«لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٣٠

الحديث رقم ١٣٣٠ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور…

«لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا». قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ، غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.

سند حديث: ١٣٣٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ…

١٣٣٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ هِلَالٍ هُوَ الْوَزَّانُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ:

رواة الحديث

شرح حديث: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦١ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ

وَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، ضَرَبَتْ امْرَأَتُهُ الْقُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رُفِعَتْ، فَسَمِعُوا صَائِحًا يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟ فَأَجَابَهُ الْآخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا.

١٣٣٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ هِلَالٍ - هُوَ الْوَزَّانُ -، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا. قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ، غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ) تَرْجَمَ بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ: بَابُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَبْرِ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: الِاتِّخَاذُ أَعَمُّ مِنَ الْبِنَاءِ، فَلِذَلِكَ أَفْرَدَهُ بِالتَّرْجَمَةِ، وَلَفْظُهَا يَقْتَضِي أَنَّ بَعْضَ الِاتِّخَاذِ لَا يُكْرَهُ، فَكَأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ مَا إِذَا تَرَتَّبَتْ عَلَى الِاتِّخَاذِ مَفْسَدَةٌ أَوْ لَا.

قَوْلُهُ: (وَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ) هُوَ مِمَّنْ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ أَبِيهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ، وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، وَرَوَى لَهُ النَّسَائِيُّ، وَلَهُ وَلَدٌ يُسَمَّى الْحَسَنُ أَيْضًا، فَهُمْ ثَلَاثَةٌ فِي نَسَقٍ، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ الْمَذْكُورَةِ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّهِ.

قَوْلُهُ: (الْقُبَّةُ) أَيِ الْخَيْمَةُ، فَقَدْ جَاءَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِلَفْظِ الْفُسْطَاطِ، كَمَا رَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْءِ السَّادِسِ عَشَرَ مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَحَامِلِيِّ رِوَايَةَ الْأَصْبَهَانِيِّينَ عَنْهُ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي الْقُبُورِ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ عَلَى قَبْرِهِ فُسْطَاطًا، فَأَقَامَتْ عَلَيْهِ سَنَةً. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْأَثَرِ لِحَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْمُقِيمَ فِي الْفُسْطَاطِ لَا يَخْلُو مِنَ الصَّلَاةِ هُنَاكَ، فَيَلْزَمُ اتِّخَاذُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَقَدْ يَكُونُ الْقَبْرُ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ، فَتَزْدَادُ الْكَرَاهَةُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا ضُرِبَتِ الْخَيْمَةُ هُنَاكَ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِالْمَيِّتِ بِالْقُرْبِ مِنْهُ تَعْلِيلًا لِلنَّفْسِ، وَتَخْيِيلًا بِاسْتِصْحَابِ الْمَأْلُوفِ مِنَ الْأُنْسِ، وَمُكَابَرَةً لِلْحِسِّ، كَمَا يَتَعَلَّلُ بِالْوُقُوفِ عَلَى الْأَطْلَالِ الْبَالِيَةِ، وَمُخَاطَبَةِ الْمَنَازِلِ الْخَالِيَةِ، فَجَاءَتْهُمُ الْمَوْعِظَةُ عَلَى لِسَانِ الْهَاتِفِينَ بِتَقْبِيحِ مَا صَنَعُوا، وَكَأَنَّهُمَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ مِنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ. وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ لِمُوَافَقَتِهِ لِلْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، لَا لِأَنَّهُ دَلِيلٌ بِرَأْسِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ شَيْبَانَ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيُّ، وَهِلَالُ الْوَزَّانِ هُوَ ابْنُ أَبِي حُمَيْدٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَا وَقَعَ مَنْسُوبًا عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ: قَالَ وَكِيعٌ: هِلَالُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَقَالَ مَرَّةً: هِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَا يَصِحُّ.

قَوْلُهُ: (مَسْجِدًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مَسَاجِدَ.

قَوْلُهُ: (لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ) أَيْ لَكُشِفَ قَبْرُ النَّبِيِّ ، وَلَمْ يُتَّخَذْ عَلَيْهِ الْحَائِلُ، وَالْمُرَادُ الدَّفْنُ خَارِجَ بَيْتِهِ، وَهَذَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ قَبْلَ أَنْ يُوَسَّعَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، وَلِهَذَا لَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ جُعِلَتْ حُجْرَتُهَا مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ مُحَدَّدَةً، حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.

قَوْلُهُ: (غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى) كَذَا هُنَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ هِلَالٍ الْآتِيَةِ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ: غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَوْ خُشِيَ. عَلَى الشَّكِّ: هَلْ هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَوْ ضَمِّهَا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ. بِالضَّمِّ لَا غَيْرَ، فَرِوَايَةُ الْبَابِ تَقْتَضِي أَنَّهَا هِيَ الَّتِي امْتَنَعَتْ مِنْ إِبْرَازِهِ، وَرِوَايَةُ الضَّمِّ مُبْهَمَةٌ، يُمْكِنُ أَنْ تُفَسَّرَ بِهَذِهِ، وَالْهَاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَكَأَنَّهَا أَرَادَتْ نَفْسَهَا وَمَنْ وَافَقَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ بِاجْتِهَادٍ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْفَتْحِ، فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ الْمَتْنِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فِي بَابِ هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ومكابرةً للحسِّ، كما يُتَعلَّل بالوقوف على الأطلال البالية، ويخاطب المنازل الخالية، فجاءتهم الموعظة (فَسَمِعُوا) أي: المرأة ومن معها، ولأبي ذَرٍّ: «فسمعت» (صَائِحًا) من مؤمني الجنِّ أو الملائكة (يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟) بفتح القاف، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما طلبوا؟» (فَأَجَابَهُ) صائحٌ (آخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا) ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصَّلاة فيه، فيستلزم اتِّخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة، فتزداد الكراهة، وإذا أنكر الصَّائح بناءً زائلًا -وهو الخيمة- فالبناء الثَّابت أجدر، ولكن لا يُؤخَذ من كلام الصَّائح حكمٌ؛ لأنَّ مسالكَ الأحكام الكتابُ والسُّنَّة والقياس والإجماع، ولا وحيَ بعده ، وإنَّما هذا وأمثاله تنبيهٌ على انتزاع الأدلَّة من مواضعها، واستنباطها من مظانَّها.

١٣٣٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) العبسيُّ (عَنْ شَيْبَانَ) بفتح الشِّين المعجمة، ابن عبد الرَّحمن النَّحويِّ (عَنْ هِلَالٍ هُوَ) ابن حميدٍ (١) (الوَزَّانُ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ (٢) فِيهِ: لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى) أي: أبعدهم من (٣) رحمته (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا) بالإفراد على إرادة الجنس، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مساجد» (قَالَتْ) عائشة : (وَلَوْلَا ذَلِكَ) أي: خشية (٤) اتِّخاذ قبره مسجدًا (لأَبْرَزُوا قَبْرَهُ) ، بلفظ الجمع، لكنْ لم يبرزوه، أي: لم يكشفوه، بل بنوا عليه حائلًا؛ لوجود

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ثمَّ إعلم أَن الْعلمَاء أَجمعُوا على وجوب حد جلد الزَّانِي الْبكر مائَة، ورجم الْمُحصن وَهُوَ الثّيّب، وَلم يُخَالف فِي هَذَا أحد من أهل الْقبْلَة إلَاّ مَا حكى القَاضِي وَغَيره عَن الْخَوَارِج وَبَعض الْمُعْتَزلَة: كالنظام وَأَصْحَابه، فَإِنَّهُم لم يَقُولُوا بِالرَّجمِ، وَاخْتلفُوا فِي جلد الثّيّب مَعَ الرَّجْم، فَقَالَت طَائِفَة: يجب الْجمع بَينهمَا فيجلد ثمَّ يرْجم، وَبِه قَالَ عَليّ بن أبي طَالب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَإِسْحَاق ابْن رَاهَوَيْه وَدَاوُد وَأهل الظَّاهِر وَبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي. وَقَالَ جَمَاهِير الْعلمَاء: الْوَاجِب الرَّجْم وَحده، وَحكى القَاضِي عِيَاض عَن طَائِفَة من أهل الحَدِيث أَنه يجب الْجمع بَينهمَا إِذا كَانَ الزَّانِي شَيخا ثَيِّبًا وَإِن كَانَ شَابًّا ثَيِّبًا اقْتصر على الرَّجْم وَهَذَا مَذْهَب بَاطِل لَا أصل لَهُ، وَالْمرَاد من الْبكر من الرِّجَال من لم يُجَامع فِي نِكَاح صَحِيح، وَهُوَ حر عَاقل بَالغ، وَالْمرَاد من الثّيّب من جَامع فِي دهره مرّة بِنِكَاح صَحِيح وَهُوَ حر عَاقل بَالغ، وَالرجل وَالْمَرْأَة فِي هَذَا سَوَاء. قَالَ النَّوَوِيّ: وَسَوَاء فِي كل هَذَا الْمُسلم وَالْكَافِر والرشيد والمحجور عَلَيْهِ بِسَفَه، وَقَالَ أَيْضا: وَأما قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْبكر: (وَنفي سنة) ، فَفِيهِ حجَّة للشَّافِعِيّ، والجماهير أَنه يجب نَفْيه سنة رجلا كَانَ أَو امْرَأَة. وَقَالَ الْحسن: لَا يجب النَّفْي. وَقَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ: لَا نفي على النِّسَاء، وروى مثله عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالُوا: لِأَنَّهَا عَورَة وَفِي نَفيهَا تَضْييع لَهَا وتعريض للفتنة، وَلِهَذَا نهيت عَن المسافرة إلَاّ مَعَ محرم.

وَأما العَبْد وَالْأمة ففيهما ثَلَاثَة أَقْوَال للشَّافِعِيّ: أَحدهمَا: يغرب كل وَاحِد مِنْهُمَا سنة لظَاهِر الحَدِيث، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد وَابْن جرير. وَالثَّانِي: يغرب نصف سنة، وَهَذَا أصح الْأَقْوَال. وَالثَّالِث: لَا يغرب الْمَمْلُوك أصلا، وَبِه قَالَ الْحسن وَحَمَّاد وَمَالك وَأحمد وَإِسْحَاق.

وَفِيه: أَن الْكفَّار مخاطبون بِفُرُوع الشَّرْع، قَالَه النَّوَوِيّ. قلت: فِيهِ: اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء على مَا عرف فِي مَوْضِعه. وَفِيه: أَن الْكفَّار إِذا تحاكموا إِلَيْنَا حكم القَاضِي بَينهم بِحكم شرعنا. فَإِن قلت: كَيفَ رجم اليهوديان أبِالْبَيِّنة أم بِالْإِقْرَارِ؟ قلت: الظَّاهِر أَنه بِالْإِقْرَارِ، وَقد جَاءَ فِي (سنَن أبي دَاوُد) وَغَيره أَنه شهد عَلَيْهِمَا أَرْبَعَة أَنهم رَأَوْا ذكره فِي فرجهَا، فَإِن كَانَ الشُّهُود مُسلمين فَظَاهر، وَإِن كَانُوا كفَّارًا فَلَا اعْتِبَار بِشَهَادَتِهِم، وَيتَعَيَّن أَنَّهُمَا أقرا بِالزِّنَا.

١٦ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنِ اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهِيَة اتِّخَاذ الْمَسَاجِد على الْقُبُور. فَإِن قلت: يَأْتِي بعد ثَمَانِيَة أَبْوَاب: بَاب بِنَاء الْمَسْجِد على الْقَبْر، فَمَا وَجه هذَيْن الْبَابَيْنِ؟ قلت: وَجه ذَلِك أَنَّهُمَا فِي الحكم سَوَاء، غير أَنه صرح بِالْكَرَاهَةِ فِي تَرْجَمَة هَذَا الْبَاب، وَاكْتفى هُنَاكَ بِدلَالَة حَدِيث الْبَاب على الْكَرَاهَة، وَقيل: الاتخاذ أَعم من الْبناء، فَلذَلِك أفرده بالترجمة، ولفظها يَقْتَضِي أَن بعض الاتخاذ لَا يكره، فَكَأَنَّهُ يفصل بَين مَا إِذا ترَتّب على الاتخاذ مفْسدَة أم لَا. قلت: لَا نسلم أَن لَفظهَا يَقْتَضِي أَن بعض الاتخاذ لَا يكره، وَدَعوى الْعُمُوم بَين الاتخاذ وَالْبناء غير صَحِيحَة.

وَلَمَّا ماتَ الحَسَنُ بنُ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم ضَرَبَتِ امْرَأتُهُ القُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً ثُمَّ رُفِعَتْ فَسَمِعُوا صائِحا يَقُولُ ألَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا فأجابَهُ الآخَرُ بَلْ يَئِسُوا فانْقَلَبُوا

مُطَابقَة هَذَا للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذِه الْقبَّة المضروبة لم تخل عَن الصَّلَاة فِيهَا، واستلزم ذَلِك اتِّخَاذ الْمَسْجِد عِنْد الْقَبْر، وَقد يكون الْقَبْر فِي جِهَة الْقبْلَة فتزداد الْكَرَاهَة. وَقَالَ ابْن بطال: ضربت الْقبَّة على الْحسن وسكنت فِيهَا وَصليت فِيهَا فَصَارَت كالمسجد، وَأورد البُخَارِيّ ذَلِك دَلِيلا على الْكَرَاهَة، وَكره أَحْمد أَن يضْرب على الْقَبْر فسطاطا. وَأوصى إِبْرَاهِيم مرّة أَن لَا تضربوا عَليّ فسطاطا. وَقَالَ ابْن حبيب: ضربه على قبر الْمَرْأَة أفضل من ضربه على قبر الرجل، وَضرب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على قبر زَيْنَب بنت جحش، وَقَالَ ابْن التِّين: وَمِمَّنْ كره ضربه على قبر الرجل ابْن عمر وَأَبُو سعيد وَابْن الْمسيب، وَضربت عَائِشَة على قبر أَخِيهَا فَنَزَعَهُ ابْن عمر، وضربه مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة على قبر ابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن حبيب: أرَاهُ فِي الْيَوْم واليومين وَالثَّلَاثَة وَاسِعًا إِذا خيف من نبش أَو غَيره، وَالْحسن بن الْحسن بِلَفْظ التَّكْبِير فيهمَا ابْن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أحد أَعْيَان بني هَاشم فضلا وخبرا. مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين، وَامْرَأَته فَاطِمَة بنت حُسَيْن بن عَليّ، وَهِي الَّتِي حَلَفت لَهُ

بِجَمِيعِ مَا تملكه أَنَّهَا لَا تزوج عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان، ثمَّ تزوجته، فأولدها مُحَمَّد الديباج. قَوْله: (قبَّة) ، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْقبَّة، بِالضَّمِّ من الْبناء وَالْجمع: قبب وقباب. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْقبَّة من الْخيام: بَيت صَغِير مستدير، وَهُوَ من بيُوت الْعَرَب، وَضرب الْقبَّة: نصبها وإقامتها على أوتاد مَضْرُوبَة فِي الأَرْض، وَجَاء فِي رِوَايَة الْمُغيرَة ابْن مقسم: لما مَاتَ الْحسن بن الْحسن ضربت امْرَأَته على قَبره فسطاطا وأقامت عَلَيْهِ سنة، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْفسْطَاط بَيت من شعر، وَفِي (الْمغرب) : هُوَ خيمة عَظِيمَة، وَفِي (الباهر) : هُوَ مضرب السُّلْطَان الْكَبِير وَهُوَ السرادق أَيْضا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ ضرب من الْأَبْنِيَة فِي السّفر دون السرادق، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ الخباء وَنَحْوه، وَقَالَ ابْن السّكيت: فسطاط، بِضَم الْفَاء، وفسطاط بِكَسْرِهَا، وفستاط وفستاط وفساط وفساط، وَالْجمع: فساطيط وفساسيط. وَفِي (الباهر) : وفساتيط. قَوْله: (ثمَّ رفعت) على بِنَاء الْفَاعِل بِفَتْح الرَّاء وَبِضَمِّهَا أَيْضا على بِنَاء الْمَفْعُول. قَوْله: (فَسمِعت) ويروى: (فَسَمِعُوا) ، قَوْله: (مَا فقدوا) ويروى (مَا طلبُوا) قَوْله: (فَأَجَابَهُ آخر) أَي: صائح آخر، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون هَذَانِ الصائحان من مؤمني الْجِنّ أَو من الْمَلَائِكَة.

٠٣٣١ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى اعنْ شيْبَانَ عنْ هِلَالٍ هُوَ الوَزَّانُ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي مرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ لَعَنَ الله اليَهُودَ والنَّصَارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدا قالَتْ ولَوْلَا ذالِكَ لأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أنِّي أخْشَى أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدا..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ التلازم، وَذَلِكَ أَن التَّرْجَمَة اتِّخَاذ الْمَسْجِد على الْقَبْر، ومدلول الحَدِيث اتِّخَاذ الْقَبْر مسجداولكنهما متلازمان، وَإِن كَانَ مفهوماهما متغايران.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبيد الله بن مُوسَى أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: شَيبَان، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الرَّحْمَن التَّمِيمِي النَّحْوِيّ. الثَّالِث: هِلَال بن حميد، وَيُقَال ابْن عبد الله الْوزان. الرَّابِع: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَفِي العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع أَن شَيْخه بَصرِي سكن الْكُوفَة، وشيبان وهلال كوفيان وَعُرْوَة مدنِي. وَفِيه: أَن هلالاً مَذْكُور بصنعته الْمَشْهُور أَنه ابْن أبي حمد، وَكَذَا وَقع مَنْسُوبا عِنْد ابْن أبي شيبَة والإسماعيلي وَغَيرهمَا. وَقيل: قَالَ البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) : قَالَ وَكِيع: هِلَال بن حميد، وَقَالَ مرّة: هِلَال بن عبد الله، وَلَا يَصح قلت: وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: هِلَال بن مِقْلَاص.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الْجَنَائِز أَيْضا عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَأخرجه فِي الْمَغَازِي عَن الصَّلْت بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد، كِلَاهُمَا عَن هَاشم ابْن الْقَاسِم عَن شَيبَان بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي مَرضه) ، إِنَّمَا قَالَه فِي مَرضه تحذيرا مِمَّا صنعوه. قَوْله: (لعن الله) ، اللَّعْن: الطَّرْد والإبعاد، فهم مطرودون ومبعودون من الرَّحْمَة، ولعنوا بكفرهم. قَوْله: (مَسْجِدا) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مساجدا) . قَوْله: (لَوْلَا ذَلِك لأبرز) حَاصله: لَوْلَا خشيَة الاتخاذ لأبرز قَبره، أَي: لكشف قبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يتَّخذ عَلَيْهِ الْحَائِل، وَلَكِن خشيَة الاتخاذ مَوْجُودَة، فَامْتنعَ الإبراز، لِأَن: لَوْلَا، لِامْتِنَاع الشَّيْء لوُجُود غَيره، وَهَذَا قالته عَائِشَة قبل أَن يُوسع الْمَسْجِد، وَلِهَذَا لما وسع الْمَسْجِد جعلت حُجْرَتهَا مُثَلّثَة الشكل محددة حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لأحد أَن يُصَلِّي إِلَى جِهَة الْقَبْر مَعَ اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَفِي رِوَايَة: (لأبرزوا) ، بِلَفْظ الْجمع أَي: لكشفوا قَبره كشفا ظَاهرا من غير بِنَاء بني عَلَيْهِ يمْنَع من الدُّخُول إِلَيْهِ. قَوْله: (غير أَنه خشِي) وَالْهَاء فِي أَنه ضمير الشَّأْن، وخشي على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي رِوَايَة (خشى) على بِنَاء الْمَعْلُوم، فعلى هَذَا الضَّمِير فِي: أَنه، يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خشِي أَن يتَّخذ قَبره مَسْجِدا وَأمرهمْ بترك الإبراز. وَفِي رِوَايَة: (إِنِّي أخْشَى) ، وَهَذِه تَقْتَضِي أَنَّهَا هِيَ الَّتِي منعت من إبرازه.

وَمِمَّا

يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَذَا من بَاب قطع الذريعة لِئَلَّا يعبد قَبره الْجُهَّال، كَمَا فعلت الْيَهُود وَالنَّصَارَى بقبور أَنْبِيَائهمْ، وَكره مَالك الْمَسْجِد على الْقُبُور، وَإِذا بني مَسْجِد على مَقْبرَة دَائِرَة ليصلى فِيهِ فَلَا بَأْس بِهِ، وَكره مَالك الدّفن فِي الْمَسْجِد.

٢٦ - (بابُ الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ إذَا مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة على النُّفَسَاء إِذا مَاتَت فِي مُدَّة نفَاسهَا، وَالنُّفَسَاء: بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء: الْمَرْأَة الحديثة الْعَهْد بِالْولادَةِ، وَهِي صِيغَة مُفْردَة على غير الْقيَاس، وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي كِتَابه (الْمَمْدُود والمقصور) : يَعْنِي، بِفَتْح النُّون لُغَة فِي نفسَاء، بِالضَّمِّ وَهِي ثَلَاث لُغَات يُقَال: امْرَأَة نفسَاء وَهِي الفصيحة الجيدة، ونفساء ونفساء وَهِي أفلها وأردؤها.

١٣٣١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا حُسَيْنٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ عنْ سَمُرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ صَلَّيْتُ وَرَاءَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى امْرَأةٍ ماتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسْطَهَا.

(أنظر الحَدِيث ٢٣٣ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمضى الحَدِيث فِي أول كتاب الْغسْل فِي: بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء وسنتها، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أَحْمد بن أبي سريح عَن شَبابَة عَن شُعْبَة عَن حُسَيْن الْمعلم عَن ابْن بُرَيْدَة عَن سَمُرَة بن جُنْدُب: (أَن امْرَأَة مَاتَت فِي بطن فصلى عَلَيْهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَامَ وَسطهَا) . وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَيزِيد بن زُرَيْع قد مر غير مرّة، وَيزِيد من الزِّيَادَة، وزريع مصغر الزَّرْع، وحسين هُوَ ابْن ذكْوَان الْمعلم، وَبُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف. قَوْله: (وَسطهَا) ، بِسُكُون السِّين: يتَنَاوَل العجيزة أَيْضا لِأَنَّهُ أَعم من الْوسط بِالتَّحْرِيكِ، وَفِي (التَّوْضِيح) : بِسُكُون السِّين هُوَ الصَّوَاب، وَقَيده بَعضهم بِالْفَتْح أَيْضا، وَكَون هَذِه الْمَرْأَة فِي نفَاسهَا وصف غير مُعْتَبر اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَة أَمر وَقع.

وَأما وصف كَونهَا امْرَأَة فَهَل هُوَ مُعْتَبر أم لَا؟ من الْفُقَهَاء من ألغاه، وَقَالَ: يُقَام عِنْد وسط الْجِنَازَة مُطلقًا، ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، وَمِنْهُم من خص ذَلِك بِالْمَرْأَةِ محاولة للستر. وَقيل: كَانَ قبل اتِّخَاذ الأنعشة والقباب.

وَأما الرجل فَعِنْدَ رَأسه لِئَلَّا ينظر إِلَى فرجه، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَأبي يُوسُف، وَالْمَشْهُور من الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا فِي الأَصْل وَغَيره: أَن يقوم من الرجل وَالْمَرْأَة حذاء الصَّدْر، وَعَن الْحسن بحذاء الْوسط مِنْهُمَا. وَقَالَ مَالك: يقوم من الرجل عِنْد وَسطه وَمن الْمرْآة عِنْد منكبيها، وَقَالَ أَبُو عَليّ الطَّبَرِيّ، من الشَّافِعِيَّة: يقوم الإِمَام عِنْد صَدره وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ وَقطع بِهِ السَّرخسِيّ. قَالَ الصيدلاني: وَهُوَ اخْتِيَار أَئِمَّتنَا. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: قَالَ أَصْحَابنَا البصريون: يقوم عِنْد صَدره، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ. وَقَالَ البغداديون: عِنْد رَأسه، وَقَالُوا: لَيْسَ فِي ذَلِك نَص، وَمِمَّنْ قَالَه الْمحَامِلِي وَصَاحب (الْحَاوِي) وَالْقَاضِي حُسَيْن وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ، وروى حَرْب عَن أَحْمد كَقَوْل أبي حنيفَة، وَذكر عَن الْحسن التَّوسعَة فِي ذَلِك، وَبهَا قَالَ أَشهب وَابْن شعْبَان.

وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ.

وَالْإِجْمَاع قَائِم على أَنه لَا يقوم ملاصقا للجنازة، وَأَنه لَا بُد من فُرْجَة بَينهمَا، وَفِي الحَدِيث إِثْبَات الصَّلَاة على النُّفَسَاء، وَإِن كَانَت شهيدة وَعَن الْحسن أَنه لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا بِمَوْت من زنا وَلَا وَلَدهَا، وَقَالَ قَتَادَة: فِي وَلَدهَا.

٣٦ - (بابٌ أَيْن يَقُومُ مِنَ المَرْأةِ وَالرَّجُلِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَيْن يقوم الْمُصَلِّي على الْمَيِّت من الْمَرْأَة وَالرجل؟ فَإِن قلت: لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب بَيَان مَوضِع قيام الرجل، فَلم ذكره فِي التَّرْجَمَة. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: للإشعار بِأَنَّهُ لم يجد حَدِيثا بِشَرْطِهِ فِي ذَلِك، وَأما لقياس الرجل على الْمَرْأَة إِذا لم يقل أحد بِالْفرقِ بَينهمَا، وَفِيه نظر أما فِي الأول فَلِأَنَّهُ لما لم يجد حَدِيثا فِي ذَلِك بِشَرْطِهِ لم يكن لذكره وَجه، وَأما فِي الثَّانِي فَمن أَيْن علم؟ لم يقل بِالْفرقِ بَينهمَا. وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ عدم التَّفْرِقَة بَين الرجل وَالْمَرْأَة، وَأَشَارَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦١ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ

وَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، ضَرَبَتْ امْرَأَتُهُ الْقُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رُفِعَتْ، فَسَمِعُوا صَائِحًا يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟ فَأَجَابَهُ الْآخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا.

١٣٣٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ هِلَالٍ - هُوَ الْوَزَّانُ -، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا. قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ، غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ) تَرْجَمَ بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ: بَابُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَبْرِ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: الِاتِّخَاذُ أَعَمُّ مِنَ الْبِنَاءِ، فَلِذَلِكَ أَفْرَدَهُ بِالتَّرْجَمَةِ، وَلَفْظُهَا يَقْتَضِي أَنَّ بَعْضَ الِاتِّخَاذِ لَا يُكْرَهُ، فَكَأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ مَا إِذَا تَرَتَّبَتْ عَلَى الِاتِّخَاذِ مَفْسَدَةٌ أَوْ لَا.

قَوْلُهُ: (وَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ) هُوَ مِمَّنْ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ أَبِيهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ، وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، وَرَوَى لَهُ النَّسَائِيُّ، وَلَهُ وَلَدٌ يُسَمَّى الْحَسَنُ أَيْضًا، فَهُمْ ثَلَاثَةٌ فِي نَسَقٍ، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ الْمَذْكُورَةِ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّهِ.

قَوْلُهُ: (الْقُبَّةُ) أَيِ الْخَيْمَةُ، فَقَدْ جَاءَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِلَفْظِ الْفُسْطَاطِ، كَمَا رَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْءِ السَّادِسِ عَشَرَ مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَحَامِلِيِّ رِوَايَةَ الْأَصْبَهَانِيِّينَ عَنْهُ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي الْقُبُورِ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ عَلَى قَبْرِهِ فُسْطَاطًا، فَأَقَامَتْ عَلَيْهِ سَنَةً. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْأَثَرِ لِحَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْمُقِيمَ فِي الْفُسْطَاطِ لَا يَخْلُو مِنَ الصَّلَاةِ هُنَاكَ، فَيَلْزَمُ اتِّخَاذُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَقَدْ يَكُونُ الْقَبْرُ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ، فَتَزْدَادُ الْكَرَاهَةُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا ضُرِبَتِ الْخَيْمَةُ هُنَاكَ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِالْمَيِّتِ بِالْقُرْبِ مِنْهُ تَعْلِيلًا لِلنَّفْسِ، وَتَخْيِيلًا بِاسْتِصْحَابِ الْمَأْلُوفِ مِنَ الْأُنْسِ، وَمُكَابَرَةً لِلْحِسِّ، كَمَا يَتَعَلَّلُ بِالْوُقُوفِ عَلَى الْأَطْلَالِ الْبَالِيَةِ، وَمُخَاطَبَةِ الْمَنَازِلِ الْخَالِيَةِ، فَجَاءَتْهُمُ الْمَوْعِظَةُ عَلَى لِسَانِ الْهَاتِفِينَ بِتَقْبِيحِ مَا صَنَعُوا، وَكَأَنَّهُمَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ مِنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ. وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ لِمُوَافَقَتِهِ لِلْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، لَا لِأَنَّهُ دَلِيلٌ بِرَأْسِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ شَيْبَانَ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيُّ، وَهِلَالُ الْوَزَّانِ هُوَ ابْنُ أَبِي حُمَيْدٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَا وَقَعَ مَنْسُوبًا عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ: قَالَ وَكِيعٌ: هِلَالُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَقَالَ مَرَّةً: هِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَا يَصِحُّ.

قَوْلُهُ: (مَسْجِدًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مَسَاجِدَ.

قَوْلُهُ: (لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ) أَيْ لَكُشِفَ قَبْرُ النَّبِيِّ ، وَلَمْ يُتَّخَذْ عَلَيْهِ الْحَائِلُ، وَالْمُرَادُ الدَّفْنُ خَارِجَ بَيْتِهِ، وَهَذَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ قَبْلَ أَنْ يُوَسَّعَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، وَلِهَذَا لَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ جُعِلَتْ حُجْرَتُهَا مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ مُحَدَّدَةً، حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.

قَوْلُهُ: (غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى) كَذَا هُنَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ هِلَالٍ الْآتِيَةِ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ: غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَوْ خُشِيَ. عَلَى الشَّكِّ: هَلْ هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَوْ ضَمِّهَا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ. بِالضَّمِّ لَا غَيْرَ، فَرِوَايَةُ الْبَابِ تَقْتَضِي أَنَّهَا هِيَ الَّتِي امْتَنَعَتْ مِنْ إِبْرَازِهِ، وَرِوَايَةُ الضَّمِّ مُبْهَمَةٌ، يُمْكِنُ أَنْ تُفَسَّرَ بِهَذِهِ، وَالْهَاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَكَأَنَّهَا أَرَادَتْ نَفْسَهَا وَمَنْ وَافَقَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ بِاجْتِهَادٍ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْفَتْحِ، فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ الْمَتْنِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فِي بَابِ هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ومكابرةً للحسِّ، كما يُتَعلَّل بالوقوف على الأطلال البالية، ويخاطب المنازل الخالية، فجاءتهم الموعظة (فَسَمِعُوا) أي: المرأة ومن معها، ولأبي ذَرٍّ: «فسمعت» (صَائِحًا) من مؤمني الجنِّ أو الملائكة (يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟) بفتح القاف، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما طلبوا؟» (فَأَجَابَهُ) صائحٌ (آخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا) ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصَّلاة فيه، فيستلزم اتِّخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة، فتزداد الكراهة، وإذا أنكر الصَّائح بناءً زائلًا -وهو الخيمة- فالبناء الثَّابت أجدر، ولكن لا يُؤخَذ من كلام الصَّائح حكمٌ؛ لأنَّ مسالكَ الأحكام الكتابُ والسُّنَّة والقياس والإجماع، ولا وحيَ بعده ، وإنَّما هذا وأمثاله تنبيهٌ على انتزاع الأدلَّة من مواضعها، واستنباطها من مظانَّها.

١٣٣٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) العبسيُّ (عَنْ شَيْبَانَ) بفتح الشِّين المعجمة، ابن عبد الرَّحمن النَّحويِّ (عَنْ هِلَالٍ هُوَ) ابن حميدٍ (١) (الوَزَّانُ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ (٢) فِيهِ: لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى) أي: أبعدهم من (٣) رحمته (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا) بالإفراد على إرادة الجنس، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مساجد» (قَالَتْ) عائشة : (وَلَوْلَا ذَلِكَ) أي: خشية (٤) اتِّخاذ قبره مسجدًا (لأَبْرَزُوا قَبْرَهُ) ، بلفظ الجمع، لكنْ لم يبرزوه، أي: لم يكشفوه، بل بنوا عليه حائلًا؛ لوجود

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ثمَّ إعلم أَن الْعلمَاء أَجمعُوا على وجوب حد جلد الزَّانِي الْبكر مائَة، ورجم الْمُحصن وَهُوَ الثّيّب، وَلم يُخَالف فِي هَذَا أحد من أهل الْقبْلَة إلَاّ مَا حكى القَاضِي وَغَيره عَن الْخَوَارِج وَبَعض الْمُعْتَزلَة: كالنظام وَأَصْحَابه، فَإِنَّهُم لم يَقُولُوا بِالرَّجمِ، وَاخْتلفُوا فِي جلد الثّيّب مَعَ الرَّجْم، فَقَالَت طَائِفَة: يجب الْجمع بَينهمَا فيجلد ثمَّ يرْجم، وَبِه قَالَ عَليّ بن أبي طَالب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَإِسْحَاق ابْن رَاهَوَيْه وَدَاوُد وَأهل الظَّاهِر وَبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي. وَقَالَ جَمَاهِير الْعلمَاء: الْوَاجِب الرَّجْم وَحده، وَحكى القَاضِي عِيَاض عَن طَائِفَة من أهل الحَدِيث أَنه يجب الْجمع بَينهمَا إِذا كَانَ الزَّانِي شَيخا ثَيِّبًا وَإِن كَانَ شَابًّا ثَيِّبًا اقْتصر على الرَّجْم وَهَذَا مَذْهَب بَاطِل لَا أصل لَهُ، وَالْمرَاد من الْبكر من الرِّجَال من لم يُجَامع فِي نِكَاح صَحِيح، وَهُوَ حر عَاقل بَالغ، وَالْمرَاد من الثّيّب من جَامع فِي دهره مرّة بِنِكَاح صَحِيح وَهُوَ حر عَاقل بَالغ، وَالرجل وَالْمَرْأَة فِي هَذَا سَوَاء. قَالَ النَّوَوِيّ: وَسَوَاء فِي كل هَذَا الْمُسلم وَالْكَافِر والرشيد والمحجور عَلَيْهِ بِسَفَه، وَقَالَ أَيْضا: وَأما قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْبكر: (وَنفي سنة) ، فَفِيهِ حجَّة للشَّافِعِيّ، والجماهير أَنه يجب نَفْيه سنة رجلا كَانَ أَو امْرَأَة. وَقَالَ الْحسن: لَا يجب النَّفْي. وَقَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ: لَا نفي على النِّسَاء، وروى مثله عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالُوا: لِأَنَّهَا عَورَة وَفِي نَفيهَا تَضْييع لَهَا وتعريض للفتنة، وَلِهَذَا نهيت عَن المسافرة إلَاّ مَعَ محرم.

وَأما العَبْد وَالْأمة ففيهما ثَلَاثَة أَقْوَال للشَّافِعِيّ: أَحدهمَا: يغرب كل وَاحِد مِنْهُمَا سنة لظَاهِر الحَدِيث، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد وَابْن جرير. وَالثَّانِي: يغرب نصف سنة، وَهَذَا أصح الْأَقْوَال. وَالثَّالِث: لَا يغرب الْمَمْلُوك أصلا، وَبِه قَالَ الْحسن وَحَمَّاد وَمَالك وَأحمد وَإِسْحَاق.

وَفِيه: أَن الْكفَّار مخاطبون بِفُرُوع الشَّرْع، قَالَه النَّوَوِيّ. قلت: فِيهِ: اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء على مَا عرف فِي مَوْضِعه. وَفِيه: أَن الْكفَّار إِذا تحاكموا إِلَيْنَا حكم القَاضِي بَينهم بِحكم شرعنا. فَإِن قلت: كَيفَ رجم اليهوديان أبِالْبَيِّنة أم بِالْإِقْرَارِ؟ قلت: الظَّاهِر أَنه بِالْإِقْرَارِ، وَقد جَاءَ فِي (سنَن أبي دَاوُد) وَغَيره أَنه شهد عَلَيْهِمَا أَرْبَعَة أَنهم رَأَوْا ذكره فِي فرجهَا، فَإِن كَانَ الشُّهُود مُسلمين فَظَاهر، وَإِن كَانُوا كفَّارًا فَلَا اعْتِبَار بِشَهَادَتِهِم، وَيتَعَيَّن أَنَّهُمَا أقرا بِالزِّنَا.

١٦ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنِ اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهِيَة اتِّخَاذ الْمَسَاجِد على الْقُبُور. فَإِن قلت: يَأْتِي بعد ثَمَانِيَة أَبْوَاب: بَاب بِنَاء الْمَسْجِد على الْقَبْر، فَمَا وَجه هذَيْن الْبَابَيْنِ؟ قلت: وَجه ذَلِك أَنَّهُمَا فِي الحكم سَوَاء، غير أَنه صرح بِالْكَرَاهَةِ فِي تَرْجَمَة هَذَا الْبَاب، وَاكْتفى هُنَاكَ بِدلَالَة حَدِيث الْبَاب على الْكَرَاهَة، وَقيل: الاتخاذ أَعم من الْبناء، فَلذَلِك أفرده بالترجمة، ولفظها يَقْتَضِي أَن بعض الاتخاذ لَا يكره، فَكَأَنَّهُ يفصل بَين مَا إِذا ترَتّب على الاتخاذ مفْسدَة أم لَا. قلت: لَا نسلم أَن لَفظهَا يَقْتَضِي أَن بعض الاتخاذ لَا يكره، وَدَعوى الْعُمُوم بَين الاتخاذ وَالْبناء غير صَحِيحَة.

وَلَمَّا ماتَ الحَسَنُ بنُ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم ضَرَبَتِ امْرَأتُهُ القُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً ثُمَّ رُفِعَتْ فَسَمِعُوا صائِحا يَقُولُ ألَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا فأجابَهُ الآخَرُ بَلْ يَئِسُوا فانْقَلَبُوا

مُطَابقَة هَذَا للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذِه الْقبَّة المضروبة لم تخل عَن الصَّلَاة فِيهَا، واستلزم ذَلِك اتِّخَاذ الْمَسْجِد عِنْد الْقَبْر، وَقد يكون الْقَبْر فِي جِهَة الْقبْلَة فتزداد الْكَرَاهَة. وَقَالَ ابْن بطال: ضربت الْقبَّة على الْحسن وسكنت فِيهَا وَصليت فِيهَا فَصَارَت كالمسجد، وَأورد البُخَارِيّ ذَلِك دَلِيلا على الْكَرَاهَة، وَكره أَحْمد أَن يضْرب على الْقَبْر فسطاطا. وَأوصى إِبْرَاهِيم مرّة أَن لَا تضربوا عَليّ فسطاطا. وَقَالَ ابْن حبيب: ضربه على قبر الْمَرْأَة أفضل من ضربه على قبر الرجل، وَضرب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على قبر زَيْنَب بنت جحش، وَقَالَ ابْن التِّين: وَمِمَّنْ كره ضربه على قبر الرجل ابْن عمر وَأَبُو سعيد وَابْن الْمسيب، وَضربت عَائِشَة على قبر أَخِيهَا فَنَزَعَهُ ابْن عمر، وضربه مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة على قبر ابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن حبيب: أرَاهُ فِي الْيَوْم واليومين وَالثَّلَاثَة وَاسِعًا إِذا خيف من نبش أَو غَيره، وَالْحسن بن الْحسن بِلَفْظ التَّكْبِير فيهمَا ابْن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أحد أَعْيَان بني هَاشم فضلا وخبرا. مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين، وَامْرَأَته فَاطِمَة بنت حُسَيْن بن عَليّ، وَهِي الَّتِي حَلَفت لَهُ

بِجَمِيعِ مَا تملكه أَنَّهَا لَا تزوج عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان، ثمَّ تزوجته، فأولدها مُحَمَّد الديباج. قَوْله: (قبَّة) ، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْقبَّة، بِالضَّمِّ من الْبناء وَالْجمع: قبب وقباب. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْقبَّة من الْخيام: بَيت صَغِير مستدير، وَهُوَ من بيُوت الْعَرَب، وَضرب الْقبَّة: نصبها وإقامتها على أوتاد مَضْرُوبَة فِي الأَرْض، وَجَاء فِي رِوَايَة الْمُغيرَة ابْن مقسم: لما مَاتَ الْحسن بن الْحسن ضربت امْرَأَته على قَبره فسطاطا وأقامت عَلَيْهِ سنة، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْفسْطَاط بَيت من شعر، وَفِي (الْمغرب) : هُوَ خيمة عَظِيمَة، وَفِي (الباهر) : هُوَ مضرب السُّلْطَان الْكَبِير وَهُوَ السرادق أَيْضا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ ضرب من الْأَبْنِيَة فِي السّفر دون السرادق، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ الخباء وَنَحْوه، وَقَالَ ابْن السّكيت: فسطاط، بِضَم الْفَاء، وفسطاط بِكَسْرِهَا، وفستاط وفستاط وفساط وفساط، وَالْجمع: فساطيط وفساسيط. وَفِي (الباهر) : وفساتيط. قَوْله: (ثمَّ رفعت) على بِنَاء الْفَاعِل بِفَتْح الرَّاء وَبِضَمِّهَا أَيْضا على بِنَاء الْمَفْعُول. قَوْله: (فَسمِعت) ويروى: (فَسَمِعُوا) ، قَوْله: (مَا فقدوا) ويروى (مَا طلبُوا) قَوْله: (فَأَجَابَهُ آخر) أَي: صائح آخر، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون هَذَانِ الصائحان من مؤمني الْجِنّ أَو من الْمَلَائِكَة.

٠٣٣١ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى اعنْ شيْبَانَ عنْ هِلَالٍ هُوَ الوَزَّانُ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي مرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ لَعَنَ الله اليَهُودَ والنَّصَارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدا قالَتْ ولَوْلَا ذالِكَ لأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أنِّي أخْشَى أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدا..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ التلازم، وَذَلِكَ أَن التَّرْجَمَة اتِّخَاذ الْمَسْجِد على الْقَبْر، ومدلول الحَدِيث اتِّخَاذ الْقَبْر مسجداولكنهما متلازمان، وَإِن كَانَ مفهوماهما متغايران.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبيد الله بن مُوسَى أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: شَيبَان، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الرَّحْمَن التَّمِيمِي النَّحْوِيّ. الثَّالِث: هِلَال بن حميد، وَيُقَال ابْن عبد الله الْوزان. الرَّابِع: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَفِي العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع أَن شَيْخه بَصرِي سكن الْكُوفَة، وشيبان وهلال كوفيان وَعُرْوَة مدنِي. وَفِيه: أَن هلالاً مَذْكُور بصنعته الْمَشْهُور أَنه ابْن أبي حمد، وَكَذَا وَقع مَنْسُوبا عِنْد ابْن أبي شيبَة والإسماعيلي وَغَيرهمَا. وَقيل: قَالَ البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) : قَالَ وَكِيع: هِلَال بن حميد، وَقَالَ مرّة: هِلَال بن عبد الله، وَلَا يَصح قلت: وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: هِلَال بن مِقْلَاص.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الْجَنَائِز أَيْضا عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَأخرجه فِي الْمَغَازِي عَن الصَّلْت بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد، كِلَاهُمَا عَن هَاشم ابْن الْقَاسِم عَن شَيبَان بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي مَرضه) ، إِنَّمَا قَالَه فِي مَرضه تحذيرا مِمَّا صنعوه. قَوْله: (لعن الله) ، اللَّعْن: الطَّرْد والإبعاد، فهم مطرودون ومبعودون من الرَّحْمَة، ولعنوا بكفرهم. قَوْله: (مَسْجِدا) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مساجدا) . قَوْله: (لَوْلَا ذَلِك لأبرز) حَاصله: لَوْلَا خشيَة الاتخاذ لأبرز قَبره، أَي: لكشف قبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يتَّخذ عَلَيْهِ الْحَائِل، وَلَكِن خشيَة الاتخاذ مَوْجُودَة، فَامْتنعَ الإبراز، لِأَن: لَوْلَا، لِامْتِنَاع الشَّيْء لوُجُود غَيره، وَهَذَا قالته عَائِشَة قبل أَن يُوسع الْمَسْجِد، وَلِهَذَا لما وسع الْمَسْجِد جعلت حُجْرَتهَا مُثَلّثَة الشكل محددة حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لأحد أَن يُصَلِّي إِلَى جِهَة الْقَبْر مَعَ اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَفِي رِوَايَة: (لأبرزوا) ، بِلَفْظ الْجمع أَي: لكشفوا قَبره كشفا ظَاهرا من غير بِنَاء بني عَلَيْهِ يمْنَع من الدُّخُول إِلَيْهِ. قَوْله: (غير أَنه خشِي) وَالْهَاء فِي أَنه ضمير الشَّأْن، وخشي على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي رِوَايَة (خشى) على بِنَاء الْمَعْلُوم، فعلى هَذَا الضَّمِير فِي: أَنه، يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خشِي أَن يتَّخذ قَبره مَسْجِدا وَأمرهمْ بترك الإبراز. وَفِي رِوَايَة: (إِنِّي أخْشَى) ، وَهَذِه تَقْتَضِي أَنَّهَا هِيَ الَّتِي منعت من إبرازه.

وَمِمَّا

يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَذَا من بَاب قطع الذريعة لِئَلَّا يعبد قَبره الْجُهَّال، كَمَا فعلت الْيَهُود وَالنَّصَارَى بقبور أَنْبِيَائهمْ، وَكره مَالك الْمَسْجِد على الْقُبُور، وَإِذا بني مَسْجِد على مَقْبرَة دَائِرَة ليصلى فِيهِ فَلَا بَأْس بِهِ، وَكره مَالك الدّفن فِي الْمَسْجِد.

٢٦ - (بابُ الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ إذَا مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة على النُّفَسَاء إِذا مَاتَت فِي مُدَّة نفَاسهَا، وَالنُّفَسَاء: بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء: الْمَرْأَة الحديثة الْعَهْد بِالْولادَةِ، وَهِي صِيغَة مُفْردَة على غير الْقيَاس، وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي كِتَابه (الْمَمْدُود والمقصور) : يَعْنِي، بِفَتْح النُّون لُغَة فِي نفسَاء، بِالضَّمِّ وَهِي ثَلَاث لُغَات يُقَال: امْرَأَة نفسَاء وَهِي الفصيحة الجيدة، ونفساء ونفساء وَهِي أفلها وأردؤها.

١٣٣١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا حُسَيْنٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ عنْ سَمُرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ صَلَّيْتُ وَرَاءَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى امْرَأةٍ ماتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسْطَهَا.

(أنظر الحَدِيث ٢٣٣ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمضى الحَدِيث فِي أول كتاب الْغسْل فِي: بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء وسنتها، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أَحْمد بن أبي سريح عَن شَبابَة عَن شُعْبَة عَن حُسَيْن الْمعلم عَن ابْن بُرَيْدَة عَن سَمُرَة بن جُنْدُب: (أَن امْرَأَة مَاتَت فِي بطن فصلى عَلَيْهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَامَ وَسطهَا) . وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَيزِيد بن زُرَيْع قد مر غير مرّة، وَيزِيد من الزِّيَادَة، وزريع مصغر الزَّرْع، وحسين هُوَ ابْن ذكْوَان الْمعلم، وَبُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف. قَوْله: (وَسطهَا) ، بِسُكُون السِّين: يتَنَاوَل العجيزة أَيْضا لِأَنَّهُ أَعم من الْوسط بِالتَّحْرِيكِ، وَفِي (التَّوْضِيح) : بِسُكُون السِّين هُوَ الصَّوَاب، وَقَيده بَعضهم بِالْفَتْح أَيْضا، وَكَون هَذِه الْمَرْأَة فِي نفَاسهَا وصف غير مُعْتَبر اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَة أَمر وَقع.

وَأما وصف كَونهَا امْرَأَة فَهَل هُوَ مُعْتَبر أم لَا؟ من الْفُقَهَاء من ألغاه، وَقَالَ: يُقَام عِنْد وسط الْجِنَازَة مُطلقًا، ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، وَمِنْهُم من خص ذَلِك بِالْمَرْأَةِ محاولة للستر. وَقيل: كَانَ قبل اتِّخَاذ الأنعشة والقباب.

وَأما الرجل فَعِنْدَ رَأسه لِئَلَّا ينظر إِلَى فرجه، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَأبي يُوسُف، وَالْمَشْهُور من الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا فِي الأَصْل وَغَيره: أَن يقوم من الرجل وَالْمَرْأَة حذاء الصَّدْر، وَعَن الْحسن بحذاء الْوسط مِنْهُمَا. وَقَالَ مَالك: يقوم من الرجل عِنْد وَسطه وَمن الْمرْآة عِنْد منكبيها، وَقَالَ أَبُو عَليّ الطَّبَرِيّ، من الشَّافِعِيَّة: يقوم الإِمَام عِنْد صَدره وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ وَقطع بِهِ السَّرخسِيّ. قَالَ الصيدلاني: وَهُوَ اخْتِيَار أَئِمَّتنَا. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: قَالَ أَصْحَابنَا البصريون: يقوم عِنْد صَدره، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ. وَقَالَ البغداديون: عِنْد رَأسه، وَقَالُوا: لَيْسَ فِي ذَلِك نَص، وَمِمَّنْ قَالَه الْمحَامِلِي وَصَاحب (الْحَاوِي) وَالْقَاضِي حُسَيْن وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ، وروى حَرْب عَن أَحْمد كَقَوْل أبي حنيفَة، وَذكر عَن الْحسن التَّوسعَة فِي ذَلِك، وَبهَا قَالَ أَشهب وَابْن شعْبَان.

وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ.

وَالْإِجْمَاع قَائِم على أَنه لَا يقوم ملاصقا للجنازة، وَأَنه لَا بُد من فُرْجَة بَينهمَا، وَفِي الحَدِيث إِثْبَات الصَّلَاة على النُّفَسَاء، وَإِن كَانَت شهيدة وَعَن الْحسن أَنه لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا بِمَوْت من زنا وَلَا وَلَدهَا، وَقَالَ قَتَادَة: فِي وَلَدهَا.

٣٦ - (بابٌ أَيْن يَقُومُ مِنَ المَرْأةِ وَالرَّجُلِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَيْن يقوم الْمُصَلِّي على الْمَيِّت من الْمَرْأَة وَالرجل؟ فَإِن قلت: لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب بَيَان مَوضِع قيام الرجل، فَلم ذكره فِي التَّرْجَمَة. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: للإشعار بِأَنَّهُ لم يجد حَدِيثا بِشَرْطِهِ فِي ذَلِك، وَأما لقياس الرجل على الْمَرْأَة إِذا لم يقل أحد بِالْفرقِ بَينهمَا، وَفِيه نظر أما فِي الأول فَلِأَنَّهُ لما لم يجد حَدِيثا فِي ذَلِك بِشَرْطِهِ لم يكن لذكره وَجه، وَأما فِي الثَّانِي فَمن أَيْن علم؟ لم يقل بِالْفرقِ بَينهمَا. وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ عدم التَّفْرِقَة بَين الرجل وَالْمَرْأَة، وَأَشَارَ

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده