صعوبة الْمَوْت وتذكره، فَكَأَنَّهُ إِذا قَامَ كَانَ أَشد لتذكره، وَقد ذكرنَا فِي: بَاب الْقيام للجنازة، اخْتِلَاف الْأَحَادِيث فِي تَعْلِيل الْقيام لَهَا، فتراها أحسن وأوجه من الَّذِي ذكره بَعضهم فِي هَذَا الْموضع.
٣١٣١ - وَقَالَ أبُو حمْزَةُ عَن الأَعْمَشِ عنْ عَمْرٍ وعنِ ابنِ أبي لَيْلَى. قَالَ كنْتُ مَعَ قَيْسٍ وسَهْلٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فقَالَا كُنَّا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة: واسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي، مر فِي: بَاب نقض الْيَدَيْنِ من الْغسْل، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَعَمْرو بِالْوَاو هُوَ عَمْرو بن مرّة الْمَذْكُور، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة وَلَفظه نَحْو حَدِيث شُعْبَة إلَاّ أَنه قَالَ فِي رِوَايَته: (فمرت عَلَيْهِمَا جَنَازَة فقاما) ، وَلم يقل فِيهِ: بالقادسية، وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَماع عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى لهَذَا الحَدِيث من سهل وَقيس، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَأَرَادَ بِهَذَا التقوية حَيْثُ قَالَ بِلَفْظ: كُنَّا، بِخِلَاف الطَّرِيق الأول فَإِنَّهُ يحْتَمل الْإِرْسَال.
وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ ابنِ أبِي لَيْلَى كانَ أبُو مَسْعُودٍ وقَيْسٌ يَقُومَانِ لِلْجَنَازَةِ
زَكَرِيَّا هُوَ: ابْن أبي زَائِدَة، من الزِّيَادَة، وَالشعْبِيّ هُوَ: عَامر بن شرَاحِيل، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة عَن زَكَرِيَّا، وَأَبُو مَسْعُود اسْمه: عقبَة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ الخزرجي البدري، وَلم يشْهد بَدْرًا، وَإِنَّمَا قيل لَهُ البدري لِأَنَّهُ من مَاء بدر، سكن الْكُوفَة، مر فِي: بَاب مَا جَاءَ أَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ، وَقيس هُوَ الْمَذْكُور ابْن سعد، وغرضه من ذكر أبي مَسْعُود هُوَ الْإِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ يقوم للجنازة مثل قيس.
٠٥ - (بابُ حَمْلِ الرِّجَالِ الجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حمل الرِّجَال الْجِنَازَة دون حمل النِّسَاء إِيَّاهَا، لِأَنَّهُ ورد فِي حَدِيث أخرجه أَبُو يعلى (عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَنَازَة، فَرَأى نسْوَة فَقَالَ: أتحملنه؟ قُلْنَ: لَا. قَالَ: أتدفنه؟ قُلْنَ: لَا. قَالَ: فارجعن مَأْزُورَات غير مَأْجُورَات) . لِأَن الرِّجَال أقوى لذَلِك وَالنِّسَاء ضعيفات ومظنة للانكشاف غَالِبا، خُصُوصا إِذا باشرن الْحمل، ولأنهن إِذا حملنها مَعَ وجود الرِّجَال لوقع اختلاطهن بِالرِّجَالِ، وَهُوَ مَحل الْفِتْنَة ومظنة الْفساد. فَإِن قلت: إِذا لم يُوجد رجال؟ قلت: الضرورات مُسْتَثْنَاة فِي الشَّرْع.
٤١٣١ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا الليْثُ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجالُ عَلَى أعْناقِهِمْ فإنْ كانَتْ صالِحَةً قالَتْ قَدِّمُونِي وَإنْ كانَتْ غَيْرَ صالِحَةٍ قالَتْ يَا وَيْلَهَا أيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كْلُّ شَيءٍ إلَاّ الإنْسَانَ ولَوْ سَمِعَهُ لَصَعِقَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واحتملها الرِّجَال) فَإِن قلت: هَذَا إِخْبَار، فَكيف يكون حجَّة فِي منع النِّسَاء؟ قلت: كَلَام الشَّارِع مهما أمكن يحمل على التشريع لَا مُجَرّد الْإِخْبَار عَن الْوَاقِع.
وَرِجَاله تقدمُوا غير مرّة، وَاسم أبي سعيد: كيسَان، وَاسم أبي سعيد الْخُدْرِيّ: سعد بن مَالك، والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا وضعت الْجِنَازَة) ، أَي: الْمَيِّت على النعش، وَقد ذكرنَا أَن هَذَا اللَّفْظ يُطلق على الْمَيِّت وعَلى السرير الَّذِي يحمل عَلَيْهِ الْمَيِّت، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بهَا النعش، وَلَفظ: احتملها، يؤكده وَيكون إِسْنَاد القَوْل إِلَيْهِ مجَازًا. قَوْله: (يَا وَيْلَهَا) ، مَعْنَاهُ: يَا حزني إحضر فَهَذَا أوانك، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: يَا ويلي، لكنه أضيف إِلَى الْغَائِب حملا على الْمَعْنى، كَأَنَّهُ لما أبْصر نَفسه غير صَالِحَة نفر عَنْهَا وَجعلهَا كَأَنَّهَا غَيره، وَكره أَن يضيف الويل إِلَى نَفسه. قَوْله: (لصعق) الصَّعق: أَن يغشى على الْإِنْسَان من صَوت شَدِيد يسمعهُ، وَرُبمَا مَاتَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْن بطال: (قدموني) أَي: إِلَى الْعَمَل الصَّالح الَّذِي عملته، يَعْنِي إِلَى ثَوَابه. وَفِي لفظ: (يسمع) ، دلَالَة أَن القَوْل هَهُنَا حَقِيقَة لَا مجَاز، وَأَنه تَعَالَى يحدث النُّطْق فِي الْمَيِّت إِذا شَاءَ. وَقَالَ: يَا وَيْلَهَا، لِأَنَّهَا تعلم أَنَّهَا لم تقدم خيرا، وَأَنَّهَا تقدم على مَا يسوؤها فتكره الْقدوم عَلَيْهَا، وَالضَّمِير فِي قَوْله: (لَو سَمعه) رَاجع إِلَى دُعَائِهِ بِالْوَيْلِ على نَفسهَا، أَي: تصيح بِصَوْت مُنكر لَو سَمعه الْإِنْسَان لأغشي عَلَيْهِ.
١٥ - (بابُ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْإِسْرَاع بالجنازة بعد الْحمل.
وَقَالَ أنَسٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنْتُمْ مُشَيِّعُونَ فَامْشُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وعَنْ يَمِينِهَا وعَنْ شِمَالِهَا
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن السرعة بالجنازة لَا تكون غَالِبا إلَاّ فِي وجهات مُخْتَلفَة، وَلَا تكون فِي جِهَة مُعينَة لتَفَاوت النَّاس فِي الْمَشْي، وَتحصل الْمَشَقَّة من بَعضهم على بعض فِي تعْيين جِهَة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك تكون السرعة من جوانبها الْأَرْبَع، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره ابْن أبي شيبَة عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن حميد عَن أنس فِي الْجِنَازَة: أَنْتُم مشيعون لَهَا تمشون أمامها وَخَلفهَا وَعَن يَمِينهَا وَعَن شمالها. وَأخرجه عبد الرَّزَّاق عَن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ عَن حميد بِهِ. قَوْله: (فامشوا) بِصِيغَة الْجمع، رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (فامش) ، بِالْإِفْرَادِ وَالْأول أنسب.
وَقَالَ غَيْرُهُ: قَرِيبا مِنْهَا
أَي: قَالَ غير أنس: إمشِ قَرِيبا من الْجِنَازَة، وَالْمَقْصُود أَن يكون قَرِيبا من الْجِنَازَة من أَي جِهَة كَانَ، لاحْتِمَال أَن يحْتَاج حاملوها إِلَى المعاونة، فَإِن بعد مِنْهَا لم يكن مشيعا، فَإِن كَانَت الْمُتَابَعَة بعده لِكَثْرَة الْجَمَاعَة حصل لَهُ فضل الْمُتَابَعَة، وَقَالَ بَعضهم: والغير الْمَذْكُور أَظُنهُ عبد الرَّحْمَن بن قرط، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا طاء مُهْملَة. قَالَ سعيد بن مَنْصُور: حَدثنَا مِسْكين بن مَيْمُون حَدثنِي عُرْوَة بن رُوَيْم، قَالَ: (شهد عبد الرَّحْمَن بن قرط جَنَازَة فَرَأى نَاسا تقدمُوا، وَآخَرين استأخروا، فَأمر بالجنازة فَوضعت، ثمَّ رماهم بِالْحِجَارَةِ حَتَّى اجْتَمعُوا إِلَيْهِ، ثمَّ أَمر بهَا فَحملت، ثمَّ قَالَ: بَين يَديهَا وَخَلفهَا وَعَن يسارها وَعَن يَمِينهَا) . انْتهى. قلت: هَذَا تخمين وحسبان، وَلَئِن سلمنَا إِنَّه هُوَ ذَاك الْغَيْر، فَلَا نسلم أَن هَذَا مُنَاسِب لما ذكره الْغَيْر، بل هُوَ بِعَيْنِه مثل مَا قَالَه أنس، وَلَا يخفى ذَلِك على المتأمل، وَعبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور صَحَابِيّ ذكر البُخَارِيّ وَغَيره أَنه كَانَ من أهل الصّفة، وَكَانَ واليا على حمص فِي زمن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٥١٣١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ عَن الزهْرِيِّ عنْ سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ فإنْ تَكُ صالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ وَإنْ تَكُ سِوَى ذالِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عنْ رِقَابِكُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَزُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد يبلغ بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن أَحْمد بن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن ابْن أبي شيبَة وَهِشَام بن عمار، كلهم عَن سُفْيَان بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حفظناه) ، ويروى: (حفظته) . قَوْله: (عَن الزُّهْرِيّ) ، هُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِكَلِمَة: عَن، وَفِي رِوَايَة غَيره: من، بدل: عَن. قَوْله: (أَسْرعُوا) ، أَمر من الْإِسْرَاع وَلَيْسَ المُرَاد بالإسراع شدَّة الْإِسْرَاع، بل المُرَاد الْمُتَوَسّط بَين شدَّة السَّعْي وَبَين الْمَشْي الْمُعْتَاد، بِدَلِيل قَوْله فِي حَدِيث أبي بكرَة: (وَإِنَّا لنكاد أَن نرمل) ، ومقاربة الرمل لَيْسَ بالسعي الشَّديد، قَالَه شَيخنَا زين الدّين. قلت: فِي رِوَايَة أبي دَاوُد (عَن عُيَيْنَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه: أَنه كَانَ فِي جَنَازَة عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ، وَكُنَّا نمشي مشيا خَفِيفا. فلحقنا أَبُو بكرَة، فَرفع صَوته فَقَالَ: لقد رَأَيْتنَا وَنحن مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نرمل رملاً) . قَوْله: (نرمل) ، من رمل رملاً ورملانا: إِذا أسْرع فِي الْمَشْي، وهز مَنْكِبه. قلت: مُرَاده الْإِسْرَاع الْمُتَوَسّط، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، فِي (مُصَنفه) من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: (إِن أَبَاهُ أوصاه قَالَ: إِذا أَنْت حَملتنِي على السرير فامشِ مشيا بَين المشيين، وَكن خلف الْجِنَازَة، فَإِن مقدمها للْمَلَائكَة وَخَلفهَا لبني آدم) . قَوْله: (بالجنازة) أَي: يحملهَا إِلَى قبرها. وَقيل: المُرَاد الْإِسْرَاع بتجهيزها وتعجيل الدّفن بعد تَيَقّن مَوته، لحَدِيث حُصَيْن بن وحوح (إِن طَلْحَة بن الْبَراء مرض، فَأَتَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعودهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أرى طَلْحَة إلَاّ وَقد حدث بِهِ الْمَوْت، فآذنوني بِهِ وعجلوا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لجيفة مُسلم أَن تحبس بَين ظهراني أَهله) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قلت: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَابْن وحوح بواوين مفتوحتين، وحائين مهملتين أولاهما سَاكِنة، وَهُوَ أَنْصَارِي لَهُ صُحْبَة. قيل: إِنَّه مَاتَ بالعذيب، روى لَهُ أَبُو دَاوُد، وروى الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث ابْن عمر: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (إِذا مَاتَ أحدكُم فَلَا تَحْبِسُوهُ، وأسرعوا بِهِ إِلَى قَبره) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الأول: أظهر، وَقَالَ النَّوَوِيّ الثَّانِي: بَاطِل مَرْدُود، بقوله فِي الحَدِيث: (تضعونة عَن رِقَابكُمْ) ، ورد عَلَيْهِ بِأَن الْحمل على الرّقاب قد يعبر بِهِ عَن الْمعَانِي، كَمَا تَقول: حمل فلَان على رقبته ذنوبا، فَيكون الْمَعْنى: استريحوا من نظر من لَا خير فِيهِ، وَيدل عَلَيْهِ أَن الْكل لَا يحملونه. قلت: وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أبي دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ الْمَذْكُور. قَوْله: (فَإِن تَكُ) ، أَصله: فَإِن تكن، حذفت النُّون للتَّخْفِيف، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْجِنَازَة الَّتِي هِيَ عبارَة عَن الْمَيِّت. قَوْله: (صَالِحَة) ، نصب على الخبرية. قَوْله: (فَخير) ، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: فَهُوَ (وَخير، تقدمونها إِلَيْهِ) يَوْم الْقِيَامَة، أَو: هُوَ، مُبْتَدأ أَي: فثمة خير تقدمون الْجِنَازَة إِلَيْهِ، يَعْنِي حَاله فِي الْقَبْر حسن طيب فَأَسْرعُوا بهَا حَتَّى تصل إِلَى تِلْكَ الْحَالة قَرِيبا. قَوْله: (إِلَيْهِ) الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْخَيْر بِاعْتِبَار الثَّوَاب. وَقَالَ ابْن مَالك: رُوِيَ: (تقدمونه إِلَيْهَا) أَي: تقدمون الْمَيِّت إِلَيْهَا أَي: إِلَى الْخَيْر، وَأَنت الضَّمِير على تَأْوِيل الْخَيْر بِالرَّحْمَةِ أَو الْحسنى، قَوْله: (فشر) إعرابه مثل إِعْرَاب: (فَخير) . قَوْله: (تضعونه) أَي: إِنَّهَا بعيدَة من الرَّحْمَة فَلَا مصلحَة لكم فِي مصاحبتها.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْأَمر بالإسراع وَنقل ابْن قدامَة أَن الْأَمر فِيهِ للاستحباب بِلَا خلاف بَين الْعلمَاء. وَقَالَ ابْن حزم: وُجُوبه، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : جَاءَ عَن بعض السّلف كَرَاهَة الْإِسْرَاع بالجنازة، وَلَعَلَّه يكون مَحْمُولا على الْإِسْرَاع المفرط الَّذِي يخَاف مِنْهُ انفجار الْمَيِّت، وَخُرُوج شَيْء مِنْهُ. وَقَالَ بَعضهم: وَالْمرَاد بالإسراع شدَّة الْمَشْي، وعَلى ذَلِك حمله بعض السّلف، وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : ويمشون بهَا مُسْرِعين دون الخبب. وَفِي (الْمَبْسُوط) : لَيْسَ فِيهِ شَيْء موقت، غير إِن العجلة أحب إِلَى أبي حنيفَة. قلت: قَوْله: وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة، غير صَحِيح، وَلم يقل أحد مِنْهُم بِشدَّة الْمَشْي، وعذا احب (الْهِدَايَة) الَّذِي لَا يذكر إلَاّ مَا هُوَ الْعُمْدَة عِنْد أبي حنيفَة، يَقُول: ويمشون بهَا مُسْرِعين دون الخبب، وَقَوله: دون الخبب، يدل على أَن المُرَاد
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطَلَعَتْ جِنَازَةٌ، فَلَمَّا رَآهَا قَامَ، وَقَامَ أَصْحَابُهُ حَتَّى بَعُدَتْ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مِنْ شَأْنِهَا أَوْ مِنْ تَضَايُقِ الْمَكَانِ، وَمَا سَأَلْنَاهُ عَنْ قِيَامِهِ. وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ جِنَازَةٍ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الْيَهُودِيِّ وُقُوفًا مَعَ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَقَالَ: هَذَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا أَوْ يَكُونَ قَامَ لِعِلَّةٍ، وَأَيُّهُمَا كَانَ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَرَكَهُ بَعْدَ فِعْلِهِ، وَالْحُجَّةُ فِي الْآخِرِ مِنْ أَمْرِهِ، وَالْقُعُودُ أَحَبُّ إِلَيَّ. انْتَهَى. وَأَشَارَ بِالتَّرْكِ إِلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ: أَنَّهُ ﷺ قَامَ لِلْجِنَازَةِ، ثُمَّ قَعَدَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يَحْتَمِلُ قَوْلَ عَلِيٍّ: ثُمَّ قَعَدَ. أَيْ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَتْهُ وَبَعُدَتْ عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ كَانَ يَقُومُ فِي وَقْتٍ، ثُمَّ تَرَكَ الْقِيَامَ أَصْلًا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِعْلُهُ الْأَخِيرُ قَرِينَةً فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ النَّدْبُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا لِلْوُجُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَجَازِ - يَعْنِي فِي الْأَمْرِ - أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ. انْتَهَى. وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ يَدْفَعُهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْمٍ قَامُوا: أَنْ يَجْلِسُوا، ثُمَّ حَدَّثَهُمُ الْحَدِيثَ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْقِيَامِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: قُعُودُهُ ﷺ بَعْدَ أَمْرِهِ بِالْقِيَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا، لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنَهْيٍ أَوْ بِتَرْكٍ مَعَهُ نَهْيٌ. انْتَهَى. وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى النَّهْيِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُومُ لِلْجِنَازَةِ، فَمَرَّ بِهِ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ: هَكَذَا نَفْعَلُ، فَقَالَ: اجْلِسُوا وَخَالِفُوهُمْ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفًا لَكَانَ حُجَّةً فِي النَّسْخِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ، وَهُوَ هُنَا مُمْكِنٌ. قَالَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَبِهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي. انْتَهَى. وَقَوْلُ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ: هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمِ لِمَا تَقْتضِيهِ صِيغَةُ أَفْعَلَ مِنَ الِاشْتِرَاكِ، وَلَكِنَّ الْقُعُودَ عِنْدَهُ أَوْلَى، وَعَكْسُهُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: كَانَ قُعُودُهُ ﷺ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَمَنْ جَلَسَ فَهُوَ فِي سَعَةٍ، وَمَنْ قَامَ فَلَهُ أَجْرٌ.
وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى جَوَازِ إِخْرَاجِ جَنَائِزِ أَهْلِ الذِّمَّةِ نَهَارًا غَيْرِ مُتَمَيِّزَةٍ عَنْ جَنَائِزِ الْمُسْلِمِينَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ، قَالَ: وَإِلْزَامُهُمْ بِمُخَالَفَةِ رُسُومِ الْمُسْلِمِينَ وَقَعَ اجْتِهَادًا مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا ثَبَتَ النَّسْخُ لِلْقِيَامِ تَبِعَهُ مَا عَدَاهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَامِ، فَلَمَّا تُرِكَ الْقِيَامُ مُنِعَ مِنَ الْإِظْهَارِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ) هُوَ السُّكَّرِيُّ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ مُرَّةَ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، وَلَفْظُهُ نَحْوُ حَدِيثِ شُعْبَةَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: فَمَرَّتْ عَلَيْهِمَا جِنَازَةٌ فَقَامَا، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: بِالْقَادِسِيَّةِ.
وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ سَمَاعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ سَهْلٍ وَقَيْسٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ) هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ مَوْصُولَةٌ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ. وَأَبُو مَسْعُودٍ الْمَذْكُورُ فِيهَا هُوَ الْبَدْرِيُّ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى ذَكَرَ قَيْسًا، وَسَهْلًا مُفْرَدَيْنِ لِكَوْنِهِمَا رَفَعَا لَهُ الْحَدِيثَ، وَذَكَرَهُ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ قَيْسٍ، وَأَبِي مَسْعُودٍ لِكَوْنِ أَبِي مَسْعُودٍ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٠ - بَاب حَمْلِ الرِّجَالِ الْجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ
١٣١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن قال (١): (كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (٢) الأنصاريُّ (وَقَيْسٌ) هو ابن سعدٍ المذكور (يَقُومَانِ لِلْجِنَازَةِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: ويُجمَع بين ما وقع فيه مِن (٣) الاختلاف بأنَّ عبد الرَّحمن بن أبي ليلى ذكر قيسًا وسهلًا مفردَين (٤)؛ لكونهما رفعا له الحديث، وذكره مرَّة أخرى عن قيسٍ وأبي مسعودٍ؛ لكون أبي مسعودٍ لم يرفعه، والله أعلم.
(٥٠) (باب حَمْلِ الرِّجَالِ الجِنَازَةَ دُونَ) حمل (النِّسَاءِ) إيَّاها؛ لضعفهنَّ عن مشاهدة الموتى غالبًا، فكيف بالحمل مع ما يُتوقَّع من صراخهنَّ عند حمله ووضعه وغير ذلك من وجوه المفاسد.
١٣١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ المدنيُّ الأعرج قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) كيسان: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الأنصاريَّ (الخُدْرِيَّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ) أي: الميِّت على النَّعش (وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ) هذا موضع التَّرجمة لكنَّه استُشكِلَ لكونه إخبارًا، فكيف يكون حجَّةً في منع النِّساء؟ وأُجيبَ بأنَّ كلام الشَّارع مهما أمكن يُحمَل على التَّشريع، لا مجرَّد الإخبار عن الواقع، وفي حديث أنسٍ عند أبي يَعلى، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازةٍ، فرأى نسوةً، فقال: «أتحملنه؟» قلن:
لا، قال: «أتدفنَّه؟» قلن: لا، قال: «فارجعن مأزوراتٍ غير مأجوراتٍ»، ولعلَّ المؤلِّف أشار إليه بالتَّرجمة (١) ولم يخرِّجه لكونه على غير شرطه، وحينئذٍ فالحمل خاصٌّ بالرِّجال وإن كان الميِّت امرأةً لضعف النِّساء غالبًا، وقد ينكشف منهنَّ شيءٌ لو حَمْلن كما مرَّ، فيُكره لهنَّ الحمل لذلك، فإن لم يوجد غيرهنَّ تعيَّن عليهنَّ (فَإِنْ كَانَتْ) أي: الجنازة (صَالِحَةً قَالَتْ) قولًا حقيقيًّا: (قَدِّمُونِي) لثواب العمل الصَّالح الَّذي عملته، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قدِّموني» مرَّةً ثانيًة (وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا) أي: يا حزني، احضر، هذا أوانك، وكان القياس أن يكون: يا ويلي (٢)، لكنَّه أُضيف إلى الغائب حملًا على المعنى، كأنَّه لمَّا أبصر نفسه غير صالحةٍ؛ نفر عنها، وجعلها كأنَّها غيره (٣)، أو كره أن يضيف الويل إلى نفسه، قاله في «شرح المشكاة» (أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟) قالته لأنَّها تعلم أنَّها لم تقدِّم خيرًا، أو أنَّها تُقدِم على ما يسوْءُها، فتكره القدوم عليه (يَسْمَعُ (٤) صَوْتَهَا) المنكَر بذلك الويل (كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ) أي: مات، وللحَمُّويي والمُستملي: «لصعق»، قال ابن بطَّالٍ: وإنَّما يتكلَّم روح الجنازة؛ لأنَّ الجسد لا يتكلَّم بعد خروج الرُّوح منه إلَّا أن يردَّها الله إليه، وهذا بناءً منه على أنَّ الكلام شرطه الحياة، وليس كذلك إذا كان الكلام الحروف والأصوات، فيجوز أن يُخلَق في الميِّت، ويكون الكلام النَّفسيُّ قائمًا بالرُّوح، وإنَّما تسمع الأصوات وهو المراد بالحديث.
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ.
(٥١) (باب السُّرْعَةِ بِالجِنَازَةِ) بعد الحمل.
(وَقَالَ أَنَسٌ ﵁) ممَّا وصله عبد الوهَّاب بن عطاءٍ الخفَّافُ في «كتاب الجنائز» له، وابن أبي شيبة بنحوه عن حُمَيدٍ عن أنسٍ أنه سُئِل عن المشي في الجنازة؟ فقال: (أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، فَامْشوا) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ بالجمع، ولغيرهما: «وامشِ» بالواو مع الإفراد، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «فامشِ» بالفاء والإفراد، والأوَّل أنسب (١) (بَيْنَ يَدَيْهَا، وَخَلْفَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ شِمَالِهَا) قال الزَّين بن المُنيِّر: مطابقة هذا الأثر للتَّرجمة: أنَّ الأثر يتضمَّن التَّوسعة على المشيِّعين، وعدم التزامهم (٢) جهةً معيَّنةً وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي، وقضيَّة الإسراع بالجنازة ألَّا يُلزَموا بمكانٍ واحدٍ يمشون فيه؛ لئلَّا يشقَّ على بعضهم ممَّن يضعف في المشي عمَّن (٣) يقوى عليه، ومحصِّله: أنَّ السُّرعة لا تتَّفق غالبًا إلَّا مع عدم (٤) التزام المشي في جهةٍ معيَّنةٍ، فتناسبا (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير أنسٍ: امشِ (قَرِيبًا مِنْهَا) أي: من الجنازة من أيِّ جهةٍ كان؛ لاحتمال أن يحتاج حاملوها إلى المعاونة، والغير المذكور: قال في «الفتح»: أظنُّه عبد الرَّحمن بن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ- وهو صحابيٌّ، وكان (٥) من أهل الصُّفَّة، ثمَّ ذكر حديثًا عن عروة عن (٦) رُوَيمٍ عنه، عند سعيد بن منصورٍ قال: شهد عبد الرَّحمن بن قُرْطٍ جنازةً، فرأى ناسًا تقدَّموا، وآخرين استأخروا، فأمر بالجنازة فوُضِعَت، ثمَّ رماهم بالحجارة حتَّى اجتمعوا إليه، ثمَّ أمر بها فحُمِلَت، ثم قال (٧):
امشوا (١) بين يديها وخلفها وعن يسارها وعن يمينها وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ ما ذكره تخمينٌ وحسبانٌ، ولئن سلَّمنا أنَّه هو ذلك الغير؛ فلا نسلِّم أنَّ هذا مناسبٌ لما ذكره الغير، بل هو بعينه مثل ما قاله أنسٌ، وفي إيراد المؤلِّف لأثر أنسٍ المذكور دليلٌ على اختياره لهذا المذهب، وهو التَّخيير في المشي مع الجنازة -وهو قول الثَّوريِّ وغيره- وبه قال ابن حزمٍ، لكنَّه قيَّده بالماشي؛ لحديث المغيرة بن شعبة المرويِّ في «السُّنن الأربعة»، وصحَّحه ابن حِبَّان والحاكم مرفوعًا: «الرَّاكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها»، والجمهور: أنَّ المشي وكونه أمامها أفضل للاتِّباع، رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ، ولأنَّه شفيعٌ، وحقُّ الشَّفيع أن يتقدَّم، وأمَّا ما رواه سعيد بن منصورٍ وغيره عن عليٍّ موقوفًا (٢): المشي خلفها أفضل؛ فضعيفٌ، وكونه قريبًا منها بحيث يراها إن التفت إليها أفضلُ منه بعيدًا بألَّا يراها لكثرة الماشين معها، ولو مشى خلفها حصل له أصل فضيلة المتابعة، وفاته كمالها، ويُكرَه ركوبه في ذهابه معها؛ لحديث التِّرمذيِّ: أنَّه ﷺ رأى ناسًا ركبانًا مع جنازةٍ، فقال: «ألا تستحيون (٣)؟ إنَّ ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدَّوابِّ». نعم إن كان له عذرٌ كمرض، أو في رجوعه فلا كراهة (٤) فيه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
رُوِيَ لَهُ أَرْبَعُونَ حَدِيثا، للْبُخَارِيّ مِنْهَا أَرْبَعَة، مَاتَ بِالْكُوفَةِ وَصلى عَلَيْهِ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقيس بن سعد بن عبَادَة، بِضَم الْمُهْملَة: الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ الْجواد ابْن الْجواد، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة ودهاة الْعَرَب شرِيف قومه لم يكن فِي وَجهه لحية وَلَا شَعْرَة، وَكَانَت الْأَنْصَار تَقول: وَدِدْنَا أَن نشتري لحية الْقَيْس بِأَمْوَالِنَا، وَكَانَ جميلاً، مَاتَ سنة سِتِّينَ.
واالحديث أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَمُحَمّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار وَعَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَاعِدين) ، تَثْنِيَة قَاعد مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر: كَانَ. قَوْله: (بالقادسية) ، بِالْقَافِ وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وبالسين الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: مَدِينَة صَغِيرَة ذَات نخيل ومياه. قَالَ الْكرْمَانِي: بَينهَا وَبَين الْكُوفَة مرحلتان، وَفِي (الْمُشْتَرك) بَينهَا وَبَين الْكُوفَة خَمْسَة عشر فرسخا فِي طَرِيق الْحَاج، وَبهَا كَانَت وقْعَة الْقَادِسِيَّة فِي أَيَّام عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، والقادسية قَرْيَة كَبِيرَة بِالْقربِ من سامراء يعْمل فِيهَا الزّجاج، وَإِنَّمَا سميت بِهَذَا الإسم لنزول أهل قادس بهَا، وقادس قَرْيَة بمرو الروذ، وَذكر ياقوت خمس بِلَاد يُقَال لكل وَاحِد مِنْهَا: قادسية. قَوْله: (عَلَيْهِمَا) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: (عَلَيْهِم) ، أَي: على سهل وَقيس وَمن كَانَ مَعهَا. قَوْله: (أَي من أهل الذِّمَّة) ، هَذَا تَفْسِير لقَوْله: (من أهل الأَرْض) ، كَذَا فِي رِوَايَات (الصَّحيحين) وَغَيرهمَا، وَقَالَ ابْن التِّين نَاقِلا عَن الدَّاودِيّ: إِنَّه شَرحه بِلَفْظ: أَو، الَّتِي للشَّكّ. وَقَالَ: لم أر لغيره، وَقيل: لأهل الذِّمَّة: أهل الأَرْض، لِأَن الْمُسلمين لما فتحُوا الْبِلَاد أقروهم على عمل الأَرْض وَحمل الْخراج. قَوْله: (أليست نفسا؟) قَالَ ابْن بطال: أليست نفسا فَمَاتَتْ؟ فالقيام لَهَا لأجل صعوبة الْمَوْت وتذكره، فَكَأَنَّهُ إِذا قَامَ كَانَ أَشد لتذكره، وَقد ذكرنَا فِي: بَاب الْقيام للجنازة، اخْتِلَاف الْأَحَادِيث فِي تَعْلِيل الْقيام لَهَا، فتراها أحسن وأوجه من الَّذِي ذكره بَعضهم فِي هَذَا الْموضع.
٣١٣١ - وَقَالَ أبُو حمْزَةُ عَن الأَعْمَشِ عنْ عَمْرٍ وعنِ ابنِ أبي لَيْلَى. قَالَ كنْتُ مَعَ قَيْسٍ وسَهْلٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فقَالَا كُنَّا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة: واسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي، مر فِي: بَاب نقض الْيَدَيْنِ من الْغسْل، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَعَمْرو بِالْوَاو هُوَ عَمْرو بن مرّة الْمَذْكُور، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة وَلَفظه نَحْو حَدِيث شُعْبَة إلَاّ أَنه قَالَ فِي رِوَايَته: (فمرت عَلَيْهِمَا جَنَازَة فقاما) ، وَلم يقل فِيهِ: بالقادسية، وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَماع عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى لهَذَا الحَدِيث من سهل وَقيس، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَأَرَادَ بِهَذَا التقوية حَيْثُ قَالَ بِلَفْظ: كُنَّا، بِخِلَاف الطَّرِيق الأول فَإِنَّهُ يحْتَمل الْإِرْسَال.
وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ ابنِ أبِي لَيْلَى كانَ أبُو مَسْعُودٍ وقَيْسٌ يَقُومَانِ لِلْجَنَازَةِ
زَكَرِيَّا هُوَ: ابْن أبي زَائِدَة، من الزِّيَادَة، وَالشعْبِيّ هُوَ: عَامر بن شرَاحِيل، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة عَن زَكَرِيَّا، وَأَبُو مَسْعُود اسْمه: عقبَة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ الخزرجي البدري، وَلم يشْهد بَدْرًا، وَإِنَّمَا قيل لَهُ البدري لِأَنَّهُ من مَاء بدر، سكن الْكُوفَة، مر فِي: بَاب مَا جَاءَ أَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ، وَقيس هُوَ الْمَذْكُور ابْن سعد، وغرضه من ذكر أبي مَسْعُود هُوَ الْإِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ يقوم للجنازة مثل قيس.
٠٥ - (بابُ حَمْلِ الرِّجَالِ الجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حمل الرِّجَال الْجِنَازَة دون حمل النِّسَاء إِيَّاهَا، لِأَنَّهُ ورد فِي حَدِيث أخرجه أَبُو يعلى (عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَنَازَة، فَرَأى نسْوَة فَقَالَ: أتحملنه؟ قُلْنَ: لَا. قَالَ: أتدفنه؟ قُلْنَ: لَا. قَالَ: فارجعن مَأْزُورَات غير مَأْجُورَات) . لِأَن الرِّجَال أقوى لذَلِك وَالنِّسَاء ضعيفات ومظنة للانكشاف غَالِبا، خُصُوصا إِذا باشرن الْحمل، ولأنهن إِذا حملنها مَعَ وجود الرِّجَال لوقع اختلاطهن بِالرِّجَالِ، وَهُوَ مَحل الْفِتْنَة ومظنة الْفساد. فَإِن قلت: إِذا لم يُوجد رجال؟ قلت: الضرورات مُسْتَثْنَاة فِي الشَّرْع.
٤١٣١ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا الليْثُ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجالُ عَلَى أعْناقِهِمْ فإنْ كانَتْ صالِحَةً قالَتْ قَدِّمُونِي وَإنْ كانَتْ غَيْرَ صالِحَةٍ قالَتْ يَا وَيْلَهَا أيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كْلُّ شَيءٍ إلَاّ الإنْسَانَ ولَوْ سَمِعَهُ لَصَعِقَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واحتملها الرِّجَال) فَإِن قلت: هَذَا إِخْبَار، فَكيف يكون حجَّة فِي منع النِّسَاء؟ قلت: كَلَام الشَّارِع مهما أمكن يحمل على التشريع لَا مُجَرّد الْإِخْبَار عَن الْوَاقِع.
وَرِجَاله تقدمُوا غير مرّة، وَاسم أبي سعيد: كيسَان، وَاسم أبي سعيد الْخُدْرِيّ: سعد بن مَالك، والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا وضعت الْجِنَازَة) ، أَي: الْمَيِّت على النعش، وَقد ذكرنَا أَن هَذَا اللَّفْظ يُطلق على الْمَيِّت وعَلى السرير الَّذِي يحمل عَلَيْهِ الْمَيِّت، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بهَا النعش، وَلَفظ: احتملها، يؤكده وَيكون إِسْنَاد القَوْل إِلَيْهِ مجَازًا. قَوْله: (يَا وَيْلَهَا) ، مَعْنَاهُ: يَا حزني إحضر فَهَذَا أوانك، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: يَا ويلي، لكنه أضيف إِلَى الْغَائِب حملا على الْمَعْنى، كَأَنَّهُ لما أبْصر نَفسه غير صَالِحَة نفر عَنْهَا وَجعلهَا كَأَنَّهَا غَيره، وَكره أَن يضيف الويل إِلَى نَفسه. قَوْله: (لصعق) الصَّعق: أَن يغشى على الْإِنْسَان من صَوت شَدِيد يسمعهُ، وَرُبمَا مَاتَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْن بطال: (قدموني) أَي: إِلَى الْعَمَل الصَّالح الَّذِي عملته، يَعْنِي إِلَى ثَوَابه. وَفِي لفظ: (يسمع) ، دلَالَة أَن القَوْل هَهُنَا حَقِيقَة لَا مجَاز، وَأَنه تَعَالَى يحدث النُّطْق فِي الْمَيِّت إِذا شَاءَ. وَقَالَ: يَا وَيْلَهَا، لِأَنَّهَا تعلم أَنَّهَا لم تقدم خيرا، وَأَنَّهَا تقدم على مَا يسوؤها فتكره الْقدوم عَلَيْهَا، وَالضَّمِير فِي قَوْله: (لَو سَمعه) رَاجع إِلَى دُعَائِهِ بِالْوَيْلِ على نَفسهَا، أَي: تصيح بِصَوْت مُنكر لَو سَمعه الْإِنْسَان لأغشي عَلَيْهِ.
١٥ - (بابُ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْإِسْرَاع بالجنازة بعد الْحمل.
وَقَالَ أنَسٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنْتُمْ مُشَيِّعُونَ فَامْشُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وعَنْ يَمِينِهَا وعَنْ شِمَالِهَا
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن السرعة بالجنازة لَا تكون غَالِبا إلَاّ فِي وجهات مُخْتَلفَة، وَلَا تكون فِي جِهَة مُعينَة لتَفَاوت النَّاس فِي الْمَشْي، وَتحصل الْمَشَقَّة من بَعضهم على بعض فِي تعْيين جِهَة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك تكون السرعة من جوانبها الْأَرْبَع، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره ابْن أبي شيبَة عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن حميد عَن أنس فِي الْجِنَازَة: أَنْتُم مشيعون لَهَا تمشون أمامها وَخَلفهَا وَعَن يَمِينهَا وَعَن شمالها. وَأخرجه عبد الرَّزَّاق عَن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ عَن حميد بِهِ. قَوْله: (فامشوا) بِصِيغَة الْجمع، رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (فامش) ، بِالْإِفْرَادِ وَالْأول أنسب.
وَقَالَ غَيْرُهُ: قَرِيبا مِنْهَا
أَي: قَالَ غير أنس: إمشِ قَرِيبا من الْجِنَازَة، وَالْمَقْصُود أَن يكون قَرِيبا من الْجِنَازَة من أَي جِهَة كَانَ، لاحْتِمَال أَن يحْتَاج حاملوها إِلَى المعاونة، فَإِن بعد مِنْهَا لم يكن مشيعا، فَإِن كَانَت الْمُتَابَعَة بعده لِكَثْرَة الْجَمَاعَة حصل لَهُ فضل الْمُتَابَعَة، وَقَالَ بَعضهم: والغير الْمَذْكُور أَظُنهُ عبد الرَّحْمَن بن قرط، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا طاء مُهْملَة. قَالَ سعيد بن مَنْصُور: حَدثنَا مِسْكين بن مَيْمُون حَدثنِي عُرْوَة بن رُوَيْم، قَالَ: (شهد عبد الرَّحْمَن بن قرط جَنَازَة فَرَأى نَاسا تقدمُوا، وَآخَرين استأخروا، فَأمر بالجنازة فَوضعت، ثمَّ رماهم بِالْحِجَارَةِ حَتَّى اجْتَمعُوا إِلَيْهِ، ثمَّ أَمر بهَا فَحملت، ثمَّ قَالَ: بَين يَديهَا وَخَلفهَا وَعَن يسارها وَعَن يَمِينهَا) . انْتهى. قلت: هَذَا تخمين وحسبان، وَلَئِن سلمنَا إِنَّه هُوَ ذَاك الْغَيْر، فَلَا نسلم أَن هَذَا مُنَاسِب لما ذكره الْغَيْر، بل هُوَ بِعَيْنِه مثل مَا قَالَه أنس، وَلَا يخفى ذَلِك على المتأمل، وَعبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور صَحَابِيّ ذكر البُخَارِيّ وَغَيره أَنه كَانَ من أهل الصّفة، وَكَانَ واليا على حمص فِي زمن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٥١٣١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ عَن الزهْرِيِّ عنْ سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ فإنْ تَكُ صالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ وَإنْ تَكُ سِوَى ذالِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عنْ رِقَابِكُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَزُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد يبلغ بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن أَحْمد بن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن ابْن أبي شيبَة وَهِشَام بن عمار، كلهم عَن سُفْيَان بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حفظناه) ، ويروى: (حفظته) . قَوْله: (عَن الزُّهْرِيّ) ، هُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِكَلِمَة: عَن، وَفِي رِوَايَة غَيره: من، بدل: عَن. قَوْله: (أَسْرعُوا) ، أَمر من الْإِسْرَاع وَلَيْسَ المُرَاد بالإسراع شدَّة الْإِسْرَاع، بل المُرَاد الْمُتَوَسّط بَين شدَّة السَّعْي وَبَين الْمَشْي الْمُعْتَاد، بِدَلِيل قَوْله فِي حَدِيث أبي بكرَة: (وَإِنَّا لنكاد أَن نرمل) ، ومقاربة الرمل لَيْسَ بالسعي الشَّديد، قَالَه شَيخنَا زين الدّين. قلت: فِي رِوَايَة أبي دَاوُد (عَن عُيَيْنَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه: أَنه كَانَ فِي جَنَازَة عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ، وَكُنَّا نمشي مشيا خَفِيفا. فلحقنا أَبُو بكرَة، فَرفع صَوته فَقَالَ: لقد رَأَيْتنَا وَنحن مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نرمل رملاً) . قَوْله: (نرمل) ، من رمل رملاً ورملانا: إِذا أسْرع فِي الْمَشْي، وهز مَنْكِبه. قلت: مُرَاده الْإِسْرَاع الْمُتَوَسّط، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، فِي (مُصَنفه) من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: (إِن أَبَاهُ أوصاه قَالَ: إِذا أَنْت حَملتنِي على السرير فامشِ مشيا بَين المشيين، وَكن خلف الْجِنَازَة، فَإِن مقدمها للْمَلَائكَة وَخَلفهَا لبني آدم) . قَوْله: (بالجنازة) أَي: يحملهَا إِلَى قبرها. وَقيل: المُرَاد الْإِسْرَاع بتجهيزها وتعجيل الدّفن بعد تَيَقّن مَوته، لحَدِيث حُصَيْن بن وحوح (إِن طَلْحَة بن الْبَراء مرض، فَأَتَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعودهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أرى طَلْحَة إلَاّ وَقد حدث بِهِ الْمَوْت، فآذنوني بِهِ وعجلوا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لجيفة مُسلم أَن تحبس بَين ظهراني أَهله) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قلت: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَابْن وحوح بواوين مفتوحتين، وحائين مهملتين أولاهما سَاكِنة، وَهُوَ أَنْصَارِي لَهُ صُحْبَة. قيل: إِنَّه مَاتَ بالعذيب، روى لَهُ أَبُو دَاوُد، وروى الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث ابْن عمر: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (إِذا مَاتَ أحدكُم فَلَا تَحْبِسُوهُ، وأسرعوا بِهِ إِلَى قَبره) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الأول: أظهر، وَقَالَ النَّوَوِيّ الثَّانِي: بَاطِل مَرْدُود، بقوله فِي الحَدِيث: (تضعونة عَن رِقَابكُمْ) ، ورد عَلَيْهِ بِأَن الْحمل على الرّقاب قد يعبر بِهِ عَن الْمعَانِي، كَمَا تَقول: حمل فلَان على رقبته ذنوبا، فَيكون الْمَعْنى: استريحوا من نظر من لَا خير فِيهِ، وَيدل عَلَيْهِ أَن الْكل لَا يحملونه. قلت: وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أبي دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ الْمَذْكُور. قَوْله: (فَإِن تَكُ) ، أَصله: فَإِن تكن، حذفت النُّون للتَّخْفِيف، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْجِنَازَة الَّتِي هِيَ عبارَة عَن الْمَيِّت. قَوْله: (صَالِحَة) ، نصب على الخبرية. قَوْله: (فَخير) ، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: فَهُوَ (وَخير، تقدمونها إِلَيْهِ) يَوْم الْقِيَامَة، أَو: هُوَ، مُبْتَدأ أَي: فثمة خير تقدمون الْجِنَازَة إِلَيْهِ، يَعْنِي حَاله فِي الْقَبْر حسن طيب فَأَسْرعُوا بهَا حَتَّى تصل إِلَى تِلْكَ الْحَالة قَرِيبا. قَوْله: (إِلَيْهِ) الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْخَيْر بِاعْتِبَار الثَّوَاب. وَقَالَ ابْن مَالك: رُوِيَ: (تقدمونه إِلَيْهَا) أَي: تقدمون الْمَيِّت إِلَيْهَا أَي: إِلَى الْخَيْر، وَأَنت الضَّمِير على تَأْوِيل الْخَيْر بِالرَّحْمَةِ أَو الْحسنى، قَوْله: (فشر) إعرابه مثل إِعْرَاب: (فَخير) . قَوْله: (تضعونه) أَي: إِنَّهَا بعيدَة من الرَّحْمَة فَلَا مصلحَة لكم فِي مصاحبتها.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْأَمر بالإسراع وَنقل ابْن قدامَة أَن الْأَمر فِيهِ للاستحباب بِلَا خلاف بَين الْعلمَاء. وَقَالَ ابْن حزم: وُجُوبه، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : جَاءَ عَن بعض السّلف كَرَاهَة الْإِسْرَاع بالجنازة، وَلَعَلَّه يكون مَحْمُولا على الْإِسْرَاع المفرط الَّذِي يخَاف مِنْهُ انفجار الْمَيِّت، وَخُرُوج شَيْء مِنْهُ. وَقَالَ بَعضهم: وَالْمرَاد بالإسراع شدَّة الْمَشْي، وعَلى ذَلِك حمله بعض السّلف، وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : ويمشون بهَا مُسْرِعين دون الخبب. وَفِي (الْمَبْسُوط) : لَيْسَ فِيهِ شَيْء موقت، غير إِن العجلة أحب إِلَى أبي حنيفَة. قلت: قَوْله: وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة، غير صَحِيح، وَلم يقل أحد مِنْهُم بِشدَّة الْمَشْي، وعذا احب (الْهِدَايَة) الَّذِي لَا يذكر إلَاّ مَا هُوَ الْعُمْدَة عِنْد أبي حنيفَة، يَقُول: ويمشون بهَا مُسْرِعين دون الخبب، وَقَوله: دون الخبب، يدل على أَن المُرَاد