الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٨٧
الحديث رقم ١٥٨٧ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل الحرم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٥٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
يخبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبًا يوم فتح مكة، فقال: لا هجرة أي من مكة ؛ لأنها صارت بلاد إسلام، ولكن بقي الجهاد في سبيل الله، وأمر من طلب منه الخروج إلى الجهاد أن يخرج طاعة لله وطاعة لرسوله وأولي الأمر، ثم ذكر حرمة مكة، وأن ذلك منذ خلق الله السموات والأرض وأنها لم تحل لأحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم ولن تحل لأحد بعده وإنما أُحلت له ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها ، ثم ذكر حرمة مكة وأن لا يُعضد شوك الحرم ولا يُنَفَّرُ صيده ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُه إلا لمن يريد تعريفها، ولا يؤخذ خلاه وهو العلف والحشيش واستثني من ذلك الإذخر لمصلحة أهل مكة، وذلك أن الحدادين يستعملونه في إيقاد النار لأعمالهم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَلَى يَدَيْ بَعْضِ الْجُنْدِ، فَجَدَّدَ لَهَا سَقْفًا، وَرَخَّمَ السَّطْحَ، فَلَمَّا كَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ صَارَ الْمَطَرُ إِذَا نَزَلَ يَنْزِلُ إِلَى دَاخِلِ الْكَعْبَةِ أَشَدَّ مِمَّا كَانَ أَوَّلًا، فَأَدَّاهُ رَأْيُهُ الْفَاسِدُ إِلَى نَقْضِ السَّقْفِ مَرَّةً أُخْرَى وَسَدِّ مَا كَانَ فِي السَّطْحِ مِنَ الطَّاقَاتِ الَّتِي كَانَ يَدْخُلُ مِنْهَا الضَّوْءُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ امْتِهَانُ الْكَعْبَةِ، بَلْ صَارَ الْعُمَّالُ يَصْعَدُونَ فِيهَا بِغَيْرِ أَدَبٍ، فَغَارَ بَعْضُ الْمُجَاوِرِينَ فَكَتَبَ إِلَى الْقَاهِرَةِ يَشْكُو ذَلِكَ.
فَبَلَغَ السُّلْطَانَ الظَّاهِرَ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِذَلِكَ، وَجَهَّزَ بَعْضَ الْجُنْدِ لِكَشْفِ ذَلِكَ فَتَعَصَّبَ لِلْأَوَّلِ بَعْضُ مَنْ جَاوَرَ وَاجْتَمَعَ الْبَاقُونَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً، فَكَتَبُوا مَحْضَرًا بِأَنَّهُ مَا فَعَلَ شَيْئًا إِلَّا عَنْ مَلَأٍ مِنْهُمْ، وَأَنَّ كُلَّ مَا فَعَلَهُ مَصْلَحَةٌ، فَسَكَنَ غَضَبُ السُّلْطَانِ وَغَطَّى عَنْهُ الْأَمْرَ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ، وَهُوَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ قَبْلَ الْأَلِفِ، وَبَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ - يَعْنِي الْكَعْبَةَ - حَقَّ تَعْظِيمِهَا، فَإِذَا ضَيَّعُوا ذَلِكَ (١) هَلَكُوا.
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى - الْأَمْنَ مِنَ الْفِتَنِ بِحِلْمِهِ وَكَرَمِهِ، وَمِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَّفِقِ الِاحْتِيَاجُ فِي الْكَعْبَةِ إِلَى الْإِصْلَاحِ إِلَّا فِيمَا صَنَعَهُ الْحَجَّاجُ إِمَّا مِنَ الْجِدَارِ الَّذِي بَنَاهُ فِي الْجِهَةِ الشَّامِيَّةِ، وَإِمَّا فِي السُّلَّمِ الَّذِي جَدَّدَهُ لِلسَّطْحِ وَالْعَتَبَةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَ فَإِنَّمَا هُوَ لِزِيَادَةٍ مَحْضَةٍ كَالرُّخَامِ أَوْ لِتَحْسِينٍ كَالْبَابِ وَالْمِيزَابِ، وَكَذَا مَا حَكَاهُ الْفَاكِهِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُكَرَّمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ السَّهْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاوَرْتُ بِمَكَّةَ فَعَابَتْ - أَيْ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - أُسْطُوَانَةٌ مِنْ أَسَاطِينِ الْبَيْتِ فَأُخْرِجَتْ وَجِيءَ بِأُخْرَى لِيُدْخِلُوهَا مَكَانَهَا فَطَالَتْ عَنِ الْمَوْضِعِ، وَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ وَالْكَعْبَةُ لَا تُفْتَحُ لَيْلًا فَتَرَكُوهَا لِيَعُودُوا مِنْ غَدٍ لِيُصْلِحُوهَا فَجَاءُوا مِنْ غَدٍ فَأَصَابُوهَا أَقْدَمَ مِنْ قِدْحٍ. أَيْ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَهُوَ السَّهْمُ، وَهَذَا إِسْنَادٌ قَوِيٌّ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَبَكْرٌ هُوَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، وَكَأَنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي أَوَائِلِ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَتِ الْأُسْطُوَانَةُ مِنْ خَشَبٍ. وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
٤٣ - بَاب فَضْلِ الْحَرَمِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وَقَوْلِهِ - جَلَّ ذِكْرُهُ - ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾
١٥٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْحَرَمِ) أَيِ: الْمَكِّيِّ الَّذِي سَيَأْتِي ذِكْرُ حُدُودِهِ فِي بَابِ لَا يُعْضَدُ شَجَرُ الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ الْآيَةَ) وَجْهُ تَعَلُّقِهَا بِالتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ إِضَافَةِ الرُّبُوبِيَّةِ إِلَى الْبَلْدَةِ، فَإِنَّهُ عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ لَهَا، وَهِيَ أَصْلُ الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ الْآيَةَ، رَوَى النَّسَائِيُّ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الحارث بن عامر بن نوفلٍ قال للنَّبيِّ ﷺ: إن نتَّبع الهدى معك نُتخطَّف من أرضنا، فأنزل الله تعالى ردًّا عليه (١): ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ … الآيةَ.
١٥٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ) بفتح الجيم، و «عبد الحَمِيد» -بفتح الحاء المهملة وكسر الميم- ابن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ- الضَّبِّيُّ (٢) الكوفيُّ، نزيل الرَّيِّ وقاضيها (عَنْ مَنْصُورٍ) هو (٣) ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان، اليمانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ) زاد المؤلِّف في «باب غزوة الفتح»: «يوم خلق السَّموات والأرض فهي حرام بحرامِ (٤) الله إلى يوم القيامة» [خ¦٤٣١٣] يعني: أنَّ تحريمه أمرٌ قديمٌ وشريعةٌ سالفةٌ مستمرةٌ، ليس ممَّا أحدثه أو اختصَّ بشرعه، وهذا لا ينافي قوله في حديث جابرٍ عند مسلمٍ: إنَّ إبراهيم حرَّمها لأنَّ إسناد التَّحريم إليه من حيث إنَّه مبلِّغه، فإنَّ الحاكم بالشَّرائع والأحكام كلِّها هو الله تعالى والأنبياء يبلِّغونها، فكما تُضاف إلى الله تعالى من حيث إنَّه الحاكم بها تُضاف إلى الرُّسل لأنَّها تُسمَع منهم وتُبيَّن على لسانهم (٥)، والحاصل: أنَّه أظهر (٦) تحريمها بعد أن كان مهجورًا إلَّا أنَّه ابتدأه أو حرَّمها بإذن الله؛ يعني: أنَّه تعالى كتب في اللَّوح المحفوظ يوم خلق السَّموات والأرض أنَّ إبراهيم سيحرِّم مكَّة بأمر الله تعالى.
(لَا يُعْضَدُ) بضمِّ أوَّله وفتح الضَّاد المعجمة، أي: لا يُقطَع (شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) لا يُزعَج من مكانه، فإن نفَّره عصى، سواءٌ تلف أم لا، لكن إن تلف في نفاره قبل السُّكون ضمن دمه بالتَّنفير على الإتلاف ونحوه؛ لأنَّه إذا حُرِّم التَّنفير فالإتلاف أَولى (وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَْطَتَهُ) بفتح القاف في «اليونينيَّة»، وبسكونها في غيرها، قال الأزهريُّ: والمحدِّثون لا يعرفون غير (١) الفتح، ونقل الطِّيبيُّ عن صاحب «شرح السُّنَّة» أنَّه قال: اللُّقَْطة: بفتح القاف (٢)، والعامَّة تسكِّنها، وقال الخليل: هو بالسُّكون، وأمَّا بالفتح فهو الكثير الالتقاطِ، قال الأزهريُّ: وهو القياس، وقال ابن برِّيٍّ في حواشي «الصِّحاح»: وهذا هو الصَّواب لأنَّ الفعلة للفاعل كالضُّحَكَة: للكثير الضَّحك، وفي «القاموس»: واللَّقَطُ -مُحرَّكةً- أي: بغير هاءٍ، وكحُزْمةٍ وهُمَزَةٍ وثُمامةٍ (٣): ما التُقِط. انتهى. وهي هنا نصب مفعولٍ مُقدَّمٍ، والفاعل قوله: (إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) أي: أشهرها، ثمَّ يحفظها لمالكها ولا يتملَّكها، أي: عرَّفها ليعرف مالكها فيردُّها إليه، وهذا بخلاف غير الحرم فإنَّه يجوز تملُّكها بشرطه، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: حكمها واحدٌ في سائر البلاد لعموم قوله ﷺ: «اِعرف عفاصها ووكاءها، ثمَّ عرِّفها سنةً» [خ¦٢٣٧٢] من غير فصلٍ، لنا: أنَّ قوله: «ولا يلتقط لقطته» ورد مورد بيان الفضائل المختصَّة بمكَّة كتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوَّى بين لقطة الحرم وبين (٤) لقطة غيره من البلاد بقي ذكر اللُّقطة في هذا الحديث خاليًا عن (٥) الفائدة.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٤] و «الجزية» [خ¦٣١٨٩] و «الجهاد» [خ¦٤٣١٣]، ومسلمٌ وأبو داود في «الحجِّ» و «الجهاد»، والتِّرمذيُّ في «السِّير»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
(٤٤) (بَابُ) حكم (تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا، وأنَّ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ) بالتَّنكير في الأوَّل، ولأبي ذرٍّ: «في المسجد الحرام» بالتَّعريف فيهما (سَوَاءٌ خَاصَّةً) قيدٌ للمسجد الحرام، أي: المساواة إنَّما هي في نفس المسجد لا في سائر المواضع من مكَّة (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) تعليلٌ لقوله: وأنَّ الناس في المسجد الحرام سواءٌ: (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) أي: أهل مكَّة (﴿وَيَصُدُّونَ﴾) يصرفون النَّاس (﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾) عن دين الإسلام، قال البيضاويُّ -كالزَّمخشريِّ-: لا يريد به حالًا ولا استقبالًا، وإنَّما يريد استمرار الصَّدِّ منهم ولذلك حَسُنَ عطفه على الماضي، وقِيلَ: هو حالٌ من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾ (﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾) عُطِفَ على ﴿سَبِيلِ (١) اللهِ﴾ يعني: وعن المسجد الحرام، والآية مدنيَّةٌ؛ وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا خرج مع أصحابه عام (٢) الحديبية منعهم المشركون عن المسجد الحرام (﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]) ﴿سَوَاء﴾: رُفِع على أنَّه خبرٌ مُقدَّمٌ، و ﴿الْعَاكِفُ﴾ و ﴿وَالْبَادِ﴾: مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، وإنَّما وُحِّد الخبر وإن كان المبتدأ اثنين لأنَّ «سواءً» في الأصل مصدرٌ وُصِف به، وقرأ حفصٌ: ﴿سَوَاء﴾ بالنَّصب على أنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ «جعل» إن جعلناه يتعدَّى لمفعولين، وإن قلنا: يتعدَّى لواحدٍ كان حالًا من هاء ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ وعلى التَّقديرين: فـ ﴿الْعَاكِفُ﴾ مرفوعٌ على الفاعليَّة لأنَّه مصدرٌ وُصِف به (٣)، فهو في قوَّة اسم الفاعل المشتقِّ، تقديره: جعلناه مستويًا فيه العاكف والبادي، والمراد بـ ﴿وَالْمَسْجِدِ﴾: الذي يكون فيه النُّسك والصَّلاة لا سائر دور مكَّة، وأوَّله أبو حنيفة بمكَّة، واستشهد (٤) بقوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء﴾ على عدم جواز بيع دورها وإجارتها، وهو مع
ضعفه مُعارَضٌ بحديث الباب، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] فنسب الله الدِّيار إليهم كما نسب الأموال إليهم، ولو كانت الدِّيار ليست بملكٍ لهم لمَا كانوا مظلومين في الإخراج من دورٍ ليست بملكٍ لهم، قال ابن خزيمة: لو كان المراد بقوله تعالى: ﴿سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ جميع الحرم وأنَّ اسم المسجد الحرام واقعٌ على جميع الحرم لمَا جاز حفر بئرٍ ولا قبرٍ ولا التَّغوُّط ولا (١) البول ولا إلقاء الجيف والنَّتن، ولا نعلم عالمًا منع من (٢) ذلك، ولا كُرِه لجنبٍ وحائضٍ دخول الحرم ولا الجماع فيه، ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكَّة وحوانيتها، ولا يقول بذلك أحدٌ (﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]) الباء في ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ صلةٌ، أي: ومن يرد فيه إلحادًا كما في قوله تعالى: ﴿تَنبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. قال في «الكشَّاف»: ومفعول ﴿يُرِدْ﴾ متروكٌ ليتناول كلَّ مُتناوَلٍ، كأنَّه قال: ومن يرد فيه مرادًا ما عادلًا عن القصد، وقوله: ﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (٣) حالان مترادفان، وخبر «إنَّ» محذوفٌ لدلالة جواب الشَّرط عليه (٤)، تقديره: إنَّ الذين كفروا ويصدُّون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذابٍ أليمٍ، وكلُّ من ارتكب فيه (٥) ذنبًا، فهو كذلك.
وقال المؤلِّف يفسِّر ما يقع (٦) من غريب الألفاظ على عادته: (البَادِي: الطَّارِي) وفي الفرع: بالهمز (٧)، مُصلَّحٌ على كشط، وهو تفسيرٌ منه بالمعنى، قال في «الفتح»: وهو مقتضى ما جاء عن ابن عبَّاسٍ وغيره كما رواه عبد بن حُمَيدٍ وغيره، وهو موافقٌ لما قاله البيضاويُّ وغيره. (مَعْكُوفًا: مَحْبُوسًا) وليست هذه الكلمة في (٨) هذه الآية، بل في قوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] في سورة «الفتح»، ويمكن أن يكون ذكرها لمناسبة قوله تعالى هنا: ﴿سَوَاء الْعَاكِفُ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْحَوَامِل من النوق، الْوَاحِدَة: خلفة. قَوْله: (قَالَ جرير) ، هُوَ جرير بن حَازِم الْمَذْكُور فِي السَّنَد. قَوْله: (فحزرت) ، بِتَقْدِيم الزَّاي على الرَّاء، أَي: قدَّرت سِتَّة أَذْرع، وَقد ورد ذَلِك مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا تقدم فِي الطَّرِيق الثَّانِي، فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَالله أعلم.
٣٤ - (بابُ فَضْلِ الحَرَمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْحرم، أَي: حرم مَكَّة، وَهُوَ مَا أحاطها من جوانبها، جعل الله حكمه فِي الْحُرْمَة تَشْرِيفًا لَهَا، وحدَّه من الْمَدِينَة على ثَلَاثَة أَمْيَال، وَمن الْيمن وَالْعراق على سَبْعَة، وَمن الْجدّة على عشرَة. وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ: حد الْحرم من طَرِيق الْمَدِينَة دون التَّنْعِيم عِنْد بيُوت تعار على ثَلَاثَة أَمْيَال من مَكَّة، وَمن طَرِيق الْيمن طرف أضاة على سَبْعَة أَمْيَال من مَكَّة، وَمن طَرِيق الطَّائِف إِلَى بطن بيرة على أحد عشر ميلًا، وَمن طَرِيق الْعرَاق، إِلَى ثنية رَحل عشرَة أَمْيَال، وَمن طَرِيق جعرانة فِي شعب آل عبد الله بن خَالِد بن أسيد على خَمْسَة أَمْيَال، وَمن طَرِيق جدة مُنْقَطع الأعناس، وَمن الطَّائِف سَبْعَة أَمْيَال عِنْد طرف عُرَنَة، وَمن بطن عُرَنَة أحد عشر ميلًا. وَقيل: إِن الْخَلِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لما وضع الْحجر الْأسود فِي الرُّكْن أَضَاء مِنْهُ نور وَصلى إِلَى أَمَاكِن الْحُدُود، فَجَاءَت الشَّيَاطِين فوقفت عِنْد الْأَعْلَام، فبناها الْخَلِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حاجزا. رَوَاهُ مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَعنهُ أَن جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أرى إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَوضِع أنصاب الْحرم، فنصبها ثمَّ جددها إِسْمَاعِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ثمَّ جددها قصي بن كلاب، ثمَّ جددها سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا ولي عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بعث أَرْبَعَة من قُرَيْش فنصبوا أنصاب الْحرم. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (المنتظم) : وَأما حُدُود الْحرم: فَأول من وَضعهَا إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَكَانَ جِبْرِيل يرِيه، ثمَّ لم يجدد حَتَّى كَانَ قصي فجددها، ثمَّ قلعتها قُرَيْش فِي زمَان نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فجَاء جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَقَالَ: إِنَّهُم سيعيدونها، فَرَأى رجال مِنْهُم فِي الْمَنَام قَائِلا يَقُول: حرم أكْرمكُم الله بِهِ نزعتم أنصابه؟ الْآن تختطفكم الْعَرَب، فأعادوها. فَقَالَ جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: قد أعادوها. فَقَالَ: قد أَصَابُوا. قَالَ: مَا وضعُوا مِنْهَا نصبا إلَاّ بيد ملك، ثمَّ بعث رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَام الْفَتْح تَمِيم بن أَسد فجددها، ثمَّ جددها عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ جددها مُعَاوِيَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ جددها عبد الْملك بن مَرْوَان. فَإِن قلت: مَا السَّبَب فِي بعد بعض الْحُدُود وَقرب بَعْضهَا مِنْهُ؟ قلت: إِن الله عز وَجل، لما أهبط على آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بَيْتا من ياقوتة، أَضَاء لَهُ مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب، فنفرت الْجِنّ وَالشَّيَاطِين، وَأَقْبلُوا ينظرُونَ، فَجَاءَت مَلَائِكَة فوقفوا مَكَان الْحرم إِلَى مَوضِع انْتِهَاء نوره، وَكَانَ آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يطوف بِهِ ويأنس بِهِ.
ونفسر الْأَلْفَاظ الَّتِي وَقعت هُنَا، فَنَقُول: تعار، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وَبعد الْألف رَاء: وَهُوَ جبل من جبال أبلى، على وزن: فعلى، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة على طَرِيق الْآخِذ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة على بطن نخل، وتعار جبل لَا ينْبت شَيْئا، وَقَالَ كثير:
(أجيبك مَا دمت بِنَجْد وَشَيْخه ... وَمَا ثبتَتْ إبليٌّ بِهِ وتعار)
والتنعيم على لفظ الْمصدر من: نعْمَته تنعيما، وَهُوَ بَين مر وسرف، بَينه وَبَين مَكَّة فرسخان، وَمن التَّنْعِيم يحرم من أَرَادَ الْعمرَة. وَسمي التَّنْعِيم لِأَن الْجَبَل عَن يَمِينه يُقَال لَهُ: نعيم، وَالَّذِي عَن يسَاره يُقَال لَهُ: ناعم، والوادي نعْمَان. وَمر، بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: مُضَاف إِلَى الظهْرَان، بالظاء الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة، بَينه وَبَين الْبَيْت سِتَّة عشر ميلًا، وسرف، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء، وَفِي آخِره فَاء، وَقَالَ الْبكْرِيّ: بِسُكُون الرَّاء، وَهُوَ مَاء على سِتَّة أَمْيَال من مَكَّة، وَهنا أعرس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بميمونة مرجعه من مَكَّة حَتَّى قضى نُسكه، وَهُنَاكَ مَاتَت مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لِأَنَّهَا اعتلت بِمَكَّة. فَقَالَت: أَخْرجُونِي من مَكَّة، وَلِأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخْبرنِي أَنِّي لَا أَمُوت بهَا، فحملوها حَتَّى أَتَوا بهَا سَرفًا إِلَى الشَّجَرَة الَّتِي بنى بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تحتهَا مَوضِع الْقبَّة فَمَاتَتْ هُنَاكَ، سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ، وَهُنَاكَ عِنْد قبرها سِقَايَة، وروى الزُّهْرِيّ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حمى السَّرف والربذة، هَكَذَا أورد فِي الحَدِيث: السَّرف، بِالْألف وَاللَّام، ذكره البُخَارِيّ. والأضاة، بِفَتْح الْهمزَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة، قَالَ الْجَوْهَرِي:
هُوَ الغدير، وَقَالَ السُّهيْلي: بَينهَا وَبَين مَكَّة عشرَة أَمْيَال. وَقَالَ الْبكْرِيّ: أضاة بني غفار بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (بيرة) .
وقَوْلِهِ تعالَى: {إنَّمَا أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هذهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمهَا ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكونَ مِنَ المُسْلِمينَ} (النَّمْل: ١٩) .
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطفا على مَا قبله الْمَجْرُور بِالْإِضَافَة. وَجه تعلق هَذِه الْآيَة بالترجمة من جِهَة أَنه اختصها من بَين جَمِيع الْبِلَاد بِإِضَافَة إسمه إِلَيْهَا لِأَنَّهَا أحب بِلَاده إِلَيْهِ وَأَكْرمهَا عَلَيْهِ وَأَعْظَمهَا عِنْده، حَيْثُ أَن حرمهَا لَا يسفك فِيهَا دم حرَام، وَلَا يظلم فِيهَا أحد وَلَا يهاج صيدها، وَلَا يخْتَلى خَلاهَا. وَلما بيَّن الله تَعَالَى قبل هَذِه الْآيَة المبدأ والمعاد ومقدمات الْقِيَامَة وَأَحْوَالهَا، وَصفَة أهل الْقِيَامَة من الثَّوَاب وَالْعِقَاب، وَذَلِكَ كَمَال مَا يتَعَلَّق بأصول الدّين، ذكر هَذِه الْآيَة وَختم مَا قبله بِهَذِهِ الخاتمة، فَقَالَ: قل يَا مُحَمَّد: إِنَّمَا أمرت أَن أعبد رب هَذِه الْبَلدة، أَي: أَنِّي أخص رب هَذِه الْبَلدة بِالْعبَادَة، وَلَا اتخذ لَهُ شَرِيكا. والبلدة: مَكَّة، وَقَالَ الزّجاج: قرىء: هَذِه الْبَلدة، الَّتِي، وَهِي قَليلَة، وَتَكون الَّتِي فِي مَوضِع خفض من نعت للبلدة، وَفِي قِرَاءَة: الَّذِي، يكون: الَّذِي، فِي مَوضِع نصب من نعت رب، وَأَشَارَ إِلَيْهَا إِشَارَة تَعْظِيمًا لَهَا وتقريبا دَالا على أَنَّهَا موطن نبيه ومهبط وحيه، وَوصف ذَاته بِالتَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ خَاص، وصفهَا فأجزل بذلك قسمهَا فِي الشّرف والعلو، ووصفها بِأَنَّهَا مُحرمَة لَا ينتهك حرمتهَا إلَاّ ظَالِم مضاد لرَبه، وَله كل شَيْء خلقا وملكا، وَجعل دُخُول كل شَيْء تَحت ربوبيته وملكوته، و: أمرت، الثَّانِي عطف على: أمرت، الأول يَعْنِي: أمرت أَن أكون من الحنفاء الثابتين على مِلَّة الْإِسْلَام.
وقولِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ {أوَ لَمْ تُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَما آمِنا يَجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقا مِنْ لَدُنَّا وَلاكِنَّ أكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (الْقَصَص: ٧٥) .
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله الْمَاضِي. وَتعلق هَذِه الْآيَة أَيْضا بالترجمة من حَيْثُ: إِن الله تَعَالَى وصف الْحرم بالأمن، ومنَّ على عباده بِأَن مكن لَهُم هَذَا الْحرم، وروى النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير: (أَن الْحَارِث بن عَامر بن نَوْفَل قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {إِن نتبع الْهدى مَعَك نتخطف من أَرْضنَا} (الْقَصَص: ٧٥) . فَأنْزل الله، عز وَجل، ردا عَلَيْهِ: {أَو لم نمكن لَهُم حرما آمنا} (الْقَصَص: ٧٥) . الْآيَة، مَعْنَاهُ: جعلهم الله فِي بلد أَمِين وهم مِنْهُ فِي أَمَان فِي حَال كفرهم، فَكيف لَا يكون لَهُم أَمن بعد أَن أَسْلمُوا وتابعوا الْحق. وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) : وَنزلت هَذِه الْآيَة فِي الْحَارِث بن عُثْمَان بن نَوْفَل بن عبد منَاف، وَذَلِكَ أَنه أَتَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: إِنَّا لنعلم أَن الَّذِي تَقول حق، وَلَكِن يمنعنا من اتباعك أَن الْعَرَب تتخطفنا من أَرْضنَا لإجماعهم على خلافنا وَلَا طَاقَة لنا بهم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، فَحكى أَولا عَن قَوْلهم بقوله: {وَقَالُوا: إِن نتبع الْهَدْي مَعَك نتخطف من أَرْضنَا} (الْقَصَص: ٧٥) . ثمَّ رد عَلَيْهِم بقوله: {أَو لم نمكن لَهُم. .} (الْقَصَص: ٧٥) . الْآيَة، أَي: أَو لم نسكنهم حرما ونجعله مَكَانا لَهُم؟ وَمعنى: آمنا، ذُو أَمن يَأْمَن النَّاس فِيهِ، وَذَلِكَ أَن الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَت يُغير بَعضهم على بعض، وَأهل مَكَّة آمنون فِي الْحرم من السَّبي وَالْقَتْل والغارة، أَي: فَكيف يخَافُونَ إِذا أَسْلمُوا وهم فِي حرم آمن؟ قَوْله: (يَجِيء) قَرَأَ نَافِع بِالتَّاءِ من فَوق، وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، قَوْله: {إِلَيْهِ} أَي: إِلَى الْحرم، أَي: تجلب وَتحمل من النواحي {ثَمَرَات كل شَيْء رزقا من لدنا} (الْقَصَص: ٧٥) . أَي: من عندنَا، وَلَكِن أَكثر أهل مَكَّة لَا يعلمُونَ أَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي فعل بهم فيشكرونه.
٧٨٥١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا جرِيرُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ عنْ مَنْصُورٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاوُوسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ إنَّ هاذا البَلَدَ حَرَّمَهُ الله لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ ولَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ولَا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلَاّ مَنْ عَرَّفَهَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن هَذَا الْبَلَد حرمه الله) ، وَفِيه تَعْظِيم لَهُ، وتعظيمه يدل على فَضله واختصاصه من بَين سَائِر الْبِلَاد، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ الْبَصْرِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه
البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِزْيَة عَن عَليّ بن عبد الله، وَأخرجه فِي الْحَج أَيْضا عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَفِي الْجِهَاد عَن آدم وَعَن عَليّ بن عبد الله وَعَمْرو بن عَليّ، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن يحيى بن يحيى، د وَفِيه وَفِي الْحَج عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَفِيهِمَا أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رَافع، وَفِي الْجِهَاد أَيْضا عَن أبي بكر وَأبي كريب وَعَن عبد بن حميد، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فيهمَا عَن عُثْمَان بِهِ مقطعا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي السّير عَن أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج فِي الْبيعَة عَن إِسْحَاق ابْن مَنْصُور، وَفِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن قدامَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حرمه الله) أَي: جعله حَرَامًا، وَلَفظ البُخَارِيّ فِي: بَاب غَزْوَة الْفَتْح: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَامَ يَوْم الْفَتْح، فَقَالَ: إِن الله حرم مَكَّة يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَهِيَ حرَام بحراح الله تَعَالَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. .) الحَدِيث. وَقَالَ الْبَزَّار: وَهَذَا الحَدِيث قد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس من غير وَجه. فَإِن قلت: إِن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حرم مَكَّة وَأَنا أحرم مَا بَين لابتيها) أَي: لابتي الْمَدِينَة، يُعَارض هَذَا الحَدِيث؟ قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَن معنى قَوْله: (إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة) ، أعلن بتحريمها وَعرف النَّاس بِأَنَّهَا حرَام بِتَحْرِيم الله، إِيَّاهَا، فَلَمَّا لم يعرف تَحْرِيمهَا إلَاّ فِي زَمَانه على لِسَانه أضيف إِلَيْهِ. وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {الله يتوفى الْأَنْفس} (الزمر: ٢٤) . فَإِنَّهُ أضَاف إِلَيْهِ التوفي. وَفِي آيَة أُخْرَى: {قل يتوفاكم ملك الْمَوْت} (السَّجْدَة: ١١) . أضَاف إِلَيْهِ التوفي، وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى: {الَّذين تتوفاهم الْمَلَائِكَة} (النَّحْل: ٨٢) . فأضاف إِلَيْهِم التوفي. وَفِي الْحَقِيقَة المتوفي هُوَ الله عز وَجل، وأضاف إِلَى غَيره لِأَنَّهُ ظهر على أَيْديهم. قَوْله: (لَا يعضد شَجَرهَا) أَي: لَا يقطع، من عضدتُ الشّجر أعضده عضد، أَمْثَال: ضرب، إِذا قطعته، وَفِي (الْمُحكم) : الشّجر معضود وعضيد. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: معنى: لَا يعضد لَا يفْسد وَيقطع، وَأَصله من عضد الرجل الرجل إِذا أصَاب عضده بِسوء. قَوْله: (وَلَا ينفر صَيْده) أَي: لَا يزعج من مَكَانَهُ. وَهُوَ تَنْبِيه من الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى، فَلَا يضْرب وَلَا يقتل بِالطَّرِيقِ الأولى. قَوْله: (وَلَا يلتقط) على صِيغَة الْمَعْلُوم، ولقطته مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (إلَاّ من عرفهَا) ، أَي: إلَاّ مَنْ عرف أَنَّهَا لقطَة فيلتقطها ليردها إِلَى صَاحبهَا وَلَا يتملكها.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن مَكَّة حرَام فَلَا يجوز لأحد أَن يدخلهَا إلَاّ بِالْإِحْرَامِ، وَهُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح وَاللَّيْث بن سعد وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه: وَمَالك فِي رِوَايَة، وَهِي قَوْله الصَّحِيح، وَالشَّافِعِيّ فِي الْمَشْهُور عَنهُ، وَأحمد وَأبي ثَوْر، وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَمَالك فِي رِوَايَة، وَدَاوُد بن عَليّ وَأَصْحَابه من الظَّاهِرِيَّة: لَا بَأْس بِدُخُول الْحرم بِغَيْر إِحْرَام، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ أَيْضا، قَالَه عِيَاض، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر: (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، دخل يَوْم فتح مَكَّة وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء) ، وَبِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث أنس: (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، دخل مَكَّة وعَلى رَأسه مغفر. .) الحَدِيث. وَأجِيب: عَن هَذَا: بِأَن دُخُوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَكَّة كَانَ وَهِي حَلَال ساعتئذ، فَكَذَلِك دَخلهَا وَهُوَ غير محرم، وَأَنه كَانَ خَاصّا للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ عَادَتْ حَرَامًا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَلَا يجوز دُخُولهَا لأحد بِغَيْر إِحْرَام.
وَفِيه: أَنه لَا يجوز قطع شَوْكَة وَلَا قطع شَجَرَة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع الْعلمَاء على تَحْرِيم قطع شجر الْحرم، وَقَالَ الإِمَام: اخْتلف النَّاس فِي قطع شجر الْحرم: هَل فِيهِ جَزَاء أم لَا؟ فَعِنْدَ مَالك: لَا جَزَاء فِيهِ، وَعند أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: فِيهِ الْجَزَاء، وجزاؤه عِنْد الشَّافِعِي فِي الدوحة بقرة وَمَا دونهَا شَاة، وَعند أبي حنيفَة: يُؤْخَذ مِنْهُ قيمَة ذَلِك، يشترى بِهِ هدي، فَإِن لم تبلغ ثمنه ذَلِك تصدق بِهِ بِنصْف صَاع لكل مِسْكين، وَقَالَ الشَّافِعِي: فِي الْخشب وَمَا أشبه قِيمَته بَالِغَة مَا بلغت، وَالْمحرم والحلال فِي ذَلِك سَوَاء، وَأجْمع كل من يحفظ عَنهُ الْعلم على إِبَاحَة أَخذ كل مَا ينبته النَّاس فِي الْحرم من الْبُقُول والزروع والرياحين وَغَيرهَا، وَاخْتلفُوا فِي أَخذ السِّوَاك من شجر الْحرم، فَعَن مُجَاهِد وَعَطَاء وَعَمْرو بن دِينَار أَنهم رخصوا فِي ذَاك، وَحكى أَبُو ثَوْر ذَلِك عَن الشَّافِعِي، وَكَانَ عَطاء يرخص فِي أَخذ ورق السنا يستمشي بِهِ وَلَا ينْزع من أَصله، ورخصوا فِيهِ عَمْرو بن دِينَار، وَفِيه أَنه لَا يجوز رفع لقطتهَا إلَاّ المنشد، قَالَ القَاضِي عِيَاض: حكم اللّقطَة فِي سَائِر الْبِلَاد وَاحِد، وَعند الشَّافِعِي: أَن لقطَة مَكَّة بِخِلَاف غَيرهَا من الْبِلَاد، وَأَنَّهَا لَا تحل إلَاّ لمن يعرفهَا، وَمذهب الْحَنَفِيَّة كمذهب مَالك لعُمُوم قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ عرفهَا سنة) ، من غير فصل.
٤٤ - (بابُ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وبَيْعِهَا وشِرَائِهَا وَأنَّ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ سَوَاءٌ خاصَّةٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَوْرِيث دور مَكَّة وَبَيْعهَا وشرائها، وَإِنَّمَا لم يبين الحكم بِالْجَوَازِ أَو بِعَدَمِهِ لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ. وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى تَضْعِيف حَدِيث عَلْقَمَة بن نَضْلَة، قَالَ: توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَمَا ترعى رباع مَكَّة إلَاّ السوائب، من احْتَاجَ سكن، رَوَاهُ ابْن مَاجَه، قلت: لَيْت شعري مَا وَجه هَذِه الْإِشَارَة؟ وَالْإِشَارَة لَا تكون إلَاّ للحاضر. وروى هَذَا الحَدِيث الطَّحَاوِيّ من طَرِيقين بِرِجَال ثِقَات، وَلكنه مُنْقَطع، لِأَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة لَيْسَ بصحابي، وَلَفظ الطَّحَاوِيّ فِي أحد الطَّرِيقَيْنِ، عَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة، قَالَ: كَانَت الدّور على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: مَا تبَاع وَلَا تكرى وَلَا ترعى إلَاّ السوائب، من احْتَاجَ سكن، وَمن اسْتغنى أسكن. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَلَفظه عَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة الْكِنَانِي، قَالَ: كَانَت بيُوت مَكَّة ترعى السوائب، لم يبع رباعها فِي زمن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا أبي بكر وَلَا عمر، من احْتَاجَ سكن، وَمن اسْتغنى أسكن. قَوْله: السوائب، جمع سائبة، وَأَصلهَا من تسييب الدَّوَابّ، وَهُوَ: إرسالها تذْهب وتجيء كَيفَ شَاءَت، وَأَرَادَ بهَا: أَنَّهَا كَانَت سائبة لكل أحد من شَاءَ كَانَ يسكنهَا فَإِذا فرغ مِنْهَا أسكن غَيره فَلَا بيع وَلَا إجَازَة، والرباع جمع رَبع، وَهُوَ الْمنزل، قَالَ الْجَوْهَرِي: الرّبع الدَّار بِعَينهَا حَيْثُ كَانَت، وَجَمعهَا: رباع وَأَرْبع وربوع وأرباع وَالرّبع: الْمحلة، أَيْضا وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث مُجَاهِد عَن عبد الله بن عَمْرو، أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لَا يحل بيع بيُوت مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَذهب قوم إِلَى هَذِه الْآثَار فَقَالُوا: لَا يجوز بيع أَرض مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْل: أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَالثَّوْري. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ، عَطاء بن أبي رَبَاح ومجاهدا ومالكا وَإِسْحَاق وَأَبا عبيد، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا بَأْس بِبيع أرْضهَا وإجارتها، وجعلوها فِي ذَلِك كَسَائِر الْبلدَانِ، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى هَذَا القَوْل أَبُو يُوسُف. قلت: أَرَادَ بالآخرين طاووسا وَعَمْرو بن دِينَار وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَابْن الْمُنْذر مَعَهم، وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِحَدِيث الْبَاب، على مَا يَأْتِي. قَوْله: (فَإِن النَّاس) ، عطف على قَوْله: (فِي دور مَكَّة) ، وَالتَّقْدِير: وَفِي بَيَان أَن النَّاس فِي مَسْجِد الْحرم سَوَاء أَي: متساوون. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي فِي نفس الْمَسْجِد، لَا فِي سَائِر الْمَوَاضِع من مَكَّة. قلت: هَذَا ميل مِنْهُ إِلَى تَرْجِيح مذْهبه، وَالْمرَاد من الْمَسْجِد الْحَرَام: الْحرم كُله، ورد ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجاهد. أخرجه ابْن أبي حَاتِم وَغَيرهم عَنْهُم، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عمر: أَن الْحرم كُله مَسْجِد ويروى فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، بِالْألف وَاللَّام فِي الْمَسْجِد قَوْله: (خَاصَّة) قيد لِلْمَسْجِدِ الْحَرَام، وَقد قُلْنَا إِن الْمَسْجِد الْحَرَام كُله حرم.
لِقَوْلِهِ تَعَالى: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عنْ سَبِيلِ الله والمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءٌ الْعَاكِفُ فِيِهِ والْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ} (الْحَج: ٥٢) .
هَذَا تَعْلِيل لقَوْله: (وَإِن النَّاس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام سَوَاء) . قَوْله: {إِن الَّذين كفرُوا} يَعْنِي: أهل مَكَّة. قَوْله: {ويصدون عَن سَبِيل الله} أَي: ويصرفون النَّاس عَن دين الْإِسْلَام. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الصدود مِنْهُم مُسْتَمر دَائِم للنَّاس، أَي للَّذين يَقع عَلَيْهِم اسْم النَّاس من غير فرق بَين حَاضر وباد وناى وظارىء مكي وآفقي وَقد اسْتشْهد بِهِ أَصْحَاب أبي حنيفَة قائلين بِأَن المُرَاد من الْمَسْجِد الْحَرَام مَكَّة على امْتنَاع بيع دور مَكَّة وإجارتها. وَقَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي فِي (تَفْسِيره) وَهَذِه الْآيَة مَدَنِيَّة، وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما خرج من الْمَدِينَة مَنعهم الْمُشْركُونَ عَن الْمَسْجِد الْحَرَام، ثمَّ وصف الْمَسْجِد الْحَرَام فَقَالَ: {اللَّذين جَعَلْنَاهُ للنَّاس سَوَاء} للْمُؤْمِنين جَمِيعًا، ثمَّ قَالَ: {العاكف فِيهِ والبادي} يَعْنِي: سَوَاء الْمُقِيم فِي الْحرم، وَمن دخل مَكَّة من غير أَهلهَا، وَيُقَال: الْمُقِيم والغريب سَوَاء. وَقَرَأَ عَاصِم فِي رِوَايَة حَفْص: {سَوَاء} بِالنّصب يَعْنِي: جَعَلْنَاهُ سَوَاء، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ سواءُ، على معنى الِابْتِدَاء، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَجه النصب أَنه ثَانِي مفعولي: جَعَلْنَاهُ، أَي: جَعَلْنَاهُ مستويا العاكف فِيهِ والبادي، وَفِي الْقِرَاءَة بِالرَّفْع الْجُمْلَة مفعول ثَان. قَوْله: {وَمن يرد فِيهِ بإلحاد} الْبَاء فِيهِ صلَة، وَأَصله: وَمن يرد فِيهِ إلحادا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {تنْبت بالدهن} (الْمُؤْمِنُونَ: ٠٢) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ومفعول: يرد، مَتْرُوك ليتناول كل متناول كَأَنَّهُ قَالَ: وَمن يرد فِيهِ مرَادا مَا عادلاً عَن الْقَصْد ظَالِما، وقرىء: يرد، بِفَتْح الْيَاء من الْوُرُود، وَمَعْنَاهُ: من أَتَى فِيهِ بإلحاد ظَالِما
الْإِلْحَاد الْعُدُول عَن الْقَصْد، وَقيل: الْإِلْحَاد فِي الْحرم منع النَّاس عَن عِمَارَته، وَعَن سعيد بن جُبَير: الاحتكار، وَقيل: الظُّلم، وَقَالَ مقَاتل: نزلت الْآيَة فِي عبد الله بن أنيس بن خطل الْقرشِي، وَذَاكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث رجلَيْنِ أَحدهمَا مُهَاجِرِي وَالْآخر أَنْصَارِي، فافتخرا فِي الْأَنْسَاب. فنضب عبد الله بن أنيس فَقتل الْأنْصَارِيّ، ثمَّ ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام، وهرب إِلَى مَكَّة، فَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم فتح مَكَّة بقتْله فَقتل. قَوْله: {بإلحاد بظُلْم} حالان مُتَرَادِفَانِ، وَعَن الْحسن: وَمن يرد إلحاده بظُلْم، أَرَادَ إلحادا فِيهِ، فأضافه على الاتساع فِي الظّرْف، كمكر اللَّيْل وَمَعْنَاهُ: من يرد أَن يلحذ فِيهِ ظَالِما، وَخبر: أَن، مَحْذُوف لدلَالَة جَوَاب الشَّرْط عَلَيْهِ، تَقْدِيره: أَن الَّذين كفرُوا ويصدون عَن سَبِيل الله وَالْمَسْجِد الْحَرَام يذيقهم من عَذَاب أَلِيم وكل من ارْتكب فِيهِ ذَنبا فَهُوَ كَذَلِك.
البادِ الطَّارى مَعْكُوفا مَحْبُوسا
هَذَا تَفْسِير من البُخَارِيّ بِالْمَعْنَى، وَمعنى الطاري الْمُسَافِر، كَمَا أَن معنى العاكف الْمُقِيم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: معكوفا، إِشَارَة إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْهَدْي معكوفا أَن يبلغ مَحَله} (الْحَج: ٥٢) . قلت: لَيست هَذِه الْكَلِمَة فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة، فَلَا مُنَاسبَة لذكرها هُنَا، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِنَّمَا ذكر المعكوف لكَون العاكف مَذْكُورا هَهُنَا، وَفِيه مَا فِيهِ.
٨٨٥١ - حدَّثنا أصْبَغُ قَالَ أخْبَرَنِي ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عَنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْن عنْ عَمْرِو بنِ عُثْمَانَ عنْ أسامَةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ قَالَ يَا رسولَ الله أيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ فقالَ وهَلْ ترَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أوْ دُورٍ وكانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أبَا طَالِبٍ هُوَ وطَالِبٌ ولَمْ يَرثْهُ جَعْفَرٌ ولَا عَلِيٌّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا شَيْئا لأِنَّهُمَا كانَا مُسْلِمَيْنِ وكانَ عَقِيلٌ مطَالب كافِرَيْنِ فَكانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ لَا يَرِثُ الْمُؤمِنُ الْكَافِرَ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ وكانُوا يتأوَّلُونَ قَوْلَ الله تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجَاهَدُوا بِأمْوَالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله والَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أولائكَ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (الْأَنْفَال: ٢٧) . الْآيَة..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهل ترك عقيل من رباع أَو دور وَكَانَ عقيل ورث أَبَا طَالب) إِلَى قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر رِجَاله: وهم: سَبْعَة: الأول: أصبغ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره غين مُعْجمَة: ابْن الْفرج أَبُو عبد الله. الثَّانِي: عبد الله بن وهب. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، الْخَامِس: عَليّ بن الْحُسَيْن الْمَشْهُور بزين العابدين. السَّادِس: عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان أَمِير الْمُؤمنِينَ. السَّابِع: أُسَامَة ابْن زيد بن حَارِثَة حب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومولاه.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه وَابْن وهب مصريان وَأَن يُونُس أيلي والبقية مدنيون.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق، وَفِي الْمَغَازِي عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن أبي الطَّاهِر وحرملة بن يحيى، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن مهْرَان وَابْن أبي عمر وَعبد بن حميد وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق وَفِي الْفَرَائِض عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَيْن تنزل فِي دَارك؟) قَالَ بَعضهم: حذفت أَدَاة الِاسْتِفْهَام
من قَوْله: فِي دَارك. قلت: هَذَا كَلَام من لَا يفهم الْعَرَبيَّة وَلَا استنباط الْمعَانِي من الْأَلْفَاظ، وَقَوله: أَيْن، كلمة اسْتِفْهَام، فَلم يبْق وَجه لتقدير حرف الِاسْتِفْهَام، فَمَا وَجه قَوْله: حذفت أَدَاة الِاسْتِفْهَام من قَوْله: فِي دَارك؟ والاستفهام عَن النُّزُول فِي الدَّار لَا عَن نفس الدَّار؟ فَافْهَم. وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ ستأتي فِي الْمَغَازِي: أَيْن تنزل غَدا. قَوْله: (وَهل ترك عقيل؟) وَفِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره، (وَهل ترك لنا؟) قَوْله: (من رباع؟) ، جمع ربع، وقذ ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (أَو دور؟) للتَّأْكِيد إِذا فسر الرّبع بِالدَّار أَو وَهُوَ شكّ من الرَّاوِي، قَوْله: (وَكَانَ عقيل) ، إدراج من بعض الروَاة، وَلَعَلَّه من أُسَامَة، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي: وَعقيل بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة. قَوْله: (هُوَ) أَي: عقيل. قَوْله: (وطالب) أَي: ورث طَالب مَعَ عقيل أباهما أَبَا طَالب، وَاسم أبي طَالب: عبد منَاف، وكنى بِابْنِهِ طَالب، قَوْله: (وَلم يَرِثهُ جَعْفَر) ، وَهُوَ الْمَشْهُور بالطيار ذِي الجناحين، وطالب أسن من عقيل، وَهُوَ من جَعْفَر وَهُوَ من عَليّ، والتفاوت بَين كل وَاحِد وَالْآخر عشر سِنِين، وَهُوَ من النَّوَادِر. قَوْله: (كَافِرين) نصب على أَنه خبر: كَانَ، أَي: وَكَانَ كِلَاهُمَا كَافِرين عِنْد وَفَاة أَبِيهِمَا، وَلِأَن عقيلاً أسلم بعد ذَلِك عِنْد الْحُدَيْبِيَة قيل: لما كَانَ أَبُو طَالب أكبر ولد عبد الْمطلب احتوى على أملاكه وحازها وَحده على عَادَة الْجَاهِلِيَّة من تَقْدِيم الأسن، فتسلط عقيل أَيْضا بعد هِجْرَة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ الدَّاودِيّ: بَاعَ عقيل مَا كَانَ للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلمن هَاجر من بني عبد الْمطلب، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بدور من هَاجر من الْمُؤمنِينَ، وَإِنَّمَا أمضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَصَرُّفَات عقيل كرما وجودا، وَإِمَّا استمالة لعقيل، وَإِمَّا تَصْحِيحا بتصرفات الْجَاهِلِيَّة، كَمَا أَنه يصحح أنكحة الْكفَّار، وَقَالُوا: فقد طَالب ببدر فَبَاعَ عقيل الدَّار كلهَا، وَقيل: وَلم تزل الدَّار بيد أَوْلَاد عقيل إِلَى أَن باعوها لمُحَمد بن يُوسُف أخي الْحجَّاج بن يُوسُف بِمِائَة ألف دِينَار، وَكَانَ عَليّ ابْن الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يَقُول: من أجل ذَلِك بتركنا نصيبنا من الشّعب، أَي: حِصَّة جدهم عَليّ من أَبِيه أبي طَالب. قَوْله: (فَكَانَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: لَا يَرث الْمُؤمن الْكَافِر) هَذَا مَوْقُوف على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد ثَبت مَرْفُوعا بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَهُوَ عِنْد البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي من طَرِيق مُحَمَّد بن أبي حَفْصَة وَمعمر عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه مُفردا فِي الْفَرَائِض من طَرِيق ابْن جريج عَنهُ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَمن أجل ذَلِك كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول ... قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، هُوَ الْمَذْكُور فِي إِسْنَاد الحَدِيث. قَوْله: (وَكَانُوا يتأولون) أَي: السّلف كَانُوا يفسرون الْولَايَة فِي هَذِه الْآيَة بِولَايَة الْمِيرَاث. قَوْله تَعَالَى: {إِن الَّذين آمنُوا} (الْأَنْفَال: ٢٧) . أَي: صدقُوا بتوحيد الله تَعَالَى، وَبِمُحَمَّدٍ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْقُرْآن {وَهَاجرُوا} من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة {وَجَاهدُوا} الْعَدو {بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله} أَي: فِي طَاعَة الله، وَفِيمَا فِيهِ رضى الله تَعَالَى، ثمَّ ذكر الْأَنْصَار فَقَالَ: {وَالَّذين آووا} يَعْنِي أووا الْمُهَاجِرين: يَعْنِي: أنزلوهم وأسكنوهم فِي دِيَارهمْ {ونصروا} رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالسَّيْفِ {أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض} يَعْنِي فِي الْمِيرَاث وَفِي الْولَايَة. قَوْله: (الْآيَة) ، يَعْنِي الْآيَة بِتَمَامِهَا، أَو: إقرأ الْآيَة، وتمامها: {وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا وَإِن استنصروكم فِي الدّين فَعَلَيْكُم النَّصْر إلَاّ على قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق، وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} (الْأَنْفَال: ٢٧) . قَوْله: {وَلم يهاجروا} يَعْنِي: إِلَى الْمَدِينَة {مَا لكم من ولايتهم من شَيْء} فِي الْمِيرَاث {حَتَّى يهاجروا} إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالُوا: يَا رَسُول الله! هَل نعينهم إِذا استعانوا بِنَا؟ يَعْنِي: الَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا؟ فَنزل: {وَإِن استنصروكم فِي الدّين} يَعْنِي: إِن اسْتَغَاثُوا بكم على الْمُشْركين فانصروهم {فَعَلَيْكُم النَّصْر} على من قَاتلهم {إِلَّا على قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق} أَي: عهد يَعْنِي إلَاّ أَن يقاتلوا قوما بَيْنكُم وَبينهمْ عهد وميثاق فَلَا تنصروهم عَلَيْهِم وَأَصْلحُوا بَينهم {وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} فِي العون والنصرة، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة، قَالَ: كَانَ الْمُسلمُونَ يتوارثون بِالْهِجْرَةِ وبالمؤاخاة الَّتِي وآخى بَينهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانُوا يتوارثون بِالْإِسْلَامِ وبالهجرة، وَكَانَ الرجل يسلم وَلَا يُهَاجر فَلَا يَرث أَخَاهُ، فنسخ ذَلِك بقوله تَعَالَى: {وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض} (الْأَنْفَال: ٥٧) [/ ح.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث الشَّافِعِي على جَوَاز بيع دور مَكَّة بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أجَاز بيع عقيل الدّور الَّتِي ورثهَا، وَكَانَ عقيل وطالب ورثا أباهما لِأَنَّهُمَا إِذْ ذَاك كَانَا كَافِرين فورثا، ثمَّ أسلم عقيل وباعها. قَالَ الْخطابِيّ: وَعِنْدِي أَن تِلْكَ الدّور، وَإِن كَانَت قَائِمَة على ملك عقيل، لم ينزلها رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهَا دور هجروها لله تَعَالَى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهر هَذِه الْإِضَافَة أَنَّهَا كَانَت ملكه، يدل عَلَيْهِ قَوْله: (وَهل ترك لنا عقيل من رباع) فأضافها إِلَى نَفسه، وظاهرها الْملك، فَيحْتَمل أَن عقيلاً أَخذهَا وَتصرف فِيهَا كَمَا فعل أَبُو سُفْيَان بدور الْمُهَاجِرين. فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا الحَدِيث حديثُ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَلَى يَدَيْ بَعْضِ الْجُنْدِ، فَجَدَّدَ لَهَا سَقْفًا، وَرَخَّمَ السَّطْحَ، فَلَمَّا كَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ صَارَ الْمَطَرُ إِذَا نَزَلَ يَنْزِلُ إِلَى دَاخِلِ الْكَعْبَةِ أَشَدَّ مِمَّا كَانَ أَوَّلًا، فَأَدَّاهُ رَأْيُهُ الْفَاسِدُ إِلَى نَقْضِ السَّقْفِ مَرَّةً أُخْرَى وَسَدِّ مَا كَانَ فِي السَّطْحِ مِنَ الطَّاقَاتِ الَّتِي كَانَ يَدْخُلُ مِنْهَا الضَّوْءُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ امْتِهَانُ الْكَعْبَةِ، بَلْ صَارَ الْعُمَّالُ يَصْعَدُونَ فِيهَا بِغَيْرِ أَدَبٍ، فَغَارَ بَعْضُ الْمُجَاوِرِينَ فَكَتَبَ إِلَى الْقَاهِرَةِ يَشْكُو ذَلِكَ.
فَبَلَغَ السُّلْطَانَ الظَّاهِرَ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِذَلِكَ، وَجَهَّزَ بَعْضَ الْجُنْدِ لِكَشْفِ ذَلِكَ فَتَعَصَّبَ لِلْأَوَّلِ بَعْضُ مَنْ جَاوَرَ وَاجْتَمَعَ الْبَاقُونَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً، فَكَتَبُوا مَحْضَرًا بِأَنَّهُ مَا فَعَلَ شَيْئًا إِلَّا عَنْ مَلَأٍ مِنْهُمْ، وَأَنَّ كُلَّ مَا فَعَلَهُ مَصْلَحَةٌ، فَسَكَنَ غَضَبُ السُّلْطَانِ وَغَطَّى عَنْهُ الْأَمْرَ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ، وَهُوَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ قَبْلَ الْأَلِفِ، وَبَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ - يَعْنِي الْكَعْبَةَ - حَقَّ تَعْظِيمِهَا، فَإِذَا ضَيَّعُوا ذَلِكَ (١) هَلَكُوا.
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى - الْأَمْنَ مِنَ الْفِتَنِ بِحِلْمِهِ وَكَرَمِهِ، وَمِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَّفِقِ الِاحْتِيَاجُ فِي الْكَعْبَةِ إِلَى الْإِصْلَاحِ إِلَّا فِيمَا صَنَعَهُ الْحَجَّاجُ إِمَّا مِنَ الْجِدَارِ الَّذِي بَنَاهُ فِي الْجِهَةِ الشَّامِيَّةِ، وَإِمَّا فِي السُّلَّمِ الَّذِي جَدَّدَهُ لِلسَّطْحِ وَالْعَتَبَةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَ فَإِنَّمَا هُوَ لِزِيَادَةٍ مَحْضَةٍ كَالرُّخَامِ أَوْ لِتَحْسِينٍ كَالْبَابِ وَالْمِيزَابِ، وَكَذَا مَا حَكَاهُ الْفَاكِهِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُكَرَّمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ السَّهْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاوَرْتُ بِمَكَّةَ فَعَابَتْ - أَيْ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - أُسْطُوَانَةٌ مِنْ أَسَاطِينِ الْبَيْتِ فَأُخْرِجَتْ وَجِيءَ بِأُخْرَى لِيُدْخِلُوهَا مَكَانَهَا فَطَالَتْ عَنِ الْمَوْضِعِ، وَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ وَالْكَعْبَةُ لَا تُفْتَحُ لَيْلًا فَتَرَكُوهَا لِيَعُودُوا مِنْ غَدٍ لِيُصْلِحُوهَا فَجَاءُوا مِنْ غَدٍ فَأَصَابُوهَا أَقْدَمَ مِنْ قِدْحٍ. أَيْ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَهُوَ السَّهْمُ، وَهَذَا إِسْنَادٌ قَوِيٌّ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَبَكْرٌ هُوَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، وَكَأَنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي أَوَائِلِ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَتِ الْأُسْطُوَانَةُ مِنْ خَشَبٍ. وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
٤٣ - بَاب فَضْلِ الْحَرَمِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وَقَوْلِهِ - جَلَّ ذِكْرُهُ - ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾
١٥٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْحَرَمِ) أَيِ: الْمَكِّيِّ الَّذِي سَيَأْتِي ذِكْرُ حُدُودِهِ فِي بَابِ لَا يُعْضَدُ شَجَرُ الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ الْآيَةَ) وَجْهُ تَعَلُّقِهَا بِالتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ إِضَافَةِ الرُّبُوبِيَّةِ إِلَى الْبَلْدَةِ، فَإِنَّهُ عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ لَهَا، وَهِيَ أَصْلُ الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ الْآيَةَ، رَوَى النَّسَائِيُّ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الحارث بن عامر بن نوفلٍ قال للنَّبيِّ ﷺ: إن نتَّبع الهدى معك نُتخطَّف من أرضنا، فأنزل الله تعالى ردًّا عليه (١): ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ … الآيةَ.
١٥٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ) بفتح الجيم، و «عبد الحَمِيد» -بفتح الحاء المهملة وكسر الميم- ابن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ- الضَّبِّيُّ (٢) الكوفيُّ، نزيل الرَّيِّ وقاضيها (عَنْ مَنْصُورٍ) هو (٣) ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان، اليمانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ) زاد المؤلِّف في «باب غزوة الفتح»: «يوم خلق السَّموات والأرض فهي حرام بحرامِ (٤) الله إلى يوم القيامة» [خ¦٤٣١٣] يعني: أنَّ تحريمه أمرٌ قديمٌ وشريعةٌ سالفةٌ مستمرةٌ، ليس ممَّا أحدثه أو اختصَّ بشرعه، وهذا لا ينافي قوله في حديث جابرٍ عند مسلمٍ: إنَّ إبراهيم حرَّمها لأنَّ إسناد التَّحريم إليه من حيث إنَّه مبلِّغه، فإنَّ الحاكم بالشَّرائع والأحكام كلِّها هو الله تعالى والأنبياء يبلِّغونها، فكما تُضاف إلى الله تعالى من حيث إنَّه الحاكم بها تُضاف إلى الرُّسل لأنَّها تُسمَع منهم وتُبيَّن على لسانهم (٥)، والحاصل: أنَّه أظهر (٦) تحريمها بعد أن كان مهجورًا إلَّا أنَّه ابتدأه أو حرَّمها بإذن الله؛ يعني: أنَّه تعالى كتب في اللَّوح المحفوظ يوم خلق السَّموات والأرض أنَّ إبراهيم سيحرِّم مكَّة بأمر الله تعالى.
(لَا يُعْضَدُ) بضمِّ أوَّله وفتح الضَّاد المعجمة، أي: لا يُقطَع (شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) لا يُزعَج من مكانه، فإن نفَّره عصى، سواءٌ تلف أم لا، لكن إن تلف في نفاره قبل السُّكون ضمن دمه بالتَّنفير على الإتلاف ونحوه؛ لأنَّه إذا حُرِّم التَّنفير فالإتلاف أَولى (وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَْطَتَهُ) بفتح القاف في «اليونينيَّة»، وبسكونها في غيرها، قال الأزهريُّ: والمحدِّثون لا يعرفون غير (١) الفتح، ونقل الطِّيبيُّ عن صاحب «شرح السُّنَّة» أنَّه قال: اللُّقَْطة: بفتح القاف (٢)، والعامَّة تسكِّنها، وقال الخليل: هو بالسُّكون، وأمَّا بالفتح فهو الكثير الالتقاطِ، قال الأزهريُّ: وهو القياس، وقال ابن برِّيٍّ في حواشي «الصِّحاح»: وهذا هو الصَّواب لأنَّ الفعلة للفاعل كالضُّحَكَة: للكثير الضَّحك، وفي «القاموس»: واللَّقَطُ -مُحرَّكةً- أي: بغير هاءٍ، وكحُزْمةٍ وهُمَزَةٍ وثُمامةٍ (٣): ما التُقِط. انتهى. وهي هنا نصب مفعولٍ مُقدَّمٍ، والفاعل قوله: (إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) أي: أشهرها، ثمَّ يحفظها لمالكها ولا يتملَّكها، أي: عرَّفها ليعرف مالكها فيردُّها إليه، وهذا بخلاف غير الحرم فإنَّه يجوز تملُّكها بشرطه، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: حكمها واحدٌ في سائر البلاد لعموم قوله ﷺ: «اِعرف عفاصها ووكاءها، ثمَّ عرِّفها سنةً» [خ¦٢٣٧٢] من غير فصلٍ، لنا: أنَّ قوله: «ولا يلتقط لقطته» ورد مورد بيان الفضائل المختصَّة بمكَّة كتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوَّى بين لقطة الحرم وبين (٤) لقطة غيره من البلاد بقي ذكر اللُّقطة في هذا الحديث خاليًا عن (٥) الفائدة.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٤] و «الجزية» [خ¦٣١٨٩] و «الجهاد» [خ¦٤٣١٣]، ومسلمٌ وأبو داود في «الحجِّ» و «الجهاد»، والتِّرمذيُّ في «السِّير»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
(٤٤) (بَابُ) حكم (تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا، وأنَّ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ) بالتَّنكير في الأوَّل، ولأبي ذرٍّ: «في المسجد الحرام» بالتَّعريف فيهما (سَوَاءٌ خَاصَّةً) قيدٌ للمسجد الحرام، أي: المساواة إنَّما هي في نفس المسجد لا في سائر المواضع من مكَّة (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) تعليلٌ لقوله: وأنَّ الناس في المسجد الحرام سواءٌ: (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) أي: أهل مكَّة (﴿وَيَصُدُّونَ﴾) يصرفون النَّاس (﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾) عن دين الإسلام، قال البيضاويُّ -كالزَّمخشريِّ-: لا يريد به حالًا ولا استقبالًا، وإنَّما يريد استمرار الصَّدِّ منهم ولذلك حَسُنَ عطفه على الماضي، وقِيلَ: هو حالٌ من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾ (﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾) عُطِفَ على ﴿سَبِيلِ (١) اللهِ﴾ يعني: وعن المسجد الحرام، والآية مدنيَّةٌ؛ وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا خرج مع أصحابه عام (٢) الحديبية منعهم المشركون عن المسجد الحرام (﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]) ﴿سَوَاء﴾: رُفِع على أنَّه خبرٌ مُقدَّمٌ، و ﴿الْعَاكِفُ﴾ و ﴿وَالْبَادِ﴾: مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، وإنَّما وُحِّد الخبر وإن كان المبتدأ اثنين لأنَّ «سواءً» في الأصل مصدرٌ وُصِف به، وقرأ حفصٌ: ﴿سَوَاء﴾ بالنَّصب على أنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ «جعل» إن جعلناه يتعدَّى لمفعولين، وإن قلنا: يتعدَّى لواحدٍ كان حالًا من هاء ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ وعلى التَّقديرين: فـ ﴿الْعَاكِفُ﴾ مرفوعٌ على الفاعليَّة لأنَّه مصدرٌ وُصِف به (٣)، فهو في قوَّة اسم الفاعل المشتقِّ، تقديره: جعلناه مستويًا فيه العاكف والبادي، والمراد بـ ﴿وَالْمَسْجِدِ﴾: الذي يكون فيه النُّسك والصَّلاة لا سائر دور مكَّة، وأوَّله أبو حنيفة بمكَّة، واستشهد (٤) بقوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء﴾ على عدم جواز بيع دورها وإجارتها، وهو مع
ضعفه مُعارَضٌ بحديث الباب، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] فنسب الله الدِّيار إليهم كما نسب الأموال إليهم، ولو كانت الدِّيار ليست بملكٍ لهم لمَا كانوا مظلومين في الإخراج من دورٍ ليست بملكٍ لهم، قال ابن خزيمة: لو كان المراد بقوله تعالى: ﴿سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ جميع الحرم وأنَّ اسم المسجد الحرام واقعٌ على جميع الحرم لمَا جاز حفر بئرٍ ولا قبرٍ ولا التَّغوُّط ولا (١) البول ولا إلقاء الجيف والنَّتن، ولا نعلم عالمًا منع من (٢) ذلك، ولا كُرِه لجنبٍ وحائضٍ دخول الحرم ولا الجماع فيه، ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكَّة وحوانيتها، ولا يقول بذلك أحدٌ (﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]) الباء في ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ صلةٌ، أي: ومن يرد فيه إلحادًا كما في قوله تعالى: ﴿تَنبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. قال في «الكشَّاف»: ومفعول ﴿يُرِدْ﴾ متروكٌ ليتناول كلَّ مُتناوَلٍ، كأنَّه قال: ومن يرد فيه مرادًا ما عادلًا عن القصد، وقوله: ﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (٣) حالان مترادفان، وخبر «إنَّ» محذوفٌ لدلالة جواب الشَّرط عليه (٤)، تقديره: إنَّ الذين كفروا ويصدُّون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذابٍ أليمٍ، وكلُّ من ارتكب فيه (٥) ذنبًا، فهو كذلك.
وقال المؤلِّف يفسِّر ما يقع (٦) من غريب الألفاظ على عادته: (البَادِي: الطَّارِي) وفي الفرع: بالهمز (٧)، مُصلَّحٌ على كشط، وهو تفسيرٌ منه بالمعنى، قال في «الفتح»: وهو مقتضى ما جاء عن ابن عبَّاسٍ وغيره كما رواه عبد بن حُمَيدٍ وغيره، وهو موافقٌ لما قاله البيضاويُّ وغيره. (مَعْكُوفًا: مَحْبُوسًا) وليست هذه الكلمة في (٨) هذه الآية، بل في قوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] في سورة «الفتح»، ويمكن أن يكون ذكرها لمناسبة قوله تعالى هنا: ﴿سَوَاء الْعَاكِفُ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْحَوَامِل من النوق، الْوَاحِدَة: خلفة. قَوْله: (قَالَ جرير) ، هُوَ جرير بن حَازِم الْمَذْكُور فِي السَّنَد. قَوْله: (فحزرت) ، بِتَقْدِيم الزَّاي على الرَّاء، أَي: قدَّرت سِتَّة أَذْرع، وَقد ورد ذَلِك مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا تقدم فِي الطَّرِيق الثَّانِي، فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَالله أعلم.
٣٤ - (بابُ فَضْلِ الحَرَمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْحرم، أَي: حرم مَكَّة، وَهُوَ مَا أحاطها من جوانبها، جعل الله حكمه فِي الْحُرْمَة تَشْرِيفًا لَهَا، وحدَّه من الْمَدِينَة على ثَلَاثَة أَمْيَال، وَمن الْيمن وَالْعراق على سَبْعَة، وَمن الْجدّة على عشرَة. وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ: حد الْحرم من طَرِيق الْمَدِينَة دون التَّنْعِيم عِنْد بيُوت تعار على ثَلَاثَة أَمْيَال من مَكَّة، وَمن طَرِيق الْيمن طرف أضاة على سَبْعَة أَمْيَال من مَكَّة، وَمن طَرِيق الطَّائِف إِلَى بطن بيرة على أحد عشر ميلًا، وَمن طَرِيق الْعرَاق، إِلَى ثنية رَحل عشرَة أَمْيَال، وَمن طَرِيق جعرانة فِي شعب آل عبد الله بن خَالِد بن أسيد على خَمْسَة أَمْيَال، وَمن طَرِيق جدة مُنْقَطع الأعناس، وَمن الطَّائِف سَبْعَة أَمْيَال عِنْد طرف عُرَنَة، وَمن بطن عُرَنَة أحد عشر ميلًا. وَقيل: إِن الْخَلِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لما وضع الْحجر الْأسود فِي الرُّكْن أَضَاء مِنْهُ نور وَصلى إِلَى أَمَاكِن الْحُدُود، فَجَاءَت الشَّيَاطِين فوقفت عِنْد الْأَعْلَام، فبناها الْخَلِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حاجزا. رَوَاهُ مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَعنهُ أَن جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أرى إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَوضِع أنصاب الْحرم، فنصبها ثمَّ جددها إِسْمَاعِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ثمَّ جددها قصي بن كلاب، ثمَّ جددها سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا ولي عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بعث أَرْبَعَة من قُرَيْش فنصبوا أنصاب الْحرم. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (المنتظم) : وَأما حُدُود الْحرم: فَأول من وَضعهَا إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَكَانَ جِبْرِيل يرِيه، ثمَّ لم يجدد حَتَّى كَانَ قصي فجددها، ثمَّ قلعتها قُرَيْش فِي زمَان نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فجَاء جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَقَالَ: إِنَّهُم سيعيدونها، فَرَأى رجال مِنْهُم فِي الْمَنَام قَائِلا يَقُول: حرم أكْرمكُم الله بِهِ نزعتم أنصابه؟ الْآن تختطفكم الْعَرَب، فأعادوها. فَقَالَ جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: قد أعادوها. فَقَالَ: قد أَصَابُوا. قَالَ: مَا وضعُوا مِنْهَا نصبا إلَاّ بيد ملك، ثمَّ بعث رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَام الْفَتْح تَمِيم بن أَسد فجددها، ثمَّ جددها عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ جددها مُعَاوِيَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ جددها عبد الْملك بن مَرْوَان. فَإِن قلت: مَا السَّبَب فِي بعد بعض الْحُدُود وَقرب بَعْضهَا مِنْهُ؟ قلت: إِن الله عز وَجل، لما أهبط على آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بَيْتا من ياقوتة، أَضَاء لَهُ مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب، فنفرت الْجِنّ وَالشَّيَاطِين، وَأَقْبلُوا ينظرُونَ، فَجَاءَت مَلَائِكَة فوقفوا مَكَان الْحرم إِلَى مَوضِع انْتِهَاء نوره، وَكَانَ آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يطوف بِهِ ويأنس بِهِ.
ونفسر الْأَلْفَاظ الَّتِي وَقعت هُنَا، فَنَقُول: تعار، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وَبعد الْألف رَاء: وَهُوَ جبل من جبال أبلى، على وزن: فعلى، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة على طَرِيق الْآخِذ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة على بطن نخل، وتعار جبل لَا ينْبت شَيْئا، وَقَالَ كثير:
(أجيبك مَا دمت بِنَجْد وَشَيْخه ... وَمَا ثبتَتْ إبليٌّ بِهِ وتعار)
والتنعيم على لفظ الْمصدر من: نعْمَته تنعيما، وَهُوَ بَين مر وسرف، بَينه وَبَين مَكَّة فرسخان، وَمن التَّنْعِيم يحرم من أَرَادَ الْعمرَة. وَسمي التَّنْعِيم لِأَن الْجَبَل عَن يَمِينه يُقَال لَهُ: نعيم، وَالَّذِي عَن يسَاره يُقَال لَهُ: ناعم، والوادي نعْمَان. وَمر، بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: مُضَاف إِلَى الظهْرَان، بالظاء الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة، بَينه وَبَين الْبَيْت سِتَّة عشر ميلًا، وسرف، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء، وَفِي آخِره فَاء، وَقَالَ الْبكْرِيّ: بِسُكُون الرَّاء، وَهُوَ مَاء على سِتَّة أَمْيَال من مَكَّة، وَهنا أعرس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بميمونة مرجعه من مَكَّة حَتَّى قضى نُسكه، وَهُنَاكَ مَاتَت مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لِأَنَّهَا اعتلت بِمَكَّة. فَقَالَت: أَخْرجُونِي من مَكَّة، وَلِأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخْبرنِي أَنِّي لَا أَمُوت بهَا، فحملوها حَتَّى أَتَوا بهَا سَرفًا إِلَى الشَّجَرَة الَّتِي بنى بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تحتهَا مَوضِع الْقبَّة فَمَاتَتْ هُنَاكَ، سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ، وَهُنَاكَ عِنْد قبرها سِقَايَة، وروى الزُّهْرِيّ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حمى السَّرف والربذة، هَكَذَا أورد فِي الحَدِيث: السَّرف، بِالْألف وَاللَّام، ذكره البُخَارِيّ. والأضاة، بِفَتْح الْهمزَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة، قَالَ الْجَوْهَرِي:
هُوَ الغدير، وَقَالَ السُّهيْلي: بَينهَا وَبَين مَكَّة عشرَة أَمْيَال. وَقَالَ الْبكْرِيّ: أضاة بني غفار بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (بيرة) .
وقَوْلِهِ تعالَى: {إنَّمَا أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هذهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمهَا ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكونَ مِنَ المُسْلِمينَ} (النَّمْل: ١٩) .
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطفا على مَا قبله الْمَجْرُور بِالْإِضَافَة. وَجه تعلق هَذِه الْآيَة بالترجمة من جِهَة أَنه اختصها من بَين جَمِيع الْبِلَاد بِإِضَافَة إسمه إِلَيْهَا لِأَنَّهَا أحب بِلَاده إِلَيْهِ وَأَكْرمهَا عَلَيْهِ وَأَعْظَمهَا عِنْده، حَيْثُ أَن حرمهَا لَا يسفك فِيهَا دم حرَام، وَلَا يظلم فِيهَا أحد وَلَا يهاج صيدها، وَلَا يخْتَلى خَلاهَا. وَلما بيَّن الله تَعَالَى قبل هَذِه الْآيَة المبدأ والمعاد ومقدمات الْقِيَامَة وَأَحْوَالهَا، وَصفَة أهل الْقِيَامَة من الثَّوَاب وَالْعِقَاب، وَذَلِكَ كَمَال مَا يتَعَلَّق بأصول الدّين، ذكر هَذِه الْآيَة وَختم مَا قبله بِهَذِهِ الخاتمة، فَقَالَ: قل يَا مُحَمَّد: إِنَّمَا أمرت أَن أعبد رب هَذِه الْبَلدة، أَي: أَنِّي أخص رب هَذِه الْبَلدة بِالْعبَادَة، وَلَا اتخذ لَهُ شَرِيكا. والبلدة: مَكَّة، وَقَالَ الزّجاج: قرىء: هَذِه الْبَلدة، الَّتِي، وَهِي قَليلَة، وَتَكون الَّتِي فِي مَوضِع خفض من نعت للبلدة، وَفِي قِرَاءَة: الَّذِي، يكون: الَّذِي، فِي مَوضِع نصب من نعت رب، وَأَشَارَ إِلَيْهَا إِشَارَة تَعْظِيمًا لَهَا وتقريبا دَالا على أَنَّهَا موطن نبيه ومهبط وحيه، وَوصف ذَاته بِالتَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ خَاص، وصفهَا فأجزل بذلك قسمهَا فِي الشّرف والعلو، ووصفها بِأَنَّهَا مُحرمَة لَا ينتهك حرمتهَا إلَاّ ظَالِم مضاد لرَبه، وَله كل شَيْء خلقا وملكا، وَجعل دُخُول كل شَيْء تَحت ربوبيته وملكوته، و: أمرت، الثَّانِي عطف على: أمرت، الأول يَعْنِي: أمرت أَن أكون من الحنفاء الثابتين على مِلَّة الْإِسْلَام.
وقولِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ {أوَ لَمْ تُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَما آمِنا يَجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقا مِنْ لَدُنَّا وَلاكِنَّ أكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (الْقَصَص: ٧٥) .
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله الْمَاضِي. وَتعلق هَذِه الْآيَة أَيْضا بالترجمة من حَيْثُ: إِن الله تَعَالَى وصف الْحرم بالأمن، ومنَّ على عباده بِأَن مكن لَهُم هَذَا الْحرم، وروى النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير: (أَن الْحَارِث بن عَامر بن نَوْفَل قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {إِن نتبع الْهدى مَعَك نتخطف من أَرْضنَا} (الْقَصَص: ٧٥) . فَأنْزل الله، عز وَجل، ردا عَلَيْهِ: {أَو لم نمكن لَهُم حرما آمنا} (الْقَصَص: ٧٥) . الْآيَة، مَعْنَاهُ: جعلهم الله فِي بلد أَمِين وهم مِنْهُ فِي أَمَان فِي حَال كفرهم، فَكيف لَا يكون لَهُم أَمن بعد أَن أَسْلمُوا وتابعوا الْحق. وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) : وَنزلت هَذِه الْآيَة فِي الْحَارِث بن عُثْمَان بن نَوْفَل بن عبد منَاف، وَذَلِكَ أَنه أَتَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: إِنَّا لنعلم أَن الَّذِي تَقول حق، وَلَكِن يمنعنا من اتباعك أَن الْعَرَب تتخطفنا من أَرْضنَا لإجماعهم على خلافنا وَلَا طَاقَة لنا بهم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، فَحكى أَولا عَن قَوْلهم بقوله: {وَقَالُوا: إِن نتبع الْهَدْي مَعَك نتخطف من أَرْضنَا} (الْقَصَص: ٧٥) . ثمَّ رد عَلَيْهِم بقوله: {أَو لم نمكن لَهُم. .} (الْقَصَص: ٧٥) . الْآيَة، أَي: أَو لم نسكنهم حرما ونجعله مَكَانا لَهُم؟ وَمعنى: آمنا، ذُو أَمن يَأْمَن النَّاس فِيهِ، وَذَلِكَ أَن الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَت يُغير بَعضهم على بعض، وَأهل مَكَّة آمنون فِي الْحرم من السَّبي وَالْقَتْل والغارة، أَي: فَكيف يخَافُونَ إِذا أَسْلمُوا وهم فِي حرم آمن؟ قَوْله: (يَجِيء) قَرَأَ نَافِع بِالتَّاءِ من فَوق، وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، قَوْله: {إِلَيْهِ} أَي: إِلَى الْحرم، أَي: تجلب وَتحمل من النواحي {ثَمَرَات كل شَيْء رزقا من لدنا} (الْقَصَص: ٧٥) . أَي: من عندنَا، وَلَكِن أَكثر أهل مَكَّة لَا يعلمُونَ أَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي فعل بهم فيشكرونه.
٧٨٥١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا جرِيرُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ عنْ مَنْصُورٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاوُوسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ إنَّ هاذا البَلَدَ حَرَّمَهُ الله لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ ولَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ولَا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلَاّ مَنْ عَرَّفَهَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن هَذَا الْبَلَد حرمه الله) ، وَفِيه تَعْظِيم لَهُ، وتعظيمه يدل على فَضله واختصاصه من بَين سَائِر الْبِلَاد، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ الْبَصْرِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه
البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِزْيَة عَن عَليّ بن عبد الله، وَأخرجه فِي الْحَج أَيْضا عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَفِي الْجِهَاد عَن آدم وَعَن عَليّ بن عبد الله وَعَمْرو بن عَليّ، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن يحيى بن يحيى، د وَفِيه وَفِي الْحَج عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَفِيهِمَا أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رَافع، وَفِي الْجِهَاد أَيْضا عَن أبي بكر وَأبي كريب وَعَن عبد بن حميد، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فيهمَا عَن عُثْمَان بِهِ مقطعا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي السّير عَن أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج فِي الْبيعَة عَن إِسْحَاق ابْن مَنْصُور، وَفِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن قدامَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حرمه الله) أَي: جعله حَرَامًا، وَلَفظ البُخَارِيّ فِي: بَاب غَزْوَة الْفَتْح: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَامَ يَوْم الْفَتْح، فَقَالَ: إِن الله حرم مَكَّة يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَهِيَ حرَام بحراح الله تَعَالَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. .) الحَدِيث. وَقَالَ الْبَزَّار: وَهَذَا الحَدِيث قد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس من غير وَجه. فَإِن قلت: إِن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حرم مَكَّة وَأَنا أحرم مَا بَين لابتيها) أَي: لابتي الْمَدِينَة، يُعَارض هَذَا الحَدِيث؟ قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَن معنى قَوْله: (إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة) ، أعلن بتحريمها وَعرف النَّاس بِأَنَّهَا حرَام بِتَحْرِيم الله، إِيَّاهَا، فَلَمَّا لم يعرف تَحْرِيمهَا إلَاّ فِي زَمَانه على لِسَانه أضيف إِلَيْهِ. وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {الله يتوفى الْأَنْفس} (الزمر: ٢٤) . فَإِنَّهُ أضَاف إِلَيْهِ التوفي. وَفِي آيَة أُخْرَى: {قل يتوفاكم ملك الْمَوْت} (السَّجْدَة: ١١) . أضَاف إِلَيْهِ التوفي، وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى: {الَّذين تتوفاهم الْمَلَائِكَة} (النَّحْل: ٨٢) . فأضاف إِلَيْهِم التوفي. وَفِي الْحَقِيقَة المتوفي هُوَ الله عز وَجل، وأضاف إِلَى غَيره لِأَنَّهُ ظهر على أَيْديهم. قَوْله: (لَا يعضد شَجَرهَا) أَي: لَا يقطع، من عضدتُ الشّجر أعضده عضد، أَمْثَال: ضرب، إِذا قطعته، وَفِي (الْمُحكم) : الشّجر معضود وعضيد. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: معنى: لَا يعضد لَا يفْسد وَيقطع، وَأَصله من عضد الرجل الرجل إِذا أصَاب عضده بِسوء. قَوْله: (وَلَا ينفر صَيْده) أَي: لَا يزعج من مَكَانَهُ. وَهُوَ تَنْبِيه من الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى، فَلَا يضْرب وَلَا يقتل بِالطَّرِيقِ الأولى. قَوْله: (وَلَا يلتقط) على صِيغَة الْمَعْلُوم، ولقطته مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (إلَاّ من عرفهَا) ، أَي: إلَاّ مَنْ عرف أَنَّهَا لقطَة فيلتقطها ليردها إِلَى صَاحبهَا وَلَا يتملكها.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن مَكَّة حرَام فَلَا يجوز لأحد أَن يدخلهَا إلَاّ بِالْإِحْرَامِ، وَهُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح وَاللَّيْث بن سعد وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه: وَمَالك فِي رِوَايَة، وَهِي قَوْله الصَّحِيح، وَالشَّافِعِيّ فِي الْمَشْهُور عَنهُ، وَأحمد وَأبي ثَوْر، وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَمَالك فِي رِوَايَة، وَدَاوُد بن عَليّ وَأَصْحَابه من الظَّاهِرِيَّة: لَا بَأْس بِدُخُول الْحرم بِغَيْر إِحْرَام، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ أَيْضا، قَالَه عِيَاض، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر: (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، دخل يَوْم فتح مَكَّة وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء) ، وَبِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث أنس: (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، دخل مَكَّة وعَلى رَأسه مغفر. .) الحَدِيث. وَأجِيب: عَن هَذَا: بِأَن دُخُوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَكَّة كَانَ وَهِي حَلَال ساعتئذ، فَكَذَلِك دَخلهَا وَهُوَ غير محرم، وَأَنه كَانَ خَاصّا للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ عَادَتْ حَرَامًا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَلَا يجوز دُخُولهَا لأحد بِغَيْر إِحْرَام.
وَفِيه: أَنه لَا يجوز قطع شَوْكَة وَلَا قطع شَجَرَة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع الْعلمَاء على تَحْرِيم قطع شجر الْحرم، وَقَالَ الإِمَام: اخْتلف النَّاس فِي قطع شجر الْحرم: هَل فِيهِ جَزَاء أم لَا؟ فَعِنْدَ مَالك: لَا جَزَاء فِيهِ، وَعند أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: فِيهِ الْجَزَاء، وجزاؤه عِنْد الشَّافِعِي فِي الدوحة بقرة وَمَا دونهَا شَاة، وَعند أبي حنيفَة: يُؤْخَذ مِنْهُ قيمَة ذَلِك، يشترى بِهِ هدي، فَإِن لم تبلغ ثمنه ذَلِك تصدق بِهِ بِنصْف صَاع لكل مِسْكين، وَقَالَ الشَّافِعِي: فِي الْخشب وَمَا أشبه قِيمَته بَالِغَة مَا بلغت، وَالْمحرم والحلال فِي ذَلِك سَوَاء، وَأجْمع كل من يحفظ عَنهُ الْعلم على إِبَاحَة أَخذ كل مَا ينبته النَّاس فِي الْحرم من الْبُقُول والزروع والرياحين وَغَيرهَا، وَاخْتلفُوا فِي أَخذ السِّوَاك من شجر الْحرم، فَعَن مُجَاهِد وَعَطَاء وَعَمْرو بن دِينَار أَنهم رخصوا فِي ذَاك، وَحكى أَبُو ثَوْر ذَلِك عَن الشَّافِعِي، وَكَانَ عَطاء يرخص فِي أَخذ ورق السنا يستمشي بِهِ وَلَا ينْزع من أَصله، ورخصوا فِيهِ عَمْرو بن دِينَار، وَفِيه أَنه لَا يجوز رفع لقطتهَا إلَاّ المنشد، قَالَ القَاضِي عِيَاض: حكم اللّقطَة فِي سَائِر الْبِلَاد وَاحِد، وَعند الشَّافِعِي: أَن لقطَة مَكَّة بِخِلَاف غَيرهَا من الْبِلَاد، وَأَنَّهَا لَا تحل إلَاّ لمن يعرفهَا، وَمذهب الْحَنَفِيَّة كمذهب مَالك لعُمُوم قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ عرفهَا سنة) ، من غير فصل.
٤٤ - (بابُ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وبَيْعِهَا وشِرَائِهَا وَأنَّ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ سَوَاءٌ خاصَّةٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَوْرِيث دور مَكَّة وَبَيْعهَا وشرائها، وَإِنَّمَا لم يبين الحكم بِالْجَوَازِ أَو بِعَدَمِهِ لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ. وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى تَضْعِيف حَدِيث عَلْقَمَة بن نَضْلَة، قَالَ: توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَمَا ترعى رباع مَكَّة إلَاّ السوائب، من احْتَاجَ سكن، رَوَاهُ ابْن مَاجَه، قلت: لَيْت شعري مَا وَجه هَذِه الْإِشَارَة؟ وَالْإِشَارَة لَا تكون إلَاّ للحاضر. وروى هَذَا الحَدِيث الطَّحَاوِيّ من طَرِيقين بِرِجَال ثِقَات، وَلكنه مُنْقَطع، لِأَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة لَيْسَ بصحابي، وَلَفظ الطَّحَاوِيّ فِي أحد الطَّرِيقَيْنِ، عَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة، قَالَ: كَانَت الدّور على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: مَا تبَاع وَلَا تكرى وَلَا ترعى إلَاّ السوائب، من احْتَاجَ سكن، وَمن اسْتغنى أسكن. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَلَفظه عَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة الْكِنَانِي، قَالَ: كَانَت بيُوت مَكَّة ترعى السوائب، لم يبع رباعها فِي زمن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا أبي بكر وَلَا عمر، من احْتَاجَ سكن، وَمن اسْتغنى أسكن. قَوْله: السوائب، جمع سائبة، وَأَصلهَا من تسييب الدَّوَابّ، وَهُوَ: إرسالها تذْهب وتجيء كَيفَ شَاءَت، وَأَرَادَ بهَا: أَنَّهَا كَانَت سائبة لكل أحد من شَاءَ كَانَ يسكنهَا فَإِذا فرغ مِنْهَا أسكن غَيره فَلَا بيع وَلَا إجَازَة، والرباع جمع رَبع، وَهُوَ الْمنزل، قَالَ الْجَوْهَرِي: الرّبع الدَّار بِعَينهَا حَيْثُ كَانَت، وَجَمعهَا: رباع وَأَرْبع وربوع وأرباع وَالرّبع: الْمحلة، أَيْضا وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث مُجَاهِد عَن عبد الله بن عَمْرو، أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لَا يحل بيع بيُوت مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَذهب قوم إِلَى هَذِه الْآثَار فَقَالُوا: لَا يجوز بيع أَرض مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْل: أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَالثَّوْري. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ، عَطاء بن أبي رَبَاح ومجاهدا ومالكا وَإِسْحَاق وَأَبا عبيد، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا بَأْس بِبيع أرْضهَا وإجارتها، وجعلوها فِي ذَلِك كَسَائِر الْبلدَانِ، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى هَذَا القَوْل أَبُو يُوسُف. قلت: أَرَادَ بالآخرين طاووسا وَعَمْرو بن دِينَار وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَابْن الْمُنْذر مَعَهم، وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِحَدِيث الْبَاب، على مَا يَأْتِي. قَوْله: (فَإِن النَّاس) ، عطف على قَوْله: (فِي دور مَكَّة) ، وَالتَّقْدِير: وَفِي بَيَان أَن النَّاس فِي مَسْجِد الْحرم سَوَاء أَي: متساوون. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي فِي نفس الْمَسْجِد، لَا فِي سَائِر الْمَوَاضِع من مَكَّة. قلت: هَذَا ميل مِنْهُ إِلَى تَرْجِيح مذْهبه، وَالْمرَاد من الْمَسْجِد الْحَرَام: الْحرم كُله، ورد ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجاهد. أخرجه ابْن أبي حَاتِم وَغَيرهم عَنْهُم، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عمر: أَن الْحرم كُله مَسْجِد ويروى فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، بِالْألف وَاللَّام فِي الْمَسْجِد قَوْله: (خَاصَّة) قيد لِلْمَسْجِدِ الْحَرَام، وَقد قُلْنَا إِن الْمَسْجِد الْحَرَام كُله حرم.
لِقَوْلِهِ تَعَالى: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عنْ سَبِيلِ الله والمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءٌ الْعَاكِفُ فِيِهِ والْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ} (الْحَج: ٥٢) .
هَذَا تَعْلِيل لقَوْله: (وَإِن النَّاس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام سَوَاء) . قَوْله: {إِن الَّذين كفرُوا} يَعْنِي: أهل مَكَّة. قَوْله: {ويصدون عَن سَبِيل الله} أَي: ويصرفون النَّاس عَن دين الْإِسْلَام. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الصدود مِنْهُم مُسْتَمر دَائِم للنَّاس، أَي للَّذين يَقع عَلَيْهِم اسْم النَّاس من غير فرق بَين حَاضر وباد وناى وظارىء مكي وآفقي وَقد اسْتشْهد بِهِ أَصْحَاب أبي حنيفَة قائلين بِأَن المُرَاد من الْمَسْجِد الْحَرَام مَكَّة على امْتنَاع بيع دور مَكَّة وإجارتها. وَقَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي فِي (تَفْسِيره) وَهَذِه الْآيَة مَدَنِيَّة، وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما خرج من الْمَدِينَة مَنعهم الْمُشْركُونَ عَن الْمَسْجِد الْحَرَام، ثمَّ وصف الْمَسْجِد الْحَرَام فَقَالَ: {اللَّذين جَعَلْنَاهُ للنَّاس سَوَاء} للْمُؤْمِنين جَمِيعًا، ثمَّ قَالَ: {العاكف فِيهِ والبادي} يَعْنِي: سَوَاء الْمُقِيم فِي الْحرم، وَمن دخل مَكَّة من غير أَهلهَا، وَيُقَال: الْمُقِيم والغريب سَوَاء. وَقَرَأَ عَاصِم فِي رِوَايَة حَفْص: {سَوَاء} بِالنّصب يَعْنِي: جَعَلْنَاهُ سَوَاء، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ سواءُ، على معنى الِابْتِدَاء، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَجه النصب أَنه ثَانِي مفعولي: جَعَلْنَاهُ، أَي: جَعَلْنَاهُ مستويا العاكف فِيهِ والبادي، وَفِي الْقِرَاءَة بِالرَّفْع الْجُمْلَة مفعول ثَان. قَوْله: {وَمن يرد فِيهِ بإلحاد} الْبَاء فِيهِ صلَة، وَأَصله: وَمن يرد فِيهِ إلحادا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {تنْبت بالدهن} (الْمُؤْمِنُونَ: ٠٢) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ومفعول: يرد، مَتْرُوك ليتناول كل متناول كَأَنَّهُ قَالَ: وَمن يرد فِيهِ مرَادا مَا عادلاً عَن الْقَصْد ظَالِما، وقرىء: يرد، بِفَتْح الْيَاء من الْوُرُود، وَمَعْنَاهُ: من أَتَى فِيهِ بإلحاد ظَالِما
الْإِلْحَاد الْعُدُول عَن الْقَصْد، وَقيل: الْإِلْحَاد فِي الْحرم منع النَّاس عَن عِمَارَته، وَعَن سعيد بن جُبَير: الاحتكار، وَقيل: الظُّلم، وَقَالَ مقَاتل: نزلت الْآيَة فِي عبد الله بن أنيس بن خطل الْقرشِي، وَذَاكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث رجلَيْنِ أَحدهمَا مُهَاجِرِي وَالْآخر أَنْصَارِي، فافتخرا فِي الْأَنْسَاب. فنضب عبد الله بن أنيس فَقتل الْأنْصَارِيّ، ثمَّ ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام، وهرب إِلَى مَكَّة، فَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم فتح مَكَّة بقتْله فَقتل. قَوْله: {بإلحاد بظُلْم} حالان مُتَرَادِفَانِ، وَعَن الْحسن: وَمن يرد إلحاده بظُلْم، أَرَادَ إلحادا فِيهِ، فأضافه على الاتساع فِي الظّرْف، كمكر اللَّيْل وَمَعْنَاهُ: من يرد أَن يلحذ فِيهِ ظَالِما، وَخبر: أَن، مَحْذُوف لدلَالَة جَوَاب الشَّرْط عَلَيْهِ، تَقْدِيره: أَن الَّذين كفرُوا ويصدون عَن سَبِيل الله وَالْمَسْجِد الْحَرَام يذيقهم من عَذَاب أَلِيم وكل من ارْتكب فِيهِ ذَنبا فَهُوَ كَذَلِك.
البادِ الطَّارى مَعْكُوفا مَحْبُوسا
هَذَا تَفْسِير من البُخَارِيّ بِالْمَعْنَى، وَمعنى الطاري الْمُسَافِر، كَمَا أَن معنى العاكف الْمُقِيم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: معكوفا، إِشَارَة إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْهَدْي معكوفا أَن يبلغ مَحَله} (الْحَج: ٥٢) . قلت: لَيست هَذِه الْكَلِمَة فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة، فَلَا مُنَاسبَة لذكرها هُنَا، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِنَّمَا ذكر المعكوف لكَون العاكف مَذْكُورا هَهُنَا، وَفِيه مَا فِيهِ.
٨٨٥١ - حدَّثنا أصْبَغُ قَالَ أخْبَرَنِي ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عَنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْن عنْ عَمْرِو بنِ عُثْمَانَ عنْ أسامَةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ قَالَ يَا رسولَ الله أيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ فقالَ وهَلْ ترَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أوْ دُورٍ وكانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أبَا طَالِبٍ هُوَ وطَالِبٌ ولَمْ يَرثْهُ جَعْفَرٌ ولَا عَلِيٌّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا شَيْئا لأِنَّهُمَا كانَا مُسْلِمَيْنِ وكانَ عَقِيلٌ مطَالب كافِرَيْنِ فَكانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ لَا يَرِثُ الْمُؤمِنُ الْكَافِرَ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ وكانُوا يتأوَّلُونَ قَوْلَ الله تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجَاهَدُوا بِأمْوَالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله والَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أولائكَ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (الْأَنْفَال: ٢٧) . الْآيَة..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهل ترك عقيل من رباع أَو دور وَكَانَ عقيل ورث أَبَا طَالب) إِلَى قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر رِجَاله: وهم: سَبْعَة: الأول: أصبغ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره غين مُعْجمَة: ابْن الْفرج أَبُو عبد الله. الثَّانِي: عبد الله بن وهب. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، الْخَامِس: عَليّ بن الْحُسَيْن الْمَشْهُور بزين العابدين. السَّادِس: عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان أَمِير الْمُؤمنِينَ. السَّابِع: أُسَامَة ابْن زيد بن حَارِثَة حب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومولاه.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه وَابْن وهب مصريان وَأَن يُونُس أيلي والبقية مدنيون.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق، وَفِي الْمَغَازِي عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن أبي الطَّاهِر وحرملة بن يحيى، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن مهْرَان وَابْن أبي عمر وَعبد بن حميد وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق وَفِي الْفَرَائِض عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَيْن تنزل فِي دَارك؟) قَالَ بَعضهم: حذفت أَدَاة الِاسْتِفْهَام
من قَوْله: فِي دَارك. قلت: هَذَا كَلَام من لَا يفهم الْعَرَبيَّة وَلَا استنباط الْمعَانِي من الْأَلْفَاظ، وَقَوله: أَيْن، كلمة اسْتِفْهَام، فَلم يبْق وَجه لتقدير حرف الِاسْتِفْهَام، فَمَا وَجه قَوْله: حذفت أَدَاة الِاسْتِفْهَام من قَوْله: فِي دَارك؟ والاستفهام عَن النُّزُول فِي الدَّار لَا عَن نفس الدَّار؟ فَافْهَم. وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ ستأتي فِي الْمَغَازِي: أَيْن تنزل غَدا. قَوْله: (وَهل ترك عقيل؟) وَفِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره، (وَهل ترك لنا؟) قَوْله: (من رباع؟) ، جمع ربع، وقذ ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (أَو دور؟) للتَّأْكِيد إِذا فسر الرّبع بِالدَّار أَو وَهُوَ شكّ من الرَّاوِي، قَوْله: (وَكَانَ عقيل) ، إدراج من بعض الروَاة، وَلَعَلَّه من أُسَامَة، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي: وَعقيل بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة. قَوْله: (هُوَ) أَي: عقيل. قَوْله: (وطالب) أَي: ورث طَالب مَعَ عقيل أباهما أَبَا طَالب، وَاسم أبي طَالب: عبد منَاف، وكنى بِابْنِهِ طَالب، قَوْله: (وَلم يَرِثهُ جَعْفَر) ، وَهُوَ الْمَشْهُور بالطيار ذِي الجناحين، وطالب أسن من عقيل، وَهُوَ من جَعْفَر وَهُوَ من عَليّ، والتفاوت بَين كل وَاحِد وَالْآخر عشر سِنِين، وَهُوَ من النَّوَادِر. قَوْله: (كَافِرين) نصب على أَنه خبر: كَانَ، أَي: وَكَانَ كِلَاهُمَا كَافِرين عِنْد وَفَاة أَبِيهِمَا، وَلِأَن عقيلاً أسلم بعد ذَلِك عِنْد الْحُدَيْبِيَة قيل: لما كَانَ أَبُو طَالب أكبر ولد عبد الْمطلب احتوى على أملاكه وحازها وَحده على عَادَة الْجَاهِلِيَّة من تَقْدِيم الأسن، فتسلط عقيل أَيْضا بعد هِجْرَة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ الدَّاودِيّ: بَاعَ عقيل مَا كَانَ للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلمن هَاجر من بني عبد الْمطلب، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بدور من هَاجر من الْمُؤمنِينَ، وَإِنَّمَا أمضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَصَرُّفَات عقيل كرما وجودا، وَإِمَّا استمالة لعقيل، وَإِمَّا تَصْحِيحا بتصرفات الْجَاهِلِيَّة، كَمَا أَنه يصحح أنكحة الْكفَّار، وَقَالُوا: فقد طَالب ببدر فَبَاعَ عقيل الدَّار كلهَا، وَقيل: وَلم تزل الدَّار بيد أَوْلَاد عقيل إِلَى أَن باعوها لمُحَمد بن يُوسُف أخي الْحجَّاج بن يُوسُف بِمِائَة ألف دِينَار، وَكَانَ عَليّ ابْن الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يَقُول: من أجل ذَلِك بتركنا نصيبنا من الشّعب، أَي: حِصَّة جدهم عَليّ من أَبِيه أبي طَالب. قَوْله: (فَكَانَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: لَا يَرث الْمُؤمن الْكَافِر) هَذَا مَوْقُوف على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد ثَبت مَرْفُوعا بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَهُوَ عِنْد البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي من طَرِيق مُحَمَّد بن أبي حَفْصَة وَمعمر عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه مُفردا فِي الْفَرَائِض من طَرِيق ابْن جريج عَنهُ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَمن أجل ذَلِك كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول ... قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، هُوَ الْمَذْكُور فِي إِسْنَاد الحَدِيث. قَوْله: (وَكَانُوا يتأولون) أَي: السّلف كَانُوا يفسرون الْولَايَة فِي هَذِه الْآيَة بِولَايَة الْمِيرَاث. قَوْله تَعَالَى: {إِن الَّذين آمنُوا} (الْأَنْفَال: ٢٧) . أَي: صدقُوا بتوحيد الله تَعَالَى، وَبِمُحَمَّدٍ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْقُرْآن {وَهَاجرُوا} من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة {وَجَاهدُوا} الْعَدو {بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله} أَي: فِي طَاعَة الله، وَفِيمَا فِيهِ رضى الله تَعَالَى، ثمَّ ذكر الْأَنْصَار فَقَالَ: {وَالَّذين آووا} يَعْنِي أووا الْمُهَاجِرين: يَعْنِي: أنزلوهم وأسكنوهم فِي دِيَارهمْ {ونصروا} رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالسَّيْفِ {أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض} يَعْنِي فِي الْمِيرَاث وَفِي الْولَايَة. قَوْله: (الْآيَة) ، يَعْنِي الْآيَة بِتَمَامِهَا، أَو: إقرأ الْآيَة، وتمامها: {وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا وَإِن استنصروكم فِي الدّين فَعَلَيْكُم النَّصْر إلَاّ على قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق، وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} (الْأَنْفَال: ٢٧) . قَوْله: {وَلم يهاجروا} يَعْنِي: إِلَى الْمَدِينَة {مَا لكم من ولايتهم من شَيْء} فِي الْمِيرَاث {حَتَّى يهاجروا} إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالُوا: يَا رَسُول الله! هَل نعينهم إِذا استعانوا بِنَا؟ يَعْنِي: الَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا؟ فَنزل: {وَإِن استنصروكم فِي الدّين} يَعْنِي: إِن اسْتَغَاثُوا بكم على الْمُشْركين فانصروهم {فَعَلَيْكُم النَّصْر} على من قَاتلهم {إِلَّا على قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق} أَي: عهد يَعْنِي إلَاّ أَن يقاتلوا قوما بَيْنكُم وَبينهمْ عهد وميثاق فَلَا تنصروهم عَلَيْهِم وَأَصْلحُوا بَينهم {وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} فِي العون والنصرة، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة، قَالَ: كَانَ الْمُسلمُونَ يتوارثون بِالْهِجْرَةِ وبالمؤاخاة الَّتِي وآخى بَينهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانُوا يتوارثون بِالْإِسْلَامِ وبالهجرة، وَكَانَ الرجل يسلم وَلَا يُهَاجر فَلَا يَرث أَخَاهُ، فنسخ ذَلِك بقوله تَعَالَى: {وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض} (الْأَنْفَال: ٥٧) [/ ح.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث الشَّافِعِي على جَوَاز بيع دور مَكَّة بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أجَاز بيع عقيل الدّور الَّتِي ورثهَا، وَكَانَ عقيل وطالب ورثا أباهما لِأَنَّهُمَا إِذْ ذَاك كَانَا كَافِرين فورثا، ثمَّ أسلم عقيل وباعها. قَالَ الْخطابِيّ: وَعِنْدِي أَن تِلْكَ الدّور، وَإِن كَانَت قَائِمَة على ملك عقيل، لم ينزلها رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهَا دور هجروها لله تَعَالَى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهر هَذِه الْإِضَافَة أَنَّهَا كَانَت ملكه، يدل عَلَيْهِ قَوْله: (وَهل ترك لنا عقيل من رباع) فأضافها إِلَى نَفسه، وظاهرها الْملك، فَيحْتَمل أَن عقيلاً أَخذهَا وَتصرف فِيهَا كَمَا فعل أَبُو سُفْيَان بدور الْمُهَاجِرين. فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا الحَدِيث حديثُ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن