«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٣٥

الحديث رقم ١٦٣٥ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب سقاية الحاج.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية فاستسقى…

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ، فَأْتِ رَسُولَ اللهِ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا. فَقَالَ: اسْقِنِي. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ. قَالَ: اسْقِنِي. فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ، وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: اعْمَلُوا، فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ. ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ. يَعْنِي: عَاتِقَهُ وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ».

سند حديث: ١٦٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا…

١٦٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية فاستسقى…

روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى الموضع الذي يسقى فيه الماء في الموسم وغيره، فطلب الشرب، فقال العباس لابنه: يا فضل، اذهب إلى أمك -وهي أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية- فأت بشراب من عندها، فقال عليه الصلاة والسلام تواضعًا وإرشادًا إلى أن الأصل الطهارة والنظافة حتى يتحقق أو يغلب على الظن ما يخالف الأصل: اسقني، قال العباس: يا رسول الله، إنهم يجعلون أيديهم في الماء، قال: اسقني، فشرب منه، ثم أتى عليه الصلاة والسلام إلى زمزم وهم يسقون الناس وينزحون منها الماء، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: اعملوا، فإن عملكم هذا صالح، ثم قال: لولا أن يجتمع عليكم الناس إذا رأوني قد عملته لرغبتهم في الاقتداء بي، فيغلبوكم بالمكاثرة، لنزلت عن راحلتي حتى أضع الحبل على عاتقي. وكذلك سيفعل الناس من بعده؛ لأنها ستكون سنة
وفيه أن السقايات العامة كالآبار والصهاريج يتناول منها الغني والفقير إلا أن ينص على إخراج الغني؛ لأنه صلى الله عليه وسلم تناول من ذلك الشراب العام، وهو لا يحل له الصدقة، فيحمل الأمر في هذه السقايات على أنها موقوفة للنفع العام، فهي للغني هدية وللفقير صدقة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الشرب من سقاية الحاج.
  • إثبات أمر السقاية للحاج، وأن مشروعيته من باب إكرام الضيف واصطناع المعروف.
  • إشارة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تحرم عليه الصدقات التي سبيلها المعروف كالمياه التي تكون في السقايات تشربها المارة.
  • لا يكره طلب السقي من الغير.
  • رد ما يعرض على المرء من الإكرام إذا عارضته مصلحة أولى منه، لأن رده لما عرض عليه العباس مما يؤتى به من بيته لمصلحة التواضع التي ظهرت من شربه مما يشرب منه الناس.
  • الترغيب في سقي الماء، خصوصًا ماء زمزم.
  • تواضع النبي صلى الله عليه وسلم.
  • حرص أصحابه صلى الله عليه وسلم على الاقتداء به.
  • الأصل في الأشياء الطهارة لتناوله صلى الله عليه وسلم من الشراب الذي غمست فيه الأيدي.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية فاستسقى…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ.

[الحديث ١٦٣٤ - أطرافه في: ١٧٤٣، ١٧٤٤، ١٧٤٥]

١٦٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا. فَقَالَ: اسْقِنِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ: اسْقِنِي، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا فَقَالَ: اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ. يَعْنِي عَاتِقَهُ. وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ سِقَايَةِ الْحَاجِّ): قَالَ الْفَاكِهِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سِقَايَةُ الْحَاجِّ زَمْزَمُ. وَقَالَ الْأَزْرَقِيُّ: كَانَ عَبْدُ مَنَافٍ يَحْمِلُ الْمَاءَ فِي الرَّوَايَا وَالْقِرَبِ إِلَى مَكَّةَ وَيَسْكُبُهُ فِي حِيَاضٍ مِنْ أَدَمٍ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ لِلْحُجَّاجِ، ثُمَّ فَعَلَهُ ابْنُهُ هَاشِمٌ بَعْدَهُ، ثُمَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ; فَلَمَّا حُفِرَ زَمْزَمُ كَانَ يَشْتَرِي الزَّبِيبَ فَيَنْبِذُهُ فِي مَاءِ زَمْزَمَ وَيَسْقِي النَّاسَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا وَلِيَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ أَمْرَ الْكَعْبَةِ كَانَ إِلَيْهِ الْحِجَابَةُ وَالسِّقَايَةُ وَاللِّوَاءُ وَالرِّفَادَةُ وَدَارُ النَّدْوَةِ، ثُمَّ تَصَالَحَ بَنُوهُ عَلَى أَنَّ لِعَبْدِ مَنَافٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ وَالْبَقِيَّةَ لِلْأَخَوَيْنِ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ: ثُمَّ وَلِيَ السِّقَايَةَ مِنْ بَعْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلَدُهُ الْعَبَّاسُ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَحْدَثِ إِخْوَتِهِ سِنًّا - فَلَمْ تَزَلْ بِيَدِهِ حَتَّى قَامَ الْإِسْلَامُ وَهِيَ بِيَدِهِ، فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ مَعَهُ، فَهِيَ الْيَوْمَ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ.

وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ تَكَلَّمَ الْعَبَّاسُ، وَعَلِيٌّ، وَشَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ فِي السِّقَايَةِ وَالْحِجَابَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ قَالَ: حَتَّى تُفْتَحَ مَكَّةُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْعَبَّاسَ لَمَّا مَاتَ أَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يَأْخُذَ السِّقَايَةَ، فَقَالَ لَهُ طَلْحَةُ: أَشْهَدُ لَرَأَيْتُ أَبَاهُ يَقُومُ عَلَيْهَا، وَأَنَّ أَبَاكَ أَبَا طَالِبٍ لَنَازِلٌ فِي إِبِلِهِ بِالْأَرَاكِ بِعَرَفَةَ. قَالَ فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنِ السِّقَايَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،. لَوْ جَمَعْتَ لَنَا الْحِجَابَةَ وَالسِّقَايَةَ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَعْطَيْتُكُمْ مَا تُرْزَءُونَ وَلَمْ أُعْطِكُمْ مَا تَرْزءون. الْأَوَّلُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَالثَّانِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الزَّايِ، أَيْ أَعْطَيْتُكُمْ مَا يَنْقُصُكُمْ لَا مَا تَنْقُصُونَ بِهِ النَّاسَ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَالْفَاكِهِيُّ حَدِيثَ السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اشْرَبُوا مِنْ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْإِذْنِ لِلْعَبَّاسِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الْحَجِّ.

ثَانِيهِمَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ شُرْبِهِ مِنْ شَرَابِ السِّقَايَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ الْوَاسِطِيُّ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْإِسْنَادُ بِعَيْنِهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَسْقَى) أَيْ طَلَبَ الشُّرْبَ. وَالْفَضْلُ هُوَ ابْنُ الْعَبَّاسِ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأُمُّهُ هِيَ أُمُّ الْفَضْلِ لُبَابَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ، وَهِيَ وَالِدَةُ عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا قَدْ مُرِثَ، أَفَلَا أَسْقِيكَ مِنْ بُيُوتِنَا؟ قَالَ لَا، وَلَكِنِ اسْقِنِي مِمَّا يَشْرَبُ مِنْهُ النَّاسُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ اسْقِنِي) زَادَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ فِي رِوَايَتِهِ: فَنَاوَلَهُ الْعَبَّاسُ الدَّلْوَ.

قَوْلُهُ: (فَشَرِبَ مِنْهُ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ الْمَذْكُورَةِ فَأُتِيَ بِهِ فَذَاقَهُ فَقَطَّبَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَكَسَرَهُ. قَالَ: وَتَقْطِيبُهُ إِنَّمَا كَانَ لِحُمُوضَتِهِ، وَكَسَرَهُ بِالْمَاءِ لِيَهُونَ عَلَيْهِ شُرْبُهُ وَعُرِفَ بِهَذَا جِنْسُ الْمَطْلُوبِ شُرْبُهُ إِذْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السُّنَّة عندهم كان مجانبًا جدًا، خصوصًا إذا انضمَّ إليها الانفراد عن جميع (١) النَّاس مع الرَّسول ، فاستأذن لإسقاط الإساءة الكائنة بسبب عدم موافقته ، لما فيه من إظهار المخالفة المستلزمة لسوء الأدب (٢)؛ إذ إنَّه كان يبيت بمنًى ليالي أيَّام التَّشريق.

١٦٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو (٣) ابن شاهين الواسطيُّ، لا ابن بشرٍ، قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الطَّحَّان (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ) التي يُسقَى بها الماء (٤) في الموسم وغيره (فَاسْتَسْقَى) طلبَ الشَّراب (فَقَالَ العَبَّاسُ) لولده: (يَا فَضْلُ اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ) أمِّ الفضل لبابة بنت الحارث الهلاليَّة (فَأْتِ رَسُولَ اللهِ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ) : (اسْقِنِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ) تواضعًا وإرشادًا إلى أنَّ الأصل الطَّهارة والنَّظافة، حتَّى يتحقَّق أو يظنَّ ما يخالف الأصل: (اسْقِنِي) زاد الطَّبرانيُّ (٥): «ممَّا يشرب منه النَّاس» وزاد أبو عليِّ بن السَّكن في روايته: «فناوله العبَّاس الدَّلو» (فَشَرِبَ مِنْهُ) زاد الطَّبرانيُّ: فذاقه فقطَّب، ثمَّ دعا بماءٍ فكسره، ثمَّ قال: «إذا اشتدَّ نبيذكم فاكسروه بالماء» وتقطيبه منه إنَّما كان لحموضته فقط، وكسره بالماء ليهون شربه عليه (ثُمَّ أَتَى) (زَمْزَمَ، وَهُمْ يَسْقُونَ) النَّاس،

والجملة حاليَّةٌ (وَيَعْمَلُونَ فِيهَا) أي: ينزحون منها الماء (فَقَالَ) لهم: (اعْمَلُوا، فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ قَالَ) : (لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح اللَّام مبنيًّا للمفعول، أي: لولا أن يجتمع عليكم النَّاس -إذا رأوني قد عملته- لرغَّبتهم في الاقتداء بي فيغلبوكم بالمكاثرة (لَنَزَلْتُ) عن راحلتي (حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ-يَعْنِي) : (عَاتِقَهُ- وَأَشَارَ) بقوله : «هذه» (إِلَى عَاتِقِهِ) وفيه إشارةٌ إلى أنَّ السِّقايات العامَّة -كالآبار والصَّهاريج- يتناول منها الغنيُّ والفقير إلَّا أن ينصَّ على إخراج الغنيِّ لأنَّه تناول من ذلك الشَّراب العامِّ، وهو لا يحلُّ له الصَّدقة، فيُحمَل الأمر في هذه السِّقايات على أنَّها موقوفةٌ فيه للنَّفع العامِّ، فهي للغنيِّ هديَّةٌ وللفقير صدقةٌ، وفيه أيضًا: كراهة التَّقذُّر والتَّكرُّه للمأكولات والمشروبات، وموضع التَّرجمة منه قوله: «جاء إلى السِّقاية».

(٧٦) (بابُ مَا جَاءَ فِي زَمْزَمَ) بفتح الزَّايين (١) وسكون الميم الأولى، وسُمِّيت بذلك لكثرة مائها، والماء الزَّمزم: هو الكثير، وقِيل: لِزَمِّ هاجرَ ماءَها حين انفجرت، وقِيل: لزمزمة جبريل وكلامه، وتُسمَّى: الشَّبَّاعة، وبركة، ونافعة، ومضنونة، وبَرَّة، وميمونة، وكافية، وعافية، ومغذِّية،

ومروية، وطعام طُعْمٍ، وشفاء سُقْمٍ، وأوَّل من أظهرها جبريل سقيًا لإسماعيل عندما ظمئ، وحفرها الخليل بعد جبريل فيما ذكره (١) الفاكهيُّ، ثمَّ غُيِّبت بعد ذلك لاندراس موضعها لاستخفاف جرهم بحرمة الحرم والكعبة، أو لدفنهم لها عندما نُفُوا من مكَّة، ثمَّ منحها الله تعالى عبد المطَّلب فحفرها بعد أن أُعلِمت له في المنام بعلاماتٍ استبان له بها موضعها، ولم تَزَلْ ظاهرةً إلى الآن، ولها فضائل وردت في أحاديث لم يذكر المؤلِّف شيئًا منها لكونها لم تكن على شرطه صريحًا، وفي «مسلمٍ» من حديث أبي ذرٍّ: «ماء زمزم طعامُ طُعْمٍ» وزاد الطَّيالسيُّ: «وشفاء سقمٍ»، وفي «المستدرك» من حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «ماء زمزم (٢) لما شُرِب له» وصحَّحه البيهقيُّ في «الشُّعب»، وصحَّحه ابن عُيَيْنَةَ فيما نقله ابن الجوزيِّ في «الأذكياء»، وكذا صحَّحه ابن حبَّان، ووثَّق رجاله الحافظ الدِّمياطيُّ إلَّا أنَّه اختُلِف في وصله وإرساله، قال في «الفتح»: وإرساله أصحُّ، وله شاهدٌ من حديث جابرٍ وهو أتمُّ منه، أخرجه البيهقيُّ (٣) وابن ماجه ورجاله ثقاتٌ إلَّا عبد الله بن المُؤمَّل المكِّي، فذكر العقيليُّ أنَّه تفرَّد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقيِّ من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزَّيَّات (٤)، وبالجملة فقد ثبتت صحَّة هذا الحديث إلَّا ما قِيل: إنَّ الجارود تفرَّد عن ابن عيينة بوصله، ومثله لا يُحتَجُّ به إذا انفرد فكيف إذا خالف، وهو من رواية الحميديِّ وابن أبي عمرٍ وغيرهما ممَّن لازم ابن عيينة أكثر من الجارود فيكون أَولى، لكنَّ الذي يحتاج إليه الحكم بصحَّة المتن عن النَّبيِّ ، ولا علينا كونه من خصوص طريقٍ بعينها، وهنا أمورٌ تدلُّ عليه؛ منها: أنَّ مثله لا مجال للرَّأي فيه فوجب كونه سماعًا، وكذا إن قلنا: العبرة في تعارض

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَاف بالبَيْتِ وَهْوَ عَلى بَعِيرٍ كُلَّما أَتَى على الرُّكْنِ أشارَ إلَيْهِ بِشَيءٍ فِي يَدِهِ وكبَّرَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مر الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب التَّكْبِير عِنْد الرُّكْن. أخركه عَن مُسَدّد عَن خَالِد ... إِلَى آخِره. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب من أَشَارَ إِلَى الرُّكْن عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب عَن خَالِد، وَهنا أخرجه عَن إِسْحَاق الوَاسِطِيّ وَهُوَ إِسْحَاق بن شاهين أَبُو بشر، وَفِي بعض النّسخ هَكَذَا: إِسْحَاق بن شاهين، بنسبته إِلَى أَبِيه، وَهُوَ من أَفْرَاده يروي عَن خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان عَن خَالِد بن مهْرَان الْحذاء، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.

٣٣٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمةَ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنُ مُحمَّدِ بنِ عبْدِ الرحمانِ بنِ نوْفلٍ عنْ عُرْوَةَ عَن زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمةَ عَن أُمِّ سَلمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ شَكوْتُ إلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنِّي أشْتَكِي فَقَالَ طُوفي مِنْ وراءِ النَّاسِ وأنْتِ راكِبةٌ فطُفْتُ ورسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ وهْوَ يَقرأ بالطُّورِ وكِتابٍ مسْطورٍ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مر الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب طواف النِّسَاء مَعَ الرِّجَال، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِسْمَاعِيل ابْن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك عَن مَالك، وَهنا أخرجه: عَن عبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الميمين القعْنبِي عَن مَالك، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً. وَالله أعلم.

٥٧ - (بابُ سِقَايَةِ الْحَاجِّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر سِقَايَة الْحَاج، والسقاية بِكَسْر السِّين مَا يبْنى للْمَاء، وَأما السِّقَايَة الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: {اجعلتم سِقَايَة الْحَاج} (التَّوْبَة: ٩١) . فَهُوَ مصدر، وَالَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: {جعل السِّقَايَة فِي رَحل أَخِيه} (يُوسُف: ٠٧) . مشربَة الْملك. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هِيَ الصواع الَّذِي كَانَ الْملك يشرب فِيهِ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: سِقَايَة الْحَاج مَا كَانَت قُرَيْش تسقيه الْحَاج من الزَّبِيب المنبوذ فِي المَاء وَكَانَ يَليهَا عَبَّاس بن عبد الْمطلب فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام، وَقَالَ الفاكهي: حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد حَدثنَا الْحسن بن مُحَمَّد بن عبيد الله حَدثنَا ابْن جريج عَن عَطاء، قَالَ: سِقَايَة الْحَاج زَمْزَم. وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ: كَانَ عبد منَاف يتَحَمَّل المَاء فِي الرَّوايا والقِرَب إِلَى مَكَّة ويسكبه فِي حِيَاض من أَدَم بِفنَاء الْكَعْبَة للْحَاج، ثمَّ فعله ابْنه هِشَام بعده، ثمَّ عبد الْمطلب، فَلَمَّا حفر زَمْزَم كَانَ يَشْتَرِي الزَّبِيب فنبذه فِي مَاء زَمْزَم. ويسقي النَّاس. وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: لما ولي قصي بن كلاب أَمر الْكَعْبَة كَانَ إِلَيْهِ الحجابة والسقاية واللواء والوفادة وَدَار الندوة، ثمَّ تصالح بنوه على أَن لعبد منَاف السِّقَايَة والوفادة، والبقية للآخرين. ثمَّ ذكر نَحْو مَا تقدم. قَالَ: ثمَّ ولي السِّقَايَة من بعد عبد الْمطلب وَلَده الْعَبَّاس، وَهُوَ يَوْمئِذٍ من أحدث إخْوَته سنا، فَلم تزل بِيَدِهِ حَتَّى قَامَ الْإِسْلَام، وَهِي بِيَدِهِ، وأقرها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَه فَهِيَ الْيَوْم إِلَى بني الْعَبَّاس.

٣٤٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ أبي الأسْوَدِ قَالَ حدَّثنا أبُو ضَمْرَةَ قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله عَن نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ اسْتأذَنَ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يَبيتَ بِمكَّةَ لَياليَ مِنىً منْ أجْلِ سِقايَتهِ فأذِنَ لهُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من أجل سقايته) لِأَن السِّقَايَة كَانَت بِيَدِهِ بعد أَبِيه عبد الْمطلب كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا. والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَعبد الله بن مُحَمَّد بن أبي الْأسود ضد الْأَبْيَض. وَقد مر فِي: بَاب فضل أللهم رَبنَا لَك الْحَمد، وَأَبُو ضَمرَة بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وبالراء، واسْمه أنس بن عِيَاض اللَّيْثِيّ الْمدنِي، وَعبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

قَوْله: (ليَالِي منى) هِيَ: لَيْلَة الْحَادِي عشر، وَالثَّانِي عشر، وَالثَّالِث عشر، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا يدل على مَسْأَلَتَيْنِ:

إِحْدَاهمَا: أَن الْمبيت بمنى ليَالِي أَيَّام التَّشْرِيق مَأْمُور بِهِ، وَهل هُوَ وَاجِب أَو سنة؟ قَالَ أَبُو حنيفَة: سنة. وَالْآخرُونَ: وَاجِب. وَالثَّانيَِة: يجوز لأهل السِّقَايَة أَن يتْركُوا هَذَا الْمبيت ويذهبوا إِلَى مَكَّة ليستقوا بِاللَّيْلِ المَاء من زَمْزَم، ويجعلوه فِي الْحِيَاض مسبلاً للْحَاج، وَلَا يخْتَص ذَلِك عِنْد الشَّافِعِي بِالْعَبَّاسِ، بل كل من تولى السِّقَايَة كَانَ لَهُ ذَلِك، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: تخْتَص الرُّخْصَة بِالْعَبَّاسِ، وَقَالَ بَعضهم: بآل الْعَبَّاس. انْتهى. قلت: قَالَ بَعضهم: تخْتَص ببني هَاشم من آل عَبَّاس وَغَيرهم، وَقَالَ أَصْحَابنَا: يكره أَن لَا يبيت بمنى ليالى الرَمَل لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَات بهَا، وَكَذَا عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ يُؤَدب على تَركه، فَلَو بَات فِي غَيره مُتَعَمدا لَا يلْزمه شَيْء. وَقَالَ بَعضهم: الْمبيت فِي هَذِه اللَّيَالِي سنة عندنَا، وَبِه قَالَ أهل الظَّاهِر. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: رُوِيَ نَحوه عَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن، وَقَالَ ابْن بطال: رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن ابْن عَبَّاس.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمبيت بمنى ليَالِي التَّشْرِيق من سنَن الْحَج بِلَا خلاف، إلَاّ لِذَوي السِّقَايَة أَو الرُّعَاة، وَمن تعجل بالنفر فِي ترك ذَلِك فِي لَيْلَة وَاحِدَة أَو جَمِيع اللَّيَالِي كَانَ عَلَيْهِ دم عِنْد مَالك، وَقَالَ السفاقسي: الْمبيت بهَا مَأْمُور بِهِ، وإلَاّ فَكَانَ يجوز للْعَبَّاس وَغَيره ذَلِك دون إرخاص، وَهُوَ أَن يبيت من جَمْرَة الْعقبَة إِلَيْهَا، وَقَالَ مَالك: من بَات وَرَاء الْجَمْرَة فَعَلَيهِ الْفِدْيَة وَوَجهه أَنه يبيت بِغَيْر منى وَهُوَ مبيت مَشْرُوع فِي الْحَج فَلَزِمَ الدَّم بِتَرْكِهِ كالمبيت بِالْمُزْدَلِفَةِ. وَعند ابْن أبي شيبَة عَن زيد بن حباب أَنبأَنَا إِبْرَاهِيم بن نَافِع أَنبأَنَا عَمْرو ابْن دِينَار عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِذا رميت الْجمار بت حَيْثُ شِئْت. حَدثنَا زيد بن حباب أَنبأَنَا إِبْرَاهِيم حَدثنَا ابْن أبي نجيح عَن عَطاء، قَالَ: لَا بَأْس أَن يبيت الرجل بِمَكَّة ليَالِي منى إِذا كَانَ فِي ضيعته. وَمن حَدِيث لَيْث عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لَا يبيتن أحد من وَرَاء الْعقبَة لَيْلًا بمنى أَيَّام التَّشْرِيق. وَمن حَدِيث عبد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن عمر كَانَ ينْهَى أَن يبيت أحد من وَرَاء الْعقبَة، وَكَانَ يَأْمُرهُم أَن يدخلُوا منى. وَمن حَدِيث حجاج عَن عَطاء أَن ابْن عمر كَانَ يكره أَن ينَام أحد أَيَّام منى بِمَكَّة. وَمن حَدِيث لَيْث عَن مُجَاهِد: لَا بَأْس أَن يكون أول اللَّيْل بِمَكَّة وَآخره بمنى، وَلَا بَأْس أَن يكون أول اللَّيْل بمنىٍ وأخره بِمَكَّة. وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب من السّنة إِذا زرت الْبَيْت أَن لَا تبيت إلَاّ بمنى. وَعَن أبي قلَابَة: إجعلوا أَيَّام منى بمنى. وَعَن عُرْوَة: لَا يبيتن أحد من وَرَاء الْعقبَة أَيَّام التَّشْرِيق. وَقَالَ إِبْرَاهِيم: إِذا بَات دون الْعقبَة اهراق لذَلِك دَمًا. وَعَن عَطاء: يتَصَدَّق بدرهم أَو نَحوه. وَعَن سَالم: يتَصَدَّق بدرم، والأسانيد إِلَيْهِم صَحِيحَة.

وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : وَمن المعذورين من لَهُ مَال يخَاف ضيَاعه إِن اشْتغل بالمبيت، أَو يخَاف على نَفسه، أَو كَانَ بِهِ مرض أَو لَهُ مَرِيض يطْلب آبقا وَشبه ذَلِك، فَفِي هَؤُلَاءِ وَجْهَان، الصَّحِيح الْمَنْصُوص: يجوز لَهُم ترك الْمبيت، وَلَا شَيْء عَلَيْهِم بِسَبَبِهِ، وَلَهُم النَّفر بعد الْغُرُوب وَلَو ترك البيات نَاسِيا كَانَ كتركه عَامِدًا. وَفِي (التَّوْضِيح) : لَا يحصل الْمبيت إلَاّ بمعظم اللَّيْل، وَفِي قَول: إِن الِاعْتِبَار بِوَقْت بِطُلُوع الْفجْر، وَفِي (الْمُدَوَّنَة) : من بَات عَنْهَا كل اللَّيْل فَعَلَيهِ دم. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: من كَانَ لَهُ مناخ بِمَكَّة يخْشَى عَلَيْهِ ضيَاعه بَات بهَا، وَمُقْتَضَاهُ إِبَاحَته للْعُذْر، وَعَلِيهِ دم على مُقْتَضى قَول ابْن نَافِع فِي (مبسوطه) : من زار الْبَيْت فَمَرض وَبَات بِمَكَّة فَعَلَيهِ هدي يَسُوقهُ من الْحل إِلَى الْحرم، وَإِن بَات اللَّيَالِي كلهَا بِمَكَّة قَالَ الدَّاودِيّ: فَقيل: عَلَيْهِ شَاة، وَقيل: بَدَنَة.

٥٣٦١ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدَّثنا خَالِدٌ عنْ خالِدٍ الحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فاسْتَسْقَى فَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا فَضْلُ اذْهَبْ إلَى أُمِّكَ فاتِ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِشَرابٍ مِنْ عِنْدِهَا فَقَالَ اسْقِنِي قَالَ يَا رَسولَ الله إنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أيْدِيهِمْ فِيهِ قَالَ إسْقِنِي فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ أتَى زَمْزْمَ وهُمْ يَسْقُونَ ويَعْمَلُونَ فِيهَا فقَال اعْمَلُوا فإنَّكُمُ عَلَى عَمَلٍ صالِحٍ ثُمَّ قَالَ لَوْلَا أنْ تُغْلَبُوا لنَزَلْتُ حَتَّى أضَعَ الحَبْلَ عَلى هاذهِ يَعْنِي عاتِقَهُ وأشَارَ إلَى عاتِقِهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (جَاءَ إِلَى السِّقَايَة) ، هَذَا الأسناد بِعَيْنِه مضى فِي أول: بَاب الْمَرِيض يطوف رَاكِبًا، وَإِسْحَاق هُوَ ابْن

شاهين الوَاسِطِيّ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هُوَ إِسْحَاق بن بشر، وَهُوَ وهم، وخَالِد الأول: هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَّان، وَالثَّانِي: خَالِد ابْن مهْرَان الْحذاء.

وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَ إِلَى السِّقَايَة) ، قد ذكرنَا أَن السِّقَايَة مَا يبْنى للْمَاء، وَهُوَ الْموضع الَّذِي يسقى فِيهِ المَاء، وَفِي (الْمُجْمل) : هُوَ الْموضع الَّذِي يتَّخذ فِيهِ الشَّرَاب فِي الْمَوْسِم وَغَيره. قَوْله: (فَاسْتَسْقَى) أَي: طلب الشّرْب. قَوْله: (يَا فضل) ، هُوَ ابْن الْعَبَّاس أَخُو عبد الله، وأمهما لبَابَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة. قَوْله: (إِنَّهُم يجْعَلُونَ إيديهم فِيهِ) وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ عَن أبي كريب عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما طَاف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى الْعَبَّاس وَهُوَ فِي السِّقَايَة فَقَالَ: إسقوني. قَالَ الْعَبَّاس: إِن هَذَا قد مرت يَعْنِي: قد مرس أَفلا أسقيك مِمَّا فِي بُيُوتنَا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن إسقوني مِمَّا يشرب النَّاس، فَأتى بِهِ فذاقه، فقطب ثمَّ دَعَا بِمَاء فَكَسرهُ، ثمَّ قَالَ: إِذا اشْتَدَّ نبيذكم فاكسروه بِالْمَاءِ، وتقطيبه مِنْهُ إِنَّمَا كَانَ لحموضة فَقَط، وكسره بِالْمَاءِ ليهون عَلَيْهِ شربه، وَمثل ذَلِك يحمل على مَا رُوِيَ عَن عمر وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فِيهِ لَا غير. وروى مُسلم من حَدِيث بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ قَالَ: كنت جَالِسا مَعَ ابْن عَبَّاس عِنْد الْكَعْبَة، فَأَتَاهُ أَعْرَابِي فَقَالَ: مَا لي أرى بني عمكم يسقون الْعَسَل وَاللَّبن وَأَنْتُم تسقون النَّبِيذ؟ أَمن حَاجَة بكم أم من بخل؟ فَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْحَمد لله، مَا بِنَا من حَاجَة وَلَا بخل، قدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على رَاحِلَته وَخَلفه أُسَامَة، فَاسْتَسْقَى، فأتيناه بِإِنَاء فِيهِ نَبِيذ فَشرب وَسَقَى فَضله أُسَامَة، وَقَالَ: أَحْسَنْتُم وَأَجْمَلْتُمْ، كَذَا فَاصْنَعُوا، وَلَا نزيد مَا أَمر بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (قَالَ: اسْقِنِي) ويروى: (فَقَالَ) ، الْفَاء فِيهِ فصيحة أَي: فَذهب فَأتى بِالشرابِ، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إسقني. قَوْله: (وهم يسقون) ، جملَة حَالية أَي: يسقون النَّاس. قَوْله: (ويعملون فِيهَا) ، أَي: ينزحون مِنْهَا المَاء. قَوْله: (لَوْلَا أَن تغلبُوا) ، بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: لَوْلَا أَن يجْتَمع عَلَيْكُم النَّاس، وَمن كَثْرَة الزحام تصيرون مغلوبين. وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَي أَنكُمْ لَا تتركوني أستقي وَلَا أحب أَن أفعل بكم مَا تَكْرَهُونَ فتغلبوا. وَقيل: مَعْنَاهُ لَوْلَا أَن تقع عَلَيْكُم الْغَلَبَة بِأَن يجب عَلَيْكُم ذَلِك بِسَبَب فعلي. وَقيل. مَعْنَاهُ: لَوْلَا أَن تغلبُوا بِأَن ينتزعها الْوُلَاة مِنْكُم حرصا على حِيَازَة هَذِه المكرمة. وروى مُسلم من حَدِيث جَابر (أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني عبد الْمطلب وهم يسقون على زَمْزَم، فَقَالَ: إنزغوا بني عبد الْمطلب، فلولا أَن يغلبكم النَّاس على سِقَايَتكُمْ لنزغت مَعكُمْ، فناولوه دلوا فَشرب مِنْهُ) . وَذكر ابْن السكن أَن الَّذِي نَاوَلَهُ الدَّلْو هُوَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: دَلِيل على أَن الظَّاهِر أَن أَفعاله فِيمَا يتَّصل بِأُمُور الشَّرِيعَة على الْوُجُوب، فَتَركه الْفِعْل شَفَقَة أَن يتَّخذ سنة، قَالَه الْخطابِيّ. وَفِيه: الشّرْب من سِقَايَة الْحَاج، وَقَالَ طَاوُوس: الشّرْب من سِقَايَة الْعَبَّاس من تَمام الْحَج، وَقَالَ عَطاء: لقد أدْركْت هَذَا الشَّرَاب، وَأَن الرجل ليشْرب فتلتزق شفتاه من حلاوته، فَلَمَّا ذهبت الْحُرِّيَّة وَولى العبيد تهاونوا بِالشرابِ واستخفوا بِهِ، وروى ابْن أبي شيبَة عَن السَّائِب بن عبد الله أَنه أَمر مُجَاهدًا مَوْلَاهُ بِأَن يشرب من سِقَايَة الْعَبَّاس وَيَقُول: إِنَّه من تَمام السّنة. وَقَالَ الرّبيع بن سعد: أَتَى أَبُو جَعْفَر السِّقَايَة فَشرب وَأعْطى جعفرا فَضله، وَمِمَّنْ شرب مِنْهَا: سعيد بن جُبَير وَأمر بِهِ سُوَيْد بن غَفلَة: وروى ابْن جريج عَن نَافِع أَن ابْن عمر لم يكن يشرب من النَّبِيذ فِي الْحَج، وَكَذَا روى خَالِد ابْن أبي بكر أَنه حج مَعَ سَالم مَا لَا يُحْصى، فَلم يره يشرب من نَبِيذ السِّقَايَة. وَفِيه: إِثْبَات أَمر السِّقَايَة للْحَاج، وَأَن مشروعيته من بَاب إكرام الضَّيْف واصطناع الْمَعْرُوف. وَفِيه: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم تحرم عَلَيْهِ الصَّدقَات الَّتِي سَبِيلهَا الْمَعْرُوف كالمياه الَّتِي تكون فِي السقايات تشربها الْمَارَّة. وَقَالَ ابْن التِّين: شربه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَخْلُو أَن يكون ذَلِك من مَال الْكَعْبَة الَّذِي كَانَ يُؤْخَذ لَهَا من الْخمس، أَو من مَال الْعَبَّاس الَّذِي عمله للغني وَالْفَقِير، فَشرب مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليسهل على النَّاس. وَفِيه: أَنه لَا يكره طلب السَّقْي من الْغَيْر. وَفِيه: رد مَا يعرض على الْمَرْء من الْإِكْرَام إِذا عارضته مصلحَة أولى مِنْهُ، لِأَن رده لما عرض عَلَيْهِ الْعَبَّاس مِمَّا يُؤْتى بِهِ من بَيته لمصْلحَة التَّوَاضُع الَّتِي ظَهرت من شربه مِمَّا يشرب مِنْهُ النَّاس. وَفِيه: التَّرْغِيب فِي سقِِي المَاء خُصُوصا مَاء زَمْزَم. وَفِيه: تواضع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: حرص أَصْحَابه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الِاقْتِدَاء بِهِ. وَفِيه: كَرَاهَة التقذر والتكره للمأكولات والمشروبات. وَفِيه: أَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الطَّهَارَة لتنَاوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الشَّرَاب الَّذِي غمست فِيهِ الْأَيْدِي، قَالَه ابْن التِّين، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.

(بابُ مَا جاءَ فِي زَمْزَمَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي ذكر زَمْزَم من الْآثَار. قيل: وَلم يذكر مَا جَاءَ فِيهِ من فَضله، لِأَنَّهُ كَانَ لم يثبت عِنْده بِشَرْطِهِ، وَاكْتفى بِذكرِهِ مُجَردا. قلت: لَا نسلم ذَلِك، فَإِن حَدِيث الْبَاب يدل على فَضلهَا، لِأَن فِيهِ: (فَفرج صَدْرِي ثمَّ غسله بِمَاء زَمْزَم) ، وَهَذَا يدل قطعا على فَضلهَا حَيْثُ اخْتصَّ غسل صَدره، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِمَائِهَا دون غَيرهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا ركضة جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وسقيا إِسْمَاعِيل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي (مُعْجم مَا استعجم) : هِيَ بِفَتْح الأول وَسُكُون الثَّانِي وَفتح الزَّاي الثَّانِيَة، قَالَ: وَيُقَال بِضَم الأول وَفتح الثَّانِي وَكسر الزَّاي الثَّانِيَة، وَيُقَال بِضَم أَوله وَفتح ثَانِيه وتشديده وَكسر الزَّاي الثَّانِيَة. وَفِي (كتاب الْأَزْهَرِي) عَن ابْن الْأَعرَابِي: زَمْزَم وزمم وزمزام، وَتسَمى: ركضة جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وهمزمة جِبْرِيل، وهزمة جِبْرِيل، بِتَقْدِيم الزَّاي، وهزمة الْملك، وَتسَمى: الشباعة. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَرَوَاهُ الخازرنجي: شباعة، وَقَالَ صاعد فِي (الفصوص) وَمن أسمائها: تكْتم، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: إِنَّمَا سميت زَمْزَم لِأَن بابل بن ساسان حَيْثُ سَار إِلَى الْيمن دفن سيوف قلعته وحلي الزمازمة فِي مَوضِع بِئْر زَمْزَم، فَلَمَّا احتفرها عبد الْمطلب أصَاب السيوف والحلي فِيهِ سميت زَمْزَم. وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: سميت زَمْزَم لِأَنَّهَا زمت بِالتُّرَابِ لِئَلَّا يَأْخُذ المَاء يَمِينا وَشمَالًا، وَلَو تركت لساحت على وَجه الأَرْض حَتَّى مَلأ كل شَيْء. وَقَالَ الْحَرْبِيّ: سميت بزمزمة المَاء، وَهُوَ حركته، وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ بَعضهم: إِنَّهَا مُشْتَقَّة من قَوْلهم: مَاء زمزوم وزمزام أَي: كثير. وَفِي (الموعب) : مَاء زَمْزَم وزمازم، وَهُوَ الْكثير وَعَن ابْن هِشَام: الزمزمة عِنْد الْعَرَب الْكَثْرَة والاجتماع، وَذكر المَسْعُودِيّ أَن الْفرس كَانَت تحج إِلَيْهَا فِي الزَّمن الأول، والزمزمة صَوت تخرجه الْفرس من خياشيمها.

وَمن فضائلها: مَا رَوَاهُ مُسلم: شرب أَبُو ذَر مِنْهَا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَيْسَ لَهُ طَعَام غَيرهَا. وَأَنه سمن، فَأخْبر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بذلك فَقَالَ: إِنَّهَا مباركة، إِنَّهَا طَعَام طعم وَزَاد أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) وشفاء سقم، وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، مَرْفُوعا: (مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ) ، رِجَاله ثقاة إلَاّ أَنه اخْتلف فِي إرْسَاله وَوَصله، وإرساله أصح. وَعَن أم أَيمن، قَالَت: (مَا رَأَيْت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، شكى جوعا قطّ وَلَا عطشا، كَانَ يَغْدُو إِذا أصبح فيشرب من مَاء زَمْزَم شربه، فَرُبمَا عرضنَا عَلَيْهِ الطَّعَام فَيَقُول: لَا أَنا شبعان شبعان) . ذكره فِي (المُصَنّف الْكَبِير) فِي شرف الْمُصْطَفى، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَعَن عقيل ابْن أبي طَالب، قَالَ: كُنَّا إِذا أَصْبَحْنَا وَلَيْسَ عندنَا طَعَام قَالَ لنا أبي ائْتُوا زَمْزَم فنأتيها فنشرب مِنْهَا فنجتزىء، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعا: (وَهِي هزمة جِبْرِيل وسقيا إِسْمَاعِيل) ، وَذكر الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) أَن جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، أنبط بِئْر زَمْزَم مرَّتَيْنِ: مرّة لآدَم، عَلَيْهِ السَّلَام، حَتَّى انْقَطَعت زمن الطوفان، وَمرَّة لإسماعيل عَلَيْهِ السَّلَام، وروى ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد: (أَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ لرجل: إِذا شربت من زَمْزَم فَاسْتقْبل الْكَعْبَة، وَاذْكُر اسْم الله، عز وَجل، فَإِن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: آيَة مَا بَيْننَا وَبَين الْمُنَافِقين أَنهم لَا يتضلعون من زَمْزَم) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ أَن عبد الله كَانَ إِذا شرب مِنْهَا، قَالَ: أللهم إِنِّي أسأك علما نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وشفاء من كل دَاء. وروى أَحْمد بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث جَابر فِي ذكر حجَّته، عَلَيْهِ السَّلَام، ثمَّ عَاد إِلَى الْحجر ثمَّ ذهب إِلَى زَمْزَم فَشرب مِنْهَا وصب على رَأسه، ثمَّ رَجَعَ فاستلم الرُّكْن ... الحَدِيث.

٥٣٦١ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدَّثنا خَالِدٌ عنْ خالِدٍ الحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فاسْتَسْقَى فَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا فَضْلُ اذْهَبْ إلَى أُمِّكَ فاتِ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِشَرابٍ مِنْ عِنْدِهَا فَقَالَ اسْقِنِي قَالَ يَا رَسولَ الله إنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أيْدِيهِمْ فِيهِ قَالَ إسْقِنِي فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ أتَى زَمْزْمَ وهُمْ يَسْقُونَ ويَعْمَلُونَ فِيهَا فقَال اعْمَلُوا فإنَّكُمُ عَلَى عَمَلٍ صالِحٍ ثُمَّ قَالَ لَوْلَا أنْ تُغْلَبُوا لنَزَلْتُ حَتَّى أضَعَ الحَبْلَ عَلى هاذهِ يَعْنِي عاتِقَهُ وأشَارَ إلَى عاتِقِهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (جَاءَ إِلَى السِّقَايَة) ، هَذَا الأسناد بِعَيْنِه مضى فِي أول: بَاب الْمَرِيض يطوف رَاكِبًا، وَإِسْحَاق هُوَ ابْن شاهين الوَاسِطِيّ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هُوَ إِسْحَاق بن بشر، وَهُوَ وهم، وخَالِد الأول: هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَّان، وَالثَّانِي: خَالِد ابْن مهْرَان الْحذاء.

وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَ إِلَى السِّقَايَة) ، قد ذكرنَا أَن السِّقَايَة مَا يبْنى للْمَاء، وَهُوَ الْموضع الَّذِي يسقى فِيهِ المَاء، وَفِي (الْمُجْمل) : هُوَ الْموضع الَّذِي يتَّخذ فِيهِ الشَّرَاب فِي الْمَوْسِم وَغَيره. قَوْله: (فَاسْتَسْقَى) أَي: طلب الشّرْب. قَوْله: (يَا فضل) ، هُوَ ابْن الْعَبَّاس أَخُو عبد الله، وأمهما لبَابَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة. قَوْله: (إِنَّهُم يجْعَلُونَ إيديهم فِيهِ) وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ عَن أبي كريب عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما طَاف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى الْعَبَّاس وَهُوَ فِي السِّقَايَة فَقَالَ: إسقوني. قَالَ الْعَبَّاس: إِن هَذَا قد مرت يَعْنِي: قد مرس أَفلا أسقيك مِمَّا فِي بُيُوتنَا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن إسقوني مِمَّا يشرب النَّاس، فَأتى بِهِ فذاقه، فقطب ثمَّ دَعَا بِمَاء فَكَسرهُ، ثمَّ قَالَ: إِذا اشْتَدَّ نبيذكم فاكسروه بِالْمَاءِ، وتقطيبه مِنْهُ إِنَّمَا كَانَ لحموضة فَقَط، وكسره بِالْمَاءِ ليهون عَلَيْهِ شربه، وَمثل ذَلِك يحمل على مَا رُوِيَ عَن عمر وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فِيهِ لَا غير. وروى مُسلم من حَدِيث بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ قَالَ: كنت جَالِسا مَعَ ابْن عَبَّاس عِنْد الْكَعْبَة، فَأَتَاهُ أَعْرَابِي فَقَالَ: مَا لي أرى بني عمكم يسقون الْعَسَل وَاللَّبن وَأَنْتُم تسقون النَّبِيذ؟ أَمن حَاجَة بكم أم من بخل؟ فَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْحَمد لله، مَا بِنَا من حَاجَة وَلَا بخل، قدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على رَاحِلَته وَخَلفه أُسَامَة، فَاسْتَسْقَى، فأتيناه بِإِنَاء فِيهِ نَبِيذ فَشرب وَسَقَى فَضله أُسَامَة، وَقَالَ: أَحْسَنْتُم وَأَجْمَلْتُمْ، كَذَا فَاصْنَعُوا، وَلَا نزيد مَا أَمر بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (قَالَ: اسْقِنِي) ويروى: (فَقَالَ) ، الْفَاء فِيهِ فصيحة أَي: فَذهب فَأتى بِالشرابِ، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إسقني. قَوْله: (وهم يسقون) ، جملَة حَالية أَي: يسقون النَّاس. قَوْله: (ويعملون فِيهَا) ، أَي: ينزحون مِنْهَا المَاء. قَوْله: (لَوْلَا أَن تغلبُوا) ، بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: لَوْلَا أَن يجْتَمع عَلَيْكُم النَّاس، وَمن كَثْرَة الزحام تصيرون مغلوبين. وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَي أَنكُمْ لَا تتركوني أستقي وَلَا أحب أَن أفعل بكم مَا تَكْرَهُونَ فتغلبوا. وَقيل: مَعْنَاهُ لَوْلَا أَن تقع عَلَيْكُم الْغَلَبَة بِأَن يجب عَلَيْكُم ذَلِك بِسَبَب فعلي. وَقيل. مَعْنَاهُ: لَوْلَا أَن تغلبُوا بِأَن ينتزعها الْوُلَاة مِنْكُم حرصا على حِيَازَة هَذِه المكرمة. وروى مُسلم من حَدِيث جَابر (أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني عبد الْمطلب وهم يسقون على زَمْزَم، فَقَالَ: إنزغوا بني عبد الْمطلب، فلولا أَن يغلبكم النَّاس على سِقَايَتكُمْ لنزغت مَعكُمْ، فناولوه دلوا فَشرب مِنْهُ) . وَذكر ابْن السكن أَن الَّذِي نَاوَلَهُ الدَّلْو هُوَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: دَلِيل على أَن الظَّاهِر أَن أَفعاله فِيمَا يتَّصل بِأُمُور الشَّرِيعَة على الْوُجُوب، فَتَركه الْفِعْل شَفَقَة أَن يتَّخذ سنة، قَالَه الْخطابِيّ. وَفِيه: الشّرْب من سِقَايَة الْحَاج، وَقَالَ طَاوُوس: الشّرْب من سِقَايَة الْعَبَّاس من تَمام الْحَج، وَقَالَ عَطاء: لقد أدْركْت هَذَا الشَّرَاب، وَأَن الرجل ليشْرب فتلتزق شفتاه من حلاوته، فَلَمَّا ذهبت الْحُرِّيَّة وَولى العبيد تهاونوا بِالشرابِ واستخفوا بِهِ، وروى ابْن أبي شيبَة عَن السَّائِب بن عبد الله أَنه أَمر مُجَاهدًا مَوْلَاهُ بِأَن يشرب من سِقَايَة الْعَبَّاس وَيَقُول: إِنَّه من تَمام السّنة. وَقَالَ الرّبيع بن سعد: أَتَى أَبُو جَعْفَر السِّقَايَة فَشرب وَأعْطى جعفرا فَضله، وَمِمَّنْ شرب مِنْهَا: سعيد بن جُبَير وَأمر بِهِ سُوَيْد بن غَفلَة: وروى ابْن جريج عَن نَافِع أَن ابْن عمر لم يكن يشرب من النَّبِيذ فِي الْحَج، وَكَذَا روى خَالِد ابْن أبي بكر أَنه حج مَعَ سَالم مَا لَا يُحْصى، فَلم يره يشرب من نَبِيذ السِّقَايَة. وَفِيه: إِثْبَات أَمر السِّقَايَة للْحَاج، وَأَن مشروعيته من بَاب إكرام الضَّيْف واصطناع الْمَعْرُوف. وَفِيه: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم تحرم عَلَيْهِ الصَّدقَات الَّتِي سَبِيلهَا الْمَعْرُوف كالمياه الَّتِي تكون فِي السقايات تشربها الْمَارَّة. وَقَالَ ابْن التِّين: شربه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَخْلُو أَن يكون ذَلِك من مَال الْكَعْبَة الَّذِي كَانَ يُؤْخَذ لَهَا من الْخمس، أَو من مَال الْعَبَّاس الَّذِي عمله للغني وَالْفَقِير، فَشرب مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليسهل على النَّاس. وَفِيه: أَنه لَا يكره طلب السَّقْي من الْغَيْر. وَفِيه: رد مَا يعرض على الْمَرْء من الْإِكْرَام إِذا عارضته مصلحَة أولى مِنْهُ، لِأَن رده لما عرض عَلَيْهِ الْعَبَّاس مِمَّا يُؤْتى بِهِ من بَيته لمصْلحَة التَّوَاضُع الَّتِي ظَهرت من شربه مِمَّا يشرب مِنْهُ النَّاس. وَفِيه: التَّرْغِيب فِي سقِِي المَاء خُصُوصا مَاء زَمْزَم. وَفِيه: تواضع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: حرص أَصْحَابه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الِاقْتِدَاء بِهِ. وَفِيه: كَرَاهَة التقذر والتكره للمأكولات والمشروبات. وَفِيه: أَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الطَّهَارَة لتنَاوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الشَّرَاب الَّذِي غمست فِيهِ الْأَيْدِي، قَالَه ابْن التِّين، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.

(بابُ مَا جاءَ فِي زَمْزَمَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي ذكر زَمْزَم من الْآثَار. قيل: وَلم يذكر مَا جَاءَ فِيهِ من فَضله، لِأَنَّهُ كَانَ لم يثبت عِنْده بِشَرْطِهِ، وَاكْتفى بِذكرِهِ مُجَردا. قلت: لَا نسلم ذَلِك، فَإِن حَدِيث الْبَاب يدل على فَضلهَا، لِأَن فِيهِ: (فَفرج صَدْرِي ثمَّ غسله بِمَاء زَمْزَم) ، وَهَذَا يدل قطعا على فَضلهَا حَيْثُ اخْتصَّ غسل صَدره، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِمَائِهَا دون غَيرهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا ركضة جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وسقيا إِسْمَاعِيل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي (مُعْجم مَا استعجم) : هِيَ بِفَتْح الأول وَسُكُون الثَّانِي وَفتح الزَّاي الثَّانِيَة، قَالَ: وَيُقَال بِضَم الأول وَفتح الثَّانِي وَكسر الزَّاي الثَّانِيَة، وَيُقَال بِضَم أَوله وَفتح ثَانِيه وتشديده وَكسر الزَّاي الثَّانِيَة. وَفِي (كتاب الْأَزْهَرِي) عَن ابْن الْأَعرَابِي: زَمْزَم وزمم وزمزام، وَتسَمى: ركضة جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وهمزمة جِبْرِيل، وهزمة جِبْرِيل، بِتَقْدِيم الزَّاي، وهزمة الْملك، وَتسَمى: الشباعة. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَرَوَاهُ الخازرنجي: شباعة، وَقَالَ صاعد فِي (الفصوص) وَمن أسمائها: تكْتم، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: إِنَّمَا سميت زَمْزَم لِأَن بابل بن ساسان حَيْثُ سَار إِلَى الْيمن دفن سيوف قلعته وحلي الزمازمة فِي مَوضِع بِئْر زَمْزَم، فَلَمَّا احتفرها عبد الْمطلب أصَاب السيوف والحلي فِيهِ سميت زَمْزَم. وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: سميت زَمْزَم لِأَنَّهَا زمت بِالتُّرَابِ لِئَلَّا يَأْخُذ المَاء يَمِينا وَشمَالًا، وَلَو تركت لساحت على وَجه الأَرْض حَتَّى مَلأ كل شَيْء. وَقَالَ الْحَرْبِيّ: سميت بزمزمة المَاء، وَهُوَ حركته، وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ بَعضهم: إِنَّهَا مُشْتَقَّة من قَوْلهم: مَاء زمزوم وزمزام أَي: كثير. وَفِي (الموعب) : مَاء زَمْزَم وزمازم، وَهُوَ الْكثير وَعَن ابْن هِشَام: الزمزمة عِنْد الْعَرَب الْكَثْرَة والاجتماع، وَذكر المَسْعُودِيّ أَن الْفرس كَانَت تحج إِلَيْهَا فِي الزَّمن الأول، والزمزمة صَوت تخرجه الْفرس من خياشيمها.

وَمن فضائلها: مَا رَوَاهُ مُسلم: شرب أَبُو ذَر مِنْهَا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَيْسَ لَهُ طَعَام غَيرهَا. وَأَنه سمن، فَأخْبر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بذلك فَقَالَ: إِنَّهَا مباركة، إِنَّهَا طَعَام طعم وَزَاد أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) وشفاء سقم، وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، مَرْفُوعا: (مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ) ، رِجَاله ثقاة إلَاّ أَنه اخْتلف فِي إرْسَاله وَوَصله، وإرساله أصح. وَعَن أم أَيمن، قَالَت: (مَا رَأَيْت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، شكى جوعا قطّ وَلَا عطشا، كَانَ يَغْدُو إِذا أصبح فيشرب من مَاء زَمْزَم شربه، فَرُبمَا عرضنَا عَلَيْهِ الطَّعَام فَيَقُول: لَا أَنا شبعان شبعان) . ذكره فِي (المُصَنّف الْكَبِير) فِي شرف الْمُصْطَفى، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَعَن عقيل ابْن أبي طَالب، قَالَ: كُنَّا إِذا أَصْبَحْنَا وَلَيْسَ عندنَا طَعَام قَالَ لنا أبي ائْتُوا زَمْزَم فنأتيها فنشرب مِنْهَا فنجتزىء، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعا: (وَهِي هزمة جِبْرِيل وسقيا إِسْمَاعِيل) ، وَذكر الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) أَن جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، أنبط بِئْر زَمْزَم مرَّتَيْنِ: مرّة لآدَم، عَلَيْهِ السَّلَام، حَتَّى انْقَطَعت زمن الطوفان، وَمرَّة لإسماعيل عَلَيْهِ السَّلَام، وروى ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد: (أَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ لرجل: إِذا شربت من زَمْزَم فَاسْتقْبل الْكَعْبَة، وَاذْكُر اسْم الله، عز وَجل، فَإِن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: آيَة مَا بَيْننَا وَبَين الْمُنَافِقين أَنهم لَا يتضلعون من زَمْزَم) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ أَن عبد الله كَانَ إِذا شرب مِنْهَا، قَالَ: أللهم إِنِّي أسأك علما نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وشفاء من كل دَاء. وروى أَحْمد بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث جَابر فِي ذكر حجَّته، عَلَيْهِ السَّلَام، ثمَّ عَاد إِلَى الْحجر ثمَّ ذهب إِلَى زَمْزَم فَشرب مِنْهَا وصب على رَأسه، ثمَّ رَجَعَ فاستلم الرُّكْن ... الحَدِيث.

٦٣٦١ - وَقَالَ عَبْدَانُ أخبرنَا عبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزهْرِيِّ قَالَ أنَسُ بنُ مالِكٍ كانَ أبُو ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يُحَدِّثُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فُرِجَ سَقْفِي وَأَنا بِمَكَّةَ فنَزَلَ جِبْرِيلُ عليهِ السَّلَامُ ففَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِماءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِىءٍ حكْمَةً وَإيمَانا فأفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أطْبَقَهُ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا افْتَحْ قَالَ منْ هاذا قَالَ جِبْرِيلُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ غسله بِمَاء زَمْزَم) ، فَإِن ذكر زَمْزَم جَاءَ فِي الحَدِيث وَهُوَ يدل على فضل زَمْزَم حَيْثُ اخْتصَّ غسله

بهَا دون غَيرهَا من الْمِيَاه، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَقد أخرج هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب كَيفَ فرضت الصَّلَاة فِي الْإِسْرَاء، فِي أول كتاب الصَّلَاة مُسْندًا عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَر يحدث ... إِلَى آخِره، وَذكره هُنَا مُخْتَصرا مُعَلّقا عَن عَبْدَانِ، واسْمه عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي عَن عبد الله ابْن الْمُبَارك الْمروزِي عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً.

٧٣٦١ - حدَّثنا محَمَّدٌ هُوَ ابنُ سَلامٍ قَالَ أخبرنَا الْفَزَارِيُّ عنْ عاصِمٍ عنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا حدَّثَهُ قَالَ سَقَيْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وهْوَ قائِمٌ قالَ عَاصِمٌ فحَلَفَ عِكْرَمَةُ مَا كانَ يَوْمَئِذٍ إلَاّ عَلى بَعِيرٍ.

(الحَدِيث ٧٣٦١ طرفه فِي: ٧١٦٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ ذكر زَمْزَم.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن سَلام بن الْفرج أَبُو عبد الله البيكندي. الثَّانِي: الْفَزارِيّ، بِكَسْر الْفَاء بعْدهَا الزَّاي، وَهُوَ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة. الثَّالِث: عَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول. الرَّابِع: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ. الْخَامِس: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه ذكر مُجَردا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: هُوَ ابْن سَلام، بِذكر أَبِيه. وَفِيه: أَن الْفَزارِيّ وَالشعْبِيّ كوفيان، وَأَن عَاصِمًا بَصرِي. وَفِيه: أَن الْفَزارِيّ وَالشعْبِيّ مذكوران بِالنِّسْبَةِ، وَأَن شَيْخه فِي أَكثر الرِّوَايَة وعاصما مذكوران مجردين عَن النِّسْبَة.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان الثَّوْريّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن أبي كَامِل الجحدري، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، وَعَن شُرَيْح بن يُونُس وَعَن يَعْقُوب الدَّوْرَقِي وَإِسْمَاعِيل بن سَالم وَعَن عبد الله بن معَاذ وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَشْرِبَة عَن أَحْمد بن منيع، وَفِي الشَّمَائِل عَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن عَليّ بن حجر بِهِ، وَعَن زِيَاد بن أَيُّوب وَعَن يَعْقُوب الدَّوْرَقِي. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَشْرِبَة عَن سُوَيْد بن سعيد.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهُوَ قَائِم) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (فَحلف عِكْرِمَة: مَا كَانَ) أَي: مَا كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ يَعْنِي يَوْم سقى ابْن عَبَّاس، رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من مَاء زَمْزَم، وَفِي لفظ ابْن مَاجَه، قَالَ عَاصِم: فَذكرت ذَلِك لعكرمة فَحلف بِاللَّه مَا فعل! أَي: مَا شرب قَائِما لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ رَاكِبًا.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الرُّخْصَة فِي الشّرْب قَائِما. وَقيل: إِن الشّرْب من زَمْزَم من غير قيام يشق لارْتِفَاع مَا عَلَيْهَا من الْحَائِط. وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ البُخَارِيّ أَن الشّرْب من مَاء زَمْزَم من سنَن الْحَج. فَإِن قلت: روى ابْن جرير عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ لَا يشرب مِنْهَا فِي الْحَج قلت: لَعَلَّه إِنَّمَا تَركه لِئَلَّا يظنّ أَن شربه من الْفَرْض اللَّازِم، وَقد فعله أَولا مَعَ أَنه كَانَ شَدِيد الِاتِّبَاع للآثار، بل لم يكن أحدا تبع لَهَا مِنْهُ، وَنَصّ أَصْحَاب الشَّافِعِي على شربه، وَقَالَ وهب بن مُنَبّه: نجدها فِي كتاب الله: شراب الْأَبْرَار، وَطَعَام طعم وشفاء سقم، لَا تنزح وَلَا تزم، من شرب مِنْهَا حَتَّى يتضلع أحدثت لَهُ شِفَاء وأخرجت عَنهُ دَاء.

وَاعْلَم أَنه رُوِيَ فِي الشّرْب قَائِما أَحَادِيث كَثِيرَة. مِنْهَا: النَّهْي عَن ذَلِك، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ مُسلم بقوله: بَاب الزّجر عَن الشّرْب قَائِما. وَحدثنَا هداب بن خَالِد حَدثنَا همام حَدثنَا قَتَادَة عَن أنس أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، زجر عَن الشّرْب قَائِما، وَفِي لفظ لَهُ عَن أنس عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه نهى أَن يشرب الرجل قَائِما. قَالَ قَتَادَة: فَقُلْنَا: فالأكل؟ قَالَ: ذَاك أَشد وأخبث. وَفِي رِوَايَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، زجر عَن الشّرْب قَائِما. وَفِي لفظ: نهى عَن الشّرْب قَائِما، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يشربن أحدكُم قَائِما، فَمن نسي فليستق) . وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْجَارُود بن الْمُعَلَّى أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نهى عَن الشّرْب قَائِما. وَمِنْهَا: إِبَاحَة الشّرْب قَائِما، فَمن ذَلِك

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ.

[الحديث ١٦٣٤ - أطرافه في: ١٧٤٣، ١٧٤٤، ١٧٤٥]

١٦٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا. فَقَالَ: اسْقِنِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ: اسْقِنِي، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا فَقَالَ: اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ. يَعْنِي عَاتِقَهُ. وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ سِقَايَةِ الْحَاجِّ): قَالَ الْفَاكِهِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سِقَايَةُ الْحَاجِّ زَمْزَمُ. وَقَالَ الْأَزْرَقِيُّ: كَانَ عَبْدُ مَنَافٍ يَحْمِلُ الْمَاءَ فِي الرَّوَايَا وَالْقِرَبِ إِلَى مَكَّةَ وَيَسْكُبُهُ فِي حِيَاضٍ مِنْ أَدَمٍ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ لِلْحُجَّاجِ، ثُمَّ فَعَلَهُ ابْنُهُ هَاشِمٌ بَعْدَهُ، ثُمَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ; فَلَمَّا حُفِرَ زَمْزَمُ كَانَ يَشْتَرِي الزَّبِيبَ فَيَنْبِذُهُ فِي مَاءِ زَمْزَمَ وَيَسْقِي النَّاسَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا وَلِيَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ أَمْرَ الْكَعْبَةِ كَانَ إِلَيْهِ الْحِجَابَةُ وَالسِّقَايَةُ وَاللِّوَاءُ وَالرِّفَادَةُ وَدَارُ النَّدْوَةِ، ثُمَّ تَصَالَحَ بَنُوهُ عَلَى أَنَّ لِعَبْدِ مَنَافٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ وَالْبَقِيَّةَ لِلْأَخَوَيْنِ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ: ثُمَّ وَلِيَ السِّقَايَةَ مِنْ بَعْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلَدُهُ الْعَبَّاسُ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَحْدَثِ إِخْوَتِهِ سِنًّا - فَلَمْ تَزَلْ بِيَدِهِ حَتَّى قَامَ الْإِسْلَامُ وَهِيَ بِيَدِهِ، فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ مَعَهُ، فَهِيَ الْيَوْمَ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ.

وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ تَكَلَّمَ الْعَبَّاسُ، وَعَلِيٌّ، وَشَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ فِي السِّقَايَةِ وَالْحِجَابَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ قَالَ: حَتَّى تُفْتَحَ مَكَّةُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْعَبَّاسَ لَمَّا مَاتَ أَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يَأْخُذَ السِّقَايَةَ، فَقَالَ لَهُ طَلْحَةُ: أَشْهَدُ لَرَأَيْتُ أَبَاهُ يَقُومُ عَلَيْهَا، وَأَنَّ أَبَاكَ أَبَا طَالِبٍ لَنَازِلٌ فِي إِبِلِهِ بِالْأَرَاكِ بِعَرَفَةَ. قَالَ فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنِ السِّقَايَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،. لَوْ جَمَعْتَ لَنَا الْحِجَابَةَ وَالسِّقَايَةَ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَعْطَيْتُكُمْ مَا تُرْزَءُونَ وَلَمْ أُعْطِكُمْ مَا تَرْزءون. الْأَوَّلُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَالثَّانِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الزَّايِ، أَيْ أَعْطَيْتُكُمْ مَا يَنْقُصُكُمْ لَا مَا تَنْقُصُونَ بِهِ النَّاسَ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَالْفَاكِهِيُّ حَدِيثَ السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اشْرَبُوا مِنْ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْإِذْنِ لِلْعَبَّاسِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الْحَجِّ.

ثَانِيهِمَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ شُرْبِهِ مِنْ شَرَابِ السِّقَايَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ الْوَاسِطِيُّ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْإِسْنَادُ بِعَيْنِهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَسْقَى) أَيْ طَلَبَ الشُّرْبَ. وَالْفَضْلُ هُوَ ابْنُ الْعَبَّاسِ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأُمُّهُ هِيَ أُمُّ الْفَضْلِ لُبَابَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ، وَهِيَ وَالِدَةُ عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا قَدْ مُرِثَ، أَفَلَا أَسْقِيكَ مِنْ بُيُوتِنَا؟ قَالَ لَا، وَلَكِنِ اسْقِنِي مِمَّا يَشْرَبُ مِنْهُ النَّاسُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ اسْقِنِي) زَادَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ فِي رِوَايَتِهِ: فَنَاوَلَهُ الْعَبَّاسُ الدَّلْوَ.

قَوْلُهُ: (فَشَرِبَ مِنْهُ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ الْمَذْكُورَةِ فَأُتِيَ بِهِ فَذَاقَهُ فَقَطَّبَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَكَسَرَهُ. قَالَ: وَتَقْطِيبُهُ إِنَّمَا كَانَ لِحُمُوضَتِهِ، وَكَسَرَهُ بِالْمَاءِ لِيَهُونَ عَلَيْهِ شُرْبُهُ وَعُرِفَ بِهَذَا جِنْسُ الْمَطْلُوبِ شُرْبُهُ إِذْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السُّنَّة عندهم كان مجانبًا جدًا، خصوصًا إذا انضمَّ إليها الانفراد عن جميع (١) النَّاس مع الرَّسول ، فاستأذن لإسقاط الإساءة الكائنة بسبب عدم موافقته ، لما فيه من إظهار المخالفة المستلزمة لسوء الأدب (٢)؛ إذ إنَّه كان يبيت بمنًى ليالي أيَّام التَّشريق.

١٦٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو (٣) ابن شاهين الواسطيُّ، لا ابن بشرٍ، قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الطَّحَّان (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ) التي يُسقَى بها الماء (٤) في الموسم وغيره (فَاسْتَسْقَى) طلبَ الشَّراب (فَقَالَ العَبَّاسُ) لولده: (يَا فَضْلُ اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ) أمِّ الفضل لبابة بنت الحارث الهلاليَّة (فَأْتِ رَسُولَ اللهِ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ) : (اسْقِنِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ) تواضعًا وإرشادًا إلى أنَّ الأصل الطَّهارة والنَّظافة، حتَّى يتحقَّق أو يظنَّ ما يخالف الأصل: (اسْقِنِي) زاد الطَّبرانيُّ (٥): «ممَّا يشرب منه النَّاس» وزاد أبو عليِّ بن السَّكن في روايته: «فناوله العبَّاس الدَّلو» (فَشَرِبَ مِنْهُ) زاد الطَّبرانيُّ: فذاقه فقطَّب، ثمَّ دعا بماءٍ فكسره، ثمَّ قال: «إذا اشتدَّ نبيذكم فاكسروه بالماء» وتقطيبه منه إنَّما كان لحموضته فقط، وكسره بالماء ليهون شربه عليه (ثُمَّ أَتَى) (زَمْزَمَ، وَهُمْ يَسْقُونَ) النَّاس،

والجملة حاليَّةٌ (وَيَعْمَلُونَ فِيهَا) أي: ينزحون منها الماء (فَقَالَ) لهم: (اعْمَلُوا، فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ قَالَ) : (لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح اللَّام مبنيًّا للمفعول، أي: لولا أن يجتمع عليكم النَّاس -إذا رأوني قد عملته- لرغَّبتهم في الاقتداء بي فيغلبوكم بالمكاثرة (لَنَزَلْتُ) عن راحلتي (حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ-يَعْنِي) : (عَاتِقَهُ- وَأَشَارَ) بقوله : «هذه» (إِلَى عَاتِقِهِ) وفيه إشارةٌ إلى أنَّ السِّقايات العامَّة -كالآبار والصَّهاريج- يتناول منها الغنيُّ والفقير إلَّا أن ينصَّ على إخراج الغنيِّ لأنَّه تناول من ذلك الشَّراب العامِّ، وهو لا يحلُّ له الصَّدقة، فيُحمَل الأمر في هذه السِّقايات على أنَّها موقوفةٌ فيه للنَّفع العامِّ، فهي للغنيِّ هديَّةٌ وللفقير صدقةٌ، وفيه أيضًا: كراهة التَّقذُّر والتَّكرُّه للمأكولات والمشروبات، وموضع التَّرجمة منه قوله: «جاء إلى السِّقاية».

(٧٦) (بابُ مَا جَاءَ فِي زَمْزَمَ) بفتح الزَّايين (١) وسكون الميم الأولى، وسُمِّيت بذلك لكثرة مائها، والماء الزَّمزم: هو الكثير، وقِيل: لِزَمِّ هاجرَ ماءَها حين انفجرت، وقِيل: لزمزمة جبريل وكلامه، وتُسمَّى: الشَّبَّاعة، وبركة، ونافعة، ومضنونة، وبَرَّة، وميمونة، وكافية، وعافية، ومغذِّية،

ومروية، وطعام طُعْمٍ، وشفاء سُقْمٍ، وأوَّل من أظهرها جبريل سقيًا لإسماعيل عندما ظمئ، وحفرها الخليل بعد جبريل فيما ذكره (١) الفاكهيُّ، ثمَّ غُيِّبت بعد ذلك لاندراس موضعها لاستخفاف جرهم بحرمة الحرم والكعبة، أو لدفنهم لها عندما نُفُوا من مكَّة، ثمَّ منحها الله تعالى عبد المطَّلب فحفرها بعد أن أُعلِمت له في المنام بعلاماتٍ استبان له بها موضعها، ولم تَزَلْ ظاهرةً إلى الآن، ولها فضائل وردت في أحاديث لم يذكر المؤلِّف شيئًا منها لكونها لم تكن على شرطه صريحًا، وفي «مسلمٍ» من حديث أبي ذرٍّ: «ماء زمزم طعامُ طُعْمٍ» وزاد الطَّيالسيُّ: «وشفاء سقمٍ»، وفي «المستدرك» من حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «ماء زمزم (٢) لما شُرِب له» وصحَّحه البيهقيُّ في «الشُّعب»، وصحَّحه ابن عُيَيْنَةَ فيما نقله ابن الجوزيِّ في «الأذكياء»، وكذا صحَّحه ابن حبَّان، ووثَّق رجاله الحافظ الدِّمياطيُّ إلَّا أنَّه اختُلِف في وصله وإرساله، قال في «الفتح»: وإرساله أصحُّ، وله شاهدٌ من حديث جابرٍ وهو أتمُّ منه، أخرجه البيهقيُّ (٣) وابن ماجه ورجاله ثقاتٌ إلَّا عبد الله بن المُؤمَّل المكِّي، فذكر العقيليُّ أنَّه تفرَّد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقيِّ من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزَّيَّات (٤)، وبالجملة فقد ثبتت صحَّة هذا الحديث إلَّا ما قِيل: إنَّ الجارود تفرَّد عن ابن عيينة بوصله، ومثله لا يُحتَجُّ به إذا انفرد فكيف إذا خالف، وهو من رواية الحميديِّ وابن أبي عمرٍ وغيرهما ممَّن لازم ابن عيينة أكثر من الجارود فيكون أَولى، لكنَّ الذي يحتاج إليه الحكم بصحَّة المتن عن النَّبيِّ ، ولا علينا كونه من خصوص طريقٍ بعينها، وهنا أمورٌ تدلُّ عليه؛ منها: أنَّ مثله لا مجال للرَّأي فيه فوجب كونه سماعًا، وكذا إن قلنا: العبرة في تعارض

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَاف بالبَيْتِ وَهْوَ عَلى بَعِيرٍ كُلَّما أَتَى على الرُّكْنِ أشارَ إلَيْهِ بِشَيءٍ فِي يَدِهِ وكبَّرَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مر الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب التَّكْبِير عِنْد الرُّكْن. أخركه عَن مُسَدّد عَن خَالِد ... إِلَى آخِره. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب من أَشَارَ إِلَى الرُّكْن عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب عَن خَالِد، وَهنا أخرجه عَن إِسْحَاق الوَاسِطِيّ وَهُوَ إِسْحَاق بن شاهين أَبُو بشر، وَفِي بعض النّسخ هَكَذَا: إِسْحَاق بن شاهين، بنسبته إِلَى أَبِيه، وَهُوَ من أَفْرَاده يروي عَن خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان عَن خَالِد بن مهْرَان الْحذاء، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.

٣٣٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمةَ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنُ مُحمَّدِ بنِ عبْدِ الرحمانِ بنِ نوْفلٍ عنْ عُرْوَةَ عَن زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمةَ عَن أُمِّ سَلمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ شَكوْتُ إلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنِّي أشْتَكِي فَقَالَ طُوفي مِنْ وراءِ النَّاسِ وأنْتِ راكِبةٌ فطُفْتُ ورسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ وهْوَ يَقرأ بالطُّورِ وكِتابٍ مسْطورٍ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مر الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب طواف النِّسَاء مَعَ الرِّجَال، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِسْمَاعِيل ابْن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك عَن مَالك، وَهنا أخرجه: عَن عبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الميمين القعْنبِي عَن مَالك، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً. وَالله أعلم.

٥٧ - (بابُ سِقَايَةِ الْحَاجِّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر سِقَايَة الْحَاج، والسقاية بِكَسْر السِّين مَا يبْنى للْمَاء، وَأما السِّقَايَة الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: {اجعلتم سِقَايَة الْحَاج} (التَّوْبَة: ٩١) . فَهُوَ مصدر، وَالَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: {جعل السِّقَايَة فِي رَحل أَخِيه} (يُوسُف: ٠٧) . مشربَة الْملك. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هِيَ الصواع الَّذِي كَانَ الْملك يشرب فِيهِ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: سِقَايَة الْحَاج مَا كَانَت قُرَيْش تسقيه الْحَاج من الزَّبِيب المنبوذ فِي المَاء وَكَانَ يَليهَا عَبَّاس بن عبد الْمطلب فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام، وَقَالَ الفاكهي: حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد حَدثنَا الْحسن بن مُحَمَّد بن عبيد الله حَدثنَا ابْن جريج عَن عَطاء، قَالَ: سِقَايَة الْحَاج زَمْزَم. وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ: كَانَ عبد منَاف يتَحَمَّل المَاء فِي الرَّوايا والقِرَب إِلَى مَكَّة ويسكبه فِي حِيَاض من أَدَم بِفنَاء الْكَعْبَة للْحَاج، ثمَّ فعله ابْنه هِشَام بعده، ثمَّ عبد الْمطلب، فَلَمَّا حفر زَمْزَم كَانَ يَشْتَرِي الزَّبِيب فنبذه فِي مَاء زَمْزَم. ويسقي النَّاس. وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: لما ولي قصي بن كلاب أَمر الْكَعْبَة كَانَ إِلَيْهِ الحجابة والسقاية واللواء والوفادة وَدَار الندوة، ثمَّ تصالح بنوه على أَن لعبد منَاف السِّقَايَة والوفادة، والبقية للآخرين. ثمَّ ذكر نَحْو مَا تقدم. قَالَ: ثمَّ ولي السِّقَايَة من بعد عبد الْمطلب وَلَده الْعَبَّاس، وَهُوَ يَوْمئِذٍ من أحدث إخْوَته سنا، فَلم تزل بِيَدِهِ حَتَّى قَامَ الْإِسْلَام، وَهِي بِيَدِهِ، وأقرها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَه فَهِيَ الْيَوْم إِلَى بني الْعَبَّاس.

٣٤٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ أبي الأسْوَدِ قَالَ حدَّثنا أبُو ضَمْرَةَ قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله عَن نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ اسْتأذَنَ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يَبيتَ بِمكَّةَ لَياليَ مِنىً منْ أجْلِ سِقايَتهِ فأذِنَ لهُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من أجل سقايته) لِأَن السِّقَايَة كَانَت بِيَدِهِ بعد أَبِيه عبد الْمطلب كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا. والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَعبد الله بن مُحَمَّد بن أبي الْأسود ضد الْأَبْيَض. وَقد مر فِي: بَاب فضل أللهم رَبنَا لَك الْحَمد، وَأَبُو ضَمرَة بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وبالراء، واسْمه أنس بن عِيَاض اللَّيْثِيّ الْمدنِي، وَعبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

قَوْله: (ليَالِي منى) هِيَ: لَيْلَة الْحَادِي عشر، وَالثَّانِي عشر، وَالثَّالِث عشر، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا يدل على مَسْأَلَتَيْنِ:

إِحْدَاهمَا: أَن الْمبيت بمنى ليَالِي أَيَّام التَّشْرِيق مَأْمُور بِهِ، وَهل هُوَ وَاجِب أَو سنة؟ قَالَ أَبُو حنيفَة: سنة. وَالْآخرُونَ: وَاجِب. وَالثَّانيَِة: يجوز لأهل السِّقَايَة أَن يتْركُوا هَذَا الْمبيت ويذهبوا إِلَى مَكَّة ليستقوا بِاللَّيْلِ المَاء من زَمْزَم، ويجعلوه فِي الْحِيَاض مسبلاً للْحَاج، وَلَا يخْتَص ذَلِك عِنْد الشَّافِعِي بِالْعَبَّاسِ، بل كل من تولى السِّقَايَة كَانَ لَهُ ذَلِك، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: تخْتَص الرُّخْصَة بِالْعَبَّاسِ، وَقَالَ بَعضهم: بآل الْعَبَّاس. انْتهى. قلت: قَالَ بَعضهم: تخْتَص ببني هَاشم من آل عَبَّاس وَغَيرهم، وَقَالَ أَصْحَابنَا: يكره أَن لَا يبيت بمنى ليالى الرَمَل لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَات بهَا، وَكَذَا عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ يُؤَدب على تَركه، فَلَو بَات فِي غَيره مُتَعَمدا لَا يلْزمه شَيْء. وَقَالَ بَعضهم: الْمبيت فِي هَذِه اللَّيَالِي سنة عندنَا، وَبِه قَالَ أهل الظَّاهِر. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: رُوِيَ نَحوه عَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن، وَقَالَ ابْن بطال: رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن ابْن عَبَّاس.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمبيت بمنى ليَالِي التَّشْرِيق من سنَن الْحَج بِلَا خلاف، إلَاّ لِذَوي السِّقَايَة أَو الرُّعَاة، وَمن تعجل بالنفر فِي ترك ذَلِك فِي لَيْلَة وَاحِدَة أَو جَمِيع اللَّيَالِي كَانَ عَلَيْهِ دم عِنْد مَالك، وَقَالَ السفاقسي: الْمبيت بهَا مَأْمُور بِهِ، وإلَاّ فَكَانَ يجوز للْعَبَّاس وَغَيره ذَلِك دون إرخاص، وَهُوَ أَن يبيت من جَمْرَة الْعقبَة إِلَيْهَا، وَقَالَ مَالك: من بَات وَرَاء الْجَمْرَة فَعَلَيهِ الْفِدْيَة وَوَجهه أَنه يبيت بِغَيْر منى وَهُوَ مبيت مَشْرُوع فِي الْحَج فَلَزِمَ الدَّم بِتَرْكِهِ كالمبيت بِالْمُزْدَلِفَةِ. وَعند ابْن أبي شيبَة عَن زيد بن حباب أَنبأَنَا إِبْرَاهِيم بن نَافِع أَنبأَنَا عَمْرو ابْن دِينَار عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِذا رميت الْجمار بت حَيْثُ شِئْت. حَدثنَا زيد بن حباب أَنبأَنَا إِبْرَاهِيم حَدثنَا ابْن أبي نجيح عَن عَطاء، قَالَ: لَا بَأْس أَن يبيت الرجل بِمَكَّة ليَالِي منى إِذا كَانَ فِي ضيعته. وَمن حَدِيث لَيْث عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لَا يبيتن أحد من وَرَاء الْعقبَة لَيْلًا بمنى أَيَّام التَّشْرِيق. وَمن حَدِيث عبد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن عمر كَانَ ينْهَى أَن يبيت أحد من وَرَاء الْعقبَة، وَكَانَ يَأْمُرهُم أَن يدخلُوا منى. وَمن حَدِيث حجاج عَن عَطاء أَن ابْن عمر كَانَ يكره أَن ينَام أحد أَيَّام منى بِمَكَّة. وَمن حَدِيث لَيْث عَن مُجَاهِد: لَا بَأْس أَن يكون أول اللَّيْل بِمَكَّة وَآخره بمنى، وَلَا بَأْس أَن يكون أول اللَّيْل بمنىٍ وأخره بِمَكَّة. وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب من السّنة إِذا زرت الْبَيْت أَن لَا تبيت إلَاّ بمنى. وَعَن أبي قلَابَة: إجعلوا أَيَّام منى بمنى. وَعَن عُرْوَة: لَا يبيتن أحد من وَرَاء الْعقبَة أَيَّام التَّشْرِيق. وَقَالَ إِبْرَاهِيم: إِذا بَات دون الْعقبَة اهراق لذَلِك دَمًا. وَعَن عَطاء: يتَصَدَّق بدرهم أَو نَحوه. وَعَن سَالم: يتَصَدَّق بدرم، والأسانيد إِلَيْهِم صَحِيحَة.

وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : وَمن المعذورين من لَهُ مَال يخَاف ضيَاعه إِن اشْتغل بالمبيت، أَو يخَاف على نَفسه، أَو كَانَ بِهِ مرض أَو لَهُ مَرِيض يطْلب آبقا وَشبه ذَلِك، فَفِي هَؤُلَاءِ وَجْهَان، الصَّحِيح الْمَنْصُوص: يجوز لَهُم ترك الْمبيت، وَلَا شَيْء عَلَيْهِم بِسَبَبِهِ، وَلَهُم النَّفر بعد الْغُرُوب وَلَو ترك البيات نَاسِيا كَانَ كتركه عَامِدًا. وَفِي (التَّوْضِيح) : لَا يحصل الْمبيت إلَاّ بمعظم اللَّيْل، وَفِي قَول: إِن الِاعْتِبَار بِوَقْت بِطُلُوع الْفجْر، وَفِي (الْمُدَوَّنَة) : من بَات عَنْهَا كل اللَّيْل فَعَلَيهِ دم. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: من كَانَ لَهُ مناخ بِمَكَّة يخْشَى عَلَيْهِ ضيَاعه بَات بهَا، وَمُقْتَضَاهُ إِبَاحَته للْعُذْر، وَعَلِيهِ دم على مُقْتَضى قَول ابْن نَافِع فِي (مبسوطه) : من زار الْبَيْت فَمَرض وَبَات بِمَكَّة فَعَلَيهِ هدي يَسُوقهُ من الْحل إِلَى الْحرم، وَإِن بَات اللَّيَالِي كلهَا بِمَكَّة قَالَ الدَّاودِيّ: فَقيل: عَلَيْهِ شَاة، وَقيل: بَدَنَة.

٥٣٦١ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدَّثنا خَالِدٌ عنْ خالِدٍ الحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فاسْتَسْقَى فَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا فَضْلُ اذْهَبْ إلَى أُمِّكَ فاتِ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِشَرابٍ مِنْ عِنْدِهَا فَقَالَ اسْقِنِي قَالَ يَا رَسولَ الله إنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أيْدِيهِمْ فِيهِ قَالَ إسْقِنِي فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ أتَى زَمْزْمَ وهُمْ يَسْقُونَ ويَعْمَلُونَ فِيهَا فقَال اعْمَلُوا فإنَّكُمُ عَلَى عَمَلٍ صالِحٍ ثُمَّ قَالَ لَوْلَا أنْ تُغْلَبُوا لنَزَلْتُ حَتَّى أضَعَ الحَبْلَ عَلى هاذهِ يَعْنِي عاتِقَهُ وأشَارَ إلَى عاتِقِهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (جَاءَ إِلَى السِّقَايَة) ، هَذَا الأسناد بِعَيْنِه مضى فِي أول: بَاب الْمَرِيض يطوف رَاكِبًا، وَإِسْحَاق هُوَ ابْن

شاهين الوَاسِطِيّ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هُوَ إِسْحَاق بن بشر، وَهُوَ وهم، وخَالِد الأول: هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَّان، وَالثَّانِي: خَالِد ابْن مهْرَان الْحذاء.

وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَ إِلَى السِّقَايَة) ، قد ذكرنَا أَن السِّقَايَة مَا يبْنى للْمَاء، وَهُوَ الْموضع الَّذِي يسقى فِيهِ المَاء، وَفِي (الْمُجْمل) : هُوَ الْموضع الَّذِي يتَّخذ فِيهِ الشَّرَاب فِي الْمَوْسِم وَغَيره. قَوْله: (فَاسْتَسْقَى) أَي: طلب الشّرْب. قَوْله: (يَا فضل) ، هُوَ ابْن الْعَبَّاس أَخُو عبد الله، وأمهما لبَابَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة. قَوْله: (إِنَّهُم يجْعَلُونَ إيديهم فِيهِ) وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ عَن أبي كريب عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما طَاف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى الْعَبَّاس وَهُوَ فِي السِّقَايَة فَقَالَ: إسقوني. قَالَ الْعَبَّاس: إِن هَذَا قد مرت يَعْنِي: قد مرس أَفلا أسقيك مِمَّا فِي بُيُوتنَا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن إسقوني مِمَّا يشرب النَّاس، فَأتى بِهِ فذاقه، فقطب ثمَّ دَعَا بِمَاء فَكَسرهُ، ثمَّ قَالَ: إِذا اشْتَدَّ نبيذكم فاكسروه بِالْمَاءِ، وتقطيبه مِنْهُ إِنَّمَا كَانَ لحموضة فَقَط، وكسره بِالْمَاءِ ليهون عَلَيْهِ شربه، وَمثل ذَلِك يحمل على مَا رُوِيَ عَن عمر وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فِيهِ لَا غير. وروى مُسلم من حَدِيث بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ قَالَ: كنت جَالِسا مَعَ ابْن عَبَّاس عِنْد الْكَعْبَة، فَأَتَاهُ أَعْرَابِي فَقَالَ: مَا لي أرى بني عمكم يسقون الْعَسَل وَاللَّبن وَأَنْتُم تسقون النَّبِيذ؟ أَمن حَاجَة بكم أم من بخل؟ فَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْحَمد لله، مَا بِنَا من حَاجَة وَلَا بخل، قدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على رَاحِلَته وَخَلفه أُسَامَة، فَاسْتَسْقَى، فأتيناه بِإِنَاء فِيهِ نَبِيذ فَشرب وَسَقَى فَضله أُسَامَة، وَقَالَ: أَحْسَنْتُم وَأَجْمَلْتُمْ، كَذَا فَاصْنَعُوا، وَلَا نزيد مَا أَمر بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (قَالَ: اسْقِنِي) ويروى: (فَقَالَ) ، الْفَاء فِيهِ فصيحة أَي: فَذهب فَأتى بِالشرابِ، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إسقني. قَوْله: (وهم يسقون) ، جملَة حَالية أَي: يسقون النَّاس. قَوْله: (ويعملون فِيهَا) ، أَي: ينزحون مِنْهَا المَاء. قَوْله: (لَوْلَا أَن تغلبُوا) ، بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: لَوْلَا أَن يجْتَمع عَلَيْكُم النَّاس، وَمن كَثْرَة الزحام تصيرون مغلوبين. وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَي أَنكُمْ لَا تتركوني أستقي وَلَا أحب أَن أفعل بكم مَا تَكْرَهُونَ فتغلبوا. وَقيل: مَعْنَاهُ لَوْلَا أَن تقع عَلَيْكُم الْغَلَبَة بِأَن يجب عَلَيْكُم ذَلِك بِسَبَب فعلي. وَقيل. مَعْنَاهُ: لَوْلَا أَن تغلبُوا بِأَن ينتزعها الْوُلَاة مِنْكُم حرصا على حِيَازَة هَذِه المكرمة. وروى مُسلم من حَدِيث جَابر (أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني عبد الْمطلب وهم يسقون على زَمْزَم، فَقَالَ: إنزغوا بني عبد الْمطلب، فلولا أَن يغلبكم النَّاس على سِقَايَتكُمْ لنزغت مَعكُمْ، فناولوه دلوا فَشرب مِنْهُ) . وَذكر ابْن السكن أَن الَّذِي نَاوَلَهُ الدَّلْو هُوَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: دَلِيل على أَن الظَّاهِر أَن أَفعاله فِيمَا يتَّصل بِأُمُور الشَّرِيعَة على الْوُجُوب، فَتَركه الْفِعْل شَفَقَة أَن يتَّخذ سنة، قَالَه الْخطابِيّ. وَفِيه: الشّرْب من سِقَايَة الْحَاج، وَقَالَ طَاوُوس: الشّرْب من سِقَايَة الْعَبَّاس من تَمام الْحَج، وَقَالَ عَطاء: لقد أدْركْت هَذَا الشَّرَاب، وَأَن الرجل ليشْرب فتلتزق شفتاه من حلاوته، فَلَمَّا ذهبت الْحُرِّيَّة وَولى العبيد تهاونوا بِالشرابِ واستخفوا بِهِ، وروى ابْن أبي شيبَة عَن السَّائِب بن عبد الله أَنه أَمر مُجَاهدًا مَوْلَاهُ بِأَن يشرب من سِقَايَة الْعَبَّاس وَيَقُول: إِنَّه من تَمام السّنة. وَقَالَ الرّبيع بن سعد: أَتَى أَبُو جَعْفَر السِّقَايَة فَشرب وَأعْطى جعفرا فَضله، وَمِمَّنْ شرب مِنْهَا: سعيد بن جُبَير وَأمر بِهِ سُوَيْد بن غَفلَة: وروى ابْن جريج عَن نَافِع أَن ابْن عمر لم يكن يشرب من النَّبِيذ فِي الْحَج، وَكَذَا روى خَالِد ابْن أبي بكر أَنه حج مَعَ سَالم مَا لَا يُحْصى، فَلم يره يشرب من نَبِيذ السِّقَايَة. وَفِيه: إِثْبَات أَمر السِّقَايَة للْحَاج، وَأَن مشروعيته من بَاب إكرام الضَّيْف واصطناع الْمَعْرُوف. وَفِيه: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم تحرم عَلَيْهِ الصَّدقَات الَّتِي سَبِيلهَا الْمَعْرُوف كالمياه الَّتِي تكون فِي السقايات تشربها الْمَارَّة. وَقَالَ ابْن التِّين: شربه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَخْلُو أَن يكون ذَلِك من مَال الْكَعْبَة الَّذِي كَانَ يُؤْخَذ لَهَا من الْخمس، أَو من مَال الْعَبَّاس الَّذِي عمله للغني وَالْفَقِير، فَشرب مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليسهل على النَّاس. وَفِيه: أَنه لَا يكره طلب السَّقْي من الْغَيْر. وَفِيه: رد مَا يعرض على الْمَرْء من الْإِكْرَام إِذا عارضته مصلحَة أولى مِنْهُ، لِأَن رده لما عرض عَلَيْهِ الْعَبَّاس مِمَّا يُؤْتى بِهِ من بَيته لمصْلحَة التَّوَاضُع الَّتِي ظَهرت من شربه مِمَّا يشرب مِنْهُ النَّاس. وَفِيه: التَّرْغِيب فِي سقِِي المَاء خُصُوصا مَاء زَمْزَم. وَفِيه: تواضع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: حرص أَصْحَابه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الِاقْتِدَاء بِهِ. وَفِيه: كَرَاهَة التقذر والتكره للمأكولات والمشروبات. وَفِيه: أَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الطَّهَارَة لتنَاوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الشَّرَاب الَّذِي غمست فِيهِ الْأَيْدِي، قَالَه ابْن التِّين، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.

(بابُ مَا جاءَ فِي زَمْزَمَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي ذكر زَمْزَم من الْآثَار. قيل: وَلم يذكر مَا جَاءَ فِيهِ من فَضله، لِأَنَّهُ كَانَ لم يثبت عِنْده بِشَرْطِهِ، وَاكْتفى بِذكرِهِ مُجَردا. قلت: لَا نسلم ذَلِك، فَإِن حَدِيث الْبَاب يدل على فَضلهَا، لِأَن فِيهِ: (فَفرج صَدْرِي ثمَّ غسله بِمَاء زَمْزَم) ، وَهَذَا يدل قطعا على فَضلهَا حَيْثُ اخْتصَّ غسل صَدره، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِمَائِهَا دون غَيرهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا ركضة جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وسقيا إِسْمَاعِيل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي (مُعْجم مَا استعجم) : هِيَ بِفَتْح الأول وَسُكُون الثَّانِي وَفتح الزَّاي الثَّانِيَة، قَالَ: وَيُقَال بِضَم الأول وَفتح الثَّانِي وَكسر الزَّاي الثَّانِيَة، وَيُقَال بِضَم أَوله وَفتح ثَانِيه وتشديده وَكسر الزَّاي الثَّانِيَة. وَفِي (كتاب الْأَزْهَرِي) عَن ابْن الْأَعرَابِي: زَمْزَم وزمم وزمزام، وَتسَمى: ركضة جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وهمزمة جِبْرِيل، وهزمة جِبْرِيل، بِتَقْدِيم الزَّاي، وهزمة الْملك، وَتسَمى: الشباعة. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَرَوَاهُ الخازرنجي: شباعة، وَقَالَ صاعد فِي (الفصوص) وَمن أسمائها: تكْتم، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: إِنَّمَا سميت زَمْزَم لِأَن بابل بن ساسان حَيْثُ سَار إِلَى الْيمن دفن سيوف قلعته وحلي الزمازمة فِي مَوضِع بِئْر زَمْزَم، فَلَمَّا احتفرها عبد الْمطلب أصَاب السيوف والحلي فِيهِ سميت زَمْزَم. وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: سميت زَمْزَم لِأَنَّهَا زمت بِالتُّرَابِ لِئَلَّا يَأْخُذ المَاء يَمِينا وَشمَالًا، وَلَو تركت لساحت على وَجه الأَرْض حَتَّى مَلأ كل شَيْء. وَقَالَ الْحَرْبِيّ: سميت بزمزمة المَاء، وَهُوَ حركته، وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ بَعضهم: إِنَّهَا مُشْتَقَّة من قَوْلهم: مَاء زمزوم وزمزام أَي: كثير. وَفِي (الموعب) : مَاء زَمْزَم وزمازم، وَهُوَ الْكثير وَعَن ابْن هِشَام: الزمزمة عِنْد الْعَرَب الْكَثْرَة والاجتماع، وَذكر المَسْعُودِيّ أَن الْفرس كَانَت تحج إِلَيْهَا فِي الزَّمن الأول، والزمزمة صَوت تخرجه الْفرس من خياشيمها.

وَمن فضائلها: مَا رَوَاهُ مُسلم: شرب أَبُو ذَر مِنْهَا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَيْسَ لَهُ طَعَام غَيرهَا. وَأَنه سمن، فَأخْبر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بذلك فَقَالَ: إِنَّهَا مباركة، إِنَّهَا طَعَام طعم وَزَاد أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) وشفاء سقم، وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، مَرْفُوعا: (مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ) ، رِجَاله ثقاة إلَاّ أَنه اخْتلف فِي إرْسَاله وَوَصله، وإرساله أصح. وَعَن أم أَيمن، قَالَت: (مَا رَأَيْت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، شكى جوعا قطّ وَلَا عطشا، كَانَ يَغْدُو إِذا أصبح فيشرب من مَاء زَمْزَم شربه، فَرُبمَا عرضنَا عَلَيْهِ الطَّعَام فَيَقُول: لَا أَنا شبعان شبعان) . ذكره فِي (المُصَنّف الْكَبِير) فِي شرف الْمُصْطَفى، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَعَن عقيل ابْن أبي طَالب، قَالَ: كُنَّا إِذا أَصْبَحْنَا وَلَيْسَ عندنَا طَعَام قَالَ لنا أبي ائْتُوا زَمْزَم فنأتيها فنشرب مِنْهَا فنجتزىء، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعا: (وَهِي هزمة جِبْرِيل وسقيا إِسْمَاعِيل) ، وَذكر الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) أَن جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، أنبط بِئْر زَمْزَم مرَّتَيْنِ: مرّة لآدَم، عَلَيْهِ السَّلَام، حَتَّى انْقَطَعت زمن الطوفان، وَمرَّة لإسماعيل عَلَيْهِ السَّلَام، وروى ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد: (أَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ لرجل: إِذا شربت من زَمْزَم فَاسْتقْبل الْكَعْبَة، وَاذْكُر اسْم الله، عز وَجل، فَإِن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: آيَة مَا بَيْننَا وَبَين الْمُنَافِقين أَنهم لَا يتضلعون من زَمْزَم) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ أَن عبد الله كَانَ إِذا شرب مِنْهَا، قَالَ: أللهم إِنِّي أسأك علما نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وشفاء من كل دَاء. وروى أَحْمد بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث جَابر فِي ذكر حجَّته، عَلَيْهِ السَّلَام، ثمَّ عَاد إِلَى الْحجر ثمَّ ذهب إِلَى زَمْزَم فَشرب مِنْهَا وصب على رَأسه، ثمَّ رَجَعَ فاستلم الرُّكْن ... الحَدِيث.

٥٣٦١ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدَّثنا خَالِدٌ عنْ خالِدٍ الحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فاسْتَسْقَى فَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا فَضْلُ اذْهَبْ إلَى أُمِّكَ فاتِ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِشَرابٍ مِنْ عِنْدِهَا فَقَالَ اسْقِنِي قَالَ يَا رَسولَ الله إنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أيْدِيهِمْ فِيهِ قَالَ إسْقِنِي فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ أتَى زَمْزْمَ وهُمْ يَسْقُونَ ويَعْمَلُونَ فِيهَا فقَال اعْمَلُوا فإنَّكُمُ عَلَى عَمَلٍ صالِحٍ ثُمَّ قَالَ لَوْلَا أنْ تُغْلَبُوا لنَزَلْتُ حَتَّى أضَعَ الحَبْلَ عَلى هاذهِ يَعْنِي عاتِقَهُ وأشَارَ إلَى عاتِقِهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (جَاءَ إِلَى السِّقَايَة) ، هَذَا الأسناد بِعَيْنِه مضى فِي أول: بَاب الْمَرِيض يطوف رَاكِبًا، وَإِسْحَاق هُوَ ابْن شاهين الوَاسِطِيّ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هُوَ إِسْحَاق بن بشر، وَهُوَ وهم، وخَالِد الأول: هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَّان، وَالثَّانِي: خَالِد ابْن مهْرَان الْحذاء.

وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَ إِلَى السِّقَايَة) ، قد ذكرنَا أَن السِّقَايَة مَا يبْنى للْمَاء، وَهُوَ الْموضع الَّذِي يسقى فِيهِ المَاء، وَفِي (الْمُجْمل) : هُوَ الْموضع الَّذِي يتَّخذ فِيهِ الشَّرَاب فِي الْمَوْسِم وَغَيره. قَوْله: (فَاسْتَسْقَى) أَي: طلب الشّرْب. قَوْله: (يَا فضل) ، هُوَ ابْن الْعَبَّاس أَخُو عبد الله، وأمهما لبَابَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة. قَوْله: (إِنَّهُم يجْعَلُونَ إيديهم فِيهِ) وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ عَن أبي كريب عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما طَاف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى الْعَبَّاس وَهُوَ فِي السِّقَايَة فَقَالَ: إسقوني. قَالَ الْعَبَّاس: إِن هَذَا قد مرت يَعْنِي: قد مرس أَفلا أسقيك مِمَّا فِي بُيُوتنَا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن إسقوني مِمَّا يشرب النَّاس، فَأتى بِهِ فذاقه، فقطب ثمَّ دَعَا بِمَاء فَكَسرهُ، ثمَّ قَالَ: إِذا اشْتَدَّ نبيذكم فاكسروه بِالْمَاءِ، وتقطيبه مِنْهُ إِنَّمَا كَانَ لحموضة فَقَط، وكسره بِالْمَاءِ ليهون عَلَيْهِ شربه، وَمثل ذَلِك يحمل على مَا رُوِيَ عَن عمر وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فِيهِ لَا غير. وروى مُسلم من حَدِيث بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ قَالَ: كنت جَالِسا مَعَ ابْن عَبَّاس عِنْد الْكَعْبَة، فَأَتَاهُ أَعْرَابِي فَقَالَ: مَا لي أرى بني عمكم يسقون الْعَسَل وَاللَّبن وَأَنْتُم تسقون النَّبِيذ؟ أَمن حَاجَة بكم أم من بخل؟ فَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْحَمد لله، مَا بِنَا من حَاجَة وَلَا بخل، قدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على رَاحِلَته وَخَلفه أُسَامَة، فَاسْتَسْقَى، فأتيناه بِإِنَاء فِيهِ نَبِيذ فَشرب وَسَقَى فَضله أُسَامَة، وَقَالَ: أَحْسَنْتُم وَأَجْمَلْتُمْ، كَذَا فَاصْنَعُوا، وَلَا نزيد مَا أَمر بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (قَالَ: اسْقِنِي) ويروى: (فَقَالَ) ، الْفَاء فِيهِ فصيحة أَي: فَذهب فَأتى بِالشرابِ، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إسقني. قَوْله: (وهم يسقون) ، جملَة حَالية أَي: يسقون النَّاس. قَوْله: (ويعملون فِيهَا) ، أَي: ينزحون مِنْهَا المَاء. قَوْله: (لَوْلَا أَن تغلبُوا) ، بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: لَوْلَا أَن يجْتَمع عَلَيْكُم النَّاس، وَمن كَثْرَة الزحام تصيرون مغلوبين. وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَي أَنكُمْ لَا تتركوني أستقي وَلَا أحب أَن أفعل بكم مَا تَكْرَهُونَ فتغلبوا. وَقيل: مَعْنَاهُ لَوْلَا أَن تقع عَلَيْكُم الْغَلَبَة بِأَن يجب عَلَيْكُم ذَلِك بِسَبَب فعلي. وَقيل. مَعْنَاهُ: لَوْلَا أَن تغلبُوا بِأَن ينتزعها الْوُلَاة مِنْكُم حرصا على حِيَازَة هَذِه المكرمة. وروى مُسلم من حَدِيث جَابر (أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني عبد الْمطلب وهم يسقون على زَمْزَم، فَقَالَ: إنزغوا بني عبد الْمطلب، فلولا أَن يغلبكم النَّاس على سِقَايَتكُمْ لنزغت مَعكُمْ، فناولوه دلوا فَشرب مِنْهُ) . وَذكر ابْن السكن أَن الَّذِي نَاوَلَهُ الدَّلْو هُوَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: دَلِيل على أَن الظَّاهِر أَن أَفعاله فِيمَا يتَّصل بِأُمُور الشَّرِيعَة على الْوُجُوب، فَتَركه الْفِعْل شَفَقَة أَن يتَّخذ سنة، قَالَه الْخطابِيّ. وَفِيه: الشّرْب من سِقَايَة الْحَاج، وَقَالَ طَاوُوس: الشّرْب من سِقَايَة الْعَبَّاس من تَمام الْحَج، وَقَالَ عَطاء: لقد أدْركْت هَذَا الشَّرَاب، وَأَن الرجل ليشْرب فتلتزق شفتاه من حلاوته، فَلَمَّا ذهبت الْحُرِّيَّة وَولى العبيد تهاونوا بِالشرابِ واستخفوا بِهِ، وروى ابْن أبي شيبَة عَن السَّائِب بن عبد الله أَنه أَمر مُجَاهدًا مَوْلَاهُ بِأَن يشرب من سِقَايَة الْعَبَّاس وَيَقُول: إِنَّه من تَمام السّنة. وَقَالَ الرّبيع بن سعد: أَتَى أَبُو جَعْفَر السِّقَايَة فَشرب وَأعْطى جعفرا فَضله، وَمِمَّنْ شرب مِنْهَا: سعيد بن جُبَير وَأمر بِهِ سُوَيْد بن غَفلَة: وروى ابْن جريج عَن نَافِع أَن ابْن عمر لم يكن يشرب من النَّبِيذ فِي الْحَج، وَكَذَا روى خَالِد ابْن أبي بكر أَنه حج مَعَ سَالم مَا لَا يُحْصى، فَلم يره يشرب من نَبِيذ السِّقَايَة. وَفِيه: إِثْبَات أَمر السِّقَايَة للْحَاج، وَأَن مشروعيته من بَاب إكرام الضَّيْف واصطناع الْمَعْرُوف. وَفِيه: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم تحرم عَلَيْهِ الصَّدقَات الَّتِي سَبِيلهَا الْمَعْرُوف كالمياه الَّتِي تكون فِي السقايات تشربها الْمَارَّة. وَقَالَ ابْن التِّين: شربه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَخْلُو أَن يكون ذَلِك من مَال الْكَعْبَة الَّذِي كَانَ يُؤْخَذ لَهَا من الْخمس، أَو من مَال الْعَبَّاس الَّذِي عمله للغني وَالْفَقِير، فَشرب مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليسهل على النَّاس. وَفِيه: أَنه لَا يكره طلب السَّقْي من الْغَيْر. وَفِيه: رد مَا يعرض على الْمَرْء من الْإِكْرَام إِذا عارضته مصلحَة أولى مِنْهُ، لِأَن رده لما عرض عَلَيْهِ الْعَبَّاس مِمَّا يُؤْتى بِهِ من بَيته لمصْلحَة التَّوَاضُع الَّتِي ظَهرت من شربه مِمَّا يشرب مِنْهُ النَّاس. وَفِيه: التَّرْغِيب فِي سقِِي المَاء خُصُوصا مَاء زَمْزَم. وَفِيه: تواضع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: حرص أَصْحَابه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الِاقْتِدَاء بِهِ. وَفِيه: كَرَاهَة التقذر والتكره للمأكولات والمشروبات. وَفِيه: أَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الطَّهَارَة لتنَاوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الشَّرَاب الَّذِي غمست فِيهِ الْأَيْدِي، قَالَه ابْن التِّين، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.

(بابُ مَا جاءَ فِي زَمْزَمَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي ذكر زَمْزَم من الْآثَار. قيل: وَلم يذكر مَا جَاءَ فِيهِ من فَضله، لِأَنَّهُ كَانَ لم يثبت عِنْده بِشَرْطِهِ، وَاكْتفى بِذكرِهِ مُجَردا. قلت: لَا نسلم ذَلِك، فَإِن حَدِيث الْبَاب يدل على فَضلهَا، لِأَن فِيهِ: (فَفرج صَدْرِي ثمَّ غسله بِمَاء زَمْزَم) ، وَهَذَا يدل قطعا على فَضلهَا حَيْثُ اخْتصَّ غسل صَدره، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِمَائِهَا دون غَيرهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا ركضة جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وسقيا إِسْمَاعِيل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي (مُعْجم مَا استعجم) : هِيَ بِفَتْح الأول وَسُكُون الثَّانِي وَفتح الزَّاي الثَّانِيَة، قَالَ: وَيُقَال بِضَم الأول وَفتح الثَّانِي وَكسر الزَّاي الثَّانِيَة، وَيُقَال بِضَم أَوله وَفتح ثَانِيه وتشديده وَكسر الزَّاي الثَّانِيَة. وَفِي (كتاب الْأَزْهَرِي) عَن ابْن الْأَعرَابِي: زَمْزَم وزمم وزمزام، وَتسَمى: ركضة جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وهمزمة جِبْرِيل، وهزمة جِبْرِيل، بِتَقْدِيم الزَّاي، وهزمة الْملك، وَتسَمى: الشباعة. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَرَوَاهُ الخازرنجي: شباعة، وَقَالَ صاعد فِي (الفصوص) وَمن أسمائها: تكْتم، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: إِنَّمَا سميت زَمْزَم لِأَن بابل بن ساسان حَيْثُ سَار إِلَى الْيمن دفن سيوف قلعته وحلي الزمازمة فِي مَوضِع بِئْر زَمْزَم، فَلَمَّا احتفرها عبد الْمطلب أصَاب السيوف والحلي فِيهِ سميت زَمْزَم. وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: سميت زَمْزَم لِأَنَّهَا زمت بِالتُّرَابِ لِئَلَّا يَأْخُذ المَاء يَمِينا وَشمَالًا، وَلَو تركت لساحت على وَجه الأَرْض حَتَّى مَلأ كل شَيْء. وَقَالَ الْحَرْبِيّ: سميت بزمزمة المَاء، وَهُوَ حركته، وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ بَعضهم: إِنَّهَا مُشْتَقَّة من قَوْلهم: مَاء زمزوم وزمزام أَي: كثير. وَفِي (الموعب) : مَاء زَمْزَم وزمازم، وَهُوَ الْكثير وَعَن ابْن هِشَام: الزمزمة عِنْد الْعَرَب الْكَثْرَة والاجتماع، وَذكر المَسْعُودِيّ أَن الْفرس كَانَت تحج إِلَيْهَا فِي الزَّمن الأول، والزمزمة صَوت تخرجه الْفرس من خياشيمها.

وَمن فضائلها: مَا رَوَاهُ مُسلم: شرب أَبُو ذَر مِنْهَا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَيْسَ لَهُ طَعَام غَيرهَا. وَأَنه سمن، فَأخْبر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بذلك فَقَالَ: إِنَّهَا مباركة، إِنَّهَا طَعَام طعم وَزَاد أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) وشفاء سقم، وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، مَرْفُوعا: (مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ) ، رِجَاله ثقاة إلَاّ أَنه اخْتلف فِي إرْسَاله وَوَصله، وإرساله أصح. وَعَن أم أَيمن، قَالَت: (مَا رَأَيْت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، شكى جوعا قطّ وَلَا عطشا، كَانَ يَغْدُو إِذا أصبح فيشرب من مَاء زَمْزَم شربه، فَرُبمَا عرضنَا عَلَيْهِ الطَّعَام فَيَقُول: لَا أَنا شبعان شبعان) . ذكره فِي (المُصَنّف الْكَبِير) فِي شرف الْمُصْطَفى، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَعَن عقيل ابْن أبي طَالب، قَالَ: كُنَّا إِذا أَصْبَحْنَا وَلَيْسَ عندنَا طَعَام قَالَ لنا أبي ائْتُوا زَمْزَم فنأتيها فنشرب مِنْهَا فنجتزىء، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعا: (وَهِي هزمة جِبْرِيل وسقيا إِسْمَاعِيل) ، وَذكر الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) أَن جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، أنبط بِئْر زَمْزَم مرَّتَيْنِ: مرّة لآدَم، عَلَيْهِ السَّلَام، حَتَّى انْقَطَعت زمن الطوفان، وَمرَّة لإسماعيل عَلَيْهِ السَّلَام، وروى ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد: (أَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ لرجل: إِذا شربت من زَمْزَم فَاسْتقْبل الْكَعْبَة، وَاذْكُر اسْم الله، عز وَجل، فَإِن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: آيَة مَا بَيْننَا وَبَين الْمُنَافِقين أَنهم لَا يتضلعون من زَمْزَم) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ أَن عبد الله كَانَ إِذا شرب مِنْهَا، قَالَ: أللهم إِنِّي أسأك علما نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وشفاء من كل دَاء. وروى أَحْمد بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث جَابر فِي ذكر حجَّته، عَلَيْهِ السَّلَام، ثمَّ عَاد إِلَى الْحجر ثمَّ ذهب إِلَى زَمْزَم فَشرب مِنْهَا وصب على رَأسه، ثمَّ رَجَعَ فاستلم الرُّكْن ... الحَدِيث.

٦٣٦١ - وَقَالَ عَبْدَانُ أخبرنَا عبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزهْرِيِّ قَالَ أنَسُ بنُ مالِكٍ كانَ أبُو ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يُحَدِّثُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فُرِجَ سَقْفِي وَأَنا بِمَكَّةَ فنَزَلَ جِبْرِيلُ عليهِ السَّلَامُ ففَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِماءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِىءٍ حكْمَةً وَإيمَانا فأفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أطْبَقَهُ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا افْتَحْ قَالَ منْ هاذا قَالَ جِبْرِيلُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ غسله بِمَاء زَمْزَم) ، فَإِن ذكر زَمْزَم جَاءَ فِي الحَدِيث وَهُوَ يدل على فضل زَمْزَم حَيْثُ اخْتصَّ غسله

بهَا دون غَيرهَا من الْمِيَاه، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَقد أخرج هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب كَيفَ فرضت الصَّلَاة فِي الْإِسْرَاء، فِي أول كتاب الصَّلَاة مُسْندًا عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَر يحدث ... إِلَى آخِره، وَذكره هُنَا مُخْتَصرا مُعَلّقا عَن عَبْدَانِ، واسْمه عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي عَن عبد الله ابْن الْمُبَارك الْمروزِي عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً.

٧٣٦١ - حدَّثنا محَمَّدٌ هُوَ ابنُ سَلامٍ قَالَ أخبرنَا الْفَزَارِيُّ عنْ عاصِمٍ عنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا حدَّثَهُ قَالَ سَقَيْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وهْوَ قائِمٌ قالَ عَاصِمٌ فحَلَفَ عِكْرَمَةُ مَا كانَ يَوْمَئِذٍ إلَاّ عَلى بَعِيرٍ.

(الحَدِيث ٧٣٦١ طرفه فِي: ٧١٦٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ ذكر زَمْزَم.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن سَلام بن الْفرج أَبُو عبد الله البيكندي. الثَّانِي: الْفَزارِيّ، بِكَسْر الْفَاء بعْدهَا الزَّاي، وَهُوَ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة. الثَّالِث: عَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول. الرَّابِع: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ. الْخَامِس: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه ذكر مُجَردا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: هُوَ ابْن سَلام، بِذكر أَبِيه. وَفِيه: أَن الْفَزارِيّ وَالشعْبِيّ كوفيان، وَأَن عَاصِمًا بَصرِي. وَفِيه: أَن الْفَزارِيّ وَالشعْبِيّ مذكوران بِالنِّسْبَةِ، وَأَن شَيْخه فِي أَكثر الرِّوَايَة وعاصما مذكوران مجردين عَن النِّسْبَة.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان الثَّوْريّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن أبي كَامِل الجحدري، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، وَعَن شُرَيْح بن يُونُس وَعَن يَعْقُوب الدَّوْرَقِي وَإِسْمَاعِيل بن سَالم وَعَن عبد الله بن معَاذ وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَشْرِبَة عَن أَحْمد بن منيع، وَفِي الشَّمَائِل عَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن عَليّ بن حجر بِهِ، وَعَن زِيَاد بن أَيُّوب وَعَن يَعْقُوب الدَّوْرَقِي. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَشْرِبَة عَن سُوَيْد بن سعيد.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهُوَ قَائِم) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (فَحلف عِكْرِمَة: مَا كَانَ) أَي: مَا كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ يَعْنِي يَوْم سقى ابْن عَبَّاس، رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من مَاء زَمْزَم، وَفِي لفظ ابْن مَاجَه، قَالَ عَاصِم: فَذكرت ذَلِك لعكرمة فَحلف بِاللَّه مَا فعل! أَي: مَا شرب قَائِما لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ رَاكِبًا.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الرُّخْصَة فِي الشّرْب قَائِما. وَقيل: إِن الشّرْب من زَمْزَم من غير قيام يشق لارْتِفَاع مَا عَلَيْهَا من الْحَائِط. وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ البُخَارِيّ أَن الشّرْب من مَاء زَمْزَم من سنَن الْحَج. فَإِن قلت: روى ابْن جرير عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ لَا يشرب مِنْهَا فِي الْحَج قلت: لَعَلَّه إِنَّمَا تَركه لِئَلَّا يظنّ أَن شربه من الْفَرْض اللَّازِم، وَقد فعله أَولا مَعَ أَنه كَانَ شَدِيد الِاتِّبَاع للآثار، بل لم يكن أحدا تبع لَهَا مِنْهُ، وَنَصّ أَصْحَاب الشَّافِعِي على شربه، وَقَالَ وهب بن مُنَبّه: نجدها فِي كتاب الله: شراب الْأَبْرَار، وَطَعَام طعم وشفاء سقم، لَا تنزح وَلَا تزم، من شرب مِنْهَا حَتَّى يتضلع أحدثت لَهُ شِفَاء وأخرجت عَنهُ دَاء.

وَاعْلَم أَنه رُوِيَ فِي الشّرْب قَائِما أَحَادِيث كَثِيرَة. مِنْهَا: النَّهْي عَن ذَلِك، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ مُسلم بقوله: بَاب الزّجر عَن الشّرْب قَائِما. وَحدثنَا هداب بن خَالِد حَدثنَا همام حَدثنَا قَتَادَة عَن أنس أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، زجر عَن الشّرْب قَائِما، وَفِي لفظ لَهُ عَن أنس عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه نهى أَن يشرب الرجل قَائِما. قَالَ قَتَادَة: فَقُلْنَا: فالأكل؟ قَالَ: ذَاك أَشد وأخبث. وَفِي رِوَايَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، زجر عَن الشّرْب قَائِما. وَفِي لفظ: نهى عَن الشّرْب قَائِما، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يشربن أحدكُم قَائِما، فَمن نسي فليستق) . وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْجَارُود بن الْمُعَلَّى أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نهى عَن الشّرْب قَائِما. وَمِنْهَا: إِبَاحَة الشّرْب قَائِما، فَمن ذَلِك

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل