«كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦٩

الحديث رقم ٢٦٩ من كتاب «كتاب الغسل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غسل المذي والوضوء منه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كنت رجلا مذاء، فأمرت رجلا أن يسأل النبي ﷺ…

«كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ، لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَسَأَلَ فَقَالَ: تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ».

سند حديث: ٢٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ…

٢٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كنت رجلا مذاء، فأمرت رجلا أن يسأل النبي ﷺ…

أَخْبَرَ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان كثيرًا ما يَخْرُجُ منه المَذي -وهو ماءٌ أبيض رقيق لَزِجٌ يَخرج مِن الذَّكَرِ عند الشهوة أو قبل الجماع-،
ولا يَعرف كيف يفعل مع خروجه، فاستحيا أن يسألَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه زوجُ فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم،
فطلب من المقداد بن الأسود أن يسأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك،
فأجابه صلى الله عليه وسلم: بأن يَغسل ذَكَرَه ثم يتوضأ.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضيلة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث لم يمنعه الحياء من ترك السؤال بواسطة.
  • جواز الاستنابة في الاستفتاء.
  • جواز إخبار الإنسان عن نفسه بما يَستحي منه للمصلحة.
  • نجاسة المَذيِ، ووجوب غسله من البدن والثوب.
  • خروج المذي من نواقض الوضوء.
  • وجوب غسل الذكر والخصيتين لوروده في حديث آخر.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كنت رجلا مذاء، فأمرت رجلا أن يسأل النبي ﷺ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَادَتُهُ، وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ لِيَتَوَافَقَا، وَمِنْ لَازِمِ جِمَاعِهِنَّ فِي السَّاعَةِ أَوِ اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ عَوْدُ الْجِمَاعِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ النِّسَاءِ وَأَشَارَ فِيهِ إِلَى أَنَّ الْقَسْمَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ جَزَمَ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّة وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ الْوُجُوبُ وَيَحْتَاجُ مَنْ قَالَ بِهِ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ بِرِضَا صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ كَمَا اسْتَأْذَنَهُنَّ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ يَحْصُلُ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْقِسْمَةِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْقِسْمَةَ، وَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ إِقْبَالِهِ مِنْ سَفَرٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا سَافَرَ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ فَيُسَافِرُ بِمَنْ يَخْرُجُ سَهْمُهَا فَإِذَا انْصَرَفَ اسْتَأْنَفَ وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَكَذَا الثَّانِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ يَقَعُ قَبْلَ وُجُوبِ الْقِسْمَةِ ثُمَّ تَرَكَ بَعْدَهَا. وَأَغْرَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَصَّ نَبِيَّهُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّهُ أَعْطَاهُ سَاعَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ لَا يَكُونُ لِأَزْوَاجِهِ فِيهَا حَقٌّ يَدْخُلُ فِيهَا عَلَى جَمِيعِهِنَّ، فَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ثُمَّ يَسْتَقِرُّ عِنْدَ مَنْ لَهَا النَّوْبَةُ، وَكَانَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَإِنْ اشْتَغَلَ عَنْهَا كَانَتْ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ مَا ذَكَرَهُ مُفَصَّلًا.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ مَا أُعْطِيَ النَّبِيُّ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى الْجِمَاعِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ الْبِنْيَةِ وَصِحَّةِ الذُّكُورِيَّةِ، وَالْحِكْمَةُ فِي كَثْرَةِ أَزْوَاجِهِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي لَيْسَتْ ظَاهِرَةً يَطَّلِعْنَ عَلَيْهَا فَيَنْقُلْنَهَا، وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ ذَلِكَ الْكَثِيرُ الطَّيِّبُ، وَمِنْ ثَمَّ فَضَّلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى الْبَاقِيَاتِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ التِّينِ لِقَوْلِ مَالِكٍ بِلُزُومِ الظِّهَارِ مِنَ الْإِمَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّائِدَتَيْنِ عَلَى التِّسْعِ مَارِيَةُ وَرَيْحَانَةُ، وَقَدْ أَطْلَقَ عَلَى الْجَمِيعِ لَفْظَ نِسَائِهِ وتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِطْلَاقَ الْمَذْكُورَ لِلتَّغْلِيبِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَا ادَّعَى، وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ الْمُنِيرِ عَلَى جَوَازِ وَطْءِ الْحُرَّةِ بَعْدَ الْأَمَةِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ بَيْنَهُمَا وَلَا غَيْرِهِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَابُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ.

١٣ - بَاب غَسْلِ الْمَذْيِ وَالْوُضُوءِ مِنْهُ

٢٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَسَأَلَ فَقَالَ تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الْمَذْيِ وَالْوُضُوءِ مِنْهُ) أَيْ بِسَبَبِهِ وَفِي الْمَذْيِ لُغَاتٌ أَفْصَحُهَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ ثُمَّ بِكَسْرِ الذَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ لَزِجٌ يَخْرُجُ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ أَوْ تَذَكُّرِ الْجِمَاعِ أَوْ إِرَادَتِهِ وَقَدْ لَا يُحِسُّ بِخُرُوجِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ السُّلَمِيُّ.

قَوْلُهُ: (مَذَّاءٌ) صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِنَ الْمَذْيِ يُقَالُ مَذَى يَمْذِي مِثْلُ مَضَى يَمْضِي ثُلَاثِيًّا وَيُقَالُ أَيْضًا أَمْذَى يُمْذِي بِوَزْنِ أَعْطَى يُعْطِي رُبَاعِيًّا.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرْتُ رَجُلًا) هُوَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَزَادَ فِيهِ فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ.

قَوْلُهُ: (لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ مِنْ أَجْلِ فَاطِمَةَ .

قَوْلُهُ: (تَوَضَّأْ) هَذَا الْأَمْرُ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمِقْدَادَ سَأَلَ لِنَفْسِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ لِمُبْهَمٍ أَوْ لِعَلِيٍّ فَوَجَّهَ النَّبِيُّ الْخِطَابَ إِلَيْهِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ حَاضِرَ السُّؤَالِ فَقَدْ أَطْبَقَ أَصْحَابُ الْمَسَانِيدِ وَالْأَطْرَافِ عَلَى إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مُسْنَدِ عَلِيٍّ وَلَوْ حَمَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ لَأَوْرَدُوهُ فِي مُسْنَدِ الْمِقْدَادِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا

فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ فَقُلْتُ لِرَجُلٍ جَالِسٍ إِلَى جَنْبِي سَلْهُ فَسَأَلَهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقَالَ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ بِلَفْظِ الْغَائِبِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُ الْمِقْدَادِ وَقَعَ عَلَى الْإِبْهَامِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَفِي مُسْلِمٍ أَيْضًا فَسَأَلَهُ عَنِ الْمَذْيِ يَخْرُجُ مِنَ الْإِنْسَانِ.

وَفِي الْمُوَطَّأِ نَحْوُهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ ذِكْرُ سَبَبِ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنِ بْنِ قَبِيصَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَجَعَلْتُ أَغْتَسِلُ مِنْهُ فِي الشِّتَاءِ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِي فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَفْعَلْ وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ نَحْوُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ أَمَرْتُ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ سَأَلْتُ.

وَجَمَعَ ابْنُ حِبَّانَ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ ثُمَّ أَمَرَ الْمِقْدَادَ بِذَلِكَ ثُمَّ سَأَلَ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ جَمْعٌ جَيِّدٌ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى آخِرِهِ ; لِكَوْنِهِ مُغَايِرًا لِقَوْلِهِ إِنَّهُ اسْتَحْيَى مِنَ السُّؤَالِ بِنَفْسِهِ لِأَجْلِ فَاطِمَةَ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ بِأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَطْلَقَ أَنَّهُ سَأَلَ لِكَوْنِهِ الْآمِرَ بِذَلِكَ وَبِهَذَا جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ثُمَّ النَّوَوِيُّ، وَيُؤَيِّدُ أَنَّهُ أَمَرَ كُلًّا مِنَ الْمِقْدَادِ، وَعَمَّارٍ بِالسُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عَائِشِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ تَذَاكَرَ عَلِيٌّ، وَالْمِقْدَادُ، وَعَمَّارٌ الْمَذْيَ فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّنِي رَجُلٌ مَذَّاءٌ فَاسْأَلَا عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ فَسَأَلَهُ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ وَصَحَّحَ ابْنُ بَشْكُوَالَ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى السُّؤَالَ عَنْ ذَلِكَ هُوَ الْمِقْدَادُ، وَعَلَى هَذَا فَنِسْبَةُ عَمَّارٍ إِلَى أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَجَازِ أَيْضًا ; لِكَوْنِهِ قَصَدَهُ لَكِنْ تَوَلَّى الْمِقْدَادُ الْخِطَابَ دُونَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَوَضَّأْ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ بِخُرُوجِ الْمَذْيِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ وَعَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ كَالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنَ الْبَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ اسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِهِ فِي بَابِ: مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ، وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيّ عَنِ الْمَذْيِ فَقَالَ فِيهِ الْوُضُوءُ وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ، فَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ حُكْمَ الْمَذْيِ حُكْمُ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ لَا أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ بِمُجَرَّدِهِ.

قَوْلُهُ: (وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) هَكَذَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ تَقْدِيمُ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِهِ، وَوَقَعَ فِي الْعُمْدَةِ نِسْبَةُ إِلَى الْبُخَارِيِّ بِالْعَكْسِ لَكِنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ فَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُ غَسْلِهِ عَلَى الْوُضُوءِ وَهُوَ أَوْلَى، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِهِ لَكِنْ مَنْ يَقُولُ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّهِ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَائِلٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى تَعَيُّنِ الْمَاءِ فِيهِ دُونَ الْأَحْجَارِ وَنَحْوِهَا ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يُعَيِّنُ الْغَسْلَ، وَالْمُعَيَّنُ لَا يَقَعُ الِامْتِثَالُ إِلَّا بِهِ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَصَحَّحَ فِي بَاقِي كُتُبِهِ جَوَازَ الِاقْتِصَارِ إِلْحَاقًا بِالْبَوْلِ (١). وَحَمْلًا لِلْأَمْرِ بِغَسْلِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَهَذَا الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى إِيجَابِ اسْتِيعَابِهِ بِالْغَسْلِ عَمَلًا بِالْحَقِيقَةِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ نَظَرُوا إِلَى الْمَعْنَى فَإِنَّ الْمُوجوبَ لِغَسْلِهِ إِنَّمَا هُوَ خُرُوجُ الْخَارِجِ فَلَا تَجِبُ الْمُجَاوَزَةُ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ فَقَالَ تَوَضَّأْ وَاغْسِلْهُ فَأَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى الْمَذْيِ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ فَإِنَّ النَّقْضَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَسِّ جَمِيعِهِ.

وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ غَسْلِ جَمِيعِهِ هَلْ هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى أَوْ لِلتَّعَبُّدِ؟ فَعَلَى الثَّانِي تَجِبُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«شعبة» بدل «سعيد»، قال: وفي عرضنا على أبي زيدٍ بمكَّة: سعيد (١)، قال أبو عليٍّ الجيِّانيُّ: وهو الصَّواب، ورواية شعبةَ هذه عن قتادةَ وصلها أحمد.

(١٣) (بابُ غَسْلِ المَذْيِ) بفتح الميم وسكون المُعجَمة وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة، وبكسرها مع تشديد المُثنَّاة، وهو: ماءٌ أبيضُ رقيقٌ لزجٌ يخرج عند (٢) المُلاعَبة، أو تذكُّر الجماع أو إرادته (وَالوُضُوءِ مِنْهُ).

٢٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامٌ الطَّيالسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قُدَامة -بضمِّ أوَّله وتخفيف ثانيه المُهمَل- الثَّقفيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ستِّين ومئةٍ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المُهمَلَتين، عثمان بن عاصمٍ الكوفيِّ التَّابعيِّ (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حُبَيِّبٍ بن رُبَيِّعة -بفتح المُوحَّدة وتشديد التَّحتيَّة- السُّلَميِّ -بضمِّ السِّين وفتح اللَّام- مقرئ الكوفة، أحد أعلام التَّابعين، المُتوفَّى سنة خمسٍ ومئةٍ، وصام ثمانين رمضانًا (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً) صفةٌ لـ «رجلٍ»، ولو قال: كنت مذَّاءً صحَّ،

إلَّا أنَّ ذكر الموصوف مع صفته يكون لتعظيمه، نحو: رأيت رجلًا صالحًا، أو لتحقيره، نحو: رأيت رجلًا فاسقًا، ولمَّا كان المذيُ يغلب على الأقوياء الأصحَّاء حَسُن ذكر الرُّجوليَّة معه؛ لأنَّه يدلُّ على معناها، وراعى في «مذَّاءً» الثَّاني، وهو كسر الذَّال، قال ابن فرحون: وهو خلاف الأشهر عندهم لأنَّ «كان» تدخل على المُبتدَأ والخبر، فـ «رجلًا» خبرٌ، وضمير المتكلِّم هو المُبتدَأ في المعنى، فلو راعاه لقال: كنت رجلًا يمذي، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾ [البقرة: ١٨٦] فراعى الضَّمير في «إني»، ولو راعى ﴿قَرِيبٌ﴾ لقال: «يجيب»، قال أبو حيَّان: ومنِ اعتبار الأوَّل قوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ومن اعتبار الثَّاني قوله (١): أنا رجلٌ يأمر بالمعروف، وأنت امرؤٌ يأمر بالخير. انتهى. وزاد أحمد: «فإذا أمذيت اغتسلت» ولأبي داود (٢): «فجعلت أغتسل حتَّى يتشقَّق (٣) ظهري» وزاد في الرِّواية السَّابقة في «باب الوضوء من المخرجين» [خ¦١٧٨] من وجهٍ آخر: فأحببت أن أسأل (فَأَمَرْتُ رَجُلًا) هو المقداد ابن الأسود، كما في الحديث السَّابق (يَسْأَلَ) ولغير الأَصيليِّ وابن عساكر (٤): «أن (٥) يسألَ» (النَّبِيَّ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) فاطمة، أي: بسبب كونها تحته (٦) (فَسَأَلَ) وللحَمُّويي والسَّرخسيِّ: «فسأله» بالهاء، وعند الطَّحاويِّ

من حديث رافع بن خديجٍ: أنَّ عليًّا أمر عمَّارًا أن يسأل النَّبيَّ عن المذيِ (١)، قال: «يغسل مذاكيره» أي: ذكره، وعنده أيضًا عن عليٍّ قال: كنت مذَّاءً وكنت إذا أمذيت اغتسلت، فسألتُ النَّبيَّ ، وهو عند التِّرمذيِّ عنه بلفظ: سألت النَّبيَّ عنِ المذي، وجمع ابن حبَّان بينهما بأنَّ عليًّا سأل عمَّارًا، ثمَّ أمر المقداد بذلك، ثمَّ سأل بنفسه، لكن صحَّح ابن بشكوال: أنَّ الذي سأل هو المقداد، وعُورِض بأنَّه يحتاج إلى برهانٍ، وقد دلَّ ما ذُكِرَ في الأحاديث السَّابقة أنَّ كلًّا منهما قد سأل، وأنَّ عليًّا كذلك سأل، لكن يعكِّر عليه أنَّه استحيا أن يسأل بنفسه لأجل فاطمة، فيتعيَّن الحمل على المجاز بأنَّ الراويَ أطلق أنَّه سأل لكونه الآمر بذلك (فَقَالَ) : (تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) أي: ما أصابه من المذيِ كالبول، ويؤيِّده ما في (٢) رواية: «اغسله» أي: المذي، وكذلك رواية: «فرجه» والفرج: المخرج، وهذا مذهب الشَّافعيِّ والجمهور (٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبيرٍ قال: إذا أمذى الرَّجل غسل الحشفة وتوضَّأ وضوءه للصَّلاة، واحتجُّوا لذلك (٤) بأنَّ الموجب لغسله إنَّما هو خروج الخارج، فلا تجب المُجاوَزة إلى غير محلِّه، وفي روايةٍ عن مالكٍ وأحمد: يغسل ذكره كلَّه لظاهر الإطلاق في قوله: «اغسل ذكرك»، وهل غسله كلّه معقول المعنى أو للتَّعبُّد؟ وأبدى الطَّحاويُّ له حكمةً وهي: أنَّه إذا غسل الذَّكر كلَّه تقلَّص فبطل خروج المذيِ كما في الضَّرْع إذا غُسِل بالماء البارد يتفرَّق اللَّبن إلى داخل الضَّرْع فينقطع خروجه، وعلى القول بأنَّه للتَّعبُّد تجب النِّيَّة، واستدلَّ به ابن دقيق العيد على تعيُّن الماء فيه دون الأحجار ونحوها لأنَّ ظاهره تعيُّنُ الغسل، والمُعيَّن لا يقع الامتثال إلَّا به، وصحَّحه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» وصُحِّح في غيره جواز الاقتصار على الأحجار إلحاقًا له بالبول، وحمل الأمر بغسله على الاستحباب،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْبَوْل عِنْد جَمِيعهم أَيْضا إلَاّ أَن طَائِفَة توجب الْوضُوء على من كَانَت هَذِه حَاله لكل صَلَاة، قِيَاسا على الْمُسْتَحَاضَة عِنْدهم، وَطَائِفَة تستحبه وَلَا توجبه. وَأما الْمَذْي الْمَعْهُود الْمُتَعَارف، وَهُوَ الْخَارِج عِنْد ملاعبة الرجل أَهله لما يجْرِي من اللَّذَّة، أَو لطول عزبة، فعلى هَذَا الْمَعْنى خرج السُّؤَال فِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَلِيهِ يَقع الْجَواب، وَهُوَ مَوضِع إِجْمَاع لَا خلاف بَين الْمُسلمين فِي إِيجَاب الْوضُوء مِنْهُ، وَإِيجَاب غسله لنجاسته انْتهى.

وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلي) الْمَذْي تَطْهِيره بِالْمَاءِ يغسل مخرجه من الذّكر وينضح بِالْمَاءِ مَا مَسّه من الثَّوْب انْتهى قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: لم يكن أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِغسْل ذكره لإِيجَاب غسله كُله، وَلكنه ليتقلص، أَي: لينزوي وينضم، وَلَا يخرج، كَمَا إِذا كَانَ لَهُ هدى وَله لين فَإِنَّهُ ينضح ضرعه بِالْمَاءِ ليتقلص ذَلِك فِيهِ فَلَا يخرج. قلت: من خاصية المَاء الْبَارِد أَن يقطع اللين وَيَردهُ إِلَى دَاخل الضَّرع، وَكَذَلِكَ إِذا أصَاب الْأُنْثَيَيْنِ رد الْمَذْي وكسره. ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد جَاءَت الْآثَار متواترة فِي ذَلِك، فروى مِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن عَليّ، وَقد ذَكرْنَاهُ، وَعَن غير ابْن عَبَّاس عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ قَالَ: فَلَا ترى أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما ذكر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أوجب عَلَيْهِ فِي ذَلِك ذكر وضوء الصَّلَاة فَثَبت بذلك أَن مَا كَانَ سوى وضوء الصَّلَاة مِمَّا أمره بِهِ فَإِنَّمَا كَانَ لغير الْمَعْنى الَّذِي أوجب وضوء الصَّلَاة، ثمَّ قَالَ: وَقد روى سهل بن حنيف عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا قد دلّ على هَذَا أَيْضا حَدثنَا نصر بن مَرْزُوق وَسليمَان بن شُعَيْب قَالَا: حَدثنَا يحيى بن حسان. قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن سعيد بن عبيد السباق عَن أَبِيه عَن سهل بن حنيف (أَنه سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْمَذْي، فَقَالَ: فِيهِ الْوضُوء) وَقَالَ أَبُو جَعْفَر: فَأخْبر أَن مَا يجب فِيهِ هُوَ الْوضُوء، وَذَلِكَ يَنْفِي أَن يكون عَلَيْهِ مَعَ الْوضُوء غَيره وَأخرج التِّرْمِذِيّ أَيْضا هَذَا الحَدِيث من طَرِيق مُحَمَّد بن إِسْحَاق إِلَخ وَلَفظه (كنت ألْقى من الْمَذْي شدَّة وعناء، فَكنت أَكثر مِنْهُ الْغسْل فَذكرت ذَلِك للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَسَأَلته عَنهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا يجْزِيك من ذَلِك الْوضُوء قلت: يَا رَسُول الله! كَيفَ بِمَا يُصِيب ثوبي مِنْهُ؟ قَالَ: يَكْفِيك أَن تَأْخُذ كفا من مَاء فتنضح بِهِ ثَوْبك حَيْثُ ترى أَنه أصَاب مِنْهُ) ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. (وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا بِنَحْوِهِ) فَإِن قلت: رُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ: (إِذا وجدت المَاء فاغسل فرجك وانثييك وَتَوَضَّأ وضوءك للصَّلَاة، قَالَه لِسُلَيْمَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ، وَكَانَ قد تزوج امْرَأَة من بني عقيل، فَكَانَ يَأْتِيهَا فيلاعبها فيمذي، فَسَأَلَ ذَلِك عَنهُ) قلت: يحْتَمل جَوَاب ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ من حَدِيث رَافع بن خديج، ثمَّ شيد الطَّحَاوِيّ مَا ذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنَا بِمَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: هُوَ الْمَنِيّ والمذي والودي فَأَما الْمَذْي والودي فَإِنَّهُ يغسل ذكره وَيتَوَضَّأ وَأما الْمَنِيّ فَفِيهِ الْغسْل. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من طَرِيقين حسنين جَيِّدين وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا نَحوه وَرُوِيَ أَيْضا عَن الْحسن أَنه، يغسل فرجه وَيتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: إِذا أمذى الرجل غسل الْحَشَفَة وَتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا نَحوه ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف، ثمَّ اعْلَم أَن ابْن دَقِيق الْعِيد اسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على تعين المَاء فِيهِ دون الْأَحْجَار وَنَحْوهَا، أخذا بِالظَّاهِرِ، وَوَافَقَهُ النَّوَوِيّ على ذَلِك فِي (شرح مُسلم) وَخَالفهُ فِي بَاقِي كتبه، وَحمل الْأَمر بِالْغسْلِ على الِاسْتِحْبَاب.

وَمن أَحْكَام هَذَا الحَدِيث دلَالَته على نَجَاسَة الْمَذْي وَهُوَ ظَاهر، وَنقل عَن ابْن عقيل الْحَنْبَلِيّ أَنه خرج من قَول بَعضهم: أَن الْمَذْي من أَجزَاء الْمَنِيّ رِوَايَة بِطَهَارَتِهِ ورد عَلَيْهِ أَنه لَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ الْغسْل مِنْهُ.

١٤ - (بابُ مَنْ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَبَقِيَ أثرُ الطيِّبِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من تطيب قبل الِاغْتِسَال من الْجَنَابَة وَبَقِي أثر التَّطَيُّب فِي جسده، وَكَانُوا يتطيبون عِنْد الْجِمَاع لأجل النشاط وَقَالَ ابْن بطال: السّنة اتِّخَاذ الطّيب للرِّجَال وَالنِّسَاء عِنْد الْجِمَاع.

والمناسبة بَين الْحَدِيثين من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب السَّابِق يحصل الطّيب فِي الخاطر عِنْد غسل الْمَذْي، وَهَاهُنَا يحصل الطّيب فِي الْبدن والنشاط فِي الخاطر عَم التَّطَيُّب عِنْد الْجِمَاع.

٢٧٠ - حدّثنا أبُو النعْمانِ قالَ حدّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ الثَّالِث: بْرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدَ بنِ المُنْتَشِرَ عَنْ أبِيهِ قالَ سَأَلْتُ عائِشَةَ فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابنِ عُمَرَ مَا أحِبُّ إِنْ أَصْبِحَ مُحْرِماً أَنْضَحُ طَيباً فقالَتْ عائِشَةَ أَنَّا طَيَّبْتُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ طَافَ فِي نِسائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِماً.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَادَتُهُ، وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ لِيَتَوَافَقَا، وَمِنْ لَازِمِ جِمَاعِهِنَّ فِي السَّاعَةِ أَوِ اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ عَوْدُ الْجِمَاعِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ النِّسَاءِ وَأَشَارَ فِيهِ إِلَى أَنَّ الْقَسْمَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ جَزَمَ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّة وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ الْوُجُوبُ وَيَحْتَاجُ مَنْ قَالَ بِهِ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ بِرِضَا صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ كَمَا اسْتَأْذَنَهُنَّ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ يَحْصُلُ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْقِسْمَةِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْقِسْمَةَ، وَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ إِقْبَالِهِ مِنْ سَفَرٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا سَافَرَ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ فَيُسَافِرُ بِمَنْ يَخْرُجُ سَهْمُهَا فَإِذَا انْصَرَفَ اسْتَأْنَفَ وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَكَذَا الثَّانِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ يَقَعُ قَبْلَ وُجُوبِ الْقِسْمَةِ ثُمَّ تَرَكَ بَعْدَهَا. وَأَغْرَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَصَّ نَبِيَّهُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّهُ أَعْطَاهُ سَاعَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ لَا يَكُونُ لِأَزْوَاجِهِ فِيهَا حَقٌّ يَدْخُلُ فِيهَا عَلَى جَمِيعِهِنَّ، فَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ثُمَّ يَسْتَقِرُّ عِنْدَ مَنْ لَهَا النَّوْبَةُ، وَكَانَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَإِنْ اشْتَغَلَ عَنْهَا كَانَتْ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ مَا ذَكَرَهُ مُفَصَّلًا.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ مَا أُعْطِيَ النَّبِيُّ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى الْجِمَاعِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ الْبِنْيَةِ وَصِحَّةِ الذُّكُورِيَّةِ، وَالْحِكْمَةُ فِي كَثْرَةِ أَزْوَاجِهِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي لَيْسَتْ ظَاهِرَةً يَطَّلِعْنَ عَلَيْهَا فَيَنْقُلْنَهَا، وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ ذَلِكَ الْكَثِيرُ الطَّيِّبُ، وَمِنْ ثَمَّ فَضَّلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى الْبَاقِيَاتِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ التِّينِ لِقَوْلِ مَالِكٍ بِلُزُومِ الظِّهَارِ مِنَ الْإِمَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّائِدَتَيْنِ عَلَى التِّسْعِ مَارِيَةُ وَرَيْحَانَةُ، وَقَدْ أَطْلَقَ عَلَى الْجَمِيعِ لَفْظَ نِسَائِهِ وتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِطْلَاقَ الْمَذْكُورَ لِلتَّغْلِيبِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَا ادَّعَى، وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ الْمُنِيرِ عَلَى جَوَازِ وَطْءِ الْحُرَّةِ بَعْدَ الْأَمَةِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ بَيْنَهُمَا وَلَا غَيْرِهِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَابُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ.

١٣ - بَاب غَسْلِ الْمَذْيِ وَالْوُضُوءِ مِنْهُ

٢٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَسَأَلَ فَقَالَ تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الْمَذْيِ وَالْوُضُوءِ مِنْهُ) أَيْ بِسَبَبِهِ وَفِي الْمَذْيِ لُغَاتٌ أَفْصَحُهَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ ثُمَّ بِكَسْرِ الذَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ لَزِجٌ يَخْرُجُ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ أَوْ تَذَكُّرِ الْجِمَاعِ أَوْ إِرَادَتِهِ وَقَدْ لَا يُحِسُّ بِخُرُوجِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ السُّلَمِيُّ.

قَوْلُهُ: (مَذَّاءٌ) صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِنَ الْمَذْيِ يُقَالُ مَذَى يَمْذِي مِثْلُ مَضَى يَمْضِي ثُلَاثِيًّا وَيُقَالُ أَيْضًا أَمْذَى يُمْذِي بِوَزْنِ أَعْطَى يُعْطِي رُبَاعِيًّا.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرْتُ رَجُلًا) هُوَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَزَادَ فِيهِ فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ.

قَوْلُهُ: (لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ مِنْ أَجْلِ فَاطِمَةَ .

قَوْلُهُ: (تَوَضَّأْ) هَذَا الْأَمْرُ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمِقْدَادَ سَأَلَ لِنَفْسِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ لِمُبْهَمٍ أَوْ لِعَلِيٍّ فَوَجَّهَ النَّبِيُّ الْخِطَابَ إِلَيْهِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ حَاضِرَ السُّؤَالِ فَقَدْ أَطْبَقَ أَصْحَابُ الْمَسَانِيدِ وَالْأَطْرَافِ عَلَى إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مُسْنَدِ عَلِيٍّ وَلَوْ حَمَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ لَأَوْرَدُوهُ فِي مُسْنَدِ الْمِقْدَادِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا

فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ فَقُلْتُ لِرَجُلٍ جَالِسٍ إِلَى جَنْبِي سَلْهُ فَسَأَلَهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقَالَ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ بِلَفْظِ الْغَائِبِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُ الْمِقْدَادِ وَقَعَ عَلَى الْإِبْهَامِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَفِي مُسْلِمٍ أَيْضًا فَسَأَلَهُ عَنِ الْمَذْيِ يَخْرُجُ مِنَ الْإِنْسَانِ.

وَفِي الْمُوَطَّأِ نَحْوُهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ ذِكْرُ سَبَبِ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنِ بْنِ قَبِيصَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَجَعَلْتُ أَغْتَسِلُ مِنْهُ فِي الشِّتَاءِ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِي فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَفْعَلْ وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ نَحْوُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ أَمَرْتُ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ سَأَلْتُ.

وَجَمَعَ ابْنُ حِبَّانَ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ ثُمَّ أَمَرَ الْمِقْدَادَ بِذَلِكَ ثُمَّ سَأَلَ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ جَمْعٌ جَيِّدٌ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى آخِرِهِ ; لِكَوْنِهِ مُغَايِرًا لِقَوْلِهِ إِنَّهُ اسْتَحْيَى مِنَ السُّؤَالِ بِنَفْسِهِ لِأَجْلِ فَاطِمَةَ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ بِأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَطْلَقَ أَنَّهُ سَأَلَ لِكَوْنِهِ الْآمِرَ بِذَلِكَ وَبِهَذَا جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ثُمَّ النَّوَوِيُّ، وَيُؤَيِّدُ أَنَّهُ أَمَرَ كُلًّا مِنَ الْمِقْدَادِ، وَعَمَّارٍ بِالسُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عَائِشِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ تَذَاكَرَ عَلِيٌّ، وَالْمِقْدَادُ، وَعَمَّارٌ الْمَذْيَ فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّنِي رَجُلٌ مَذَّاءٌ فَاسْأَلَا عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ فَسَأَلَهُ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ وَصَحَّحَ ابْنُ بَشْكُوَالَ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى السُّؤَالَ عَنْ ذَلِكَ هُوَ الْمِقْدَادُ، وَعَلَى هَذَا فَنِسْبَةُ عَمَّارٍ إِلَى أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَجَازِ أَيْضًا ; لِكَوْنِهِ قَصَدَهُ لَكِنْ تَوَلَّى الْمِقْدَادُ الْخِطَابَ دُونَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَوَضَّأْ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ بِخُرُوجِ الْمَذْيِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ وَعَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ كَالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنَ الْبَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ اسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِهِ فِي بَابِ: مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ، وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيّ عَنِ الْمَذْيِ فَقَالَ فِيهِ الْوُضُوءُ وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ، فَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ حُكْمَ الْمَذْيِ حُكْمُ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ لَا أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ بِمُجَرَّدِهِ.

قَوْلُهُ: (وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) هَكَذَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ تَقْدِيمُ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِهِ، وَوَقَعَ فِي الْعُمْدَةِ نِسْبَةُ إِلَى الْبُخَارِيِّ بِالْعَكْسِ لَكِنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ فَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُ غَسْلِهِ عَلَى الْوُضُوءِ وَهُوَ أَوْلَى، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِهِ لَكِنْ مَنْ يَقُولُ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّهِ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَائِلٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى تَعَيُّنِ الْمَاءِ فِيهِ دُونَ الْأَحْجَارِ وَنَحْوِهَا ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يُعَيِّنُ الْغَسْلَ، وَالْمُعَيَّنُ لَا يَقَعُ الِامْتِثَالُ إِلَّا بِهِ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَصَحَّحَ فِي بَاقِي كُتُبِهِ جَوَازَ الِاقْتِصَارِ إِلْحَاقًا بِالْبَوْلِ (١). وَحَمْلًا لِلْأَمْرِ بِغَسْلِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَهَذَا الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى إِيجَابِ اسْتِيعَابِهِ بِالْغَسْلِ عَمَلًا بِالْحَقِيقَةِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ نَظَرُوا إِلَى الْمَعْنَى فَإِنَّ الْمُوجوبَ لِغَسْلِهِ إِنَّمَا هُوَ خُرُوجُ الْخَارِجِ فَلَا تَجِبُ الْمُجَاوَزَةُ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ فَقَالَ تَوَضَّأْ وَاغْسِلْهُ فَأَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى الْمَذْيِ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ فَإِنَّ النَّقْضَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَسِّ جَمِيعِهِ.

وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ غَسْلِ جَمِيعِهِ هَلْ هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى أَوْ لِلتَّعَبُّدِ؟ فَعَلَى الثَّانِي تَجِبُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«شعبة» بدل «سعيد»، قال: وفي عرضنا على أبي زيدٍ بمكَّة: سعيد (١)، قال أبو عليٍّ الجيِّانيُّ: وهو الصَّواب، ورواية شعبةَ هذه عن قتادةَ وصلها أحمد.

(١٣) (بابُ غَسْلِ المَذْيِ) بفتح الميم وسكون المُعجَمة وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة، وبكسرها مع تشديد المُثنَّاة، وهو: ماءٌ أبيضُ رقيقٌ لزجٌ يخرج عند (٢) المُلاعَبة، أو تذكُّر الجماع أو إرادته (وَالوُضُوءِ مِنْهُ).

٢٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامٌ الطَّيالسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قُدَامة -بضمِّ أوَّله وتخفيف ثانيه المُهمَل- الثَّقفيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ستِّين ومئةٍ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المُهمَلَتين، عثمان بن عاصمٍ الكوفيِّ التَّابعيِّ (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حُبَيِّبٍ بن رُبَيِّعة -بفتح المُوحَّدة وتشديد التَّحتيَّة- السُّلَميِّ -بضمِّ السِّين وفتح اللَّام- مقرئ الكوفة، أحد أعلام التَّابعين، المُتوفَّى سنة خمسٍ ومئةٍ، وصام ثمانين رمضانًا (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً) صفةٌ لـ «رجلٍ»، ولو قال: كنت مذَّاءً صحَّ،

إلَّا أنَّ ذكر الموصوف مع صفته يكون لتعظيمه، نحو: رأيت رجلًا صالحًا، أو لتحقيره، نحو: رأيت رجلًا فاسقًا، ولمَّا كان المذيُ يغلب على الأقوياء الأصحَّاء حَسُن ذكر الرُّجوليَّة معه؛ لأنَّه يدلُّ على معناها، وراعى في «مذَّاءً» الثَّاني، وهو كسر الذَّال، قال ابن فرحون: وهو خلاف الأشهر عندهم لأنَّ «كان» تدخل على المُبتدَأ والخبر، فـ «رجلًا» خبرٌ، وضمير المتكلِّم هو المُبتدَأ في المعنى، فلو راعاه لقال: كنت رجلًا يمذي، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾ [البقرة: ١٨٦] فراعى الضَّمير في «إني»، ولو راعى ﴿قَرِيبٌ﴾ لقال: «يجيب»، قال أبو حيَّان: ومنِ اعتبار الأوَّل قوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ومن اعتبار الثَّاني قوله (١): أنا رجلٌ يأمر بالمعروف، وأنت امرؤٌ يأمر بالخير. انتهى. وزاد أحمد: «فإذا أمذيت اغتسلت» ولأبي داود (٢): «فجعلت أغتسل حتَّى يتشقَّق (٣) ظهري» وزاد في الرِّواية السَّابقة في «باب الوضوء من المخرجين» [خ¦١٧٨] من وجهٍ آخر: فأحببت أن أسأل (فَأَمَرْتُ رَجُلًا) هو المقداد ابن الأسود، كما في الحديث السَّابق (يَسْأَلَ) ولغير الأَصيليِّ وابن عساكر (٤): «أن (٥) يسألَ» (النَّبِيَّ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) فاطمة، أي: بسبب كونها تحته (٦) (فَسَأَلَ) وللحَمُّويي والسَّرخسيِّ: «فسأله» بالهاء، وعند الطَّحاويِّ

من حديث رافع بن خديجٍ: أنَّ عليًّا أمر عمَّارًا أن يسأل النَّبيَّ عن المذيِ (١)، قال: «يغسل مذاكيره» أي: ذكره، وعنده أيضًا عن عليٍّ قال: كنت مذَّاءً وكنت إذا أمذيت اغتسلت، فسألتُ النَّبيَّ ، وهو عند التِّرمذيِّ عنه بلفظ: سألت النَّبيَّ عنِ المذي، وجمع ابن حبَّان بينهما بأنَّ عليًّا سأل عمَّارًا، ثمَّ أمر المقداد بذلك، ثمَّ سأل بنفسه، لكن صحَّح ابن بشكوال: أنَّ الذي سأل هو المقداد، وعُورِض بأنَّه يحتاج إلى برهانٍ، وقد دلَّ ما ذُكِرَ في الأحاديث السَّابقة أنَّ كلًّا منهما قد سأل، وأنَّ عليًّا كذلك سأل، لكن يعكِّر عليه أنَّه استحيا أن يسأل بنفسه لأجل فاطمة، فيتعيَّن الحمل على المجاز بأنَّ الراويَ أطلق أنَّه سأل لكونه الآمر بذلك (فَقَالَ) : (تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) أي: ما أصابه من المذيِ كالبول، ويؤيِّده ما في (٢) رواية: «اغسله» أي: المذي، وكذلك رواية: «فرجه» والفرج: المخرج، وهذا مذهب الشَّافعيِّ والجمهور (٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبيرٍ قال: إذا أمذى الرَّجل غسل الحشفة وتوضَّأ وضوءه للصَّلاة، واحتجُّوا لذلك (٤) بأنَّ الموجب لغسله إنَّما هو خروج الخارج، فلا تجب المُجاوَزة إلى غير محلِّه، وفي روايةٍ عن مالكٍ وأحمد: يغسل ذكره كلَّه لظاهر الإطلاق في قوله: «اغسل ذكرك»، وهل غسله كلّه معقول المعنى أو للتَّعبُّد؟ وأبدى الطَّحاويُّ له حكمةً وهي: أنَّه إذا غسل الذَّكر كلَّه تقلَّص فبطل خروج المذيِ كما في الضَّرْع إذا غُسِل بالماء البارد يتفرَّق اللَّبن إلى داخل الضَّرْع فينقطع خروجه، وعلى القول بأنَّه للتَّعبُّد تجب النِّيَّة، واستدلَّ به ابن دقيق العيد على تعيُّن الماء فيه دون الأحجار ونحوها لأنَّ ظاهره تعيُّنُ الغسل، والمُعيَّن لا يقع الامتثال إلَّا به، وصحَّحه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» وصُحِّح في غيره جواز الاقتصار على الأحجار إلحاقًا له بالبول، وحمل الأمر بغسله على الاستحباب،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْبَوْل عِنْد جَمِيعهم أَيْضا إلَاّ أَن طَائِفَة توجب الْوضُوء على من كَانَت هَذِه حَاله لكل صَلَاة، قِيَاسا على الْمُسْتَحَاضَة عِنْدهم، وَطَائِفَة تستحبه وَلَا توجبه. وَأما الْمَذْي الْمَعْهُود الْمُتَعَارف، وَهُوَ الْخَارِج عِنْد ملاعبة الرجل أَهله لما يجْرِي من اللَّذَّة، أَو لطول عزبة، فعلى هَذَا الْمَعْنى خرج السُّؤَال فِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَلِيهِ يَقع الْجَواب، وَهُوَ مَوضِع إِجْمَاع لَا خلاف بَين الْمُسلمين فِي إِيجَاب الْوضُوء مِنْهُ، وَإِيجَاب غسله لنجاسته انْتهى.

وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلي) الْمَذْي تَطْهِيره بِالْمَاءِ يغسل مخرجه من الذّكر وينضح بِالْمَاءِ مَا مَسّه من الثَّوْب انْتهى قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: لم يكن أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِغسْل ذكره لإِيجَاب غسله كُله، وَلكنه ليتقلص، أَي: لينزوي وينضم، وَلَا يخرج، كَمَا إِذا كَانَ لَهُ هدى وَله لين فَإِنَّهُ ينضح ضرعه بِالْمَاءِ ليتقلص ذَلِك فِيهِ فَلَا يخرج. قلت: من خاصية المَاء الْبَارِد أَن يقطع اللين وَيَردهُ إِلَى دَاخل الضَّرع، وَكَذَلِكَ إِذا أصَاب الْأُنْثَيَيْنِ رد الْمَذْي وكسره. ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد جَاءَت الْآثَار متواترة فِي ذَلِك، فروى مِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن عَليّ، وَقد ذَكرْنَاهُ، وَعَن غير ابْن عَبَّاس عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ قَالَ: فَلَا ترى أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما ذكر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أوجب عَلَيْهِ فِي ذَلِك ذكر وضوء الصَّلَاة فَثَبت بذلك أَن مَا كَانَ سوى وضوء الصَّلَاة مِمَّا أمره بِهِ فَإِنَّمَا كَانَ لغير الْمَعْنى الَّذِي أوجب وضوء الصَّلَاة، ثمَّ قَالَ: وَقد روى سهل بن حنيف عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا قد دلّ على هَذَا أَيْضا حَدثنَا نصر بن مَرْزُوق وَسليمَان بن شُعَيْب قَالَا: حَدثنَا يحيى بن حسان. قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن سعيد بن عبيد السباق عَن أَبِيه عَن سهل بن حنيف (أَنه سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْمَذْي، فَقَالَ: فِيهِ الْوضُوء) وَقَالَ أَبُو جَعْفَر: فَأخْبر أَن مَا يجب فِيهِ هُوَ الْوضُوء، وَذَلِكَ يَنْفِي أَن يكون عَلَيْهِ مَعَ الْوضُوء غَيره وَأخرج التِّرْمِذِيّ أَيْضا هَذَا الحَدِيث من طَرِيق مُحَمَّد بن إِسْحَاق إِلَخ وَلَفظه (كنت ألْقى من الْمَذْي شدَّة وعناء، فَكنت أَكثر مِنْهُ الْغسْل فَذكرت ذَلِك للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَسَأَلته عَنهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا يجْزِيك من ذَلِك الْوضُوء قلت: يَا رَسُول الله! كَيفَ بِمَا يُصِيب ثوبي مِنْهُ؟ قَالَ: يَكْفِيك أَن تَأْخُذ كفا من مَاء فتنضح بِهِ ثَوْبك حَيْثُ ترى أَنه أصَاب مِنْهُ) ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. (وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا بِنَحْوِهِ) فَإِن قلت: رُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ: (إِذا وجدت المَاء فاغسل فرجك وانثييك وَتَوَضَّأ وضوءك للصَّلَاة، قَالَه لِسُلَيْمَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ، وَكَانَ قد تزوج امْرَأَة من بني عقيل، فَكَانَ يَأْتِيهَا فيلاعبها فيمذي، فَسَأَلَ ذَلِك عَنهُ) قلت: يحْتَمل جَوَاب ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ من حَدِيث رَافع بن خديج، ثمَّ شيد الطَّحَاوِيّ مَا ذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنَا بِمَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: هُوَ الْمَنِيّ والمذي والودي فَأَما الْمَذْي والودي فَإِنَّهُ يغسل ذكره وَيتَوَضَّأ وَأما الْمَنِيّ فَفِيهِ الْغسْل. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من طَرِيقين حسنين جَيِّدين وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا نَحوه وَرُوِيَ أَيْضا عَن الْحسن أَنه، يغسل فرجه وَيتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: إِذا أمذى الرجل غسل الْحَشَفَة وَتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا نَحوه ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف، ثمَّ اعْلَم أَن ابْن دَقِيق الْعِيد اسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على تعين المَاء فِيهِ دون الْأَحْجَار وَنَحْوهَا، أخذا بِالظَّاهِرِ، وَوَافَقَهُ النَّوَوِيّ على ذَلِك فِي (شرح مُسلم) وَخَالفهُ فِي بَاقِي كتبه، وَحمل الْأَمر بِالْغسْلِ على الِاسْتِحْبَاب.

وَمن أَحْكَام هَذَا الحَدِيث دلَالَته على نَجَاسَة الْمَذْي وَهُوَ ظَاهر، وَنقل عَن ابْن عقيل الْحَنْبَلِيّ أَنه خرج من قَول بَعضهم: أَن الْمَذْي من أَجزَاء الْمَنِيّ رِوَايَة بِطَهَارَتِهِ ورد عَلَيْهِ أَنه لَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ الْغسْل مِنْهُ.

١٤ - (بابُ مَنْ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَبَقِيَ أثرُ الطيِّبِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من تطيب قبل الِاغْتِسَال من الْجَنَابَة وَبَقِي أثر التَّطَيُّب فِي جسده، وَكَانُوا يتطيبون عِنْد الْجِمَاع لأجل النشاط وَقَالَ ابْن بطال: السّنة اتِّخَاذ الطّيب للرِّجَال وَالنِّسَاء عِنْد الْجِمَاع.

والمناسبة بَين الْحَدِيثين من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب السَّابِق يحصل الطّيب فِي الخاطر عِنْد غسل الْمَذْي، وَهَاهُنَا يحصل الطّيب فِي الْبدن والنشاط فِي الخاطر عَم التَّطَيُّب عِنْد الْجِمَاع.

٢٧٠ - حدّثنا أبُو النعْمانِ قالَ حدّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ الثَّالِث: بْرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدَ بنِ المُنْتَشِرَ عَنْ أبِيهِ قالَ سَأَلْتُ عائِشَةَ فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابنِ عُمَرَ مَا أحِبُّ إِنْ أَصْبِحَ مُحْرِماً أَنْضَحُ طَيباً فقالَتْ عائِشَةَ أَنَّا طَيَّبْتُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ طَافَ فِي نِسائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِماً.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.1 / 29.5
الإضاءة 61%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
الله أكبر