«أَنَّ امْرَأَةً أَوْ رَجُلًا كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، وَلَا أُرَاهُ إِلَّا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٠

الحديث رقم ٤٦٠ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الخدم للمسجد.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن امرأة أو رجلا كانت تقم المسجد، ولا أراه…

«أَنَّ امْرَأَةً أَوْ رَجُلًا كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، وَلَا أُرَاهُ إِلَّا امْرَأَةً، فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ : أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ».

سند حديث: ٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ…

٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «أن امرأة أو رجلا كانت تقم المسجد، ولا أراه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْآيَاتُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا خَرَجَ النَّبِيُّ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الْخَمْرِ.

[الحديث ٤٥٩ - أطرافه في: ٤٥٤٣، ٤٥٤٢، ٤٥٤١، ٤٥٤٠، ٢٢٢٦، ٢٠٨٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ تَحْرِيمِ تِجَارَةِ الْخَمْرِ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ: جَوَازِ ذِكْرِ ذَلِكَ وَتَبْيِينِ أَحْكَامِهِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ مَا يَقْتَضِيهِ مَفْهُومُهُ مِنْ أَنَّ تَحْرِيمَهَا مُخْتَصٌّ بِالْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ بَابُ ذِكْرِ تَحْرِيمِ، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي بَابِ ذِكْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. وَمَوْقِعُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْمَسْجِدَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْفَوَاحِشِ فِعْلًا وَقَوْلًا، لَكِنْ يَجُوزُ ذِكْرُهَا فِيهِ لِلتَّحْذِيرِ مِنْهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ لَهَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) هُوَ السُّكَّرِيُّ، وَمُسْلِمٌ هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ أَبُو الضُّحَى. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: كَانَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الرِّبَا بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِتَحْرِيمِهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى تَأْكِيدًا.

قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ التِّجَارَةِ فِيهَا تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ تَحْرِيمِ عَيْنِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٤ - بَاب الْخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ لِلْمَسْجِدِ يَخْدُمُهَا

٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً أَوْ رَجُلًا كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ - وَلَا أُرَاهُ إِلَّا امْرَأَةً - فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِه.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْخَدَمُ فِي الْمَسْجِدِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِمَعْنَاهُ.

قَوْلُهُ: (مُحَرَّرًا) أَيْ: مُعْتَقًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ صِحَّةُ النَّذْرِ فِي أَوْلَادِهِمْ، وَكَأَنَّ غَرَضَ الْبُخَارِيِّ الْإِشَارَةُ بِإِيرَادِ هَذَا إِلَى أَنَّ تَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ بِالْخِدْمَةِ كَانَ مَشْرُوعًا عِنْدَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ وَقَعَ مِنْهُ نَذْرُ وَلَدِهِ لِخِدْمَتِهِ. وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ الْبَابِ مِنْ جِهَةِ صِحَّةِ تَبَرُّعِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ بِإِقَامَةِ نَفْسِهَا لِخِدْمَةِ الْمَسْجِدِ لِتَقْرِيرِ النَّبِيِّ لَهَا عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ) وَاقِدٌ جَدُّهُ، وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَشَيْخُهُ حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، وَرِجَالُهُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (وَلَا أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، أَيْ أَظُنُّهُ.

قَوْلُهُ: (فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ) أَيِ: الَّذِي تَقَدَّمَ قَبْلَ بَابٍ.

٧٥ - باب الْأَسِيرِ أَوْ الْغَرِيمِ يُرْبَطُ فِي الْمَسْجِدِ

٤٦١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا.

[الحديث ٤٦١ - أطرافه في: ٤٨٠٨، ٣٤٢٣، ٣٢٨٤، ١٢١٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْأَسِيرِ أَوِ الْغَرِيمِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِأَوْ، وَهِيَ لِلتَّنْوِيعِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ وَغَيْرِهِ وَالْغَرِيمِ بِوَاوِ الْعَطْفِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ.

قَوْلُهُ: (تَفَلَّتَ) بِالْفَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ تَعَرَّضَ لِي فَلْتَةً، أَيْ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ بمعناه في تفسير قوله تعالى، حكايةً عن حَنَّة -بفتح الحاء المهملة وتشديد النُّون- بنت فاقوذا امرأة عمران، وكانت عاقرًا، فرأت يومًا طائرًا يزقُّ فرخه، فاشتهت الولد، فسألت الله أن يهبها ولدًا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها فحملت منه، فلمَّا تحقَّقت الحمل قالت ما أخبر الله تعالى عنها: (﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]) وللأَصيليِّ: «تعني مُحرَّرًا» أي: مُعتَقًا (لِلْمَسْجِدِ) الأقصى (يَخْدُمُهُ) لا أشغله بشيءٍ غيره (١)، ولأبي ذَرٍّ: «يخدمها» أي: المساجد أو الصَّخرة أو الأرض المُقدَّسة، وكان النَّذر مشروعًا عندهم في الغلمان، فلعلَّها بَنَتِ الأمر على التَّقدير، أو طلبت ذكرًا ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] قالته تحسُّرًا وتحزُّنًا إلى ربِّها لأنَّها كانت ترجو أن تلد ذكرًا فتحرِّره (٢) للمسجد «فتقبَّلها ربُّها»: فرضي بها (٣) في النَّذر مكان الذَّكر «بقبولٍ حسنٍ»: بوجهٍ حسنٍ تُقبَل به (٤) النَّذائر وهو إقامتها مقام الذَّكر.

٤٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ وَاقِدٍ) بالقاف نسبةً (٥) لجدِّه لشهرته به، وأبوه عبد الملك الحرَّانيُّ، المُتوفَّى ببغداد سنة إحدى وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) وللأَصيليِّ: «حمَّاد

ابن زيدٍ» (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفَيْعٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ امْرَأَةً -أَوْ) قال (١) (رَجُلًا- كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ) أو: «كان» فحذف «أو (٢) كان» كما سبق [خ¦٤٥٨] فحذف من الأوَّل خبر المُؤنَّث، وهنا خبر المُذكَّر اعتبارًا بالسَّابق ليكون جاريًا على المَهْيَع (٣) الكثير، وهو الحذف من الثَّاني لدلالة الأوَّل، قاله الدَّمامينيُّ. نعم في رواية أبي ذَرٍّ: «كان يقمُّ المسجد» بالتَّذكير، قال أبو رافعٍ: (وَلَا أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: لا أظنُّه (إِلَّا امْرَأَةً. فَذَكَرَ) أبو هريرة (حَدِيثَ النَّبِيِّ ) السَّابق (أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ) ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «قبرها» وفي روايةٍ: «على (٤) قبرٍ» بغير ضميرٍ.

(٧٥) (بابُ) حكم (الأَسِيرِ أَوِ الغَرِيمِ) حال كونه (يُرْبَطُ فِي المَسْجِدِ) الإباحة، و «أو» للتَّنويع، و «الأسير»: الأخيذ، ولابن السَّكن وابن عساكر: «الأسير والغريم»، بواو العطف.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الرَّابِع: مُسلم بن صبيح، بِضَم الصَّاد وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وكنيته أَبُو الضُّحَى الْكُوفِي. الْخَامِس: مَسْرُوق بن الأجدع الْكُوفِي. السَّادِس: عَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وكوفي. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض وهم: الْأَعْمَش وَمُسلم ومسروق.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَفِي التَّفْسِير عَن بشر بن خَالِد، وَفِيه أَيْضا عَن عمر بن حَفْص، وَفِي الْبيُوع وَالتَّفْسِير أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَعَن عُثْمَان عَن أبي مُعَاوِيَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ، وَفِي التَّفْسِير عَن بشر بن خَالِد بِهِ، وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه ابْن ماجة فِي الْأَشْرِبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد، كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة الضَّرِير بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (لما نزلت الْآيَات) هِيَ من قَوْله تَعَالَى: {الَّذين يَأْكُلُون الرِّبَا لَا يقومُونَ إِلَّا كَمَا يقوم الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس} (الْبَقَرَة: ٥٧٢) إِلَى قَوْله: {لَا تظْلمُونَ وَلَا تظْلمُونَ} (الْبَقَرَة: ٩٧٢) وروى ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: (آكل الرِّبَا يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة مَجْنُونا يخنق) . قَالَ: وَرُوِيَ عَن عَوْف بن مَالك وَسَعِيد بن جُبَير وَالسُّديّ وَالربيع بن أنس وَمُقَاتِل بن حَيَّان نَحْو ذَلِك، وروى ابْن جريرج فال: حَدثنِي الْمثنى حدّثنا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حدّثنا ربيعَة بن كُلْثُوم حدّثنا أبي عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (يُقَال يَوْم الْقِيَامَة لآكل الرِّبَا: خُذ سِلَاحك للحرب، وَقَرَأَ: {لَا يقومُونَ إِلَّا كَمَا يقوم الَّذِي بتخبطه الشَّيْطَان من الْمس} (الْبَقَرَة: ٥٧٢) قَالَ: وَذَلِكَ حِين يقوم من قَبره) . قَوْله: (من سُورَة الْبَقَرَة) وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: (لما نزلت الْآيَات من آخر سُورَة الْبَقَرَة فِي الرِّبَا، قَرَأَهَا رَسُول الله على النَّاس ثمَّ حرم التِّجَارَة فِي الْخمر) . وَقَالَ ابْن كثير فِي تَفْسِيره: قَالَ بعض من تكلم على هَذَا الحَدِيث من الْأَئِمَّة: لما حرم الرِّبَا ووسائله حرم الْخمر، وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِ من تِجَارَة وَنَحْو ذَلِك. قلت: ظَاهر هَذَا يدل على أَن تَحْرِيم الْخمر كَانَ مَعَ تَحْرِيم الرِّبَا، وَلَكِن قَالُوا: إِن تَحْرِيم الْخمر قبل تَحْرِيم الرِّبَا بِمدَّة طَوِيلَة، كَمَا ذكرنَا عَن قريب. والربا: مَقْصُور، من: رَبًّا يَرْبُو إِذا زَاد فَيكْتب بِالْألف، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ كتبه بِالْيَاءِ بِسَبَب الكسرة فِي أَوله، وَقد كتب فِي الْمُصحف: بِالْوَاو. قَالَ الْفراء: إِنَّمَا كتبوه بِالْوَاو لِأَن أهل الْحجاز تعلمُوا الْخط من أهل الْحيرَة ولغتهم الربو، فعلموهم صُورَة الْخط على لغتهم، قَالَ: وَيجوز كتبه بِالْألف وبالواو وبالياء. قَوْله: (تِجَارَة الْخمر) أَي: بيعهَا وشراءها.

٤٧ - (بابُ الخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر الخدم، بِفَتْح الْخَاء وَالدَّال: جمع خَادِم، هَكَذَا بِكَلِمَة: فِي فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: الخدم لِلْمَسْجِدِ، بِاللَّامِ: وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يكون هَذَا الْبَاب عقيب بَاب: كنس الْمَسْجِد، على مَا لَا يخفى.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ {نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي} تَعْنِي {مُحَرَّراً} لِلْمَسْجِدِ يخْدُمُها.

١٣

- ٥٠ أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى أَن تَعْظِيم الْمَسْجِد بِالْخدمَةِ كَانَ مَشْرُوعا أَيْضا فِي الْأُمَم الْمَاضِيَة، أَلَا ترى أَن اتعالى حكى عَن حنة أم مَرْيَم أَنَّهَا لما حبلت نذرت تَعَالَى أَن يكون مَا فِي بَطنهَا محرراً، يَعْنِي عتيقاً يخْدم الْمَسْجِد الْأَقْصَى، وَلَا يكون لأحد عَلَيْهِ سَبِيل، وَلَوْلَا أَن خدمَة الْمَسَاجِد مِمَّا يتَقرَّب بِهِ إِلَى اتعالى لما نذرت بِهِ، وَهَذَا أَيْضا مَوضِع التَّرْجَمَة. وَأما التَّعْلِيق الْمَذْكُور فَإِن الضَّحَّاك ذكره عَن ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِيره. قَوْله: (تَعْنِي) بِلَفْظ الْمُؤَنَّث الْغَائِب، لِأَنَّهُ يرجع إِلَى حنة أم مَرْيَم، و: حنة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد النُّون. قَوْله: (يخدمها) ، ويروى: (ويخدمه) ، أَي: يخْدم الْمَسْجِد، وعَلى الأول: يخْدم الْمَسَاجِد أَو الأَرْض المقدسة، وَنَحْو ذَلِك.

٠٦٤٩١١ - ح دّثنا أحْمَدُ بنُ وَاقِدٍ قَالَ حدّثنا حَمَّادٌ عنْ ثابِتٍ عنْ أبي رَافِعٍ عنْ أبي هُرَيْرَة

َ أنَّ امْرَأَةً أوْ رَجُلاً كانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ ولَا أَرَاهُ إِلَاّ امْرَأَةً فَذَكَرَ حَدِيثَ النبيِّ أنَّهُ صلَّى عَلَى قَبْرِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٨٥٤ وطرفه) .

وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهر، وَالْكَلَام فِيهِ قد مر مُسْتَوفى عَن قريب، وَأحمد بن وَاقد بِالْقَافِ هُوَ أَحْمد بن عبد الْملك بن وَاقد الْحَرَّانِي أَبُو يحيى، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِبَغْدَاد، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وثابت الْبنانِيّ وَأَبُو رَافع نفيع، وَقد مر ذكرهم. قَوْله: (وَلَا أرَاهُ) ، بِضَم الْهمزَة أَي: لَا أَظُنهُ، وَهَذَا من كَلَام أبي رَافع، وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام أبي هُرَيْرَة، رَضِي اتعالى عَنهُ. قَوْله: (فَذكر) أَي: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ، ذكر حَدِيث النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، الَّذِي تقدم فِي الْبَاب السَّابِق.

٥٧ - (بابُ الأَسِيرِ أَو الغَرِيمِ يُرْبَطُ فِي المَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِبَاحَة ربط الْأَسير أَو الْغَرِيم فِي الْمَسْجِد، وَكَانَ القَاضِي شُرَيْح يَأْمر بربط الْغَرِيم فِي سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد. قَوْله: (الْأَسير) ، فعيل بِمَعْنى مفعول، قَالَ الْجَوْهَرِي: أسره أَي: شده بالإسار، وَهُوَ الْقد، وَمِنْه سمي الْأَسير. وَكَانُوا يشدونه بالقد فَسُمي كل أخيذ أَسِيرًا، وَإِن لم يشد بِهِ، والغريم هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الدّين، وَقد يكون الْغَرِيم لَهُ الدّين، وَالْمرَاد هُنَا الأول. قَوْله: (يرْبط) ، جملَة وَقعت حَالا من كل وَاحِد من: الْأَسير والغريم، بِتَقْدِير جملَة أُخْرَى نَحْوهَا للمطعوف عَلَيْهِ، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين بِكَلِمَة: أَو الَّتِي للتنويع، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن وَغَيره: والغريم، بواو الْعَطف.

١٦٤١٢١ - ح دّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ شُعْبَةَ عنْ محَمَّدٍ بنِ زِيادٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبيِّ قَالَ إنَّ عِفْرِيتاً مِنَ الجنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ أوْ كَلِمَةً نحْوَها لِيقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنهُ فَأَرَدْتُ إِنْ أرْبِطَهُ إِلَى سارِية مِنْ سَوَارِي المسْجدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدي قَالَ رَوْحٌ فرَدَّهُ خاسِئاً. (الحَدِيث ١٦٤ أَطْرَافه فِي: ٠١٢١، ٤٨٢٣، ٣٢٤٣، ٨٠٨٤) .

١١

- ٥٠ وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْأَسير) ، ظَاهر، وَأما فِي قَوْله: (والغريم) فبالقياس عَلَيْهِ، لِأَن الْغَرِيم مثل الْأَسير فِي يَد صَاحب الدّين.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن رَاهَوَيْه، تقدم فِي كتاب الْعلم. الثَّانِي: روح، بِفَتْح الرَّاء: ابْن عبَادَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وخفة الْبَاء الْمُوَحدَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْمَشْهُور بغندر. الرَّابِع: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الْخَامِس: مُحَمَّد بن زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، تقدم ذكره فِي بَاب غسل الأعقاب. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة إِسْحَاق عَن شيخين. وَفِيه: القَوْل بَينه وَبَينهمَا. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وبصري.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أَيْضا، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن مُحَمَّد بن بشار أَيْضا، وَفِي صفة إِبْلِيس عَن مَحْمُود وَمُحَمّد فرقهما، كِلَاهُمَا عَن شَبابَة. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور، وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن غنْدر عَن بنْدَار.

ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (إِن عفريتا) قَالَ ابْن الْحَاجِب: وَزنه: فعليت وَفِي (الْمُحكم) : رجل عفر وعفرية وعفاريت وعفريت، بيّن العفارة: خَبِيث مُنكر. وَقَالَ الزّجاج: العفريت النَّافِذ فِي الْأَمر المبالغ فِيهِ، من: خبث ودهاء، وَقد تعفرت. وَفِي (الْجَامِع) : والشيطان عفريت وعفرية وهم العفاريت والعفارية، وَفِي الْقُرْآن: {قَالَ عفريت من الْجِنّ} (النَّمْل: ٩٣) وَقَرَأَ بعض الْقِرَاءَة: قَالَ عفرية من الْجِنّ، قَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا سكنت الْبَاء صيرت الْهَاء تَاء، وَإِذا حركتها فالتاء هَاء فِي الْوَقْف. قَوْله: (من الْجِنّ) ، قَالَ ابْن

سَيّده: الْجِنّ نوع من الْعَالم، وَالْجمع: جنان، وهم: الْجنَّة، والجني مَنْسُوب إِلَى الْجِنّ، وَالْجنَّة طائف من الْجِنّ، والمجنة الْجِنّ، وَأَرْض مجنة: كَثِيرَة الْجِنّ، والجان: أَبُو الْجِنّ، والجان: الْجِنّ، وَهُوَ اسْم جمع.

وَاعْلَم أَن الْمَوْجُود الْمُمكن الَّذِي لَيْسَ بمتحيز وَلَا صفة للمتحيز هم الْأَرْوَاح، وَهِي: إِمَّا سفلية وَإِمَّا علوِيَّة. فالسفلية: إِمَّا خيرة وهم: صالحو الْجِنّ، أَو شريرة وهم مَرَدَة الشَّيَاطِين. والعلوية: إِمَّا مُتَعَلقَة بالأجسام: وَهِي الْأَرْوَاح الفلكية، أَو غير مُتَعَلقَة بالأجسام: وَهِي الْأَرْوَاح المقدسة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الْجِنّ خلاف الْإِنْس، يُقَال: جنه اللَّيْل وأجنه وجن عَلَيْهِ وغطاه فِي معنى وَاحِد: إِذا ستره، وكل شَيْء استتر فقد جن عَنْك، وَبِه سميت الْجِنّ، وَقَالَ ابْن عقيل: إِنَّمَا سمي الْجِنّ جناً لاستجنانهم واستتارهم عَن الْعُيُون، وَمِنْه سمي الْجَنِين جَنِينا.

قَوْله: (تفلت) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد اللَّام: أَي تعرض لي فلتة أَي بَغْتَة. وَفِي (الْمُحكم) : أفلت الشَّيْء إِذا أَخذه بَغْتَة فِي سرعَة، و: كَانَ ذَلِك فلتة أَي: فَجْأَة، وَالْجمع: فلتات، لَا يُجَاوز بهَا جمع السلامية، والفلتة الْأَمر يَقع من غير إحكام. وَفِي (الْمُنْتَهى) : تفلت علينا وإلينا. وَفِي (الصِّحَاح) : أفلت الشَّيْء يفلت وانفلت بِمَعْنى، وأفلته غَيره. قَوْله: (البارحة) ، هِيَ أقرب لَيْلَة مَضَت. وَفِي (الْمُنْتَهى) : كل زائل بارح، وَمِنْه سميت البارحة أدنى لَيْلَة زَالَت عَنْك، تَقول: لَقيته البارحة، والبارحة الأولى، ومنذ ثَلَاث لَيَال. وَفِي (الْمُحكم) : البارحة هِيَ اللَّيْلَة الخالية وَلَا تحقر، وَقَالَ قَاسم فِي (كتاب الدَّلَائِل) : يُقَال: بارحة الأولى يُضَاف الِاسْم إِلَى الصّفة، كَمَا يُقَال: مَسْجِد الْجَامِع، وَمِنْه الحَدِيث: (كَانَت لي شَاة فَعدا عَلَيْهَا الذِّئْب بارحة الأولى) . وانتصابها على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (أَو كلمة نَحْوهَا) أَي: أَو قَالَ كلمة، نَحْو: تفلت عَليّ البارحة، مثل قَوْله فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ: (عرض لي فَشد عَليّ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: (عرض لي فِي صُورَة هر) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء: (جَاءَ بشهاب من نَار ليجعله فِي وَجْهي) . قَوْله: (إِلَى سَارِيَة) وَهِي الأسطوانة. قَوْله: (حَتَّى تصبحوا) ، أَي: حَتَّى تدْخلُوا فِي الصَّباح، وَهِي تَامَّة لَا تحْتَاج إِلَى خبر. قَوْله: (كلكُمْ) ، بِالرَّفْع تَأْكِيد للضمير الْمَرْفُوع. قَوْله: (رب اغْفِر لي وهب لي) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي بَقِيَّة الرِّوَايَات هُنَا: (رب هَب لي) ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّه ذكره على قصد الاقتباس من الْقُرْآن، لَا على قصد أَنه قُرْآن. انْتهى. وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم، كَمَا فِي رِوَايَة أبي ذَر: والأخوة بَين سُلَيْمَان وَبَين سيدنَا مُحَمَّد بِحَسب أصُول الدّين أَو بِحَسب الْمُمَاثلَة فِي الدّين. قَوْله: (قَالَ روح فَرده خاسئاً) أَي: قَالَ روح بن عبَادَة الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، فَرده النَّبِي، أَي: العفريت، حَال كَونه خاسئاً أَي: مطروداً. وَفِي (الْمُحكم) : الخاسىء من الْكلاب والخنازير وَالشَّيَاطِين: الْبعيد الَّذِي لَا يتْرك أَن يدنو من النَّاس، وخسأ الْكَلْب يخسأ خسأً وخسوءاً فخسأ وانخسأ، وَيُقَال: اخْسَأْ إِلَيْك واخسأ عني. وَفِي (الصِّحَاح) : خسأت الْكَلْب طردته، وخسأ الْكَلْب نَفسه، يتعدي وَلَا يتَعَدَّى، وَيكون الخاسىء بِمَعْنى: الصاغر الذَّلِيل، ثمَّ إِن قَوْله هَذَا بِحَسب الظَّاهِر يدل على أَن هَذِه الزِّيَادَة فِي رِوَايَة روح دون رَفِيقه مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَلَكِن البُخَارِيّ روى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن مُحَمَّد بن بشار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَحده، فَزَاد فِي آخِره أَيْضا: (فرددته خاسئاً) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَرده اخاسئاً) ، فعل هَذَا دلّ على أَن قَوْله: قَالَ روح، دَاخل تَحت الْإِسْنَاد، وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن قَول الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: هَذَا تَعْلِيق للْبُخَارِيّ مِنْهُ، أَو هُوَ دَاخل تَحت الْإِسْنَاد السَّابِق.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْفَوَائِد الأولى: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن رُؤْيَة الْجِنّ الْبشر غير مستحيلة، وَالْجِنّ أجسام لَطِيفَة والجسم، وَإِن لطف فدركه غير مُمْتَنع أصلا، وَأما قَوْله تَعَالَى: {إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم} (الْأَعْرَاف: ٧٢) فَإِن ذَلِك حكم الْأَعَمّ الْأَغْلَب من أَحْوَال بني آدم، امتحنهم ابذلك وابتلاهم ليفزعوا إِلَيْهِ ويستعيذوا بِهِ من شرهم، وَيطْلبُونَ الْأمان من غائلتهم، وَلَا يُنكر أَن يكون حكم الْخَاص والنادر من المصطفين من عباده بِخِلَاف ذَلِك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّأْوِيل، إِذْ لَيْسَ فِي الْآيَة مَا يَنْفِي رؤيتنا إيَّاهُم مُطلقًا، إِذْ الْمُسْتَفَاد مِنْهَا أَن رُؤْيَته إيانا مُقَيّدَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة، فَلَا نراهم فِي زمَان رُؤْيَتهمْ لنا قطّ، وَيجوز رؤيتنا لَهُم فِي غير ذَلِك الْوَقْت.

الثَّانِيَة: فِيهِ دَلِيل على أَن الْجِنّ لَيْسُوا باقين على عنصرهم الناري، وَلِأَنَّهُ، قَالَ: (إِن عَدو اإبليس جَاءَ بشهاب من نَار ليجعله فِي وَجْهي) . وَقَالَ: (رَأَيْت لَيْلَة أسرِي بِي عفريتاً من الْجِنّ يطلبني بشعلة من نَار كلما الْتفت إِلَيْهِ رَأَيْته) . وَلَو كَانُوا باقين على عنصرهم الناري، وَأَنَّهُمْ نَار محرقة، لما احتاجوا إِلَى أَن يَأْتِي الشَّيْطَان أَو العفريت مِنْهُم بشعلة من نَار، ولكانت يَد الشَّيْطَان أَو العفريت أَو شَيْء من أَعْضَائِهِ إِذا مس ابْن آدم أحرقه، كَمَا تحرق الْآدَمِيّ النارُ الْحَقِيقِيَّة بِمُجَرَّد اللَّمْس، فَدلَّ على أَن تِلْكَ النارية انغمرت فِي سَائِر العناصر

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْآيَاتُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا خَرَجَ النَّبِيُّ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الْخَمْرِ.

[الحديث ٤٥٩ - أطرافه في: ٤٥٤٣، ٤٥٤٢، ٤٥٤١، ٤٥٤٠، ٢٢٢٦، ٢٠٨٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ تَحْرِيمِ تِجَارَةِ الْخَمْرِ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ: جَوَازِ ذِكْرِ ذَلِكَ وَتَبْيِينِ أَحْكَامِهِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ مَا يَقْتَضِيهِ مَفْهُومُهُ مِنْ أَنَّ تَحْرِيمَهَا مُخْتَصٌّ بِالْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ بَابُ ذِكْرِ تَحْرِيمِ، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي بَابِ ذِكْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. وَمَوْقِعُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْمَسْجِدَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْفَوَاحِشِ فِعْلًا وَقَوْلًا، لَكِنْ يَجُوزُ ذِكْرُهَا فِيهِ لِلتَّحْذِيرِ مِنْهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ لَهَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) هُوَ السُّكَّرِيُّ، وَمُسْلِمٌ هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ أَبُو الضُّحَى. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: كَانَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الرِّبَا بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِتَحْرِيمِهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى تَأْكِيدًا.

قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ التِّجَارَةِ فِيهَا تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ تَحْرِيمِ عَيْنِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٤ - بَاب الْخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ لِلْمَسْجِدِ يَخْدُمُهَا

٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً أَوْ رَجُلًا كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ - وَلَا أُرَاهُ إِلَّا امْرَأَةً - فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِه.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْخَدَمُ فِي الْمَسْجِدِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِمَعْنَاهُ.

قَوْلُهُ: (مُحَرَّرًا) أَيْ: مُعْتَقًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ صِحَّةُ النَّذْرِ فِي أَوْلَادِهِمْ، وَكَأَنَّ غَرَضَ الْبُخَارِيِّ الْإِشَارَةُ بِإِيرَادِ هَذَا إِلَى أَنَّ تَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ بِالْخِدْمَةِ كَانَ مَشْرُوعًا عِنْدَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ وَقَعَ مِنْهُ نَذْرُ وَلَدِهِ لِخِدْمَتِهِ. وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ الْبَابِ مِنْ جِهَةِ صِحَّةِ تَبَرُّعِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ بِإِقَامَةِ نَفْسِهَا لِخِدْمَةِ الْمَسْجِدِ لِتَقْرِيرِ النَّبِيِّ لَهَا عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ) وَاقِدٌ جَدُّهُ، وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَشَيْخُهُ حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، وَرِجَالُهُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (وَلَا أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، أَيْ أَظُنُّهُ.

قَوْلُهُ: (فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ) أَيِ: الَّذِي تَقَدَّمَ قَبْلَ بَابٍ.

٧٥ - باب الْأَسِيرِ أَوْ الْغَرِيمِ يُرْبَطُ فِي الْمَسْجِدِ

٤٦١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا.

[الحديث ٤٦١ - أطرافه في: ٤٨٠٨، ٣٤٢٣، ٣٢٨٤، ١٢١٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْأَسِيرِ أَوِ الْغَرِيمِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِأَوْ، وَهِيَ لِلتَّنْوِيعِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ وَغَيْرِهِ وَالْغَرِيمِ بِوَاوِ الْعَطْفِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ.

قَوْلُهُ: (تَفَلَّتَ) بِالْفَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ تَعَرَّضَ لِي فَلْتَةً، أَيْ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ بمعناه في تفسير قوله تعالى، حكايةً عن حَنَّة -بفتح الحاء المهملة وتشديد النُّون- بنت فاقوذا امرأة عمران، وكانت عاقرًا، فرأت يومًا طائرًا يزقُّ فرخه، فاشتهت الولد، فسألت الله أن يهبها ولدًا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها فحملت منه، فلمَّا تحقَّقت الحمل قالت ما أخبر الله تعالى عنها: (﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]) وللأَصيليِّ: «تعني مُحرَّرًا» أي: مُعتَقًا (لِلْمَسْجِدِ) الأقصى (يَخْدُمُهُ) لا أشغله بشيءٍ غيره (١)، ولأبي ذَرٍّ: «يخدمها» أي: المساجد أو الصَّخرة أو الأرض المُقدَّسة، وكان النَّذر مشروعًا عندهم في الغلمان، فلعلَّها بَنَتِ الأمر على التَّقدير، أو طلبت ذكرًا ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] قالته تحسُّرًا وتحزُّنًا إلى ربِّها لأنَّها كانت ترجو أن تلد ذكرًا فتحرِّره (٢) للمسجد «فتقبَّلها ربُّها»: فرضي بها (٣) في النَّذر مكان الذَّكر «بقبولٍ حسنٍ»: بوجهٍ حسنٍ تُقبَل به (٤) النَّذائر وهو إقامتها مقام الذَّكر.

٤٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ وَاقِدٍ) بالقاف نسبةً (٥) لجدِّه لشهرته به، وأبوه عبد الملك الحرَّانيُّ، المُتوفَّى ببغداد سنة إحدى وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) وللأَصيليِّ: «حمَّاد

ابن زيدٍ» (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفَيْعٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ امْرَأَةً -أَوْ) قال (١) (رَجُلًا- كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ) أو: «كان» فحذف «أو (٢) كان» كما سبق [خ¦٤٥٨] فحذف من الأوَّل خبر المُؤنَّث، وهنا خبر المُذكَّر اعتبارًا بالسَّابق ليكون جاريًا على المَهْيَع (٣) الكثير، وهو الحذف من الثَّاني لدلالة الأوَّل، قاله الدَّمامينيُّ. نعم في رواية أبي ذَرٍّ: «كان يقمُّ المسجد» بالتَّذكير، قال أبو رافعٍ: (وَلَا أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: لا أظنُّه (إِلَّا امْرَأَةً. فَذَكَرَ) أبو هريرة (حَدِيثَ النَّبِيِّ ) السَّابق (أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ) ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «قبرها» وفي روايةٍ: «على (٤) قبرٍ» بغير ضميرٍ.

(٧٥) (بابُ) حكم (الأَسِيرِ أَوِ الغَرِيمِ) حال كونه (يُرْبَطُ فِي المَسْجِدِ) الإباحة، و «أو» للتَّنويع، و «الأسير»: الأخيذ، ولابن السَّكن وابن عساكر: «الأسير والغريم»، بواو العطف.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الرَّابِع: مُسلم بن صبيح، بِضَم الصَّاد وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وكنيته أَبُو الضُّحَى الْكُوفِي. الْخَامِس: مَسْرُوق بن الأجدع الْكُوفِي. السَّادِس: عَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وكوفي. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض وهم: الْأَعْمَش وَمُسلم ومسروق.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَفِي التَّفْسِير عَن بشر بن خَالِد، وَفِيه أَيْضا عَن عمر بن حَفْص، وَفِي الْبيُوع وَالتَّفْسِير أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَعَن عُثْمَان عَن أبي مُعَاوِيَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ، وَفِي التَّفْسِير عَن بشر بن خَالِد بِهِ، وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه ابْن ماجة فِي الْأَشْرِبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد، كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة الضَّرِير بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (لما نزلت الْآيَات) هِيَ من قَوْله تَعَالَى: {الَّذين يَأْكُلُون الرِّبَا لَا يقومُونَ إِلَّا كَمَا يقوم الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس} (الْبَقَرَة: ٥٧٢) إِلَى قَوْله: {لَا تظْلمُونَ وَلَا تظْلمُونَ} (الْبَقَرَة: ٩٧٢) وروى ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: (آكل الرِّبَا يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة مَجْنُونا يخنق) . قَالَ: وَرُوِيَ عَن عَوْف بن مَالك وَسَعِيد بن جُبَير وَالسُّديّ وَالربيع بن أنس وَمُقَاتِل بن حَيَّان نَحْو ذَلِك، وروى ابْن جريرج فال: حَدثنِي الْمثنى حدّثنا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حدّثنا ربيعَة بن كُلْثُوم حدّثنا أبي عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (يُقَال يَوْم الْقِيَامَة لآكل الرِّبَا: خُذ سِلَاحك للحرب، وَقَرَأَ: {لَا يقومُونَ إِلَّا كَمَا يقوم الَّذِي بتخبطه الشَّيْطَان من الْمس} (الْبَقَرَة: ٥٧٢) قَالَ: وَذَلِكَ حِين يقوم من قَبره) . قَوْله: (من سُورَة الْبَقَرَة) وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: (لما نزلت الْآيَات من آخر سُورَة الْبَقَرَة فِي الرِّبَا، قَرَأَهَا رَسُول الله على النَّاس ثمَّ حرم التِّجَارَة فِي الْخمر) . وَقَالَ ابْن كثير فِي تَفْسِيره: قَالَ بعض من تكلم على هَذَا الحَدِيث من الْأَئِمَّة: لما حرم الرِّبَا ووسائله حرم الْخمر، وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِ من تِجَارَة وَنَحْو ذَلِك. قلت: ظَاهر هَذَا يدل على أَن تَحْرِيم الْخمر كَانَ مَعَ تَحْرِيم الرِّبَا، وَلَكِن قَالُوا: إِن تَحْرِيم الْخمر قبل تَحْرِيم الرِّبَا بِمدَّة طَوِيلَة، كَمَا ذكرنَا عَن قريب. والربا: مَقْصُور، من: رَبًّا يَرْبُو إِذا زَاد فَيكْتب بِالْألف، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ كتبه بِالْيَاءِ بِسَبَب الكسرة فِي أَوله، وَقد كتب فِي الْمُصحف: بِالْوَاو. قَالَ الْفراء: إِنَّمَا كتبوه بِالْوَاو لِأَن أهل الْحجاز تعلمُوا الْخط من أهل الْحيرَة ولغتهم الربو، فعلموهم صُورَة الْخط على لغتهم، قَالَ: وَيجوز كتبه بِالْألف وبالواو وبالياء. قَوْله: (تِجَارَة الْخمر) أَي: بيعهَا وشراءها.

٤٧ - (بابُ الخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر الخدم، بِفَتْح الْخَاء وَالدَّال: جمع خَادِم، هَكَذَا بِكَلِمَة: فِي فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: الخدم لِلْمَسْجِدِ، بِاللَّامِ: وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يكون هَذَا الْبَاب عقيب بَاب: كنس الْمَسْجِد، على مَا لَا يخفى.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ {نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي} تَعْنِي {مُحَرَّراً} لِلْمَسْجِدِ يخْدُمُها.

١٣

- ٥٠ أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى أَن تَعْظِيم الْمَسْجِد بِالْخدمَةِ كَانَ مَشْرُوعا أَيْضا فِي الْأُمَم الْمَاضِيَة، أَلَا ترى أَن اتعالى حكى عَن حنة أم مَرْيَم أَنَّهَا لما حبلت نذرت تَعَالَى أَن يكون مَا فِي بَطنهَا محرراً، يَعْنِي عتيقاً يخْدم الْمَسْجِد الْأَقْصَى، وَلَا يكون لأحد عَلَيْهِ سَبِيل، وَلَوْلَا أَن خدمَة الْمَسَاجِد مِمَّا يتَقرَّب بِهِ إِلَى اتعالى لما نذرت بِهِ، وَهَذَا أَيْضا مَوضِع التَّرْجَمَة. وَأما التَّعْلِيق الْمَذْكُور فَإِن الضَّحَّاك ذكره عَن ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِيره. قَوْله: (تَعْنِي) بِلَفْظ الْمُؤَنَّث الْغَائِب، لِأَنَّهُ يرجع إِلَى حنة أم مَرْيَم، و: حنة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد النُّون. قَوْله: (يخدمها) ، ويروى: (ويخدمه) ، أَي: يخْدم الْمَسْجِد، وعَلى الأول: يخْدم الْمَسَاجِد أَو الأَرْض المقدسة، وَنَحْو ذَلِك.

٠٦٤٩١١ - ح دّثنا أحْمَدُ بنُ وَاقِدٍ قَالَ حدّثنا حَمَّادٌ عنْ ثابِتٍ عنْ أبي رَافِعٍ عنْ أبي هُرَيْرَة

َ أنَّ امْرَأَةً أوْ رَجُلاً كانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ ولَا أَرَاهُ إِلَاّ امْرَأَةً فَذَكَرَ حَدِيثَ النبيِّ أنَّهُ صلَّى عَلَى قَبْرِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٨٥٤ وطرفه) .

وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهر، وَالْكَلَام فِيهِ قد مر مُسْتَوفى عَن قريب، وَأحمد بن وَاقد بِالْقَافِ هُوَ أَحْمد بن عبد الْملك بن وَاقد الْحَرَّانِي أَبُو يحيى، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِبَغْدَاد، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وثابت الْبنانِيّ وَأَبُو رَافع نفيع، وَقد مر ذكرهم. قَوْله: (وَلَا أرَاهُ) ، بِضَم الْهمزَة أَي: لَا أَظُنهُ، وَهَذَا من كَلَام أبي رَافع، وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام أبي هُرَيْرَة، رَضِي اتعالى عَنهُ. قَوْله: (فَذكر) أَي: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ، ذكر حَدِيث النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، الَّذِي تقدم فِي الْبَاب السَّابِق.

٥٧ - (بابُ الأَسِيرِ أَو الغَرِيمِ يُرْبَطُ فِي المَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِبَاحَة ربط الْأَسير أَو الْغَرِيم فِي الْمَسْجِد، وَكَانَ القَاضِي شُرَيْح يَأْمر بربط الْغَرِيم فِي سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد. قَوْله: (الْأَسير) ، فعيل بِمَعْنى مفعول، قَالَ الْجَوْهَرِي: أسره أَي: شده بالإسار، وَهُوَ الْقد، وَمِنْه سمي الْأَسير. وَكَانُوا يشدونه بالقد فَسُمي كل أخيذ أَسِيرًا، وَإِن لم يشد بِهِ، والغريم هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الدّين، وَقد يكون الْغَرِيم لَهُ الدّين، وَالْمرَاد هُنَا الأول. قَوْله: (يرْبط) ، جملَة وَقعت حَالا من كل وَاحِد من: الْأَسير والغريم، بِتَقْدِير جملَة أُخْرَى نَحْوهَا للمطعوف عَلَيْهِ، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين بِكَلِمَة: أَو الَّتِي للتنويع، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن وَغَيره: والغريم، بواو الْعَطف.

١٦٤١٢١ - ح دّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ شُعْبَةَ عنْ محَمَّدٍ بنِ زِيادٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبيِّ قَالَ إنَّ عِفْرِيتاً مِنَ الجنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ أوْ كَلِمَةً نحْوَها لِيقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنهُ فَأَرَدْتُ إِنْ أرْبِطَهُ إِلَى سارِية مِنْ سَوَارِي المسْجدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدي قَالَ رَوْحٌ فرَدَّهُ خاسِئاً. (الحَدِيث ١٦٤ أَطْرَافه فِي: ٠١٢١، ٤٨٢٣، ٣٢٤٣، ٨٠٨٤) .

١١

- ٥٠ وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْأَسير) ، ظَاهر، وَأما فِي قَوْله: (والغريم) فبالقياس عَلَيْهِ، لِأَن الْغَرِيم مثل الْأَسير فِي يَد صَاحب الدّين.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن رَاهَوَيْه، تقدم فِي كتاب الْعلم. الثَّانِي: روح، بِفَتْح الرَّاء: ابْن عبَادَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وخفة الْبَاء الْمُوَحدَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْمَشْهُور بغندر. الرَّابِع: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الْخَامِس: مُحَمَّد بن زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، تقدم ذكره فِي بَاب غسل الأعقاب. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة إِسْحَاق عَن شيخين. وَفِيه: القَوْل بَينه وَبَينهمَا. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وبصري.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أَيْضا، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن مُحَمَّد بن بشار أَيْضا، وَفِي صفة إِبْلِيس عَن مَحْمُود وَمُحَمّد فرقهما، كِلَاهُمَا عَن شَبابَة. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور، وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن غنْدر عَن بنْدَار.

ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (إِن عفريتا) قَالَ ابْن الْحَاجِب: وَزنه: فعليت وَفِي (الْمُحكم) : رجل عفر وعفرية وعفاريت وعفريت، بيّن العفارة: خَبِيث مُنكر. وَقَالَ الزّجاج: العفريت النَّافِذ فِي الْأَمر المبالغ فِيهِ، من: خبث ودهاء، وَقد تعفرت. وَفِي (الْجَامِع) : والشيطان عفريت وعفرية وهم العفاريت والعفارية، وَفِي الْقُرْآن: {قَالَ عفريت من الْجِنّ} (النَّمْل: ٩٣) وَقَرَأَ بعض الْقِرَاءَة: قَالَ عفرية من الْجِنّ، قَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا سكنت الْبَاء صيرت الْهَاء تَاء، وَإِذا حركتها فالتاء هَاء فِي الْوَقْف. قَوْله: (من الْجِنّ) ، قَالَ ابْن

سَيّده: الْجِنّ نوع من الْعَالم، وَالْجمع: جنان، وهم: الْجنَّة، والجني مَنْسُوب إِلَى الْجِنّ، وَالْجنَّة طائف من الْجِنّ، والمجنة الْجِنّ، وَأَرْض مجنة: كَثِيرَة الْجِنّ، والجان: أَبُو الْجِنّ، والجان: الْجِنّ، وَهُوَ اسْم جمع.

وَاعْلَم أَن الْمَوْجُود الْمُمكن الَّذِي لَيْسَ بمتحيز وَلَا صفة للمتحيز هم الْأَرْوَاح، وَهِي: إِمَّا سفلية وَإِمَّا علوِيَّة. فالسفلية: إِمَّا خيرة وهم: صالحو الْجِنّ، أَو شريرة وهم مَرَدَة الشَّيَاطِين. والعلوية: إِمَّا مُتَعَلقَة بالأجسام: وَهِي الْأَرْوَاح الفلكية، أَو غير مُتَعَلقَة بالأجسام: وَهِي الْأَرْوَاح المقدسة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الْجِنّ خلاف الْإِنْس، يُقَال: جنه اللَّيْل وأجنه وجن عَلَيْهِ وغطاه فِي معنى وَاحِد: إِذا ستره، وكل شَيْء استتر فقد جن عَنْك، وَبِه سميت الْجِنّ، وَقَالَ ابْن عقيل: إِنَّمَا سمي الْجِنّ جناً لاستجنانهم واستتارهم عَن الْعُيُون، وَمِنْه سمي الْجَنِين جَنِينا.

قَوْله: (تفلت) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد اللَّام: أَي تعرض لي فلتة أَي بَغْتَة. وَفِي (الْمُحكم) : أفلت الشَّيْء إِذا أَخذه بَغْتَة فِي سرعَة، و: كَانَ ذَلِك فلتة أَي: فَجْأَة، وَالْجمع: فلتات، لَا يُجَاوز بهَا جمع السلامية، والفلتة الْأَمر يَقع من غير إحكام. وَفِي (الْمُنْتَهى) : تفلت علينا وإلينا. وَفِي (الصِّحَاح) : أفلت الشَّيْء يفلت وانفلت بِمَعْنى، وأفلته غَيره. قَوْله: (البارحة) ، هِيَ أقرب لَيْلَة مَضَت. وَفِي (الْمُنْتَهى) : كل زائل بارح، وَمِنْه سميت البارحة أدنى لَيْلَة زَالَت عَنْك، تَقول: لَقيته البارحة، والبارحة الأولى، ومنذ ثَلَاث لَيَال. وَفِي (الْمُحكم) : البارحة هِيَ اللَّيْلَة الخالية وَلَا تحقر، وَقَالَ قَاسم فِي (كتاب الدَّلَائِل) : يُقَال: بارحة الأولى يُضَاف الِاسْم إِلَى الصّفة، كَمَا يُقَال: مَسْجِد الْجَامِع، وَمِنْه الحَدِيث: (كَانَت لي شَاة فَعدا عَلَيْهَا الذِّئْب بارحة الأولى) . وانتصابها على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (أَو كلمة نَحْوهَا) أَي: أَو قَالَ كلمة، نَحْو: تفلت عَليّ البارحة، مثل قَوْله فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ: (عرض لي فَشد عَليّ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: (عرض لي فِي صُورَة هر) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء: (جَاءَ بشهاب من نَار ليجعله فِي وَجْهي) . قَوْله: (إِلَى سَارِيَة) وَهِي الأسطوانة. قَوْله: (حَتَّى تصبحوا) ، أَي: حَتَّى تدْخلُوا فِي الصَّباح، وَهِي تَامَّة لَا تحْتَاج إِلَى خبر. قَوْله: (كلكُمْ) ، بِالرَّفْع تَأْكِيد للضمير الْمَرْفُوع. قَوْله: (رب اغْفِر لي وهب لي) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي بَقِيَّة الرِّوَايَات هُنَا: (رب هَب لي) ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّه ذكره على قصد الاقتباس من الْقُرْآن، لَا على قصد أَنه قُرْآن. انْتهى. وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم، كَمَا فِي رِوَايَة أبي ذَر: والأخوة بَين سُلَيْمَان وَبَين سيدنَا مُحَمَّد بِحَسب أصُول الدّين أَو بِحَسب الْمُمَاثلَة فِي الدّين. قَوْله: (قَالَ روح فَرده خاسئاً) أَي: قَالَ روح بن عبَادَة الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، فَرده النَّبِي، أَي: العفريت، حَال كَونه خاسئاً أَي: مطروداً. وَفِي (الْمُحكم) : الخاسىء من الْكلاب والخنازير وَالشَّيَاطِين: الْبعيد الَّذِي لَا يتْرك أَن يدنو من النَّاس، وخسأ الْكَلْب يخسأ خسأً وخسوءاً فخسأ وانخسأ، وَيُقَال: اخْسَأْ إِلَيْك واخسأ عني. وَفِي (الصِّحَاح) : خسأت الْكَلْب طردته، وخسأ الْكَلْب نَفسه، يتعدي وَلَا يتَعَدَّى، وَيكون الخاسىء بِمَعْنى: الصاغر الذَّلِيل، ثمَّ إِن قَوْله هَذَا بِحَسب الظَّاهِر يدل على أَن هَذِه الزِّيَادَة فِي رِوَايَة روح دون رَفِيقه مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَلَكِن البُخَارِيّ روى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن مُحَمَّد بن بشار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَحده، فَزَاد فِي آخِره أَيْضا: (فرددته خاسئاً) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَرده اخاسئاً) ، فعل هَذَا دلّ على أَن قَوْله: قَالَ روح، دَاخل تَحت الْإِسْنَاد، وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن قَول الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: هَذَا تَعْلِيق للْبُخَارِيّ مِنْهُ، أَو هُوَ دَاخل تَحت الْإِسْنَاد السَّابِق.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْفَوَائِد الأولى: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن رُؤْيَة الْجِنّ الْبشر غير مستحيلة، وَالْجِنّ أجسام لَطِيفَة والجسم، وَإِن لطف فدركه غير مُمْتَنع أصلا، وَأما قَوْله تَعَالَى: {إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم} (الْأَعْرَاف: ٧٢) فَإِن ذَلِك حكم الْأَعَمّ الْأَغْلَب من أَحْوَال بني آدم، امتحنهم ابذلك وابتلاهم ليفزعوا إِلَيْهِ ويستعيذوا بِهِ من شرهم، وَيطْلبُونَ الْأمان من غائلتهم، وَلَا يُنكر أَن يكون حكم الْخَاص والنادر من المصطفين من عباده بِخِلَاف ذَلِك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّأْوِيل، إِذْ لَيْسَ فِي الْآيَة مَا يَنْفِي رؤيتنا إيَّاهُم مُطلقًا، إِذْ الْمُسْتَفَاد مِنْهَا أَن رُؤْيَته إيانا مُقَيّدَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة، فَلَا نراهم فِي زمَان رُؤْيَتهمْ لنا قطّ، وَيجوز رؤيتنا لَهُم فِي غير ذَلِك الْوَقْت.

الثَّانِيَة: فِيهِ دَلِيل على أَن الْجِنّ لَيْسُوا باقين على عنصرهم الناري، وَلِأَنَّهُ، قَالَ: (إِن عَدو اإبليس جَاءَ بشهاب من نَار ليجعله فِي وَجْهي) . وَقَالَ: (رَأَيْت لَيْلَة أسرِي بِي عفريتاً من الْجِنّ يطلبني بشعلة من نَار كلما الْتفت إِلَيْهِ رَأَيْته) . وَلَو كَانُوا باقين على عنصرهم الناري، وَأَنَّهُمْ نَار محرقة، لما احتاجوا إِلَى أَن يَأْتِي الشَّيْطَان أَو العفريت مِنْهُم بشعلة من نَار، ولكانت يَد الشَّيْطَان أَو العفريت أَو شَيْء من أَعْضَائِهِ إِذا مس ابْن آدم أحرقه، كَمَا تحرق الْآدَمِيّ النارُ الْحَقِيقِيَّة بِمُجَرَّد اللَّمْس، فَدلَّ على أَن تِلْكَ النارية انغمرت فِي سَائِر العناصر

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل