الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٠٨
الحديث رقم ١٧٠٨ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من اشترى هديه من الطريق وقلدها.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٧١⦘
قَضَى طَوَافَهُ، الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: كَذَلِكَ صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ».
١٧٠٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ:
أراد ابن عمر رضي الله عنهما الحج في عام 72، وهو العام الذي ذهب فيه الحجاج بن يوسف الثقفي لمكة؛ لقتال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وذلك أنه بعد موت معاوية بن يزيد عام 64 اجتمع رأي أهل الحل والعقد من أهل مكة فبايعوا عبد الله بن الزبير، وكذلك أهل العراق والشام، وبعد ذلك بايع بعض أهل الشام مروان بن الحكم، ثم لم يزل الأمر كذلك إلى أن توفى مروان وولي ابنه عبد الملك فمنع الناسَ من الحج خوفًا أن يبايعوا ابن الزبير، ثم بعث جيشا أمَّر عليه الحجاج، فقدم مكة وأقام الحصار من أول ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين بأهل مكة إلى أن قتل ابن الزبير وصلبه، في جمادى الأولى عام 73، فقيل لابن عمر في المدينة، والقائل له ابناه عبد الله وسالم: إن القتال حاصل بين الناس، وإنا نخاف أن يمنعوك عن البيت، فقال: إن مُنعت عن البيت أفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، من التحلل حين حُصِر بالحديبية، إني أُشهِدُكم أني قد أوجبت عمرةً، كما أوجبها النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الحديبية، فأراد بذلك التمتع، ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء موضع بين مكة والمدينة أمام ذي الحليفة، قال: ما شأنُ الحجِّ والعمرةِ إلا واحد في حكم الحصر، فإذا كان التحلل للحصر جائزًا في العمرة مع أنها غير محدَّدةٍ بوقتٍ فهو في الحج كذلك، وفيه عمل الصحابة رضي الله عنهم بالقياس، ثم قال: أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي، فأدخل الحج على العمرة وصار قارنًا، وأهدى هديًا اشتراه بقُديدٍ موضع قريب من الجُحفة.
ولم يزد على ذلك، فلم ينحر ولم يحل من شيء من نحظورات الإحرام، ولم يحلق ولم يقصر، حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق، ورأى أن قد أدى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول الذي طافه يوم النحر للإضافة بعد الوقوف بعرفة، لأن الأول لا يحتاج أن يكون بعده شيء، والمراد أنه لم يجعل للقران طوافين بل اكتفى بواحد، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِنَ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ يَنْزِعُهَا فَيَطْوِيهَا حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَيُلْبِسُهَا إِيَّاهَا حَتَّى يَنْحَرَهَا، ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهَا، قَالَ نَافِعٌ: وَرُبَّمَا دَفَعَهَا إِلَى بَنِي شَيْبَةَ. وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَلِيٍّ فِي التَّصَدُّقِ بِجِلَالِ الْبُدْنِ مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ): مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنَ اسْتِحْبَابِ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ إِظْهَارَ التَّقَرُّبِ بِالْهَدْيِ أَفْضَلُ مِنَ إِخْفَائِهِ، وَالْمُقَرَّرُ أَنَّ إِخْفَاءَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ غَيْرِ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ إِظْهَارِهِ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الظُّهُورِ كَالْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ، فَكَانَ الْإِشْعَارُ وَالتَّقْلِيدُ كَذَلِكَ، فَيُخَصُّ الْحَجُّ مِنْ عُمُومِ الْإِخْفَاءِ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ إِظْهَارُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ لِأَنَّ الَّذِي يُهْدِيهَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْعَثَهَا مَعَ مَنْ يُقَلِّدُهَا وَيُشْعِرُهَا وَلَا يَقُولُ: إِنَّهَا لِفُلَانٍ فَتَحْصُلُ سُنَّةُ التَّقْلِيدِ مَعَ كِتْمَانِ الْعَمَلِ. وَأَبْعَدَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ إِذَا شُرِعَ فِيهِ صَارَ فَرْضًا. وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّقْلِيدَ جُعِلَ عَلَمًا لِكَوْنِهَا هَدْيًا حَتَّى لَا يَطْمَعَ صَاحِبُهَا فِي الرُّجُوعِ فِيهَا.
١١٤ - بَاب مَنْ اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنْ الطَّرِيقِ وَقَلَّدَهَا
١٧٠٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ الْحَجَّ عَامَ حَجَّةِ الْحَرُورِيَّةِ فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ وَنَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ جَمَعْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَةٍ، وَأَهْدَى هَدْيًا مُقَلَّدًا اشْتَرَاهُ، حَتَّى قَدِمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ، فَحَلَقَ وَنَحَرَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَهُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: كَذَلِكَ صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنَ الطَّرِيقِ وَقَلَّدَهَا) تَقَدَّمَ قَبْلَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ مَنِ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنَ الطَّرِيقِ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ هَذَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا زَادَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ التَّقْلِيدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ مُسْتَوْفًى فِي: بَابِ مَنْ قَلَّدَ الْقَلَائِدَ بِيَدِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ الْمُحْصَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: عَامَ حَجَّةِ الْحَرُورِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حَجَّ الْحَرُورِيَّةَ فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ فِي: بَابِ طَوَافِ الْقَارِنِ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ عَامَ نُزُولِ الْحَجَّاجِ، بِابْنِ الزُّبَيْرِ؛ لِأَنَّ حَجَّةَ الْحَرُورِيَّةِ كَانَتْ فِي السَّنَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَسَمَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ بِالْخِلَافَةِ، وَنُزُولُ الْحَجَّاجِ، بِابْنِ الزُّبَيْرِ كَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَذَلِكَ فِي آخِرِ أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ أَطْلَقَ عَلَى الْحَجَّاجِ وَأَتْبَاعِهِ حَرُورِيَّةً لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّةِ الْحَقِّ، وَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ. وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ الْقَائِلَ لِابْنِ عُمَرَ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ هُوَ وَلَدُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي: بَابِ مَنِ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنَ الطَّرِيقِ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْإِحْصَارِ مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
إذ الأمر حقيقةٌ في الوجوب. انتهى. وتعقَّبه في «اللَّامع» فقال: فيه نظرٌ فذلك صيغة «اِفعل» لا لفظ «أَمَرَ» (١).
وهذا الحديث أخرجه في «الحجِّ» أيضًا [خ¦١٧١٦]، وكذا مسلمٌ وابن ماجه.
(١١٤) (بابُ مَنِ اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنَ الطَّرِيقِ وَقَلَّدَهَا) أنَّث الضَّمير باعتبار ما صدق عليه الهدي؛ وهو البدنة، وللأَصيليِّ: «وقلَّده» بالتَّذكير؛ باعتبار الهدي، وقد سبق هذا الباب بترجمته، لكنَّه زاد هنا ذكر التَّقليد، وأورد فيه الحديث من وجهٍ آخر، فرحمه الله على حسن صنيعه (٢)، ما أدقَّ نظره وأوسع اطِّلاعه!
١٧٠٨ - وبالسَّند (٣) قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ المدنيُّ (٤) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) عياضٌ اللَّيثيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الأسديُّ المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر المدنيِّ (قَالَ: أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ الحَجَّ عَامَ حَجَّةَ الحَرُورِيَّةِ) سنة أربعٍ وستِّين، وهي السَّنة التي مات فيها
يزيد بن معاوية، والحَرُوريَّة (١): بفتح الحاء وضمِّ الرَّاء الأولى (٢) نسبةً إلى قريةٍ من قرى الكوفة، كان أوَّل اجتماع الخوارج بها؛ وهم الذين خرجوا على عليٍّ ﵁ لمَّا حكَّم أبا موسى الأشعريَّ وعمرو بن العاص، وأنكروا على عليٍّ في ذلك، وقالوا: شككت في أمر الله وحكمت عدوَّك، وطالت خصومتهم، ثمَّ أصبحوا يومًا وقد خرجوا وهم ثمانية آلافٍ، وأميرهم ابن الكَوَّاء عبدُ الله، فبعث إليهم عليٌّ عبدَ الله بنَ عبَّاسٍ فناظرهم، فرجع منهم ألفان وبقيت ستَّة آلافٍ، فخرج إليهم عليٌّ فقاتلهم، وقوله: «حجَّةَ» بالنَّصب، وللأَصيليِّ (٣): «حجَّةُ» بالرَّفع، على أنَّه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ (٤)، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عام حجَّةِ الحروريَّة» بالجرِّ على الإضافة، وله عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عام حَجِّ الحروريَّة» بالتَّذكير والجرِّ (فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ) عبد الله (﵄) واستُشكِل هذا لأنَّه مغايرٌ لقوله في «باب طواف القارن» [خ¦١٦٤٠] من رواية اللَّيث عن نافعٍ: «عام نَزَلَ (٥) الحجَّاج بابن الزُّبير» لأنَّ نزول الحجاج بابن الزبير كان في سنة ثلاثٍ وسبعين، وذلك في آخر أيَّام ابن الزُّبير وحجَّة (٦) الحروريَّة -كما سبق قريبًا- في سنة أربعٍ وستِّين، وذلك قبل أن يتسمَّى ابن الزُّبير بالخلافة، وأُجيب باحتمال أنَّ الرَّاوي أطلق على الحجَّاج وأتباعه (٧) حروريَّةً بجامع ما بينهم من الخروج على أئمَّة الحقِّ، أو باحتمال تعدُّد القصَّة، قاله صاحب «الفتح» وغيره.
(فَقِيلَ لَهُ) سبق في «باب من اشترى الهدي من الطَّريق» [خ¦١٦٩٣] أنَّ القائل ابنه عبد الله، ويأتي -إن شاء الله تعالى- في «باب إذا أُحْصِر (٨) المتمتِّع» [خ¦١٨٠٧]: أنَّ عبيد الله وسالمًا
ولديه (١) كلَّماه في ذلك فقالوا: (إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ) يشير إلى الجيش الذي أرسله عبد الملك بن مروان، وأمَّر عليه الحجَّاج لقتال ابن الزُّبير ومن معه بمكَّة (وَنَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ) عن الحجِّ بسبب ما يقع (٢) بينهم من القتال (فَقَالَ) ابن عمر: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]) بضمِّ الهمزة وكسرها (إِذَنْ) أي: حينئذٍ (أَصْنَعَ) في حجِّي (كَمَا صَنَعَ) النَّبيُّ ﷺ من التَّحلُّل حين حُصِر في الحديبية (٣)، والابتداء بالعمرة كما أهلَّ بها ﷺ حين صُدَّ عام الحديبية أيضًا، وقوله: «أصنعَ» نُصِب بـ «إذَن» (أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، حَتَّى كَانَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حتَّى إذا كان» (بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ) الشَّرَف الذي قُدَّام ذي الحليفة إلى جهة مكَّة (قَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ) في حكم الحصر، وإذا كان التَّحلُّل للحصر جائزًا في العمرة مع أنَّها غير محدودةٍ بوقتٍ ففي الحجِّ أجوز (أُشْهِدُكُمْ أَنِّي جَمَعْتُ) ولأبي ذرٍّ: «قد جمعت» (حَجَّةً) ولأبوي ذرٍّ والوقت (٤) عن الحَمُّويي والمُستملي: «جمعت الحجَّ» (مَعَ عُمْرَةٍ) ولم يكتف بالنِّيَّة في إدخال الحجِّ على العمرة، بل أراد إعلام من يقتدي به أنَّه انتقل نظره إلى القِران لاستوائهما في حكم الحصر، وفيه: العمل بالقياس (وَأَهْدَى هَدْيًا مُقَلَّدًا اشْتَرَاهُ) أي (٥): من قُدَيدٍ كما صرَّح به فيما سبق [خ¦١٦٩٣] وهذا موضع التَّرجمة كما لا يخفى، ولم يزل مسوقًا معه (حَتَّى قَدِمَ) أي: إلى أن قدم مكَّة، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حين قدم» (فَطَافَ بِالبَيْتِ) للقدوم (وَبِالصَّفَا) أي: وبالمروة (٦)، وحذفه للعلم به (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْلِلْ (٧) مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ) بجرِّ «يوم» بـ «حتَّى» أي: إلى يوم النَّحر (فَحَلَقَ) شعر رأسه (وَنَحَرَ) هديه (وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى) أي: أدَّى (طَوَافَهُ) الذي طافه بعد الوقوف بعرفاتٍ للإفاضة (الحَجَّ) بالنَّصب، ولأبي الوقت: «للحجِّ» بلام الجرِّ، فالرِّواية الأولى على (٨) نزع الخافض
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
هَذَا التَّعْلِيق وصل بعضه مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع أَن عبد الله بن عمر كَانَ يُجَلل بدنه الْقبَاطِي والجلل، ثمَّ يبْعَث بهَا إِلَى الْكَعْبَة فيكسوها إِيَّاهَا. وَعَن مَالك أَنه سَأَلَ عبد الله بن دِينَار: مَا كَانَ ابْن عمر يصنع بِجلَال بدنه حِين كُسِيت الْكَعْبَة هَذِه الْكسْوَة؟ قَالَ: كَانَ يتَصَدَّق بهَا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ، بعد أَن أخرجه من طَرِيق يحيى بن بكير عَن مَالك: زَاد فِيهِ غير يحيى عَن مَالك: إلَاّ مَوضِع السنام ... إِلَى آخر الْأَثر الْمَذْكُور. قَالَ الْمُهلب: لَيْسَ التَّصَدُّق بِجلَال الْبدن فرضا، وَإِنَّمَا صنع ذَلِك ابْن عمر لِأَنَّهُ أَرَادَ أَن يرجع فِي شَيْء أهل بِهِ لله. وَلَا فِي شَيْء أضيف إِلَيْهِ. انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا: وَيتَصَدَّق بِجلَال الْهَدْي وزمامه لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بذلك، كَمَا يَجِيء الْآن. وَالظَّاهِر أَن هَذَا الْأَمر أَمر اسْتِحْبَاب. وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ يرَوْنَ تجليل الْبدن. ثمَّ إعلم أَن فَائِدَة شقّ الجل من مَوضِع السنام ليظْهر الْإِشْعَار وَلَا يستر تحتهَا.
٧٠٧١ - حدَّثنا قَبِيصةُ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عَن ابنِ أبي نَجِيحٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي لَيْلَى عنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أمَرني رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ أتَصَدَّقَ بِجِلالِ البُدْنِ الَّتي نَحَرْتُ وبِجُلُودِهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقبيصَة، بِفَتْح الْقَاف: ابْن عقبَة بن عَامر السوَائِي العامري الْكُوفِي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَابْن أبي نجيح، بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم: واسْمه عبد الله بن يسَار الْمَكِّيّ، وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَاسم أبي ليلى: يسَار بن بِلَال، لَهُ صُحْبَة.
والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي الْوكَالَة عَن قبيصَة، وَأخرجه أَيْضا فِي الْحَج عَن أبي نعيم، وَعَن مُسَدّد وَعَن مُحَمَّد بن كثير. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن ابْن أبي شيبَة، وَعَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن معَاذ بن هِشَام وَعَن مُحَمَّد ابْن حَاتِم وَمُحَمّد بن مَرْزُوق وَعبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عَمْرو بن عون وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عَمْرو بن يزِيد وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد بن آدم، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَفِي الْأَضَاحِي عَن مُحَمَّد بن معمر. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي: بَاب لَا يعْطى الجزار من الْهَدْي شَيْئا، فَأمرنِي فقسمت لحمومها، ثمَّ أَمرنِي فقسمت جلالها وجلودها، وَلَا أعْطى عَلَيْهَا شَيْئا فِي جزارتها، وَفِي لفظ: وَكَانَت مائَة بَدَنَة، والجزارة، بِكَسْر الْجِيم: اسْم الْفِعْل، وبالضم السواقط الَّتِي يَأْخُذهَا الجازر، قَالَه ابْن التِّين، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الجزارة بِالضَّمِّ كالعمالة، مَا يَأْخُذهُ الجزار من الذَّبِيحَة من أجرته، وَأَصلهَا أَطْرَاف الْبَعِير: الرَّأْس وَالْيَدَانِ وَالرجلَانِ سميت بذلك لِأَن الجزار كَانَ يَأْخُذهَا عَن أجرته، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: قَالَ قوم: هِيَ كالخياطة، يُرِيد بهَا عمله فِيهَا.
٤١١ - (بابُ منِ اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنَ الطَّرِيقِ وقَلَّدَهُ)
ذكر هَذَا الْبَاب قبل ثَمَانِيَة أَبْوَاب بقوله: بَاب من اشْترى الْهَدْي من الطَّرِيق، وَزَاد فِي هَذِه التَّرْجَمَة قَوْله: وقلده. قَوْله: (هَدْيه) ، بِسُكُون الدَّال وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَيجوز بِكَسْر الدَّال وَتَشْديد الْيَاء، وَفِي بعض النّسخ: وقلدها، بتأنيث الضَّمِير، إِمَّا بِاعْتِبَار أَن الْهَدْي اسْم الْجِنْس، أَو بِاعْتِبَار مَا صدق عَلَيْهِ الْهَدْي وَهُوَ الْبَدنَة، ويروى: ببدنة، بِالتَّاءِ الفارقة بَين اسْم الْجِنْس وواحده.
٨٠٧١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أبُو ضَمْرَةَ قَالَ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نَافِعٍ قَالَ أرَادَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا الْحَجَّ عامَ حَجَّةِ الحَرُورِيَّةِ فِي عَهْدِ ابنِ الزُّبَيْرِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقِيلَ لَهُ إنَّ النَّاسَ كائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ ونَخافُ أنْ يَصُدُّوكَ فَقَالَ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله إسْوَةٌ حسَنَةٌ إِذا أصْنَعَ كَما صنَعَ أُشْهِدُكُمْ أنِّي أوْجَبْتُ عُمْرَةً حَتَّى كانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ مَا شَأنُ الْحَجِّ والْعُمْرَةِ إلَاّ واحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أنِّي جمعْتُ حجَّةً مَعَ عُمْرَةٍ وأهْدَى هَدْيا مُقَلَّدا اشْتَرَاهُ حَتَّى قَدِمَ
فطَافَ بِالْبَيْتِ وبِالصَّفَا ولَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ولَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمَ النَّحْرِ فحَلَقَ ونَحَرَ ورَأى أنْ قَدْ قَضَى طَوَافَهُ الْحَجَّ والْعُمْرَةَ بِطَوَافِهِ الأوَّلِ ثُمَّ قَالَ كذَلِكَ صَنَعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأهْدى هَديا مُقَلدًا اشْتَرَاهُ) ، وَكَانَ الشِّرَاء من قديد، كَمَا صرح بِهِ فِي الحَدِيث الْمَاضِي الْمَذْكُور فِي: بَاب من اشْترى الْهَدْي من الطَّرِيق، وَقد أخرج هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب الْمَذْكُور: عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن نَافِع، قَالَ: قَالَ عبد الله بن عبد الله بن عمر ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أبي إِسْحَاق الْحزَامِي الْمدنِي، وَهُوَ من أَفْرَاده عَن أبي ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم: واسْمه أنس بن عِيَاض اللَّيْثِيّ الْمدنِي عَن مُوسَى بن عقبَة عَن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمدنِي عَن نَافِع، مولى ابْن عمر، وهم كلهم مدنيون، فَاعْتبر التَّفَاوُت بَين متني حَدِيثي الْبَابَيْنِ.
قَوْله: (عَام حجَّة الحرورية) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عَام حج الحرورية) ، والحرورية، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الأولى: منسوبة إِلَى قَرْيَة من قرى الْكُوفَة، وَالْمرَاد بهم الْخَوَارِج، وَقد مر تَحْقِيقه فِي: بَاب لَا تقضي الْحَائِض الصَّلَاة. قَوْله: (فِي عهد ابْن الزبير) يَعْنِي: فِي أَيَّام عبد الله بن الزبير بن الْعَوام. فَإِن قلت: هَذَا يُخَالف قَوْله فِي: بَاب طواف الْقَارِن، وَمن رِوَايَة اللَّيْث عَن نَافِع عَام نزل الْحجَّاج بِابْن الزبير، لِأَن خجة الحرورية كَانَت فِي السّنة الَّتِي مَاتَ فِيهَا يزِيد بن مُعَاوِيَة سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَذَلِكَ قبل أَن يتسمى ابْن الزبير بالخلافة، ونزول الْحجَّاج بِابْن الزبير كَانَ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين، وَذَلِكَ فِي آخر أَيَّام ابْن الزبير. قلت: تَوْجِيهه بِأحد الْأَمريْنِ: أَحدهمَا: أَن الرَّاوِي قد أطلق على الْحجَّاج وَأَتْبَاعه: حرورية، لجامع مَا بَينهم من الْخُرُوج على أَئِمَّة الْحق. وَالْآخر: أَن يحمل على تعدد الْقِصَّة. قَوْله: (فَقيل لَهُ) الظَّاهِر أَن الْقَائِل لِابْنِ عمر بِهَذَا القَوْل هُوَ وَلَده عبد الله، لِأَنَّهُ صرح بذلك فِي رِوَايَة أَيُّوب عَن نَافِع الَّذِي مضى فِي: بَاب من اشْترى الْهَدْي من الطَّرِيق. قَوْله: (إِذا إصنع كَمَا صنع) أَي: حِينَئِذٍ أصنع فِي حجي كَمَا صنع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْحُدَيْبِيَة. قَوْله: (حَتَّى كَانَ بِظَاهِر الْبَيْدَاء) ، ويروى: (حِين كَانَ) ، والبيداء هُوَ الشّرف الَّذِي قُدَّام ذِي الحليفة إِلَى جِهَة مَكَّة، سمي بِهِ لِأَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا بِنَاء وَلَا أثر، وكل مفازة بيداء. قَوْله: (اشْتَرَاهُ) أَي: من قديد، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (وبالصفاء) ، ويروى: (وبالصفا والمروة) . قَوْله: (وَرَأى أَن قد قضى) ، أَي: أدّى. قَوْله: (الْحَج) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي الْحَج. قَالَ الْكرْمَانِي، كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي بعض النّسخ، ويروى: (طواف الْحَج) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي الْحَج. قَالَ الْكرْمَانِي، كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي بعض النّسخ. ويروى: (طواف الْحَج) ، بِإِضَافَة الطّواف إِلَى الْحَج. قَوْله: (بطوافه الأول) أَي: طَوَافه الَّذِي وَقع أَولا. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي لم يَجْعَل لِلْقُرْآنِ طوافين، بل اكْتفى بِالْأولِ فَقَط. وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي حَيْثُ قَالَ: يَكْفِي للقارن طواف وَاحِد. انْتهى. قلت: إِنَّمَا فسر الْكرْمَانِي بِهَذَا التَّفْسِير نصْرَة لمَذْهَب إِمَامه، وَلَكِن لَا يتم بِهِ دَعْوَاهُ لِأَنَّهُ لَا يسْتَلْزم قَوْله: بطوافه الأول، أَن يكون طَوافا وَاحِدًا فِي نَفسه، لِأَن الطوافين يُطلق عَلَيْهِمَا: الطّواف الأول بِالنِّسْبَةِ إِلَى طواف الرُّكْن، وَهُوَ طواف الْإِفَاضَة، لِأَنَّهُ لَا بُد من الطّواف بعد الْوُقُوف. فَافْهَم. قَوْله: (ثمَّ قَالَ: كَذَلِك صنع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، ويروى: (هَكَذَا صنع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) .
٥١١ - (بابُ ذَبْحِ الرَّجُلِ الْبَقَرَ عنْ نِسَائِهِ مِنْ غَيْرِ أمْرِهِنَّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم ذبح الرجل الْبَقر ... إِلَى آخِره، هَذَا التَّقْدِير على أَن يكون فِي معنى التَّرْجَمَة اسْتِفْهَام بِمَعْنى: هَل يجزىء ذبح الرجل الْبَقر عَن نِسَائِهِ من غير أمرهن إِذْ وَجب عَلَيْهِنَّ الدَّم؟ وَجَوَابه يفهم من حَدِيث الْبَاب أَنه يجزىء عَنْهُن، وَعَن هَذَا قَالَ الْمُهلب فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، من الْفِقْه: أَنه من كفر عَن غَيره كَفَّارَة يَمِين أَو كَفَّارَة ظِهَار أَو قتل أَو أهْدى عَنهُ أَو أدّى عَنهُ دينا فَإِن ذَلِك يكون مجزئا عَنهُ، لِأَن نسَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يعرفن مَا أدّى عَنْهُن لما وَجب عَلَيْهِنَّ من نسك التَّمَتُّع.
٩٠٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ يَحيى بنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ قالَتْ سَمِعْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تَقُولُ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ لَا نُرَى إلَاّ الحَجَّ فلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أمَرَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ لَمْ يَكُنْ معَهُ هَدْيٌ إذَا
طافَ وسَعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ أنْ يَحِلَّ قالَتْ فَدُخِلَ علَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فقُلْتُ مَا هاذا قَالَ نَحَرَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ أزْوَاجِهِ قَالَ يَحْيَى فذَكَرْتُهُ لِلقَاسِمِ فَقَالَ أتَتْكَ بِالحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ..
قيل لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن التَّرْجَمَة بِالذبْحِ والْحَدِيث بِلَفْظ النَّحْر. وَأجِيب: بِأَنَّهُ أَشَارَ بِلَفْظ الذّبْح إِلَى مَا ورد فِي بعض طرق الحَدِيث بِلَفْظ: الذّبْح، وَسَيَأْتِي هَذَا بعد سَبْعَة أَبْوَاب فِي: بَاب مَا يَأْكُل من الْبدن وَمَا يتَصَدَّق، وللعلماء فِيهِ خلاف سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، قد تكَرر ذكرهم، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَعمرَة بنت عبد الرَّحْمَن بن سعد بن زُرَارَة الْأَنْصَارِيَّة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رِجَاله مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ فَإِنَّهُ تنيسي وَهُوَ أَيْضا من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التابعية عَن الصحابية. وَفِيه: عَن عمْرَة، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال: عَن يحيى حَدَّثتنِي عمْرَة، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي عَن مَالك، وَفِي الْحَج أَيْضا عَن خَالِد بن مخلد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن القعْنبِي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال وَعَن مُحَمَّد ابْن أبي الْمثنى وَعَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن عَمْرو ابْن عَليّ وَعَن هناد.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لخمس بَقينَ) ، كَذَا قالته عَائِشَة لِأَنَّهَا حدثت بذلك بعد أَن انْقَضى الشَّهْر، فَإِن كَانَ فِي الشَّهْر فَالصَّوَاب أَن تَقول: لخمس إِن بَقينَ، لِأَنَّهُ لَا يدْرِي الشَّهْر كَامِل أَو نَاقص. قَوْله: (من ذِي الْقعدَة) ، بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا، سمي بذلك لأَنهم كَانُوا يَقْعُدُونَ فِيهِ عَن الْقِتَال. قَوْله: (لَا نرى) ، بِضَم النُّون وَفتح الرَّاء: أَي لَا نظن إلَاّ الْحَج، وَهَذَا يحْتَمل أَن تُرِيدُ حِين خُرُوجهمْ من الْمَدِينَة قبل الإهلال، وَيحْتَمل أَن تُرِيدُ إِن إِحْرَام من أحرم مِنْهُم بِالْعُمْرَةِ لَا يحل حَتَّى يردف الْحَج، فَيكون الْعَمَل لَهما جَمِيعًا، والإهلال مِنْهُمَا، وَلَا يَصح إرادتها، أَن كلهم أحرم بِالْحَجِّ لحديثها الآخر من رِوَايَة عمْرَة عَنْهَا، فمنا من أهل بِالْحَجِّ، وَمنا من أهل بِعُمْرَة، وَمنا من أهل بهما. وَقيل: لَا نرى إِلَّا الْحَج أَي: لم يَقع فِي أنفسهم إلَاّ ذَلِك، وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَفِيه دَلِيل أَنهم أهلوا منتظرين، وَترد عَلَيْهِ رِوَايَة: (لَا نذْكر إِلَّا الْحَج) . قَوْله: (أَن يحل) ، بِكَسْر الْحَاء أَي: يصير حَلَالا بِأَن يتمتع، وَأما من مَعَه الْهَدْي، فَلَا يتَحَلَّل حَتَّى يبلغ الْهَدْي. قَوْله: (فَدخل علينا) على صِيغَة الْمَجْهُول، بِضَم الدَّال. قَوْله: (يَوْم النَّحْر) ، بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة أَي: فِي يَوْم النَّحْر. قَوْله: (نحر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أَزوَاجه) مُقْتَضَاهُ نحر الْبَقر. قَوْله: (فَقَالَ أتتك) أَي: قَالَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أتتك عمْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِالْحَدِيثِ الَّذِي حدثته على وَجهه، يَعْنِي: ساقته لَك سياقا تَاما لم تختصر مِنْهُ شَيْئا، وَلَا غيرته بِتَأْوِيل وَلَا غَيره، فَذكرت ابْتِدَاء الْإِحْرَام وانتهاءه حَتَّى وصلوا إِلَى مَكَّة، وَفِيه تَصْدِيق لعمرة، وإخبار عَن حفظهَا وضبطها.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن نحر الْبَقر جَائِز عِنْد الْعلمَاء إلَاّ أَن الذّبْح مُسْتَحبّ عِنْدهم لقَوْله تَعَالَى: {إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة} (الْبَقَرَة: ٧٦) . وَخَالف الْحسن بن صَالح فاستحب نحرها. وَقَالَ مَالك: إِن ذبح الْجَزُور من غير ضَرُورَة أَو نحر الشَّاة من غير ضَرُورَة لم تُؤْكَل، وَكَانَ مُجَاهِد يسْتَحبّ نحر الْبَقر. قلت: الحَدِيث ورد بِلَفْظ النَّحْر، كَمَا هَهُنَا، وَورد أَيْضا بِلَفْظ: الذّبْح، وَعَلِيهِ ترْجم البُخَارِيّ على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قيل: يجوز أَن يكون الرَّاوِي لما اسْتَوَى الْأَمْرَانِ عِنْده عبر مرّة بالنحر وَمرَّة بِالذبْحِ. وَفِي رِوَايَة ضحى، قَالَ ابْن التِّين: فَإِن يكنَّ هَدَايَا فَهُوَ أصل مَذْهَب مَالك، وَإِن يكنَّ ضحايا فَيحْتَمل أَن تكون وَاجِبَة كوجوب ضحايا غير الْحَاج. وَقَالَ الْقَدُورِيّ: الْمُسْتَحبّ فِي الْإِبِل النَّحْر، فَإِن ذَبحهَا جَازَ وَيكرهُ، وَإِنَّمَا يكره فعله لَا الْمَذْبُوح، وَالذّبْح هُوَ قطع الْعُرُوق الَّتِي فِي أَعلَى الْعُنُق تَحت اللحيين، والنحر يكون فِي اللبة، كَمَا أَن الذّبْح يكون فِي الْحلق. وَفِيه: احتجاج جمَاعَة من الْعلمَاء فِي جَوَاز الِاشْتِرَاك فِي هدي التَّمَتُّع وَالْقرَان، وَمنعه مَالك. قَالَ ابْن بطال: وَلَا حجَّة لمن خَالفه فِي هَذَا الحَدِيث
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِنَ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ يَنْزِعُهَا فَيَطْوِيهَا حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَيُلْبِسُهَا إِيَّاهَا حَتَّى يَنْحَرَهَا، ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهَا، قَالَ نَافِعٌ: وَرُبَّمَا دَفَعَهَا إِلَى بَنِي شَيْبَةَ. وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَلِيٍّ فِي التَّصَدُّقِ بِجِلَالِ الْبُدْنِ مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ): مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنَ اسْتِحْبَابِ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ إِظْهَارَ التَّقَرُّبِ بِالْهَدْيِ أَفْضَلُ مِنَ إِخْفَائِهِ، وَالْمُقَرَّرُ أَنَّ إِخْفَاءَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ غَيْرِ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ إِظْهَارِهِ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الظُّهُورِ كَالْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ، فَكَانَ الْإِشْعَارُ وَالتَّقْلِيدُ كَذَلِكَ، فَيُخَصُّ الْحَجُّ مِنْ عُمُومِ الْإِخْفَاءِ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ إِظْهَارُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ لِأَنَّ الَّذِي يُهْدِيهَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْعَثَهَا مَعَ مَنْ يُقَلِّدُهَا وَيُشْعِرُهَا وَلَا يَقُولُ: إِنَّهَا لِفُلَانٍ فَتَحْصُلُ سُنَّةُ التَّقْلِيدِ مَعَ كِتْمَانِ الْعَمَلِ. وَأَبْعَدَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ إِذَا شُرِعَ فِيهِ صَارَ فَرْضًا. وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّقْلِيدَ جُعِلَ عَلَمًا لِكَوْنِهَا هَدْيًا حَتَّى لَا يَطْمَعَ صَاحِبُهَا فِي الرُّجُوعِ فِيهَا.
١١٤ - بَاب مَنْ اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنْ الطَّرِيقِ وَقَلَّدَهَا
١٧٠٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ الْحَجَّ عَامَ حَجَّةِ الْحَرُورِيَّةِ فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ وَنَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ جَمَعْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَةٍ، وَأَهْدَى هَدْيًا مُقَلَّدًا اشْتَرَاهُ، حَتَّى قَدِمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ، فَحَلَقَ وَنَحَرَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَهُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: كَذَلِكَ صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنَ الطَّرِيقِ وَقَلَّدَهَا) تَقَدَّمَ قَبْلَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ مَنِ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنَ الطَّرِيقِ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ هَذَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا زَادَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ التَّقْلِيدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ مُسْتَوْفًى فِي: بَابِ مَنْ قَلَّدَ الْقَلَائِدَ بِيَدِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ الْمُحْصَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: عَامَ حَجَّةِ الْحَرُورِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حَجَّ الْحَرُورِيَّةَ فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ فِي: بَابِ طَوَافِ الْقَارِنِ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ عَامَ نُزُولِ الْحَجَّاجِ، بِابْنِ الزُّبَيْرِ؛ لِأَنَّ حَجَّةَ الْحَرُورِيَّةِ كَانَتْ فِي السَّنَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَسَمَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ بِالْخِلَافَةِ، وَنُزُولُ الْحَجَّاجِ، بِابْنِ الزُّبَيْرِ كَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَذَلِكَ فِي آخِرِ أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ أَطْلَقَ عَلَى الْحَجَّاجِ وَأَتْبَاعِهِ حَرُورِيَّةً لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّةِ الْحَقِّ، وَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ. وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ الْقَائِلَ لِابْنِ عُمَرَ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ هُوَ وَلَدُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي: بَابِ مَنِ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنَ الطَّرِيقِ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْإِحْصَارِ مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
إذ الأمر حقيقةٌ في الوجوب. انتهى. وتعقَّبه في «اللَّامع» فقال: فيه نظرٌ فذلك صيغة «اِفعل» لا لفظ «أَمَرَ» (١).
وهذا الحديث أخرجه في «الحجِّ» أيضًا [خ¦١٧١٦]، وكذا مسلمٌ وابن ماجه.
(١١٤) (بابُ مَنِ اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنَ الطَّرِيقِ وَقَلَّدَهَا) أنَّث الضَّمير باعتبار ما صدق عليه الهدي؛ وهو البدنة، وللأَصيليِّ: «وقلَّده» بالتَّذكير؛ باعتبار الهدي، وقد سبق هذا الباب بترجمته، لكنَّه زاد هنا ذكر التَّقليد، وأورد فيه الحديث من وجهٍ آخر، فرحمه الله على حسن صنيعه (٢)، ما أدقَّ نظره وأوسع اطِّلاعه!
١٧٠٨ - وبالسَّند (٣) قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ المدنيُّ (٤) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) عياضٌ اللَّيثيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الأسديُّ المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر المدنيِّ (قَالَ: أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ الحَجَّ عَامَ حَجَّةَ الحَرُورِيَّةِ) سنة أربعٍ وستِّين، وهي السَّنة التي مات فيها
يزيد بن معاوية، والحَرُوريَّة (١): بفتح الحاء وضمِّ الرَّاء الأولى (٢) نسبةً إلى قريةٍ من قرى الكوفة، كان أوَّل اجتماع الخوارج بها؛ وهم الذين خرجوا على عليٍّ ﵁ لمَّا حكَّم أبا موسى الأشعريَّ وعمرو بن العاص، وأنكروا على عليٍّ في ذلك، وقالوا: شككت في أمر الله وحكمت عدوَّك، وطالت خصومتهم، ثمَّ أصبحوا يومًا وقد خرجوا وهم ثمانية آلافٍ، وأميرهم ابن الكَوَّاء عبدُ الله، فبعث إليهم عليٌّ عبدَ الله بنَ عبَّاسٍ فناظرهم، فرجع منهم ألفان وبقيت ستَّة آلافٍ، فخرج إليهم عليٌّ فقاتلهم، وقوله: «حجَّةَ» بالنَّصب، وللأَصيليِّ (٣): «حجَّةُ» بالرَّفع، على أنَّه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ (٤)، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عام حجَّةِ الحروريَّة» بالجرِّ على الإضافة، وله عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عام حَجِّ الحروريَّة» بالتَّذكير والجرِّ (فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ) عبد الله (﵄) واستُشكِل هذا لأنَّه مغايرٌ لقوله في «باب طواف القارن» [خ¦١٦٤٠] من رواية اللَّيث عن نافعٍ: «عام نَزَلَ (٥) الحجَّاج بابن الزُّبير» لأنَّ نزول الحجاج بابن الزبير كان في سنة ثلاثٍ وسبعين، وذلك في آخر أيَّام ابن الزُّبير وحجَّة (٦) الحروريَّة -كما سبق قريبًا- في سنة أربعٍ وستِّين، وذلك قبل أن يتسمَّى ابن الزُّبير بالخلافة، وأُجيب باحتمال أنَّ الرَّاوي أطلق على الحجَّاج وأتباعه (٧) حروريَّةً بجامع ما بينهم من الخروج على أئمَّة الحقِّ، أو باحتمال تعدُّد القصَّة، قاله صاحب «الفتح» وغيره.
(فَقِيلَ لَهُ) سبق في «باب من اشترى الهدي من الطَّريق» [خ¦١٦٩٣] أنَّ القائل ابنه عبد الله، ويأتي -إن شاء الله تعالى- في «باب إذا أُحْصِر (٨) المتمتِّع» [خ¦١٨٠٧]: أنَّ عبيد الله وسالمًا
ولديه (١) كلَّماه في ذلك فقالوا: (إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ) يشير إلى الجيش الذي أرسله عبد الملك بن مروان، وأمَّر عليه الحجَّاج لقتال ابن الزُّبير ومن معه بمكَّة (وَنَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ) عن الحجِّ بسبب ما يقع (٢) بينهم من القتال (فَقَالَ) ابن عمر: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]) بضمِّ الهمزة وكسرها (إِذَنْ) أي: حينئذٍ (أَصْنَعَ) في حجِّي (كَمَا صَنَعَ) النَّبيُّ ﷺ من التَّحلُّل حين حُصِر في الحديبية (٣)، والابتداء بالعمرة كما أهلَّ بها ﷺ حين صُدَّ عام الحديبية أيضًا، وقوله: «أصنعَ» نُصِب بـ «إذَن» (أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، حَتَّى كَانَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حتَّى إذا كان» (بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ) الشَّرَف الذي قُدَّام ذي الحليفة إلى جهة مكَّة (قَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ) في حكم الحصر، وإذا كان التَّحلُّل للحصر جائزًا في العمرة مع أنَّها غير محدودةٍ بوقتٍ ففي الحجِّ أجوز (أُشْهِدُكُمْ أَنِّي جَمَعْتُ) ولأبي ذرٍّ: «قد جمعت» (حَجَّةً) ولأبوي ذرٍّ والوقت (٤) عن الحَمُّويي والمُستملي: «جمعت الحجَّ» (مَعَ عُمْرَةٍ) ولم يكتف بالنِّيَّة في إدخال الحجِّ على العمرة، بل أراد إعلام من يقتدي به أنَّه انتقل نظره إلى القِران لاستوائهما في حكم الحصر، وفيه: العمل بالقياس (وَأَهْدَى هَدْيًا مُقَلَّدًا اشْتَرَاهُ) أي (٥): من قُدَيدٍ كما صرَّح به فيما سبق [خ¦١٦٩٣] وهذا موضع التَّرجمة كما لا يخفى، ولم يزل مسوقًا معه (حَتَّى قَدِمَ) أي: إلى أن قدم مكَّة، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حين قدم» (فَطَافَ بِالبَيْتِ) للقدوم (وَبِالصَّفَا) أي: وبالمروة (٦)، وحذفه للعلم به (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْلِلْ (٧) مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ) بجرِّ «يوم» بـ «حتَّى» أي: إلى يوم النَّحر (فَحَلَقَ) شعر رأسه (وَنَحَرَ) هديه (وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى) أي: أدَّى (طَوَافَهُ) الذي طافه بعد الوقوف بعرفاتٍ للإفاضة (الحَجَّ) بالنَّصب، ولأبي الوقت: «للحجِّ» بلام الجرِّ، فالرِّواية الأولى على (٨) نزع الخافض
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
هَذَا التَّعْلِيق وصل بعضه مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع أَن عبد الله بن عمر كَانَ يُجَلل بدنه الْقبَاطِي والجلل، ثمَّ يبْعَث بهَا إِلَى الْكَعْبَة فيكسوها إِيَّاهَا. وَعَن مَالك أَنه سَأَلَ عبد الله بن دِينَار: مَا كَانَ ابْن عمر يصنع بِجلَال بدنه حِين كُسِيت الْكَعْبَة هَذِه الْكسْوَة؟ قَالَ: كَانَ يتَصَدَّق بهَا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ، بعد أَن أخرجه من طَرِيق يحيى بن بكير عَن مَالك: زَاد فِيهِ غير يحيى عَن مَالك: إلَاّ مَوضِع السنام ... إِلَى آخر الْأَثر الْمَذْكُور. قَالَ الْمُهلب: لَيْسَ التَّصَدُّق بِجلَال الْبدن فرضا، وَإِنَّمَا صنع ذَلِك ابْن عمر لِأَنَّهُ أَرَادَ أَن يرجع فِي شَيْء أهل بِهِ لله. وَلَا فِي شَيْء أضيف إِلَيْهِ. انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا: وَيتَصَدَّق بِجلَال الْهَدْي وزمامه لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بذلك، كَمَا يَجِيء الْآن. وَالظَّاهِر أَن هَذَا الْأَمر أَمر اسْتِحْبَاب. وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ يرَوْنَ تجليل الْبدن. ثمَّ إعلم أَن فَائِدَة شقّ الجل من مَوضِع السنام ليظْهر الْإِشْعَار وَلَا يستر تحتهَا.
٧٠٧١ - حدَّثنا قَبِيصةُ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عَن ابنِ أبي نَجِيحٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي لَيْلَى عنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أمَرني رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ أتَصَدَّقَ بِجِلالِ البُدْنِ الَّتي نَحَرْتُ وبِجُلُودِهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقبيصَة، بِفَتْح الْقَاف: ابْن عقبَة بن عَامر السوَائِي العامري الْكُوفِي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَابْن أبي نجيح، بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم: واسْمه عبد الله بن يسَار الْمَكِّيّ، وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَاسم أبي ليلى: يسَار بن بِلَال، لَهُ صُحْبَة.
والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي الْوكَالَة عَن قبيصَة، وَأخرجه أَيْضا فِي الْحَج عَن أبي نعيم، وَعَن مُسَدّد وَعَن مُحَمَّد بن كثير. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن ابْن أبي شيبَة، وَعَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن معَاذ بن هِشَام وَعَن مُحَمَّد ابْن حَاتِم وَمُحَمّد بن مَرْزُوق وَعبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عَمْرو بن عون وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عَمْرو بن يزِيد وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد بن آدم، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَفِي الْأَضَاحِي عَن مُحَمَّد بن معمر. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي: بَاب لَا يعْطى الجزار من الْهَدْي شَيْئا، فَأمرنِي فقسمت لحمومها، ثمَّ أَمرنِي فقسمت جلالها وجلودها، وَلَا أعْطى عَلَيْهَا شَيْئا فِي جزارتها، وَفِي لفظ: وَكَانَت مائَة بَدَنَة، والجزارة، بِكَسْر الْجِيم: اسْم الْفِعْل، وبالضم السواقط الَّتِي يَأْخُذهَا الجازر، قَالَه ابْن التِّين، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الجزارة بِالضَّمِّ كالعمالة، مَا يَأْخُذهُ الجزار من الذَّبِيحَة من أجرته، وَأَصلهَا أَطْرَاف الْبَعِير: الرَّأْس وَالْيَدَانِ وَالرجلَانِ سميت بذلك لِأَن الجزار كَانَ يَأْخُذهَا عَن أجرته، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: قَالَ قوم: هِيَ كالخياطة، يُرِيد بهَا عمله فِيهَا.
٤١١ - (بابُ منِ اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنَ الطَّرِيقِ وقَلَّدَهُ)
ذكر هَذَا الْبَاب قبل ثَمَانِيَة أَبْوَاب بقوله: بَاب من اشْترى الْهَدْي من الطَّرِيق، وَزَاد فِي هَذِه التَّرْجَمَة قَوْله: وقلده. قَوْله: (هَدْيه) ، بِسُكُون الدَّال وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَيجوز بِكَسْر الدَّال وَتَشْديد الْيَاء، وَفِي بعض النّسخ: وقلدها، بتأنيث الضَّمِير، إِمَّا بِاعْتِبَار أَن الْهَدْي اسْم الْجِنْس، أَو بِاعْتِبَار مَا صدق عَلَيْهِ الْهَدْي وَهُوَ الْبَدنَة، ويروى: ببدنة، بِالتَّاءِ الفارقة بَين اسْم الْجِنْس وواحده.
٨٠٧١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أبُو ضَمْرَةَ قَالَ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نَافِعٍ قَالَ أرَادَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا الْحَجَّ عامَ حَجَّةِ الحَرُورِيَّةِ فِي عَهْدِ ابنِ الزُّبَيْرِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقِيلَ لَهُ إنَّ النَّاسَ كائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ ونَخافُ أنْ يَصُدُّوكَ فَقَالَ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله إسْوَةٌ حسَنَةٌ إِذا أصْنَعَ كَما صنَعَ أُشْهِدُكُمْ أنِّي أوْجَبْتُ عُمْرَةً حَتَّى كانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ مَا شَأنُ الْحَجِّ والْعُمْرَةِ إلَاّ واحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أنِّي جمعْتُ حجَّةً مَعَ عُمْرَةٍ وأهْدَى هَدْيا مُقَلَّدا اشْتَرَاهُ حَتَّى قَدِمَ
فطَافَ بِالْبَيْتِ وبِالصَّفَا ولَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ولَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمَ النَّحْرِ فحَلَقَ ونَحَرَ ورَأى أنْ قَدْ قَضَى طَوَافَهُ الْحَجَّ والْعُمْرَةَ بِطَوَافِهِ الأوَّلِ ثُمَّ قَالَ كذَلِكَ صَنَعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأهْدى هَديا مُقَلدًا اشْتَرَاهُ) ، وَكَانَ الشِّرَاء من قديد، كَمَا صرح بِهِ فِي الحَدِيث الْمَاضِي الْمَذْكُور فِي: بَاب من اشْترى الْهَدْي من الطَّرِيق، وَقد أخرج هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب الْمَذْكُور: عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن نَافِع، قَالَ: قَالَ عبد الله بن عبد الله بن عمر ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أبي إِسْحَاق الْحزَامِي الْمدنِي، وَهُوَ من أَفْرَاده عَن أبي ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم: واسْمه أنس بن عِيَاض اللَّيْثِيّ الْمدنِي عَن مُوسَى بن عقبَة عَن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمدنِي عَن نَافِع، مولى ابْن عمر، وهم كلهم مدنيون، فَاعْتبر التَّفَاوُت بَين متني حَدِيثي الْبَابَيْنِ.
قَوْله: (عَام حجَّة الحرورية) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عَام حج الحرورية) ، والحرورية، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الأولى: منسوبة إِلَى قَرْيَة من قرى الْكُوفَة، وَالْمرَاد بهم الْخَوَارِج، وَقد مر تَحْقِيقه فِي: بَاب لَا تقضي الْحَائِض الصَّلَاة. قَوْله: (فِي عهد ابْن الزبير) يَعْنِي: فِي أَيَّام عبد الله بن الزبير بن الْعَوام. فَإِن قلت: هَذَا يُخَالف قَوْله فِي: بَاب طواف الْقَارِن، وَمن رِوَايَة اللَّيْث عَن نَافِع عَام نزل الْحجَّاج بِابْن الزبير، لِأَن خجة الحرورية كَانَت فِي السّنة الَّتِي مَاتَ فِيهَا يزِيد بن مُعَاوِيَة سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَذَلِكَ قبل أَن يتسمى ابْن الزبير بالخلافة، ونزول الْحجَّاج بِابْن الزبير كَانَ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين، وَذَلِكَ فِي آخر أَيَّام ابْن الزبير. قلت: تَوْجِيهه بِأحد الْأَمريْنِ: أَحدهمَا: أَن الرَّاوِي قد أطلق على الْحجَّاج وَأَتْبَاعه: حرورية، لجامع مَا بَينهم من الْخُرُوج على أَئِمَّة الْحق. وَالْآخر: أَن يحمل على تعدد الْقِصَّة. قَوْله: (فَقيل لَهُ) الظَّاهِر أَن الْقَائِل لِابْنِ عمر بِهَذَا القَوْل هُوَ وَلَده عبد الله، لِأَنَّهُ صرح بذلك فِي رِوَايَة أَيُّوب عَن نَافِع الَّذِي مضى فِي: بَاب من اشْترى الْهَدْي من الطَّرِيق. قَوْله: (إِذا إصنع كَمَا صنع) أَي: حِينَئِذٍ أصنع فِي حجي كَمَا صنع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْحُدَيْبِيَة. قَوْله: (حَتَّى كَانَ بِظَاهِر الْبَيْدَاء) ، ويروى: (حِين كَانَ) ، والبيداء هُوَ الشّرف الَّذِي قُدَّام ذِي الحليفة إِلَى جِهَة مَكَّة، سمي بِهِ لِأَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا بِنَاء وَلَا أثر، وكل مفازة بيداء. قَوْله: (اشْتَرَاهُ) أَي: من قديد، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (وبالصفاء) ، ويروى: (وبالصفا والمروة) . قَوْله: (وَرَأى أَن قد قضى) ، أَي: أدّى. قَوْله: (الْحَج) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي الْحَج. قَالَ الْكرْمَانِي، كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي بعض النّسخ، ويروى: (طواف الْحَج) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي الْحَج. قَالَ الْكرْمَانِي، كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي بعض النّسخ. ويروى: (طواف الْحَج) ، بِإِضَافَة الطّواف إِلَى الْحَج. قَوْله: (بطوافه الأول) أَي: طَوَافه الَّذِي وَقع أَولا. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي لم يَجْعَل لِلْقُرْآنِ طوافين، بل اكْتفى بِالْأولِ فَقَط. وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي حَيْثُ قَالَ: يَكْفِي للقارن طواف وَاحِد. انْتهى. قلت: إِنَّمَا فسر الْكرْمَانِي بِهَذَا التَّفْسِير نصْرَة لمَذْهَب إِمَامه، وَلَكِن لَا يتم بِهِ دَعْوَاهُ لِأَنَّهُ لَا يسْتَلْزم قَوْله: بطوافه الأول، أَن يكون طَوافا وَاحِدًا فِي نَفسه، لِأَن الطوافين يُطلق عَلَيْهِمَا: الطّواف الأول بِالنِّسْبَةِ إِلَى طواف الرُّكْن، وَهُوَ طواف الْإِفَاضَة، لِأَنَّهُ لَا بُد من الطّواف بعد الْوُقُوف. فَافْهَم. قَوْله: (ثمَّ قَالَ: كَذَلِك صنع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، ويروى: (هَكَذَا صنع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) .
٥١١ - (بابُ ذَبْحِ الرَّجُلِ الْبَقَرَ عنْ نِسَائِهِ مِنْ غَيْرِ أمْرِهِنَّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم ذبح الرجل الْبَقر ... إِلَى آخِره، هَذَا التَّقْدِير على أَن يكون فِي معنى التَّرْجَمَة اسْتِفْهَام بِمَعْنى: هَل يجزىء ذبح الرجل الْبَقر عَن نِسَائِهِ من غير أمرهن إِذْ وَجب عَلَيْهِنَّ الدَّم؟ وَجَوَابه يفهم من حَدِيث الْبَاب أَنه يجزىء عَنْهُن، وَعَن هَذَا قَالَ الْمُهلب فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، من الْفِقْه: أَنه من كفر عَن غَيره كَفَّارَة يَمِين أَو كَفَّارَة ظِهَار أَو قتل أَو أهْدى عَنهُ أَو أدّى عَنهُ دينا فَإِن ذَلِك يكون مجزئا عَنهُ، لِأَن نسَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يعرفن مَا أدّى عَنْهُن لما وَجب عَلَيْهِنَّ من نسك التَّمَتُّع.
٩٠٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ يَحيى بنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ قالَتْ سَمِعْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تَقُولُ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ لَا نُرَى إلَاّ الحَجَّ فلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أمَرَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ لَمْ يَكُنْ معَهُ هَدْيٌ إذَا
طافَ وسَعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ أنْ يَحِلَّ قالَتْ فَدُخِلَ علَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فقُلْتُ مَا هاذا قَالَ نَحَرَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ أزْوَاجِهِ قَالَ يَحْيَى فذَكَرْتُهُ لِلقَاسِمِ فَقَالَ أتَتْكَ بِالحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ..
قيل لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن التَّرْجَمَة بِالذبْحِ والْحَدِيث بِلَفْظ النَّحْر. وَأجِيب: بِأَنَّهُ أَشَارَ بِلَفْظ الذّبْح إِلَى مَا ورد فِي بعض طرق الحَدِيث بِلَفْظ: الذّبْح، وَسَيَأْتِي هَذَا بعد سَبْعَة أَبْوَاب فِي: بَاب مَا يَأْكُل من الْبدن وَمَا يتَصَدَّق، وللعلماء فِيهِ خلاف سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، قد تكَرر ذكرهم، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَعمرَة بنت عبد الرَّحْمَن بن سعد بن زُرَارَة الْأَنْصَارِيَّة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رِجَاله مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ فَإِنَّهُ تنيسي وَهُوَ أَيْضا من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التابعية عَن الصحابية. وَفِيه: عَن عمْرَة، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال: عَن يحيى حَدَّثتنِي عمْرَة، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي عَن مَالك، وَفِي الْحَج أَيْضا عَن خَالِد بن مخلد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن القعْنبِي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال وَعَن مُحَمَّد ابْن أبي الْمثنى وَعَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن عَمْرو ابْن عَليّ وَعَن هناد.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لخمس بَقينَ) ، كَذَا قالته عَائِشَة لِأَنَّهَا حدثت بذلك بعد أَن انْقَضى الشَّهْر، فَإِن كَانَ فِي الشَّهْر فَالصَّوَاب أَن تَقول: لخمس إِن بَقينَ، لِأَنَّهُ لَا يدْرِي الشَّهْر كَامِل أَو نَاقص. قَوْله: (من ذِي الْقعدَة) ، بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا، سمي بذلك لأَنهم كَانُوا يَقْعُدُونَ فِيهِ عَن الْقِتَال. قَوْله: (لَا نرى) ، بِضَم النُّون وَفتح الرَّاء: أَي لَا نظن إلَاّ الْحَج، وَهَذَا يحْتَمل أَن تُرِيدُ حِين خُرُوجهمْ من الْمَدِينَة قبل الإهلال، وَيحْتَمل أَن تُرِيدُ إِن إِحْرَام من أحرم مِنْهُم بِالْعُمْرَةِ لَا يحل حَتَّى يردف الْحَج، فَيكون الْعَمَل لَهما جَمِيعًا، والإهلال مِنْهُمَا، وَلَا يَصح إرادتها، أَن كلهم أحرم بِالْحَجِّ لحديثها الآخر من رِوَايَة عمْرَة عَنْهَا، فمنا من أهل بِالْحَجِّ، وَمنا من أهل بِعُمْرَة، وَمنا من أهل بهما. وَقيل: لَا نرى إِلَّا الْحَج أَي: لم يَقع فِي أنفسهم إلَاّ ذَلِك، وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَفِيه دَلِيل أَنهم أهلوا منتظرين، وَترد عَلَيْهِ رِوَايَة: (لَا نذْكر إِلَّا الْحَج) . قَوْله: (أَن يحل) ، بِكَسْر الْحَاء أَي: يصير حَلَالا بِأَن يتمتع، وَأما من مَعَه الْهَدْي، فَلَا يتَحَلَّل حَتَّى يبلغ الْهَدْي. قَوْله: (فَدخل علينا) على صِيغَة الْمَجْهُول، بِضَم الدَّال. قَوْله: (يَوْم النَّحْر) ، بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة أَي: فِي يَوْم النَّحْر. قَوْله: (نحر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أَزوَاجه) مُقْتَضَاهُ نحر الْبَقر. قَوْله: (فَقَالَ أتتك) أَي: قَالَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أتتك عمْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِالْحَدِيثِ الَّذِي حدثته على وَجهه، يَعْنِي: ساقته لَك سياقا تَاما لم تختصر مِنْهُ شَيْئا، وَلَا غيرته بِتَأْوِيل وَلَا غَيره، فَذكرت ابْتِدَاء الْإِحْرَام وانتهاءه حَتَّى وصلوا إِلَى مَكَّة، وَفِيه تَصْدِيق لعمرة، وإخبار عَن حفظهَا وضبطها.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن نحر الْبَقر جَائِز عِنْد الْعلمَاء إلَاّ أَن الذّبْح مُسْتَحبّ عِنْدهم لقَوْله تَعَالَى: {إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة} (الْبَقَرَة: ٧٦) . وَخَالف الْحسن بن صَالح فاستحب نحرها. وَقَالَ مَالك: إِن ذبح الْجَزُور من غير ضَرُورَة أَو نحر الشَّاة من غير ضَرُورَة لم تُؤْكَل، وَكَانَ مُجَاهِد يسْتَحبّ نحر الْبَقر. قلت: الحَدِيث ورد بِلَفْظ النَّحْر، كَمَا هَهُنَا، وَورد أَيْضا بِلَفْظ: الذّبْح، وَعَلِيهِ ترْجم البُخَارِيّ على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قيل: يجوز أَن يكون الرَّاوِي لما اسْتَوَى الْأَمْرَانِ عِنْده عبر مرّة بالنحر وَمرَّة بِالذبْحِ. وَفِي رِوَايَة ضحى، قَالَ ابْن التِّين: فَإِن يكنَّ هَدَايَا فَهُوَ أصل مَذْهَب مَالك، وَإِن يكنَّ ضحايا فَيحْتَمل أَن تكون وَاجِبَة كوجوب ضحايا غير الْحَاج. وَقَالَ الْقَدُورِيّ: الْمُسْتَحبّ فِي الْإِبِل النَّحْر، فَإِن ذَبحهَا جَازَ وَيكرهُ، وَإِنَّمَا يكره فعله لَا الْمَذْبُوح، وَالذّبْح هُوَ قطع الْعُرُوق الَّتِي فِي أَعلَى الْعُنُق تَحت اللحيين، والنحر يكون فِي اللبة، كَمَا أَن الذّبْح يكون فِي الْحلق. وَفِيه: احتجاج جمَاعَة من الْعلمَاء فِي جَوَاز الِاشْتِرَاك فِي هدي التَّمَتُّع وَالْقرَان، وَمنعه مَالك. قَالَ ابْن بطال: وَلَا حجَّة لمن خَالفه فِي هَذَا الحَدِيث