«كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَقَالَ لَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٤٧

الحديث رقم ٣٤٧ من كتاب «كتاب التيمم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التيمم ضربة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري…

«كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي. فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا، لَأَوْشَكُوا إِذَا بَرَُدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا. فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ

⦗٧٨⦘

عَمَّارٍ؟» وَزَادَ يَعْلَى عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ فَأَجْنَبْتُ، فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا. وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً.

سند حديث: ٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ…

٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري…

بَعَثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَمّارَ بن ياسر رضي الله عنه في سَفَرٍ لبعض حاجاته، فأصابته جنابة بجماع أو نزول المني بشهوة، فلم يجد الماء ليغتسل منه،
وكان لا يعلم حكم التيمم للجنابة، وإنما يعلم حكمَه للحدث الأصغر،
فاجتهد وظَنّ أنه كما يَمسح بالتراب الذي على وجه الأرض بعض أعضاء الوضوء عن الحدث الأصغر، فلابد أن يكون التيمم من الجنابة بتعميم البدن بالتراب؛ قياسًا على الماء، فَتَقَلَّبَ في التراب حتى عَمَّم البدنَ وصَلَّى،
فلما جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ذَكَرَ له ذلك؛ ليرى هل هو على صواب أو لا؟
فَبَيَّنَ له النبيُّ صلى الله عليه وسلم كيفيةَ التَّطَهُّر مِن الحَدَثَين الأصغر كالبول، والأكبر كالجنابة: وهو أن يضرب بيديه على التراب ضربة واحدة، ثم يمسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • وجوب طلب الماء قبل التيمم.
  • مشروعية التيمم لمن عليه جنابة ولم يجد الماء.
  • التيمم للحدث الأكبر، كالتيمم للحدث الأصغر.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٣٤٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ) وفي غير رواية الأَصيليِّ: «محمَّد (١) بن سَلَام» بتخفيف اللَّام وتشديدها كما في الفرع، البيكنديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ؛ بالمُعجَمَتين، الضَّرير (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أي: أبي وائل بن سلمة (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) (فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى): تقول: (لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي؟) كذا لكريمة والأَصيليِّ؛ بالهمز، كما (٢) قاله الحافظ ابن حجرٍ، و «ما» نافيةٌ على أصلها، و «الهمزة»: إمَّا للتَّقرير المخرج عن معنى الاستفهام الذي هو المانع من وقوعه جزاءً للشَّرط، وإمَّا مُقحَمةٌ فوجودها كالعدم، وإمَّا للاستفهام وعليها (٣) فهو جواب «لو»، لكن يُقدَّر في الأوَّلين القول قبل «لو» -كما مرَّ- وفي الثَّالث قبل «أَمَا كان» أي: لو أنَّ رجلًا أجنبَ يقال في حقِّه: إمَّا يتيمَّم (٤)، ويجوز على هذا أن يكون جواب «لو» هو قوله: (فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ) أي: مع قولكم: لا يتيمَّم، وفي روايةٍ: «قال: فكيف تصنعون» (٥)

(بِهَذِهِ الآيَةِ) التي (فِي سُورَةِ المَائِدَةِ) وفي رواية الأكثرين: «ما كان» بإسقاط الهمزة، ولـ «مسلمٍ»: «كيف يصنع بالصَّلاة؟» (١)، وفي روايةٍ: «قال، أي: أبو موسى: فكيف»، وللأَصيليِّ كما في «الفتح»: «فما تصنعون بهذه الآية في سورة «المائدة»؟»، وفي الفرع علامةٌ للكُشْمِيْهَنِيِّ على: «بهذه»، وعلى: «الآية» (﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]؟) وللأَصيليِّ زاد في الفرع وأبي ذَرٍّ: «فإن لم تجدوا»، وهو مغايرٌ للتِّلاوة، وقد قِيلَ: إنَّه كذلك كان في نسخة أبي ذَرٍّ، ثمَّ أصلحه على وفق التِّلاوة، وهو يؤيِّد ما في الفرع -كما مرَّ- وإنَّما عيَّن سورة «المائدة» لكونها (٢) أظهر في مشروعيَّة تيمُّم الجنب من آية «النِّساء» لتقُّدم (٣) حكم الوضوء في «المائدة»، ولأنَّها آخر السُّور نزولًا (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ: (لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكُوا) بفتح الهمزة، أي: لأسرعوا (إِذَا بَرَدَ) بفتح الرَّاء وضمِّها (عَلَيْهِمُ المَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا) أي: يقصدوا (الصَّعِيدَ) وللأَصيليِّ: «بالصَّعيد» قال الأعمش: (قُلْتُ) لشقيقٍ: (وَإِنَّمَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٤): «فإنَّما» (كَرِهْتُمْ هَذَا) أي: تيمُّم الجنب (لِذَا؟) أي: لأجل تيمُّم صاحب البرد، وفي رواية حفص بن عمر السَّابقة: «فقلت لشقيقٍ: فإنَّما كره عبد الله لهذا» [خ¦٣٤٦] (قَالَ) أي: شقيقٌ: (نَعَمْ) وهو يردُّ على البرماويِّ كالكِرمانيِّ، حيث قال في حديث هذا الباب: قلت: وهو قول شقيقٍ (فَقَالَ) بالفاء، ولابن عساكر: «قال» (أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ) بن الخطَّاب : (بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ فِي حَاجَةٍ) أي: في سريَّةٍ فذهبت (فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ) بالفاء، ولأبي الوقت (٥): «ولم» (٦) (أَجِدِ المَاءَ) من «وجد» المتعدِّي لواحدٍ؛ لأنَّه بمعنى: لم أُصِبِ الماء (٧) (فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ) وفي روايةٍ: «في

التُّراب» (كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ) برفع الغَيْن وحذف إحدى التَّاءين تخفيفًا كـ ﴿تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] و «الكاف» للتَّشبيه، وموضعها مع مجرورها نصبٌ على الحال، وأعربها أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣] نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ، فيُقدَّر: تمرُّغًا (١) كتمرُّغ الدَّابَّة، ومذهب سيبويه في هذا كلِّه: النَّصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدِّم المحذوف، بعد الإضمار على طريق الاتِّساع، فيكون التَّقدير: فتمرَّغت على هذه الحالة، ولا يكون عنده نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ؛ لأنَّه يؤدي إلى حذف الموصوف في غير المواضع المُستثناة، قال عمَّارٌ: (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ) بالتُّراب (٢) (هَكَذَا، فَضَرَبَ) بالفاء، وللأربعة: «وضرب» (بِكَفِّهِ) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «بكفَّيه» (ضَرْبَةً) واحدةً (عَلَى الأَرْضِ) وفي غير هذه الطَّريق: «ضربتان»، وهو الذي رجَّحه النَّوويُّ وقال: إنَّه الأصحُّ المنصوص عليه (٣) كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (ثُمَّ نَفَضَهَا) أي: تخفيفًا للتُّراب (ثُمَّ مَسَحَ بِهَا) أي: بالضَّربة (ظَهْرَ كَفِّهِ) اليمنى (٤) (بِشِمَالِهِ أَوْ) مسح (ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ) اليمنى (٥)؛ بالشَّكِّ في جميع الرِّوايات. نعم؛ هو في رواية أبي داود من طريق معاوية من غير شكٍّ (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا) أي: بكفَّيه، ولأبي الوقت وابن عساكر: «بها» أي: بالضَّربة (وَجْهَهُ؟) فيه الاكتفاء بضربةٍ واحدةٍ، وتقديم مسح الكفِّ على الوجه، والاكتفاء بظهر كفٍّ واحدةٍ وعدم مسح الذِّراعين، ومسح الوجه بالتُّراب المُستعمَل في الكفِّ، ولا يخفى ما في ذلك كلِّه، وقد تعسَّف الكِرمانيُّ فأجاببأنَّ الضَّربة الواحدة لأحد ظهري الكفِّ، والتَّقدير: ثمَّ ضرب ضربةً أخرى، ثمَّ مسح بها يديه للإجماع على عدم الاكتفاء بمسح

إحدى اليدين، فيكون المسح الأوَّل ليس لكونه من التَّيمُّم، بل فعله خارجًا عنه لتخفيف التُّراب. انتهى. وتُعقِّب بأنَّ حديث عمَّارٍ لم يزد فيه على ضربةٍ، والأصل عدم التَّقدير، وقد قال به ابن المنذر ونقله عن جمهور العلماء، وإليه ذهب الرَّافعيُّ وهو مذهب أحمد، وقال النَّوويُّ: الأصحُّ المنصوص وجوب ضربتين، وأمَّا عدم التَّرتيب فيتَّجه على مذهب الحنفيَّة، أما عند الشَّافعيَّة فواجبٌ. نعم؛ لا يُشترَط ترتيب نقل التُّراب للعضو في الأصحِّ، بل يُستحَّبُّ لأنَّه وسيلةٌ، فلو ضرب بيديه دفعةً واحدةً ومسح بيمينه وجهه وبيساره يمينه جاز؛ لأنَّ الفرض المسح، والنَّقل وسيلةٌ، وقد روى أصحاب «السُّنن»: «أنَّه تيمَّم فمسح وجهه وذراعيه»، و «الذِّراع»: اسمٌ للسَّاعد إلى المرفق، وعن «القديم»: إلى الكوعين لحديث عمَّارٍ هذا، قال في «المجموع»: وهو الأقوى دليلًا، وفي «الكفاية» تعيين ترجيحه، وذكر في «المُحرَّر» كيفيَّة التَّيمُّم، وجزم في «الرَّوضة» باستحبابها، فإذا مسح اليمنى (١) وضع بطون أصابع يساره غير الابهام على ظهور أصابع يمينه غير الإبهام بحيث لا تخرج أنامل اليمنى عن مسبِّحة اليسرى، ولا تحاذي مسبِّحة اليمنى أطراف أنامل اليسرى، ويُمِرُّها (٢) على ظهر الكفِّ، فإذا بلغ الكوع ضمَّ أطراف أصابعه على حرف (٣) الذِّراع ويمرُّها إلى المرفق، ثمَّ يدير بطن كفِّه إلى بطن الذِّراع، ويمرُّها عليه وإبهامه مرفوعةٌ، فإذا بلغ الكوع أمرَّها على إبهام اليمنى (٤)، ثم يمسح اليسار باليمنى (٥) كذلك، ثمَّ يمسح إحدى الرَّاحتين بالأخرى ويخلِّل أصابعهما، ولم تثبت هذه الكيفيَّة في السُّنَّة، بل في «الكفاية» عن «الأمِّ» أنَّه يعكس فيجعل بطن راحتيه معًا إلى فوق، ثمَّ يمرُّ الماسحة وهي من تحت لأنَّه أحفظ للتُّراب (فَقَالَ) بالفاء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال» (عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ: (أَلَمْ تَرَ عُمَرَ) بن الخطَّاب، ولكريمة والأَصيليِّ وهو في متن الفرع من غير عزوٍ: «أفلم ترَ عمر بن الخطَّاب» (لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ) وعند «مسلمٍ» من رواية عبد الرَّحمن بن أَبْزَى: «اتَّقِ الله يا عمَّار» أي: فيما ترويه، وتثبَّت فلعلَّك نسيت أو اشتبه عليك، فإنِّي كنت معك ولا أتذكَّر شيئًا من هذا! (وَزَادَ)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عبد الم يذهب بِهَذَا الْمَذْهَب الَّذِي ظَنّه هَذَا الْقَائِل، وَإِنَّمَا كَانَ يتَأَوَّل الْمُلَامسَة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة على غير معنى الْجِمَاع، إِذْ لَو أَرَادَ الْجِمَاع لَكَانَ فِيهِ مُخَالفَة الْآيَة صَرِيحًا، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يجوز من مثله فِي علمه وفهمه وفقهه.

الثَّانِيَة: فِيهِ أَن رَأْي عمر وَعبد ارضي اعنهما، انْتِقَاض الطَّهَارَة بملامسة البشرتين، وَإِن الْجنب لَا يتَيَمَّم لقَوْله تَعَالَى: {وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا} (الْمَائِدَة: ٦) . الثَّالِثَة: قَالَ ابْن بطال: فِيهِ جَوَاز التَّيَمُّم للخائف من الْبرد. قلت: يجوز التَّيَمُّم للْجنب الْمُقِيم إِذا خَافَ الْبرد عِنْد أبي حنيفَة، خلافًا لصاحبيه. الرَّابِعَة: فِيهِ جَوَاز الِانْتِقَال فِي المحاجة من دَلِيل إِلَى دَلِيل آخر بِمَا فِيهِ الْخلاف إِلَى مَا عَلَيْهِ الِاتِّفَاق، وَذَلِكَ جَائِز للمتناظرين عِنْد تَعْجِيل الْقطع. وإلإفحام للخصم كَمَا فِي مُحَاجَّة إِبْرَاهِيم ونمرود عَلَيْهِ اللَّعْنَة، أَلا ترى أَن إِبْرَاهِيم لما قَالَ: {رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت} (الْبَقَرَة: ٨٥٢) وَقَالَ نمْرُود: {أَنا أحيي وأميت} (الْبَقَرَة: ٨٥٢) لم يحْتَج إِلَى أَن يوقفه على كَيْفيَّة إحيائه وإماتته؟ بل انْتقل إِلَى قَوْله: {فَإِن ايأتي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب} (الْبَقَرَة: ٨٥٢) فأفحم نمْرُود عِنْد ذَلِك.

٨ - (بابُ التَيَمُّمِ ضَرْبَةً)

أَي: هَذَا بَاب يُقَال فِيهِ: التَّيَمُّم ضَرْبَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: بَاب التَّيَمُّم ضَرْبَة بِالنّصب، وَفِي بَعْضهَا بِالرَّفْع قلت: لم يبين وَجه ذَلِك. قلت: رِوَايَة الْكشميهني: بَاب، بِلَا تَنْوِين بل بِالْإِضَافَة إِلَى التَّيَمُّم، وضربة مَنْصُوب على الْحَال، وَالتَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان صفة التَّيَمُّم حَال كَونه ضَرْبَة وَاحِدَة، وَقد ذكرنَا أَن فِي صفة التَّيَمُّم أقوالاً، وَأَن رِوَايَة؛ ضَرْبَة وَاحِدَة، من رِوَايَة: ضربتين، عِنْد البُخَارِيّ، فَلذَلِك بوب عَلَيْهِ، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين: بَاب، منون على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَقَوله؛ (التَّيَمُّم ضَرْبَة) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ خبر، وَالتَّيَمُّم، مُبْتَدأ.

٧٤٣٣١ - ح دّثنا مُحَمَّدُ بن سَلَامٍ قالَ أخْبَرَنَا أبُو مُعاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قالَ كُنْتُ جالِساً مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فَقَالَ لَهُ أبُو مُوسَى لوْ أنَّ رَجُلاً أجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْراً أمَا كانَ يَتَيمَّمُ وَيُصَلِّي فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ {فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ المَاءُ أنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ قُلْتُ وَإنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا قالَ نَعَمَ فقالَ أبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ بَعَثَنِي رسولُ الله فِي حاجَةٍ فأجْنَبْتُ فَلمْ أجِدِ المَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنبيِّ فقَالَ إِنَّما كانَ يَكفْيكَ أنْ تَصْنَعَ هَكَذَا فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأرْضِ ثُم نَفَضَها ثُم مَسَحَ بِهِما ظَهْرَ كفِّهِ بِشِمِالِهِ أوْ ظَهْرَ شِمِالِهِ بِكَفِّهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهِما وَجْههُ فقالَ عَبْدُ اللَّهِ أفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ رَضِي اعنهما.

هَذِه طَريقَة أُخْرَى، وَهِي أتم من الطريقتين المذكورتين، عَن مُحَمَّد بن سَلام، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: هُوَ مُحَمَّد بن سَلام بتَخْفِيف اللَّام البيكندي عَن أبي مُعَاوِيَة الضَّرِير مُحَمَّد بن خازم بالمعجمتين عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن شَقِيق بن سَلمَة، وَهُوَ أَبُو وَائِل الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق فِي الطَّرِيقَة الأولى، وَهِي رِوَايَة بشر بن خَالِد. قَوْله: (أجنب) أَي: إِذا صَار جنبا. قَوْله: (أما كَانَ يتَيَمَّم؟) والهمزة فِيهِ فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كَيفَ تصنع بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ عبد ا: لَا يتَيَمَّم وَإِن لم يجد المَاء شهرا) وَنَحْوه لأبي دَاوُد. (قَالَ: فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكيف تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَة) ؟ ثمَّ الْهمزَة فِيهِ أما مقحمة وَإِمَّا للتقرير، و: مَا، نَافِيَة على أَصْلهَا، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَوَّلين وَقع جَوَابا: للو، إِمَّا على تَقْدِير الإقحام، فَإِن وجوده كَعَدَمِهِ، وَأما على تَقْدِير التَّقْرِير، فَإِنَّهُ لم يبْق على معنى الِاسْتِفْهَام الَّذِي هُوَ الْمَانِع من وُقُوعه جَزَاء للشّرط، وَالْقَوْل مُقَدّر قبل لَو. وَحَاصِله يَقُولُونَ: لَو أجنب رجل مَا تيَمّم، كَيفَ تَصْنَعُونَ؟ وعَلى التَّقْدِير الثَّالِث: وَقع جَوَابا: بِتَقْدِير القَوْل أَي: لَو أجنب رجل يُقَال فِي حَقه: إِمَّا يتَيَمَّم، وَيحْتَمل أَن يكون جَوَاب: لَو، هُوَ: فَكيف تَصْنَعُونَ؟ .

قَوْله: (فِي سُورَة الْمَائِدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَكيف تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَة فِي سُورَة الْمَائِدَة؟) وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ لفظ: الْآي، وَقَوله: (فَلم تَجدوا) ، هُوَ بَيَان للمراد من الْآيَة،

وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَصْلِيّ: (فَإِن لم تَجدوا) ، وَهُوَ مُغَاير للتلاوة. وَقيل: إِنَّه كَانَ كَذَلِك فِي رِوَايَة أبي ذَر ثمَّ أصلحها على وفْق الْآيَة، وَإِنَّمَا عين سُورَة الْمَائِدَة لكَونهَا أظهر فِي مَشْرُوعِيَّة تيَمّم الْجنب من آيَة النِّسَاء، لتقدم حكم الْوضُوء فِي الْمَائِدَة، وَقَالَ الْخطابِيّ وَغَيره: فِيهِ دَلِيل على عبد اكان يرى أَن المُرَاد بالملامسة الْجِمَاع، فَلهَذَا لم يدْفع دَلِيل أبي مُوسَى وإلَاّ لَكَانَ يَقُول لَهُ: المُرَاد من الْمُلَامسَة التقاء البشرتين فِيمَا دون الْجِمَاع، وَجعل التَّيَمُّم بَدَلا من الْوضُوء لَا يسْتَلْزم أَن يكون بَدَلا من الْغسْل. قلت: لَو أَرَادَ بالملامسة الْجِمَاع لَكَانَ مُخَالفَة لِلْآيَةِ صَرِيحًا، وَإِنَّمَا تأولها على معنى غير الْجِمَاع، كَمَا ذكرنَا عَن قريب. قَوْله: (أَن يتيمموا الصَّعِيد) أَي: أَن يقصدوه، ويروى: (أَن يتيمموا بالصعيد) . قَوْله: (قلت) ، هُوَ مقول شَقِيق، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل الْقَائِل ذَلِك هُوَ الْأَعْمَش، وَالْمقول لَهُ هُوَ شَقِيق، كَمَا صرح بذلك فِي رِوَايَة عمر بن حَفْص الَّتِي مَضَت قبل هَذِه. قَوْله: (هَذَا) أَي: تيَمّم الْجنب. قَوْله: (لذا) أَي: لأجل تيَمّم صَاحب الْبرد. قَوْله: (كَمَا تمرغ الدَّابَّة) ، بِالتَّشْدِيدِ وَضم الْغَيْن الْمُعْجَمَة، وَأَصله: تتمرغ بالتائين فحذفت إِحْدَاهمَا للتَّخْفِيف، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {نَارا تلظى} (اللَّيْل: ٤١) أَصله: تتلظى. قَوْله: (بكفه ضَرْبَة) ويروى: (بكفيه) .

وَقَالَ الْكرْمَانِي: اعْلَم أَن هَذِه الْكَيْفِيَّة مشكلة من جِهَات: أَولا: مِمَّا ثَبت من الطَّرِيق الآخر أَنه ضربتان، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْأَصَح الْمَنْصُوص ضربتان: وَثَانِيا: من جِهَة الِاكْتِفَاء بمسح ظهر كف وَاحِدَة، وبالاتفاق مسح كلا ظَهْري الْكَفَّيْنِ. وَاجِب، وَلم يجوز أحد الاجتزاء بِأَحَدِهِمَا. وثالثاً: من حَيْثُ إِن الْكَفّ إِذا اسْتعْمل ترابه فِي ظهر الشمَال كَيفَ مسح بِهِ الْوَجْه وَهُوَ صَار مُسْتَعْملا. ورابعاً: من جِهَة أَنه لم يمسح الذارعين. وخامساً: من عدم مُرَاعَاة التَّرْتِيب وَتَقْدِيم الْكَفّ على الْوَجْه انْتهى.

قلت: هَذِه خَمْسَة إشكالات أوردهَا. ثمَّ تكلّف فِي الْجَواب عَنْهَا، ثمَّ قَالَ فِي آخِره: هَذَا غَايَة وسعنا فِي تَقْرِيره وَلَعَلَّ عِنْد غَيرنَا خيرا مِنْهُ. أَقُول: وبا التَّوْفِيق: ملخص جَوَابه عَن الأول بِالْمَنْعِ بِأَنا لَا نسلم أَن هَذَا التَّيَمُّم كَانَ بضربة وَاحِدَة. قلت: مَنعه مَمْنُوع لِأَنَّهُ كَانَ بضربة وَاحِدَة، لِأَنَّهُ صرح فِيهِ بِأَن: الضَّرْبَة الْوَاحِدَة كَافِيَة، فَيحمل هَذَا على الْجَوَاز، وَمَا ورد من الزِّيَادَة عَلَيْهَا على الْكَمَال. وَقَوله: وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْأَصَح الْمَنْصُوص ضربتان، اعْتِرَاض على الحَدِيث بِالْمذهبِ، وَهُوَ غير صَحِيح. وَأجَاب عَن الثَّانِي: بِأَنَّهُ لَا بُد من تَقْدِير: ثمَّ ضرب ضَرْبَة أُخْرَى وَمسح بهَا يَدَيْهِ. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّقْدِير لِأَن أصل الْفَرْض يقوم بضربة وَاحِدَة، كَمَا فِي الْوضُوء، على أَن مَذْهَب جُمْهُور الْعلمَاء الِاكْتِفَاء بضربة وَاحِدَة، كَذَا ذكره ابْن الْمُنْذر، وَاخْتَارَهُ هُوَ أَيْضا، وَالْبُخَارِيّ أَيْضا، فَلذَلِك بوب عَلَيْهِ. وَأجَاب عَن الثَّالِث: بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ، وَالْجَوَاب السديد مُلَخصا: أَن التُّرَاب لَا يَأْخُذ حكم الِاسْتِعْمَال، وَهَذَا الحكم فِي المَاء دون التُّرَاب. وَأجَاب عَن الرَّابِع: بِمَنْع إِيجَاب مسح الذراعين، وأكد ذَلِك بقوله: وَلِهَذَا قَالُوا مسح الْكَفَّيْنِ أصح فِي الرِّوَايَة، وَمسح الذارعين أشبه بالأصول. قلت: فعلى هَذَا، الْإِشْكَال الرَّابِع غير وَارِد من الأول. وَأجَاب عَن الْخَامِس: بِمَنْع إِيجَاب التَّرْتِيب كَمَا هُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة. قلت: هَذِه استعانة بِرَأْي من هُوَ يُخَالف رَأْيه.

قَوْله: (ثمَّ مسح بهَا ظهر كَفه) ، ويروى: (مسح بهما) . قَوْله: (أَو ظهر شِمَاله بكفه) ، كَذَا هُوَ بِالشَّكِّ فِي جَمِيع الرِّوَايَات إلَاّ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد فَإِنَّهُ رَوَاهُ أَيْضا من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة، كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَلَفظه، فَقَالَ: (إِنَّمَا يَكْفِيك أَن تصنع هَكَذَا، وَضرب بيدَيْهِ على الأَرْض فنفضهما ثمَّ ضرب بِشمَالِهِ على يَمِينه وبيمينه على شِمَاله على الْكَفَّيْنِ ثمَّ مسح وَجهه) . انْتهى. وَهَذَا يحرر رِوَايَة غَيره، لِأَن الحَدِيث وَاحِد، وَاخْتِلَاف الْأَلْفَاظ باخْتلَاف الرِّوَايَة، وَفِيه دَلِيل صَرِيح على أَن التَّيَمُّم ضَرْبَة وَاحِدَة للْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ جَمِيعًا، وَلَكِن الْعَامَّة أجابوا عَن هَذَا: إِن هَذَا الضَّرْب الْمَذْكُور كَانَ للتعليم وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ بَيَان جَمِيع مَا يحصل بِهِ التَّيَمُّم، لِأَن اتعالى أوجب غسل الْيَدَيْنِ إِلَى الْمرْفقين فِي الْوضُوء فِي أول الْآيَة، ثمَّ قَالَ فِي التَّيَمُّم {فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ} (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) وَالظَّاهِر أَن الْيَد الْمُطلقَة هُنَا هِيَ المقي دة فِي الْوضُوء. فَافْهَم.

قَوْله: (فَقَالَ عبد ا) ، ويروى: قَالَ عبد ابدون: الْفَاء. قَوْله: (ألم تَرَ عمر؟) وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة: (أفلم تَرَ؟) بِزِيَادَة الْفَاء، فِيهِ. قَوْله: (لم يقنع بقول عمار) ، وَوجه عدم قناعته بقول عمار هُوَ أَنه كَانَ مَعَه فِي تِلْكَ الفضية، وَلم يتَذَكَّر عمر ذَلِك أصلا، وَلِهَذَا قَالَ لعمَّار، فِيمَا رَوَاهُ مُسلم عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى: (اتَّقِ ايا عمار فِيمَا ترويه وَتثبت فِيهِ فلعلك نسيت أَو اشْتبهَ عَلَيْك، فَإِنِّي كنت مَعَك وَلَا أَتَذكر شَيْئا من هَذَا) ، وَمعنى قَول عمار؛ إِنِّي رَأَيْت الْمصلحَة فِي الْإِمْسَاك عَن التحديث بِهِ راجحة على التحديث وافقتك وَأَمْسَكت، فَإِنِّي قد بلّغته وَلم يبْق عَليّ حرج؛ فَقَالَ لَهُ عمر رَضِي اتعالى عَنهُ: إِنَّا نوليك

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٣٤٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ) وفي غير رواية الأَصيليِّ: «محمَّد (١) بن سَلَام» بتخفيف اللَّام وتشديدها كما في الفرع، البيكنديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ؛ بالمُعجَمَتين، الضَّرير (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أي: أبي وائل بن سلمة (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) (فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى): تقول: (لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي؟) كذا لكريمة والأَصيليِّ؛ بالهمز، كما (٢) قاله الحافظ ابن حجرٍ، و «ما» نافيةٌ على أصلها، و «الهمزة»: إمَّا للتَّقرير المخرج عن معنى الاستفهام الذي هو المانع من وقوعه جزاءً للشَّرط، وإمَّا مُقحَمةٌ فوجودها كالعدم، وإمَّا للاستفهام وعليها (٣) فهو جواب «لو»، لكن يُقدَّر في الأوَّلين القول قبل «لو» -كما مرَّ- وفي الثَّالث قبل «أَمَا كان» أي: لو أنَّ رجلًا أجنبَ يقال في حقِّه: إمَّا يتيمَّم (٤)، ويجوز على هذا أن يكون جواب «لو» هو قوله: (فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ) أي: مع قولكم: لا يتيمَّم، وفي روايةٍ: «قال: فكيف تصنعون» (٥)

(بِهَذِهِ الآيَةِ) التي (فِي سُورَةِ المَائِدَةِ) وفي رواية الأكثرين: «ما كان» بإسقاط الهمزة، ولـ «مسلمٍ»: «كيف يصنع بالصَّلاة؟» (١)، وفي روايةٍ: «قال، أي: أبو موسى: فكيف»، وللأَصيليِّ كما في «الفتح»: «فما تصنعون بهذه الآية في سورة «المائدة»؟»، وفي الفرع علامةٌ للكُشْمِيْهَنِيِّ على: «بهذه»، وعلى: «الآية» (﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]؟) وللأَصيليِّ زاد في الفرع وأبي ذَرٍّ: «فإن لم تجدوا»، وهو مغايرٌ للتِّلاوة، وقد قِيلَ: إنَّه كذلك كان في نسخة أبي ذَرٍّ، ثمَّ أصلحه على وفق التِّلاوة، وهو يؤيِّد ما في الفرع -كما مرَّ- وإنَّما عيَّن سورة «المائدة» لكونها (٢) أظهر في مشروعيَّة تيمُّم الجنب من آية «النِّساء» لتقُّدم (٣) حكم الوضوء في «المائدة»، ولأنَّها آخر السُّور نزولًا (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ: (لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكُوا) بفتح الهمزة، أي: لأسرعوا (إِذَا بَرَدَ) بفتح الرَّاء وضمِّها (عَلَيْهِمُ المَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا) أي: يقصدوا (الصَّعِيدَ) وللأَصيليِّ: «بالصَّعيد» قال الأعمش: (قُلْتُ) لشقيقٍ: (وَإِنَّمَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٤): «فإنَّما» (كَرِهْتُمْ هَذَا) أي: تيمُّم الجنب (لِذَا؟) أي: لأجل تيمُّم صاحب البرد، وفي رواية حفص بن عمر السَّابقة: «فقلت لشقيقٍ: فإنَّما كره عبد الله لهذا» [خ¦٣٤٦] (قَالَ) أي: شقيقٌ: (نَعَمْ) وهو يردُّ على البرماويِّ كالكِرمانيِّ، حيث قال في حديث هذا الباب: قلت: وهو قول شقيقٍ (فَقَالَ) بالفاء، ولابن عساكر: «قال» (أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ) بن الخطَّاب : (بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ فِي حَاجَةٍ) أي: في سريَّةٍ فذهبت (فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ) بالفاء، ولأبي الوقت (٥): «ولم» (٦) (أَجِدِ المَاءَ) من «وجد» المتعدِّي لواحدٍ؛ لأنَّه بمعنى: لم أُصِبِ الماء (٧) (فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ) وفي روايةٍ: «في

التُّراب» (كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ) برفع الغَيْن وحذف إحدى التَّاءين تخفيفًا كـ ﴿تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] و «الكاف» للتَّشبيه، وموضعها مع مجرورها نصبٌ على الحال، وأعربها أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣] نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ، فيُقدَّر: تمرُّغًا (١) كتمرُّغ الدَّابَّة، ومذهب سيبويه في هذا كلِّه: النَّصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدِّم المحذوف، بعد الإضمار على طريق الاتِّساع، فيكون التَّقدير: فتمرَّغت على هذه الحالة، ولا يكون عنده نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ؛ لأنَّه يؤدي إلى حذف الموصوف في غير المواضع المُستثناة، قال عمَّارٌ: (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ) بالتُّراب (٢) (هَكَذَا، فَضَرَبَ) بالفاء، وللأربعة: «وضرب» (بِكَفِّهِ) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «بكفَّيه» (ضَرْبَةً) واحدةً (عَلَى الأَرْضِ) وفي غير هذه الطَّريق: «ضربتان»، وهو الذي رجَّحه النَّوويُّ وقال: إنَّه الأصحُّ المنصوص عليه (٣) كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (ثُمَّ نَفَضَهَا) أي: تخفيفًا للتُّراب (ثُمَّ مَسَحَ بِهَا) أي: بالضَّربة (ظَهْرَ كَفِّهِ) اليمنى (٤) (بِشِمَالِهِ أَوْ) مسح (ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ) اليمنى (٥)؛ بالشَّكِّ في جميع الرِّوايات. نعم؛ هو في رواية أبي داود من طريق معاوية من غير شكٍّ (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا) أي: بكفَّيه، ولأبي الوقت وابن عساكر: «بها» أي: بالضَّربة (وَجْهَهُ؟) فيه الاكتفاء بضربةٍ واحدةٍ، وتقديم مسح الكفِّ على الوجه، والاكتفاء بظهر كفٍّ واحدةٍ وعدم مسح الذِّراعين، ومسح الوجه بالتُّراب المُستعمَل في الكفِّ، ولا يخفى ما في ذلك كلِّه، وقد تعسَّف الكِرمانيُّ فأجاببأنَّ الضَّربة الواحدة لأحد ظهري الكفِّ، والتَّقدير: ثمَّ ضرب ضربةً أخرى، ثمَّ مسح بها يديه للإجماع على عدم الاكتفاء بمسح

إحدى اليدين، فيكون المسح الأوَّل ليس لكونه من التَّيمُّم، بل فعله خارجًا عنه لتخفيف التُّراب. انتهى. وتُعقِّب بأنَّ حديث عمَّارٍ لم يزد فيه على ضربةٍ، والأصل عدم التَّقدير، وقد قال به ابن المنذر ونقله عن جمهور العلماء، وإليه ذهب الرَّافعيُّ وهو مذهب أحمد، وقال النَّوويُّ: الأصحُّ المنصوص وجوب ضربتين، وأمَّا عدم التَّرتيب فيتَّجه على مذهب الحنفيَّة، أما عند الشَّافعيَّة فواجبٌ. نعم؛ لا يُشترَط ترتيب نقل التُّراب للعضو في الأصحِّ، بل يُستحَّبُّ لأنَّه وسيلةٌ، فلو ضرب بيديه دفعةً واحدةً ومسح بيمينه وجهه وبيساره يمينه جاز؛ لأنَّ الفرض المسح، والنَّقل وسيلةٌ، وقد روى أصحاب «السُّنن»: «أنَّه تيمَّم فمسح وجهه وذراعيه»، و «الذِّراع»: اسمٌ للسَّاعد إلى المرفق، وعن «القديم»: إلى الكوعين لحديث عمَّارٍ هذا، قال في «المجموع»: وهو الأقوى دليلًا، وفي «الكفاية» تعيين ترجيحه، وذكر في «المُحرَّر» كيفيَّة التَّيمُّم، وجزم في «الرَّوضة» باستحبابها، فإذا مسح اليمنى (١) وضع بطون أصابع يساره غير الابهام على ظهور أصابع يمينه غير الإبهام بحيث لا تخرج أنامل اليمنى عن مسبِّحة اليسرى، ولا تحاذي مسبِّحة اليمنى أطراف أنامل اليسرى، ويُمِرُّها (٢) على ظهر الكفِّ، فإذا بلغ الكوع ضمَّ أطراف أصابعه على حرف (٣) الذِّراع ويمرُّها إلى المرفق، ثمَّ يدير بطن كفِّه إلى بطن الذِّراع، ويمرُّها عليه وإبهامه مرفوعةٌ، فإذا بلغ الكوع أمرَّها على إبهام اليمنى (٤)، ثم يمسح اليسار باليمنى (٥) كذلك، ثمَّ يمسح إحدى الرَّاحتين بالأخرى ويخلِّل أصابعهما، ولم تثبت هذه الكيفيَّة في السُّنَّة، بل في «الكفاية» عن «الأمِّ» أنَّه يعكس فيجعل بطن راحتيه معًا إلى فوق، ثمَّ يمرُّ الماسحة وهي من تحت لأنَّه أحفظ للتُّراب (فَقَالَ) بالفاء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال» (عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ: (أَلَمْ تَرَ عُمَرَ) بن الخطَّاب، ولكريمة والأَصيليِّ وهو في متن الفرع من غير عزوٍ: «أفلم ترَ عمر بن الخطَّاب» (لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ) وعند «مسلمٍ» من رواية عبد الرَّحمن بن أَبْزَى: «اتَّقِ الله يا عمَّار» أي: فيما ترويه، وتثبَّت فلعلَّك نسيت أو اشتبه عليك، فإنِّي كنت معك ولا أتذكَّر شيئًا من هذا! (وَزَادَ)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عبد الم يذهب بِهَذَا الْمَذْهَب الَّذِي ظَنّه هَذَا الْقَائِل، وَإِنَّمَا كَانَ يتَأَوَّل الْمُلَامسَة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة على غير معنى الْجِمَاع، إِذْ لَو أَرَادَ الْجِمَاع لَكَانَ فِيهِ مُخَالفَة الْآيَة صَرِيحًا، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يجوز من مثله فِي علمه وفهمه وفقهه.

الثَّانِيَة: فِيهِ أَن رَأْي عمر وَعبد ارضي اعنهما، انْتِقَاض الطَّهَارَة بملامسة البشرتين، وَإِن الْجنب لَا يتَيَمَّم لقَوْله تَعَالَى: {وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا} (الْمَائِدَة: ٦) . الثَّالِثَة: قَالَ ابْن بطال: فِيهِ جَوَاز التَّيَمُّم للخائف من الْبرد. قلت: يجوز التَّيَمُّم للْجنب الْمُقِيم إِذا خَافَ الْبرد عِنْد أبي حنيفَة، خلافًا لصاحبيه. الرَّابِعَة: فِيهِ جَوَاز الِانْتِقَال فِي المحاجة من دَلِيل إِلَى دَلِيل آخر بِمَا فِيهِ الْخلاف إِلَى مَا عَلَيْهِ الِاتِّفَاق، وَذَلِكَ جَائِز للمتناظرين عِنْد تَعْجِيل الْقطع. وإلإفحام للخصم كَمَا فِي مُحَاجَّة إِبْرَاهِيم ونمرود عَلَيْهِ اللَّعْنَة، أَلا ترى أَن إِبْرَاهِيم لما قَالَ: {رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت} (الْبَقَرَة: ٨٥٢) وَقَالَ نمْرُود: {أَنا أحيي وأميت} (الْبَقَرَة: ٨٥٢) لم يحْتَج إِلَى أَن يوقفه على كَيْفيَّة إحيائه وإماتته؟ بل انْتقل إِلَى قَوْله: {فَإِن ايأتي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب} (الْبَقَرَة: ٨٥٢) فأفحم نمْرُود عِنْد ذَلِك.

٨ - (بابُ التَيَمُّمِ ضَرْبَةً)

أَي: هَذَا بَاب يُقَال فِيهِ: التَّيَمُّم ضَرْبَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: بَاب التَّيَمُّم ضَرْبَة بِالنّصب، وَفِي بَعْضهَا بِالرَّفْع قلت: لم يبين وَجه ذَلِك. قلت: رِوَايَة الْكشميهني: بَاب، بِلَا تَنْوِين بل بِالْإِضَافَة إِلَى التَّيَمُّم، وضربة مَنْصُوب على الْحَال، وَالتَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان صفة التَّيَمُّم حَال كَونه ضَرْبَة وَاحِدَة، وَقد ذكرنَا أَن فِي صفة التَّيَمُّم أقوالاً، وَأَن رِوَايَة؛ ضَرْبَة وَاحِدَة، من رِوَايَة: ضربتين، عِنْد البُخَارِيّ، فَلذَلِك بوب عَلَيْهِ، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين: بَاب، منون على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَقَوله؛ (التَّيَمُّم ضَرْبَة) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ خبر، وَالتَّيَمُّم، مُبْتَدأ.

٧٤٣٣١ - ح دّثنا مُحَمَّدُ بن سَلَامٍ قالَ أخْبَرَنَا أبُو مُعاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قالَ كُنْتُ جالِساً مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فَقَالَ لَهُ أبُو مُوسَى لوْ أنَّ رَجُلاً أجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْراً أمَا كانَ يَتَيمَّمُ وَيُصَلِّي فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ {فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ المَاءُ أنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ قُلْتُ وَإنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا قالَ نَعَمَ فقالَ أبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ بَعَثَنِي رسولُ الله فِي حاجَةٍ فأجْنَبْتُ فَلمْ أجِدِ المَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنبيِّ فقَالَ إِنَّما كانَ يَكفْيكَ أنْ تَصْنَعَ هَكَذَا فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأرْضِ ثُم نَفَضَها ثُم مَسَحَ بِهِما ظَهْرَ كفِّهِ بِشِمِالِهِ أوْ ظَهْرَ شِمِالِهِ بِكَفِّهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهِما وَجْههُ فقالَ عَبْدُ اللَّهِ أفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ رَضِي اعنهما.

هَذِه طَريقَة أُخْرَى، وَهِي أتم من الطريقتين المذكورتين، عَن مُحَمَّد بن سَلام، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: هُوَ مُحَمَّد بن سَلام بتَخْفِيف اللَّام البيكندي عَن أبي مُعَاوِيَة الضَّرِير مُحَمَّد بن خازم بالمعجمتين عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن شَقِيق بن سَلمَة، وَهُوَ أَبُو وَائِل الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق فِي الطَّرِيقَة الأولى، وَهِي رِوَايَة بشر بن خَالِد. قَوْله: (أجنب) أَي: إِذا صَار جنبا. قَوْله: (أما كَانَ يتَيَمَّم؟) والهمزة فِيهِ فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كَيفَ تصنع بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ عبد ا: لَا يتَيَمَّم وَإِن لم يجد المَاء شهرا) وَنَحْوه لأبي دَاوُد. (قَالَ: فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكيف تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَة) ؟ ثمَّ الْهمزَة فِيهِ أما مقحمة وَإِمَّا للتقرير، و: مَا، نَافِيَة على أَصْلهَا، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَوَّلين وَقع جَوَابا: للو، إِمَّا على تَقْدِير الإقحام، فَإِن وجوده كَعَدَمِهِ، وَأما على تَقْدِير التَّقْرِير، فَإِنَّهُ لم يبْق على معنى الِاسْتِفْهَام الَّذِي هُوَ الْمَانِع من وُقُوعه جَزَاء للشّرط، وَالْقَوْل مُقَدّر قبل لَو. وَحَاصِله يَقُولُونَ: لَو أجنب رجل مَا تيَمّم، كَيفَ تَصْنَعُونَ؟ وعَلى التَّقْدِير الثَّالِث: وَقع جَوَابا: بِتَقْدِير القَوْل أَي: لَو أجنب رجل يُقَال فِي حَقه: إِمَّا يتَيَمَّم، وَيحْتَمل أَن يكون جَوَاب: لَو، هُوَ: فَكيف تَصْنَعُونَ؟ .

قَوْله: (فِي سُورَة الْمَائِدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَكيف تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَة فِي سُورَة الْمَائِدَة؟) وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ لفظ: الْآي، وَقَوله: (فَلم تَجدوا) ، هُوَ بَيَان للمراد من الْآيَة،

وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَصْلِيّ: (فَإِن لم تَجدوا) ، وَهُوَ مُغَاير للتلاوة. وَقيل: إِنَّه كَانَ كَذَلِك فِي رِوَايَة أبي ذَر ثمَّ أصلحها على وفْق الْآيَة، وَإِنَّمَا عين سُورَة الْمَائِدَة لكَونهَا أظهر فِي مَشْرُوعِيَّة تيَمّم الْجنب من آيَة النِّسَاء، لتقدم حكم الْوضُوء فِي الْمَائِدَة، وَقَالَ الْخطابِيّ وَغَيره: فِيهِ دَلِيل على عبد اكان يرى أَن المُرَاد بالملامسة الْجِمَاع، فَلهَذَا لم يدْفع دَلِيل أبي مُوسَى وإلَاّ لَكَانَ يَقُول لَهُ: المُرَاد من الْمُلَامسَة التقاء البشرتين فِيمَا دون الْجِمَاع، وَجعل التَّيَمُّم بَدَلا من الْوضُوء لَا يسْتَلْزم أَن يكون بَدَلا من الْغسْل. قلت: لَو أَرَادَ بالملامسة الْجِمَاع لَكَانَ مُخَالفَة لِلْآيَةِ صَرِيحًا، وَإِنَّمَا تأولها على معنى غير الْجِمَاع، كَمَا ذكرنَا عَن قريب. قَوْله: (أَن يتيمموا الصَّعِيد) أَي: أَن يقصدوه، ويروى: (أَن يتيمموا بالصعيد) . قَوْله: (قلت) ، هُوَ مقول شَقِيق، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل الْقَائِل ذَلِك هُوَ الْأَعْمَش، وَالْمقول لَهُ هُوَ شَقِيق، كَمَا صرح بذلك فِي رِوَايَة عمر بن حَفْص الَّتِي مَضَت قبل هَذِه. قَوْله: (هَذَا) أَي: تيَمّم الْجنب. قَوْله: (لذا) أَي: لأجل تيَمّم صَاحب الْبرد. قَوْله: (كَمَا تمرغ الدَّابَّة) ، بِالتَّشْدِيدِ وَضم الْغَيْن الْمُعْجَمَة، وَأَصله: تتمرغ بالتائين فحذفت إِحْدَاهمَا للتَّخْفِيف، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {نَارا تلظى} (اللَّيْل: ٤١) أَصله: تتلظى. قَوْله: (بكفه ضَرْبَة) ويروى: (بكفيه) .

وَقَالَ الْكرْمَانِي: اعْلَم أَن هَذِه الْكَيْفِيَّة مشكلة من جِهَات: أَولا: مِمَّا ثَبت من الطَّرِيق الآخر أَنه ضربتان، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْأَصَح الْمَنْصُوص ضربتان: وَثَانِيا: من جِهَة الِاكْتِفَاء بمسح ظهر كف وَاحِدَة، وبالاتفاق مسح كلا ظَهْري الْكَفَّيْنِ. وَاجِب، وَلم يجوز أحد الاجتزاء بِأَحَدِهِمَا. وثالثاً: من حَيْثُ إِن الْكَفّ إِذا اسْتعْمل ترابه فِي ظهر الشمَال كَيفَ مسح بِهِ الْوَجْه وَهُوَ صَار مُسْتَعْملا. ورابعاً: من جِهَة أَنه لم يمسح الذارعين. وخامساً: من عدم مُرَاعَاة التَّرْتِيب وَتَقْدِيم الْكَفّ على الْوَجْه انْتهى.

قلت: هَذِه خَمْسَة إشكالات أوردهَا. ثمَّ تكلّف فِي الْجَواب عَنْهَا، ثمَّ قَالَ فِي آخِره: هَذَا غَايَة وسعنا فِي تَقْرِيره وَلَعَلَّ عِنْد غَيرنَا خيرا مِنْهُ. أَقُول: وبا التَّوْفِيق: ملخص جَوَابه عَن الأول بِالْمَنْعِ بِأَنا لَا نسلم أَن هَذَا التَّيَمُّم كَانَ بضربة وَاحِدَة. قلت: مَنعه مَمْنُوع لِأَنَّهُ كَانَ بضربة وَاحِدَة، لِأَنَّهُ صرح فِيهِ بِأَن: الضَّرْبَة الْوَاحِدَة كَافِيَة، فَيحمل هَذَا على الْجَوَاز، وَمَا ورد من الزِّيَادَة عَلَيْهَا على الْكَمَال. وَقَوله: وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْأَصَح الْمَنْصُوص ضربتان، اعْتِرَاض على الحَدِيث بِالْمذهبِ، وَهُوَ غير صَحِيح. وَأجَاب عَن الثَّانِي: بِأَنَّهُ لَا بُد من تَقْدِير: ثمَّ ضرب ضَرْبَة أُخْرَى وَمسح بهَا يَدَيْهِ. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّقْدِير لِأَن أصل الْفَرْض يقوم بضربة وَاحِدَة، كَمَا فِي الْوضُوء، على أَن مَذْهَب جُمْهُور الْعلمَاء الِاكْتِفَاء بضربة وَاحِدَة، كَذَا ذكره ابْن الْمُنْذر، وَاخْتَارَهُ هُوَ أَيْضا، وَالْبُخَارِيّ أَيْضا، فَلذَلِك بوب عَلَيْهِ. وَأجَاب عَن الثَّالِث: بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ، وَالْجَوَاب السديد مُلَخصا: أَن التُّرَاب لَا يَأْخُذ حكم الِاسْتِعْمَال، وَهَذَا الحكم فِي المَاء دون التُّرَاب. وَأجَاب عَن الرَّابِع: بِمَنْع إِيجَاب مسح الذراعين، وأكد ذَلِك بقوله: وَلِهَذَا قَالُوا مسح الْكَفَّيْنِ أصح فِي الرِّوَايَة، وَمسح الذارعين أشبه بالأصول. قلت: فعلى هَذَا، الْإِشْكَال الرَّابِع غير وَارِد من الأول. وَأجَاب عَن الْخَامِس: بِمَنْع إِيجَاب التَّرْتِيب كَمَا هُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة. قلت: هَذِه استعانة بِرَأْي من هُوَ يُخَالف رَأْيه.

قَوْله: (ثمَّ مسح بهَا ظهر كَفه) ، ويروى: (مسح بهما) . قَوْله: (أَو ظهر شِمَاله بكفه) ، كَذَا هُوَ بِالشَّكِّ فِي جَمِيع الرِّوَايَات إلَاّ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد فَإِنَّهُ رَوَاهُ أَيْضا من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة، كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَلَفظه، فَقَالَ: (إِنَّمَا يَكْفِيك أَن تصنع هَكَذَا، وَضرب بيدَيْهِ على الأَرْض فنفضهما ثمَّ ضرب بِشمَالِهِ على يَمِينه وبيمينه على شِمَاله على الْكَفَّيْنِ ثمَّ مسح وَجهه) . انْتهى. وَهَذَا يحرر رِوَايَة غَيره، لِأَن الحَدِيث وَاحِد، وَاخْتِلَاف الْأَلْفَاظ باخْتلَاف الرِّوَايَة، وَفِيه دَلِيل صَرِيح على أَن التَّيَمُّم ضَرْبَة وَاحِدَة للْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ جَمِيعًا، وَلَكِن الْعَامَّة أجابوا عَن هَذَا: إِن هَذَا الضَّرْب الْمَذْكُور كَانَ للتعليم وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ بَيَان جَمِيع مَا يحصل بِهِ التَّيَمُّم، لِأَن اتعالى أوجب غسل الْيَدَيْنِ إِلَى الْمرْفقين فِي الْوضُوء فِي أول الْآيَة، ثمَّ قَالَ فِي التَّيَمُّم {فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ} (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) وَالظَّاهِر أَن الْيَد الْمُطلقَة هُنَا هِيَ المقي دة فِي الْوضُوء. فَافْهَم.

قَوْله: (فَقَالَ عبد ا) ، ويروى: قَالَ عبد ابدون: الْفَاء. قَوْله: (ألم تَرَ عمر؟) وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة: (أفلم تَرَ؟) بِزِيَادَة الْفَاء، فِيهِ. قَوْله: (لم يقنع بقول عمار) ، وَوجه عدم قناعته بقول عمار هُوَ أَنه كَانَ مَعَه فِي تِلْكَ الفضية، وَلم يتَذَكَّر عمر ذَلِك أصلا، وَلِهَذَا قَالَ لعمَّار، فِيمَا رَوَاهُ مُسلم عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى: (اتَّقِ ايا عمار فِيمَا ترويه وَتثبت فِيهِ فلعلك نسيت أَو اشْتبهَ عَلَيْك، فَإِنِّي كنت مَعَك وَلَا أَتَذكر شَيْئا من هَذَا) ، وَمعنى قَول عمار؛ إِنِّي رَأَيْت الْمصلحَة فِي الْإِمْسَاك عَن التحديث بِهِ راجحة على التحديث وافقتك وَأَمْسَكت، فَإِنِّي قد بلّغته وَلم يبْق عَليّ حرج؛ فَقَالَ لَهُ عمر رَضِي اتعالى عَنهُ: إِنَّا نوليك

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.2 / 29.5
الإضاءة 60%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
الله أكبر