الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٣٨
الحديث رقم ١٦٣٨ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب طواف القارن.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٦٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي زَمْزَمَ) كَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِي فَضْلِهَا حَدِيثٌ عَلَى شَرْطِهِ صَرِيحًا، وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ زَادَ الطَّيَالِسِيُّ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ وَشِفَاءُ سُقْمٍ وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي إِرْسَالِهِ وَوَصْلِهِ وَإِرْسَالُهُ أَصَحُّ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْهُ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُؤَمَّلِ الْمَكِّيَّ فَذَكَرَ الْعُقَيْلِيُّ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ، لَكِنْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ وَمِنْ طَرِيقِ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَوَقَعَ فِي: فَوَائِدِ ابْنِ الْمُقْرِي مِنْ طَرِيقِ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْمَوَالِي، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَزَعَمَ الدِّمْيَاطِيُّ أَنَّهُ عَلَى رَسْمِ الصَّحِيحِ وَهُوَ كَمَا قَالَ مِنْ حَيْثُ الرِّجَالِ إِلَّا أَنَّ سُوَيْدًا وَإِنْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ خَلَطَ وَطَعَنُوا فِيهِ وَقَدْ شَذَّ بِإِسْنَادِهِ، وَالْمَحْفُوظُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ الْمُؤَمَّلِ، وَقَدْ جَمَعْتُ فِي ذَلِكَ جُزْءًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُمِّيَتْ زَمْزَمَ لِكَثْرَتِهَا، يُقَالُ مَاءٌ زَمْزَمٌ أَيْ كَثِيرٌ، وَقِيلَ لِاجْتِمَاعِهَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ هِشَامٍ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: الزَّمْزَمَةُ مِنَ النَّاسِ خَمْسُونَ وَنَحْوُهُمْ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ زَمْزَمَ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْهَزْمَةِ وَالْهَزْمَةُ الْغَمْزُ بِالْعَقِبِ فِي الْأَرْضِ، أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، وَقِيلَ لِحَرَكَتِهَا قَالَهُ الْحَرْبِيُّ، وَقِيلَ لِأَنَّهَا زُمَّتْ بِالْمِيزَانِ لِئَلَّا تَأْخُذَ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَسَتَأْتِي قِصَّتُهَا فِي شَأْنِ إِسْمَاعِيلَ وَهَاجَرَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَقِصَّةِ حَفْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَهَا فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدَانُ) سَيَأْتِي فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَتَمُّ مِنْهُ بِلَفْظِ وَقَالَ لِي عَبْدَانُ وَأَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا، وَقَدْ وَصَلَهُ الْجَوْزَقِيُّ بِتَمَامِهِ عَنِ الدَّغُولِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدَانَ بِطُولِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ، وَالْفَزَارِيُّ هُوَ مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَغَلِطَ مَنْ قَالَ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَعَاصِمٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الشُّرْبَ مِنْ زَمْزَمَ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ. وَفِي الْمُصَنَّفِ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ شُرْبُ نَبِيذِ السِّقَايَةِ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ وَعَنْ عَطَاءٍ لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَشْرَبُهُ فَتَلْزَقُ شَفَتَاهُ مِنْ حَلَاوَتِهِ وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُ مِنَ النَّبِيذِ فِي الْحَجِّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شرب مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الِاتِّبَاعِ لِلْآثَارِ أَوْ خَشِيَ أَنْ يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ كَمَا نُقِلَ عَنْ طَاوُسٍ.
قَوْلُهُ: (فَحَلَفَ عِكْرِمَةُ مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا عَلَى بَعِيرٍ) عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ عَاصِمٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعِكْرِمَةَ فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا فَعَلَ - أَيْ مَا شَرِبَ قَائِمًا - لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ رَاكِبًا. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَنَاخَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَلَعَلَّ شُرْبَهُ مِنْ زَمْزَمَ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ عِكْرِمَةَ إِنَّمَا أَنْكَرَ شُرْبَهُ قَائِمًا لِنَهْيِهِ عَنْهُ، لَكِنْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: أَنَّهُ ﷺ شَرِبَ قَائِمًا. فَيُحْمَلُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ.
٧٧ - بَاب طَوَافِ الْقَارِنِ
١٦٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ مِنْهُمَا، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لكن عند أبي داود من رواية عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه أناخ فصلَّى ركعتين، فلعلَّ شربه من ماء زمزم كان بعد ذلك، ولعلَّ عكرمة إنَّما أنكر شربه قائمًا لنهيه عنه، لكن ثبت عن عليٍّ عند البخاريِّ [خ¦٥٦١٥]: أنَّه ﷺ شرب قائمًا، فيُحمَل على بيان الجواز، قاله في «فتح الباري».
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأشربة» [خ¦٥٦١٧]، وكذا التِّرمذيُّ.
(٧٧) (بابُ طَوَافِ القَارِنِ) هل يكفيه طوافٌ واحدٌ أو لابدَّ من طوافين؟ خلافٌ يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
١٦٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (١) الزُّهريِّ (٢) (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) قالت: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) سنة عشرٍ، وسُمِّيت بذلك لأنَّه ﵊ ودَّع النَّاس فيها، ولم يحجَّ بعد الهجرة غيرها (فَأَهْلَلْنَا) أحرمنا (بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ) ﵊: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ) بالنَّصب، ولغير أبي ذرٍّ: «لا يحلُّ» بالرَّفع (حَتَّى يَحِلَّ
مِنْهُمَا) أي: من الحجِّ والعمرة لأنَّ القارن يعمل عملًا واحدًا كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. قالت عائشة: (فَقَدِمْتُ مَكَّةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا (١)) أي: بعد أن طهرت وطفت (أَرْسَلَنِي مَعَ) أخي (عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ) أدنى الحلِّ إلى الحرم، وإنَّما أرسلها إلى التَّنعيم لأنَّ العمرة كالحجِّ، لا بدَّ أن يجمع فيها بين الحلِّ والحرم (فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ ﷺ: هَذِهِ) العمرة (مَكَانَ عُمْرَتِكِ) بنصب «مكانَ» على الظَّرفيَّة، أي: بدل عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردةً، لا أنَّها قضاءٌ عن التي كانت أحرمت بها (فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ) وحدها متمتِّعين وسعوا (ثُمَّ حَلُّوا) لم يفرِّق بين من معه الهدي ومن ليس معه، وقال أبو حنيفة: من كان معه الهدي لا يحلُّ من عمرته، ويبقى على إحرامه حتَّى يحجَّ وينحر هديه يوم النَّحر (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ) للحجِّ (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) وهم الذين كان معهم الهدي (طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) بغير فاءٍ في «طافوا» الذي هو جواب «أمَّا»، لكن صرَّح النُّحاة بلزوم إثباتها فيه نحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦] إلَّا في ضرورة الشَّعر كقوله:
فأمَّا القتالُ لا قتالَ لديكم … ولكنَّ سيرًا في عِراض المواكبِ
وأمَّا حذفها في (٢) قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم﴾ [آل عمران: ١٠٦] فالأصل: فيُقال لهم: أكفرتم، فحذف القول استغناءً عنه (٣) بالمقول، فتبعته الفاء في الحذف، ورُبَّ شيءٍ يصحُّ تبعًا ولا يصحُّ استقلالًا كالحاجِّ عن غيره يصلِّي عنه ركعتي الطَّواف، ولو صلَّى أحدٌ عن غيره ابتداءً (٤) لم يصحَّ على الصَّحيح، قاله ابن هشامٍ. وتَلخَّص منه: أنَّ الفاء لا تُحذَف في غير الضَّرورة إلَّا مع القول، وعُورِض بأنَّه ثبت في «الصَّحيح» [خ¦٢١٦٨]: أنَّه ﵊ قال: «أمَّا بعد، ما بال رجالٍ يشترطون شروطًا؟» وأُجيب بأنَّه يجوز أن يكون هذا الحديث ممَّا حُذِف فيه الفاء تبعًا للقول،
والتَّقدير: فأقول: ما بال رجالٍ؟ فالأَولى: النَّقض بما وقع هنا في حديث عائشة: وأمَّا الذين جمعوا بين الحجِّ والعمرة طافوا، وبقوله ﵊: [خ¦١٥٥٥] «أمَّا موسى كأنِّي أنظر إليه إذ ينحدر في الوادي»، ولذا قال ابن مالكٍ في «التَّسهيل»: ولا بدَّ مع «أمَّا» من ذكر الفاء إلَّا في ضرورةٍ أو ندورٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإنَّما طافوا» فأُتِي بالفاء قبل «إنَّما» في جواب «أمَّا»، وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ القارن يجزيه طوافٌ واحدٌ، وهو مذهب مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد والجمهور، وكذا يجزيه سعيٌ واحدٌ، وقال أبو حنيفة في آخرين: عليه طوافان وسعيان، واستدلَّ لذلك في «فتح القدير» (١): بما رواه النَّسائيُّ في «سننه الكبرى» (٢) عن حمَّاد بن عبد الرَّحمن الأنصاريِّ، عن إبراهيم بن محمَّد ابن الحنفيَّة قال: طفت مع أبي وقد جمع الحجَّ والعمرة، فطاف لهما طوافين وسعى سعيين، وحدَّثني أنَّ عليًّا ﵁ فعل ذلك. وحدَّثه أنَّ رسول الله ﷺ فعل ذلك، قال العلَّامة ابن الهُمَام: وحمَّادٌ هذا وإن ضعَّفه الأزديُّ فقد ذكره ابن حبَّان في «الثِّقات»، فلا ينزل حديثه عن درجة الحسن، مع أنَّه روى عن عليٍّ بطرقٍ كثيرةٍ مُضعَّفةٍ ترتقي إلى الحسن، غير أنَّا تركناها واقتصرنا على ما هو الحجَّة بنفسه بلا ضمٍّ، قال: ورواه الشَّافعيُّ بسندٍ فيه مجهولٌ، وقال: معناه: أنَّه يطوف بالبيت حين يقدم، وبالصَّفا والمروة، ثمَّ يطوف بالبيت للزِّيارة. انتهى. وهو صريحٌ في مخالفة النَّصِّ عن عليٍّ، وقول ابن المنذر: -ولو كان ثابتًا عن عليٍّ كان قول رسول الله ﷺ أَولى: «من أحرم بالحجِّ والعمرة أجزأه عنهما طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ» - مدفوعٌ (٣) بأنَّ عليًّا رفعه إلى رسول الله ﷺ كما أسمعناك، فوقعت المعارضة، وكانت هذه الرِّواية أقيس بأصول الشَّرع فرجحت، وقد استقرَّ في الشَّرع أنَّ من ضمَّ عبادةً إلى أخرى أنَّه يفعل أركان كلٍّ منهما، والله أعلم بحقيقة الحال. انتهى. ولا ريب أنَّ العمل بما في «صحيح البخاريِّ» (٤) أَولى من حديثٍ لم يكن على رسم الصَّحيح على ما لا يخفى، وقد روى مسلمٌ من طريق أبي (٥) الزُّبير: أنَّه سمع جابر بن عبد الله
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ: بَاب الشّرْب قَائِما، على مَا يَأْتِي، فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم حدنا مسعر عَن عبد الْملك بن ميسرَة عَن النزال، قَالَ: أَتَى عَليّ.، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على بَاب الرحبة بِمَاء، فَشرب قَائِما، فَقَالَ: إِن نَاسا يكره أحدهم أَن يشرب وَهُوَ قَائِم، وَإِنِّي رَأَيْت النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فعل كَمَا رَأَيْتُمُونِي فعلت) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عمر، قَالَ: (كُنَّا نَأْكُل على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنحن نمشي، وَنَشْرَب وَنحن قيام) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح غَرِيب، وروى أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده. (قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يشرب قَائِما وَقَاعِدا) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن، وروى الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا ربيع الجيزي قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق ابْن أبي فَرْوَة الْمدنِي، قَالَ: حَدَّثتنَا عُبَيْدَة بنت نابل عَن عَائِشَة بنت سعد) عَن سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يشرب قَائِما) . وَرَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا فِي (مُسْنده) نَحوه، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا، فَقَالَ: حَدثنَا ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن ابْن جريج، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الْكَرِيم ابْن مَالك: (قَالَ: أَخْبرنِي الْبَراء بن زيد أَن أم سليم حدثته أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شرب وَهُوَ قَائِم فِي قربَة) . وَفِي لفظ لَهُ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل عَلَيْهَا، وَفِي بَيته قربَة معلقَة، فَشرب من الْقرْبَة قَائِما. وَأخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إعلم أَن هَذِه الْأَحَادِيث أشكل مَعْنَاهَا على بعض الْعلمَاء، حَتَّى قَالَ فِيهَا أقوالاً بَاطِلَة، وَالصَّوَاب مِنْهَا: أَن النَّهْي مَحْمُول على كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَأما شربه قَائِما فلبيان الْجَوَاز، وَمن زعم نسخا فقد غلط، فَكيف يكون النّسخ مَعَ إِمْكَان الْجمع، وَإِنَّمَا يكون نسخا لَو ثَبت التاريح فأنَّى لَهُ ذَلِك؟ وَقَالَ الطَّحَاوِيّ مَا ملخصه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرَادَ بِهَذَا النَّهْي الإشفاق على أمته، لِأَنَّهُ يخَاف من الشّرْب قَائِما الضَّرَر، وحدوث الدَّاء، كَمَا قَالَ لَهُم: أما أَنا فَلَا آكل مُتكئا. انْتهى. قلت: اخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَاب بِحَسب اخْتِلَاف الْأَحَادِيث فِيهِ، فَذهب الْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَقَتَادَة: إِلَى كَرَاهَة الشّرْب قَائِما. وَرُوِيَ ذَلِك عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذهب الشّعبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وزادان وطاووس وَسَعِيد بن جُبَير وَمُجاهد إِلَى أَنه لَا بَأْس بِهِ، ويروى ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَسعد وَعمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَابْن الزبير وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
٧٧ - (بابُ طَوَاف القَارِن)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان طواف الْقَارِن، فَهَل يَكْتَفِي بِطواف وَاحِد. أَو لَا بُد لَهُ من طوافين، وَإِنَّمَا لم يبين ذَلِك، بل أطلق للِاخْتِلَاف فِيهِ على مَا يجيىء بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٨٣٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فأهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قالَ مَنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بالحَجِّ والْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنا حائِضٌ فلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنا أرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمانِ إلَى التَّنْعِيمُ فاعْتَمَرْتُ فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هاذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ فَطَافَ الَّذِينَ أهَلُّوا بِالعُمْرَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافا آخَرَ بَعْدَ أنْ رَجَعُوا مِنْ مِنىً وأمَّا الَّذِين جَمَعُوا بَيْنَ الحَجِّ والْعُمْرَةِ فإنَّمَا طَافُوا طَوَافا وَاحِدا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأما الَّذين جمعُوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة) لِأَنَّهُ هُوَ الْقَارِن، فِيهِ بَيَان طَوَافه أَنه وَاحِد، والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب كَيفَ تهل الْحَائِض وَالنُّفَسَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك، وَهنا: عَن عبد الله ابْن يُوسُف عَن مَالك، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً، وَلَكِن نتكلم فِيهِ للرَّدّ على بَعضهم فِي رده على الإِمَام أبي جَعْفَر الطَّحَاوِيّ من غير وَجه لأريحية العصبية فِيهِ.
فَنَقُول أَولا مَا ذكره الطَّحَاوِيّ، فَقَالَ: بَاب الْقَارِن كم عَلَيْهِ من الطّواف لعمرته ولحجته؟ حَدثنَا صَالح بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ وَمُحَمّد بن إِدْرِيس الْمَكِّيّ قَالَا: حَدثنَا سعيد بن مَنْصُور، قَالَ: حَدثنَا عبد الْعَزِيز
ابْن مُحَمَّد عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أحرم بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة كَفاهُ لَهما طواف وَاحِد وسعي وَاحِد، ثمَّ لَا يحل حَتَّى لَا يحل مِنْهُمَا جَمِيعًا، ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى هَذَا الحَدِيث، فَقَالُوا: على الْقَارِن بَين الْحَج وَالْعمْرَة طواف وَاحِد لَا يجب عَلَيْهِ من الطّواف غَيره، وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: بل يطوف لكل وَاحِد مِنْهُمَا طَوافا وَاحِدًا وَيسْعَى سعيا وَاحِدًا، وَكَانَ من الْحجَّة لَهُم فِي ذَلِك أَن هَذَا الحَدِيث خطأ أَخطَأ فِيهِ الدَّرَاورْدِي فرفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِنَّمَا أَصله عَن ابْن عمر نَفسه، هَكَذَا رَوَاهُ الْحفاظ وهم مَعَ هَذَا لَا يحتجون بالدراوردي، عَن عبيد الله أصلا، فَلم يحتجون لَهُ فِي هَذَا، فَأَما مَا رَوَاهُ الْحفاظ من ذَلِك عَن عبيد الله، فَمَا حَدثنَا صَالح بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدثنَا سعيد ابْن مَنْصُور، قَالَ: حَدثنَا هشيم، قَالَ: حَدثنَا عبد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر، أَنه كَانَ يَقُول: إِذا قرن طَاف لَهما طَوافا وَاحِدًا، فَإِذا فرق طَاف لكل مِنْهُمَا طَوافا، وسعى سعيا انْتهى. ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل، بعد أَن نقل كَلَام الطَّحَاوِيّ، وَهُوَ تَعْلِيل مَرْدُود، فالدراوردي صدق، وَلَيْسَ مَا رَوَاهُ مُخَالفا لما رَوَاهُ غَيره، فَلَا مَانع أَن يكون الحَدِيث عِنْد نَافِع على الْوَجْهَيْنِ. انْتهى. قلت: الْمَرْدُود مَا قَالَه وَذهب إِلَيْهِ من غير تَحْقِيق النّظر فِيهِ، فَهَل يحل رد مَا لَا يرد لأجل مَا قصر فِيهِ فهمه، وَكثر تعنته ومصادمته للحق الأبلج؟ أَفلا وقف هَذَا على مَا قَالَه التِّرْمِذِيّ بعد أَن ذكر الحَدِيث الْمَذْكُور؟ وَقد رَوَاهُ غير وَاحِد عَن عبيد الله وَلم يرفعوه، وَهُوَ أصح. وَقَالَ أَبُو عمر فِي (الاستذكار) : لم يرفعهُ أحد عَن عبيد الله غير الدَّرَاورْدِي وكل من رَوَاهُ عَنهُ غَيره، أوقفهُ على ابْن عمر، وَكَذَا رَوَاهُ مَالك عَن نَافِع مَوْقُوفا، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: الدَّرَاورْدِي سيء الْحِفْظ، ذكره عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي (الكاشف) . وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَحَدِيثه عَن عبيد الله مُنكر، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ كثير الحَدِيث يغلط.
ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: واحتجت الْحَنَفِيَّة بِمَا رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه جمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة، فَطَافَ لَهما طوافين وسعى لَهما سعيين، ثمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل، وَطَرِيقه عَن عَليّ عِنْد عبد الرَّزَّاق وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهمَا ضَعِيفَة، وَكَذَا أخرج من حَدِيث ابْن مَسْعُود بِإِسْنَاد ضَعِيف نَحوه، وَأخرج من حَدِيث ابْن عمر نَحْو ذَلِك، وَفِيه: الْحسن بن عمَارَة وَهُوَ مَتْرُوك. انْتهى. قلت: حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) عَن حَمَّاد بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ (عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، قَالَ: طفت مَعَ أبي، وَقد جمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة، فَطَافَ لَهما طوافين، وسعى لَهما سعيين، وحَدثني أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فعل ذَلِك، وحدثه أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل ذَلِك.
فَإِن قلت: قَالَ صَاحب (التَّنْقِيح) وَحَمَّاد: هَذَا ضعفه الْأَزْدِيّ؟ قلت: ذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من وُجُوه عَن الْحسن ابْن عمَارَة، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ مَتْرُوك، وَعَن حَفْص بن أبي دَاوُد عَن ابْن أبي ليلى. وَقَالَ حَفْص: ضَعِيف، وَعَن عِيسَى بن عبد الله ابْن عَليّ، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ مَتْرُوك، قلت: إِذا كثرت طرق الحَدِيث، وَلَو كَانَ فِيهَا ضعفاء تتعاضد وتتقوى.
وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا (عَن أبي النَّضر، قَالَ: أَهلَلْت بِالْحَجِّ فأدركت عليا فَقلت لَهُ: إِنِّي أَهلَلْت بِالْحَجِّ أفأستطيع أَن أضيف إِلَيْهِ عمْرَة؟ قَالَ: لَا لَو كنت أَهلَلْت بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أردْت أَن تضيف إِلَيْهَا الْحَج ضممته. قَالَ: قلت: كَيفَ أصنع إِذا أردْت ذَلِك؟ قَالَ: تصب عَلَيْك إداوة مَاء، ثمَّ تحرم بهما جَمِيعًا وَتَطوف لكل وَاحِد مِنْهُمَا طَوافا) ، وَعنهُ عَن عَليّ وَعبد الله قَالَا: الْقَارِن يطوف طوافين، وَيسْعَى سعيين ثمَّ اعْترض هَذَا الْقَائِل أَيْضا على الطَّحَاوِيّ حَيْثُ قَالَ، فِي قَول عَائِشَة: وَأما الَّذين جمعُوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة، فَإِنَّمَا طافوا طَوافا وَاحِدًا، أَن مرادها جمعُوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة جمع مُتْعَة لَا جمع قرَان، بقوله: وَإِنِّي لكثير التَّعَجُّب مِنْهُ فِي هَذَا الْموضع، كَيفَ سَاغَ لَهُ هَذَا التَّأْوِيل؟ وَحَدِيث عَائِشَة مفصل للحالتين، فَإِنَّهَا صرحت بِفعل من تمتّع، ثمَّ بِمن قرن حَيْثُ، قَالَت: فَطَافَ الَّذين أهلوا بِالْعُمْرَةِ ثمَّ حلوا، ثمَّ طافوا طَوافا آخر بعد أَن رجعُوا من منى، فَهَؤُلَاءِ أهل التَّمَتُّع، ثمَّ قَالَت: وَأما الَّذين جمعُوا، إِلَى آخِره، فَهَؤُلَاءِ أهل القِران، وَهَذَا أبين من أَن يحْتَاج إِلَى بَيَان. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره مُتَعَجِّبا أَخذه من كَلَام الْبَيْهَقِيّ، فَإِنَّهُ شنع على الطَّحَاوِيّ فِي كتاب (الْمعرفَة) بِغَيْر معرفَة، حَيْثُ قَالَ: وَزعم بعض من يَدعِي فِي هَذَا تَصْحِيح الْأَخْبَار على مذْهبه، إِنَّمَا أَرَادَت بِهَذَا الْجمع جمع مُتْعَة لَا جمع قرَان. قَالَت: فَإِنَّمَا طافوا طَوافا وَاحِدًا فِي حجتهم، لِأَن حجتهم كَانَت مَكِّيَّة، وَالْحجّة المكية لَا يُطَاف لَهَا قبل عَرَفَة، وَكَيف استجاز لدينِهِ أَن يَقُول مثل هَذَا، وَفِي حَدِيثهَا أَنَّهَا أفردت من جمع بَينهمَا جمع مُتْعَة أَولا بِالذكر، فَذكرت كَيفَ طافوا فِي عمرتهم ثمَّ كَيفَ طافوا فِي حجتهم، ثمَّ لم يبْق إلَاّ المفردون والقارنون،
فَجمعت بَينهم فِي الذّكر، وأخبرت أَنهم إِنَّمَا طافوا طَوافا وَاحِدًا، وَأَنَّهَا أَرَادَت بَين الصَّفَا والمروة، وَلما ذكرنَا من الدّلَالَة مَعَ كَونه معقولاً، وَلَو اقتصرت على اللَّفْظَة الْأَخِيرَة لم يجز حملهَا أَيْضا، لِأَنَّهَا تَقْتَضِي اقتصارا على طواف وَاحِد لكل مَا حصل بِهِ الْجمع، وَالْجمع إِنَّمَا حصل بِالْعُمْرَةِ وَالْحج جَمِيعًا، فَيَقْتَضِي اقتصارا على طواف وَاحِد لَهما جَمِيعًا لَا لأَحَدهمَا، والمتمتع لَا يقْتَصر على طواف وَاحِد بِالْإِجْمَاع، فَدلَّ على أَنَّهَا أَرَادَت بِهَذَا الْجمع جمع قرَان. انْتهى. قلت: لم يتَأَمَّل الْبَيْهَقِيّ كَلَام الطَّحَاوِيّ لغشيان التعصب على فكره، أَلا ترى كَيفَ يؤول قَوْلهَا: فَإِنَّمَا طافوا طَوافا وَاحِدًا أَنَّهَا أَرَادَت بِهَذَا السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة، فَمَا الضَّرُورَة إِلَى تَأْوِيل الطّواف بالسعي؟ بل المُرَاد الطّواف بِالْبَيْتِ. وَقَوله: تَقْتَضِي اقتصارا على طواف وَاحِد ... إِلَى آخِره، لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ قَالَ: إِن حجتهم تِلْكَ صَارَت مَكِّيَّة وَالْحجّة المكية يُطَاف لَهَا بعد عَرَفَة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يقْتَصر الْمُتَمَتّع على طواف وَاحِد، على أَنا نقُول: أَحَادِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي هَذَا الْبَاب مضطربة جدا لَا يتم بهَا الِاسْتِدْلَال لأحد من الْخُصُوم. وَقد قَالَت فِي رِوَايَة: أَهْلَلْنَا بِعُمْرَة وَفِي أُخْرَى فمنا من أهل بِعُمْرَة، وَمنا من أهل بِحَجّ. قَالَت: وَلم أهل إلَاّ بِحَجّ، وَفِي أُخْرَى: خرجنَا لَا نُرِيد إلَاّ الْحَج، وَفِي أُخْرَى لبينا بِالْحَجِّ، وَفِي أُخْرَى: مهلين بِالْحَجِّ، وَالْكل صَحِيح. وَفِي رِوَايَة: وَكنت مِمَّن تمتّع وَلم يسق الْهَدْي حَتَّى، قَالَ مَالك: لَيْسَ الْعَمَل على حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة قَدِيما وحديثا.
وَسَأَلَ الْكرْمَانِي عَن وَجه الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات، ثمَّ قَالَ: قَالُوا وَجهه أَنهم أَحْرمُوا بِالْحَجِّ، ثمَّ لما أَمرهم بِالْفَسْخِ إِلَى الْعمرَة أحرم أَكْثَرهم متمتعين، وَبَعْضهمْ بِسَبَب الْهَدْي بقوا على مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَبَعْضهمْ صَارُوا قارنين، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل الْمُعْتَرض: قَالَ عبد الرَّزَّاق عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سَلمَة بن كهيل، قَالَ: حلف طَاوُوس مَا طَاف أحد من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لحجه وعمرته إلَاّ طَوافا وَاحِدًا، وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح. وَفِيه: بَيَان ضعف مَا روى عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا من ذَلِك، انْتهى. قلت: لَيْسَ شعري مَا وَجه هَذَا الْبَيَان؟ وعجبي كَيفَ يلهج هَذَا الْقَائِل بِهَذَا القَوْل الَّذِي لَا يجديه شَيْئا؟ وَنقل هَذَا الْيَمين عَن طَاوُوس كَاد أَن يكون محالاً لعدم الْقُدْرَة على الْإِحَاطَة على أطوفة الصَّحَابَة أَجْمَعِينَ، وَالْكَلَام أَيْضا فِي الروَاة من دون عبد الرَّزَّاق.
قَوْله: (فَلَمَّا قضينا حجنا) ، وَذَلِكَ بعد أَن طهرت وطافت بِالْبَيْتِ أرسلها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ أَخِيهَا عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، إِلَى التَّنْعِيم، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون النُّون، وبالعين الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة، وَهُوَ على ثَلَاثَة أَمْيَال من مَكَّة. قَوْله: (مَكَان عمرتك) ، نصب على الظّرْف أَي بدل عمرتك، وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك تطييبا لقلبها، وَيُقَال: مَعْنَاهُ مَكَان عمرتك الَّتِي تركتهَا لأجل حيضك. قَوْله: (فَإِنَّمَا طافوا) ، وَفِي كثير من النّسخ طافوا بِدُونِ لفظ، فَإِنَّمَا، وَبِدُون الْفَاء فِي طافوا، وَهَذَا دَلِيل جَوَاز حذف الْفَاء فِي جَوَاب: أما، مَعَ أَن النُّحَاة صَرَّحُوا بِلُزُوم ذكره إلَاّ فِي ضَرُورَة الشّعْر، وَقَالَ بَعضهم: لَا يجوز حذف الْفَاء مُسْتقِلّا، لَكِن يجوز حذفهَا مَعَ القَوْل، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتهم بعد إيمَانكُمْ} (آل عمرَان: ٦٠١) . إِذْ تَقْدِيره: فَالْقَوْل لَهُم هَذَا الْكَلَام، وَقَالَ ابْن مَالك، هَذَا الحَدِيث وأخواته كَقَوْلِه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أما مُوسَى كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ) ، وَأما بعد: مَا بَال رجال يشترطون شُرُوطًا) ، فمخالف لهَذِهِ الْقَاعِدَة، فَعلم أَن من خصّه بِمَا إِذا حذف القَوْل مَعَه فَهُوَ مقصر فِي فتواه، عَاجز عَن نصْرَة دَعْوَاهُ.
٩٣٦١ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا ابنُ علِيَّةَ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا دخَلَ ابنُهُ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله وظَهْرُهُ فِي الدَّارِ فَقَالَ إنِّي لَا آمَن أَن يَكُونَ العَامَ بَيْنَ النَّاسِ قِتالٌ فيَصُدُّوكَ عَنِ البَيْتِ فَلَوْ أقَمْتَ فَقَالَ قَدْ خَرَجَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بيْنَهُ وبَيْنَ الْبَيْتِ فإنْ حِيلَ بَيْنِي وبَيْنَهُ أفْعَلْ كَما فعلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رسولِ الله أسْوَةٌ حسَنَةٌ ثُمَّ قالَ أُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ أوْجَبْتُ معَ عُمْرَتِي حَجا قَالَ ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُما طَوافا وَاحِدا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَطَافَ لَهما طَوافا وَاحِدًا) ، وَهَذَا طواف الْقَارِن عِنْده كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي، وَمن قَالَ بقوله.
ذكر
رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن كثير الدَّوْرَقِي، يكنى بِأبي يُوسُف. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَهُوَ اسْم أمه، وَأَبوهُ إِبْرَاهِيم بن سهم، وَقد مر غير مرّة. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَقد مر غير مرّة. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه هُوَ شيخ مُسلم أَيْضا وينسب إِلَى دورق فَيُقَال لَهُ الدَّوْرَقِي، وَلَيْسَ من بلد دورق، وَإِنَّمَا كَانُوا يلبسُونَ قلانس تسمى الدورقية، فنسبوا إِلَيْهَا. وَفِيه: أَن ابْن علية وَأَيوب بصريان ونافعا مدنِي.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد، وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن أبي الرّبيع وَأبي كَامِل وَعَن عَليّ بن حجر وَزُهَيْر بن حَرْب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دخل ابْنه) أَي: ابْن عبد الله بن عمر. قَوْله: (عبد الله بن عبد الله) هُوَ بَيَان لَهُ. قَوْله: (وظهره) بِالرَّفْع مبتد وَقَوله: (فِي الدَّار) ، خَبره، وَالْجُمْلَة وَقعت حَالا، وَالْمرَاد من الظّهْر مركوبه الَّذِي يركبه من الْإِبِل، وَحَاصِل الْمَعْنى أَن عبد الله بن عمر كَانَ عَازِمًا على الْحَج، وأحضر مركوبه ليركب عَلَيْهِ، وَيتَوَجَّهُ فَقَالَ لَهُ ابْنه عبد الله، إِنِّي لَا آمن أَن يكون الْعَام، أَي: فِي هَذَا الْعَام قتال فيصدوك أَي يمنعوك عَن الْبَيْت، وَذَلِكَ كَانَ فِي عَام نزل الْحجَّاج لقِتَال عبد الله بن الزبير، وَصرح بذلك مُسلم فِي رِوَايَته، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا يحيى، وَهُوَ الْقطَّان عَن عبيد الله قَالَ: (حَدثنِي نَافِع أَن عبد الله بن عبد الله وَسَالم بن عبد الله حِين نزل الْحجَّاج لقِتَال ابْن الزبير قَالَا: لَا يَضرك أَن لَا تحج الْعَام؟ فَإنَّا نخشى أَن يكون بَين النَّاس قتال يُحَال بَيْنك وَبَين الْبَيْت. قَالَ: إِن حيل بيني وَبَينه فعلت كَمَا فعل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَنا مَعَه: حِين حَالَتْ كفار قُرَيْش بَينه وَبَين الْبَيْت أشهدكم أَنِّي قد أوجبت عمْرَة: فَانْطَلق) الحَدِيث. قَوْله: (إِنِّي لَا آمن) بِالْمدِّ، وَفتح الْمِيم المخففة أَي: أَخَاف، هَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي (إِنِّي لَا أَيمن) ، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْمِيم، وَهِي لُغَة تَمِيم، فَإِنَّهُم يكسرون الْهمزَة فِي أول مُسْتَقْبل ماضيه على: فعل، بِالْكَسْرِ وَلَا يكسرون إِذا كَانَ ماضيه بِالْفَتْح إلَاّ أَن يكون فِيهِ حرف حلق نَحْو: إذهب وَالْحق. وَقيل: قَوْله: (لَا أَيمن)) بِالْكَسْرِ إمالة، وَوَقع فِي بعض الْكتب: لَا أَيمن، بِالْفَتْح وَالْيَاء، وَلَا وَجه لَهُ فَاعْلَم. قَوْله: (فَلَو أَقمت) يحْتَمل أَن يكون كلمة: لَو، لِلتَّمَنِّي فَلَا تحْتَاج إِلَى جَوَاب، وَيحْتَمل أَن تكون للشّرط وجزاؤه مَحْذُوف أَي: فَلَو أَقمت: فِي هَذِه السّنة، وَتركت الْحَج لَكَانَ خيرا لعدم الْأَمْن. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: عبد الله بن عمر لأبنه عبد الله. قَوْله: (إفعل) بِالْجَزْمِ، لِأَنَّهُ جَزَاء، والجزم فِيهِ وَاجِب، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على تَقْدِير: أَنا أفعل. قَوْله: (كَمَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) يَعْنِي فِي الْحُدَيْبِيَة حِين منعُوهُ عَن دُخُول مَكَّة وقصته مَشْهُورَة. قَوْله: (ثمَّ قدم) أَي: إِلَى مَكَّة. قَوْله: (لَهما) ، أَي: للْعُمْرَة وَالْحج، وَبِه احْتج الشَّافِعِي وَمن مَعَه فِي أَن الْقَارِن يَكْفِي لَهُ طواف وَاحِد، وَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ، لِأَن المُرَاد من هَذَا الطّواف طواف الْقدوم.
٠٤٦١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ نافِعٍ أَن ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أرادَ الحجَّ عامَ نزَلَ الْحَجَّاجُ بابنِ الزُّبَيْرِ فَقِيلَ لهُ إنَّ النَّاسَ كائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ وَإنَّا نَخَافُ أنْ يَصُدُّوكَ فقالَ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله إسْوَةٌ حسَنَةٌ إِذا أصْنَعُ كمَا صنَعَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنِّي أشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ أوْجَبْتُ عُمْرَةً ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إذَا كانَ بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ قَالَ مَا شأنُ الحَجِّ والعُمْرَةِ إلَاّ وَاحِدٌ اشْهِدُكْمْ أنِّي قَدْ أوْجَبْتُ حَجّا مَعَ عُمْرَتِي وأهْدَى هَدْيا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ ولَمْ يَزِدْ عَلَى ذالِكَ فَلَمْ يَنْحَرْ ولَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ ولَمْ يَحْلِقْ ولَمْ يُقَصِّرْ حَتَّى كانَ يَوْمَ النَّحْرِ فنحَرَ وحلَقَ ورَأى أنْ قَدْ قضَى طَوَافَ الحَجِّ والْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأوَّلِ وَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كذَلِكَ فَعَلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله بطوافه الأول، وَهَذَا طَرِيق ثَان للْحَدِيث السَّابِق، رَوَاهُ عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن اللَّيْث بن سعد عَن نَافِع إِلَى قَوْله: (عَام نزل الْحجَّاج) ، عَام، مَنْصُوب على الظّرْف، وَالْحجاج هُوَ ابْن يُوسُف الثَّقَفِيّ، كَانَ مُتَوَلِّي العراقين
من جِهَة الْملك عبد الْملك بن مَرْوَان، وَأمره عبد الْملك أَن يتَوَجَّه إِلَى مَكَّة لقِتَال عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، لِأَنَّهُ دعى لَهُ بالخلافة فَلم يطع عبد الْملك، فَقدم الْحجَّاج إِلَى مَكَّة فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين، وَأقَام الْحصار عَلَيْهِ من أول شعْبَان مِنْهَا، وقصته مَشْهُورَة. قَوْله: (بِابْن الزبير) ، أَي: نزل الْحجَّاج ملتبسا بِهِ على وَجه الْمُقَاتلَة. قَوْله: (فَقيل لَهُ) أَي: لِابْنِ عمر، وَقد صرح فِي (صَحِيح مُسلم) أَن عبد الله وسالما ابْني عبد الله بن عمر هما القائلان بذلك، وَلَفظه: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا يحيى، وَهُوَ الْقطَّان عَن عبيد الله إِلَى آخِره، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب. قَوْله: (كَائِن بَينهم قتال) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر إِن، وقتال مَرْفُوع بِأَنَّهُ فَاعل كَائِن، وَيجوز أَن ينْتَصب على التَّمْيِيز أَو على الِاخْتِصَاص. قَوْله: (إِذا) كلمة: إِذن، حرف جَوَاب وَجَزَاء وَشرط إعمالها أَن تتصدر، فَإِن وَقعت حَشْوًا أهملت، وَإِن كَانَ السَّابِق عَلَيْهَا واوا أَو فَاء جَازَ النصب نَحْو: وَإِذا لَا يَلْبَثُوا فَأذن لَا يؤتوا، وَالْغَالِب الرّفْع، وَإِذا كَانَ فعلهَا مُسْتَقْبلا يجب الرّفْع كَمَا هُوَ هُنَا. قَوْله: (إِنِّي أشهدكم) إِنَّمَا قَالَ هَذَا وَلم يكتف بِالنِّيَّةِ ليعمله من أَرَادَ الِاقْتِدَاء بِهِ. قَوْله: (الْبَيْدَاء) مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة قُدَّام ذِي الحليفة، وَهُوَ فِي الأَصْل الأَرْض الملساء والمفازة. قَوْله: (إلَاّ وَاحِد) ، بِالرَّفْع ويروى: وَاحِدًا، بِالنّصب على مَذْهَب يُونُس، فَإِنَّهُ جوزه مستشهدا بقوله:
(وَمَا الدَّهْر إلَاّ منجنونا بأَهْله ... وَمَا صَاحب الْحَاجَات إلَاّ معذبا)
يَعْنِي: حكمهمَا وَاحِد فِي جَوَاز التَّحَلُّل مِنْهُمَا بالإحصار. قَوْله: (وَأهْدى) فعل ماضٍ من الإهداء. قَوْله: (بِقديد) ، بِضَم الْقَاف وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ اسْم مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وَهُوَ فِي الأَصْل اسْم مَاء هُنَاكَ. قَوْله: (وَلم يزدْ على ذَلِك) ، لِأَنَّهُ لم يجب عَلَيْهِ دم بارتكاب مَحْظُورَات الْإِحْرَام. قَوْله: (حَتَّى كَانَ) ، لفظ: حَتَّى، غَايَة للأفعال الْأَرْبَعَة. قَوْله: (قضى) ، مَعْنَاهُ: أدّى. قَوْله: (كَذَلِك فعل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: طَاف طَوافا وَاحِدًا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذَا دَلِيل على أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا. قلت: غَرَضه من هَذَا أَن الْقَارِن يَكْتَفِي بِطواف وَاحِد لِأَنَّهُ قَالَ: لَا يجوز أَن يُرَاد بقوله: الطّواف الأول طواف الْقدوم، بل مَعْنَاهُ أَنه لم يتَكَرَّر الطّواف لِلْقُرْآنِ، بل يكْتَفى بِطواف وَاحِد. وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام أَن يُقَال لمن احْتج بِهَذَا الحَدِيث فِي اكْتِفَاء الْقَارِن بِطواف وَاحِد، وَأَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا، كَيفَ تَعْمَلُونَ بِهِ؟ وَقد روى الزُّهْرِيّ عَن سَالم أَن عبد الله بن عمر قَالَ: تمنع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج، وَأهْدى وسَاق الهذي من ذِي الحليفة، وَبَدَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأهل بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أهل بِالْحَجِّ وتمتع النَّاس مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج، الحَدِيث بِطُولِهِ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، على مَا يَأْتِي عَن البُخَارِيّ فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَذَا ابْن عمر يخبر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع مُتَمَتِّعا وَأَنه بَدَأَ بِالْعُمْرَةِ، وَقد حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حَدثنَا حجاج، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد عَن بكر بن عبد الله عَن ابْن عمر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه قدمُوا ملبين بِالْحَجِّ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من شَاءَ أَن يَجْعَلهَا عمْرَة إلَاّ من كَانَ مَعَه الْهَدْي فَأخْبر ابْن عمر فِي حَدِيث بكر هَذَا: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قدم مَكَّة وَهُوَ يُلَبِّي بِالْحَجِّ، وَقد أخبر فِي حَدِيث سَالم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَدَأَ فَأحْرم بِالْعُمْرَةِ، فَهَذَا مَعْنَاهُ عندنَا، وَالله أعلم، أَنه كَانَ أحرم أَولا بِحجَّة على أَنَّهَا حجَّة، ثمَّ فَسخهَا فصيرها عمْرَة، فلبى بِالْعُمْرَةِ ثمَّ تمتّع بهَا إِلَى الْحَج، حَتَّى يَصح حَدِيث سَالم وَبكر، هذَيْن وَلَا يتضادان، وَفسخ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْحَج الَّذِي كَانَ فعله وَأمر بِهِ أَصْحَابه هُوَ بعد طوافهم بِالْبَيْتِ فاستحال بذلك أَن يكون الطّواف الَّذِي كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعله للْعُمْرَة الني انقلبت إِلَيْهَا حجَّته مجزيا عَنهُ من طواف حجَّته الَّتِي أحرم بهَا بعد ذَلِك، وَلَكِن وَجه ذَلِك عندنَا، وَالله تَعَالَى أعلم أَنه لم يطف لحجته قبل يَوْم النَّحْر لِأَن الطّواف الَّذِي يفعل قبل يَوْم النَّحْر فِي الْحجَّة إِنَّمَا يفعل للقدوم لَا لِأَنَّهُ من صلب الْحجَّة، فَاكْتفى ابْن عمر بِالطّوافِ الَّذِي كَانَ فعله بعد الْقدوم فِي عمرته عَن إِعَادَته فِي حجَّته، وَهَذَا مثل مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر أَيْضا من فعله: حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حَدثنَا حجاج، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن نَافِع أَن ابْن عمر كَانَ إِذا قدم مَكَّة يرمل بِالْبَيْتِ، ثمَّ طَاف بَين الصَّفَا والمروة، وَإِذا لبّى من مَكَّة بهَا لم يرمل بِالْبَيْتِ، وَأخر الطّواف بَين الصَّفَا والمروة إِلَى يَوْم النَّحْر، وَكَانَ لَا يرمل يَوْم النَّحْر، فَدلَّ مَا ذكرنَا أَن ابْن عمر كَانَ إِذا أحرم بِالْحجَّةِ من مَكَّة لم يطف لَهَا إِلَى يَوْم النَّحْر، فَكَذَلِك مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من إِحْرَامه بِالْحجَّةِ الَّتِي أحرم بهَا بعد فسخ حجَّته
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي زَمْزَمَ) كَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِي فَضْلِهَا حَدِيثٌ عَلَى شَرْطِهِ صَرِيحًا، وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ زَادَ الطَّيَالِسِيُّ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ وَشِفَاءُ سُقْمٍ وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي إِرْسَالِهِ وَوَصْلِهِ وَإِرْسَالُهُ أَصَحُّ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْهُ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُؤَمَّلِ الْمَكِّيَّ فَذَكَرَ الْعُقَيْلِيُّ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ، لَكِنْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ وَمِنْ طَرِيقِ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَوَقَعَ فِي: فَوَائِدِ ابْنِ الْمُقْرِي مِنْ طَرِيقِ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْمَوَالِي، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَزَعَمَ الدِّمْيَاطِيُّ أَنَّهُ عَلَى رَسْمِ الصَّحِيحِ وَهُوَ كَمَا قَالَ مِنْ حَيْثُ الرِّجَالِ إِلَّا أَنَّ سُوَيْدًا وَإِنْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ خَلَطَ وَطَعَنُوا فِيهِ وَقَدْ شَذَّ بِإِسْنَادِهِ، وَالْمَحْفُوظُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ الْمُؤَمَّلِ، وَقَدْ جَمَعْتُ فِي ذَلِكَ جُزْءًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُمِّيَتْ زَمْزَمَ لِكَثْرَتِهَا، يُقَالُ مَاءٌ زَمْزَمٌ أَيْ كَثِيرٌ، وَقِيلَ لِاجْتِمَاعِهَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ هِشَامٍ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: الزَّمْزَمَةُ مِنَ النَّاسِ خَمْسُونَ وَنَحْوُهُمْ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ زَمْزَمَ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْهَزْمَةِ وَالْهَزْمَةُ الْغَمْزُ بِالْعَقِبِ فِي الْأَرْضِ، أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، وَقِيلَ لِحَرَكَتِهَا قَالَهُ الْحَرْبِيُّ، وَقِيلَ لِأَنَّهَا زُمَّتْ بِالْمِيزَانِ لِئَلَّا تَأْخُذَ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَسَتَأْتِي قِصَّتُهَا فِي شَأْنِ إِسْمَاعِيلَ وَهَاجَرَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَقِصَّةِ حَفْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَهَا فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدَانُ) سَيَأْتِي فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَتَمُّ مِنْهُ بِلَفْظِ وَقَالَ لِي عَبْدَانُ وَأَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا، وَقَدْ وَصَلَهُ الْجَوْزَقِيُّ بِتَمَامِهِ عَنِ الدَّغُولِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدَانَ بِطُولِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ، وَالْفَزَارِيُّ هُوَ مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَغَلِطَ مَنْ قَالَ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَعَاصِمٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الشُّرْبَ مِنْ زَمْزَمَ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ. وَفِي الْمُصَنَّفِ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ شُرْبُ نَبِيذِ السِّقَايَةِ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ وَعَنْ عَطَاءٍ لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَشْرَبُهُ فَتَلْزَقُ شَفَتَاهُ مِنْ حَلَاوَتِهِ وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُ مِنَ النَّبِيذِ فِي الْحَجِّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شرب مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الِاتِّبَاعِ لِلْآثَارِ أَوْ خَشِيَ أَنْ يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ كَمَا نُقِلَ عَنْ طَاوُسٍ.
قَوْلُهُ: (فَحَلَفَ عِكْرِمَةُ مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا عَلَى بَعِيرٍ) عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ عَاصِمٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعِكْرِمَةَ فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا فَعَلَ - أَيْ مَا شَرِبَ قَائِمًا - لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ رَاكِبًا. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَنَاخَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَلَعَلَّ شُرْبَهُ مِنْ زَمْزَمَ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ عِكْرِمَةَ إِنَّمَا أَنْكَرَ شُرْبَهُ قَائِمًا لِنَهْيِهِ عَنْهُ، لَكِنْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: أَنَّهُ ﷺ شَرِبَ قَائِمًا. فَيُحْمَلُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ.
٧٧ - بَاب طَوَافِ الْقَارِنِ
١٦٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ مِنْهُمَا، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لكن عند أبي داود من رواية عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه أناخ فصلَّى ركعتين، فلعلَّ شربه من ماء زمزم كان بعد ذلك، ولعلَّ عكرمة إنَّما أنكر شربه قائمًا لنهيه عنه، لكن ثبت عن عليٍّ عند البخاريِّ [خ¦٥٦١٥]: أنَّه ﷺ شرب قائمًا، فيُحمَل على بيان الجواز، قاله في «فتح الباري».
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأشربة» [خ¦٥٦١٧]، وكذا التِّرمذيُّ.
(٧٧) (بابُ طَوَافِ القَارِنِ) هل يكفيه طوافٌ واحدٌ أو لابدَّ من طوافين؟ خلافٌ يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
١٦٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (١) الزُّهريِّ (٢) (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) قالت: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) سنة عشرٍ، وسُمِّيت بذلك لأنَّه ﵊ ودَّع النَّاس فيها، ولم يحجَّ بعد الهجرة غيرها (فَأَهْلَلْنَا) أحرمنا (بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ) ﵊: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ) بالنَّصب، ولغير أبي ذرٍّ: «لا يحلُّ» بالرَّفع (حَتَّى يَحِلَّ
مِنْهُمَا) أي: من الحجِّ والعمرة لأنَّ القارن يعمل عملًا واحدًا كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. قالت عائشة: (فَقَدِمْتُ مَكَّةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا (١)) أي: بعد أن طهرت وطفت (أَرْسَلَنِي مَعَ) أخي (عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ) أدنى الحلِّ إلى الحرم، وإنَّما أرسلها إلى التَّنعيم لأنَّ العمرة كالحجِّ، لا بدَّ أن يجمع فيها بين الحلِّ والحرم (فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ ﷺ: هَذِهِ) العمرة (مَكَانَ عُمْرَتِكِ) بنصب «مكانَ» على الظَّرفيَّة، أي: بدل عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردةً، لا أنَّها قضاءٌ عن التي كانت أحرمت بها (فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ) وحدها متمتِّعين وسعوا (ثُمَّ حَلُّوا) لم يفرِّق بين من معه الهدي ومن ليس معه، وقال أبو حنيفة: من كان معه الهدي لا يحلُّ من عمرته، ويبقى على إحرامه حتَّى يحجَّ وينحر هديه يوم النَّحر (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ) للحجِّ (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) وهم الذين كان معهم الهدي (طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) بغير فاءٍ في «طافوا» الذي هو جواب «أمَّا»، لكن صرَّح النُّحاة بلزوم إثباتها فيه نحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦] إلَّا في ضرورة الشَّعر كقوله:
فأمَّا القتالُ لا قتالَ لديكم … ولكنَّ سيرًا في عِراض المواكبِ
وأمَّا حذفها في (٢) قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم﴾ [آل عمران: ١٠٦] فالأصل: فيُقال لهم: أكفرتم، فحذف القول استغناءً عنه (٣) بالمقول، فتبعته الفاء في الحذف، ورُبَّ شيءٍ يصحُّ تبعًا ولا يصحُّ استقلالًا كالحاجِّ عن غيره يصلِّي عنه ركعتي الطَّواف، ولو صلَّى أحدٌ عن غيره ابتداءً (٤) لم يصحَّ على الصَّحيح، قاله ابن هشامٍ. وتَلخَّص منه: أنَّ الفاء لا تُحذَف في غير الضَّرورة إلَّا مع القول، وعُورِض بأنَّه ثبت في «الصَّحيح» [خ¦٢١٦٨]: أنَّه ﵊ قال: «أمَّا بعد، ما بال رجالٍ يشترطون شروطًا؟» وأُجيب بأنَّه يجوز أن يكون هذا الحديث ممَّا حُذِف فيه الفاء تبعًا للقول،
والتَّقدير: فأقول: ما بال رجالٍ؟ فالأَولى: النَّقض بما وقع هنا في حديث عائشة: وأمَّا الذين جمعوا بين الحجِّ والعمرة طافوا، وبقوله ﵊: [خ¦١٥٥٥] «أمَّا موسى كأنِّي أنظر إليه إذ ينحدر في الوادي»، ولذا قال ابن مالكٍ في «التَّسهيل»: ولا بدَّ مع «أمَّا» من ذكر الفاء إلَّا في ضرورةٍ أو ندورٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإنَّما طافوا» فأُتِي بالفاء قبل «إنَّما» في جواب «أمَّا»، وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ القارن يجزيه طوافٌ واحدٌ، وهو مذهب مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد والجمهور، وكذا يجزيه سعيٌ واحدٌ، وقال أبو حنيفة في آخرين: عليه طوافان وسعيان، واستدلَّ لذلك في «فتح القدير» (١): بما رواه النَّسائيُّ في «سننه الكبرى» (٢) عن حمَّاد بن عبد الرَّحمن الأنصاريِّ، عن إبراهيم بن محمَّد ابن الحنفيَّة قال: طفت مع أبي وقد جمع الحجَّ والعمرة، فطاف لهما طوافين وسعى سعيين، وحدَّثني أنَّ عليًّا ﵁ فعل ذلك. وحدَّثه أنَّ رسول الله ﷺ فعل ذلك، قال العلَّامة ابن الهُمَام: وحمَّادٌ هذا وإن ضعَّفه الأزديُّ فقد ذكره ابن حبَّان في «الثِّقات»، فلا ينزل حديثه عن درجة الحسن، مع أنَّه روى عن عليٍّ بطرقٍ كثيرةٍ مُضعَّفةٍ ترتقي إلى الحسن، غير أنَّا تركناها واقتصرنا على ما هو الحجَّة بنفسه بلا ضمٍّ، قال: ورواه الشَّافعيُّ بسندٍ فيه مجهولٌ، وقال: معناه: أنَّه يطوف بالبيت حين يقدم، وبالصَّفا والمروة، ثمَّ يطوف بالبيت للزِّيارة. انتهى. وهو صريحٌ في مخالفة النَّصِّ عن عليٍّ، وقول ابن المنذر: -ولو كان ثابتًا عن عليٍّ كان قول رسول الله ﷺ أَولى: «من أحرم بالحجِّ والعمرة أجزأه عنهما طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ» - مدفوعٌ (٣) بأنَّ عليًّا رفعه إلى رسول الله ﷺ كما أسمعناك، فوقعت المعارضة، وكانت هذه الرِّواية أقيس بأصول الشَّرع فرجحت، وقد استقرَّ في الشَّرع أنَّ من ضمَّ عبادةً إلى أخرى أنَّه يفعل أركان كلٍّ منهما، والله أعلم بحقيقة الحال. انتهى. ولا ريب أنَّ العمل بما في «صحيح البخاريِّ» (٤) أَولى من حديثٍ لم يكن على رسم الصَّحيح على ما لا يخفى، وقد روى مسلمٌ من طريق أبي (٥) الزُّبير: أنَّه سمع جابر بن عبد الله
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ: بَاب الشّرْب قَائِما، على مَا يَأْتِي، فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم حدنا مسعر عَن عبد الْملك بن ميسرَة عَن النزال، قَالَ: أَتَى عَليّ.، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على بَاب الرحبة بِمَاء، فَشرب قَائِما، فَقَالَ: إِن نَاسا يكره أحدهم أَن يشرب وَهُوَ قَائِم، وَإِنِّي رَأَيْت النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فعل كَمَا رَأَيْتُمُونِي فعلت) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عمر، قَالَ: (كُنَّا نَأْكُل على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنحن نمشي، وَنَشْرَب وَنحن قيام) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح غَرِيب، وروى أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده. (قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يشرب قَائِما وَقَاعِدا) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن، وروى الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا ربيع الجيزي قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق ابْن أبي فَرْوَة الْمدنِي، قَالَ: حَدَّثتنَا عُبَيْدَة بنت نابل عَن عَائِشَة بنت سعد) عَن سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يشرب قَائِما) . وَرَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا فِي (مُسْنده) نَحوه، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا، فَقَالَ: حَدثنَا ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن ابْن جريج، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الْكَرِيم ابْن مَالك: (قَالَ: أَخْبرنِي الْبَراء بن زيد أَن أم سليم حدثته أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شرب وَهُوَ قَائِم فِي قربَة) . وَفِي لفظ لَهُ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل عَلَيْهَا، وَفِي بَيته قربَة معلقَة، فَشرب من الْقرْبَة قَائِما. وَأخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إعلم أَن هَذِه الْأَحَادِيث أشكل مَعْنَاهَا على بعض الْعلمَاء، حَتَّى قَالَ فِيهَا أقوالاً بَاطِلَة، وَالصَّوَاب مِنْهَا: أَن النَّهْي مَحْمُول على كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَأما شربه قَائِما فلبيان الْجَوَاز، وَمن زعم نسخا فقد غلط، فَكيف يكون النّسخ مَعَ إِمْكَان الْجمع، وَإِنَّمَا يكون نسخا لَو ثَبت التاريح فأنَّى لَهُ ذَلِك؟ وَقَالَ الطَّحَاوِيّ مَا ملخصه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرَادَ بِهَذَا النَّهْي الإشفاق على أمته، لِأَنَّهُ يخَاف من الشّرْب قَائِما الضَّرَر، وحدوث الدَّاء، كَمَا قَالَ لَهُم: أما أَنا فَلَا آكل مُتكئا. انْتهى. قلت: اخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَاب بِحَسب اخْتِلَاف الْأَحَادِيث فِيهِ، فَذهب الْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَقَتَادَة: إِلَى كَرَاهَة الشّرْب قَائِما. وَرُوِيَ ذَلِك عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذهب الشّعبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وزادان وطاووس وَسَعِيد بن جُبَير وَمُجاهد إِلَى أَنه لَا بَأْس بِهِ، ويروى ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَسعد وَعمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَابْن الزبير وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
٧٧ - (بابُ طَوَاف القَارِن)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان طواف الْقَارِن، فَهَل يَكْتَفِي بِطواف وَاحِد. أَو لَا بُد لَهُ من طوافين، وَإِنَّمَا لم يبين ذَلِك، بل أطلق للِاخْتِلَاف فِيهِ على مَا يجيىء بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٨٣٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فأهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قالَ مَنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بالحَجِّ والْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنا حائِضٌ فلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنا أرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمانِ إلَى التَّنْعِيمُ فاعْتَمَرْتُ فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هاذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ فَطَافَ الَّذِينَ أهَلُّوا بِالعُمْرَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافا آخَرَ بَعْدَ أنْ رَجَعُوا مِنْ مِنىً وأمَّا الَّذِين جَمَعُوا بَيْنَ الحَجِّ والْعُمْرَةِ فإنَّمَا طَافُوا طَوَافا وَاحِدا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأما الَّذين جمعُوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة) لِأَنَّهُ هُوَ الْقَارِن، فِيهِ بَيَان طَوَافه أَنه وَاحِد، والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب كَيفَ تهل الْحَائِض وَالنُّفَسَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك، وَهنا: عَن عبد الله ابْن يُوسُف عَن مَالك، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً، وَلَكِن نتكلم فِيهِ للرَّدّ على بَعضهم فِي رده على الإِمَام أبي جَعْفَر الطَّحَاوِيّ من غير وَجه لأريحية العصبية فِيهِ.
فَنَقُول أَولا مَا ذكره الطَّحَاوِيّ، فَقَالَ: بَاب الْقَارِن كم عَلَيْهِ من الطّواف لعمرته ولحجته؟ حَدثنَا صَالح بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ وَمُحَمّد بن إِدْرِيس الْمَكِّيّ قَالَا: حَدثنَا سعيد بن مَنْصُور، قَالَ: حَدثنَا عبد الْعَزِيز
ابْن مُحَمَّد عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أحرم بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة كَفاهُ لَهما طواف وَاحِد وسعي وَاحِد، ثمَّ لَا يحل حَتَّى لَا يحل مِنْهُمَا جَمِيعًا، ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى هَذَا الحَدِيث، فَقَالُوا: على الْقَارِن بَين الْحَج وَالْعمْرَة طواف وَاحِد لَا يجب عَلَيْهِ من الطّواف غَيره، وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: بل يطوف لكل وَاحِد مِنْهُمَا طَوافا وَاحِدًا وَيسْعَى سعيا وَاحِدًا، وَكَانَ من الْحجَّة لَهُم فِي ذَلِك أَن هَذَا الحَدِيث خطأ أَخطَأ فِيهِ الدَّرَاورْدِي فرفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِنَّمَا أَصله عَن ابْن عمر نَفسه، هَكَذَا رَوَاهُ الْحفاظ وهم مَعَ هَذَا لَا يحتجون بالدراوردي، عَن عبيد الله أصلا، فَلم يحتجون لَهُ فِي هَذَا، فَأَما مَا رَوَاهُ الْحفاظ من ذَلِك عَن عبيد الله، فَمَا حَدثنَا صَالح بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدثنَا سعيد ابْن مَنْصُور، قَالَ: حَدثنَا هشيم، قَالَ: حَدثنَا عبد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر، أَنه كَانَ يَقُول: إِذا قرن طَاف لَهما طَوافا وَاحِدًا، فَإِذا فرق طَاف لكل مِنْهُمَا طَوافا، وسعى سعيا انْتهى. ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل، بعد أَن نقل كَلَام الطَّحَاوِيّ، وَهُوَ تَعْلِيل مَرْدُود، فالدراوردي صدق، وَلَيْسَ مَا رَوَاهُ مُخَالفا لما رَوَاهُ غَيره، فَلَا مَانع أَن يكون الحَدِيث عِنْد نَافِع على الْوَجْهَيْنِ. انْتهى. قلت: الْمَرْدُود مَا قَالَه وَذهب إِلَيْهِ من غير تَحْقِيق النّظر فِيهِ، فَهَل يحل رد مَا لَا يرد لأجل مَا قصر فِيهِ فهمه، وَكثر تعنته ومصادمته للحق الأبلج؟ أَفلا وقف هَذَا على مَا قَالَه التِّرْمِذِيّ بعد أَن ذكر الحَدِيث الْمَذْكُور؟ وَقد رَوَاهُ غير وَاحِد عَن عبيد الله وَلم يرفعوه، وَهُوَ أصح. وَقَالَ أَبُو عمر فِي (الاستذكار) : لم يرفعهُ أحد عَن عبيد الله غير الدَّرَاورْدِي وكل من رَوَاهُ عَنهُ غَيره، أوقفهُ على ابْن عمر، وَكَذَا رَوَاهُ مَالك عَن نَافِع مَوْقُوفا، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: الدَّرَاورْدِي سيء الْحِفْظ، ذكره عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي (الكاشف) . وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَحَدِيثه عَن عبيد الله مُنكر، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ كثير الحَدِيث يغلط.
ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: واحتجت الْحَنَفِيَّة بِمَا رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه جمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة، فَطَافَ لَهما طوافين وسعى لَهما سعيين، ثمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل، وَطَرِيقه عَن عَليّ عِنْد عبد الرَّزَّاق وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهمَا ضَعِيفَة، وَكَذَا أخرج من حَدِيث ابْن مَسْعُود بِإِسْنَاد ضَعِيف نَحوه، وَأخرج من حَدِيث ابْن عمر نَحْو ذَلِك، وَفِيه: الْحسن بن عمَارَة وَهُوَ مَتْرُوك. انْتهى. قلت: حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) عَن حَمَّاد بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ (عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، قَالَ: طفت مَعَ أبي، وَقد جمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة، فَطَافَ لَهما طوافين، وسعى لَهما سعيين، وحَدثني أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فعل ذَلِك، وحدثه أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل ذَلِك.
فَإِن قلت: قَالَ صَاحب (التَّنْقِيح) وَحَمَّاد: هَذَا ضعفه الْأَزْدِيّ؟ قلت: ذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من وُجُوه عَن الْحسن ابْن عمَارَة، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ مَتْرُوك، وَعَن حَفْص بن أبي دَاوُد عَن ابْن أبي ليلى. وَقَالَ حَفْص: ضَعِيف، وَعَن عِيسَى بن عبد الله ابْن عَليّ، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ مَتْرُوك، قلت: إِذا كثرت طرق الحَدِيث، وَلَو كَانَ فِيهَا ضعفاء تتعاضد وتتقوى.
وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا (عَن أبي النَّضر، قَالَ: أَهلَلْت بِالْحَجِّ فأدركت عليا فَقلت لَهُ: إِنِّي أَهلَلْت بِالْحَجِّ أفأستطيع أَن أضيف إِلَيْهِ عمْرَة؟ قَالَ: لَا لَو كنت أَهلَلْت بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أردْت أَن تضيف إِلَيْهَا الْحَج ضممته. قَالَ: قلت: كَيفَ أصنع إِذا أردْت ذَلِك؟ قَالَ: تصب عَلَيْك إداوة مَاء، ثمَّ تحرم بهما جَمِيعًا وَتَطوف لكل وَاحِد مِنْهُمَا طَوافا) ، وَعنهُ عَن عَليّ وَعبد الله قَالَا: الْقَارِن يطوف طوافين، وَيسْعَى سعيين ثمَّ اعْترض هَذَا الْقَائِل أَيْضا على الطَّحَاوِيّ حَيْثُ قَالَ، فِي قَول عَائِشَة: وَأما الَّذين جمعُوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة، فَإِنَّمَا طافوا طَوافا وَاحِدًا، أَن مرادها جمعُوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة جمع مُتْعَة لَا جمع قرَان، بقوله: وَإِنِّي لكثير التَّعَجُّب مِنْهُ فِي هَذَا الْموضع، كَيفَ سَاغَ لَهُ هَذَا التَّأْوِيل؟ وَحَدِيث عَائِشَة مفصل للحالتين، فَإِنَّهَا صرحت بِفعل من تمتّع، ثمَّ بِمن قرن حَيْثُ، قَالَت: فَطَافَ الَّذين أهلوا بِالْعُمْرَةِ ثمَّ حلوا، ثمَّ طافوا طَوافا آخر بعد أَن رجعُوا من منى، فَهَؤُلَاءِ أهل التَّمَتُّع، ثمَّ قَالَت: وَأما الَّذين جمعُوا، إِلَى آخِره، فَهَؤُلَاءِ أهل القِران، وَهَذَا أبين من أَن يحْتَاج إِلَى بَيَان. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره مُتَعَجِّبا أَخذه من كَلَام الْبَيْهَقِيّ، فَإِنَّهُ شنع على الطَّحَاوِيّ فِي كتاب (الْمعرفَة) بِغَيْر معرفَة، حَيْثُ قَالَ: وَزعم بعض من يَدعِي فِي هَذَا تَصْحِيح الْأَخْبَار على مذْهبه، إِنَّمَا أَرَادَت بِهَذَا الْجمع جمع مُتْعَة لَا جمع قرَان. قَالَت: فَإِنَّمَا طافوا طَوافا وَاحِدًا فِي حجتهم، لِأَن حجتهم كَانَت مَكِّيَّة، وَالْحجّة المكية لَا يُطَاف لَهَا قبل عَرَفَة، وَكَيف استجاز لدينِهِ أَن يَقُول مثل هَذَا، وَفِي حَدِيثهَا أَنَّهَا أفردت من جمع بَينهمَا جمع مُتْعَة أَولا بِالذكر، فَذكرت كَيفَ طافوا فِي عمرتهم ثمَّ كَيفَ طافوا فِي حجتهم، ثمَّ لم يبْق إلَاّ المفردون والقارنون،
فَجمعت بَينهم فِي الذّكر، وأخبرت أَنهم إِنَّمَا طافوا طَوافا وَاحِدًا، وَأَنَّهَا أَرَادَت بَين الصَّفَا والمروة، وَلما ذكرنَا من الدّلَالَة مَعَ كَونه معقولاً، وَلَو اقتصرت على اللَّفْظَة الْأَخِيرَة لم يجز حملهَا أَيْضا، لِأَنَّهَا تَقْتَضِي اقتصارا على طواف وَاحِد لكل مَا حصل بِهِ الْجمع، وَالْجمع إِنَّمَا حصل بِالْعُمْرَةِ وَالْحج جَمِيعًا، فَيَقْتَضِي اقتصارا على طواف وَاحِد لَهما جَمِيعًا لَا لأَحَدهمَا، والمتمتع لَا يقْتَصر على طواف وَاحِد بِالْإِجْمَاع، فَدلَّ على أَنَّهَا أَرَادَت بِهَذَا الْجمع جمع قرَان. انْتهى. قلت: لم يتَأَمَّل الْبَيْهَقِيّ كَلَام الطَّحَاوِيّ لغشيان التعصب على فكره، أَلا ترى كَيفَ يؤول قَوْلهَا: فَإِنَّمَا طافوا طَوافا وَاحِدًا أَنَّهَا أَرَادَت بِهَذَا السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة، فَمَا الضَّرُورَة إِلَى تَأْوِيل الطّواف بالسعي؟ بل المُرَاد الطّواف بِالْبَيْتِ. وَقَوله: تَقْتَضِي اقتصارا على طواف وَاحِد ... إِلَى آخِره، لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ قَالَ: إِن حجتهم تِلْكَ صَارَت مَكِّيَّة وَالْحجّة المكية يُطَاف لَهَا بعد عَرَفَة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يقْتَصر الْمُتَمَتّع على طواف وَاحِد، على أَنا نقُول: أَحَادِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي هَذَا الْبَاب مضطربة جدا لَا يتم بهَا الِاسْتِدْلَال لأحد من الْخُصُوم. وَقد قَالَت فِي رِوَايَة: أَهْلَلْنَا بِعُمْرَة وَفِي أُخْرَى فمنا من أهل بِعُمْرَة، وَمنا من أهل بِحَجّ. قَالَت: وَلم أهل إلَاّ بِحَجّ، وَفِي أُخْرَى: خرجنَا لَا نُرِيد إلَاّ الْحَج، وَفِي أُخْرَى لبينا بِالْحَجِّ، وَفِي أُخْرَى: مهلين بِالْحَجِّ، وَالْكل صَحِيح. وَفِي رِوَايَة: وَكنت مِمَّن تمتّع وَلم يسق الْهَدْي حَتَّى، قَالَ مَالك: لَيْسَ الْعَمَل على حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة قَدِيما وحديثا.
وَسَأَلَ الْكرْمَانِي عَن وَجه الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات، ثمَّ قَالَ: قَالُوا وَجهه أَنهم أَحْرمُوا بِالْحَجِّ، ثمَّ لما أَمرهم بِالْفَسْخِ إِلَى الْعمرَة أحرم أَكْثَرهم متمتعين، وَبَعْضهمْ بِسَبَب الْهَدْي بقوا على مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَبَعْضهمْ صَارُوا قارنين، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل الْمُعْتَرض: قَالَ عبد الرَّزَّاق عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سَلمَة بن كهيل، قَالَ: حلف طَاوُوس مَا طَاف أحد من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لحجه وعمرته إلَاّ طَوافا وَاحِدًا، وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح. وَفِيه: بَيَان ضعف مَا روى عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا من ذَلِك، انْتهى. قلت: لَيْسَ شعري مَا وَجه هَذَا الْبَيَان؟ وعجبي كَيفَ يلهج هَذَا الْقَائِل بِهَذَا القَوْل الَّذِي لَا يجديه شَيْئا؟ وَنقل هَذَا الْيَمين عَن طَاوُوس كَاد أَن يكون محالاً لعدم الْقُدْرَة على الْإِحَاطَة على أطوفة الصَّحَابَة أَجْمَعِينَ، وَالْكَلَام أَيْضا فِي الروَاة من دون عبد الرَّزَّاق.
قَوْله: (فَلَمَّا قضينا حجنا) ، وَذَلِكَ بعد أَن طهرت وطافت بِالْبَيْتِ أرسلها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ أَخِيهَا عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، إِلَى التَّنْعِيم، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون النُّون، وبالعين الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة، وَهُوَ على ثَلَاثَة أَمْيَال من مَكَّة. قَوْله: (مَكَان عمرتك) ، نصب على الظّرْف أَي بدل عمرتك، وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك تطييبا لقلبها، وَيُقَال: مَعْنَاهُ مَكَان عمرتك الَّتِي تركتهَا لأجل حيضك. قَوْله: (فَإِنَّمَا طافوا) ، وَفِي كثير من النّسخ طافوا بِدُونِ لفظ، فَإِنَّمَا، وَبِدُون الْفَاء فِي طافوا، وَهَذَا دَلِيل جَوَاز حذف الْفَاء فِي جَوَاب: أما، مَعَ أَن النُّحَاة صَرَّحُوا بِلُزُوم ذكره إلَاّ فِي ضَرُورَة الشّعْر، وَقَالَ بَعضهم: لَا يجوز حذف الْفَاء مُسْتقِلّا، لَكِن يجوز حذفهَا مَعَ القَوْل، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتهم بعد إيمَانكُمْ} (آل عمرَان: ٦٠١) . إِذْ تَقْدِيره: فَالْقَوْل لَهُم هَذَا الْكَلَام، وَقَالَ ابْن مَالك، هَذَا الحَدِيث وأخواته كَقَوْلِه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أما مُوسَى كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ) ، وَأما بعد: مَا بَال رجال يشترطون شُرُوطًا) ، فمخالف لهَذِهِ الْقَاعِدَة، فَعلم أَن من خصّه بِمَا إِذا حذف القَوْل مَعَه فَهُوَ مقصر فِي فتواه، عَاجز عَن نصْرَة دَعْوَاهُ.
٩٣٦١ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا ابنُ علِيَّةَ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا دخَلَ ابنُهُ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله وظَهْرُهُ فِي الدَّارِ فَقَالَ إنِّي لَا آمَن أَن يَكُونَ العَامَ بَيْنَ النَّاسِ قِتالٌ فيَصُدُّوكَ عَنِ البَيْتِ فَلَوْ أقَمْتَ فَقَالَ قَدْ خَرَجَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بيْنَهُ وبَيْنَ الْبَيْتِ فإنْ حِيلَ بَيْنِي وبَيْنَهُ أفْعَلْ كَما فعلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رسولِ الله أسْوَةٌ حسَنَةٌ ثُمَّ قالَ أُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ أوْجَبْتُ معَ عُمْرَتِي حَجا قَالَ ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُما طَوافا وَاحِدا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَطَافَ لَهما طَوافا وَاحِدًا) ، وَهَذَا طواف الْقَارِن عِنْده كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي، وَمن قَالَ بقوله.
ذكر
رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن كثير الدَّوْرَقِي، يكنى بِأبي يُوسُف. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَهُوَ اسْم أمه، وَأَبوهُ إِبْرَاهِيم بن سهم، وَقد مر غير مرّة. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَقد مر غير مرّة. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه هُوَ شيخ مُسلم أَيْضا وينسب إِلَى دورق فَيُقَال لَهُ الدَّوْرَقِي، وَلَيْسَ من بلد دورق، وَإِنَّمَا كَانُوا يلبسُونَ قلانس تسمى الدورقية، فنسبوا إِلَيْهَا. وَفِيه: أَن ابْن علية وَأَيوب بصريان ونافعا مدنِي.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد، وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن أبي الرّبيع وَأبي كَامِل وَعَن عَليّ بن حجر وَزُهَيْر بن حَرْب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دخل ابْنه) أَي: ابْن عبد الله بن عمر. قَوْله: (عبد الله بن عبد الله) هُوَ بَيَان لَهُ. قَوْله: (وظهره) بِالرَّفْع مبتد وَقَوله: (فِي الدَّار) ، خَبره، وَالْجُمْلَة وَقعت حَالا، وَالْمرَاد من الظّهْر مركوبه الَّذِي يركبه من الْإِبِل، وَحَاصِل الْمَعْنى أَن عبد الله بن عمر كَانَ عَازِمًا على الْحَج، وأحضر مركوبه ليركب عَلَيْهِ، وَيتَوَجَّهُ فَقَالَ لَهُ ابْنه عبد الله، إِنِّي لَا آمن أَن يكون الْعَام، أَي: فِي هَذَا الْعَام قتال فيصدوك أَي يمنعوك عَن الْبَيْت، وَذَلِكَ كَانَ فِي عَام نزل الْحجَّاج لقِتَال عبد الله بن الزبير، وَصرح بذلك مُسلم فِي رِوَايَته، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا يحيى، وَهُوَ الْقطَّان عَن عبيد الله قَالَ: (حَدثنِي نَافِع أَن عبد الله بن عبد الله وَسَالم بن عبد الله حِين نزل الْحجَّاج لقِتَال ابْن الزبير قَالَا: لَا يَضرك أَن لَا تحج الْعَام؟ فَإنَّا نخشى أَن يكون بَين النَّاس قتال يُحَال بَيْنك وَبَين الْبَيْت. قَالَ: إِن حيل بيني وَبَينه فعلت كَمَا فعل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَنا مَعَه: حِين حَالَتْ كفار قُرَيْش بَينه وَبَين الْبَيْت أشهدكم أَنِّي قد أوجبت عمْرَة: فَانْطَلق) الحَدِيث. قَوْله: (إِنِّي لَا آمن) بِالْمدِّ، وَفتح الْمِيم المخففة أَي: أَخَاف، هَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي (إِنِّي لَا أَيمن) ، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْمِيم، وَهِي لُغَة تَمِيم، فَإِنَّهُم يكسرون الْهمزَة فِي أول مُسْتَقْبل ماضيه على: فعل، بِالْكَسْرِ وَلَا يكسرون إِذا كَانَ ماضيه بِالْفَتْح إلَاّ أَن يكون فِيهِ حرف حلق نَحْو: إذهب وَالْحق. وَقيل: قَوْله: (لَا أَيمن)) بِالْكَسْرِ إمالة، وَوَقع فِي بعض الْكتب: لَا أَيمن، بِالْفَتْح وَالْيَاء، وَلَا وَجه لَهُ فَاعْلَم. قَوْله: (فَلَو أَقمت) يحْتَمل أَن يكون كلمة: لَو، لِلتَّمَنِّي فَلَا تحْتَاج إِلَى جَوَاب، وَيحْتَمل أَن تكون للشّرط وجزاؤه مَحْذُوف أَي: فَلَو أَقمت: فِي هَذِه السّنة، وَتركت الْحَج لَكَانَ خيرا لعدم الْأَمْن. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: عبد الله بن عمر لأبنه عبد الله. قَوْله: (إفعل) بِالْجَزْمِ، لِأَنَّهُ جَزَاء، والجزم فِيهِ وَاجِب، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على تَقْدِير: أَنا أفعل. قَوْله: (كَمَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) يَعْنِي فِي الْحُدَيْبِيَة حِين منعُوهُ عَن دُخُول مَكَّة وقصته مَشْهُورَة. قَوْله: (ثمَّ قدم) أَي: إِلَى مَكَّة. قَوْله: (لَهما) ، أَي: للْعُمْرَة وَالْحج، وَبِه احْتج الشَّافِعِي وَمن مَعَه فِي أَن الْقَارِن يَكْفِي لَهُ طواف وَاحِد، وَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ، لِأَن المُرَاد من هَذَا الطّواف طواف الْقدوم.
٠٤٦١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ نافِعٍ أَن ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أرادَ الحجَّ عامَ نزَلَ الْحَجَّاجُ بابنِ الزُّبَيْرِ فَقِيلَ لهُ إنَّ النَّاسَ كائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ وَإنَّا نَخَافُ أنْ يَصُدُّوكَ فقالَ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله إسْوَةٌ حسَنَةٌ إِذا أصْنَعُ كمَا صنَعَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنِّي أشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ أوْجَبْتُ عُمْرَةً ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إذَا كانَ بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ قَالَ مَا شأنُ الحَجِّ والعُمْرَةِ إلَاّ وَاحِدٌ اشْهِدُكْمْ أنِّي قَدْ أوْجَبْتُ حَجّا مَعَ عُمْرَتِي وأهْدَى هَدْيا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ ولَمْ يَزِدْ عَلَى ذالِكَ فَلَمْ يَنْحَرْ ولَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ ولَمْ يَحْلِقْ ولَمْ يُقَصِّرْ حَتَّى كانَ يَوْمَ النَّحْرِ فنحَرَ وحلَقَ ورَأى أنْ قَدْ قضَى طَوَافَ الحَجِّ والْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأوَّلِ وَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كذَلِكَ فَعَلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله بطوافه الأول، وَهَذَا طَرِيق ثَان للْحَدِيث السَّابِق، رَوَاهُ عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن اللَّيْث بن سعد عَن نَافِع إِلَى قَوْله: (عَام نزل الْحجَّاج) ، عَام، مَنْصُوب على الظّرْف، وَالْحجاج هُوَ ابْن يُوسُف الثَّقَفِيّ، كَانَ مُتَوَلِّي العراقين
من جِهَة الْملك عبد الْملك بن مَرْوَان، وَأمره عبد الْملك أَن يتَوَجَّه إِلَى مَكَّة لقِتَال عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، لِأَنَّهُ دعى لَهُ بالخلافة فَلم يطع عبد الْملك، فَقدم الْحجَّاج إِلَى مَكَّة فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين، وَأقَام الْحصار عَلَيْهِ من أول شعْبَان مِنْهَا، وقصته مَشْهُورَة. قَوْله: (بِابْن الزبير) ، أَي: نزل الْحجَّاج ملتبسا بِهِ على وَجه الْمُقَاتلَة. قَوْله: (فَقيل لَهُ) أَي: لِابْنِ عمر، وَقد صرح فِي (صَحِيح مُسلم) أَن عبد الله وسالما ابْني عبد الله بن عمر هما القائلان بذلك، وَلَفظه: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا يحيى، وَهُوَ الْقطَّان عَن عبيد الله إِلَى آخِره، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب. قَوْله: (كَائِن بَينهم قتال) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر إِن، وقتال مَرْفُوع بِأَنَّهُ فَاعل كَائِن، وَيجوز أَن ينْتَصب على التَّمْيِيز أَو على الِاخْتِصَاص. قَوْله: (إِذا) كلمة: إِذن، حرف جَوَاب وَجَزَاء وَشرط إعمالها أَن تتصدر، فَإِن وَقعت حَشْوًا أهملت، وَإِن كَانَ السَّابِق عَلَيْهَا واوا أَو فَاء جَازَ النصب نَحْو: وَإِذا لَا يَلْبَثُوا فَأذن لَا يؤتوا، وَالْغَالِب الرّفْع، وَإِذا كَانَ فعلهَا مُسْتَقْبلا يجب الرّفْع كَمَا هُوَ هُنَا. قَوْله: (إِنِّي أشهدكم) إِنَّمَا قَالَ هَذَا وَلم يكتف بِالنِّيَّةِ ليعمله من أَرَادَ الِاقْتِدَاء بِهِ. قَوْله: (الْبَيْدَاء) مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة قُدَّام ذِي الحليفة، وَهُوَ فِي الأَصْل الأَرْض الملساء والمفازة. قَوْله: (إلَاّ وَاحِد) ، بِالرَّفْع ويروى: وَاحِدًا، بِالنّصب على مَذْهَب يُونُس، فَإِنَّهُ جوزه مستشهدا بقوله:
(وَمَا الدَّهْر إلَاّ منجنونا بأَهْله ... وَمَا صَاحب الْحَاجَات إلَاّ معذبا)
يَعْنِي: حكمهمَا وَاحِد فِي جَوَاز التَّحَلُّل مِنْهُمَا بالإحصار. قَوْله: (وَأهْدى) فعل ماضٍ من الإهداء. قَوْله: (بِقديد) ، بِضَم الْقَاف وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ اسْم مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وَهُوَ فِي الأَصْل اسْم مَاء هُنَاكَ. قَوْله: (وَلم يزدْ على ذَلِك) ، لِأَنَّهُ لم يجب عَلَيْهِ دم بارتكاب مَحْظُورَات الْإِحْرَام. قَوْله: (حَتَّى كَانَ) ، لفظ: حَتَّى، غَايَة للأفعال الْأَرْبَعَة. قَوْله: (قضى) ، مَعْنَاهُ: أدّى. قَوْله: (كَذَلِك فعل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: طَاف طَوافا وَاحِدًا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذَا دَلِيل على أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا. قلت: غَرَضه من هَذَا أَن الْقَارِن يَكْتَفِي بِطواف وَاحِد لِأَنَّهُ قَالَ: لَا يجوز أَن يُرَاد بقوله: الطّواف الأول طواف الْقدوم، بل مَعْنَاهُ أَنه لم يتَكَرَّر الطّواف لِلْقُرْآنِ، بل يكْتَفى بِطواف وَاحِد. وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام أَن يُقَال لمن احْتج بِهَذَا الحَدِيث فِي اكْتِفَاء الْقَارِن بِطواف وَاحِد، وَأَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا، كَيفَ تَعْمَلُونَ بِهِ؟ وَقد روى الزُّهْرِيّ عَن سَالم أَن عبد الله بن عمر قَالَ: تمنع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج، وَأهْدى وسَاق الهذي من ذِي الحليفة، وَبَدَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأهل بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أهل بِالْحَجِّ وتمتع النَّاس مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج، الحَدِيث بِطُولِهِ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، على مَا يَأْتِي عَن البُخَارِيّ فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَذَا ابْن عمر يخبر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع مُتَمَتِّعا وَأَنه بَدَأَ بِالْعُمْرَةِ، وَقد حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حَدثنَا حجاج، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد عَن بكر بن عبد الله عَن ابْن عمر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه قدمُوا ملبين بِالْحَجِّ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من شَاءَ أَن يَجْعَلهَا عمْرَة إلَاّ من كَانَ مَعَه الْهَدْي فَأخْبر ابْن عمر فِي حَدِيث بكر هَذَا: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قدم مَكَّة وَهُوَ يُلَبِّي بِالْحَجِّ، وَقد أخبر فِي حَدِيث سَالم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَدَأَ فَأحْرم بِالْعُمْرَةِ، فَهَذَا مَعْنَاهُ عندنَا، وَالله أعلم، أَنه كَانَ أحرم أَولا بِحجَّة على أَنَّهَا حجَّة، ثمَّ فَسخهَا فصيرها عمْرَة، فلبى بِالْعُمْرَةِ ثمَّ تمتّع بهَا إِلَى الْحَج، حَتَّى يَصح حَدِيث سَالم وَبكر، هذَيْن وَلَا يتضادان، وَفسخ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْحَج الَّذِي كَانَ فعله وَأمر بِهِ أَصْحَابه هُوَ بعد طوافهم بِالْبَيْتِ فاستحال بذلك أَن يكون الطّواف الَّذِي كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعله للْعُمْرَة الني انقلبت إِلَيْهَا حجَّته مجزيا عَنهُ من طواف حجَّته الَّتِي أحرم بهَا بعد ذَلِك، وَلَكِن وَجه ذَلِك عندنَا، وَالله تَعَالَى أعلم أَنه لم يطف لحجته قبل يَوْم النَّحْر لِأَن الطّواف الَّذِي يفعل قبل يَوْم النَّحْر فِي الْحجَّة إِنَّمَا يفعل للقدوم لَا لِأَنَّهُ من صلب الْحجَّة، فَاكْتفى ابْن عمر بِالطّوافِ الَّذِي كَانَ فعله بعد الْقدوم فِي عمرته عَن إِعَادَته فِي حجَّته، وَهَذَا مثل مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر أَيْضا من فعله: حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حَدثنَا حجاج، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن نَافِع أَن ابْن عمر كَانَ إِذا قدم مَكَّة يرمل بِالْبَيْتِ، ثمَّ طَاف بَين الصَّفَا والمروة، وَإِذا لبّى من مَكَّة بهَا لم يرمل بِالْبَيْتِ، وَأخر الطّواف بَين الصَّفَا والمروة إِلَى يَوْم النَّحْر، وَكَانَ لَا يرمل يَوْم النَّحْر، فَدلَّ مَا ذكرنَا أَن ابْن عمر كَانَ إِذا أحرم بِالْحجَّةِ من مَكَّة لم يطف لَهَا إِلَى يَوْم النَّحْر، فَكَذَلِك مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من إِحْرَامه بِالْحجَّةِ الَّتِي أحرم بهَا بعد فسخ حجَّته