«أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٨٠

الحديث رقم ٣٨٠ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصلاة على الحصير.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته…

«أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَلِأُصَلِّ لَكُمْ. قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا، قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ، وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ».

سند حديث: ٣٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ…

٣٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته…

دعت مليكة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته، وقد جبله الله تعالى على أعلى المكارم وأسمى الأخلاق، ومنها التواضع الجم، فكان على جلالة قدره وعلو مكانه يجيب دعوة الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والغني والفقير، يريد بذلك الأهداف السامية، والمقاصد الجليلة من جبر قلوب البائسين، والتواضع للمساكين، وتعليم الجاهلين، إلى غير ذلك من مقاصده الحميدة، فجاء إلى هذه الداعية، وأكل من طعامها، ثم اغتنم هذه الفرصة ليعلِّم هؤلاء المستضعفين الذين ربما لا يزاحمون الكبار على مجالسه المباركة، فأمرهم بالقيام ليصلي بهم، حتى يتعلموا منه كيفية الصلاة، فعمد أنس إلى حصير قديم، قد اسود من طول المكث والاستعمال، فغسله بالماء، فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بهم، وصف أنسا، ويتيما معه، صفا واحدا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وصفت العجوز-صاحبة الدعوة- من وراء أنس واليتيم، تصلي معهم، فصلى بهم ركعتين، ثم انصرف صلى الله عليه وسلم بعد أن قام بحق الدعوة والتعليم صلى الله عليه وسلم ، ومنَّ الله علينا باتباعه في أفعاله وأخلاقه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • ما كان عليه -صلى الله عليه وسلم- من التواضع، وإجابة دعوة الداعي، ولو كان امرأة.
  • صحة مصافة الذي لم يبلغ في الصلاة؛ لأنَّ اليتيم يطلق على من مات أبوه ولم يبلغ.
  • الأفضل في موقف المأمومين، أن يكونوا خلف الإمام.
  • موقف المرأة، يكون خلف الرجال.
  • جواز الاجتماع في النوافل التي لم يشرع لها اجتماع، إذا لم يتخذ ذلك عادة مستمرة.
  • جواز الصلاة، لقصد التعليم بها، أو غير ذلك من المقاصد الدينية النافعة المفيدة.
  • تواضع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكرم خلقه.
  • استحباب إجابة دعوة الداعي، لاسيما لمن يحصل بإجابته جبر خواطرهم، وتطمين قلوبهم، ما لم تكن وليمة عرس، فعند ذلك تجب إجابة الدعوة.
  • الافتراش يسمى لبسا.
  • عناية الإسلام بمنع الاختلاط.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ (فِي السَّفِينَةِ) كلٌّ منهما حال كونه (قَائِمًا) كذا في الفرع، وفي غيره: «قيامًا» بالجمع، وأراد التَّثنية، وأدخل المؤلِّف هذا الأثر هنا لِمَا بينهما من المُناسبَة بجامع الاشتراك في الصَّلاة على غير الأرض؛ لئلَّا يُتوهَّم من قوله لمعاذٍ: «عفِّر وجهك في التُّراب» اشتراطُ مُباشرةِ المصلِّي الأرض.

(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ أيضًا خطابًا لمن سأله عن الصَّلاة في السَّفينة: هل يصلِّي قائمًا أو قاعدًا؟ فأجابه: (تُصَلِّي) حال كونك (قَائِمًا مَا لَمْ تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ) بالقيام (تَدُورُ مَعَهَا) أي: مع السَّفينة حيثما دارت (وَإِلَّا) بأن كان يشقُّ عليهم (فَقَاعِدًا) أي: فصلِّ حال كونك قاعدًا لأنَّ الحرج مرفوعٌ، نعم جوَّز أبو حنيفة الصَّلاة في السَّفينة قاعدًا مع القدرة على القيام، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «يصلِّي» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة، وكذا: «يشقُّ على أصحابه» بضمير الغائب، «يدور» بالتَّحتيَّة كذلك، وفي متن الفرع: «وقال الحسن: قائمًا .... » إلى آخره، فأسقط لفظ «يصلِّي».

٣٨٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) أي: التِّنِّيسيُّ، وللأربعة: «عبد الله بن يوسف» (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو إمام الأئمَّة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي: «عن إسحاق ابن أبي طلحة» فأسقط أباه ونسبه لجدِّه (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَدَّتَهُ) أي: جدّة إسحاق لأبيه، وبه (١) جزم ابن عبد البرِّ وعياضٌ وعبد الحقِّ

وصحَّحه النَّوويُّ، واسمها (مُلَيْكَة) بضمِّ الميم، بنت مالك بن عَدِيٍّ، وهي والدة أُمِّ أنسٍ لأنَّ أمَّه أمَّ سُلَيمٍ أمُّها مُلَيْكَة المذكورة، أو الضَّمير في جدَّته يعود على أنسٍ نفسِه، وبه جزم ابن سعدٍ وابن منده وابن الحصَّار، وهو مقتضى ما في النِّهاية لإمام الحرمين لحديث إسحاق ابن أبي طلحة عن أنسٍ عند (١) أبي الشَّيخ في «فوائد العراقيِّين» قال: أرسلتني جدَّتي (دَعَتْ رَسُولَ اللهِ لِطَعَامٍ) أي: لأجل طعامٍ (صَنَعَتْهُ) مُلَيْكَةُ جدَّة إسحاق، أو ابنتها أُمُّ سُلَيمٍ والدة أنسٍ (لَهُ) (فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ) بكسر اللَّام وضمِّ الهمزة وفتح الياء، على أنَّها لام «كي»، والفعل بعدها منصوبٌ بأنْ «مُضمَرةً»، واللَّامُ ومصحوبُها خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: قوموا فقيامكم لأن أصلِّي لكم، ويجوز أن تكون الفاء (٢) زائدةً على رأي الأخفش، واللَّام متعلِّقةً بـ «قوموا»، وفي روايةٍ: «فلأصلِّي» بكسر اللَّام على أنَّها لام «كي»، وسكون الياء على لغة التَّخفيف، أو لام الأمر، وثبتت الياء في الجزم إجراءً للمعتلِّ مجرى الصَّحيح، وللأربعة: «فلَأصلِّيْ» بفتح اللَّام مع سكون الياء، على أنَّ اللَّام لام ابتداءٍ للتَّأكيد، أو هي لام الأمر فُتِحت على لغة بني سليمٍ، وثبتت الياء في الجزم إجراءً للمُعتَلِّ مجرى الصَّحيح (٣) كقراءة قنبل: ﴿مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] أو «اللَّامُ» جوابُ قسمٍ محذوفٍ، و «الفاء» جوابُ شرطٍ محذوفٍ، أي: إن قمتم فوالله لأصلِّي لكم، وتعقَّبه ابن السِّيْد، فقال: وغلط مَن توهَّم أنَّه قسمٌ لأنَّه (٤) لاوجه للقسم، ولو أُريد ذلك لقال: لأصلِّينَّ، بالنُّون، وفي رواية الأَصيليِّ: «فلأصلِّ» بكسر اللَّام وحذف الياء، على أنَّ اللَّام للأمر، والفعل مجزومٌ بحذفها، ولم يَعْزُها في الفرع لأحدٍ، وفي روايةٍ حكاها ابن قرقول: «فلنْصلِّ» بكسر اللَّام وبالنُّون والجزم، وحينئذٍ فاللَّام للأمر، وكسرُها لغةٌ

معروفةٌ، وفي روايةٍ قِيلَ إنَّها للكُشْمِيْهَنِيِّ -قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف عليها في نسخةٍ صحيحةٍ-: «فأصلِّيْ» بغير لامٍ مع سكون الياء، على صيغة الإخبار عن نفسه، وهو خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فأنا أصلِّي (لَكُمْ) أي: لأجلكم، وإن كان الظَّاهر أن يقول: بكم، بالمُوحَّدة، والأمر في قوله: «قوموا»، قال السُّهيليُّ -فيما حكاه في «فتح الباري» -: بمعنى الخبر. كقوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] أو هو أمرٌ لهم بالائتمام، لكن أضافه إلى نفسه لارتباط تعليمهم (١) بفعله. انتهى. فإن قلت: لِمَ بدأ في قصَّة عتبان بن مالكٍ بالصَّلاة قبل الطَّعام [خ¦٤٢٥] وهنا بدأ به قبل الصَّلاة؟ أُجيب بأنَّه بدأ في كلٍّ منهما بأصل ما دُعِي لأجله أو دُعِي لهما، ولعلَّ مُلَيْكَة كان غرضها الأعظم الصَّلاة، ولكنها جعلت الطَّعام مقدِّمةً لها.

(قَالَ أَنَسٌ) : (فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ) بضمِّ اللَّام وكسر الباء المُوحَّدة، أي: استُعمِل، ولُبْسُ كلِّ شيءٍ بحسبه (فَنَضَحْتُهُ) أي: رششته (بِمَاءٍ) تليينًا له أو تنظيفًا (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ) على الحصير (وَصَفَفْتُ وَاليَتِيمَ) هو ضُمَيْرة بن أبي

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَاف. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي اتعالى عَنهُ، أَنه كَانَ يُؤْتى بِتُرَاب فَيُوضَع على الْخمْرَة فَيسْجد عَلَيْهِ. قلت: كَانَ هَذَا مِنْهُ على تَقْدِير الصِّحَّة للْمُبَالَغَة فِي التَّوَاضُع والخشوع، لَا على أَنه كَانَ لَا يرى الصَّلَاة على الْخمْرَة، وَكَيف هَذَا وَقد صلى عَلَيْهَا وَهُوَ أَكثر تواضعاً وَأَشد خضوعاً؟ فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة عَن عُرْوَة أَنه كَانَ يكره على كل شَيْء دون الأَرْض. قلت: لَا حجَّة لأحد فِي خلاف مَا فعله النَّبِي، وَيُمكن أَن يُقَال: إِن مُرَاده من الْكَرَاهَة التَّنْزِيه، وَكَذَا يُقَال فِي كل من رُوِيَ عَنهُ مثله.

٩٧٣٥٤ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ عنْ خالِدٍ قالَ حدّثنا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قالتْ كانَ رسولُ اللَّهِ يُصَلِّي وأنَا حِذَاءَهُ وأَنَا حائِضٌ وَرُبَّما أصابَنِي ثَوْبُهُ إذَا سَجَدَ قالتْ وَكَانَ يُصَلِّي عَلى الخُمْرَةِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة تقدم ذكرهم، وخَالِد هُوَ ابْن عبد االواسطي الطَّحَّان أَبُو الْهَيْثَم، وَسليمَان هُوَ أَبُو إِسْحَاق التَّابِعِيّ، وَعبد ابْن شَدَّاد بن الْهَاد، ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث أم الْمُؤمنِينَ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي وكوفي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن الْحسن بن مدرك، وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن عَمْرو بن زُرَارَة وَعَن أبي النُّعْمَان. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عَمْرو بن عون. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه. قَوْله: (يُصَلِّي) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ. قَوْله: (وَأَنا حذاءه) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا أَي: وَالْحَال أَنا بإزائه ومحاذيه، والحذاء والحذوة والحذة كلهَا بِمَعْنى. قَالَ الْكرْمَانِي: حذاءه، نصب على الظَّرْفِيَّة، ويروى: حذاؤه، بِالرَّفْع. قلت: الصَّحِيح الرّفْع على الخبرية. قَوْله: (وَأَنا حَائِض) أَيْضا جملَة إسمية وَقعت حَالا إِمَّا من الْأَحْوَال المترادفة أَو من الْأَحْوَال المتداخلة الأولى: بِالْوَاو وَالضَّمِير، وَالثَّانيَِة: بِالْوَاو فَقَط. قَوْله: (وَرُبمَا) كلمة رُبمَا تحْتَمل التقليل حَقِيقَة والتكثير مجَازًا. قَوْله: (على الْخمْرَة) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم: سجادة صَغِيرَة تعْمل من سعف النّخل وترمل بالخيوط. قيل: سميت خمرة لِأَنَّهَا تستر وَجه الْمُصَلِّي عَن الأَرْض. وَمِنْه سمي الْخمار الَّذِي يستر الرَّأْس. وَقَالَ ابْن بطال: الْخمْرَة مصلى صَغِير ينسج من السعف، فَإِن كَانَ كَبِيرا قدر طول الرجل أَو أَكثر فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ حينئذٍ: حَصِير، وَلَا يُقَال لَهُ خمرة، وَجَمعهَا: خمر. وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: (جَاءَت فَأْرَة فَأخذت تجر الفتيلة فَجَاءَت بهَا فألقتها بَين يَدي رَسُول ا، على الْخمْرَة الَّتِي كَانَ قَاعِدا عَلَيْهَا، فأحرقت مِنْهَا مثل مَوضِع دِرْهَم) . وَهَذَا ظَاهر فِي إِطْلَاق الْخمْرَة على الْكَبِيرَة من نوعها.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام. الأول: فِيهِ جَوَاز مُخَالطَة الْحَائِض. الثَّانِي: فِيهِ طَهَارَة بدن الْحَائِض وثوبها. الثَّالِث: إِذا أصَاب ثوب الْمُصَلِّي الْمَرْأَة لَا يضر ذَلِك صلَاته وَلَو كَانَت الْمَرْأَة حَائِضًا. الرَّابِع: جَوَاز الصَّلَاة على الْخمْرَة من غير كَرَاهَة، وَعَن ابْن الْمسيب: الصَّلَاة على الْخمْرَة سنة، وَقد فعل ذَلِك جَابر وَأَبُو ذَر وَزيد بن ثَابت وَابْن عمر رَضِي اتعالى عَنْهُم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: أَن الصَّلَاة لَا تبطل بمحاذاة الْمُصَلِّي، وَتَبعهُ بَعضهم فَقَالَ. وَفِيه: أَن محاذاة الْمَرْأَة لَا تفْسد الصَّلَاة. قلت: قصدهما بذلك الغمز فِي مَذْهَب أبي حنيفَة فِي أَن محاذاة الْمَرْأَة للْمُصَلِّي مفْسدَة لصَلَاة الرجل، وَلَكِن هَيْهَات لما قَالَا لِأَن الْمُحَاذَاة الْمفْسدَة عِنْده أَن يكون الرجل وَالْمَرْأَة مشتركين فِي الصَّلَاة أَدَاء وتحريمة، وَهُوَ أَيْضا يَقُول: إِن الْمُحَاذَاة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الحَدِيث غير مفْسدَة، فحينئذٍ إطلاقهما الحكم فِيهِ غير صَحِيح، وَهُوَ من ضَرْبَان عرق العصبية.

٠٢ - (بابُ الصَّلاةِ عَلَى الحَصِيرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة على الْحَصِير، يَعْنِي جَائِزَة، والحصير، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ. وَذكر ابْن سَيّده

فِي (الْمُحكم) و (الْمُحِيط) الْأَعْظَم: أَنَّهَا سفيفة تصنع من بردى وأسل، ثمَّ تفرش، سمي بذلك لِأَنَّهُ على وَجه الأَرْض، وَوجه الأَرْض يُسمى حَصِيرا، والسفيفة، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وبالفاءين: شَيْء يعْمل من الخوص كالزنبيل؛ والأسل، بِفَتْح الْهمزَة وَالسِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره لَام. نَبَات لَهُ أَغْصَان كَثِيرَة دقاق لَا ورق لَهَا. وَفِي (الجمهرة) : والحصير عَرَبِيّ، سمي حَصِيرا لانضمام بَعْضهَا إِلَى بعض. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْحَصِير البارية.

فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَالْبَاب الَّذِي قبله؟ قلت: قد ذكرت عِنْد قَوْله: بَاب عقد الْإِزَار على الْقَفَا، أَن الْأَبْوَاب الْمُتَعَلّقَة بالثياب سَبْعَة عشر بَابا، والمناسبة بَينهَا ظَاهِرَة، غير أَنه تخَلّل بَين هَذِه الْأَبْوَاب خَمْسَة أَبْوَاب لَيْسَ لَهَا تعلق بِأَحْكَام الثِّيَاب، وَقد ذكرنَا وَجه تخللها والمناسبة بَينهَا هُنَاكَ فَارْجِع إِلَيْهِ تظفر بجوابك.

وَصَلَّى جابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ فِي السَّفِينَةِ قائِماً.

الْكَلَام فِيهِ من وُجُوه.

الأول فِي مَعْنَاهُ: وَاسم أبي سعيد: سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ. قَوْله: (فِي السَّفِينَة) هِيَ: الْفلك لِأَنَّهَا تسفن وَجه المَاء أَي تقشره، فعيلة بِمَعْنى فاعلة، وَالْجمع سفائن وسفن وسفين. قَوْله: (قيَاما) جمع قَائِم وَأَرَادَ بِهِ التَّثْنِيَة أَي: قَائِمين، نصب على الْحَال وَفِي بعض النّسخ: قَائِما، بِالْإِفْرَادِ بِتَأْوِيل كل مِنْهُمَا قَائِما.

الثَّانِي: أَن هَذَا تَعْلِيق وَصله أَبُو بكر بن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح: عَن عبيد ابْن أبي عتبَة مولى أنس، قَالَ: (سَافَرت مَعَ أبي الدَّرْدَاء وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَجَابِر بن عبد اوأناس قد سماهم، قَالَ: فَكَانَ إمامنا يُصَلِّي بِنَا فِي السَّفِينَة قَائِما، وَنُصَلِّي خَلفه قيَاما، وَلَو شِئْنَا لأرفينا) . أَي: لأرسينا. يُقَال أرسى السَّفِينَة بِالسِّين الْمُهْملَة، وأرفى، بِالْفَاءِ: إِذا وقف بهَا على الشط. وَالْبُخَارِيّ اقْتصر هُنَا على ذكر الْإِثْنَيْنِ، وهما: جَابر وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي اتعالى عَنْهُمَا.

الثَّالِث: فِي وَجه مُنَاسبَة إِدْخَال هَذَا الْأَثر فِي بَاب الصَّلَاة على الْحَصِير، فَقَالَ ابْن الْمُنِير: لِأَنَّهُمَا اشْتَركَا فِي الصَّلَاة على غير الأَرْض لِئَلَّا يتخيل أَن مُبَاشرَة الْمُصَلِّي الأَرْض شَرط من، قَوْله: عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِمعَاذ رَضِي اتعالى عَنهُ: (عفر وَجهك فِي التُّرَاب) . قلت: ثمَّة وَجه أقوى مِمَّا ذكره فِي الْمُنَاسبَة وَهُوَ أَن هَذَا الْبَاب فِي الصَّلَاة على الْحَصِير، وَفِي الْبَاب الَّذِي قبله: وَكَانَ يُصَلِّي على الْخمْرَة، وكل وَاحِد من الْحَصِير والخمرة يعْمل من سعف النّخل، وَيُسمى: سجادة، والسفينة أَيْضا مثل السجادة على وَجه المَاء، فَكَمَا أَن الْمُصَلِّي يسْجد على الْخمْرَة والحصير دون الأَرْض، فَكَذَلِك الَّذِي يُصَلِّي فِي السَّفِينَة يسْجد على غير الأَرْض.

الرَّابِع فِي استنباط الحكم مِنْهُ: وَهُوَ أَن الصَّلَاة فِي السَّفِينَة إِنَّمَا تجوز: إِذا كَانَ قَائِما. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تجوز قَائِما وَقَاعِدا بِعُذْر وَبِغير عذر. وَبِه قَالَ الْحسن بن مَالك وَأَبُو قلَابَة وَطَاوُس، روى عَنهُ ابْن أبي شيبَة، وروى أَيْضا عَن مُجَاهِد أَن جُنَادَة بن أبي أُميَّة قَالَ: (كُنَّا نغزو مَعَه لَكنا نصلي فِي السَّفِينَة قعُودا) ، أَو لِأَن الْغَالِب دوران الرَّأْس فَصَارَ كالمحقق، وَالْأولَى أَن يخرج إِن اسْتَطَاعَ الْخُرُوج مِنْهَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا تجوز قَاعِدا إلَاّ من عذر، لِأَن الْقيام ركن فَلَا يتْرك إلَاّ من عذر، وَالْخلاف فِي غير المربوطة، فَلَو كَانَت مربوطة لم تجز قَاعِدا إِجْمَاعًا. وَقيل: تجوز عِنْده فِي حالتي الإجراء والإرساء وَيلْزمهُ التَّوَجُّه عِنْد الِافْتِتَاح كلما دارت السَّفِينَة لِأَنَّهَا فِي حَقه كالبيت، حَتَّى لَا يتَطَوَّع فِيهَا مومياً مَعَ الْقُدْرَة على الرُّكُوع وَالسُّجُود، بِخِلَاف رَاكب الدَّابَّة.

وَقَالَ الحَسَنُ تُصلِّي قائِماً مَا لَمْ تَشُقَّ على أصْحَابِكَ تَدُورُ مَعَها وَإِلَّا فَقاعِداً.

الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح: حدّثنا حَفْص عَن عَاصِم عَن الشّعبِيّ، وَالْحسن وَابْن سِيرِين أَنهم قَالُوا: صل فِي السَّفِينَة قَائِما. وَقَالَ الْحسن: لَا تشق على أَصْحَابك، وَفِي رِوَايَة الرّبيع بن صبيح: أَن الْحسن ومحمداً قَالَا: يصلونَ فِيهَا قيَاما جمَاعَة، ويدورون مَعَ الْقبْلَة حَيْثُ دارت. وَالْبُخَارِيّ اقْتصر على الذّكر عَن الْحسن. قَوْله: (تصلي) خطاب لمن سَأَلَهُ عَن الصَّلَاة فِي السَّفِينَة: هَل يُصَلِّي قَائِما أَو قَاعِدا؟ فَأجَاب لَهُ: (تصلي قَائِما) أَي: حَال كونك قَائِما (مَا لم تشق على أَصْحَابك تَدور مَعهَا) أَي: مَعَ السَّفِينَة. قَوْله: (وإلَاّ) أَي؛ وَإِن شقّ على أَصْحَابك الْقيام فقاعداً، أَي: فصل حَال كونك قَاعِدا، لِأَن الْحَرج مَدْفُوع.

٠٨٣٦٤ - ح دّثنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ أخْبرنا مالكٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أبي طَلْحَةَ عَنْ أنَسِ بنِ

مالِكٍ أنَّ جَدَّتَهُ مُليْكَةَ دَعَتْ رسولَ اللَّهِ لَطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: (قُومُوا فَلأضلِّيَ لَكُمْ) قَالَ أنَسٌ فَقمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ فَقَامَ رَسولُ الله وَصَفَفْتُ واليَتِيمَ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَّلَى لَنا رَسولُ الله رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ. (الحَدِيث ٠٨٣ أَطْرَافه فِي: ٧٢٧، ٠٦٨، ١٧٨، ٤٧٨، ٤٦١١) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: عبد ابْن يُوسُف التنيسِي، وَالْإِمَام مَالك بن أنس وَإِسْحَاق بن عبد ابْن أبي طَلْحَة، وَرُبمَا يُقَال إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة، بنسبته إِلَى جده، وَاسم أبي طَلْحَة: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ النجاري، وَكَانَ مَالك لَا يقدم على إِسْحَاق أحد فِي الحَدِيث، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. وَالرَّابِع: أنس بن مَالك خَادِم النَّبِي. وَالْخَامِس: جدته مليكَة، بِضَم الْمِيم، والآن يَأْتِي بَيَانهَا مفصلا.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين وَفِيه: عَن إِسْحَاق بن عبد ابْن أبي طَلْحَة، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والحموي: عَن إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة بنسبته إِلَى جده. وَفِيه: الِاخْتِلَاف فِي الضَّمِير الَّذِي فِي جدته. فَقَالَ ابْن عبد الْبر وَعبد الْحق وعياض يعود على إِسْحَاق، وَصَححهُ النَّوَوِيّ، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حدّثنا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حدّثنا الْمثنى بن سعيد حدّثنا قَتَادَة عَن أنس بن مَالك: (أَن النَّبِي كَانَ يزور أم سليم فَتُدْرِكهُ الصَّلَاة أَحْيَانًا فَيصَلي على بِسَاط لنا، وَهُوَ حَصِير ننضحه بِالْمَاءِ) . وَأم سليم هِيَ: أم أنس، وَأمّهَا مليكَة بنت مَالك بن عدي، وَهِي جدة أنس. وَاخْتلف فِي اسْم: أم سليم، فَقيل: سهلة. وَقيل: رميلة. وَقيل: رميثة. وَقيل: الرميصاء. وَقيل: الغميصاء. وَقيل: أنيفة، بالنُّون وَالْفَاء مصغرة، وَتزَوج أم سليم: مَالك بن النَّضر فَولدت لَهُ أنس بن مَالك، ثمَّ خلف عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَة فَولدت لَهُ: عبد اوأبا عُمَيْر، وَعبد اهو وَالِد إِسْحَاق، رَاوِي هَذَا الحَدِيث عَن عَمه أخي أَبِيه لأمه: أنس بن مَالك. وَقَالَ ابْن سعد وَابْن مَنْدَه وَابْن الْحصار: يعود الضَّمِير فِي جدته على أنس نَفسه، وَيُؤَيِّدهُ مَا ذكره أَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الْحَادِي عشر من (فَوَائِد الْعِرَاقِيّين) : حدّثنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ؛ حدّثنا مقدم بن مُحَمَّد بن يحيى عَن عَمه الْقَاسِم بن يحيى عَن عبيد ابْن عمر عَن إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة، عَن أنس، قَالَ: (أرْسلت، جدتي إِلَى النَّبِي وَاسْمهَا مليكَة فجاءنا فَحَضَرت الصَّلَاة فَقُمْت إِلَى حَصِير لنا) الحَدِيث. وَلَا تنَافِي بَين كَون مليكَة جدة أنس، وَبَين كَونهَا جدة إِسْحَاق.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَعَن أبي نعيم وَعَن عبد ابْن مُحَمَّد المسندي. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى، وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي، وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن بن عِيسَى، وَالنَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة.

ذكر اخْتِلَاف أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث: وَعند مُسلم: (فَرُبمَا تحضر الصَّلَاة وَهُوَ فِي بيتنا، فيأمر بالبساط الَّذِي تَحْتَهُ فيكنس ثمَّ ينضح، ثمَّ يؤم رَسُول الله فنقوم خَلفه، وَكَانَ بساطهم من جريد النّخل) . وَعند ابْن أبي شيبَة: عَن أنس بن مَالك، قَالَ: (صنع بعض عمومتي للنَّبِي طَعَاما، فَقَالَ إِنِّي أحب أَن تَأْكُل فِي بَيْتِي وَتصلي فِيهِ. قَالَ: فَأَتَاهُ وَفِي الْبَيْت فَحل من تِلْكَ الفحول، فَأمر بِجَانِب مِنْهُ فكنس. ورش فصلى فصلينا مَعَه) . وَعند النَّسَائِيّ: (أَن أم سليم سَأَلت رَسُول الله أَن يَأْتِيهَا فَيصَلي فِي بَيتهَا فتتخذه مصلى، فَأَتَاهَا فعمدت إِلَى حَصِير فنضحته فصلى عَلَيْهِ، وصلينا مَعَه) . وَفِي (الغرائب) للدارقطني: عَن أنس، قَالَ: (صنعت مليكَة طَعَاما لرَسُول الله فَأكل مِنْهُ وَأَنا مَعَه، ثمَّ دَعَا بِوضُوء فَتَوَضَّأ، ثمَّ قَالَ لي: قُم فَتَوَضَّأ وَمر الْعَجُوز فلتتوضأ وَمر هَذَا الْيَتِيم فَليَتَوَضَّأ. فلأصلي لكم. قَالَ: فعمدت إِلَى حَصِير عندنَا خلق قد اسود) . وَفِي رِوَايَة: (قِطْعَة حَصِير عندنَا خلق) . وَفِي (سنَن الْبَيْهَقِيّ) من حَدِيث أبي قلَابَة: عَن أنس (أَن النَّبِي، كَانَ يَأْتِي أم سليم يقيل عِنْدهَا، وَكَانَ يُصَلِّي على نطع، وَكَانَ كثير الْعرق فتتبع الْعرق من النطع فتجعله فِي الْقَوَارِير مَعَ الطّيب، وَكَانَ يُصَلِّي على الْخمْرَة) .

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (لطعام) أَي: لأجل طَعَام، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ مشْعر بِأَن مَجِيئه كَانَ لذَلِك لَا ليُصَلِّي بهم ليتخذوا مَكَان صلَاته مصلى لَهُم، كَمَا فِي قصَّة عتْبَان بن مَالك الْآتِيَة، وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي كَونه بَدَأَ فِي قصَّة عتْبَان بِالصَّلَاةِ قبل الطَّعَام، وَهَهُنَا بِالطَّعَامِ قبل الصَّلَاة، فَبَدَأَ فِي كل مِنْهُمَا بِأَصْل مَا دعِي لَهُ. قلت: لَا مَانع فِي الْجمع بَين الدُّعَاء للطعام وَبَين الدُّعَاء للصَّلَاة، وَلِهَذَا صلى رَسُول الله فِي هَذَا الحَدِيث، وَالظَّاهِر أَن قصد مليكَة من دعوتها كَانَ للصَّلَاة، وَلكنهَا جعلت الطَّعَام مُقَدّمَة لَهَا. وَقَوله: وَهَذَا هُوَ السِّرّ إِلَى آخِره، فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن الطَّعَام كَانَ قد حضر وتهيأ فِي دَعْوَة مليكَة، وَالطَّعَام إِذا حضر لَا يُؤَخر فَيقدم على الصَّلَاة، وَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ فِي قصَّة عتْبَان لعدم حُضُور الطَّعَام.

قَوْله: (فنضحته) من النَّضْح وَهُوَ الرش، وَذَلِكَ إِمَّا لأجل تلبين الْحَصِير، أَو لإِزَالَة الأوساخ مِنْهُ لِأَنَّهُ أسود من كَثْرَة الِاسْتِعْمَال. وَقَوله: (من طول مَا لبس) كِنَايَة عَنْهَا وأصل هَذِه الْمَادَّة تدل على مُخَالطَة ومداخلة، وَلَيْسَ هَهُنَا: لبس، من: لبست الثَّوْب، وَإِنَّمَا هُوَ من قَوْلهم: لبست امْرَأَة، أَي: تمتعت بهَا زَمَانا، فحينئذٍ يكون مَعْنَاهُ: قد اسود من كَثْرَة مَا تمتّع بِهِ طول الزَّمَان، وَمن هَذَا يظْهر لَك بطلَان قَول بَعضهم، وَقد اسْتدلَّ بِهِ على منع افتراش الْحَرِير لعُمُوم النَّهْي عَن لبس الْحَرِير، وَقصد هَذَا الْقَائِل الغمز فِيمَا قَالَ أَبُو حنيفَة من جَوَاز افتراش الْحَرِير وتوسده، وَلَكِن الَّذِي يدْرك دقائق الْمعَانِي ومدارك الْأَلْفَاظ الْعَرَبيَّة يعرف ذَلِك، ويقر بِأَن أَبَا حنيفَة لَا يذهب إِلَى شَيْء سدىً. قَوْله: (واليتيم) ، هُوَ ضميرَة بن أبي ضميرَة، وَأَبُو ضمير مولى رَسُول ا، كَذَا قَالَه الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) ، ثمَّ قَالَ: لَهُ ولأبيه صُحْبَة. وَقَالَ فِي (الكنى) أَبُو ضميرَة مولى رَسُول ا، كَانَ من حمير، اسْمه سعد، وَكَذَا قَالَ البُخَارِيّ: إِن اسْمه سعد الْحِمْيَرِي من آل ذِي يزن، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: سعيد الْحِمْيَرِي هُوَ جد حُسَيْن بن عبد ابْن ضميرَة بن أبي ضميرَة. انْتهى. وَيُقَال: اسْم أبي ضميرَة: روح بن سندر، وَقيل: روح بن شيرزاد؛ وضميرة، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الرَّاء فِي آخِره هَاء. قَوْله: (والعجوز) هِيَ: مليكَة الْمَذْكُورَة أَولا. قَوْله: (ثمَّ انْصَرف) أَي: من الصَّلَاة، وَذهب إِلَى بَيته.

ذكر إعرابه: قَوْله: (صَنعته) جملَة فعلية فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لطعام. قَوْله: (فلأصلي لكم) فِيهِ سِتَّة أوجه من الْإِعْرَاب. الأول: فلأصلي، بِكَسْر اللَّام وَضم الْهمزَة وَفتح الْيَاء، وَوَجهه أَن اللَّام فِيهِ. لَام كي، وَالْفِعْل بعْدهَا مَنْصُوب: بِأَن، الْمقدرَة تَقْدِيره: فَلِأَن أُصَلِّي. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: روينَاهُ كَذَا، و: الْفَاء، زَائِدَة، أَو: الْفَاء، جَوَاب الْأَمر، ومدخول: الْفَاء، مَحْذُوف تَقْدِيره: قومُوا فقيامكم لأصلي لكم. وَيجوز أَن تكون: الْفَاء، زَائِدَة على رَأْي الْأَخْفَش، وَاللَّام مُتَعَلق: بقوموا. الْوَجْه الثَّانِي: فلأصلي، مثلهَا إِلَّا أَنَّهَا سَاكِنة الْيَاء، وَوَجهه أَن تسكين الْيَاء الْمَفْتُوحَة للتَّخْفِيف فِي مثل هَذَا لُغَة مَشْهُورَة. الثَّالِث: فلأصلِّ: بِحَذْف الْيَاء، لكَون اللَّام لَام الْأَمر، وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ. الرَّابِع: فأصلي، على صِيغَة الْإِخْبَار عَن نَفسه، وَهُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: فَأَنا أُصَلِّي، وَالْجُمْلَة جَوَاب الْأَمر. الْخَامِس: فلنصل؛ بِكَسْر اللَّام فِي الأَصْل وبنون الْجمع، وَوَجهه أَن: اللَّام، لَام الْأَمر، وَالْفِعْل مجزوم بهَا وعلامة الْجَزْم سُقُوط الْيَاء. السَّادِس: فلأصلي، بِفَتْح اللَّام، وَرُوِيَ هَكَذَا فِي بعض الرِّوَايَات، وَوَجهه: أَن تكون: اللَّام، لَام الِابْتِدَاء للتَّأْكِيد، أَو تكون جَوَاب قسم مَحْذُوف، و: الْفَاء، جَوَاب شَرط مَحْذُوف تَقْدِيره: إِن قُمْتُم فوا لأصلي لكم.

قَوْله: (فصففت أَنا واليتيم) كَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: (فصففت واليتيم) ، بِغَيْر لفظ، أَنا، وَفِي مثل هَذَا خلاف بَين الْبَصرِيين والكوفيين، فَعِنْدَ الْبَصرِيين لَا يعْطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع، إلَاّ بعد أَن يُؤَكد بضمير مُنْفَصِل ليحسن الْعَطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل، بارزاً كَانَ أَو مستتراً. كَقَوْلِه تَعَالَى: {اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة} (الْبَقَرَة: ٥٣، والأعراف: ٩١) وَعند الْكُوفِيّين: يجوز ذَلِك بِدُونِ التَّأْكِيد، وَالْأول هُوَ الْأَفْصَح. قَوْله: (واليتيم) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فَلِأَنَّهُ مَعْطُوف على الضَّمِير الْمَرْفُوع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: بِالنّصب، وَلَو صَحَّ رِوَايَة الرّفْع فَهُوَ مُبْتَدأ و: وَرَاء، خَبره، وَالْجُمْلَة حَال. قلت: وَجه النصب هُوَ أَن تكون: الْوَاو، فِيهِ: وَاو المصاحبة، وَالتَّقْدِير: فصففت أَنا مَعَ الْيَتِيم. قَوْله: (والعجوز من وَرَائِنَا) جملَة إسمية وَقعت حَالا. وَفِي حَالَة الرّفْع تكون مَعْطُوفًا. فَافْهَم. قَوْله: (فصلى) أَي، النَّبِي: (لنا) ، أَي: لأجلنا.

ذكر استنباط الْأَحْكَام: فِيهِ: إِجَابَة الدعْوَة وَإِن لم تكن وَلِيمَة عرس وَالْأكل من طعامها. وَفِيه: جَوَاز النَّافِلَة جمَاعَة. فَإِن قلت: قد جَاءَ فِي رِوَايَة أبي الشَّيْخ الْحَافِظ: (فَحَضَرت الصَّلَاة) . قلت: لَا يلْزم من حُضُور وَقت الصَّلَاة أَن صلَاته

فِي بَيت مليكَة كَانَت للْفَرض، أَلَا ترى أَن فِي رِوَايَة مُسلم: (قومُوا فلأصلي لكم) ، فِي غير وَقت صَلَاة، فصلى بِنَا فَإِن قلت: قد جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى لمُسلم: (فَرُبمَا تحضر الصَّلَاة وَهُوَ فِي بيتنا) . قلت: الْجَواب مَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَمَعَ هَذَا كره أَصْحَابنَا وَجَمَاعَة آخَرُونَ التَّنَفُّل بِالْجَمَاعَة فِي غير رَمَضَان. وَقَالَ ابْن حبيب، عَن مَالك: لَا بَأْس أَن يَفْعَله النَّاس الْيَوْم فِي الْخَاصَّة من غير أَن يكون مشتهراً، مَخَافَة أَن يَظُنهَا الْجُهَّال من الْفَرَائِض.

وَفِيه: أَن الْأَفْضَل أَن تكون النَّوَافِل فِي الْبَيْت لِأَن الْمَسَاجِد تبنى لأَدَاء الْفَرَائِض.

وَفِيه: الصَّلَاة فِي دَار الدَّاعِي وتبركه بهَا، وَقَالَ بَعضهم: وَلَعَلَّه أَرَادَ تَعْلِيم أَفعَال الصَّلَاة مُشَاهدَة مَعَ تبركهم، فَإِن الْمَرْأَة قَلما تشاهد أَفعاله فِي الْمَسْجِد، فَأَرَادَ أَن تشاهدها وتتعلمها وتعلمها غَيرهَا.

وَفِيه: تنظيف مَكَان الْمصلى من الأوساخ، وَمثله التَّنْظِيف من الكناسات والزبالات.

وَفِيه: قيام الطِّفْل مَعَ الرِّجَال فِي صف وَاحِد.

وَفِيه: تَأَخّر النِّسَاء عَن الرِّجَال.

ويستنبط مِنْهُ أَن إِمَامَة الْمَرْأَة للرِّجَال لَا تصح لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مقَامهَا مُتَأَخِّرًا عَن مرتبَة الصَّبِي فبالأولى أَن لَا تتقدمهم، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، خلافًا للطبري وَأبي ثَوْر، فِي إجازتهما إِمَامَة النِّسَاء مُطلقًا، وَحكى عَنْهُمَا أَيْضا إجَازَة ذَلِك فِي التَّرَاوِيح إِذا لم يُوجد قارىء غَيرهَا.

وَفِيه: أَن الْأَفْضَل فِي نوافل النَّهَار أَن تكون رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: الِاقْتِصَار فِي نَافِلَة النَّهَار على رَكْعَتَيْنِ، خلافًا لمن اشْترط أَرْبعا. قلت: إِن كَانَ مُرَاده أَبَا حنيفَة، فَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ لم يشْتَرط ذَلِك، بل قَالَ الْأَرْبَع أفضل سَوَاء كَانَ فِي اللَّيْل أَو فِي النَّهَار. وَفِيه: صِحَة صَلَاة الصَّبِي الْمُمَيز. وَقَالَ النَّوَوِيّ: احْتج بقوله: من طول مَا لبس أَصْحَاب مَالك فِي الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة بِالْخِلَافِ، وَهِي إِذا حلف لَا يلبس ثوبا ففرشه فعندهم يَحْنَث، وَأجَاب أَصْحَابنَا: بِأَن لبس كل شَيْء بِحَسبِهِ، فحملنا اللّبْس فِي الحَدِيث على الافتراش للقرينة، وَلِأَنَّهُ الْمَفْهُوم مِنْهُ، بِخِلَاف من حلف لَا يلبس ثوبا، فَإِن أهل الْعرف لَا يفهمون من لبسه الافتراش. انْتهى. قلت: لَيْسَ معنى اللّبْس فِي الحَدِيث الافتراش، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّمَتُّع، كَمَا قَالَ صَاحب (اللُّغَة) يُقَال: لبست امْرَأَة أَي تمتعت بهَا زَمَانا طَويلا، وَلَيْسَ هُوَ من: اللّبْس، الَّذِي من: لبست الثِّيَاب، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.

وَفِيه: الصَّلَاة على الْحَصِير وَسَائِر مَا تنبته الأَرْض، وَهُوَ إِجْمَاع إلَاّ من شَذَّ بِحَدِيث أَنه لم يصلِّ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَصح قلت: كَذَا ذكره صَاحب (التَّلْوِيح) وَأَرَادَ بقوله: لَا يَصح، الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من حَدِيث يزِيد بن المقادم عَن أَبِيه شُرَيْح بن هانىء: (أَنه سَأَلَ عَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهَا، أَكَانَ النَّبِي يُصَلِّي على الْحَصِير؟ وَا تَعَالَى يَقُول: {وَجَعَلنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ حَصِيرا} (الْإِسْرَاء: ٨) فَقَالَت: لَا لم يكن يُصَلِّي على الْحَصِير) وَقَالُوا: هَذَا غير صَحِيح لضعف يزِيد بن الْمِقْدَام، وَلِهَذَا بوب البُخَارِيّ بَاب الصَّلَاة على الْحَصِير، فَإِن هَذَا الحَدِيث لم يثبت عِنْده، أوردهُ لمعارضة مَا هُوَ أقوى مِنْهُ، وَالَّذِي شَذَّ فِيهِ هُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز فَإِنَّهُ كَانَ يسْجد على التُّرَاب، وَلَكِن يحمل فعله هَذَا على التَّوَاضُع.

وَفِيه: أَن الأَصْل فِي الْحَصِير وَنَحْوه الطَّهَارَة، وَلَكِن النَّضْح فِيهِ إِنَّمَا كَانَ لأجل التليين أَو لإِزَالَة الْوَسخ، كَمَا ذكرنَا. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: الْأَظْهر أَنه كَانَ للشَّكّ فِي نَجَاسَته. قُلْنَا: هَذَا على مذْهبه فِي أَن النَّجَاسَة الْمَشْكُوك فِيهَا تطهر بنضحها من غير غسل، وَعِنْدنَا الطَّهَارَة لَا تحصل إلَاّ بِالْغسْلِ.

وَفِيه: أَن الْإِثْنَيْنِ يكونَانِ صفا وَرَاء الإِمَام، وَهُوَ مَذْهَب الْعلمَاء كَافَّة إلَاّ ابْن مَسْعُود، فَإِنَّهُ قَالَ: يكون الإِمَام بَينهمَا. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة والكوفيون. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة لَيْسَ كَذَلِك، بل مذْهبه أَنه إِذا أم اثْنَيْنِ يتَقَدَّم عَلَيْهِمَا، وَبِه قَالَ مُحَمَّد، واحتجا فِي ذَلِك بِهَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب، نعم، عَن أبي يُوسُف رِوَايَة أَنه يتوسطهما. قَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَنقل ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود. قلت: هَذَا مَوْقُوف عَلَيْهِ، وَقد رَوَاهُ مُسلم من ثَلَاث طرق وَلم يرفعهُ فِي الْأَوليين، وَرَفعه إِلَى النَّبِي فِي الثَّالِثَة. وَقَالَ؛ هَكَذَا فعل رَسُول ا. وَقَالَ أَبُو عمر: هَذَا الحَدِيث لَا يَصح رَفعه، وَأما فعله هُوَ فَإِنَّمَا كَانَ لضيق الْمَسْجِد، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي (شرح الْآثَار) بِسَنَد عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ: لَا أرى ابْن مَسْعُود فعل ذَلِك إلَاّ لضيق الْمَسْجِد، أَو لعذر آخر، لَا على أَنه السّنة.

وَفِيه: أَن الْمُنْفَرد خلف الصَّفّ تصح صلَاته بِدَلِيل وقُوف الْعَجُوز فِي الْأَخير، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَمَالك، وَقَالَ أَحْمد وَأَصْحَاب الحَدِيث: لَا يَصح لقَوْله: (لَا صَلَاة للمنفرد خلف الصَّفّ) . قُلْنَا؛ أُرِيد بِهِ نفي الْكَمَال.

وَفِيه: أَن السَّلَام لَيْسَ بِوَاجِب فِي الْخُرُوج من الصَّلَاة، لقَوْله؛ ثمَّ انْصَرف، وَلم يذكر سَلاما. فَإِن قلت: المُرَاد مِنْهُ الِانْصِرَاف من الْبَيْت الَّذِي فِيهِ. قلت: ظَاهره الِانْصِرَاف من الصَّلَاة، وَإِن كَانَ يحْتَمل الِانْصِرَاف من الْبَيْت، وَبِهَذَا الِاحْتِمَال لَا تقوم الْحجَّة.

١٢ -

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ (فِي السَّفِينَةِ) كلٌّ منهما حال كونه (قَائِمًا) كذا في الفرع، وفي غيره: «قيامًا» بالجمع، وأراد التَّثنية، وأدخل المؤلِّف هذا الأثر هنا لِمَا بينهما من المُناسبَة بجامع الاشتراك في الصَّلاة على غير الأرض؛ لئلَّا يُتوهَّم من قوله لمعاذٍ: «عفِّر وجهك في التُّراب» اشتراطُ مُباشرةِ المصلِّي الأرض.

(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ أيضًا خطابًا لمن سأله عن الصَّلاة في السَّفينة: هل يصلِّي قائمًا أو قاعدًا؟ فأجابه: (تُصَلِّي) حال كونك (قَائِمًا مَا لَمْ تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ) بالقيام (تَدُورُ مَعَهَا) أي: مع السَّفينة حيثما دارت (وَإِلَّا) بأن كان يشقُّ عليهم (فَقَاعِدًا) أي: فصلِّ حال كونك قاعدًا لأنَّ الحرج مرفوعٌ، نعم جوَّز أبو حنيفة الصَّلاة في السَّفينة قاعدًا مع القدرة على القيام، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «يصلِّي» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة، وكذا: «يشقُّ على أصحابه» بضمير الغائب، «يدور» بالتَّحتيَّة كذلك، وفي متن الفرع: «وقال الحسن: قائمًا .... » إلى آخره، فأسقط لفظ «يصلِّي».

٣٨٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) أي: التِّنِّيسيُّ، وللأربعة: «عبد الله بن يوسف» (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو إمام الأئمَّة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي: «عن إسحاق ابن أبي طلحة» فأسقط أباه ونسبه لجدِّه (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَدَّتَهُ) أي: جدّة إسحاق لأبيه، وبه (١) جزم ابن عبد البرِّ وعياضٌ وعبد الحقِّ

وصحَّحه النَّوويُّ، واسمها (مُلَيْكَة) بضمِّ الميم، بنت مالك بن عَدِيٍّ، وهي والدة أُمِّ أنسٍ لأنَّ أمَّه أمَّ سُلَيمٍ أمُّها مُلَيْكَة المذكورة، أو الضَّمير في جدَّته يعود على أنسٍ نفسِه، وبه جزم ابن سعدٍ وابن منده وابن الحصَّار، وهو مقتضى ما في النِّهاية لإمام الحرمين لحديث إسحاق ابن أبي طلحة عن أنسٍ عند (١) أبي الشَّيخ في «فوائد العراقيِّين» قال: أرسلتني جدَّتي (دَعَتْ رَسُولَ اللهِ لِطَعَامٍ) أي: لأجل طعامٍ (صَنَعَتْهُ) مُلَيْكَةُ جدَّة إسحاق، أو ابنتها أُمُّ سُلَيمٍ والدة أنسٍ (لَهُ) (فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ) بكسر اللَّام وضمِّ الهمزة وفتح الياء، على أنَّها لام «كي»، والفعل بعدها منصوبٌ بأنْ «مُضمَرةً»، واللَّامُ ومصحوبُها خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: قوموا فقيامكم لأن أصلِّي لكم، ويجوز أن تكون الفاء (٢) زائدةً على رأي الأخفش، واللَّام متعلِّقةً بـ «قوموا»، وفي روايةٍ: «فلأصلِّي» بكسر اللَّام على أنَّها لام «كي»، وسكون الياء على لغة التَّخفيف، أو لام الأمر، وثبتت الياء في الجزم إجراءً للمعتلِّ مجرى الصَّحيح، وللأربعة: «فلَأصلِّيْ» بفتح اللَّام مع سكون الياء، على أنَّ اللَّام لام ابتداءٍ للتَّأكيد، أو هي لام الأمر فُتِحت على لغة بني سليمٍ، وثبتت الياء في الجزم إجراءً للمُعتَلِّ مجرى الصَّحيح (٣) كقراءة قنبل: ﴿مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] أو «اللَّامُ» جوابُ قسمٍ محذوفٍ، و «الفاء» جوابُ شرطٍ محذوفٍ، أي: إن قمتم فوالله لأصلِّي لكم، وتعقَّبه ابن السِّيْد، فقال: وغلط مَن توهَّم أنَّه قسمٌ لأنَّه (٤) لاوجه للقسم، ولو أُريد ذلك لقال: لأصلِّينَّ، بالنُّون، وفي رواية الأَصيليِّ: «فلأصلِّ» بكسر اللَّام وحذف الياء، على أنَّ اللَّام للأمر، والفعل مجزومٌ بحذفها، ولم يَعْزُها في الفرع لأحدٍ، وفي روايةٍ حكاها ابن قرقول: «فلنْصلِّ» بكسر اللَّام وبالنُّون والجزم، وحينئذٍ فاللَّام للأمر، وكسرُها لغةٌ

معروفةٌ، وفي روايةٍ قِيلَ إنَّها للكُشْمِيْهَنِيِّ -قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف عليها في نسخةٍ صحيحةٍ-: «فأصلِّيْ» بغير لامٍ مع سكون الياء، على صيغة الإخبار عن نفسه، وهو خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فأنا أصلِّي (لَكُمْ) أي: لأجلكم، وإن كان الظَّاهر أن يقول: بكم، بالمُوحَّدة، والأمر في قوله: «قوموا»، قال السُّهيليُّ -فيما حكاه في «فتح الباري» -: بمعنى الخبر. كقوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] أو هو أمرٌ لهم بالائتمام، لكن أضافه إلى نفسه لارتباط تعليمهم (١) بفعله. انتهى. فإن قلت: لِمَ بدأ في قصَّة عتبان بن مالكٍ بالصَّلاة قبل الطَّعام [خ¦٤٢٥] وهنا بدأ به قبل الصَّلاة؟ أُجيب بأنَّه بدأ في كلٍّ منهما بأصل ما دُعِي لأجله أو دُعِي لهما، ولعلَّ مُلَيْكَة كان غرضها الأعظم الصَّلاة، ولكنها جعلت الطَّعام مقدِّمةً لها.

(قَالَ أَنَسٌ) : (فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ) بضمِّ اللَّام وكسر الباء المُوحَّدة، أي: استُعمِل، ولُبْسُ كلِّ شيءٍ بحسبه (فَنَضَحْتُهُ) أي: رششته (بِمَاءٍ) تليينًا له أو تنظيفًا (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ) على الحصير (وَصَفَفْتُ وَاليَتِيمَ) هو ضُمَيْرة بن أبي

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَاف. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي اتعالى عَنهُ، أَنه كَانَ يُؤْتى بِتُرَاب فَيُوضَع على الْخمْرَة فَيسْجد عَلَيْهِ. قلت: كَانَ هَذَا مِنْهُ على تَقْدِير الصِّحَّة للْمُبَالَغَة فِي التَّوَاضُع والخشوع، لَا على أَنه كَانَ لَا يرى الصَّلَاة على الْخمْرَة، وَكَيف هَذَا وَقد صلى عَلَيْهَا وَهُوَ أَكثر تواضعاً وَأَشد خضوعاً؟ فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة عَن عُرْوَة أَنه كَانَ يكره على كل شَيْء دون الأَرْض. قلت: لَا حجَّة لأحد فِي خلاف مَا فعله النَّبِي، وَيُمكن أَن يُقَال: إِن مُرَاده من الْكَرَاهَة التَّنْزِيه، وَكَذَا يُقَال فِي كل من رُوِيَ عَنهُ مثله.

٩٧٣٥٤ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ عنْ خالِدٍ قالَ حدّثنا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قالتْ كانَ رسولُ اللَّهِ يُصَلِّي وأنَا حِذَاءَهُ وأَنَا حائِضٌ وَرُبَّما أصابَنِي ثَوْبُهُ إذَا سَجَدَ قالتْ وَكَانَ يُصَلِّي عَلى الخُمْرَةِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة تقدم ذكرهم، وخَالِد هُوَ ابْن عبد االواسطي الطَّحَّان أَبُو الْهَيْثَم، وَسليمَان هُوَ أَبُو إِسْحَاق التَّابِعِيّ، وَعبد ابْن شَدَّاد بن الْهَاد، ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث أم الْمُؤمنِينَ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي وكوفي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن الْحسن بن مدرك، وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن عَمْرو بن زُرَارَة وَعَن أبي النُّعْمَان. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عَمْرو بن عون. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه. قَوْله: (يُصَلِّي) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ. قَوْله: (وَأَنا حذاءه) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا أَي: وَالْحَال أَنا بإزائه ومحاذيه، والحذاء والحذوة والحذة كلهَا بِمَعْنى. قَالَ الْكرْمَانِي: حذاءه، نصب على الظَّرْفِيَّة، ويروى: حذاؤه، بِالرَّفْع. قلت: الصَّحِيح الرّفْع على الخبرية. قَوْله: (وَأَنا حَائِض) أَيْضا جملَة إسمية وَقعت حَالا إِمَّا من الْأَحْوَال المترادفة أَو من الْأَحْوَال المتداخلة الأولى: بِالْوَاو وَالضَّمِير، وَالثَّانيَِة: بِالْوَاو فَقَط. قَوْله: (وَرُبمَا) كلمة رُبمَا تحْتَمل التقليل حَقِيقَة والتكثير مجَازًا. قَوْله: (على الْخمْرَة) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم: سجادة صَغِيرَة تعْمل من سعف النّخل وترمل بالخيوط. قيل: سميت خمرة لِأَنَّهَا تستر وَجه الْمُصَلِّي عَن الأَرْض. وَمِنْه سمي الْخمار الَّذِي يستر الرَّأْس. وَقَالَ ابْن بطال: الْخمْرَة مصلى صَغِير ينسج من السعف، فَإِن كَانَ كَبِيرا قدر طول الرجل أَو أَكثر فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ حينئذٍ: حَصِير، وَلَا يُقَال لَهُ خمرة، وَجَمعهَا: خمر. وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: (جَاءَت فَأْرَة فَأخذت تجر الفتيلة فَجَاءَت بهَا فألقتها بَين يَدي رَسُول ا، على الْخمْرَة الَّتِي كَانَ قَاعِدا عَلَيْهَا، فأحرقت مِنْهَا مثل مَوضِع دِرْهَم) . وَهَذَا ظَاهر فِي إِطْلَاق الْخمْرَة على الْكَبِيرَة من نوعها.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام. الأول: فِيهِ جَوَاز مُخَالطَة الْحَائِض. الثَّانِي: فِيهِ طَهَارَة بدن الْحَائِض وثوبها. الثَّالِث: إِذا أصَاب ثوب الْمُصَلِّي الْمَرْأَة لَا يضر ذَلِك صلَاته وَلَو كَانَت الْمَرْأَة حَائِضًا. الرَّابِع: جَوَاز الصَّلَاة على الْخمْرَة من غير كَرَاهَة، وَعَن ابْن الْمسيب: الصَّلَاة على الْخمْرَة سنة، وَقد فعل ذَلِك جَابر وَأَبُو ذَر وَزيد بن ثَابت وَابْن عمر رَضِي اتعالى عَنْهُم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: أَن الصَّلَاة لَا تبطل بمحاذاة الْمُصَلِّي، وَتَبعهُ بَعضهم فَقَالَ. وَفِيه: أَن محاذاة الْمَرْأَة لَا تفْسد الصَّلَاة. قلت: قصدهما بذلك الغمز فِي مَذْهَب أبي حنيفَة فِي أَن محاذاة الْمَرْأَة للْمُصَلِّي مفْسدَة لصَلَاة الرجل، وَلَكِن هَيْهَات لما قَالَا لِأَن الْمُحَاذَاة الْمفْسدَة عِنْده أَن يكون الرجل وَالْمَرْأَة مشتركين فِي الصَّلَاة أَدَاء وتحريمة، وَهُوَ أَيْضا يَقُول: إِن الْمُحَاذَاة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الحَدِيث غير مفْسدَة، فحينئذٍ إطلاقهما الحكم فِيهِ غير صَحِيح، وَهُوَ من ضَرْبَان عرق العصبية.

٠٢ - (بابُ الصَّلاةِ عَلَى الحَصِيرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة على الْحَصِير، يَعْنِي جَائِزَة، والحصير، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ. وَذكر ابْن سَيّده

فِي (الْمُحكم) و (الْمُحِيط) الْأَعْظَم: أَنَّهَا سفيفة تصنع من بردى وأسل، ثمَّ تفرش، سمي بذلك لِأَنَّهُ على وَجه الأَرْض، وَوجه الأَرْض يُسمى حَصِيرا، والسفيفة، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وبالفاءين: شَيْء يعْمل من الخوص كالزنبيل؛ والأسل، بِفَتْح الْهمزَة وَالسِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره لَام. نَبَات لَهُ أَغْصَان كَثِيرَة دقاق لَا ورق لَهَا. وَفِي (الجمهرة) : والحصير عَرَبِيّ، سمي حَصِيرا لانضمام بَعْضهَا إِلَى بعض. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْحَصِير البارية.

فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَالْبَاب الَّذِي قبله؟ قلت: قد ذكرت عِنْد قَوْله: بَاب عقد الْإِزَار على الْقَفَا، أَن الْأَبْوَاب الْمُتَعَلّقَة بالثياب سَبْعَة عشر بَابا، والمناسبة بَينهَا ظَاهِرَة، غير أَنه تخَلّل بَين هَذِه الْأَبْوَاب خَمْسَة أَبْوَاب لَيْسَ لَهَا تعلق بِأَحْكَام الثِّيَاب، وَقد ذكرنَا وَجه تخللها والمناسبة بَينهَا هُنَاكَ فَارْجِع إِلَيْهِ تظفر بجوابك.

وَصَلَّى جابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ فِي السَّفِينَةِ قائِماً.

الْكَلَام فِيهِ من وُجُوه.

الأول فِي مَعْنَاهُ: وَاسم أبي سعيد: سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ. قَوْله: (فِي السَّفِينَة) هِيَ: الْفلك لِأَنَّهَا تسفن وَجه المَاء أَي تقشره، فعيلة بِمَعْنى فاعلة، وَالْجمع سفائن وسفن وسفين. قَوْله: (قيَاما) جمع قَائِم وَأَرَادَ بِهِ التَّثْنِيَة أَي: قَائِمين، نصب على الْحَال وَفِي بعض النّسخ: قَائِما، بِالْإِفْرَادِ بِتَأْوِيل كل مِنْهُمَا قَائِما.

الثَّانِي: أَن هَذَا تَعْلِيق وَصله أَبُو بكر بن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح: عَن عبيد ابْن أبي عتبَة مولى أنس، قَالَ: (سَافَرت مَعَ أبي الدَّرْدَاء وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَجَابِر بن عبد اوأناس قد سماهم، قَالَ: فَكَانَ إمامنا يُصَلِّي بِنَا فِي السَّفِينَة قَائِما، وَنُصَلِّي خَلفه قيَاما، وَلَو شِئْنَا لأرفينا) . أَي: لأرسينا. يُقَال أرسى السَّفِينَة بِالسِّين الْمُهْملَة، وأرفى، بِالْفَاءِ: إِذا وقف بهَا على الشط. وَالْبُخَارِيّ اقْتصر هُنَا على ذكر الْإِثْنَيْنِ، وهما: جَابر وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي اتعالى عَنْهُمَا.

الثَّالِث: فِي وَجه مُنَاسبَة إِدْخَال هَذَا الْأَثر فِي بَاب الصَّلَاة على الْحَصِير، فَقَالَ ابْن الْمُنِير: لِأَنَّهُمَا اشْتَركَا فِي الصَّلَاة على غير الأَرْض لِئَلَّا يتخيل أَن مُبَاشرَة الْمُصَلِّي الأَرْض شَرط من، قَوْله: عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِمعَاذ رَضِي اتعالى عَنهُ: (عفر وَجهك فِي التُّرَاب) . قلت: ثمَّة وَجه أقوى مِمَّا ذكره فِي الْمُنَاسبَة وَهُوَ أَن هَذَا الْبَاب فِي الصَّلَاة على الْحَصِير، وَفِي الْبَاب الَّذِي قبله: وَكَانَ يُصَلِّي على الْخمْرَة، وكل وَاحِد من الْحَصِير والخمرة يعْمل من سعف النّخل، وَيُسمى: سجادة، والسفينة أَيْضا مثل السجادة على وَجه المَاء، فَكَمَا أَن الْمُصَلِّي يسْجد على الْخمْرَة والحصير دون الأَرْض، فَكَذَلِك الَّذِي يُصَلِّي فِي السَّفِينَة يسْجد على غير الأَرْض.

الرَّابِع فِي استنباط الحكم مِنْهُ: وَهُوَ أَن الصَّلَاة فِي السَّفِينَة إِنَّمَا تجوز: إِذا كَانَ قَائِما. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تجوز قَائِما وَقَاعِدا بِعُذْر وَبِغير عذر. وَبِه قَالَ الْحسن بن مَالك وَأَبُو قلَابَة وَطَاوُس، روى عَنهُ ابْن أبي شيبَة، وروى أَيْضا عَن مُجَاهِد أَن جُنَادَة بن أبي أُميَّة قَالَ: (كُنَّا نغزو مَعَه لَكنا نصلي فِي السَّفِينَة قعُودا) ، أَو لِأَن الْغَالِب دوران الرَّأْس فَصَارَ كالمحقق، وَالْأولَى أَن يخرج إِن اسْتَطَاعَ الْخُرُوج مِنْهَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا تجوز قَاعِدا إلَاّ من عذر، لِأَن الْقيام ركن فَلَا يتْرك إلَاّ من عذر، وَالْخلاف فِي غير المربوطة، فَلَو كَانَت مربوطة لم تجز قَاعِدا إِجْمَاعًا. وَقيل: تجوز عِنْده فِي حالتي الإجراء والإرساء وَيلْزمهُ التَّوَجُّه عِنْد الِافْتِتَاح كلما دارت السَّفِينَة لِأَنَّهَا فِي حَقه كالبيت، حَتَّى لَا يتَطَوَّع فِيهَا مومياً مَعَ الْقُدْرَة على الرُّكُوع وَالسُّجُود، بِخِلَاف رَاكب الدَّابَّة.

وَقَالَ الحَسَنُ تُصلِّي قائِماً مَا لَمْ تَشُقَّ على أصْحَابِكَ تَدُورُ مَعَها وَإِلَّا فَقاعِداً.

الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح: حدّثنا حَفْص عَن عَاصِم عَن الشّعبِيّ، وَالْحسن وَابْن سِيرِين أَنهم قَالُوا: صل فِي السَّفِينَة قَائِما. وَقَالَ الْحسن: لَا تشق على أَصْحَابك، وَفِي رِوَايَة الرّبيع بن صبيح: أَن الْحسن ومحمداً قَالَا: يصلونَ فِيهَا قيَاما جمَاعَة، ويدورون مَعَ الْقبْلَة حَيْثُ دارت. وَالْبُخَارِيّ اقْتصر على الذّكر عَن الْحسن. قَوْله: (تصلي) خطاب لمن سَأَلَهُ عَن الصَّلَاة فِي السَّفِينَة: هَل يُصَلِّي قَائِما أَو قَاعِدا؟ فَأجَاب لَهُ: (تصلي قَائِما) أَي: حَال كونك قَائِما (مَا لم تشق على أَصْحَابك تَدور مَعهَا) أَي: مَعَ السَّفِينَة. قَوْله: (وإلَاّ) أَي؛ وَإِن شقّ على أَصْحَابك الْقيام فقاعداً، أَي: فصل حَال كونك قَاعِدا، لِأَن الْحَرج مَدْفُوع.

٠٨٣٦٤ - ح دّثنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ أخْبرنا مالكٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أبي طَلْحَةَ عَنْ أنَسِ بنِ

مالِكٍ أنَّ جَدَّتَهُ مُليْكَةَ دَعَتْ رسولَ اللَّهِ لَطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: (قُومُوا فَلأضلِّيَ لَكُمْ) قَالَ أنَسٌ فَقمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ فَقَامَ رَسولُ الله وَصَفَفْتُ واليَتِيمَ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَّلَى لَنا رَسولُ الله رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ. (الحَدِيث ٠٨٣ أَطْرَافه فِي: ٧٢٧، ٠٦٨، ١٧٨، ٤٧٨، ٤٦١١) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: عبد ابْن يُوسُف التنيسِي، وَالْإِمَام مَالك بن أنس وَإِسْحَاق بن عبد ابْن أبي طَلْحَة، وَرُبمَا يُقَال إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة، بنسبته إِلَى جده، وَاسم أبي طَلْحَة: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ النجاري، وَكَانَ مَالك لَا يقدم على إِسْحَاق أحد فِي الحَدِيث، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. وَالرَّابِع: أنس بن مَالك خَادِم النَّبِي. وَالْخَامِس: جدته مليكَة، بِضَم الْمِيم، والآن يَأْتِي بَيَانهَا مفصلا.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين وَفِيه: عَن إِسْحَاق بن عبد ابْن أبي طَلْحَة، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والحموي: عَن إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة بنسبته إِلَى جده. وَفِيه: الِاخْتِلَاف فِي الضَّمِير الَّذِي فِي جدته. فَقَالَ ابْن عبد الْبر وَعبد الْحق وعياض يعود على إِسْحَاق، وَصَححهُ النَّوَوِيّ، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حدّثنا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حدّثنا الْمثنى بن سعيد حدّثنا قَتَادَة عَن أنس بن مَالك: (أَن النَّبِي كَانَ يزور أم سليم فَتُدْرِكهُ الصَّلَاة أَحْيَانًا فَيصَلي على بِسَاط لنا، وَهُوَ حَصِير ننضحه بِالْمَاءِ) . وَأم سليم هِيَ: أم أنس، وَأمّهَا مليكَة بنت مَالك بن عدي، وَهِي جدة أنس. وَاخْتلف فِي اسْم: أم سليم، فَقيل: سهلة. وَقيل: رميلة. وَقيل: رميثة. وَقيل: الرميصاء. وَقيل: الغميصاء. وَقيل: أنيفة، بالنُّون وَالْفَاء مصغرة، وَتزَوج أم سليم: مَالك بن النَّضر فَولدت لَهُ أنس بن مَالك، ثمَّ خلف عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَة فَولدت لَهُ: عبد اوأبا عُمَيْر، وَعبد اهو وَالِد إِسْحَاق، رَاوِي هَذَا الحَدِيث عَن عَمه أخي أَبِيه لأمه: أنس بن مَالك. وَقَالَ ابْن سعد وَابْن مَنْدَه وَابْن الْحصار: يعود الضَّمِير فِي جدته على أنس نَفسه، وَيُؤَيِّدهُ مَا ذكره أَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الْحَادِي عشر من (فَوَائِد الْعِرَاقِيّين) : حدّثنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ؛ حدّثنا مقدم بن مُحَمَّد بن يحيى عَن عَمه الْقَاسِم بن يحيى عَن عبيد ابْن عمر عَن إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة، عَن أنس، قَالَ: (أرْسلت، جدتي إِلَى النَّبِي وَاسْمهَا مليكَة فجاءنا فَحَضَرت الصَّلَاة فَقُمْت إِلَى حَصِير لنا) الحَدِيث. وَلَا تنَافِي بَين كَون مليكَة جدة أنس، وَبَين كَونهَا جدة إِسْحَاق.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَعَن أبي نعيم وَعَن عبد ابْن مُحَمَّد المسندي. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى، وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي، وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن بن عِيسَى، وَالنَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة.

ذكر اخْتِلَاف أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث: وَعند مُسلم: (فَرُبمَا تحضر الصَّلَاة وَهُوَ فِي بيتنا، فيأمر بالبساط الَّذِي تَحْتَهُ فيكنس ثمَّ ينضح، ثمَّ يؤم رَسُول الله فنقوم خَلفه، وَكَانَ بساطهم من جريد النّخل) . وَعند ابْن أبي شيبَة: عَن أنس بن مَالك، قَالَ: (صنع بعض عمومتي للنَّبِي طَعَاما، فَقَالَ إِنِّي أحب أَن تَأْكُل فِي بَيْتِي وَتصلي فِيهِ. قَالَ: فَأَتَاهُ وَفِي الْبَيْت فَحل من تِلْكَ الفحول، فَأمر بِجَانِب مِنْهُ فكنس. ورش فصلى فصلينا مَعَه) . وَعند النَّسَائِيّ: (أَن أم سليم سَأَلت رَسُول الله أَن يَأْتِيهَا فَيصَلي فِي بَيتهَا فتتخذه مصلى، فَأَتَاهَا فعمدت إِلَى حَصِير فنضحته فصلى عَلَيْهِ، وصلينا مَعَه) . وَفِي (الغرائب) للدارقطني: عَن أنس، قَالَ: (صنعت مليكَة طَعَاما لرَسُول الله فَأكل مِنْهُ وَأَنا مَعَه، ثمَّ دَعَا بِوضُوء فَتَوَضَّأ، ثمَّ قَالَ لي: قُم فَتَوَضَّأ وَمر الْعَجُوز فلتتوضأ وَمر هَذَا الْيَتِيم فَليَتَوَضَّأ. فلأصلي لكم. قَالَ: فعمدت إِلَى حَصِير عندنَا خلق قد اسود) . وَفِي رِوَايَة: (قِطْعَة حَصِير عندنَا خلق) . وَفِي (سنَن الْبَيْهَقِيّ) من حَدِيث أبي قلَابَة: عَن أنس (أَن النَّبِي، كَانَ يَأْتِي أم سليم يقيل عِنْدهَا، وَكَانَ يُصَلِّي على نطع، وَكَانَ كثير الْعرق فتتبع الْعرق من النطع فتجعله فِي الْقَوَارِير مَعَ الطّيب، وَكَانَ يُصَلِّي على الْخمْرَة) .

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (لطعام) أَي: لأجل طَعَام، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ مشْعر بِأَن مَجِيئه كَانَ لذَلِك لَا ليُصَلِّي بهم ليتخذوا مَكَان صلَاته مصلى لَهُم، كَمَا فِي قصَّة عتْبَان بن مَالك الْآتِيَة، وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي كَونه بَدَأَ فِي قصَّة عتْبَان بِالصَّلَاةِ قبل الطَّعَام، وَهَهُنَا بِالطَّعَامِ قبل الصَّلَاة، فَبَدَأَ فِي كل مِنْهُمَا بِأَصْل مَا دعِي لَهُ. قلت: لَا مَانع فِي الْجمع بَين الدُّعَاء للطعام وَبَين الدُّعَاء للصَّلَاة، وَلِهَذَا صلى رَسُول الله فِي هَذَا الحَدِيث، وَالظَّاهِر أَن قصد مليكَة من دعوتها كَانَ للصَّلَاة، وَلكنهَا جعلت الطَّعَام مُقَدّمَة لَهَا. وَقَوله: وَهَذَا هُوَ السِّرّ إِلَى آخِره، فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن الطَّعَام كَانَ قد حضر وتهيأ فِي دَعْوَة مليكَة، وَالطَّعَام إِذا حضر لَا يُؤَخر فَيقدم على الصَّلَاة، وَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ فِي قصَّة عتْبَان لعدم حُضُور الطَّعَام.

قَوْله: (فنضحته) من النَّضْح وَهُوَ الرش، وَذَلِكَ إِمَّا لأجل تلبين الْحَصِير، أَو لإِزَالَة الأوساخ مِنْهُ لِأَنَّهُ أسود من كَثْرَة الِاسْتِعْمَال. وَقَوله: (من طول مَا لبس) كِنَايَة عَنْهَا وأصل هَذِه الْمَادَّة تدل على مُخَالطَة ومداخلة، وَلَيْسَ هَهُنَا: لبس، من: لبست الثَّوْب، وَإِنَّمَا هُوَ من قَوْلهم: لبست امْرَأَة، أَي: تمتعت بهَا زَمَانا، فحينئذٍ يكون مَعْنَاهُ: قد اسود من كَثْرَة مَا تمتّع بِهِ طول الزَّمَان، وَمن هَذَا يظْهر لَك بطلَان قَول بَعضهم، وَقد اسْتدلَّ بِهِ على منع افتراش الْحَرِير لعُمُوم النَّهْي عَن لبس الْحَرِير، وَقصد هَذَا الْقَائِل الغمز فِيمَا قَالَ أَبُو حنيفَة من جَوَاز افتراش الْحَرِير وتوسده، وَلَكِن الَّذِي يدْرك دقائق الْمعَانِي ومدارك الْأَلْفَاظ الْعَرَبيَّة يعرف ذَلِك، ويقر بِأَن أَبَا حنيفَة لَا يذهب إِلَى شَيْء سدىً. قَوْله: (واليتيم) ، هُوَ ضميرَة بن أبي ضميرَة، وَأَبُو ضمير مولى رَسُول ا، كَذَا قَالَه الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) ، ثمَّ قَالَ: لَهُ ولأبيه صُحْبَة. وَقَالَ فِي (الكنى) أَبُو ضميرَة مولى رَسُول ا، كَانَ من حمير، اسْمه سعد، وَكَذَا قَالَ البُخَارِيّ: إِن اسْمه سعد الْحِمْيَرِي من آل ذِي يزن، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: سعيد الْحِمْيَرِي هُوَ جد حُسَيْن بن عبد ابْن ضميرَة بن أبي ضميرَة. انْتهى. وَيُقَال: اسْم أبي ضميرَة: روح بن سندر، وَقيل: روح بن شيرزاد؛ وضميرة، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الرَّاء فِي آخِره هَاء. قَوْله: (والعجوز) هِيَ: مليكَة الْمَذْكُورَة أَولا. قَوْله: (ثمَّ انْصَرف) أَي: من الصَّلَاة، وَذهب إِلَى بَيته.

ذكر إعرابه: قَوْله: (صَنعته) جملَة فعلية فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لطعام. قَوْله: (فلأصلي لكم) فِيهِ سِتَّة أوجه من الْإِعْرَاب. الأول: فلأصلي، بِكَسْر اللَّام وَضم الْهمزَة وَفتح الْيَاء، وَوَجهه أَن اللَّام فِيهِ. لَام كي، وَالْفِعْل بعْدهَا مَنْصُوب: بِأَن، الْمقدرَة تَقْدِيره: فَلِأَن أُصَلِّي. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: روينَاهُ كَذَا، و: الْفَاء، زَائِدَة، أَو: الْفَاء، جَوَاب الْأَمر، ومدخول: الْفَاء، مَحْذُوف تَقْدِيره: قومُوا فقيامكم لأصلي لكم. وَيجوز أَن تكون: الْفَاء، زَائِدَة على رَأْي الْأَخْفَش، وَاللَّام مُتَعَلق: بقوموا. الْوَجْه الثَّانِي: فلأصلي، مثلهَا إِلَّا أَنَّهَا سَاكِنة الْيَاء، وَوَجهه أَن تسكين الْيَاء الْمَفْتُوحَة للتَّخْفِيف فِي مثل هَذَا لُغَة مَشْهُورَة. الثَّالِث: فلأصلِّ: بِحَذْف الْيَاء، لكَون اللَّام لَام الْأَمر، وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ. الرَّابِع: فأصلي، على صِيغَة الْإِخْبَار عَن نَفسه، وَهُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: فَأَنا أُصَلِّي، وَالْجُمْلَة جَوَاب الْأَمر. الْخَامِس: فلنصل؛ بِكَسْر اللَّام فِي الأَصْل وبنون الْجمع، وَوَجهه أَن: اللَّام، لَام الْأَمر، وَالْفِعْل مجزوم بهَا وعلامة الْجَزْم سُقُوط الْيَاء. السَّادِس: فلأصلي، بِفَتْح اللَّام، وَرُوِيَ هَكَذَا فِي بعض الرِّوَايَات، وَوَجهه: أَن تكون: اللَّام، لَام الِابْتِدَاء للتَّأْكِيد، أَو تكون جَوَاب قسم مَحْذُوف، و: الْفَاء، جَوَاب شَرط مَحْذُوف تَقْدِيره: إِن قُمْتُم فوا لأصلي لكم.

قَوْله: (فصففت أَنا واليتيم) كَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: (فصففت واليتيم) ، بِغَيْر لفظ، أَنا، وَفِي مثل هَذَا خلاف بَين الْبَصرِيين والكوفيين، فَعِنْدَ الْبَصرِيين لَا يعْطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع، إلَاّ بعد أَن يُؤَكد بضمير مُنْفَصِل ليحسن الْعَطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل، بارزاً كَانَ أَو مستتراً. كَقَوْلِه تَعَالَى: {اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة} (الْبَقَرَة: ٥٣، والأعراف: ٩١) وَعند الْكُوفِيّين: يجوز ذَلِك بِدُونِ التَّأْكِيد، وَالْأول هُوَ الْأَفْصَح. قَوْله: (واليتيم) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فَلِأَنَّهُ مَعْطُوف على الضَّمِير الْمَرْفُوع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: بِالنّصب، وَلَو صَحَّ رِوَايَة الرّفْع فَهُوَ مُبْتَدأ و: وَرَاء، خَبره، وَالْجُمْلَة حَال. قلت: وَجه النصب هُوَ أَن تكون: الْوَاو، فِيهِ: وَاو المصاحبة، وَالتَّقْدِير: فصففت أَنا مَعَ الْيَتِيم. قَوْله: (والعجوز من وَرَائِنَا) جملَة إسمية وَقعت حَالا. وَفِي حَالَة الرّفْع تكون مَعْطُوفًا. فَافْهَم. قَوْله: (فصلى) أَي، النَّبِي: (لنا) ، أَي: لأجلنا.

ذكر استنباط الْأَحْكَام: فِيهِ: إِجَابَة الدعْوَة وَإِن لم تكن وَلِيمَة عرس وَالْأكل من طعامها. وَفِيه: جَوَاز النَّافِلَة جمَاعَة. فَإِن قلت: قد جَاءَ فِي رِوَايَة أبي الشَّيْخ الْحَافِظ: (فَحَضَرت الصَّلَاة) . قلت: لَا يلْزم من حُضُور وَقت الصَّلَاة أَن صلَاته

فِي بَيت مليكَة كَانَت للْفَرض، أَلَا ترى أَن فِي رِوَايَة مُسلم: (قومُوا فلأصلي لكم) ، فِي غير وَقت صَلَاة، فصلى بِنَا فَإِن قلت: قد جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى لمُسلم: (فَرُبمَا تحضر الصَّلَاة وَهُوَ فِي بيتنا) . قلت: الْجَواب مَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَمَعَ هَذَا كره أَصْحَابنَا وَجَمَاعَة آخَرُونَ التَّنَفُّل بِالْجَمَاعَة فِي غير رَمَضَان. وَقَالَ ابْن حبيب، عَن مَالك: لَا بَأْس أَن يَفْعَله النَّاس الْيَوْم فِي الْخَاصَّة من غير أَن يكون مشتهراً، مَخَافَة أَن يَظُنهَا الْجُهَّال من الْفَرَائِض.

وَفِيه: أَن الْأَفْضَل أَن تكون النَّوَافِل فِي الْبَيْت لِأَن الْمَسَاجِد تبنى لأَدَاء الْفَرَائِض.

وَفِيه: الصَّلَاة فِي دَار الدَّاعِي وتبركه بهَا، وَقَالَ بَعضهم: وَلَعَلَّه أَرَادَ تَعْلِيم أَفعَال الصَّلَاة مُشَاهدَة مَعَ تبركهم، فَإِن الْمَرْأَة قَلما تشاهد أَفعاله فِي الْمَسْجِد، فَأَرَادَ أَن تشاهدها وتتعلمها وتعلمها غَيرهَا.

وَفِيه: تنظيف مَكَان الْمصلى من الأوساخ، وَمثله التَّنْظِيف من الكناسات والزبالات.

وَفِيه: قيام الطِّفْل مَعَ الرِّجَال فِي صف وَاحِد.

وَفِيه: تَأَخّر النِّسَاء عَن الرِّجَال.

ويستنبط مِنْهُ أَن إِمَامَة الْمَرْأَة للرِّجَال لَا تصح لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مقَامهَا مُتَأَخِّرًا عَن مرتبَة الصَّبِي فبالأولى أَن لَا تتقدمهم، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، خلافًا للطبري وَأبي ثَوْر، فِي إجازتهما إِمَامَة النِّسَاء مُطلقًا، وَحكى عَنْهُمَا أَيْضا إجَازَة ذَلِك فِي التَّرَاوِيح إِذا لم يُوجد قارىء غَيرهَا.

وَفِيه: أَن الْأَفْضَل فِي نوافل النَّهَار أَن تكون رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: الِاقْتِصَار فِي نَافِلَة النَّهَار على رَكْعَتَيْنِ، خلافًا لمن اشْترط أَرْبعا. قلت: إِن كَانَ مُرَاده أَبَا حنيفَة، فَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ لم يشْتَرط ذَلِك، بل قَالَ الْأَرْبَع أفضل سَوَاء كَانَ فِي اللَّيْل أَو فِي النَّهَار. وَفِيه: صِحَة صَلَاة الصَّبِي الْمُمَيز. وَقَالَ النَّوَوِيّ: احْتج بقوله: من طول مَا لبس أَصْحَاب مَالك فِي الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة بِالْخِلَافِ، وَهِي إِذا حلف لَا يلبس ثوبا ففرشه فعندهم يَحْنَث، وَأجَاب أَصْحَابنَا: بِأَن لبس كل شَيْء بِحَسبِهِ، فحملنا اللّبْس فِي الحَدِيث على الافتراش للقرينة، وَلِأَنَّهُ الْمَفْهُوم مِنْهُ، بِخِلَاف من حلف لَا يلبس ثوبا، فَإِن أهل الْعرف لَا يفهمون من لبسه الافتراش. انْتهى. قلت: لَيْسَ معنى اللّبْس فِي الحَدِيث الافتراش، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّمَتُّع، كَمَا قَالَ صَاحب (اللُّغَة) يُقَال: لبست امْرَأَة أَي تمتعت بهَا زَمَانا طَويلا، وَلَيْسَ هُوَ من: اللّبْس، الَّذِي من: لبست الثِّيَاب، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.

وَفِيه: الصَّلَاة على الْحَصِير وَسَائِر مَا تنبته الأَرْض، وَهُوَ إِجْمَاع إلَاّ من شَذَّ بِحَدِيث أَنه لم يصلِّ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَصح قلت: كَذَا ذكره صَاحب (التَّلْوِيح) وَأَرَادَ بقوله: لَا يَصح، الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من حَدِيث يزِيد بن المقادم عَن أَبِيه شُرَيْح بن هانىء: (أَنه سَأَلَ عَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهَا، أَكَانَ النَّبِي يُصَلِّي على الْحَصِير؟ وَا تَعَالَى يَقُول: {وَجَعَلنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ حَصِيرا} (الْإِسْرَاء: ٨) فَقَالَت: لَا لم يكن يُصَلِّي على الْحَصِير) وَقَالُوا: هَذَا غير صَحِيح لضعف يزِيد بن الْمِقْدَام، وَلِهَذَا بوب البُخَارِيّ بَاب الصَّلَاة على الْحَصِير، فَإِن هَذَا الحَدِيث لم يثبت عِنْده، أوردهُ لمعارضة مَا هُوَ أقوى مِنْهُ، وَالَّذِي شَذَّ فِيهِ هُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز فَإِنَّهُ كَانَ يسْجد على التُّرَاب، وَلَكِن يحمل فعله هَذَا على التَّوَاضُع.

وَفِيه: أَن الأَصْل فِي الْحَصِير وَنَحْوه الطَّهَارَة، وَلَكِن النَّضْح فِيهِ إِنَّمَا كَانَ لأجل التليين أَو لإِزَالَة الْوَسخ، كَمَا ذكرنَا. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: الْأَظْهر أَنه كَانَ للشَّكّ فِي نَجَاسَته. قُلْنَا: هَذَا على مذْهبه فِي أَن النَّجَاسَة الْمَشْكُوك فِيهَا تطهر بنضحها من غير غسل، وَعِنْدنَا الطَّهَارَة لَا تحصل إلَاّ بِالْغسْلِ.

وَفِيه: أَن الْإِثْنَيْنِ يكونَانِ صفا وَرَاء الإِمَام، وَهُوَ مَذْهَب الْعلمَاء كَافَّة إلَاّ ابْن مَسْعُود، فَإِنَّهُ قَالَ: يكون الإِمَام بَينهمَا. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة والكوفيون. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة لَيْسَ كَذَلِك، بل مذْهبه أَنه إِذا أم اثْنَيْنِ يتَقَدَّم عَلَيْهِمَا، وَبِه قَالَ مُحَمَّد، واحتجا فِي ذَلِك بِهَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب، نعم، عَن أبي يُوسُف رِوَايَة أَنه يتوسطهما. قَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَنقل ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود. قلت: هَذَا مَوْقُوف عَلَيْهِ، وَقد رَوَاهُ مُسلم من ثَلَاث طرق وَلم يرفعهُ فِي الْأَوليين، وَرَفعه إِلَى النَّبِي فِي الثَّالِثَة. وَقَالَ؛ هَكَذَا فعل رَسُول ا. وَقَالَ أَبُو عمر: هَذَا الحَدِيث لَا يَصح رَفعه، وَأما فعله هُوَ فَإِنَّمَا كَانَ لضيق الْمَسْجِد، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي (شرح الْآثَار) بِسَنَد عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ: لَا أرى ابْن مَسْعُود فعل ذَلِك إلَاّ لضيق الْمَسْجِد، أَو لعذر آخر، لَا على أَنه السّنة.

وَفِيه: أَن الْمُنْفَرد خلف الصَّفّ تصح صلَاته بِدَلِيل وقُوف الْعَجُوز فِي الْأَخير، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَمَالك، وَقَالَ أَحْمد وَأَصْحَاب الحَدِيث: لَا يَصح لقَوْله: (لَا صَلَاة للمنفرد خلف الصَّفّ) . قُلْنَا؛ أُرِيد بِهِ نفي الْكَمَال.

وَفِيه: أَن السَّلَام لَيْسَ بِوَاجِب فِي الْخُرُوج من الصَّلَاة، لقَوْله؛ ثمَّ انْصَرف، وَلم يذكر سَلاما. فَإِن قلت: المُرَاد مِنْهُ الِانْصِرَاف من الْبَيْت الَّذِي فِيهِ. قلت: ظَاهره الِانْصِرَاف من الصَّلَاة، وَإِن كَانَ يحْتَمل الِانْصِرَاف من الْبَيْت، وَبِهَذَا الِاحْتِمَال لَا تقوم الْحجَّة.

١٢ -

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل