الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٨٨
الحديث رقم ١٣٨٨ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب موت الفجأة البغتة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٣٨٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا هُوَ) أَيِ: الْكَفَنُ.
قَوْلُهُ: (لِلْمُهْلَةِ) قَالَ عِيَاضٌ: رُوِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا. قُلْتُ: جَزَمَ بِهِ الْخَلِيلُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ بِالْكَسْرِ: الصَّدِيدُ، وَبِالْفَتْحِ: التَّمَهُّلُ، وَبِالضَّمِّ: عَكَرُ الزَّيْتِ. وَالْمُرَادُ هُنَا الصَّدِيدُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا هُوَ أَيِ: الْجَدِيدُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُهْلَةِ عَلَى هَذَا التَّمَهُّلِ، أَيْ إِنَّ الْجَدِيدَ لِمَنْ يُرِيدُ الْبَقَاءَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كُفِّنَ أَبُو بَكْرٍ فِي رَبْطَةٍ بَيْضَاءَ، وَرَبْطَةٍ مُمَصَّرَةٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ وَفِيهِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَلَهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: إِنَّمَا هُوَ لِلْمَهْلِ وَالتُّرَابِ. وَضَبَطَ الْأَصْمَعِيُّ هَذِهِ بِالْفَتْحِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ التَّكْفِينِ فِي الثِّيَابِ الْبِيضِ، وَتَثْلِيثِ الْكَفَنِ، وَطَلَبِ الْمُوَافَقَةِ فِيمَا وَقَعَ لِلْأَكَابِرِ تَبَرُّكًا بِذَلِكَ (١). وَفِيهِ جَوَازُ التَّكْفِينِ فِي الثِّيَابِ الْمَغْسُولَةِ، وَإِيثَارِ الْحَيِّ بِالْجَدِيدِ، وَالدَّفْنِ بِاللَّيْلِ، وَفَضْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَصِحَّةُ فِرَاسَتِهِ، وَثَبَاتُهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ. وَفِيهِ أَخْذُ الْمَرْءِ الْعِلْمَ عَمَّنْ دُونَهُ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ أَنَّ التَّكْفِينَ فِي الثَّوْبِ الْجَدِيدِ وَالْخَلَقِ سَوَاءٌ. وَتُعُقِّبَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ اخْتَارَهُ لِمَعْنًى فِيهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ.
٩٥ - بَاب مَوْتِ الْفُجَاءَةِ الْبَغْتَةِ
١٣٨٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
[الحديث ١٣٨٨ - طرفه في: ٢٧٦٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَوْتِ الْفُجَاءَةِ، الْبَغْتَةِ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: هُوَ مَضْبُوطٌ بِالْكَسْرِ عَلَى الْبَدَلِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هِيَ الْبَغْتَةُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بَغْتَةٌ. وَالْفُجَاءَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ، وَبَعْدَ الْجِيمِ مَدٌّ ثُمَّ هَمْزٌ، وَيُرْوَى بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ بِغَيْرِ مَدٍّ، وَهِيَ الْهُجُومُ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ. وَمَوْتُ الْفَجْأَةِ وُقُوعُهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ مَرَضٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ كَرَاهِيَتُهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ بِأَنَّ أُمَّهُ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَفٍ. وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، فَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي التَّرْجَمَةِ بِمَا لَمْ يُوَافِقْ شَرْطَهُ، وَإِدْخَالُ مَا يُومِئُ إِلَى ذَلِكَ وَلَوْ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ. انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ رَاوِيهِ رَفَعَهُ مَرَّةً وَوَقَفَهُ أُخْرَى. وَقَوْلُهُ: أَسَفٌ أَيْ: غَضَبٌ، وَزْنًا وَمَعْنًى، وَرُوِيَ بِوَزْنِ فَاعِلٍ أَيْ غَضْبَانَ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِجِدَارٍ مَائِلٍ فَأَسْرَعَ، وَقَالَ: أَكْرَهُ مَوْتَ الْفَوَاتِ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وَكَانَ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِمَا فِي مَوْتِ الْفَجْأَةِ مِنْ خَوْفِ حِرْمَانِ الْوَصِيَّةِ، وَتَرْكِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَعَادِ بِالتَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْمَوْتِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَزَادَ فِيهِ: الْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ وَصِيَّتَهُ. انْتَهَى. وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ: مَوْتُ الْفَجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، وَأَسَفٌ عَلَى الْفَاجِرِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالجرِّ: بدلٌ من «الفجأة»، ويجوز الرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي البغتة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بَغْتَةً» بالتَّنكير.
١٣٨٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد (١) بن (٢) الحكم بن أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي (٣) كثيرٍ، المدنيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (هِشَامٌ) وفي نسخةٍ: «هشام بن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير، ولأبي ذَرٍّ: «عن عروة» بدل قوله: «عن أبيه» (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا) هو سعد بن عبادة (قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أُمِّي) عَمْرة (افْتُلِتَتْ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وكسر اللَّام مبنيًّا للمفعول، أي: ماتت فلتةً، أي: فجأةً (نَفْسُهَا) بالرَّفع: نائبٌ عن الفاعل، وبالنَّصب: على أنَّه المفعول الثَّاني بإسقاط حرف الجرِّ، والأوَّل مضمرٌ؛ وهو القائم مقام الفاعل، أو يُضَمَّن «افتُلِتَت» معنى: سُلِبَت (٤)، فيكون «نفسُها» مفعولًا ثانيًا لا على إسقاط الجارِّ، أو بالنَّصب (٥) على التَّمييز، وكانت وفاتها سنة خمسٍ من الهجرة فيما ذكره ابن عبد البرِّ (وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟) بكسر همزة «إِنْ» على أنَّها شرطيَّةٌ، قال الزَّركشيُّ: وهي الرِّواية الصَّحيحة، ولا يصحُّ قول من فَتَحها؛ لأنَّه إنَّما سأل عمَّا لم يفعل،
لكن قال البدر الدَّمامينيُّ: إِنْ ثبتت لنا روايةٌ بفتح الهمزة من «إِنْ»؛ أمكن تخريجها على مذهب الكوفيِّين في صحَّة مجيء «أَنْ» المفتوحة الهمزة شرطيَّةً كـ «إنْ» المكسورة، ورجَّحه ابن هشامٍ، والمعنى حينئذٍ صحيحٌ بلا شكٍّ (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) لها أجرٌ إن تصدَّقتَ عنها، وأشار المؤلِّف بهذا إلى أنَّ موت الفجأة ليس بمكروهٍ؛ لأنَّه ﵊ لم يظهر منه كراهةٌ لمَّا أخبره الرَّجل بأنَّ أمه افتُلِتَت نفسها، ونبَّه بذلك على أنَّ معاني الأحاديث الَّتي وردت في الاستعاذة من موت الفجأة؛ كحديث أبي داود بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ، لكنَّ راويه رفعه مرَّةً، ووقَفَه أخرى (١): «موت (٢) الفجأة أخذةُ آسِفٍ»، ولأنَّه (٣) لا يؤنس من صاحبها، ولا يُخرَج بها عن حكم الإسلام ورجاء الثَّواب وإن كان مستعاذًا منها؛ لما يفوت بها (٤) من خير الوصيَّة والاستعداد (٥) للمعاد بالتَّوبة وغيرها من الأعمال الصَّالحة، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن عائشة وابن مسعودٍ: «موت الفجأة راحةٌ للمؤمن (٦)، وأسفٌ على الفاجر»، ونقل النَّوويُّ عن بعض القدماء: أنَّ جماعةً من الأنبياء والصُّلحاء ماتوا كذلك، قال النَّوويُّ: وهو محبوبٌ للمراقبين.
ورواة هذا الحديث مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فمصريٌّ، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٥٩ - (بابُ مَوْتِ الفَجْأةِ البَغْتَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال الْمَوْت فَجْأَة، وَلم يُبينهُ اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب بِأَنَّهُ غير مَكْرُوه، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يظْهر مِنْهُ كراهيته لما أخبرهُ الرجل بِأَن أمه افتلتت نَفسهَا، والفجاءة، بِضَم الْفَاء وبالمد، وَفِي (الْمُحكم) : فَجْأَة وفجأة يفجؤه فجَاء وفجاءة وافتجأه وفاجأه مفاجأة: هجم عَلَيْهِ من غير أَن يشْعر بِهِ، ولقيته فَجْأَة وضعوه مَوضِع الْمصدر، وَمَوْت الْفجأَة مَا يفجأ الْإِنْسَان من ذَلِك. . وَفِي (الْمُنْتَهى) : هُوَ بِالضَّمِّ، والهمزة، وَفِي (الاصلاح) ليعقوب: فاجأني وفجأني الرجل. قَالَ أَبُو زيد: إِذا لَقيته وَلَا تشعر بِهِ وَهُوَ لَا يشْعر بك أَيْضا. وَعند ابْن التياني: فجأ الْأَمر وفاجأ وفجىء، وَبِه يرد على ابْن درسْتوَيْه فِي كتاب (تَصْحِيح الفصيح) ٧ والعامة تفتح ماضيه، وَقَالَ قطرب: الأَصْل: فجا، وَنحن نتفجى فلَانا أَي ننتظره وأتيته فجواء أَي: مفاجأة، وَحكى الْمُطَرز عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه يُقَال: أَتَيْته فجاة والتقاطا وعينا وبددا، أَي: بِغَيْر تلبث. قَوْله: (البغتة) بِالْجَرِّ على أَنه بدل من الْفجأَة وَيجوز أَن يرفع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ البغتة، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: بَغْتَة، بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال بغته يبغته بغتا، أَي: فاجأه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: البغت أَن يفجأك الشَّيْء، تَقول: بَغْتَة أَي: فَجْأَة ولقيته بَغْتَة أَي فجاءة، والمباغتة المفاجأة.
٨٨٣١ - حدَّثنا سَعيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبرنِي هِشَامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وأظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها قالَ نَعَمْ.
(الحَدِيث ٨٨٣١ طرفه فِي: ٠٦٧٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أجَاب بقوله: (نعم) لذَلِك الْقَائِل الَّذِي فِي الحَدِيث دلّ على أَن موت الْفجأَة غير مَكْرُوه، وَقد ورد فِي حَدِيث عَن عَائِشَة وَابْن مَسْعُود، أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : (موت الْفجأَة رَاحَة لِلْمُؤمنِ وأسف على الْفَاجِرَة) . فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبيد بن خَالِد السّلمِيّ، رجل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: موت الْفجأَة أَخْذَة آسَف، والآسف على فَاعل من الصِّفَات المشبهة، والآسف بِفتْحَتَيْنِ اسْم، وَالْمعْنَى: أَخْذَة غَضْبَان فِي الْوَجْه الأول، وَأَخْذَة غضب فِي الْوَجْه الثَّانِي، وَمَعْنَاهُ: أَنه فعل مَا أوجب الْغَضَب عَلَيْهِ والانتقام مِنْهُ بِأَن أَمَاتَهُ بَغْتَة من غير استعداد وَلَا حُضُور لذَلِك، وروى أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مر بجدار مائل فأسرع، وَقَالَ: أكره موت الْفَوات) . قلت: الْجمع بَينهمَا بِأَن الأول: مَحْمُول على من استعد وتأهب، وَالثَّانِي: مَحْمُول على من فرط. وَقَالَ ابْن بطال: وَكَانَ ذَلِك، وَالله أعلم، لما فِي موت الْفجأَة من خوف حرمَان الْوَصِيَّة وَترك الاستعداد للمعاد بِالتَّوْبَةِ وَغَيرهَا من الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وروى ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب (الْمَوْت) : من حَدِيث أنس نَحْو حَدِيث عبيد بن خَالِد، وَزَاد فِيهِ: المحروم من حرم وَصيته) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم. الثَّانِي: مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر بن أبي كثير. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مصري وَبَقِيَّة الروَاة مدنيون، وَفِيه: رِوَايَة الإبن عَن الْأَب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن رجلا) هُوَ سعد بن عبَادَة، قَالَ أَبُو عمر: وَاسم أمه عمْرَة. قَوْله: (افتلتت نَفسهَا) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر اللَّام على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمَعْنَاهُ: مَاتَت فَجْأَة، يُقَال: افتلت فلَان على صِيغَة الْمَجْهُول، وافتلتت نَفسه أَيْضا، و: نَفسهَا، نصب على التَّمْيِيز أَو مفعول ثانٍ بِمَعْنى: سلبت، ويروى بِرَفْع النَّفس، وَهُوَ ظَاهر. وَسَيَأْتِي فِي البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن سعد بن عبَادَة استفتى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي نذر كَانَ على أمه توفيت قبل أَن تقضيه، فَقَالَ: إقضه عَنْهَا، وَلأبي دَاوُد: (إِن امْرَأَة قَالَت: يَا رَسُول الله إِن أُمِّي افتلتت نَفسهَا. .) الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم) ، وللنسائي عَن ابْن عَبَّاس، (عَن سعد بن عبَادَة أَنه قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله، إِن أُمِّي مَاتَت فَأَي الصَّدَقَة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا هُوَ) أَيِ: الْكَفَنُ.
قَوْلُهُ: (لِلْمُهْلَةِ) قَالَ عِيَاضٌ: رُوِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا. قُلْتُ: جَزَمَ بِهِ الْخَلِيلُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ بِالْكَسْرِ: الصَّدِيدُ، وَبِالْفَتْحِ: التَّمَهُّلُ، وَبِالضَّمِّ: عَكَرُ الزَّيْتِ. وَالْمُرَادُ هُنَا الصَّدِيدُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا هُوَ أَيِ: الْجَدِيدُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُهْلَةِ عَلَى هَذَا التَّمَهُّلِ، أَيْ إِنَّ الْجَدِيدَ لِمَنْ يُرِيدُ الْبَقَاءَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كُفِّنَ أَبُو بَكْرٍ فِي رَبْطَةٍ بَيْضَاءَ، وَرَبْطَةٍ مُمَصَّرَةٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ وَفِيهِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَلَهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: إِنَّمَا هُوَ لِلْمَهْلِ وَالتُّرَابِ. وَضَبَطَ الْأَصْمَعِيُّ هَذِهِ بِالْفَتْحِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ التَّكْفِينِ فِي الثِّيَابِ الْبِيضِ، وَتَثْلِيثِ الْكَفَنِ، وَطَلَبِ الْمُوَافَقَةِ فِيمَا وَقَعَ لِلْأَكَابِرِ تَبَرُّكًا بِذَلِكَ (١). وَفِيهِ جَوَازُ التَّكْفِينِ فِي الثِّيَابِ الْمَغْسُولَةِ، وَإِيثَارِ الْحَيِّ بِالْجَدِيدِ، وَالدَّفْنِ بِاللَّيْلِ، وَفَضْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَصِحَّةُ فِرَاسَتِهِ، وَثَبَاتُهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ. وَفِيهِ أَخْذُ الْمَرْءِ الْعِلْمَ عَمَّنْ دُونَهُ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ أَنَّ التَّكْفِينَ فِي الثَّوْبِ الْجَدِيدِ وَالْخَلَقِ سَوَاءٌ. وَتُعُقِّبَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ اخْتَارَهُ لِمَعْنًى فِيهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ.
٩٥ - بَاب مَوْتِ الْفُجَاءَةِ الْبَغْتَةِ
١٣٨٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
[الحديث ١٣٨٨ - طرفه في: ٢٧٦٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَوْتِ الْفُجَاءَةِ، الْبَغْتَةِ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: هُوَ مَضْبُوطٌ بِالْكَسْرِ عَلَى الْبَدَلِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هِيَ الْبَغْتَةُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بَغْتَةٌ. وَالْفُجَاءَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ، وَبَعْدَ الْجِيمِ مَدٌّ ثُمَّ هَمْزٌ، وَيُرْوَى بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ بِغَيْرِ مَدٍّ، وَهِيَ الْهُجُومُ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ. وَمَوْتُ الْفَجْأَةِ وُقُوعُهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ مَرَضٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ كَرَاهِيَتُهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ بِأَنَّ أُمَّهُ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَفٍ. وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، فَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي التَّرْجَمَةِ بِمَا لَمْ يُوَافِقْ شَرْطَهُ، وَإِدْخَالُ مَا يُومِئُ إِلَى ذَلِكَ وَلَوْ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ. انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ رَاوِيهِ رَفَعَهُ مَرَّةً وَوَقَفَهُ أُخْرَى. وَقَوْلُهُ: أَسَفٌ أَيْ: غَضَبٌ، وَزْنًا وَمَعْنًى، وَرُوِيَ بِوَزْنِ فَاعِلٍ أَيْ غَضْبَانَ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِجِدَارٍ مَائِلٍ فَأَسْرَعَ، وَقَالَ: أَكْرَهُ مَوْتَ الْفَوَاتِ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وَكَانَ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِمَا فِي مَوْتِ الْفَجْأَةِ مِنْ خَوْفِ حِرْمَانِ الْوَصِيَّةِ، وَتَرْكِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَعَادِ بِالتَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْمَوْتِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَزَادَ فِيهِ: الْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ وَصِيَّتَهُ. انْتَهَى. وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ: مَوْتُ الْفَجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، وَأَسَفٌ عَلَى الْفَاجِرِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالجرِّ: بدلٌ من «الفجأة»، ويجوز الرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي البغتة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بَغْتَةً» بالتَّنكير.
١٣٨٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد (١) بن (٢) الحكم بن أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي (٣) كثيرٍ، المدنيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (هِشَامٌ) وفي نسخةٍ: «هشام بن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير، ولأبي ذَرٍّ: «عن عروة» بدل قوله: «عن أبيه» (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا) هو سعد بن عبادة (قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أُمِّي) عَمْرة (افْتُلِتَتْ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وكسر اللَّام مبنيًّا للمفعول، أي: ماتت فلتةً، أي: فجأةً (نَفْسُهَا) بالرَّفع: نائبٌ عن الفاعل، وبالنَّصب: على أنَّه المفعول الثَّاني بإسقاط حرف الجرِّ، والأوَّل مضمرٌ؛ وهو القائم مقام الفاعل، أو يُضَمَّن «افتُلِتَت» معنى: سُلِبَت (٤)، فيكون «نفسُها» مفعولًا ثانيًا لا على إسقاط الجارِّ، أو بالنَّصب (٥) على التَّمييز، وكانت وفاتها سنة خمسٍ من الهجرة فيما ذكره ابن عبد البرِّ (وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟) بكسر همزة «إِنْ» على أنَّها شرطيَّةٌ، قال الزَّركشيُّ: وهي الرِّواية الصَّحيحة، ولا يصحُّ قول من فَتَحها؛ لأنَّه إنَّما سأل عمَّا لم يفعل،
لكن قال البدر الدَّمامينيُّ: إِنْ ثبتت لنا روايةٌ بفتح الهمزة من «إِنْ»؛ أمكن تخريجها على مذهب الكوفيِّين في صحَّة مجيء «أَنْ» المفتوحة الهمزة شرطيَّةً كـ «إنْ» المكسورة، ورجَّحه ابن هشامٍ، والمعنى حينئذٍ صحيحٌ بلا شكٍّ (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) لها أجرٌ إن تصدَّقتَ عنها، وأشار المؤلِّف بهذا إلى أنَّ موت الفجأة ليس بمكروهٍ؛ لأنَّه ﵊ لم يظهر منه كراهةٌ لمَّا أخبره الرَّجل بأنَّ أمه افتُلِتَت نفسها، ونبَّه بذلك على أنَّ معاني الأحاديث الَّتي وردت في الاستعاذة من موت الفجأة؛ كحديث أبي داود بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ، لكنَّ راويه رفعه مرَّةً، ووقَفَه أخرى (١): «موت (٢) الفجأة أخذةُ آسِفٍ»، ولأنَّه (٣) لا يؤنس من صاحبها، ولا يُخرَج بها عن حكم الإسلام ورجاء الثَّواب وإن كان مستعاذًا منها؛ لما يفوت بها (٤) من خير الوصيَّة والاستعداد (٥) للمعاد بالتَّوبة وغيرها من الأعمال الصَّالحة، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن عائشة وابن مسعودٍ: «موت الفجأة راحةٌ للمؤمن (٦)، وأسفٌ على الفاجر»، ونقل النَّوويُّ عن بعض القدماء: أنَّ جماعةً من الأنبياء والصُّلحاء ماتوا كذلك، قال النَّوويُّ: وهو محبوبٌ للمراقبين.
ورواة هذا الحديث مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فمصريٌّ، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٥٩ - (بابُ مَوْتِ الفَجْأةِ البَغْتَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال الْمَوْت فَجْأَة، وَلم يُبينهُ اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب بِأَنَّهُ غير مَكْرُوه، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يظْهر مِنْهُ كراهيته لما أخبرهُ الرجل بِأَن أمه افتلتت نَفسهَا، والفجاءة، بِضَم الْفَاء وبالمد، وَفِي (الْمُحكم) : فَجْأَة وفجأة يفجؤه فجَاء وفجاءة وافتجأه وفاجأه مفاجأة: هجم عَلَيْهِ من غير أَن يشْعر بِهِ، ولقيته فَجْأَة وضعوه مَوضِع الْمصدر، وَمَوْت الْفجأَة مَا يفجأ الْإِنْسَان من ذَلِك. . وَفِي (الْمُنْتَهى) : هُوَ بِالضَّمِّ، والهمزة، وَفِي (الاصلاح) ليعقوب: فاجأني وفجأني الرجل. قَالَ أَبُو زيد: إِذا لَقيته وَلَا تشعر بِهِ وَهُوَ لَا يشْعر بك أَيْضا. وَعند ابْن التياني: فجأ الْأَمر وفاجأ وفجىء، وَبِه يرد على ابْن درسْتوَيْه فِي كتاب (تَصْحِيح الفصيح) ٧ والعامة تفتح ماضيه، وَقَالَ قطرب: الأَصْل: فجا، وَنحن نتفجى فلَانا أَي ننتظره وأتيته فجواء أَي: مفاجأة، وَحكى الْمُطَرز عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه يُقَال: أَتَيْته فجاة والتقاطا وعينا وبددا، أَي: بِغَيْر تلبث. قَوْله: (البغتة) بِالْجَرِّ على أَنه بدل من الْفجأَة وَيجوز أَن يرفع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ البغتة، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: بَغْتَة، بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال بغته يبغته بغتا، أَي: فاجأه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: البغت أَن يفجأك الشَّيْء، تَقول: بَغْتَة أَي: فَجْأَة ولقيته بَغْتَة أَي فجاءة، والمباغتة المفاجأة.
٨٨٣١ - حدَّثنا سَعيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبرنِي هِشَامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وأظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها قالَ نَعَمْ.
(الحَدِيث ٨٨٣١ طرفه فِي: ٠٦٧٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أجَاب بقوله: (نعم) لذَلِك الْقَائِل الَّذِي فِي الحَدِيث دلّ على أَن موت الْفجأَة غير مَكْرُوه، وَقد ورد فِي حَدِيث عَن عَائِشَة وَابْن مَسْعُود، أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : (موت الْفجأَة رَاحَة لِلْمُؤمنِ وأسف على الْفَاجِرَة) . فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبيد بن خَالِد السّلمِيّ، رجل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: موت الْفجأَة أَخْذَة آسَف، والآسف على فَاعل من الصِّفَات المشبهة، والآسف بِفتْحَتَيْنِ اسْم، وَالْمعْنَى: أَخْذَة غَضْبَان فِي الْوَجْه الأول، وَأَخْذَة غضب فِي الْوَجْه الثَّانِي، وَمَعْنَاهُ: أَنه فعل مَا أوجب الْغَضَب عَلَيْهِ والانتقام مِنْهُ بِأَن أَمَاتَهُ بَغْتَة من غير استعداد وَلَا حُضُور لذَلِك، وروى أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مر بجدار مائل فأسرع، وَقَالَ: أكره موت الْفَوات) . قلت: الْجمع بَينهمَا بِأَن الأول: مَحْمُول على من استعد وتأهب، وَالثَّانِي: مَحْمُول على من فرط. وَقَالَ ابْن بطال: وَكَانَ ذَلِك، وَالله أعلم، لما فِي موت الْفجأَة من خوف حرمَان الْوَصِيَّة وَترك الاستعداد للمعاد بِالتَّوْبَةِ وَغَيرهَا من الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وروى ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب (الْمَوْت) : من حَدِيث أنس نَحْو حَدِيث عبيد بن خَالِد، وَزَاد فِيهِ: المحروم من حرم وَصيته) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم. الثَّانِي: مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر بن أبي كثير. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مصري وَبَقِيَّة الروَاة مدنيون، وَفِيه: رِوَايَة الإبن عَن الْأَب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن رجلا) هُوَ سعد بن عبَادَة، قَالَ أَبُو عمر: وَاسم أمه عمْرَة. قَوْله: (افتلتت نَفسهَا) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر اللَّام على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمَعْنَاهُ: مَاتَت فَجْأَة، يُقَال: افتلت فلَان على صِيغَة الْمَجْهُول، وافتلتت نَفسه أَيْضا، و: نَفسهَا، نصب على التَّمْيِيز أَو مفعول ثانٍ بِمَعْنى: سلبت، ويروى بِرَفْع النَّفس، وَهُوَ ظَاهر. وَسَيَأْتِي فِي البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن سعد بن عبَادَة استفتى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي نذر كَانَ على أمه توفيت قبل أَن تقضيه، فَقَالَ: إقضه عَنْهَا، وَلأبي دَاوُد: (إِن امْرَأَة قَالَت: يَا رَسُول الله إِن أُمِّي افتلتت نَفسهَا. .) الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم) ، وللنسائي عَن ابْن عَبَّاس، (عَن سعد بن عبَادَة أَنه قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله، إِن أُمِّي مَاتَت فَأَي الصَّدَقَة