الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢١٣٨
الحديث رقم ٢١٣٨ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا اشترى متاعا أو دابة فوضعه عند البائع.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢١٣٨ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
قالت عائشة رضي الله عنها: لم أعرف أبواي أبا بكر وأم رومان إلا وهما يدينان بدين الإسلام، وُلدتُ وهما مسلمان، ولم يَمُرَّ علينا يومٌ إلا جاءنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم أول النهار وآخره، فلما ابُتلي المؤمنون بأذى المشركين وأذن صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة خرج أبو بكر ليهاجر إلى الحبشة، فلما وصل موضعًا اسمه بَرْك الغِماد التقى به ابن الدَّغِنَة، وهو سيد قبيلة القارة، فسأله: إلى أين ستذهب يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: تسبب قومي في إخراجي، فأريد أن أسير في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: إن من مثلك يا أبا بكر لا يُخرَج من أرضه ولا يَخرج ويَتركها؛ لأنك تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، وتصل القرابة، وتُكرم الضيف، وتساعد على حوادث الحق، وخروج مثلك خسارة لقومك، فأنا مجيرٌ لك مؤمِّنُكَ ممن أخافك منهم، فارجع واعبد ربك ببلدك، فدار ابن الدغنة في سادات قريش، فقال لهم: إن أبا بكر مثله لا يُخرج ولا يخرج، وذكر لهم الأسباب التي قالها.
فلم تنكر قريش إجارة وحماية ابن الدغنة، واشترطوا عليه، فقالوا له: اجعل أبا بكر يعبد ربَّه في بيته، فليصلِّ فيه ويقرأ ما يريد، ولا يؤذينا بذلك ولا يجهر به، فإننا نخاف أن يُخرِجَ نساءنا وأبناءنا من دينهم إلى دينه، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فمكث أبو بكر يعبد ربه في بيته، ولا يجهر بصوته، ولا يقرأ في مكانٍ آخر غير بيته، ثم ظهر لأبي بكر رأي في أمره بخلاف ما كان يفعله، فبنى مسجدًا في امتداد بيته أمامه، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فجعل نساء المشركين وأبناؤهم يزدحمون عليه، وهم معجبون به وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا كثير البكاء، لا يملك دمع عينيه إذا قرأ القرآن من رقة قلبه، فأخاف ذلك أسيادَ قريش من المشركين، لما يعلمون من رقة قلوب النساء والشباب أن يميلوا لدين الإسلام، فطلبوا ابن الدغنة فجاء إليهم، فقالوا: إنا قد أمّنا أبا بكر بجوارك، بشرط أن يعبد ربه في بيته، ولقد تعّدى ذلك، فبنى مسجدًا بفناء داره، وجهر بالصلاة والقراءة فيه، وقد خِفْنا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فيدخلوا في دينه، فاجعله ينتهي عن فعل هذا، فإذا أحب أن يعبد ربه في بيته فقط فليفعل، وإذا امتنع وأراد أن يجهر بذلك فسأله أن يُرجع إليك عهدك له، فإنا لا نحب أن ننقض عهدك، ولن نترك الإنكار على أبي بكر في الجهر بالعبادة؛ خوف نسائنا وأبنائنا، قالت عائشة: فجاء ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال له: لقد علمت الشرط الذي عاهدتك عليه من عدم الإجهار، فإما أن تبقى على الشرط الذي شرطوه، وإما أن تُرجع لي عهدي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني غُدِرت رجلًا عقدت له عقدًا، فقال أبو بكر: فأنا أردّ لك أمانك لي، وأرضى بأمان الله وحمايته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وقتها بمكة، فقال النبي للمسلمين: لقد رأيت مكان هجرتكم، وفيها نخل وهي بين أرضين بهما حجارة سوداء، فهاجر من هاجر من المسلمين إلى المدينة، وعاد أغلب من كان في الحبشة إلى المدينة، واستعد أبو بكر طالبًا للهجرة من مكة إلى المدينة، فقاله له النبي عليه الصلاة والسلام: على مهلك، فإني آمل أن يؤذن لي في الهجرة، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك أفديك بأبي؟ قال: نعم، فامتنع أبو بكر عن الهجرة ليصحب النبي عليه الصلاة والسلام، وأطعم أبو بكر راحلتين من الإبل كانتا عنده من ورق السمر، وهو ما يخبط بالعصا فيسقط من ورق الشجر، فبات يطعمهما منه لمدة أربعة أشهر، قالت عائشة: فبينما نحن في يوم جالسين في بيت أبي بكر في أول الزوال عند شدة الحر، قال شخص لأبي بكر: هذا النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء مغطيًّا رأسه، جاء في وقت لم يكن يأتينا فيه، فقال أبو بكر: أفديه بأبي وأمي، والله لم يأتِ به في هذا الوقت إلا أمر حدث، لأن عادته أن يأتي إليهم في أول النهار وآخره، لا في وسطه، قالت عائشة رضي الله عنها: فجاء عليه الصلاة والسلام فاستأذن في الدخول، فأذن له فدخل، فقال لأبي بكر: أخرج الذين معك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك يقصد عائشة وأمها وأختها، أفديك بأبي يا رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام: فإني قد أذن الله لي في الخروج إلى المدينة، فقال أبو بكر: هل تسمح أن أصاحبك بأبي أنت يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال عليه الصلاة والسلام: لا آخذها إلا بعد دفع ثمنها، قالت عائشة: فجهزنا الراحلتين أسرع تجهيز وصنعنا لهما زادًا في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من ملابسها التي تشد به وسطها، فربطت به على فم الجراب، ولذلك سميت ذات النطاقين.
قالت عائشة رضي الله عنها: ثم ذهب النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر إلى غار في جبل ثور، فجلسا فيه ثلاث ليال، يبيت في الغار معهما عبد الله بن أبي بكر الصديق، وهو غلام شاب حاذق سريع الفهم، فيخرج من عندهما وقت السحر، فيصبح وهو في قريش بمكة، وكأنه بات فيها لشدة رجوعه في الخفاء، فلا يسمع خبرًا من قريش فيه المكروه لهما إلا حفظه، فيأتيهم بذلك الخبر حين يأتي الظلام، ويحفظ لهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر شاة من غنم، فيتركها تذهب لهما في ساعة من العِشاء كل ليلة، فيحلبان ويشربان، فيبيتان في رسل، وهو اللبن الموضوع فيه الحجارة المحماة لتذهب وخامته وثقله، حتى يسمعان صوت عامر بن فهيرة، وهو يزجر الغنم في ظلام آخر الليل، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث التي أقاما فيها بالغار، واستأجر النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر رجلًا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي، يهديهما إلى الطريق وكان ماهرًا بالهداية، وقد كان حليفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو كافر فائتمناه فأعطوه راحلتيهما، وواعداه في غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صباح اليوم الثالث وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل عبد الله بن أريقط، فقادهم إلى المدينة من طريق السواحل.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَنْهُ بَيْنَ الْجُزَافِ وَالْمَكِيلِ: فَأَجَازَ بَيْعَ الْجُزَافِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِأَنَّ الْجُزَافَ مُرَبًّى فَتَكْفِي فِيهِ التَّخْلِيَةُ، وَالِاسْتِيفَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ.
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: نَهَى أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ طَعَامًا اشْتَرَاهُ بِكَيْلٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي. وَنَحْوُهُ لِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي الْمَكِيلِ بِالْكَيْلِ وَفِي الْمَوْزُونِ بِالْوَزْنِ، فَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا مُكَايَلَةً أَوْ مُوَازَنَةً فَقَبَضَهُ جُزَافًا فَقَبْضُهُ فَاسِدٌ، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى مُكَايَلَةً فَقَبَضَهُ مُوَازَنَةً وَبِالْعَكْسِ، وَمَنِ اشْتَرَى مُكَايَلَةً وَقَبَضَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهُ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَكِيلَهُ عَلَى مَنِ اشْتَرَاهُ ثَانِيًا، وَبِذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إِنْ بَاعَهُ بِنَقْدٍ جَازَ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِنَسِيئَةٍ لَمْ يَجُزْ بِالْأَوَّلِ، وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ تَأْدِيبِ مَنْ يَتَعَاطَى الْعُقُودَ الْفَاسِدَةَ، وَإِقَامَةُ الْإِمَامِ عَلَى النَّاسِ مَنْ يُرَاعِي أَحْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: جُزَافًا مُثَلَّثَةُ الْجِيمِ وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ بَيْعِ الصُّبْرَةِ جُزَافًا، سَوَاءٌ عَلِمَ الْبَائِعُ قَدْرَهَا أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، وَعَنْ مَالِكٍ التَّفْرِقَةُ، فَلَوْ عَلِمَ لَمْ يَصِحَّ، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: يَجُوزُ بَيْعُ الصُّبْرَةِ جُزَافًا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إِذَا جَهِلَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي قَدْرَهَا، فَإِنِ اشْتَرَاهَا جُزَافًا فَفِي بَيْعِهَا قَبْلَ نَقْلِهَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَنَقْلُهَا قَبْضُهَا.
٥٧ - بَاب إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: مَا أَدْرَكَتْ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ
٢١٣٨ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ قَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ؟ قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الصُّحْبَةَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا. قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهَا عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ عَنِ النَّاقَةِ: أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: أَخَذْتُهَا لَمْ يَكُنْ أَخْذًا بِالْيَدِ وَلَا بِحِيَازَةِ شَخْصِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ الْتِزَامًا مِنْهُ لِابْتِيَاعِهَا بِالثَّمَنِ وَإِخْرَاجِهَا عَنْ مِلْكِ أَبِي بَكْرٍ اهـ. وَلَيْسَ مَا قَالَهُ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ مَا سِيقَتْ لِبَيَانِ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ اخْتُصِرَ فِيهَا قَدْرُ الثَّمَنِ وَصِفَةُ الْعَقْدِ، فَيُحْمَلُ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ اخْتَصَرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ غَرَضِهِ فِي سِيَاقِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتَصَرَ صِفَةَ الْقَبْضِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ أَنْ يُحَقِّقَ انْتِقَالَ الضَّمَانِ فِي الدَّابَّةِ وَنَحْوِهَا إِلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يرى الفرقة بالأبدان، ونُقِل عنه (١) هنا ما يحتمل التَّفرُّق بالأبدان قبلُ وبعدُ، فحمله على ما بعده أَولى جمعًا بين حديثيه.
٢١٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) «فَرْوة» بفتح الفاء وسكون الرَّاء، و «المَغْراء» بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وبالرَّاء والمدِّ، واسمه (٢): مَعْدِيكَرِبَ قال: (أَخْبَرَنَا (٣) عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة وكسر الهاء، قاضي الموصل (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي) أي: والله، لَقلَّما ما يأتي يومٌ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ) فاللَّام جواب قَسَمٍ محذوفٍ، والاستثناء مُفرَّغٌ واقعٌ بعد نفيٍ مُؤوَّلٍ؛ لأنَّ «قلَّ» في معنى النَّفي، والجملة الواقعة بعد أداة الاستثناء في محلِّ نصبٍ على أنَّها خبر «كان»، و «بيتَ»: نُصِب على المفعوليَّة، و «أحدَ» ظرفٌ بتقدير: «في» (فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ) ﵊ بضمِّ الهمزة وكسر
المعجمة (فِي الخُرُوجِ إِلَى المَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا) بفتح التَّحتيَّة وضمِّ الرَّاء وسكون العين المهملة، من الرَّوع، وهو الفزع (إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا) يعني: فاجأنا بغتةً في غير الوقت الذي اعتدنا مجيئه فيه، فأفزعنا ذلك وقت الظُّهر (فَخُبِّرَ) بضمِّ الخاء المعجمة وكسر المُوحَّدة المُشدَّدة (بِهِ) ﵊ (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما جاء النَّبيُّ» (ﷺ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لأَمْرٍ حَدَثَ) بفتحاتٍ، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «إلَّا من حدثٍ» أي: من (١) حادثةٍ حدثت له (٢) (فَلَمَّا دَخَلَ) ﵊ (عَلَيْهِ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ) بفتح الهمزة وكسر الرَّاء، أمرٌ من الإخراج، و «مَنْ» -بفتح الميم- مفعول «أَخْرِج»، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما عندك»، وقوله في «التَّنقيح»: والوجه «مَنْ»، أي: بالنُّون، تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ «ما» قد تقع ويُراد بها من يعقل، نحو: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] و «سبحان ما سخركنَّ لنا»، قال أبو حيَّان: هذا قول أبي عبيدة وابن درستويه وابن خروفٍ ومكِّيِّ بن أبي طالبٍ، ونسبه ابن خروفٍ لسيبويه، ومن أدلَّتهم أيضًا: «سبحان ما سبَّح الرَّعد بحمده» ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] … الآيات.
(قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ (١)، يعني: عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ) رضي الله تعالى عنهما (قَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ) بضمِّ الهمزة وكسر المعجمة، أي: أَذِنَ اللهُ (لِي فِي الخُرُوجِ) إلى المدينة (قَالَ) أبو بكرٍ: أريد (الصُّحْبَةَُ) معك عند الخروج (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ﷺ: أنا أريد أو ألتمس (الصُّحْبَةَُ) أيضًا أو نلتها، ويجوز الرَّفع فيهما خبر (٢) مبتدأٍ محذوفٍ يُقدَّر في كلٍّ ما يليق به، ففي الأوَّل: مرادي الصُّحبةُ، أو مسألتي الصُّحبةُ، وفي الثَّاني: مبذولةٌ أو حاصلةٌ لك ونحوه (قَالَ) أبو بكرٍ: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ) معك إلى المدينة، قال في «اللَّامع» و «المصابيح» وغيرهما: ويُروَى: «عددتهما» بغير همزةٍ، قال ابن التِّين: وصوابه بالهمزة؛ لأنَّه رباعيٌّ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ قوله: «رباعيٌّ» إنَّما هو بالنِّسبة إلى عدد حروفه، ولا يُقال في مصطلح الصَّرفيِّين إلَّا ثلاثيٌّ مزيدٌ فيه (فَخُذْ) يا رسول الله (إِحْدَاهُمَا، قَالَ) ﵊: (قَدْ أَخَذْتُهَا) أي: آخذ إحدى النَّاقتين، قال ابن إسحاق في غير رواية ابن هشامٍ: هي الجدعاء (٣) (بِالثَّمَنِ) قال المُهلَّب: لم يكن آخذًا (٤) باليد ولا بالحيازة، بل بالابتياع بالثَّمن وإخراجها من (٥) ملك أبي بكرٍ؛ لأنَّ قوله: «قد أخذتها» يوجب أخذًا صحيحًا وقبضًا من الصِّدِّيق بالثَّمن الذي هو عوضٌ، وتعقَّبه في «فتح الباري» بأنَّ ما قاله ليس بواضحٍ؛ لأنَّ (٦) القصَّة ما سيقت لبيان ذلك؛ فلذلك اختصر فيها قدر الثَّمن وصفة العقد، فيُحمَل كلُّ ذلك على أنَّ الرَّاوي اختصره؛ لأنَّه ليس من غرضه، وكذلك اختصر صفة القبض فلا يكون فيه حجَّةٌ في عدم (٧) اشتراط القبض.
ووجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة من حيث إنَّ لها جزأين، فدلالته على الأوَّل ظاهرةٌ؛ لأنَّه لم يقبض النَّاقة بعد (٨) الأخذ بالثَّمن الذي هو كنايةٌ عن البيع وتركها عند أبي بكرٍ، وأمَّا
الثَّاني -وهو قوله: «أو مات قبل أن يقبض» - إمَّا للإشعار بأنَّه لم يجد حديثًا على شرطه فيما يتعلَّق به، وإمَّا للإعلام بأنَّ حكم الموت قبل القبض حكم الوضع عنده قياسًا عليه، قاله الكِرمانيُّ وغيره. وأخذ ابن المُنَيِّر منه جواز بيع الغائب؛ لأنَّ قول أبي بكرٍ: - «إنَّ عندي ناقتين» بالتَّنكير- يدلُّ على غيبتهما وعلى عدم سبق العهد بهما، وهذا معارضٌ بقوله في هذا الحديث في رواية ابن شهابٍ عن عروة، قال أبو بكرٍ: فخذ -بأبي أنت يا رسول الله- إحدى راحلتيَّ هاتين.
وهذا الحديث من أفراده، وأخرجه أيضًا في أوَّل «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥] مُطوَّلًا.
(٥٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَبِيعُ) بإثبات الياء على أنَّ «لا» نافيةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يَبِعْ» بالجزم على النَّهي (عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) بأن يقول لمن اشترى سلعةً في زمن خيار المجلس أو خيار الشَّرط: افسخ لأبيعك خيرًا منه بمثل ثمنه أو مثله بأَنْقَصَ، فإنَّه حرامٌ، وكذا (١) الشِّراء على شرائه بأن يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأزيدَ (وَلَا يَسُومُ) الرَّجل، بالرَّفع على النَّفي، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا يَسُمْ» بالجزم على النَّهي (عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) بأن يقول لمن اتَّفق مع غيره في بيعٍ ولم يعقداه: أنا أشتريه بأزيدَ، أو أنا أبيعك خيرًا منه بأرخص منه (٢)، فيحرم بعد استقرار الثَّمن بالتَّراضي صريحًا وقبل العقد، فلو لم يصرح له المالك بالإجابة بأن عَرَّضَ بها، أو سكت، أو كانت الزيادة قبل استقرار الثمن بأن كان المبيع إذ ذاك يُنادَى عليه لطلب الزِّيادة، لم يحرم (حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ) أخوه البائع (أَوْ يَتْرُكَ) اتِّفاقه مع المشتري فلا تحريم؛ لأنَّ الحقَّ لهما وقد أسقطاه، هذا إن كان الآذن مالكًا، فإن كان وليًّا أو وصيًّا أو وكيلًا أو نحوه فلا عبرة بإذنه إن كان فيه ضررٌ على المالك -ذكره الأذرعيُّ- وذكر الأخ ليس للتَّقييد، بل للرِّقَّة والعطف عليه، وإلَّا (٣) فالكافر كالمسلم في ذلك.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَنْهُ بَيْنَ الْجُزَافِ وَالْمَكِيلِ: فَأَجَازَ بَيْعَ الْجُزَافِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِأَنَّ الْجُزَافَ مُرَبًّى فَتَكْفِي فِيهِ التَّخْلِيَةُ، وَالِاسْتِيفَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ.
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: نَهَى أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ طَعَامًا اشْتَرَاهُ بِكَيْلٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي. وَنَحْوُهُ لِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي الْمَكِيلِ بِالْكَيْلِ وَفِي الْمَوْزُونِ بِالْوَزْنِ، فَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا مُكَايَلَةً أَوْ مُوَازَنَةً فَقَبَضَهُ جُزَافًا فَقَبْضُهُ فَاسِدٌ، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى مُكَايَلَةً فَقَبَضَهُ مُوَازَنَةً وَبِالْعَكْسِ، وَمَنِ اشْتَرَى مُكَايَلَةً وَقَبَضَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهُ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَكِيلَهُ عَلَى مَنِ اشْتَرَاهُ ثَانِيًا، وَبِذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إِنْ بَاعَهُ بِنَقْدٍ جَازَ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِنَسِيئَةٍ لَمْ يَجُزْ بِالْأَوَّلِ، وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ تَأْدِيبِ مَنْ يَتَعَاطَى الْعُقُودَ الْفَاسِدَةَ، وَإِقَامَةُ الْإِمَامِ عَلَى النَّاسِ مَنْ يُرَاعِي أَحْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: جُزَافًا مُثَلَّثَةُ الْجِيمِ وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ بَيْعِ الصُّبْرَةِ جُزَافًا، سَوَاءٌ عَلِمَ الْبَائِعُ قَدْرَهَا أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، وَعَنْ مَالِكٍ التَّفْرِقَةُ، فَلَوْ عَلِمَ لَمْ يَصِحَّ، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: يَجُوزُ بَيْعُ الصُّبْرَةِ جُزَافًا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إِذَا جَهِلَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي قَدْرَهَا، فَإِنِ اشْتَرَاهَا جُزَافًا فَفِي بَيْعِهَا قَبْلَ نَقْلِهَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَنَقْلُهَا قَبْضُهَا.
٥٧ - بَاب إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: مَا أَدْرَكَتْ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ
٢١٣٨ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ قَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ؟ قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الصُّحْبَةَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا. قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهَا عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ عَنِ النَّاقَةِ: أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: أَخَذْتُهَا لَمْ يَكُنْ أَخْذًا بِالْيَدِ وَلَا بِحِيَازَةِ شَخْصِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ الْتِزَامًا مِنْهُ لِابْتِيَاعِهَا بِالثَّمَنِ وَإِخْرَاجِهَا عَنْ مِلْكِ أَبِي بَكْرٍ اهـ. وَلَيْسَ مَا قَالَهُ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ مَا سِيقَتْ لِبَيَانِ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ اخْتُصِرَ فِيهَا قَدْرُ الثَّمَنِ وَصِفَةُ الْعَقْدِ، فَيُحْمَلُ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ اخْتَصَرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ غَرَضِهِ فِي سِيَاقِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتَصَرَ صِفَةَ الْقَبْضِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ أَنْ يُحَقِّقَ انْتِقَالَ الضَّمَانِ فِي الدَّابَّةِ وَنَحْوِهَا إِلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يرى الفرقة بالأبدان، ونُقِل عنه (١) هنا ما يحتمل التَّفرُّق بالأبدان قبلُ وبعدُ، فحمله على ما بعده أَولى جمعًا بين حديثيه.
٢١٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) «فَرْوة» بفتح الفاء وسكون الرَّاء، و «المَغْراء» بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وبالرَّاء والمدِّ، واسمه (٢): مَعْدِيكَرِبَ قال: (أَخْبَرَنَا (٣) عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة وكسر الهاء، قاضي الموصل (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي) أي: والله، لَقلَّما ما يأتي يومٌ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ) فاللَّام جواب قَسَمٍ محذوفٍ، والاستثناء مُفرَّغٌ واقعٌ بعد نفيٍ مُؤوَّلٍ؛ لأنَّ «قلَّ» في معنى النَّفي، والجملة الواقعة بعد أداة الاستثناء في محلِّ نصبٍ على أنَّها خبر «كان»، و «بيتَ»: نُصِب على المفعوليَّة، و «أحدَ» ظرفٌ بتقدير: «في» (فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ) ﵊ بضمِّ الهمزة وكسر
المعجمة (فِي الخُرُوجِ إِلَى المَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا) بفتح التَّحتيَّة وضمِّ الرَّاء وسكون العين المهملة، من الرَّوع، وهو الفزع (إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا) يعني: فاجأنا بغتةً في غير الوقت الذي اعتدنا مجيئه فيه، فأفزعنا ذلك وقت الظُّهر (فَخُبِّرَ) بضمِّ الخاء المعجمة وكسر المُوحَّدة المُشدَّدة (بِهِ) ﵊ (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما جاء النَّبيُّ» (ﷺ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لأَمْرٍ حَدَثَ) بفتحاتٍ، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «إلَّا من حدثٍ» أي: من (١) حادثةٍ حدثت له (٢) (فَلَمَّا دَخَلَ) ﵊ (عَلَيْهِ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ) بفتح الهمزة وكسر الرَّاء، أمرٌ من الإخراج، و «مَنْ» -بفتح الميم- مفعول «أَخْرِج»، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما عندك»، وقوله في «التَّنقيح»: والوجه «مَنْ»، أي: بالنُّون، تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ «ما» قد تقع ويُراد بها من يعقل، نحو: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] و «سبحان ما سخركنَّ لنا»، قال أبو حيَّان: هذا قول أبي عبيدة وابن درستويه وابن خروفٍ ومكِّيِّ بن أبي طالبٍ، ونسبه ابن خروفٍ لسيبويه، ومن أدلَّتهم أيضًا: «سبحان ما سبَّح الرَّعد بحمده» ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] … الآيات.
(قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ (١)، يعني: عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ) رضي الله تعالى عنهما (قَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ) بضمِّ الهمزة وكسر المعجمة، أي: أَذِنَ اللهُ (لِي فِي الخُرُوجِ) إلى المدينة (قَالَ) أبو بكرٍ: أريد (الصُّحْبَةَُ) معك عند الخروج (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ﷺ: أنا أريد أو ألتمس (الصُّحْبَةَُ) أيضًا أو نلتها، ويجوز الرَّفع فيهما خبر (٢) مبتدأٍ محذوفٍ يُقدَّر في كلٍّ ما يليق به، ففي الأوَّل: مرادي الصُّحبةُ، أو مسألتي الصُّحبةُ، وفي الثَّاني: مبذولةٌ أو حاصلةٌ لك ونحوه (قَالَ) أبو بكرٍ: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ) معك إلى المدينة، قال في «اللَّامع» و «المصابيح» وغيرهما: ويُروَى: «عددتهما» بغير همزةٍ، قال ابن التِّين: وصوابه بالهمزة؛ لأنَّه رباعيٌّ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ قوله: «رباعيٌّ» إنَّما هو بالنِّسبة إلى عدد حروفه، ولا يُقال في مصطلح الصَّرفيِّين إلَّا ثلاثيٌّ مزيدٌ فيه (فَخُذْ) يا رسول الله (إِحْدَاهُمَا، قَالَ) ﵊: (قَدْ أَخَذْتُهَا) أي: آخذ إحدى النَّاقتين، قال ابن إسحاق في غير رواية ابن هشامٍ: هي الجدعاء (٣) (بِالثَّمَنِ) قال المُهلَّب: لم يكن آخذًا (٤) باليد ولا بالحيازة، بل بالابتياع بالثَّمن وإخراجها من (٥) ملك أبي بكرٍ؛ لأنَّ قوله: «قد أخذتها» يوجب أخذًا صحيحًا وقبضًا من الصِّدِّيق بالثَّمن الذي هو عوضٌ، وتعقَّبه في «فتح الباري» بأنَّ ما قاله ليس بواضحٍ؛ لأنَّ (٦) القصَّة ما سيقت لبيان ذلك؛ فلذلك اختصر فيها قدر الثَّمن وصفة العقد، فيُحمَل كلُّ ذلك على أنَّ الرَّاوي اختصره؛ لأنَّه ليس من غرضه، وكذلك اختصر صفة القبض فلا يكون فيه حجَّةٌ في عدم (٧) اشتراط القبض.
ووجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة من حيث إنَّ لها جزأين، فدلالته على الأوَّل ظاهرةٌ؛ لأنَّه لم يقبض النَّاقة بعد (٨) الأخذ بالثَّمن الذي هو كنايةٌ عن البيع وتركها عند أبي بكرٍ، وأمَّا
الثَّاني -وهو قوله: «أو مات قبل أن يقبض» - إمَّا للإشعار بأنَّه لم يجد حديثًا على شرطه فيما يتعلَّق به، وإمَّا للإعلام بأنَّ حكم الموت قبل القبض حكم الوضع عنده قياسًا عليه، قاله الكِرمانيُّ وغيره. وأخذ ابن المُنَيِّر منه جواز بيع الغائب؛ لأنَّ قول أبي بكرٍ: - «إنَّ عندي ناقتين» بالتَّنكير- يدلُّ على غيبتهما وعلى عدم سبق العهد بهما، وهذا معارضٌ بقوله في هذا الحديث في رواية ابن شهابٍ عن عروة، قال أبو بكرٍ: فخذ -بأبي أنت يا رسول الله- إحدى راحلتيَّ هاتين.
وهذا الحديث من أفراده، وأخرجه أيضًا في أوَّل «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥] مُطوَّلًا.
(٥٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَبِيعُ) بإثبات الياء على أنَّ «لا» نافيةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يَبِعْ» بالجزم على النَّهي (عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) بأن يقول لمن اشترى سلعةً في زمن خيار المجلس أو خيار الشَّرط: افسخ لأبيعك خيرًا منه بمثل ثمنه أو مثله بأَنْقَصَ، فإنَّه حرامٌ، وكذا (١) الشِّراء على شرائه بأن يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأزيدَ (وَلَا يَسُومُ) الرَّجل، بالرَّفع على النَّفي، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا يَسُمْ» بالجزم على النَّهي (عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) بأن يقول لمن اتَّفق مع غيره في بيعٍ ولم يعقداه: أنا أشتريه بأزيدَ، أو أنا أبيعك خيرًا منه بأرخص منه (٢)، فيحرم بعد استقرار الثَّمن بالتَّراضي صريحًا وقبل العقد، فلو لم يصرح له المالك بالإجابة بأن عَرَّضَ بها، أو سكت، أو كانت الزيادة قبل استقرار الثمن بأن كان المبيع إذ ذاك يُنادَى عليه لطلب الزِّيادة، لم يحرم (حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ) أخوه البائع (أَوْ يَتْرُكَ) اتِّفاقه مع المشتري فلا تحريم؛ لأنَّ الحقَّ لهما وقد أسقطاه، هذا إن كان الآذن مالكًا، فإن كان وليًّا أو وصيًّا أو وكيلًا أو نحوه فلا عبرة بإذنه إن كان فيه ضررٌ على المالك -ذكره الأذرعيُّ- وذكر الأخ ليس للتَّقييد، بل للرِّقَّة والعطف عليه، وإلَّا (٣) فالكافر كالمسلم في ذلك.