الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٠٩
الحديث رقم ١٦٠٩ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ
١٦٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ:
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من الأركان الأربعة للكعبة إلا الركن الأسود والركن اليماني، فللبيت أربعة أركان، فللركن الشرقي منها فضيلتان:
1. كونه على قواعد إبراهيم.
2. وكون الحجر الأسود فيه. والركن اليماني له فضيلة واحدة، وهو كونه على قواعد إبراهيم.
وليس للشامي والعراقي شيء من هذا، فإن تأسيسهما خارج عن أساس إبراهيم حيث أخرج الحجر من الكعبة من جهتهما؛ ولهذا فإنه يشرع استلام الحجر الأسود وتقبيله، ويشرع استلام الركن اليماني بلا تقبيل، ولا يشرع في حق الركنين الباقيين استلام ولا تقبيل، والشرع مبناه على الاتباع، لا على الإحداث والابتداع، ولله في شرعه حكم وأسرار.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«لا يَستلم» بفتح المُثنَّاة (١) «هذين الرُّكنين» بالنَّصب على المفعوليَّة، والضَّمير (٢) في «إنَّه» عائدٌ على النَّبيِّ ﷺ، وكذا فاعل «لا يستلم» ضميرٌ يعود (٣) عليه ﷺ، وفي روايةٍ عزاها في «اليونينيَّة» لأبي ذرٍّ عن (٤) الحَمُّويي والمُستملي والأَصيليِّ: «لا تَستلمْ» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وجزم الميم على النَّهي، وفي روايةٍ رابعةٍ: «لا نستلم» بالنُّون بدل (٥) المُثنَّاة؛ بلفظ المتكلِّم (فَقَالَ) معاوية ﵁: (لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا) ولأبي ذرٍّ: «بمهجورٍ» بالمُوحَّدة قبل الميم، وهذا أجاب عنه إمامنا الشَّافعيُّ بأنَّا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت، وكيف نهجره ونحن نطوف به؟! ولكنَّا نتَّبع السُّنَّة فعلًا وتركًا، ولو كان ترك استلامهما هجرًا لكان ترك استلام ما بين الأركان هجرًا له، ولا قائل به، وقال الدَّاوديُّ: ظنَّ معاوية أنَّهما ركنا البيت الذي وُضِع عليه من أوَّل، وليس كذلك لِما سبق في (٦) حديث عائشة.
(وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله، ممَّا وصله ابن أبي شيبة (يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ) أي: الأربعة لأنَّه لمَّا عمَّر الكعبة أتمَّها على قواعد إبراهيم، كذا حمله ابن التِّين، فزال مانع عدم استلام الآخرين، ويؤيِّد هذا الحمل ما أخرجه الأزرقيُّ في «تاريخ مكَّة»: أنَّه لمَّا فرغ من بناء البيت وأدخل فيه من الحجر ما أخرج منه، وردَّ الرُّكنين على قواعد إبراهيم طاف للعمرة واستلم الأركان الأربعة، ولم يزل على بناء ابن الزُّبير، إذا طاف الطَّائف استلمها جميعًا حتَّى قُتِل ابن الزُّبير، ورُوِي أيضًا: أنَّ آدم لمَّا حجَّ استلم الأركان كلَّها، وكذا إبراهيم وإسماعيل.
١٦٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابن سعدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (﵄ قَالَ: لَمْ أَرَ
النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ) لأنَّهما على القواعد الإبراهيميَّة، ففي الرُّكن الأسود فضيلتان: كون الحَجَر فيه، وكونه على القواعد، وفي الثَّاني: الثَّانية فقط؛ ومن ثمَّ خصَّ الأوَّل بمزيد تقبيله دون الثَّاني، وحديث ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قبَّل الرُّكن اليماني ووضع خدَّه عليه، رواه جماعةٌ منهم: ابن المنذر والحاكم وصحَّحه، وضعَّفه بعضهم، وعلى تقدير صحَّته: فهو محمولٌ على الحجر الأسود لأنَّ المعروف أنَّ النَّبيَّ ﷺ استلم الرُّكن اليماني فقط، وإذا استلمه قبَّل يده (١) على الأصحِّ عند الشَّافعيَّة والحنابلة ومحمَّد بن الحسن من الحنفيَّة، وهو المنصوص في «الأمِّ»، ولم يتعرَّض في «المُحرَّر» و «المنهاج» و «الحاوي الصَّغير» لتقبيل اليد، وحديث: أنَّه ﷺ استلم الحجر فقبَّله، واستلم الرُّكن اليماني فقبَّل يده، ضعَّفه البيهقيُّ وغيره، وقال المالكيَّة: يستلمه ويضع يده على فيه ولا يقبِّلها، فإن لم يستطع كبَّر إذا حاذاه ولا يشير إليه بيده، ونصَّ جماعةٌ من متأخِّري الشَّافعيَّة: أنَّه يشير إليه عند العجز عن استلامه، ولم يذكر ذلك النَّوويُّ ولا الرَّافعيُّ، وسكوتهما -كما قال العزُّ بن جماعة-: دليلٌ على عدم الاستحباب، وبه صرَّح بعض متأخِّري الشَّافعيَّة، قال: وهو الذي أَختاره لأنَّه لم يُنقَل عنه ﵊، لكن لا بأس به كتقبيل يده بعد استلامه؛ إذ إنَّهما -أي: الإشارة وتقبيل اليد بعد الاستلام (٢) - ليسا بسنَّةٍ، وكذا تقبيل (٣) الرُّكن لا بأس به كما جزم به (٤) في «الأمِّ»، واستحبَّه (٥) بعض الشَّافعيَّة، ونُقِل عن محمَّد بن الحسن.
(٦٠) (بابُ) مشروعيَّة (تَقْبِيلِ الحَجَرِ) الأسود بوضع الشَّفة عليه من غير تصويتٍ ولا تطنينٍ كما قاله الشَّافعيُّ، وروى الفاكهيُّ من طريق سعيد بن جبيرٍ قال: إذا قبَّلت الرُّكن فلا ترفع بها صوتك كقبلة النِّساء.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (طَاف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع على بعير) قَالَ ابْن بطال: استلامه بالمحجن رَاكِبًا يحْتَمل أَن يكون لشكوى بِهِ. قلت: روى أَبُو دَاوُد: (قدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَكَّة وَهُوَ يشتكي، فَطَافَ على رَاحِلَته، فَلَمَّا أَتَى على الرُّكْن اسْتَلم بمحجن، فَلَمَّا فرغ من طَوَافه أَنَاخَ فصلى رَكْعَتَيْنِ) . وَفِي إِسْنَاده يزِيد بن أبي زِيَاد وَفِيه مقَال. قَوْله: (يسْتَلم) جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (الرُّكْن) أَي: الْحجر الْأسود، وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ أَصْحَابنَا: الْأَفْضَل أَن يطوف مَاشِيا وَلَا يركب إلَاّ لعذر مرض أَو نَحوه، أَو كَانَ مِمَّن يحْتَاج إِلَى ظُهُوره لِيَسْتَفْتِيَ ويقتدي بِهِ، فَإِن كَانَ لغير عذر جَازَ بِلَا كَرَاهَة، لكنه خلاف الأولى، وَقَالَ أَمَام الْحَرَمَيْنِ: من أَدخل الْبَهِيمَة الَّتِي لَا يُؤمن من تلويثها الْمَسْجِد بِشَيْء. فَإِن أمكن الاستيثاق فَذَاك، وإلَاّ فإدخالها الْمَسْجِد مَكْرُوه، وَجزم جمَاعَة من أَصْحَابنَا بِكَرَاهَة الطّواف رَاكِبًا من غير عذر، مِنْهُم الْمَاوَرْدِيّ والبندنيجي وَأَبُو الطّيب والعبدري، وَالْمَشْهُور الأول وَالْمَرْأَة وَالرجل فِي ذَلِك سَوَاء، والمحمول على الأكتاف كالراكب، وَبِه قَالَ أَحْمد وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذر، وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: إِن طَاف رَاكِبًا لعذر أَجزَأَهُ، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ لغير عذر فَعَلَيهِ دم. قَالَ أَبُو حنيفَة: وَإِن كَانَ بِمَكَّة أعَاد الطّواف، فَلَو طَاف زحفا مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام فَهُوَ صَحِيح، لكنه يكره، وَقَالَ أَبُو الطّيب فِي (التعليقة) : طَوَافه زحفا كطوافه مَاشِيا منتصبا، لَا فرق بَينهمَا، وَاعْتَذَرُوا عَن ركُوب سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِأَن النَّاس كَثُرُوا عَلَيْهِ وغشوه بِحَيْثُ إِن الْعَوَاتِق خرجن من الْبيُوت لينظرن إِلَيْهِ، أَو لِأَنَّهُ يستفتى، أَو لِأَنَّهُ كَانَ يشكو كَمَا تقدم، وَاسْتدلَّ المالكيون بِأَن فِي الحَدِيث دلَالَة على طَهَارَة بَوْل الْبَعِير، وَذهب أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي آخَرين إِلَى نَجَاسَته.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَنه إِذا عجز عَن تَقْبِيل الْحجر استلمه بِيَدِهِ أَو بعصا، ثمَّ قبل مَا اسْتَلم بِهِ، كَمَا مر فِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أبي الطُّفَيْل. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَانْفَرَدَ مَالك عَن الْجُمْهُور، فَقَالَ: لَا يقبل يَده، وَإِذا عجز عَن الاستلام أَشَارَ بِيَدِهِ أَو بِمَا فِي يَده، وَلَا يُشِير إِلَى الْقبْلَة بالفم، لِأَنَّهُ لم ينْقل ويراعى ذَلِك فِي كل طوفة، فَإِن لم يفعل فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. قَالَ الْمُهلب: واستلامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالمحجن يدل على أَنه لَيْسَ بِفَرْض، وَإِنَّمَا هُوَ سنة. أَلا ترى إِلَى قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قبَّلك مَا قبَّلتك.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن فِي قَوْله فِي حجَّة الْوَدَاع ردا على من كره تَسْمِيَة حجَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حجَّة الْوَدَاع وَالْمُنكر غالط. وَقَالَ الْمُهلب: وَفِيه: أَنه لَا يجب أَن يطوف أحد فِي وَقت صَلَاة الْجَمَاعَة إلَاّ من وَرَاء النَّاس، وَلَا يطوف بَين الْمُصَلِّين وَبَين الْبَيْت، فيشغل الإِمَام وَالنَّاس ويؤذيهم، وَترك أَذَى الْمُسلم أفضل من صَلَاة الْجَمَاعَة، كَمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أكل من هَذِه الشَّجَرَة فَلَا يقربن مَسْجِدنَا) .
تَابَعَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَن ابْن أخِي الزُّهْرِيِّ عنْ عَمِّهِ
أَي: تَابع يُونُس عَن ابْن شهَاب عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَالرَّاء وَفتح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وَكسر الدَّال، وَقد تقدم فِي: بَاب الصَّلَوَات الْخمس كَفَّارَة، وَهُوَ يرْوى عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن أخي مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَتقدم هُوَ فِي: بَاب إِذا لم يكن الْإِسْلَام على الْحَقِيقَة، وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْحسن: حَدثنَا مُحَمَّد بن عباد الْمَكِّيّ، حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن ابْن أخي الزُّهْرِيّ عَن عَمه عَن عبيد الله (عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَاف بِالْبَيْتِ يسْتَلم الرُّكْن بالمحجن) .
٩٥ - (بابُ مَنْ لَمْ يَسْتَلِمْ إلَاّ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من لم يسْتَلم إلَاّ الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، أَي: دون الرُّكْنَيْنِ الشاميين، وَالْيَاء فِي اليمانيين مُخَفّفَة على الْمَشْهُور، لِأَن الْألف فِيهِ عوض عَن يَاء النِّسْبَة، فَلَو شددت يلْزم الْجمع بَين الْعِوَض والمعوض، وَجوز سِيبَوَيْهٍ التَّشْدِيد، وَقَالَ: إِن الْألف زَائِدَة كَمَا زيدت النُّون فِي صنعاني، وهما: الرُّكْن الْأسود والركن الْيَمَانِيّ الَّذِي يَلِيهِ، فَقيل لَهما: اليمانيان، تَغْلِيبًا، كَمَا يُقَال: الأبوان.
٨٠٦١ - وقالَ محَمَّدُ بنُ بَكْرٍ أخبرَنا ابنُ جُرَيْجٍ أخبرَني عَمْرُو بنُ دِينارٍ عَن أبي الشَّعْثَاءِ أنَّهُ قالَ ومَنْ يَتَّقِي شَيْئا مِنَ البَيْتِ وكانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الأرْكَانَ فَقَالَ لَهُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما إنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هاذَانِ الرُّكْنَانِ فَقَالَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورا وكانَ ابنُ الزُّبَيْرِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَسْتَلمُهُنَّ كُلّهُنَّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يسْتَلم هَذَانِ الركنان) أَي: الركنان الشاميان، فَإِذا لم يستلما ينْحَصر الاستلام على الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، وَهَذَا الحَدِيث مُعَلّق، علقه عَن مُحَمَّد بن بكر البرْسَانِي، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وبالسين الْمُهْملَة وبالنون: نِسْبَة إِلَى برسان، حَيّ من الأزد، وَقد تقدم فِي: بَاب تَضْييع الصَّلَاة، وَهُوَ يرْوى عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز ابْن جريج عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر بن زيد أبي الشعْثَاء، مؤنث الْأَشْعَث، وَقد تقدم فِي: بَاب الْغسْل بالصاع، وَقد وصل هَذَا التَّعْلِيق الإِمَام أَحْمد فِي (مُسْنده) فَقَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق حَدثنَا معمر وَالثَّوْري (و) حَدثنَا روح حَدثنَا الثَّوْريّ عَن ابْن خَيْثَم (عَن أبي الطُّفَيْل، قَالَ: كنت مَعَ ابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة، فَكَانَ مُعَاوِيَة لَا يمر بِرُكْن إلَاّ استلمه، فَقَالَ لَهُ عبد الله بن عَبَّاس: لَا يسْتَلم هَذَا الركنان) (ح) قَالَ: وَحدثنَا روح، حَدثنَا سعيد وَعبد الْوَهَّاب عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أبي الطُّفَيْل (و) حَدثنَا مَرْوَان بن شُجَاع حَدثنِي خصيف عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، فَذكره.
وَأخرجه مُسلم من حَدِيث عَمْرو بن الْحَارِث عَن قَتَادَة دون قصَّة مُعَاوِيَة بِلَفْظ: (لم أرَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْتَلم غير الرُّكْنَيْنِ اليمانيين) ، وَوَصله التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من طَرِيق عبد الله بن عُثْمَان بن خَيْثَم عَن أبي الطُّفَيْل، قَالَ: كنت مَعَ ابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة، فَكَانَ مُعَاوِيَة لَا يمر بِرُكْن إلَاّ استلمه، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يسْتَلم إلَاّ الْحجر واليماني، فَقَالَ مُعَاوِيَة: لَيْسَ شَيْء من الْبَيْت مهجور، أَو روى أَحْمد أَيْضا من طَرِيق شُعْبَة عَن قَتَادَة (عَن أبي الطُّفَيْل، قَالَ: حج مُعَاوِيَة وَابْن عَبَّاس، فَجعل ابْن عَبَّاس يسْتَلم الْأَركان كلهَا، فَقَالَ مُعَاوِيَة إِنَّمَا اسْتَلم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هذَيْن الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَيْسَ من أَرْكَانه شَيْء مهجور) ، قَالَ عبد الله بن أَحْمد فِي (الْعِلَل) : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: قلبه شُعْبَة، يَقُول: النَّاس يخالفونني فِي هَذَا، وَلكنه سمعته من قَتَادَة هَكَذَا. انْتهى. وَقد رَوَاهُ سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة على الصَّوَاب أخرجه أَحْمد أَيْضا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَمن يَتَّقِي شَيْئا؟) كلمة: من، استفهامية على سَبِيل الْإِنْكَار، فَلذَلِك لم يحذف الْيَاء من: يَتَّقِي، وَيجوز أَن تكون شَرْطِيَّة على رِوَايَة من يروي: فَكَانَ مُعَاوِيَة، بِالْفَاءِ، وَذَلِكَ على لُغَة من لَا يُوجب الْجَزْم فِيهِ. قَوْله: (وَكَانَ مُعَاوِيَة يسْتَلم الْأَركان) أَي: الْأَركان الْأَرْبَعَة، أَي: اليمانيان والشاميان، والركن الْأسود فِيهِ فضيلتان: كَون الْحجر الْأسود فِيهِ وَكَونه على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، واليماني فِيهِ الْفَضِيلَة الثَّانِيَة فَقَط. وَأما الشاميان فَلَيْسَ شَيْء من الفضيلتين، فَلِذَا اخْتصَّ الْأسود بشيئين: الاستلام والقبلة، وَأما الْيَمَانِيّ فيستلم وَلَا يقبل، لِأَن فِيهِ فَضِيلَة وَاحِدَة. وَأما الْآخرَانِ فَلَا يستلمان وَلَا يقبلان، وَقَالَ التَّيْمِيّ: الركنان اللَّذَان يليان الْحجر ليسَا بركنين أصليين، لِأَن وَرَاء ذَلِك الْحجر، وَهُوَ من الْبَيْت فَلَو رفع جِدَار الْحجر وَضم إِلَى الْكَعْبَة فِي الْبناء كَمَا كَانَ على بِنَاء إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَكَانَ يستلمان. وَالله أعلم. قَوْله: (إِنَّه) ، أَي: إِن الشان. قَوْله: (لَا يسْتَلم) ، على صِيغَة الْمَجْهُول الْغَائِب، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (لَا نستلم هذَيْن الرُّكْنَيْنِ) ، بالنُّون فِي أَوله على صِيغَة الْمُتَكَلّم. وَقَوله: (هذَيْن الرُّكْنَيْنِ) بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (مَهْجُورًا) ، بِالنّصب وَيجوز رَفعه على أَن يكون صفة لقَوْله: شَيْء. قَوْله: (وَكَانَ ابْن الزبير يستلمهن كُلهنَّ) أَي: وَكَانَ عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يسْتَلم الْأَركان كلهَا، وَهَذَا وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عباد بن عبد الله بن الزبير: أَنه رأى أَبَاهُ عبد الله بن الزبير يسْتَلم الْأَركان كلهَا، وَقَالَ: إِنَّه لَيْسَ شَيْء مِنْهُ مَهْجُورًا وَفِي مُسْند الشَّافِعِي رَحمَه الله أَنبأَنَا مُوسَى الربذي عَن مُحَمَّد بن كَعْب أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يمسح على الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَالْحجر، وَكَانَ ابْن الزبير يمسح الْأَركان كلهَا، وَيَقُول: لَا يَنْبَغِي لبيت الله أَن يكون شَيْء مِنْهُ مَهْجُورًا، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول: لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة، وروى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث ابْن أبي ليلى، عَن عَطاء عَن يعلى بن أُميَّة، وَرَآهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يسْتَلم الْأَركان كلهَا: يَا يعلى مَا نَفْعل؟
قَالَ استلمها كلهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْء من الْبَيْت يهجر، فَقَالَ عمر: أما رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْتَلم مِنْهَا إِلَّا الْحجر؟ قَالَ يعلى: بلَى، قَالَ: فَمَا لَك أُسْوَة؟ قَالَ: بلَى.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث مذهبان: الأول: من يسْتَلم الْأَركان كلهَا، وَهُوَ مَذْهَب مُعَاوِيَة وَعبد الله ابْن الزبير وَجَابِر بن زيد وَعُرْوَة بن الزبير وسُويد بن غَفلَة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهُوَ مَذْهَب جَابر بن عبد الله وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَأنس بن مَالك. الثَّانِي: مَذْهَب ابْن عَبَّاس وَعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ومذهبهما أَنه: لَا يسْتَلم إلَاّ الرُّكْن الْأسود والركن الْيَمَانِيّ، وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة أَيْضا لِأَنَّهُمَا على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَقَالَ أَكثر أهل الْعلم: لَا يسن استلام الرُّكْنَيْنِ الشاميين. وروى ابْن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا ابْن نمير عَن حجاج عَن عَطاء قَالَ: أدْركْت شَيخنَا ابْن عَبَّاس وجابرا وَأَبا هُرَيْرَة وَعبيد بن عُمَيْر لَا يستلمون غَيرهمَا من الْأَركان، يَعْنِي: الْأسود واليماني. قَالَ: وَحدثنَا عبيد الله عَن عُثْمَان بن أبي الْأسود عَن مُجَاهِد، قَالَ: الركنان اللَّذَان يليان الْحجر لَا يستلمان. وَفِي كتاب الْحميدِي، من حَدِيث النَّخعِيّ عَن عَائِشَة مَرْفُوعا: (مَا مَرَرْت بالركن الْيَمَانِيّ قطّ إلَاّ وجدت جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، قَائِما عِنْده) . وَمن حَدِيث الحكم بن أبان عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس مثله، بِزِيَادَة قَوْله: (يَا مُحَمَّد أدن فاستلم) . وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة (وكَلَ الله بِهِ سبعين ألف ملك) . وَفِي حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا: (مسحهما كَفَّارَة للخطايا) ، رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَالله أعلم.
٠٦ - (بابُ تَقْبِيلِ الحَجَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة تَقْبِيل الْحجر وَهُوَ بِفَتْح الْحَاء وَالْجِيم وَهُوَ الْحجر الْأسود.
٠١٦١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ سِنَانٍ قَالَ حدَّثنا يَزيدُ بنُ هَارُونَ قَالَ أخبرَنا ورْقَاءُ قَالَ أخبرنَا زَيْدُ بنُ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ قالَ رَأيْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَبَّلَ الحَجَرَ وَقَالَ لَوْلا أنِّي رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ.
(انْظُر الحَدِيث ٧٩٥١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مر هَذَا الحَدِيث بأتم مِنْهُ فِي: بَاب الرمل فِي الْحَج وَالْعمْرَة. أخرجه عَن سعيد بن أبي مَرْيَم عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه إِلَى آخِره، وَمر أَيْضا فِي: بَاب مَا ذكر فِي الْحجر الْأسود، أخرجه عَن مُحَمَّد ابْن كثير عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَابس بن ربيعَة عَن عمر إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا عَن أَحْمد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى: أَبُو جَعْفَر الْقطَّان الوَاسِطِيّ صَاحب الْمسند إِمَام زَمَانه، مَاتَ بعد البُخَارِيّ سنة تسع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، عَن يزِيد بن هَارُون الوَاسِطِيّ، وَقد مر فِي: بَاب وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء، عَن زيد بن أسلم، بِلَفْظ الْمَاضِي، الحبشي البجاوي، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم: مولى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ زمن عبد الْملك، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
١١٦١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عَنِ الزّبَيْرِ بنِ عَرَبِيٍّ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ اسْتِلامِ الْحَجَرِ فَقَالَ رأيْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَسْتَلِمُهُ ويُقَبِّلُهُ قَالَ قُلْتُ أرَأيْتَ إنْ زُحِمْتُ أرَأيْتَ إنْ غُلِبْتُ قَالَ اجْعَلْ أرَأيْتَ بالْيَمَنِ رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَسْتَلِمُهُ ويُقَبِّلُهُ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٠٦١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: مُسَدّد، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد. الثَّالِث: زبير بن عَرَبِيّ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالراء وبالباء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة ثمَّ يَاء النِّسْبَة، وَوَقع عِنْد الْأصيلِيّ عَن أبي أَحْمد الْجِرْجَانِيّ الزبير بن عدي، بدال مُهْملَة مَكْسُورَة بعْدهَا يَاء مُشَدّدَة. وَقَالَ الغساني هُوَ وهم. الرَّابِع: الرجل الْمَجْهُول ظَاهرا وَلَكِن هُوَ الزبير بن عَرَبِيّ الرَّاوِي، كَذَلِك وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن حَمَّاد حَدثنَا الزبير سَأَلت ابْن عمر.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«لا يَستلم» بفتح المُثنَّاة (١) «هذين الرُّكنين» بالنَّصب على المفعوليَّة، والضَّمير (٢) في «إنَّه» عائدٌ على النَّبيِّ ﷺ، وكذا فاعل «لا يستلم» ضميرٌ يعود (٣) عليه ﷺ، وفي روايةٍ عزاها في «اليونينيَّة» لأبي ذرٍّ عن (٤) الحَمُّويي والمُستملي والأَصيليِّ: «لا تَستلمْ» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وجزم الميم على النَّهي، وفي روايةٍ رابعةٍ: «لا نستلم» بالنُّون بدل (٥) المُثنَّاة؛ بلفظ المتكلِّم (فَقَالَ) معاوية ﵁: (لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا) ولأبي ذرٍّ: «بمهجورٍ» بالمُوحَّدة قبل الميم، وهذا أجاب عنه إمامنا الشَّافعيُّ بأنَّا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت، وكيف نهجره ونحن نطوف به؟! ولكنَّا نتَّبع السُّنَّة فعلًا وتركًا، ولو كان ترك استلامهما هجرًا لكان ترك استلام ما بين الأركان هجرًا له، ولا قائل به، وقال الدَّاوديُّ: ظنَّ معاوية أنَّهما ركنا البيت الذي وُضِع عليه من أوَّل، وليس كذلك لِما سبق في (٦) حديث عائشة.
(وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله، ممَّا وصله ابن أبي شيبة (يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ) أي: الأربعة لأنَّه لمَّا عمَّر الكعبة أتمَّها على قواعد إبراهيم، كذا حمله ابن التِّين، فزال مانع عدم استلام الآخرين، ويؤيِّد هذا الحمل ما أخرجه الأزرقيُّ في «تاريخ مكَّة»: أنَّه لمَّا فرغ من بناء البيت وأدخل فيه من الحجر ما أخرج منه، وردَّ الرُّكنين على قواعد إبراهيم طاف للعمرة واستلم الأركان الأربعة، ولم يزل على بناء ابن الزُّبير، إذا طاف الطَّائف استلمها جميعًا حتَّى قُتِل ابن الزُّبير، ورُوِي أيضًا: أنَّ آدم لمَّا حجَّ استلم الأركان كلَّها، وكذا إبراهيم وإسماعيل.
١٦٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابن سعدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (﵄ قَالَ: لَمْ أَرَ
النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ) لأنَّهما على القواعد الإبراهيميَّة، ففي الرُّكن الأسود فضيلتان: كون الحَجَر فيه، وكونه على القواعد، وفي الثَّاني: الثَّانية فقط؛ ومن ثمَّ خصَّ الأوَّل بمزيد تقبيله دون الثَّاني، وحديث ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قبَّل الرُّكن اليماني ووضع خدَّه عليه، رواه جماعةٌ منهم: ابن المنذر والحاكم وصحَّحه، وضعَّفه بعضهم، وعلى تقدير صحَّته: فهو محمولٌ على الحجر الأسود لأنَّ المعروف أنَّ النَّبيَّ ﷺ استلم الرُّكن اليماني فقط، وإذا استلمه قبَّل يده (١) على الأصحِّ عند الشَّافعيَّة والحنابلة ومحمَّد بن الحسن من الحنفيَّة، وهو المنصوص في «الأمِّ»، ولم يتعرَّض في «المُحرَّر» و «المنهاج» و «الحاوي الصَّغير» لتقبيل اليد، وحديث: أنَّه ﷺ استلم الحجر فقبَّله، واستلم الرُّكن اليماني فقبَّل يده، ضعَّفه البيهقيُّ وغيره، وقال المالكيَّة: يستلمه ويضع يده على فيه ولا يقبِّلها، فإن لم يستطع كبَّر إذا حاذاه ولا يشير إليه بيده، ونصَّ جماعةٌ من متأخِّري الشَّافعيَّة: أنَّه يشير إليه عند العجز عن استلامه، ولم يذكر ذلك النَّوويُّ ولا الرَّافعيُّ، وسكوتهما -كما قال العزُّ بن جماعة-: دليلٌ على عدم الاستحباب، وبه صرَّح بعض متأخِّري الشَّافعيَّة، قال: وهو الذي أَختاره لأنَّه لم يُنقَل عنه ﵊، لكن لا بأس به كتقبيل يده بعد استلامه؛ إذ إنَّهما -أي: الإشارة وتقبيل اليد بعد الاستلام (٢) - ليسا بسنَّةٍ، وكذا تقبيل (٣) الرُّكن لا بأس به كما جزم به (٤) في «الأمِّ»، واستحبَّه (٥) بعض الشَّافعيَّة، ونُقِل عن محمَّد بن الحسن.
(٦٠) (بابُ) مشروعيَّة (تَقْبِيلِ الحَجَرِ) الأسود بوضع الشَّفة عليه من غير تصويتٍ ولا تطنينٍ كما قاله الشَّافعيُّ، وروى الفاكهيُّ من طريق سعيد بن جبيرٍ قال: إذا قبَّلت الرُّكن فلا ترفع بها صوتك كقبلة النِّساء.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (طَاف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع على بعير) قَالَ ابْن بطال: استلامه بالمحجن رَاكِبًا يحْتَمل أَن يكون لشكوى بِهِ. قلت: روى أَبُو دَاوُد: (قدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَكَّة وَهُوَ يشتكي، فَطَافَ على رَاحِلَته، فَلَمَّا أَتَى على الرُّكْن اسْتَلم بمحجن، فَلَمَّا فرغ من طَوَافه أَنَاخَ فصلى رَكْعَتَيْنِ) . وَفِي إِسْنَاده يزِيد بن أبي زِيَاد وَفِيه مقَال. قَوْله: (يسْتَلم) جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (الرُّكْن) أَي: الْحجر الْأسود، وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ أَصْحَابنَا: الْأَفْضَل أَن يطوف مَاشِيا وَلَا يركب إلَاّ لعذر مرض أَو نَحوه، أَو كَانَ مِمَّن يحْتَاج إِلَى ظُهُوره لِيَسْتَفْتِيَ ويقتدي بِهِ، فَإِن كَانَ لغير عذر جَازَ بِلَا كَرَاهَة، لكنه خلاف الأولى، وَقَالَ أَمَام الْحَرَمَيْنِ: من أَدخل الْبَهِيمَة الَّتِي لَا يُؤمن من تلويثها الْمَسْجِد بِشَيْء. فَإِن أمكن الاستيثاق فَذَاك، وإلَاّ فإدخالها الْمَسْجِد مَكْرُوه، وَجزم جمَاعَة من أَصْحَابنَا بِكَرَاهَة الطّواف رَاكِبًا من غير عذر، مِنْهُم الْمَاوَرْدِيّ والبندنيجي وَأَبُو الطّيب والعبدري، وَالْمَشْهُور الأول وَالْمَرْأَة وَالرجل فِي ذَلِك سَوَاء، والمحمول على الأكتاف كالراكب، وَبِه قَالَ أَحْمد وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذر، وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: إِن طَاف رَاكِبًا لعذر أَجزَأَهُ، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ لغير عذر فَعَلَيهِ دم. قَالَ أَبُو حنيفَة: وَإِن كَانَ بِمَكَّة أعَاد الطّواف، فَلَو طَاف زحفا مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام فَهُوَ صَحِيح، لكنه يكره، وَقَالَ أَبُو الطّيب فِي (التعليقة) : طَوَافه زحفا كطوافه مَاشِيا منتصبا، لَا فرق بَينهمَا، وَاعْتَذَرُوا عَن ركُوب سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِأَن النَّاس كَثُرُوا عَلَيْهِ وغشوه بِحَيْثُ إِن الْعَوَاتِق خرجن من الْبيُوت لينظرن إِلَيْهِ، أَو لِأَنَّهُ يستفتى، أَو لِأَنَّهُ كَانَ يشكو كَمَا تقدم، وَاسْتدلَّ المالكيون بِأَن فِي الحَدِيث دلَالَة على طَهَارَة بَوْل الْبَعِير، وَذهب أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي آخَرين إِلَى نَجَاسَته.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَنه إِذا عجز عَن تَقْبِيل الْحجر استلمه بِيَدِهِ أَو بعصا، ثمَّ قبل مَا اسْتَلم بِهِ، كَمَا مر فِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أبي الطُّفَيْل. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَانْفَرَدَ مَالك عَن الْجُمْهُور، فَقَالَ: لَا يقبل يَده، وَإِذا عجز عَن الاستلام أَشَارَ بِيَدِهِ أَو بِمَا فِي يَده، وَلَا يُشِير إِلَى الْقبْلَة بالفم، لِأَنَّهُ لم ينْقل ويراعى ذَلِك فِي كل طوفة، فَإِن لم يفعل فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. قَالَ الْمُهلب: واستلامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالمحجن يدل على أَنه لَيْسَ بِفَرْض، وَإِنَّمَا هُوَ سنة. أَلا ترى إِلَى قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قبَّلك مَا قبَّلتك.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن فِي قَوْله فِي حجَّة الْوَدَاع ردا على من كره تَسْمِيَة حجَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حجَّة الْوَدَاع وَالْمُنكر غالط. وَقَالَ الْمُهلب: وَفِيه: أَنه لَا يجب أَن يطوف أحد فِي وَقت صَلَاة الْجَمَاعَة إلَاّ من وَرَاء النَّاس، وَلَا يطوف بَين الْمُصَلِّين وَبَين الْبَيْت، فيشغل الإِمَام وَالنَّاس ويؤذيهم، وَترك أَذَى الْمُسلم أفضل من صَلَاة الْجَمَاعَة، كَمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أكل من هَذِه الشَّجَرَة فَلَا يقربن مَسْجِدنَا) .
تَابَعَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَن ابْن أخِي الزُّهْرِيِّ عنْ عَمِّهِ
أَي: تَابع يُونُس عَن ابْن شهَاب عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَالرَّاء وَفتح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وَكسر الدَّال، وَقد تقدم فِي: بَاب الصَّلَوَات الْخمس كَفَّارَة، وَهُوَ يرْوى عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن أخي مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَتقدم هُوَ فِي: بَاب إِذا لم يكن الْإِسْلَام على الْحَقِيقَة، وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْحسن: حَدثنَا مُحَمَّد بن عباد الْمَكِّيّ، حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن ابْن أخي الزُّهْرِيّ عَن عَمه عَن عبيد الله (عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَاف بِالْبَيْتِ يسْتَلم الرُّكْن بالمحجن) .
٩٥ - (بابُ مَنْ لَمْ يَسْتَلِمْ إلَاّ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من لم يسْتَلم إلَاّ الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، أَي: دون الرُّكْنَيْنِ الشاميين، وَالْيَاء فِي اليمانيين مُخَفّفَة على الْمَشْهُور، لِأَن الْألف فِيهِ عوض عَن يَاء النِّسْبَة، فَلَو شددت يلْزم الْجمع بَين الْعِوَض والمعوض، وَجوز سِيبَوَيْهٍ التَّشْدِيد، وَقَالَ: إِن الْألف زَائِدَة كَمَا زيدت النُّون فِي صنعاني، وهما: الرُّكْن الْأسود والركن الْيَمَانِيّ الَّذِي يَلِيهِ، فَقيل لَهما: اليمانيان، تَغْلِيبًا، كَمَا يُقَال: الأبوان.
٨٠٦١ - وقالَ محَمَّدُ بنُ بَكْرٍ أخبرَنا ابنُ جُرَيْجٍ أخبرَني عَمْرُو بنُ دِينارٍ عَن أبي الشَّعْثَاءِ أنَّهُ قالَ ومَنْ يَتَّقِي شَيْئا مِنَ البَيْتِ وكانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الأرْكَانَ فَقَالَ لَهُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما إنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هاذَانِ الرُّكْنَانِ فَقَالَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورا وكانَ ابنُ الزُّبَيْرِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَسْتَلمُهُنَّ كُلّهُنَّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يسْتَلم هَذَانِ الركنان) أَي: الركنان الشاميان، فَإِذا لم يستلما ينْحَصر الاستلام على الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، وَهَذَا الحَدِيث مُعَلّق، علقه عَن مُحَمَّد بن بكر البرْسَانِي، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وبالسين الْمُهْملَة وبالنون: نِسْبَة إِلَى برسان، حَيّ من الأزد، وَقد تقدم فِي: بَاب تَضْييع الصَّلَاة، وَهُوَ يرْوى عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز ابْن جريج عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر بن زيد أبي الشعْثَاء، مؤنث الْأَشْعَث، وَقد تقدم فِي: بَاب الْغسْل بالصاع، وَقد وصل هَذَا التَّعْلِيق الإِمَام أَحْمد فِي (مُسْنده) فَقَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق حَدثنَا معمر وَالثَّوْري (و) حَدثنَا روح حَدثنَا الثَّوْريّ عَن ابْن خَيْثَم (عَن أبي الطُّفَيْل، قَالَ: كنت مَعَ ابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة، فَكَانَ مُعَاوِيَة لَا يمر بِرُكْن إلَاّ استلمه، فَقَالَ لَهُ عبد الله بن عَبَّاس: لَا يسْتَلم هَذَا الركنان) (ح) قَالَ: وَحدثنَا روح، حَدثنَا سعيد وَعبد الْوَهَّاب عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أبي الطُّفَيْل (و) حَدثنَا مَرْوَان بن شُجَاع حَدثنِي خصيف عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، فَذكره.
وَأخرجه مُسلم من حَدِيث عَمْرو بن الْحَارِث عَن قَتَادَة دون قصَّة مُعَاوِيَة بِلَفْظ: (لم أرَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْتَلم غير الرُّكْنَيْنِ اليمانيين) ، وَوَصله التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من طَرِيق عبد الله بن عُثْمَان بن خَيْثَم عَن أبي الطُّفَيْل، قَالَ: كنت مَعَ ابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة، فَكَانَ مُعَاوِيَة لَا يمر بِرُكْن إلَاّ استلمه، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يسْتَلم إلَاّ الْحجر واليماني، فَقَالَ مُعَاوِيَة: لَيْسَ شَيْء من الْبَيْت مهجور، أَو روى أَحْمد أَيْضا من طَرِيق شُعْبَة عَن قَتَادَة (عَن أبي الطُّفَيْل، قَالَ: حج مُعَاوِيَة وَابْن عَبَّاس، فَجعل ابْن عَبَّاس يسْتَلم الْأَركان كلهَا، فَقَالَ مُعَاوِيَة إِنَّمَا اسْتَلم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هذَيْن الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَيْسَ من أَرْكَانه شَيْء مهجور) ، قَالَ عبد الله بن أَحْمد فِي (الْعِلَل) : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: قلبه شُعْبَة، يَقُول: النَّاس يخالفونني فِي هَذَا، وَلكنه سمعته من قَتَادَة هَكَذَا. انْتهى. وَقد رَوَاهُ سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة على الصَّوَاب أخرجه أَحْمد أَيْضا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَمن يَتَّقِي شَيْئا؟) كلمة: من، استفهامية على سَبِيل الْإِنْكَار، فَلذَلِك لم يحذف الْيَاء من: يَتَّقِي، وَيجوز أَن تكون شَرْطِيَّة على رِوَايَة من يروي: فَكَانَ مُعَاوِيَة، بِالْفَاءِ، وَذَلِكَ على لُغَة من لَا يُوجب الْجَزْم فِيهِ. قَوْله: (وَكَانَ مُعَاوِيَة يسْتَلم الْأَركان) أَي: الْأَركان الْأَرْبَعَة، أَي: اليمانيان والشاميان، والركن الْأسود فِيهِ فضيلتان: كَون الْحجر الْأسود فِيهِ وَكَونه على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، واليماني فِيهِ الْفَضِيلَة الثَّانِيَة فَقَط. وَأما الشاميان فَلَيْسَ شَيْء من الفضيلتين، فَلِذَا اخْتصَّ الْأسود بشيئين: الاستلام والقبلة، وَأما الْيَمَانِيّ فيستلم وَلَا يقبل، لِأَن فِيهِ فَضِيلَة وَاحِدَة. وَأما الْآخرَانِ فَلَا يستلمان وَلَا يقبلان، وَقَالَ التَّيْمِيّ: الركنان اللَّذَان يليان الْحجر ليسَا بركنين أصليين، لِأَن وَرَاء ذَلِك الْحجر، وَهُوَ من الْبَيْت فَلَو رفع جِدَار الْحجر وَضم إِلَى الْكَعْبَة فِي الْبناء كَمَا كَانَ على بِنَاء إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَكَانَ يستلمان. وَالله أعلم. قَوْله: (إِنَّه) ، أَي: إِن الشان. قَوْله: (لَا يسْتَلم) ، على صِيغَة الْمَجْهُول الْغَائِب، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (لَا نستلم هذَيْن الرُّكْنَيْنِ) ، بالنُّون فِي أَوله على صِيغَة الْمُتَكَلّم. وَقَوله: (هذَيْن الرُّكْنَيْنِ) بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (مَهْجُورًا) ، بِالنّصب وَيجوز رَفعه على أَن يكون صفة لقَوْله: شَيْء. قَوْله: (وَكَانَ ابْن الزبير يستلمهن كُلهنَّ) أَي: وَكَانَ عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يسْتَلم الْأَركان كلهَا، وَهَذَا وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عباد بن عبد الله بن الزبير: أَنه رأى أَبَاهُ عبد الله بن الزبير يسْتَلم الْأَركان كلهَا، وَقَالَ: إِنَّه لَيْسَ شَيْء مِنْهُ مَهْجُورًا وَفِي مُسْند الشَّافِعِي رَحمَه الله أَنبأَنَا مُوسَى الربذي عَن مُحَمَّد بن كَعْب أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يمسح على الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَالْحجر، وَكَانَ ابْن الزبير يمسح الْأَركان كلهَا، وَيَقُول: لَا يَنْبَغِي لبيت الله أَن يكون شَيْء مِنْهُ مَهْجُورًا، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول: لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة، وروى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث ابْن أبي ليلى، عَن عَطاء عَن يعلى بن أُميَّة، وَرَآهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يسْتَلم الْأَركان كلهَا: يَا يعلى مَا نَفْعل؟
قَالَ استلمها كلهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْء من الْبَيْت يهجر، فَقَالَ عمر: أما رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْتَلم مِنْهَا إِلَّا الْحجر؟ قَالَ يعلى: بلَى، قَالَ: فَمَا لَك أُسْوَة؟ قَالَ: بلَى.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث مذهبان: الأول: من يسْتَلم الْأَركان كلهَا، وَهُوَ مَذْهَب مُعَاوِيَة وَعبد الله ابْن الزبير وَجَابِر بن زيد وَعُرْوَة بن الزبير وسُويد بن غَفلَة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهُوَ مَذْهَب جَابر بن عبد الله وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَأنس بن مَالك. الثَّانِي: مَذْهَب ابْن عَبَّاس وَعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ومذهبهما أَنه: لَا يسْتَلم إلَاّ الرُّكْن الْأسود والركن الْيَمَانِيّ، وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة أَيْضا لِأَنَّهُمَا على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَقَالَ أَكثر أهل الْعلم: لَا يسن استلام الرُّكْنَيْنِ الشاميين. وروى ابْن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا ابْن نمير عَن حجاج عَن عَطاء قَالَ: أدْركْت شَيخنَا ابْن عَبَّاس وجابرا وَأَبا هُرَيْرَة وَعبيد بن عُمَيْر لَا يستلمون غَيرهمَا من الْأَركان، يَعْنِي: الْأسود واليماني. قَالَ: وَحدثنَا عبيد الله عَن عُثْمَان بن أبي الْأسود عَن مُجَاهِد، قَالَ: الركنان اللَّذَان يليان الْحجر لَا يستلمان. وَفِي كتاب الْحميدِي، من حَدِيث النَّخعِيّ عَن عَائِشَة مَرْفُوعا: (مَا مَرَرْت بالركن الْيَمَانِيّ قطّ إلَاّ وجدت جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، قَائِما عِنْده) . وَمن حَدِيث الحكم بن أبان عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس مثله، بِزِيَادَة قَوْله: (يَا مُحَمَّد أدن فاستلم) . وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة (وكَلَ الله بِهِ سبعين ألف ملك) . وَفِي حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا: (مسحهما كَفَّارَة للخطايا) ، رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَالله أعلم.
٠٦ - (بابُ تَقْبِيلِ الحَجَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة تَقْبِيل الْحجر وَهُوَ بِفَتْح الْحَاء وَالْجِيم وَهُوَ الْحجر الْأسود.
٠١٦١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ سِنَانٍ قَالَ حدَّثنا يَزيدُ بنُ هَارُونَ قَالَ أخبرَنا ورْقَاءُ قَالَ أخبرنَا زَيْدُ بنُ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ قالَ رَأيْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَبَّلَ الحَجَرَ وَقَالَ لَوْلا أنِّي رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ.
(انْظُر الحَدِيث ٧٩٥١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مر هَذَا الحَدِيث بأتم مِنْهُ فِي: بَاب الرمل فِي الْحَج وَالْعمْرَة. أخرجه عَن سعيد بن أبي مَرْيَم عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه إِلَى آخِره، وَمر أَيْضا فِي: بَاب مَا ذكر فِي الْحجر الْأسود، أخرجه عَن مُحَمَّد ابْن كثير عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَابس بن ربيعَة عَن عمر إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا عَن أَحْمد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى: أَبُو جَعْفَر الْقطَّان الوَاسِطِيّ صَاحب الْمسند إِمَام زَمَانه، مَاتَ بعد البُخَارِيّ سنة تسع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، عَن يزِيد بن هَارُون الوَاسِطِيّ، وَقد مر فِي: بَاب وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء، عَن زيد بن أسلم، بِلَفْظ الْمَاضِي، الحبشي البجاوي، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم: مولى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ زمن عبد الْملك، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
١١٦١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عَنِ الزّبَيْرِ بنِ عَرَبِيٍّ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ اسْتِلامِ الْحَجَرِ فَقَالَ رأيْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَسْتَلِمُهُ ويُقَبِّلُهُ قَالَ قُلْتُ أرَأيْتَ إنْ زُحِمْتُ أرَأيْتَ إنْ غُلِبْتُ قَالَ اجْعَلْ أرَأيْتَ بالْيَمَنِ رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَسْتَلِمُهُ ويُقَبِّلُهُ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٠٦١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: مُسَدّد، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد. الثَّالِث: زبير بن عَرَبِيّ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالراء وبالباء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة ثمَّ يَاء النِّسْبَة، وَوَقع عِنْد الْأصيلِيّ عَن أبي أَحْمد الْجِرْجَانِيّ الزبير بن عدي، بدال مُهْملَة مَكْسُورَة بعْدهَا يَاء مُشَدّدَة. وَقَالَ الغساني هُوَ وهم. الرَّابِع: الرجل الْمَجْهُول ظَاهرا وَلَكِن هُوَ الزبير بن عَرَبِيّ الرَّاوِي، كَذَلِك وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن حَمَّاد حَدثنَا الزبير سَأَلت ابْن عمر.