الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٥٣
الحديث رقم ١٦٥٣ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أين يصلي الظهر يوم التروية.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٦٥٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ:
دخل أعرابيٌّ مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يوم جمعة من بابٍ غربي المسجد تجاه بيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل الرجل النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، هلكت المواشي، وتقطعت السبل بموت البهائم التي تنقل الناس أو ضعفها من الجوع، فادع الله أن يسقينا المطر.
فرفع صلى الله عليه وسلم يديه، ثم قال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: والله ما نرى في السماء ولا قطعة من غيم، وما بيننا في المسجد وبين جبل سلع غربي المسجد حيث يأتي من جهته السحاب من بيت ولا دار يحجبهم عن رؤيته.
قال أنس رضي الله عنه: فطلعت من ورائه سحابة مستديرة مثل التُّرْس وهو الصَفِيْحة الصغيرة، فلما توسطت سماء المدينة انتشرت، ثم أمطرت، فوالله، ما رأينا الشمس من المطر حتى الجمعة الأخرى، حيث دخل ذلك الرجل من ذلك الباب، وهو صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسك المطر عنا.
قال: فرفع صلى الله عليه وسلم يديه، ثم قال: اللهم اصرف المطر حوالينا ولا علينا، اللهم على ما ارتفع من الأرض كالتَّلِّ، والجبل الصغير، وبطون الأودية، ومنابت الشجر.
قال أنس: فانقطعت السحابة الماطرة، وخرجنا نمشي في الشمس.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ فَذَكَرَ قِصَّةَ فَسْخِهِمُ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَقِصَّةَ عَائِشَةَ لَمَّا حَاضَتْ وَفِيهِ ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَزَادَ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ وَفِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ عِنْدَهُ نَحْوَهُ.
(تَنْبِيهٌ): يَوْمُ التَّرْوِيَةِ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ، لِابْنِ عُمَرَ إِلَخْ) وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَوَائِلِ الطَّهَارَةِ فِي اللِّبَاسِ بِأَتَمَّ مِنْ سِيَاقِهِ هُنَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: وَجْهُ احْتِجَاجِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يُهِلُّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِذَا كَانَ بِمَكَّةَ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ وَلَا كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ ﷺ أَهَلَّ مِنْ مِيقَاتِهِ مِنْ حِينِ ابْتِدَائِهِ فِي عَمَلِ حَجَّتِهِ وَاتَّصَلَ لَهُ عَمَلُهُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُكْثٌ رُبَّمَا انْقَطَعَ بِهِ الْعَمَلُ. فَكَذَلِكَ الْمَكِّيُّ إِذَا أَهَلَّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ اتَّصَلَ عَمَلُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَهَلَّ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يُهِلُّ أَحَدٌ مِنْ مَكَّةَ بِالْحَجِّ حَتَّى يُرِيدَ الرَّوَاحَ إِلَى مِنًى.
٨٣ - بَاب أَيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ
١٦٥٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ بِالْأَبْطَحِ ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.
[الحديث ١٦٥٣ - طرفاه في: ١٦٥٤، ١٧٦٣]
١٦٥٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ لَقِيتُ أَنَسًا ح و حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ "خَرَجْتُ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَلَقِيتُ أَنَسًا ﵁ ذَاهِبًا عَلَى حِمَارٍ فَقُلْتُ أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْيَوْمَ الظُّهْرَ فَقَالَ انْظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلِّ"
قَوْلُهُ: (بَابُ أَيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) أَيْ يَوْمَ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَسُمِّيَ التَّرْوِيَةَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْوُونَ فِيهَا إِبِلَهُمْ وَيَتَرَوُّونَ مِنَ الْمَاءِ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَمَاكِنَ لَمْ تَكُنْ إِذْ ذَاكَ فِيهَا آبَارٌ وَلَا عُيُونٌ وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ كَثُرَتْ جِدًّا وَاسْتَغْنَوْا عَنْ حَمْلِ الْمَاءِ. وَقَدْ رَوَى الْفَاكِهِيُّ فِي: كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: يَا مُجَاهِدُ، إِذَا رَأَيْتَ الْمَاءَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَرَأَيْتَ الْبِنَاءَ يَعْلُو أَخَاشِبَهَا فَخُذْ حِذْرَكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ أَظَلَّكَ. وَقِيلَ فِي تَسْمِيَتِهِ التَّرْوِيَةَ أَقْوَالٌ أُخْرى شَاذَّةٌ مِنْهَا: أَنَّ آدَمَ رَأَى فِيهِ حَوَّاءَ وَاجْتَمَعَ بِهَا، وَمِنْهَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ رَأَى فِي لَيْلَتِهِ أَنَّهُ يَذْبَحُ ابْنَهُ فَأَصْبَحَ مُتَفَكِّرًا يَتَرَوَّى، وَمِنْهَا أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَرَى فِيهِ إِبْرَاهِيمَ مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَمِنْهَا أَنَّ الْإِمَامَ يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهِ مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَوَجْهُ شُذُوذِهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنَ الْأَوَّلِ لَكَانَ يَوْمَ الرُّؤْيَةِ، أَوِ الثَّانِي لَكَانَ يَوْمَ التَّرَوِّي بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ، أَوْ مِنَ الثَّالِثِ لَكَانَ مِنَ الرُّؤْيَا، أَوْ مِنَ الرَّابِعِ لَكَانَ مِنَ الرِّوَايَةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ، وَإِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ: صَحِيحٌ يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، يَعْنِي أَنَّ إِسْحَاقَ تَفَرَّدَ بِهِ، وَأَظُنُّ أَنَّ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ أَرْدَفَهُ الْبُخَارِيُّ بِطَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ
وَرِوَايَةُ أَبِي بَكْرٍ وَإِنْ كَانَ قَصَّرَ فِيهَا كَمَا سَنُوَضِّحُهُ لَكِنَّهَا مُتَابِعَةٌ قَوِيَّةٌ لِطَرِيقِ إِسْحَاقَ وَقَدْ وَجَدْنَا لَهُ شَوَاهِدَ مِنْهَا، مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَّلُوا بِالْحَجِّ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ. الْحَدِيثَ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى خَمْسَ صَلَوَاتٍ. وَلَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ - إِذَا اسْتَطَاعَ - أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِمِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةَ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي: الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ مَوْقُوفًا، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ الظُّهْرَ وَمَا بَعْدَهَا وَالْفَجْرَ بِمِنًى ثُمَّ يَغْدُونَ إِلَى عَرَفَةَ.
قَوْلُهُ: (يَوْمَ النَّفْرِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْفَاءِ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَقَدْ سَاقَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ عَلَى لَفْظِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبَانَ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ طَرِيقَ عَلِيٍّ لِتَصْرِيحِهِ فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ ابْنُ رَفِيعٍ.
قَوْلُهُ: (فَلَقِيتُ أَنَسًا ذَاهِبًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ رَاكِبًا.
قَوْلُهُ: (انْظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلِّ) هَذَا فِيهِ اخْتِصَارٌ يُوَضِّحُهُ رِوَايَةُ سُفْيَانَ وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بَيَّنَ لَهُ الْمَكَانَ الَّذِي صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ مِنًى كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ خَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى ذَلِكَ فَيُنْسَبَ إِلَى الْمُخَالَفَةِ أَوْ تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَقَالَ لَهُ صَلِّ مَعَ الْأُمَرَاءِ حَيْثُ يُصَلُّونَ. وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأُمَرَاءَ إِذْ ذَاكَ كَانُوا لَا يُوَاظِبُونَ عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ فَأَشَارَ أَنَسٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ الِاتِّبَاعُ أَفْضَلَ، وَلَمَّا خَلَتْ رِوَايَةُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عنِ الْقَدْرِ الْمَرْفُوعِ وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْهُ وَهَمٌ، فَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَيَانٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ هَذَا الْيَوْمَ؟ قَالَ: صَلَّى حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: قَوْلُهُ صَلَّى غَلَطٌ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَتْ صَلِّ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ كَغَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ فَأَشْبَعَ النَّاسِخُ اللَّامَ فَكَتَبَ بَعْدَهَا يَاءً فَقَرَأَهَا الرَّاوِي بِفَتْحِ اللَّامِ. وَأَغْرَبَ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ فَحَذَفَ لَفْظَ فَصَلِّ مِنْ آخِرِ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ فَصَارَ ظَاهِرُهُ أَنَّ أَنَسًا أَخْبَرَ أَنَّهُ صَلَّى حَيْثُ يُصَلِّي الْأُمَرَاءُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَهَذَا بِعَيْنِهِ الَّذِي أَطْلَقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّهُ غَلَطٌ. وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ فِي: الْأَطْرَافِ: جَوَّدَ إِسْحَاقُ، عَنْ سُفْيَانَ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يُجَوِّدْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ.
قُلْتُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ عُذْرَ الْبُخَارِيِّ فِي تَخْرِيجِهِ وَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ دَفْعَ مَنْ يَتَوَقَّفُ فِي تَصْحِيحِهِ لِتَفَرُّدِ إِسْحَاقَ بِهِ عَنْ سُفْيَانَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْبَابِ زِيَادَةُ لَفْظَةٍ لَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهَا سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْ إِسْحَاقَ وَهِيَ قَوْلُهُ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ؟ فَإِنَّ لَفْظَ الْعَصْرَ لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ فَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الْحَجِّ عَنْ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ إِسْحَاقَ نَفْسِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَزِيرٍ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعْدَانَ بْنِ يَزِيدَ، وَابْنُ الْجَارُودِ فِي: الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَزِيرٍ، وَسَمُّوَيْهِ فِي فَوَائِدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بُنْدَارٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ بُنْدَارٍ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ كُلُّهُمْ - وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ نَفْسًا - عَنْ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي رِوَايَتِهِ وَالْعَصْرَ وَادَّعَى الدَّاوُدِيُّ أَنْ ذِكْرَ الْعَصْرِ هُنَا وَهَمٌ وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْعَصْرُ فِي النَّفَرِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْعَصْرَ مَذْكُورٌ فِي هَذِهِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٦٥٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ) هو ابن يوسف قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضمِّ الرَّاء وفتح الفاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره عينٌ مهملةٌ (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁) قال: (قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ) بفتح القاف، أي: أدركته وفقهته (١)، جملةٌ في موضع جرٍّ صفةٌ (٢) لقوله: «بشيءٍ» (عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «رسول الله» (٣) (ﷺ، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ) أنسٌ: صلَّاهما (بِمِنًى) اتَّفق الأربعة على استحبابه (قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ) الأوَّل؟ بفتح النُّون وسكون الفاء: الرُّجوع من منًى (قَالَ) أنسٌ: صلَّاها (بِالأَبْطَحِ) هو المُحصَّب (ثُمَّ قَالَ) أنسٌ: (افْعَلْ كَمَا (٤) يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ) صلِّ حيث يصلُّون، وفيه: إشارةٌ إلى الجواز، وأنَّ الأمراء إذ ذاك ما كانوا يواظبون على صلاة الظُّهر ذلك اليوم بمكانٍ مُعيَّنٍ.
وفي هذا الحديث: التَّحديث بلفظ الإفراد والجمع والعنعنة والقول والسُّؤال، ورواته ما بين بخاريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وليس لعبد العزيز بن رُفَيعٍ عن أنسٍ في «الصَّحيحين» (٥) إلَّا هذا الحديث. وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٧٦٣] وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وقد قال التِّرمذيُّ بعد أن أخرجه: صحيحٌ مستغربٌ من حديث إسحاق الأزرق عن الثَّوريِّ، قال في «الفتح»: يعني (٦) أنَّ إسحاق تفرَّد به، وله شواهد؛ منها: في حديث جابرٍ الطَّويل عند مسلمٍ:
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بِظهْرٍ لَبَّيْنَا بالحَجِّ
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لبينا) ، فَإِنَّهُ جملَة حَالية وَمَعْنَاهَا: جعلنَا مَكَّة من وَرَاءَنَا فِي يَوْم التَّرويَة حَال كوننا ملبين بِالْحَجِّ، فَعلم أَنهم حِين الْخُرُوج مِنْهَا كَانُوا محرمين. قَوْله: (وَقَالَ عبد الْملك) ، قَالَ الْكرْمَانِي: عبد الْملك هَذَا هُوَ ابْن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَنه هُوَ عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان. قلت: يحْتَمل كلا مِنْهُمَا، وَلَكِن هَذَا وَصله مُسلم من طَرِيق عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان الْعَرْزَمِي عَن عَطاء بن أبي رَبَاح (عَن جَابر: أَهْلَلْنَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْحَجِّ، فَلَمَّا قدمنَا مَكَّة أمرنَا أَن نحل ونجعلها عمْرَة، فَكبر ذَلِك علينا) الحَدِيث، وَفِيه: (حَتَّى إِذا كَانَ يَوْم التَّرويَة وَجَعَلنَا مَكَّة بِظهْر أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ) . قَوْله: (حَتَّى يَوْم التَّرويَة) ، يَوْم، مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة، أَي: حَتَّى فِي يَوْم التَّرويَة. قَوْله: (بِظهْر) أَي: جعلنَا مَكَّة وَرَاء ظُهُورنَا.
وَقَالَ أبُو الزُّبَيْرِ عنْ جابِرٍ أهْلَلْنَا مِنَ البَطْحَاءِ
أَبُو الزبير هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن تدرس، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَضم الرَّاء وَفِي آخِره سين مُهْملَة، الْمَكِّيّ، وَقد مر فِي: بَاب من شكا إِمَامه، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله أَحْمد فِي (مُسْنده) وَمُسلم فِي (صَحِيحه) من طَرِيق ابْن جريج عَنهُ (عَن جَابر، قَالَ: أمرنَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَحللنَا أَن نحرم إِذا توجهنا إِلَى منى، قَالَ: فأهللنا من الأبطح) .
وَقَالَ عُبَيْدُ بنُ جُرَيْجٍ لإبنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا رَأيْتُكَ إذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أهَلَّ النَّاسَ إذَا رَأوُا الْهِلَالَ ولَمْ تُهِلَّ أنْتَ حَتَّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَقال لَمْ أرَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ
عبيد بِضَم الْعين، وجريج بِضَم الْجِيم مر ذكره فِي: بَاب غسل الرجلَيْن فِي النَّعْلَيْنِ فِي كتاب الْوضُوء، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي: بَاب غسل الرجلَيْن فِي النَّعْلَيْنِ مطولا، فَقَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف، قَالَ: أخبرنَا مَالك عَن سعيد المَقْبُري عَن عبيد بن جريج أَنه قَالَ لعبد الله بن عمر: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن! رَأَيْتُك تصنع أَرْبعا ... الحَدِيث، وَقَالَ ابْن بطال: أما وَجه احتجاج ابْن عمر بإهلال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِذِي الحليفة، وَهُوَ غير مكي، على من أنشأ الْحَج من مَكَّة، أَنه يجب أَن يهل يَوْم التَّرويَة، وَهِي قصَّة أُخْرَى، فَوجه ذَلِك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل من مِيقَاته فِي حِين ابْتِدَائه فِي عمل حجَّته من أصل عمله، وَلم يكن فيهمَا مكث يقطع بِهِ الْعَمَل، فَكَذَلِك الْمَكِّيّ لَا يهل إلَاّ يَوْم التَّرويَة الَّذِي هُوَ أول عمله ليتصل لَهُ عمله تأسيا برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِخِلَاف مَا لَو أهل من أول الشَّهْر، وَقد قَالَ ابْن عَبَّاس: لَا يهل أحد من مَكَّة بِالْحَجِّ حَتَّى يُرِيد الرواح إِلَى منى، وَالله أعلم.
٣٨ - (بابٌ أيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يبين فِيهِ أَيْن يُصَلِّي الظّهْر، أَي: فِي أَي مَكَان يُصَلِّي صَلَاة الظّهْر يَوْم التَّرويَة، وَهُوَ الْيَوْم الثَّامِن من ذِي الْحجَّة، والتروية، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْوَاو وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: سميت بذلك لأَنهم كَانُوا يتروون بِحمْل المَاء مَعَهم من مَكَّة إِلَى عَرَفَات، وَقيل: إِلَى منى، وَقيل: لِأَن آدم، عَلَيْهِ السَّلَام، رأى فِيهِ حَوَّاء، عَلَيْهَا السَّلَام، وَقيل: لِأَن جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام أرى فِيهِ إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام،، الْمَنَاسِك، وَقيل: لأَنهم كَانُوا يروون إبلهم فِيهِ، وَقيل: لِأَن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام، رأى تِلْكَ اللَّيْلَة فِي مَنَامه أَنه يذبح وَلَده بِأَمْر الله تَعَالَى، فَلَمَّا أصبح كَانَ يروي فِي النَّهَار كُله، أَي: يتفكر. وَقيل: هُوَ من الرِّوَايَة، لِأَن الإِمَام يروي للنَّاس مناسكهم. قلت: ذكره الْجَوْهَرِي فِي: بَاب روى، معتل الْعين وَاللَّام، وَذكر فِيهِ مواد كَثِيرَة، ثمَّ قَالَ: وَسمي يَوْم التَّرويَة لأَنهم كَانُوا يرتوون فِيهِ من المَاء لما بعد، وَيكون أَصله من: رويت من المَاء بِالْكَسْرِ أوري ريا وريا، وروى أَيْضا مثل، رَضِي وَتَكون التَّرويَة مصدرا من بَاب التفعيل، تَقول: رويته المَاء تروية، وَأما قَول من قَالَ: لِأَن آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، رأى فِيهِ حَوَّاء فَغير صَحِيح من حَدِيث الِاشْتِقَاق، لِأَن رأى الَّذِي هُوَ من الرُّؤْيَة مَهْمُوز الْعين معتل اللَّام، نعم، جَاءَ من هَذَا الْبَاب ترئية وترية، وَلم يَجِيء: تروية فَالْأول من قَوْلك: رَأَتْ الْمَرْأَة ترئية إِذا رَأَتْ الدَّم الْقَلِيل عِنْد الْحيض، وَالثَّانِي اسْم الْخِرْقَة الَّتِي تعرف بهَا الْمَرْأَة حَيْضهَا من طهرهَا، وَأما بَقِيَّة الْأَقْوَال فكون أَصْلهَا من الرُّؤْيَة غير مستبعد، وَلَكِن لم يجىء لفظ التَّرويَة مِنْهَا لعدم الْمُنَاسبَة بَينهمَا فِي الِاشْتِقَاق. وَأما قَول من قَالَ: هُوَ من الرِّوَايَة، فبعيد جدا لِأَنَّهُ لم يَجِيء تروية من هَذَا الْبَاب لعدم الِاشْتِقَاق بَينهمَا، وَقَالَ بَعضهم: قيل فِي تَسْمِيَة التَّرويَة أَقْوَال شَاذَّة، وَذكر هَذِه الْأَقْوَال. قلت: هَذَا يدل على أَن أَصْلهَا صَحِيح فِي الِاشْتِقَاق، لِأَن الشاذ مَا يكثر اسْتِعْمَاله، وَلكنه على خلاف الْقيَاس، وَلَكِن هَذَا الْقَائِل لَو عرف الِاشْتِقَاق بَين الْمصدر وَالْأَفْعَال الَّتِي تشتق مِنْهُ لما صدر مِنْهُ هَذَا الْكَلَام فِي غير تَأمل وترو.
٣٥٦١ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا إسْحَاقُ الأزْرَقُ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ قَالَ سَألْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قُلْتُ أخْبِرْنِي بِشِيْءٍ عَقَلْتَهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ قَالَ بِمِنًى قُلْتُ فأيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ قَالَ بِالأبْطَحِ ثُمَّ قالَ افْعَلْ كَما يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي. الثَّانِي: إِسْحَاق بن يُوسُف الْأَزْرَق، مَاتَ سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: سُفْيَان الثَّوْريّ. الرَّابِع: عبد الْعَزِيز بن رفيع، بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره عين مُهْملَة، قد مر فِي أَبْوَاب الطّواف. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وبصيغة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: أَن شَيْخه بخاري وَأَنه من أَفْرَاده وَإِسْحَاق واسطي وسُفْيَان كُوفِي وَعبد الْعَزِيز مكي سكن الْكُوفَة، رَحمَه الله. وَفِيه: أَنه لَيْسَ لعبد الْعَزِيز بن رفيع عَن أنس فِي (الصَّحِيحَيْنِ) إلَاّ هَذَا الْوَاحِد.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَعَن عَليّ وَإِسْمَاعِيل بن أبان، وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع وَمُحَمّد بن الْوَزير الوَاسِطِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عقلته) ، أَي: أَدْرَكته وفهمته، وَهِي جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا وَقعت صفة لقَوْله: شَيْء. قَوْله: (أَيْن صلى الظّهْر) ، يَعْنِي فِي: أَي مَكَان صلاهَا. قَوْله: (قَالَ: بمنى) أَي: صلاهَا بمنى. قَوْله: (يَوْم النَّفر) ، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْفَاء، وَهُوَ الرُّجُوع من منى. قَوْله: (بِالْأَبْطح) هُوَ مَكَان متسع بَين مَكَّة وَمنى، وَالْمرَاد بِهِ: المحصب. قَوْله: (ثمَّ قَالَ) ، أَي: أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: إستحباب إِقَامَة صَلَاة الظّهْر وَالْعصر يَوْم التَّرويَة بمنى لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَى منى قبل الظّهْر وَصلى فِيهِ الظّهْر وَالْعصر، وَذكر أَبُو سعد النَّيْسَابُورِي فِي (كتاب شرف الْمُصْطَفى) : أَن خُرُوجه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم التَّرويَة كَانَ ضحى. وَفِي سيرة الملاّ: أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خرج إِلَى منى بَعْدَمَا زاغت الشَّمْس. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) لأبي عبد الله الْقُرْطُبِيّ: خرج، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى منى عَشِيَّة يَوْم التَّرويَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيكون خُرُوجهمْ بعد صَلَاة الصُّبْح بِمَكَّة حَيْثُ يصلونَ الظّهْر فِي أول وَقتهَا، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور من نُصُوص الشَّافِعِي. وَفِيه: قَول ضَعِيف أَنهم يصلونَ الظّهْر بِمَكَّة ثمَّ يخرجُون، وَفِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل عِنْد مُسلم: (فَلَمَّا كَانَ يَوْم التَّرويَة توجهوا إِلَى منى فأهلُّوا بِالْحَجِّ، وَركب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فصلى بهَا الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء وَالْفَجْر. .) الحَدِيث، وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَأحمد وَالْحَاكِم، من حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَالَ: (صلى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الظّهْر يَوْم التَّرويَة، وَالْفَجْر يَوْم عَرَفَة بمنى) ، وَلأَحْمَد من حَدِيثه: (صلى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بمنى خمس صلوَات) ، وَلأَحْمَد عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يحب إِذا اسْتَطَاعَ أَن يُصَلِّي الظّهْر بمنى، يَوْم التَّرويَة، وَذَلِكَ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى الظّهْر بمنى، وَحَدِيث ابْن عمر فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن نَافِع عَنهُ مَوْقُوف، وَلابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم من طَرِيق الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد عَن عبد الله بن الزبير قَالَ: من سنة الْحَج أَن يُصَلِّي الإِمَام الظّهْر وَمَا بعْدهَا، وَالْفَجْر بمنى، ثمَّ يَغْدُونَ إِلَى عَرَفَة، وَقَالَ الْمُهلب: النَّاس فِي سَعَة من هَذَا يخرجُون مَتى أَحبُّوا وَيصلونَ حَيْثُ أمكنهم، وَلذَلِك قَالَ أنس: صلى حَيْثُ يُصَلِّي أمراؤك، وَالْمُسْتَحب فِي ذَلِك مَا فعله الشَّارِع، صلى الظّهْر وَالْعصر بمنى، وَهُوَ قَول مَالك وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر. وَقَالَ ابْن حبيب: إِذا مَالَتْ الشَّمْس يطوف سبعا ويركع وَيخرج، وَإِن خرج قبل ذَلِك فَلَا حرج، وَعَادَة أهل مَكَّة أَن يخرجُوا إِلَى منى بعد صَلَاة الْعشَاء، وَكَانَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، تخرج ثلث اللَّيْل، وَهَذَا يدل على التَّوسعَة، وَكَذَلِكَ الْمبيت عَن منى لَيْلَة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ فَذَكَرَ قِصَّةَ فَسْخِهِمُ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَقِصَّةَ عَائِشَةَ لَمَّا حَاضَتْ وَفِيهِ ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَزَادَ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ وَفِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ عِنْدَهُ نَحْوَهُ.
(تَنْبِيهٌ): يَوْمُ التَّرْوِيَةِ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ، لِابْنِ عُمَرَ إِلَخْ) وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَوَائِلِ الطَّهَارَةِ فِي اللِّبَاسِ بِأَتَمَّ مِنْ سِيَاقِهِ هُنَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: وَجْهُ احْتِجَاجِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يُهِلُّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِذَا كَانَ بِمَكَّةَ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ وَلَا كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ ﷺ أَهَلَّ مِنْ مِيقَاتِهِ مِنْ حِينِ ابْتِدَائِهِ فِي عَمَلِ حَجَّتِهِ وَاتَّصَلَ لَهُ عَمَلُهُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُكْثٌ رُبَّمَا انْقَطَعَ بِهِ الْعَمَلُ. فَكَذَلِكَ الْمَكِّيُّ إِذَا أَهَلَّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ اتَّصَلَ عَمَلُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَهَلَّ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يُهِلُّ أَحَدٌ مِنْ مَكَّةَ بِالْحَجِّ حَتَّى يُرِيدَ الرَّوَاحَ إِلَى مِنًى.
٨٣ - بَاب أَيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ
١٦٥٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ بِالْأَبْطَحِ ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.
[الحديث ١٦٥٣ - طرفاه في: ١٦٥٤، ١٧٦٣]
١٦٥٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ لَقِيتُ أَنَسًا ح و حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ "خَرَجْتُ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَلَقِيتُ أَنَسًا ﵁ ذَاهِبًا عَلَى حِمَارٍ فَقُلْتُ أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْيَوْمَ الظُّهْرَ فَقَالَ انْظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلِّ"
قَوْلُهُ: (بَابُ أَيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) أَيْ يَوْمَ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَسُمِّيَ التَّرْوِيَةَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْوُونَ فِيهَا إِبِلَهُمْ وَيَتَرَوُّونَ مِنَ الْمَاءِ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَمَاكِنَ لَمْ تَكُنْ إِذْ ذَاكَ فِيهَا آبَارٌ وَلَا عُيُونٌ وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ كَثُرَتْ جِدًّا وَاسْتَغْنَوْا عَنْ حَمْلِ الْمَاءِ. وَقَدْ رَوَى الْفَاكِهِيُّ فِي: كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: يَا مُجَاهِدُ، إِذَا رَأَيْتَ الْمَاءَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَرَأَيْتَ الْبِنَاءَ يَعْلُو أَخَاشِبَهَا فَخُذْ حِذْرَكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ أَظَلَّكَ. وَقِيلَ فِي تَسْمِيَتِهِ التَّرْوِيَةَ أَقْوَالٌ أُخْرى شَاذَّةٌ مِنْهَا: أَنَّ آدَمَ رَأَى فِيهِ حَوَّاءَ وَاجْتَمَعَ بِهَا، وَمِنْهَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ رَأَى فِي لَيْلَتِهِ أَنَّهُ يَذْبَحُ ابْنَهُ فَأَصْبَحَ مُتَفَكِّرًا يَتَرَوَّى، وَمِنْهَا أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَرَى فِيهِ إِبْرَاهِيمَ مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَمِنْهَا أَنَّ الْإِمَامَ يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهِ مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَوَجْهُ شُذُوذِهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنَ الْأَوَّلِ لَكَانَ يَوْمَ الرُّؤْيَةِ، أَوِ الثَّانِي لَكَانَ يَوْمَ التَّرَوِّي بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ، أَوْ مِنَ الثَّالِثِ لَكَانَ مِنَ الرُّؤْيَا، أَوْ مِنَ الرَّابِعِ لَكَانَ مِنَ الرِّوَايَةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ، وَإِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ: صَحِيحٌ يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، يَعْنِي أَنَّ إِسْحَاقَ تَفَرَّدَ بِهِ، وَأَظُنُّ أَنَّ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ أَرْدَفَهُ الْبُخَارِيُّ بِطَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ
وَرِوَايَةُ أَبِي بَكْرٍ وَإِنْ كَانَ قَصَّرَ فِيهَا كَمَا سَنُوَضِّحُهُ لَكِنَّهَا مُتَابِعَةٌ قَوِيَّةٌ لِطَرِيقِ إِسْحَاقَ وَقَدْ وَجَدْنَا لَهُ شَوَاهِدَ مِنْهَا، مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَّلُوا بِالْحَجِّ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ. الْحَدِيثَ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى خَمْسَ صَلَوَاتٍ. وَلَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ - إِذَا اسْتَطَاعَ - أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِمِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةَ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي: الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ مَوْقُوفًا، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ الظُّهْرَ وَمَا بَعْدَهَا وَالْفَجْرَ بِمِنًى ثُمَّ يَغْدُونَ إِلَى عَرَفَةَ.
قَوْلُهُ: (يَوْمَ النَّفْرِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْفَاءِ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَقَدْ سَاقَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ عَلَى لَفْظِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبَانَ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ طَرِيقَ عَلِيٍّ لِتَصْرِيحِهِ فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ ابْنُ رَفِيعٍ.
قَوْلُهُ: (فَلَقِيتُ أَنَسًا ذَاهِبًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ رَاكِبًا.
قَوْلُهُ: (انْظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلِّ) هَذَا فِيهِ اخْتِصَارٌ يُوَضِّحُهُ رِوَايَةُ سُفْيَانَ وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بَيَّنَ لَهُ الْمَكَانَ الَّذِي صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ مِنًى كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ خَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى ذَلِكَ فَيُنْسَبَ إِلَى الْمُخَالَفَةِ أَوْ تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَقَالَ لَهُ صَلِّ مَعَ الْأُمَرَاءِ حَيْثُ يُصَلُّونَ. وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأُمَرَاءَ إِذْ ذَاكَ كَانُوا لَا يُوَاظِبُونَ عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ فَأَشَارَ أَنَسٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ الِاتِّبَاعُ أَفْضَلَ، وَلَمَّا خَلَتْ رِوَايَةُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عنِ الْقَدْرِ الْمَرْفُوعِ وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْهُ وَهَمٌ، فَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَيَانٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ هَذَا الْيَوْمَ؟ قَالَ: صَلَّى حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: قَوْلُهُ صَلَّى غَلَطٌ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَتْ صَلِّ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ كَغَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ فَأَشْبَعَ النَّاسِخُ اللَّامَ فَكَتَبَ بَعْدَهَا يَاءً فَقَرَأَهَا الرَّاوِي بِفَتْحِ اللَّامِ. وَأَغْرَبَ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ فَحَذَفَ لَفْظَ فَصَلِّ مِنْ آخِرِ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ فَصَارَ ظَاهِرُهُ أَنَّ أَنَسًا أَخْبَرَ أَنَّهُ صَلَّى حَيْثُ يُصَلِّي الْأُمَرَاءُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَهَذَا بِعَيْنِهِ الَّذِي أَطْلَقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّهُ غَلَطٌ. وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ فِي: الْأَطْرَافِ: جَوَّدَ إِسْحَاقُ، عَنْ سُفْيَانَ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يُجَوِّدْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ.
قُلْتُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ عُذْرَ الْبُخَارِيِّ فِي تَخْرِيجِهِ وَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ دَفْعَ مَنْ يَتَوَقَّفُ فِي تَصْحِيحِهِ لِتَفَرُّدِ إِسْحَاقَ بِهِ عَنْ سُفْيَانَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْبَابِ زِيَادَةُ لَفْظَةٍ لَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهَا سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْ إِسْحَاقَ وَهِيَ قَوْلُهُ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ؟ فَإِنَّ لَفْظَ الْعَصْرَ لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ فَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الْحَجِّ عَنْ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ إِسْحَاقَ نَفْسِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَزِيرٍ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعْدَانَ بْنِ يَزِيدَ، وَابْنُ الْجَارُودِ فِي: الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَزِيرٍ، وَسَمُّوَيْهِ فِي فَوَائِدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بُنْدَارٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ بُنْدَارٍ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ كُلُّهُمْ - وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ نَفْسًا - عَنْ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي رِوَايَتِهِ وَالْعَصْرَ وَادَّعَى الدَّاوُدِيُّ أَنْ ذِكْرَ الْعَصْرِ هُنَا وَهَمٌ وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْعَصْرُ فِي النَّفَرِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْعَصْرَ مَذْكُورٌ فِي هَذِهِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٦٥٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ) هو ابن يوسف قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضمِّ الرَّاء وفتح الفاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره عينٌ مهملةٌ (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁) قال: (قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ) بفتح القاف، أي: أدركته وفقهته (١)، جملةٌ في موضع جرٍّ صفةٌ (٢) لقوله: «بشيءٍ» (عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «رسول الله» (٣) (ﷺ، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ) أنسٌ: صلَّاهما (بِمِنًى) اتَّفق الأربعة على استحبابه (قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ) الأوَّل؟ بفتح النُّون وسكون الفاء: الرُّجوع من منًى (قَالَ) أنسٌ: صلَّاها (بِالأَبْطَحِ) هو المُحصَّب (ثُمَّ قَالَ) أنسٌ: (افْعَلْ كَمَا (٤) يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ) صلِّ حيث يصلُّون، وفيه: إشارةٌ إلى الجواز، وأنَّ الأمراء إذ ذاك ما كانوا يواظبون على صلاة الظُّهر ذلك اليوم بمكانٍ مُعيَّنٍ.
وفي هذا الحديث: التَّحديث بلفظ الإفراد والجمع والعنعنة والقول والسُّؤال، ورواته ما بين بخاريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وليس لعبد العزيز بن رُفَيعٍ عن أنسٍ في «الصَّحيحين» (٥) إلَّا هذا الحديث. وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٧٦٣] وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وقد قال التِّرمذيُّ بعد أن أخرجه: صحيحٌ مستغربٌ من حديث إسحاق الأزرق عن الثَّوريِّ، قال في «الفتح»: يعني (٦) أنَّ إسحاق تفرَّد به، وله شواهد؛ منها: في حديث جابرٍ الطَّويل عند مسلمٍ:
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بِظهْرٍ لَبَّيْنَا بالحَجِّ
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لبينا) ، فَإِنَّهُ جملَة حَالية وَمَعْنَاهَا: جعلنَا مَكَّة من وَرَاءَنَا فِي يَوْم التَّرويَة حَال كوننا ملبين بِالْحَجِّ، فَعلم أَنهم حِين الْخُرُوج مِنْهَا كَانُوا محرمين. قَوْله: (وَقَالَ عبد الْملك) ، قَالَ الْكرْمَانِي: عبد الْملك هَذَا هُوَ ابْن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَنه هُوَ عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان. قلت: يحْتَمل كلا مِنْهُمَا، وَلَكِن هَذَا وَصله مُسلم من طَرِيق عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان الْعَرْزَمِي عَن عَطاء بن أبي رَبَاح (عَن جَابر: أَهْلَلْنَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْحَجِّ، فَلَمَّا قدمنَا مَكَّة أمرنَا أَن نحل ونجعلها عمْرَة، فَكبر ذَلِك علينا) الحَدِيث، وَفِيه: (حَتَّى إِذا كَانَ يَوْم التَّرويَة وَجَعَلنَا مَكَّة بِظهْر أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ) . قَوْله: (حَتَّى يَوْم التَّرويَة) ، يَوْم، مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة، أَي: حَتَّى فِي يَوْم التَّرويَة. قَوْله: (بِظهْر) أَي: جعلنَا مَكَّة وَرَاء ظُهُورنَا.
وَقَالَ أبُو الزُّبَيْرِ عنْ جابِرٍ أهْلَلْنَا مِنَ البَطْحَاءِ
أَبُو الزبير هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن تدرس، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَضم الرَّاء وَفِي آخِره سين مُهْملَة، الْمَكِّيّ، وَقد مر فِي: بَاب من شكا إِمَامه، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله أَحْمد فِي (مُسْنده) وَمُسلم فِي (صَحِيحه) من طَرِيق ابْن جريج عَنهُ (عَن جَابر، قَالَ: أمرنَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَحللنَا أَن نحرم إِذا توجهنا إِلَى منى، قَالَ: فأهللنا من الأبطح) .
وَقَالَ عُبَيْدُ بنُ جُرَيْجٍ لإبنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا رَأيْتُكَ إذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أهَلَّ النَّاسَ إذَا رَأوُا الْهِلَالَ ولَمْ تُهِلَّ أنْتَ حَتَّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَقال لَمْ أرَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ
عبيد بِضَم الْعين، وجريج بِضَم الْجِيم مر ذكره فِي: بَاب غسل الرجلَيْن فِي النَّعْلَيْنِ فِي كتاب الْوضُوء، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي: بَاب غسل الرجلَيْن فِي النَّعْلَيْنِ مطولا، فَقَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف، قَالَ: أخبرنَا مَالك عَن سعيد المَقْبُري عَن عبيد بن جريج أَنه قَالَ لعبد الله بن عمر: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن! رَأَيْتُك تصنع أَرْبعا ... الحَدِيث، وَقَالَ ابْن بطال: أما وَجه احتجاج ابْن عمر بإهلال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِذِي الحليفة، وَهُوَ غير مكي، على من أنشأ الْحَج من مَكَّة، أَنه يجب أَن يهل يَوْم التَّرويَة، وَهِي قصَّة أُخْرَى، فَوجه ذَلِك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل من مِيقَاته فِي حِين ابْتِدَائه فِي عمل حجَّته من أصل عمله، وَلم يكن فيهمَا مكث يقطع بِهِ الْعَمَل، فَكَذَلِك الْمَكِّيّ لَا يهل إلَاّ يَوْم التَّرويَة الَّذِي هُوَ أول عمله ليتصل لَهُ عمله تأسيا برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِخِلَاف مَا لَو أهل من أول الشَّهْر، وَقد قَالَ ابْن عَبَّاس: لَا يهل أحد من مَكَّة بِالْحَجِّ حَتَّى يُرِيد الرواح إِلَى منى، وَالله أعلم.
٣٨ - (بابٌ أيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يبين فِيهِ أَيْن يُصَلِّي الظّهْر، أَي: فِي أَي مَكَان يُصَلِّي صَلَاة الظّهْر يَوْم التَّرويَة، وَهُوَ الْيَوْم الثَّامِن من ذِي الْحجَّة، والتروية، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْوَاو وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: سميت بذلك لأَنهم كَانُوا يتروون بِحمْل المَاء مَعَهم من مَكَّة إِلَى عَرَفَات، وَقيل: إِلَى منى، وَقيل: لِأَن آدم، عَلَيْهِ السَّلَام، رأى فِيهِ حَوَّاء، عَلَيْهَا السَّلَام، وَقيل: لِأَن جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام أرى فِيهِ إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام،، الْمَنَاسِك، وَقيل: لأَنهم كَانُوا يروون إبلهم فِيهِ، وَقيل: لِأَن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام، رأى تِلْكَ اللَّيْلَة فِي مَنَامه أَنه يذبح وَلَده بِأَمْر الله تَعَالَى، فَلَمَّا أصبح كَانَ يروي فِي النَّهَار كُله، أَي: يتفكر. وَقيل: هُوَ من الرِّوَايَة، لِأَن الإِمَام يروي للنَّاس مناسكهم. قلت: ذكره الْجَوْهَرِي فِي: بَاب روى، معتل الْعين وَاللَّام، وَذكر فِيهِ مواد كَثِيرَة، ثمَّ قَالَ: وَسمي يَوْم التَّرويَة لأَنهم كَانُوا يرتوون فِيهِ من المَاء لما بعد، وَيكون أَصله من: رويت من المَاء بِالْكَسْرِ أوري ريا وريا، وروى أَيْضا مثل، رَضِي وَتَكون التَّرويَة مصدرا من بَاب التفعيل، تَقول: رويته المَاء تروية، وَأما قَول من قَالَ: لِأَن آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، رأى فِيهِ حَوَّاء فَغير صَحِيح من حَدِيث الِاشْتِقَاق، لِأَن رأى الَّذِي هُوَ من الرُّؤْيَة مَهْمُوز الْعين معتل اللَّام، نعم، جَاءَ من هَذَا الْبَاب ترئية وترية، وَلم يَجِيء: تروية فَالْأول من قَوْلك: رَأَتْ الْمَرْأَة ترئية إِذا رَأَتْ الدَّم الْقَلِيل عِنْد الْحيض، وَالثَّانِي اسْم الْخِرْقَة الَّتِي تعرف بهَا الْمَرْأَة حَيْضهَا من طهرهَا، وَأما بَقِيَّة الْأَقْوَال فكون أَصْلهَا من الرُّؤْيَة غير مستبعد، وَلَكِن لم يجىء لفظ التَّرويَة مِنْهَا لعدم الْمُنَاسبَة بَينهمَا فِي الِاشْتِقَاق. وَأما قَول من قَالَ: هُوَ من الرِّوَايَة، فبعيد جدا لِأَنَّهُ لم يَجِيء تروية من هَذَا الْبَاب لعدم الِاشْتِقَاق بَينهمَا، وَقَالَ بَعضهم: قيل فِي تَسْمِيَة التَّرويَة أَقْوَال شَاذَّة، وَذكر هَذِه الْأَقْوَال. قلت: هَذَا يدل على أَن أَصْلهَا صَحِيح فِي الِاشْتِقَاق، لِأَن الشاذ مَا يكثر اسْتِعْمَاله، وَلكنه على خلاف الْقيَاس، وَلَكِن هَذَا الْقَائِل لَو عرف الِاشْتِقَاق بَين الْمصدر وَالْأَفْعَال الَّتِي تشتق مِنْهُ لما صدر مِنْهُ هَذَا الْكَلَام فِي غير تَأمل وترو.
٣٥٦١ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا إسْحَاقُ الأزْرَقُ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ قَالَ سَألْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قُلْتُ أخْبِرْنِي بِشِيْءٍ عَقَلْتَهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ قَالَ بِمِنًى قُلْتُ فأيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ قَالَ بِالأبْطَحِ ثُمَّ قالَ افْعَلْ كَما يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي. الثَّانِي: إِسْحَاق بن يُوسُف الْأَزْرَق، مَاتَ سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: سُفْيَان الثَّوْريّ. الرَّابِع: عبد الْعَزِيز بن رفيع، بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره عين مُهْملَة، قد مر فِي أَبْوَاب الطّواف. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وبصيغة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: أَن شَيْخه بخاري وَأَنه من أَفْرَاده وَإِسْحَاق واسطي وسُفْيَان كُوفِي وَعبد الْعَزِيز مكي سكن الْكُوفَة، رَحمَه الله. وَفِيه: أَنه لَيْسَ لعبد الْعَزِيز بن رفيع عَن أنس فِي (الصَّحِيحَيْنِ) إلَاّ هَذَا الْوَاحِد.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَعَن عَليّ وَإِسْمَاعِيل بن أبان، وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع وَمُحَمّد بن الْوَزير الوَاسِطِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عقلته) ، أَي: أَدْرَكته وفهمته، وَهِي جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا وَقعت صفة لقَوْله: شَيْء. قَوْله: (أَيْن صلى الظّهْر) ، يَعْنِي فِي: أَي مَكَان صلاهَا. قَوْله: (قَالَ: بمنى) أَي: صلاهَا بمنى. قَوْله: (يَوْم النَّفر) ، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْفَاء، وَهُوَ الرُّجُوع من منى. قَوْله: (بِالْأَبْطح) هُوَ مَكَان متسع بَين مَكَّة وَمنى، وَالْمرَاد بِهِ: المحصب. قَوْله: (ثمَّ قَالَ) ، أَي: أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: إستحباب إِقَامَة صَلَاة الظّهْر وَالْعصر يَوْم التَّرويَة بمنى لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَى منى قبل الظّهْر وَصلى فِيهِ الظّهْر وَالْعصر، وَذكر أَبُو سعد النَّيْسَابُورِي فِي (كتاب شرف الْمُصْطَفى) : أَن خُرُوجه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم التَّرويَة كَانَ ضحى. وَفِي سيرة الملاّ: أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خرج إِلَى منى بَعْدَمَا زاغت الشَّمْس. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) لأبي عبد الله الْقُرْطُبِيّ: خرج، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى منى عَشِيَّة يَوْم التَّرويَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيكون خُرُوجهمْ بعد صَلَاة الصُّبْح بِمَكَّة حَيْثُ يصلونَ الظّهْر فِي أول وَقتهَا، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور من نُصُوص الشَّافِعِي. وَفِيه: قَول ضَعِيف أَنهم يصلونَ الظّهْر بِمَكَّة ثمَّ يخرجُون، وَفِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل عِنْد مُسلم: (فَلَمَّا كَانَ يَوْم التَّرويَة توجهوا إِلَى منى فأهلُّوا بِالْحَجِّ، وَركب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فصلى بهَا الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء وَالْفَجْر. .) الحَدِيث، وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَأحمد وَالْحَاكِم، من حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَالَ: (صلى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الظّهْر يَوْم التَّرويَة، وَالْفَجْر يَوْم عَرَفَة بمنى) ، وَلأَحْمَد من حَدِيثه: (صلى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بمنى خمس صلوَات) ، وَلأَحْمَد عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يحب إِذا اسْتَطَاعَ أَن يُصَلِّي الظّهْر بمنى، يَوْم التَّرويَة، وَذَلِكَ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى الظّهْر بمنى، وَحَدِيث ابْن عمر فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن نَافِع عَنهُ مَوْقُوف، وَلابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم من طَرِيق الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد عَن عبد الله بن الزبير قَالَ: من سنة الْحَج أَن يُصَلِّي الإِمَام الظّهْر وَمَا بعْدهَا، وَالْفَجْر بمنى، ثمَّ يَغْدُونَ إِلَى عَرَفَة، وَقَالَ الْمُهلب: النَّاس فِي سَعَة من هَذَا يخرجُون مَتى أَحبُّوا وَيصلونَ حَيْثُ أمكنهم، وَلذَلِك قَالَ أنس: صلى حَيْثُ يُصَلِّي أمراؤك، وَالْمُسْتَحب فِي ذَلِك مَا فعله الشَّارِع، صلى الظّهْر وَالْعصر بمنى، وَهُوَ قَول مَالك وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر. وَقَالَ ابْن حبيب: إِذا مَالَتْ الشَّمْس يطوف سبعا ويركع وَيخرج، وَإِن خرج قبل ذَلِك فَلَا حرج، وَعَادَة أهل مَكَّة أَن يخرجُوا إِلَى منى بعد صَلَاة الْعشَاء، وَكَانَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، تخرج ثلث اللَّيْل، وَهَذَا يدل على التَّوسعَة، وَكَذَلِكَ الْمبيت عَن منى لَيْلَة