الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٦١
الحديث رقم ٣٦١ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا كان الثوب ضيقا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ:
خرج جابر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أَسْفَارِه، وكانت له حاجة عند النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى الليالي فجاءه ليخبره بها، فوجده يُصلي، وكان رضي الله عنه لابسا ثوبا واحدا، فالتَحَف به ووضع طَرَفَيه على عاتِقِه، وصلى إلى جانبه صلى الله عليه وسلم ، فلما انصرف من صلاته سأله صلى الله عليه وسلم عن السبب الذي دعاه إلى السَّير في هذه الساعة المتأخرة من الليل، فأخبره بحاجته التي جاء من أجلها، فلما فرغ من ذكر حاجته، أنكر عليه صلى الله عليه وسلم التحَافه بالثوب؛ لأنه ضيِّق، وأمره أنه إذا كان الثوب واسعا أن يَلُفَّه على جميع جسمه أعلاه وأسفله، فيجعله على كَتِفه، ويردُّ الطَّرف الأيسر على الكَتِف الأيمن، ويَرّد الطرف الأيمن على الكَتِف الأيسر، من أجل أن يكون إزارا ورداء، يُغطي به جميع جسمه، فهذا أمكن في سَتر العورة وأجمل من حيث الهيئة، وإن كان الثوب ضيِّقا لا يمكن أن يكون منه إزارا ورداء، يجعله إزارا وذلك بأن يَشُدَّه على حقوه ويستر أسفل جسده.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ، عَنْ شَيْبَانَ، وَقَدْ حَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالنَّهْيَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى التَّنْزِيهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَتَرَكَهُ جَعَلَهُ مِنَ الشَّرَائِطِ، وَعَنْهُ تَصِحُّ وَيَأْثَمُ جَعَلَهُ وَاجِبًا مُسْتَقْبِلًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: ظَاهِرُ النَّهْيِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ تَرْكِهِ. كَذَا قَالَ وَغَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ بَعْدَ قَلِيلٍ عَنِ النَّوَوِيِّ مِنْ حِكَايَةِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَدَمَ الْجَوَازِ، وَكَلَامُ التِّرْمِذِيِّ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْخِلَافِ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَبْلُ بِبَابٍ، وَعَقَدَ الطَّحَاوِيُّ لَهُ بَابًا فِي شَرْحِ الْمَعَانِي وَنَقَلَ الْمَنْعَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ عَنْ طَاوُسٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَابْنِ جَرِيرٍ، وَجَمَعَ الطَّحَاوِيُّ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُصَلِّيَ مُشْتَمِلًا فَإِنْ ضَاقَ اتَّزَرَ.
وَنَقَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وُجُوبَ ذَلِكَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافُهُ. وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِأَنَّهُ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَهِيَ نَائِمَةٌ، قَالَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّرَفَ الَّذِي هُوَ لَابِسُهُ مِنَ الثَّوْبِ غَيْرُ مُتَّسِعٍ لِأَنْ يَتَّزِرَ بِهِ وَيَفْضُلُ مِنْهُ مَا كَانَ لِعَاتِقِهِ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَيَجِبُ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا فلا يَجِبُ وَضْعُ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى الْعَاتِقِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ مناسبةُ تَعْقِيبِهِ بِبَابٍ إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا.
٦ - بَاب إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا
٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟ قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ، يَعْنِي ضَاقَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) عَيَّنَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ جَابِرٍ غَزْوَةُ بُوَاطٍ وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَهِيَ مِنْ أَوَائِلِ مَغَازِيهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (لِبَعْضِ أَمْرِي) أَيْ حَاجَتِي، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَرْسَلَهُ هُوَ وَجَبَّارَ بْنَ صَخْرٍ لِتَهْيِئَةِ الْمَاءِ فِي الْمَنْزِلِ.
قَوْلُهُ: (مَا السُّرَى) أَيْ مَا سَبَبُ سُرَاكَ أَيْ سَيْرِكَ فِي اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ) كَأَنَّهُ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الِاشْتِمَالُ الَّذِي أَنْكَرَهُ هُوَ أَنْ يُدِيرَ الثَّوْبَ عَلَى بَدَنِهِ كُلِّهِ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ. قُلْتُ: كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَفْسِيرِ الصَّمَّاءِ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ، لَكِنْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الْإِنْكَارَ كَانَ بِسَبَبِ أَنَّ الثَّوْبَ كَانَ ضَيِّقًا وَأَنَّهُ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ وَتَوَاقَصَ - أَيِ انْحَنَى - عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ طَرَفَيِ الثَّوْبِ لَمْ يَصِرْ سَاتِرًا فَانْحَنَى لِيَسْتَتِرَ، فَأَعْلَمَهُ ﷺ بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ الْأَصْلِيَّ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِالِائْتِزَارِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّوَاقُصِ الْمُغَايِرِ لِلِاعْتِدَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ ثَوْبٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، وَلِغَيْرِهِمَا بِالنَّصْبِ أَيْ كَانَ الْمُشْتَمِلُ بِهِ ثَوْبًا، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ضَيِّقًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
طَرَفَيْهِ) حمل الجمهورُ الأمرَ هنا على الاستحباب، وأتى بلفظ: «أشهد» تأكيدًا لحفظه، وتحقيقًا لاستحضاره.
(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا) كيف يفعل المصلِّي؟
٣٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحَاظيُّ، بضمِّ الواو وتخفيف الحاء المهملة وبالظَّاء المعجمة، الحمصيُّ الحافظ الفقيه، المتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاءٌ مهملةٌ في الأوَّل، وضمِّ السِّين وفتح اللَّام في الثَّاني (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ) بالثَّاء المثلَّثة، الأنصاريِّ قاضي المدينة (قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) في غزوة بُوَاطٍ كما في «مسلمٍ» (١) (فَجِئْتُ لَيْلَةً) إلى رسول الله ﷺ (لِبَعْضِ أَمْرِي) أي: لأجلِ بعضِ حوائجي
(فَوَجَدْتُهُ) ﷺ (يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ) منتهيًا (إِلَى جَانِبِهِ) أو منضمًّا إلى جانبه (فَلَمَّا انْصَرَفَ) ﵇ من الصَّلاة (قَالَ: مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟) بضمِّ السِّين والقصر، أي: ما سببُ سيرِكَ في اللَّيل؟ وإنَّما سأله لعلمه بأنَّ الحامل له على المجيء في اللَّيل أمرٌ أكيدٌ (فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ) ﵊: (مَا هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟!) هو استفهامٌ إنكاريٌّ، وقد وقع في «مسلمٍ» التَّصريحُ بسببِ الإنكارِ، وهو أنَّ الثَّوبَ كان ضيِّقًا، وأنَّه خالفَ بين طرفيه وتواقصَ، أي: انحنى عليه كأنَّه عند المخالفة بين طرفي الثَّوبِ لم يصر ساترًا، فانحنى ليستتر، فأعلمه ﵇ بأنَّ محلَّ ذلك ما إذا كان الثَّوبُ واسعًا، فأمَّا إذا كان ضيِّقًا فإنَّه يجزئه أن يتَّزرَ به لأنَّ القصدَ الأصليَّ ستر العورة، وهو يحصل بالاتِّزار، ولا يحتاج إلى التَّواقصِ المغايرِ للاعتدالِ المأمورِ به، أو الَّذي أنكره ﵇ هو اشتمال الصَّمَّاء وهو أن يجلِّل نفسه بثوبٍ ولا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراج يديه إِلَّا من أسفله خوفًا من أن تبدو عورته، قال جابر: (قُلْتُ: كَانَ) الَّذي اشتملت به (ثَوْبًا) واحدًا، ولكريمة وأبي ذَرٍّ (١): «ثَوْبٌ» (٢) بالرَّفع، قال ابن حجرٍ والبرماويُّ والعينيُّ والزَّركشيُّ على أنَّ «كان» تامَّةٌ، فلا تحتاج إلى خبرٍ، واعترضه البدرُ الدَّمامينيُّ فقال: الاقتصار على ذلك لا يظهر، وأيُّ معنًى لإخباره بوجود ثوبٍ في الجملة؟! فينبغي أن يقدِّر ما يناسب المقام، زاد في فرع «اليونينيَّة»: «يَعْنِي: ضَاقَ» وهو ساقطٌ للأربعة (٣) (قَالَ) ﵊: (فَإِنْ كَانَ) الثَّوبُ (وَاسِعًا فَالتَحِفْ) أي: ارتدِ (بِهِ) أي: بأن يأتزرَ بأحدِ طرفيه ويرتديَ بالطَّرفِ الآخرِ منه (وَإِنْ كَانَ) الثَّوبُ (ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ) بإدغام الهمزة المقلوبة تاءً في التَّاء، وهو يردُّ على التَّصريفيِّين حيث جعلوه خطأً.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَبُو هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: الشَّك من يحيى بَين السماع وَالسُّؤَال حَيْثُ قَالَ أَولا: سمعته، أَي سَمِعت عِكْرِمَة، ثمَّ قَالَ: أَو كنت سَأَلته يَعْنِي: سَمِعت مِنْهُ إِمَّا بسؤالي أَو بِغَيْر سُؤَالِي، لَا أحفظ كَيْفيَّة الْحَال. وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن مكي بن عَبْدَانِ عَن حمدَان السّلمِيّ عَن أبي نعيم بِلَفْظ: سمعته أَو كتب بِهِ إِلَيّ، وَالشَّكّ هُنَا بَين السماع وَالْكِتَابَة. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَا أعلم أحدا ذكر فِيهِ سَماع يحيى عَن عِكْرِمَة. وَرَوَاهُ هِشَام وحسين الْمعلم وَمعمر وَزيد بن سِنَان، كل قَالَ: عَن عِكْرِمَة لم يذكر خَبرا وَلَا سَمَاعا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث يحيى عَن عِكْرِمَة عَن أبي هُرَيْرَة بالعنعنة من غير شكّ، وَلَفظه: (إِذا صلى أحدكُم فِي ثوب فليخالف بطرفيه على عَاتِقيهِ) . وَفِيه: الشَّهَادَة وَالسَّمَاع من أبي هُرَيْرَة حَيْثُ قَالَ: أشهد أَنِّي سمت رَسُول ا، وَذَلِكَ إِشَارَة إِلَى حفظه وإتقانه واستحضاره.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (فِي ثوب وَاحِد) ، لفظ: وَاحِد، فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (فِي ثوب) ، بِدُونِ ذكر لفظ: وَاحِد. قَوْله: (فليخالف بَين طَرفَيْهِ) ، أَي: بَين طرفِي الثَّوْب، والمخالفة بطرفيه على عَاتِقيهِ هُوَ التوشح وَهُوَ الاشتمال على مَنْكِبَيْه، وَإِنَّمَا أَمر بذلك لستر أعالي الْبدن وَمَوْضِع الزِّينَة. وَقَالَ ابْن بطال: وَفَائِدَة الْمُخَالفَة فِي الثَّوْب أَن لَا ينظر الْمُصَلِّي إِلَى عَورَة نَفسه إِذا ركع قلت: فَائِدَة أُخْرَى وَهِي أَن لَا يسْقط إِذا ركع، وَهَذَا الْأَمر للنَّدْب عِنْد الْجُمْهُور، حَتَّى لَو صلى وَلَيْسَ على عَاتِقه شَيْء صحت صلَاته. وَيُقَال: إِذا لم يُخَالف بَين طَرفَيْهِ رُبمَا يحْتَاج إِلَى إِمْسَاكه بِيَدِهِ فيشتغل بذلك وتفوته سنة وضع الْيَد الْيُمْنَى على الْيُسْرَى، وَاحْتج أَحْمد بِظَاهِر الحَدِيث، وَشرط الْوَضع على عَاتِقه عِنْد الْقُدْرَة، وَعنهُ أَنه: تصح صلَاته وَلكنه يَأْثَم بِتَرْكِهِ.
٦ - (بابٌ إذَا كانَ الثَّوْبُ ضَيِّقاً)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ كَيفَ يفعل الْمُصَلِّي إِذا كَانَ الثَّوْب ضيقا، والضيق، بِفَتْح الضَّاد وَتَشْديد الْيَاء، وَجَاز فِيهِ تَخْفيف الْيَاء: وَهُوَ صفة مشبهة، وَاسم الْفَاعِل من هَذِه الْمَادَّة: ضائق، على وزن: فَاعل، وَالْفرق بَينهمَا: أَن الصّفة المشبهة تدل على الثُّبُوت، وَاسم الْفَاعِل يدل على الْحُدُوث.
٢٧ - (حَدثنَا يحيى بن صَالح قَالَ حَدثنَا فليح بن سُلَيْمَان عَن سعيد بن الْحَارِث قَالَ سَأَلنَا جَابر بن عبد الله عَن الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد فَقَالَ خرجت مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي بعض أَسْفَاره فَجئْت لَيْلَة لبَعض أَمْرِي فَوَجَدته يُصَلِّي وَعلي ثوب وَاحِد فاشتملت بِهِ وَصليت إِلَى جَانِبه فَلَمَّا انْصَرف قَالَ مَا السّري يَا جَابر فَأَخْبَرته بحاجتي فَلَمَّا فرغت قَالَ مَا هَذَا الاشتمال الَّذِي رَأَيْت قلت كَانَ ثوبا يَعْنِي ضَاقَ قَالَ فَإِن كَانَ وَاسِعًا فالتحف بِهِ وَإِن كَانَ ضيقا فاتزر بِهِ) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله " فَإِن كَانَ وَاسِعًا " إِلَى آخِره. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول يحيى بن صَالح أَبُو زَكَرِيَّا الوحاظي بِضَم الْوَاو وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة وبالظاء الْمُعْجَمَة الْحِمصِي الْحَافِظ الْفَقِيه مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي فليح بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة تقدم فِي أول كتاب الْعلم. الثَّالِث سعيد بن الْحَارِث الْأنْصَارِيّ قَاضِي الْمَدِينَة. الرَّابِع جَابر بن عبد الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وبصيغة الْجمع فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَفِيه السُّؤَال وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين حمصي ومدني. (ذكر من أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ من طَرِيق سعيد بن الْحَارِث وَأخرجه مُسلم من حَدِيث عبَادَة عَن جَابر مطولا وَفِيه " إِذا كَانَ وَاسِعًا فَخَالف بَين طَرفَيْهِ وَإِن كَانَ ضيقا فاشدده على حقوك " وَأخرجه أَبُو دَاوُد كَذَلِك قَوْله " على حقوك " بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسرهَا الْإِزَار وَالْأَصْل فِيهِ معقد الْإِزَار ثمَّ سمى بِهِ الْإِزَار للمجاورة وَجمعه أَحَق وأحقاء
(ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه) قَوْله " فِي بعض أَسْفَاره " عينه مُسلم فِي رِوَايَته " غَزْوَة بواط " بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَبعد الْألف طاء مُهْملَة قَالَ الصغاني بواط جبال جُهَيْنَة من نَاحيَة ذِي خشب وَبَين بواط وَالْمَدينَة ثَلَاثَة برد أَو أَكثر وَقَالَ ابْن اسحق جَمِيع مَا غزا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِنَفسِهِ الْكَرِيمَة سبع وَعِشْرُونَ غَزْوَة. ودان وَهِي غَزْوَة الْأَبْوَاء وغزوة بواط من نَاحيَة رضوى ثمَّ عد الْجَمِيع قَوْله " فَجئْت " أَي إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " لبَعض أَمْرِي " أَي لأجل بعض حوائجي وَالْأَمر هُوَ وَاحِد الْأُمُور لَا وَاحِد الْأَوَامِر قَوْله " يُصَلِّي " فِي مَحل النصب على أَنه مفعول ثَان لوجدت قَوْله " وعَلى ثوب وَاحِد " جملَة إسمية فِي مَحل النصب على الْحَال قَوْله " وَصليت إِلَى جَانِبه " كلمة إِلَى فِي الأَصْل للانتهاء فَالْمَعْنى صليت منتهيا إِلَى جَانِبه وَيجوز أَن تكون بِمَعْنى فِي لِأَن حُرُوف الْجَرّ يقوم بَعْضهَا مقَام بعض وَيجوز أَن يُقَال فِيهِ تضمين معنى الانضمام أَي صليت مُنْضَمًّا إِلَى جَانِبه قَوْله " فَلَمَّا انْصَرف " أَي من الصَّلَاة واستقبال الْقبْلَة قَوْله " فَقَالَ مَا السرى " بِضَم السِّين مَقْصُورا وَهُوَ السّير بِاللَّيْلِ وَهُوَ اسْتِفْهَام عَن سَبَب سراه بِاللَّيْلِ وَالسُّؤَال لَيْسَ عَن نفس السرى بل عَن سَببه قَوْله " مَا هَذَا الاشتمال " كَأَنَّهُ اسْتِفْهَام إِنْكَار وَسبب الْإِنْكَار أَن الثَّوْب كَانَ ضيقا وَأَنه خَالف بَين طَرفَيْهِ وتواقص أَي انحنى عَلَيْهِ حَتَّى لَا يسْقط فَكَأَنَّهُ عِنْد الْمُخَالفَة بَين طرفِي الثَّوْب لم يصر ساترا إِذا انحنى ليستتر فَأعلمهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِأَن مَحل ذَلِك فِيمَا إِذا كَانَ الثَّوْب وَاسِعًا وَأما إِذا كَانَ ضيقا فَإِنَّهُ يجْزِيه أَن يتزر بِهِ لِأَن الْمَقْصُود هُوَ ستر الْعَوْرَة وَهُوَ يحصل بالاتزار وَلَا يحْتَاج إِلَى الانحناء المغاير للاعتدال الْمَأْمُور بِهِ قَوْله " كَانَ ثوبا " أَي كَانَ الْمُشْتَمل بِهِ ثوبا فَيكون انتصاب ثوبا على أَنه خبر كَانَ وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وكريمة " كَانَ ثوب " بِالرَّفْع وَوَجهه أَن تكون كَانَ تَامَّة فَلَا تحْتَاج إِلَى الْخَبَر وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " كَانَ ثوبا ضيقا " قَوْله " فاتزر بِهِ " أَمر وَقَالَ الْكرْمَانِي بإدغام الْهمزَة المقلوبة تَاء فِي التَّاء وَقَول التصريفيين اتزر خطأ هُوَ الْخَطَأ (قلت) تَحْقِيق هَذِه الْمَادَّة أَن أصل الْفِعْل أزر على ثَلَاثَة أحرف فَلَمَّا نقل إِلَى بَاب الافتعال صَار امتزر على وزن افتعل بهمزتين أولاهما مَكْسُورَة وَهِي همزَة الافتعال وَالْأُخْرَى سَاكِنة وَهِي همزَة الْفِعْل ثمَّ يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ أَحدهمَا أَن تقلب الْهمزَة يَاء آخر الْحُرُوف فَيُقَال أيتزر وَالْآخر أَن تقلب تَاء مثناة من فَوق وتدغم التَّاء فِي التَّاء وَهُوَ معنى قَول الْكرْمَانِي بإدغام الْهمزَة المقلوبة تَاء فِي التَّاء وَلَفظ الحَدِيث على الْوَجْه الأول. (ذكر استنباط الحكم مِنْهُ) قَالَ الْخطابِيّ الاشتمال الَّذِي أنكرهُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هُوَ اشْتِمَال الصماء وَهُوَ أَن يُجَلل نَفسه بِثَوْبِهِ وَلَا يرفع شَيْئا من جوانبه وَلَا يُمكنهُ إِخْرَاج يَدَيْهِ إِلَّا من أَسْفَله فيخاف أَن تبدو عَوْرَته عِنْد ذَلِك وَقَالَ ابْن بطال حَدِيث جَابر هَذَا تَفْسِير حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي فِي الْبَاب الْمُتَقَدّم وَهُوَ " لَا يصلين أحدكُم فِي الثَّوْب الْوَاحِد لَيْسَ على عَاتِقه مِنْهُ شَيْء " فِي أَنه أَرَادَ الثَّوْب الْوَاسِع الَّذِي يُمكن أَن يشتمله وَأما إِذا كَانَ ضيقا فَلم يُمكنهُ أَن يشْتَمل بِهِ فليتز بِهِ وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قيل الحَدِيث السَّابِق فِيهِ نهي عَن الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد متزرا بِهِ وَظَاهره يُعَارض " وَإِن كَانَ ضيقا فاتزر بِهِ " وَأجَاب الطَّحَاوِيّ بِأَن النَّهْي عَنهُ للواجد لغيره وَأما من لم يجد غَيره فَلَا بَأْس بِالصَّلَاةِ فِيهِ كَمَا لَا بَأْس بِالصَّلَاةِ فِي الثَّوْب الضّيق متزرا. وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ جَوَاز طلب الْحَوَائِج بِاللَّيْلِ من السُّلْطَان لخلأ مَوْضِعه وَجَوَاز مَجِيء الرجل إِلَى غَيره بِاللَّيْلِ لِحَاجَتِهِ. وَمن ذَلِك أَن الثَّوْب إِذا كَانَ وَاسِعًا يُخَالف بَين طَرفَيْهِ وَإِن كَانَ ضيقا يتزر بِهِ.
٢٨ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يحيى عَن سُفْيَان قَالَ حَدثنِي أَبُو حَازِم عَن سهل قَالَ كَانَ رجال يصلونَ مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عاقدي أزرهم على أَعْنَاقهم كَهَيئَةِ الصّبيان) ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي أول بَاب عقد الْإِزَار على الْقَفَا مُعَلّقا حَيْثُ قَالَ وَقَالَ أَبُو حَازِم عَن سهل " صلوا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عاقدي أزرهم على عواتقهم " وَأخرجه هَهُنَا مُسْندًا عَن مُسَدّد بن مسرهد عَن يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة سَلمَة بن دِينَار عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى آخِره وَأخرجه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن كثير وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأَنْبَارِي عَن وَكِيع بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبيد الله بن سعيد عَن يحيى بِهِ وَلَفظ أبي دَاوُد عَن سهل بن سعد قَالَ " رَأَيْت الرِّجَال عاقدي
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ، عَنْ شَيْبَانَ، وَقَدْ حَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالنَّهْيَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى التَّنْزِيهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَتَرَكَهُ جَعَلَهُ مِنَ الشَّرَائِطِ، وَعَنْهُ تَصِحُّ وَيَأْثَمُ جَعَلَهُ وَاجِبًا مُسْتَقْبِلًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: ظَاهِرُ النَّهْيِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ تَرْكِهِ. كَذَا قَالَ وَغَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ بَعْدَ قَلِيلٍ عَنِ النَّوَوِيِّ مِنْ حِكَايَةِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَدَمَ الْجَوَازِ، وَكَلَامُ التِّرْمِذِيِّ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْخِلَافِ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَبْلُ بِبَابٍ، وَعَقَدَ الطَّحَاوِيُّ لَهُ بَابًا فِي شَرْحِ الْمَعَانِي وَنَقَلَ الْمَنْعَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ عَنْ طَاوُسٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَابْنِ جَرِيرٍ، وَجَمَعَ الطَّحَاوِيُّ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُصَلِّيَ مُشْتَمِلًا فَإِنْ ضَاقَ اتَّزَرَ.
وَنَقَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وُجُوبَ ذَلِكَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافُهُ. وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِأَنَّهُ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَهِيَ نَائِمَةٌ، قَالَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّرَفَ الَّذِي هُوَ لَابِسُهُ مِنَ الثَّوْبِ غَيْرُ مُتَّسِعٍ لِأَنْ يَتَّزِرَ بِهِ وَيَفْضُلُ مِنْهُ مَا كَانَ لِعَاتِقِهِ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَيَجِبُ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا فلا يَجِبُ وَضْعُ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى الْعَاتِقِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ مناسبةُ تَعْقِيبِهِ بِبَابٍ إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا.
٦ - بَاب إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا
٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟ قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ، يَعْنِي ضَاقَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) عَيَّنَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ جَابِرٍ غَزْوَةُ بُوَاطٍ وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَهِيَ مِنْ أَوَائِلِ مَغَازِيهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (لِبَعْضِ أَمْرِي) أَيْ حَاجَتِي، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَرْسَلَهُ هُوَ وَجَبَّارَ بْنَ صَخْرٍ لِتَهْيِئَةِ الْمَاءِ فِي الْمَنْزِلِ.
قَوْلُهُ: (مَا السُّرَى) أَيْ مَا سَبَبُ سُرَاكَ أَيْ سَيْرِكَ فِي اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ) كَأَنَّهُ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الِاشْتِمَالُ الَّذِي أَنْكَرَهُ هُوَ أَنْ يُدِيرَ الثَّوْبَ عَلَى بَدَنِهِ كُلِّهِ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ. قُلْتُ: كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَفْسِيرِ الصَّمَّاءِ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ، لَكِنْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الْإِنْكَارَ كَانَ بِسَبَبِ أَنَّ الثَّوْبَ كَانَ ضَيِّقًا وَأَنَّهُ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ وَتَوَاقَصَ - أَيِ انْحَنَى - عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ طَرَفَيِ الثَّوْبِ لَمْ يَصِرْ سَاتِرًا فَانْحَنَى لِيَسْتَتِرَ، فَأَعْلَمَهُ ﷺ بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ الْأَصْلِيَّ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِالِائْتِزَارِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّوَاقُصِ الْمُغَايِرِ لِلِاعْتِدَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ ثَوْبٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، وَلِغَيْرِهِمَا بِالنَّصْبِ أَيْ كَانَ الْمُشْتَمِلُ بِهِ ثَوْبًا، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ضَيِّقًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
طَرَفَيْهِ) حمل الجمهورُ الأمرَ هنا على الاستحباب، وأتى بلفظ: «أشهد» تأكيدًا لحفظه، وتحقيقًا لاستحضاره.
(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا) كيف يفعل المصلِّي؟
٣٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحَاظيُّ، بضمِّ الواو وتخفيف الحاء المهملة وبالظَّاء المعجمة، الحمصيُّ الحافظ الفقيه، المتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاءٌ مهملةٌ في الأوَّل، وضمِّ السِّين وفتح اللَّام في الثَّاني (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ) بالثَّاء المثلَّثة، الأنصاريِّ قاضي المدينة (قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) في غزوة بُوَاطٍ كما في «مسلمٍ» (١) (فَجِئْتُ لَيْلَةً) إلى رسول الله ﷺ (لِبَعْضِ أَمْرِي) أي: لأجلِ بعضِ حوائجي
(فَوَجَدْتُهُ) ﷺ (يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ) منتهيًا (إِلَى جَانِبِهِ) أو منضمًّا إلى جانبه (فَلَمَّا انْصَرَفَ) ﵇ من الصَّلاة (قَالَ: مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟) بضمِّ السِّين والقصر، أي: ما سببُ سيرِكَ في اللَّيل؟ وإنَّما سأله لعلمه بأنَّ الحامل له على المجيء في اللَّيل أمرٌ أكيدٌ (فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ) ﵊: (مَا هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟!) هو استفهامٌ إنكاريٌّ، وقد وقع في «مسلمٍ» التَّصريحُ بسببِ الإنكارِ، وهو أنَّ الثَّوبَ كان ضيِّقًا، وأنَّه خالفَ بين طرفيه وتواقصَ، أي: انحنى عليه كأنَّه عند المخالفة بين طرفي الثَّوبِ لم يصر ساترًا، فانحنى ليستتر، فأعلمه ﵇ بأنَّ محلَّ ذلك ما إذا كان الثَّوبُ واسعًا، فأمَّا إذا كان ضيِّقًا فإنَّه يجزئه أن يتَّزرَ به لأنَّ القصدَ الأصليَّ ستر العورة، وهو يحصل بالاتِّزار، ولا يحتاج إلى التَّواقصِ المغايرِ للاعتدالِ المأمورِ به، أو الَّذي أنكره ﵇ هو اشتمال الصَّمَّاء وهو أن يجلِّل نفسه بثوبٍ ولا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراج يديه إِلَّا من أسفله خوفًا من أن تبدو عورته، قال جابر: (قُلْتُ: كَانَ) الَّذي اشتملت به (ثَوْبًا) واحدًا، ولكريمة وأبي ذَرٍّ (١): «ثَوْبٌ» (٢) بالرَّفع، قال ابن حجرٍ والبرماويُّ والعينيُّ والزَّركشيُّ على أنَّ «كان» تامَّةٌ، فلا تحتاج إلى خبرٍ، واعترضه البدرُ الدَّمامينيُّ فقال: الاقتصار على ذلك لا يظهر، وأيُّ معنًى لإخباره بوجود ثوبٍ في الجملة؟! فينبغي أن يقدِّر ما يناسب المقام، زاد في فرع «اليونينيَّة»: «يَعْنِي: ضَاقَ» وهو ساقطٌ للأربعة (٣) (قَالَ) ﵊: (فَإِنْ كَانَ) الثَّوبُ (وَاسِعًا فَالتَحِفْ) أي: ارتدِ (بِهِ) أي: بأن يأتزرَ بأحدِ طرفيه ويرتديَ بالطَّرفِ الآخرِ منه (وَإِنْ كَانَ) الثَّوبُ (ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ) بإدغام الهمزة المقلوبة تاءً في التَّاء، وهو يردُّ على التَّصريفيِّين حيث جعلوه خطأً.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَبُو هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: الشَّك من يحيى بَين السماع وَالسُّؤَال حَيْثُ قَالَ أَولا: سمعته، أَي سَمِعت عِكْرِمَة، ثمَّ قَالَ: أَو كنت سَأَلته يَعْنِي: سَمِعت مِنْهُ إِمَّا بسؤالي أَو بِغَيْر سُؤَالِي، لَا أحفظ كَيْفيَّة الْحَال. وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن مكي بن عَبْدَانِ عَن حمدَان السّلمِيّ عَن أبي نعيم بِلَفْظ: سمعته أَو كتب بِهِ إِلَيّ، وَالشَّكّ هُنَا بَين السماع وَالْكِتَابَة. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَا أعلم أحدا ذكر فِيهِ سَماع يحيى عَن عِكْرِمَة. وَرَوَاهُ هِشَام وحسين الْمعلم وَمعمر وَزيد بن سِنَان، كل قَالَ: عَن عِكْرِمَة لم يذكر خَبرا وَلَا سَمَاعا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث يحيى عَن عِكْرِمَة عَن أبي هُرَيْرَة بالعنعنة من غير شكّ، وَلَفظه: (إِذا صلى أحدكُم فِي ثوب فليخالف بطرفيه على عَاتِقيهِ) . وَفِيه: الشَّهَادَة وَالسَّمَاع من أبي هُرَيْرَة حَيْثُ قَالَ: أشهد أَنِّي سمت رَسُول ا، وَذَلِكَ إِشَارَة إِلَى حفظه وإتقانه واستحضاره.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (فِي ثوب وَاحِد) ، لفظ: وَاحِد، فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (فِي ثوب) ، بِدُونِ ذكر لفظ: وَاحِد. قَوْله: (فليخالف بَين طَرفَيْهِ) ، أَي: بَين طرفِي الثَّوْب، والمخالفة بطرفيه على عَاتِقيهِ هُوَ التوشح وَهُوَ الاشتمال على مَنْكِبَيْه، وَإِنَّمَا أَمر بذلك لستر أعالي الْبدن وَمَوْضِع الزِّينَة. وَقَالَ ابْن بطال: وَفَائِدَة الْمُخَالفَة فِي الثَّوْب أَن لَا ينظر الْمُصَلِّي إِلَى عَورَة نَفسه إِذا ركع قلت: فَائِدَة أُخْرَى وَهِي أَن لَا يسْقط إِذا ركع، وَهَذَا الْأَمر للنَّدْب عِنْد الْجُمْهُور، حَتَّى لَو صلى وَلَيْسَ على عَاتِقه شَيْء صحت صلَاته. وَيُقَال: إِذا لم يُخَالف بَين طَرفَيْهِ رُبمَا يحْتَاج إِلَى إِمْسَاكه بِيَدِهِ فيشتغل بذلك وتفوته سنة وضع الْيَد الْيُمْنَى على الْيُسْرَى، وَاحْتج أَحْمد بِظَاهِر الحَدِيث، وَشرط الْوَضع على عَاتِقه عِنْد الْقُدْرَة، وَعنهُ أَنه: تصح صلَاته وَلكنه يَأْثَم بِتَرْكِهِ.
٦ - (بابٌ إذَا كانَ الثَّوْبُ ضَيِّقاً)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ كَيفَ يفعل الْمُصَلِّي إِذا كَانَ الثَّوْب ضيقا، والضيق، بِفَتْح الضَّاد وَتَشْديد الْيَاء، وَجَاز فِيهِ تَخْفيف الْيَاء: وَهُوَ صفة مشبهة، وَاسم الْفَاعِل من هَذِه الْمَادَّة: ضائق، على وزن: فَاعل، وَالْفرق بَينهمَا: أَن الصّفة المشبهة تدل على الثُّبُوت، وَاسم الْفَاعِل يدل على الْحُدُوث.
٢٧ - (حَدثنَا يحيى بن صَالح قَالَ حَدثنَا فليح بن سُلَيْمَان عَن سعيد بن الْحَارِث قَالَ سَأَلنَا جَابر بن عبد الله عَن الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد فَقَالَ خرجت مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي بعض أَسْفَاره فَجئْت لَيْلَة لبَعض أَمْرِي فَوَجَدته يُصَلِّي وَعلي ثوب وَاحِد فاشتملت بِهِ وَصليت إِلَى جَانِبه فَلَمَّا انْصَرف قَالَ مَا السّري يَا جَابر فَأَخْبَرته بحاجتي فَلَمَّا فرغت قَالَ مَا هَذَا الاشتمال الَّذِي رَأَيْت قلت كَانَ ثوبا يَعْنِي ضَاقَ قَالَ فَإِن كَانَ وَاسِعًا فالتحف بِهِ وَإِن كَانَ ضيقا فاتزر بِهِ) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله " فَإِن كَانَ وَاسِعًا " إِلَى آخِره. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول يحيى بن صَالح أَبُو زَكَرِيَّا الوحاظي بِضَم الْوَاو وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة وبالظاء الْمُعْجَمَة الْحِمصِي الْحَافِظ الْفَقِيه مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي فليح بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة تقدم فِي أول كتاب الْعلم. الثَّالِث سعيد بن الْحَارِث الْأنْصَارِيّ قَاضِي الْمَدِينَة. الرَّابِع جَابر بن عبد الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وبصيغة الْجمع فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَفِيه السُّؤَال وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين حمصي ومدني. (ذكر من أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ من طَرِيق سعيد بن الْحَارِث وَأخرجه مُسلم من حَدِيث عبَادَة عَن جَابر مطولا وَفِيه " إِذا كَانَ وَاسِعًا فَخَالف بَين طَرفَيْهِ وَإِن كَانَ ضيقا فاشدده على حقوك " وَأخرجه أَبُو دَاوُد كَذَلِك قَوْله " على حقوك " بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسرهَا الْإِزَار وَالْأَصْل فِيهِ معقد الْإِزَار ثمَّ سمى بِهِ الْإِزَار للمجاورة وَجمعه أَحَق وأحقاء
(ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه) قَوْله " فِي بعض أَسْفَاره " عينه مُسلم فِي رِوَايَته " غَزْوَة بواط " بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَبعد الْألف طاء مُهْملَة قَالَ الصغاني بواط جبال جُهَيْنَة من نَاحيَة ذِي خشب وَبَين بواط وَالْمَدينَة ثَلَاثَة برد أَو أَكثر وَقَالَ ابْن اسحق جَمِيع مَا غزا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِنَفسِهِ الْكَرِيمَة سبع وَعِشْرُونَ غَزْوَة. ودان وَهِي غَزْوَة الْأَبْوَاء وغزوة بواط من نَاحيَة رضوى ثمَّ عد الْجَمِيع قَوْله " فَجئْت " أَي إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " لبَعض أَمْرِي " أَي لأجل بعض حوائجي وَالْأَمر هُوَ وَاحِد الْأُمُور لَا وَاحِد الْأَوَامِر قَوْله " يُصَلِّي " فِي مَحل النصب على أَنه مفعول ثَان لوجدت قَوْله " وعَلى ثوب وَاحِد " جملَة إسمية فِي مَحل النصب على الْحَال قَوْله " وَصليت إِلَى جَانِبه " كلمة إِلَى فِي الأَصْل للانتهاء فَالْمَعْنى صليت منتهيا إِلَى جَانِبه وَيجوز أَن تكون بِمَعْنى فِي لِأَن حُرُوف الْجَرّ يقوم بَعْضهَا مقَام بعض وَيجوز أَن يُقَال فِيهِ تضمين معنى الانضمام أَي صليت مُنْضَمًّا إِلَى جَانِبه قَوْله " فَلَمَّا انْصَرف " أَي من الصَّلَاة واستقبال الْقبْلَة قَوْله " فَقَالَ مَا السرى " بِضَم السِّين مَقْصُورا وَهُوَ السّير بِاللَّيْلِ وَهُوَ اسْتِفْهَام عَن سَبَب سراه بِاللَّيْلِ وَالسُّؤَال لَيْسَ عَن نفس السرى بل عَن سَببه قَوْله " مَا هَذَا الاشتمال " كَأَنَّهُ اسْتِفْهَام إِنْكَار وَسبب الْإِنْكَار أَن الثَّوْب كَانَ ضيقا وَأَنه خَالف بَين طَرفَيْهِ وتواقص أَي انحنى عَلَيْهِ حَتَّى لَا يسْقط فَكَأَنَّهُ عِنْد الْمُخَالفَة بَين طرفِي الثَّوْب لم يصر ساترا إِذا انحنى ليستتر فَأعلمهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِأَن مَحل ذَلِك فِيمَا إِذا كَانَ الثَّوْب وَاسِعًا وَأما إِذا كَانَ ضيقا فَإِنَّهُ يجْزِيه أَن يتزر بِهِ لِأَن الْمَقْصُود هُوَ ستر الْعَوْرَة وَهُوَ يحصل بالاتزار وَلَا يحْتَاج إِلَى الانحناء المغاير للاعتدال الْمَأْمُور بِهِ قَوْله " كَانَ ثوبا " أَي كَانَ الْمُشْتَمل بِهِ ثوبا فَيكون انتصاب ثوبا على أَنه خبر كَانَ وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وكريمة " كَانَ ثوب " بِالرَّفْع وَوَجهه أَن تكون كَانَ تَامَّة فَلَا تحْتَاج إِلَى الْخَبَر وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " كَانَ ثوبا ضيقا " قَوْله " فاتزر بِهِ " أَمر وَقَالَ الْكرْمَانِي بإدغام الْهمزَة المقلوبة تَاء فِي التَّاء وَقَول التصريفيين اتزر خطأ هُوَ الْخَطَأ (قلت) تَحْقِيق هَذِه الْمَادَّة أَن أصل الْفِعْل أزر على ثَلَاثَة أحرف فَلَمَّا نقل إِلَى بَاب الافتعال صَار امتزر على وزن افتعل بهمزتين أولاهما مَكْسُورَة وَهِي همزَة الافتعال وَالْأُخْرَى سَاكِنة وَهِي همزَة الْفِعْل ثمَّ يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ أَحدهمَا أَن تقلب الْهمزَة يَاء آخر الْحُرُوف فَيُقَال أيتزر وَالْآخر أَن تقلب تَاء مثناة من فَوق وتدغم التَّاء فِي التَّاء وَهُوَ معنى قَول الْكرْمَانِي بإدغام الْهمزَة المقلوبة تَاء فِي التَّاء وَلَفظ الحَدِيث على الْوَجْه الأول. (ذكر استنباط الحكم مِنْهُ) قَالَ الْخطابِيّ الاشتمال الَّذِي أنكرهُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هُوَ اشْتِمَال الصماء وَهُوَ أَن يُجَلل نَفسه بِثَوْبِهِ وَلَا يرفع شَيْئا من جوانبه وَلَا يُمكنهُ إِخْرَاج يَدَيْهِ إِلَّا من أَسْفَله فيخاف أَن تبدو عَوْرَته عِنْد ذَلِك وَقَالَ ابْن بطال حَدِيث جَابر هَذَا تَفْسِير حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي فِي الْبَاب الْمُتَقَدّم وَهُوَ " لَا يصلين أحدكُم فِي الثَّوْب الْوَاحِد لَيْسَ على عَاتِقه مِنْهُ شَيْء " فِي أَنه أَرَادَ الثَّوْب الْوَاسِع الَّذِي يُمكن أَن يشتمله وَأما إِذا كَانَ ضيقا فَلم يُمكنهُ أَن يشْتَمل بِهِ فليتز بِهِ وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قيل الحَدِيث السَّابِق فِيهِ نهي عَن الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد متزرا بِهِ وَظَاهره يُعَارض " وَإِن كَانَ ضيقا فاتزر بِهِ " وَأجَاب الطَّحَاوِيّ بِأَن النَّهْي عَنهُ للواجد لغيره وَأما من لم يجد غَيره فَلَا بَأْس بِالصَّلَاةِ فِيهِ كَمَا لَا بَأْس بِالصَّلَاةِ فِي الثَّوْب الضّيق متزرا. وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ جَوَاز طلب الْحَوَائِج بِاللَّيْلِ من السُّلْطَان لخلأ مَوْضِعه وَجَوَاز مَجِيء الرجل إِلَى غَيره بِاللَّيْلِ لِحَاجَتِهِ. وَمن ذَلِك أَن الثَّوْب إِذا كَانَ وَاسِعًا يُخَالف بَين طَرفَيْهِ وَإِن كَانَ ضيقا يتزر بِهِ.
٢٨ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يحيى عَن سُفْيَان قَالَ حَدثنِي أَبُو حَازِم عَن سهل قَالَ كَانَ رجال يصلونَ مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عاقدي أزرهم على أَعْنَاقهم كَهَيئَةِ الصّبيان) ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي أول بَاب عقد الْإِزَار على الْقَفَا مُعَلّقا حَيْثُ قَالَ وَقَالَ أَبُو حَازِم عَن سهل " صلوا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عاقدي أزرهم على عواتقهم " وَأخرجه هَهُنَا مُسْندًا عَن مُسَدّد بن مسرهد عَن يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة سَلمَة بن دِينَار عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى آخِره وَأخرجه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن كثير وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأَنْبَارِي عَن وَكِيع بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبيد الله بن سعيد عَن يحيى بِهِ وَلَفظ أبي دَاوُد عَن سهل بن سعد قَالَ " رَأَيْت الرِّجَال عاقدي