الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠١٧
الحديث رقم ٦٠١٧ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا تحقرن جارة لجارتها.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابٌ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ
٦٠١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
⦗١١⦘
وَسَلَّمَ يَقُولُ:
حديث أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه يدل على إكرام الضيف وقراه، فلقد جاء عنه أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلَّم- قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"، وهذا من باب الحث والإغراء على إكرام الضيف، يعني أنَّ إكرام الضيف من علامة الإيمان بالله واليوم الآخر، ومن تمام الإيمان بالله واليوم الآخر.
ومما يحصل به إكرام الضيف: طلاقة الوجه، وطيب الكلام، والإطعام ثلاثة أيام، في الأول بمقدوره وميسوره، والباقي بما حضره من غير تكلف، ولئلا يثقل عليه وعلى نفسه، وبعد الثلاثة يُعد من الصدقات، إن شاء فعل وإلا فلا.
وأما قوله: "فليكرم ضيفه جائزته يوما وليلة والضيافة ثلاثة أيام" قال العلماء في معنى الجائزة: الاهتمام بالضيف في اليوم والليلة، وإتحافه بما يمكن من بر وخير، وأما في اليوم الثاني والثالث فيطعمه ما تيسر ولا يزيد على عادته، وأما ما كان بعد الثلاثة فهو صدقة ومعروف إن شاء فعل وإن شاء ترك.
وفي رواية مسلم "ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثمه" معناه: لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد الثلاث حتى يوقعه في الإثم؛ لأنه قد يغتابه لطول مقامه، أو يعرض له بما يؤذيه، أو يظن به مالا يجوز، وهذا كله محمول على ما إذا أقام بعد الثلاث من غير استدعاء من المضيف.
ومما ينبغي أن يعلم أن إكرام الضيف يختلف بحسب أحوال الضيف، فمن الناس من هو من أشراف القوم ووجهاء القوم، فيكرم بما يليق به، ومن الناس من هو من متوسط الحال فيكرم بما يليق به، ومنهم من هو دون ذلك.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٦٠١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا) كَذَا حَذَفَ الْمَفْعُولَ اكْتِفَاءً بِشُهْرَةِ الْحَدِيثِ، وأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ، وَاتَّفَقَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَدِيثُ قَبْلَهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ، وَكُلٌّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ صَحِيحٌ لِأَنَّ سَعِيدًا أَدْرَكَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَمِعَ مِنْهُ أَحَادِيثَ وَسَمِعَ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَشْيَاءَ كَانَ يُحَدِّثُ بِهَا تَارَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَهَا وَبَيَّنَ الِاخْتِلَافَ عَلَى سَعِيدٍ فِيهَا، وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاسْتَثْبَتَ أَبَاهُ فِيهَا، فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهَا تَارَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَارَةً عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا، وَإِلَّا لَحَدَّثَ بِالْجَمِيعِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبَقِيَّةُ الْمَتْنِ وَلَوْ فِرْسِنُ شَاةٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُونٍ: حَافِرُ الشَّاةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْهِبَةِ وَالْكَلَامُ عَلَى إِعْرَابِ يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِيهِ اخْتِصَارًا.
لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ يَعْرِفُونَ الْمُرَادَ مِنْهُ، أَيْ لَا تَحْقِرَنَّ أَنْ تُهْدِيَ إِلَى جَارَتِهَا شَيْئًا وَلَوْ أَنَّهَا تُهْدِي لَهَا مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْغَالِبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّحَابُبِ وَالتَّوَادُدِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لِتُوَادِدِ الْجَارَةُ جَارَتَهَا بِهَدِيَّةٍ وَلَوْ حَقِرَتْ، فَيَتَسَاوَى فِي ذَلِكَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَخُصَّ النَّهْيُ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ مَوَارِدُ الْمَوَدَّةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَلِأَنَّهُنَّ أَسْرَعُ انْفِعَالًا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلْمُعْطِيَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُهْدَى إِلَيْهَا. قُلْتُ: وَلَا يَتِمُّ حَمْلُهُ عَلَى الْمُهْدَى إِلَيْهَا إِلَّا بِجَعْلِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ لِجَارَتِهَا بِمَعْنَى مِنْ وَلَا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ.
٣١ - بَاب مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ
٦٠١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ.
٦٠١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ، قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ؛ فَقَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ، قَيلَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ.
[الحديث ٦٠١٩ - طرفاه في: ٦١٣٥، ٦٤٧٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثًا لِأَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ وَآخَرَ لِأَبِي شُرَيْحٍ.
قَوْلُهُ: (أَبُو الْأَحْوَصِ) هُوَ سَلَّامٌ بِالتَّشْدِيدِ ابْنُ سُلَيْمٍ، وَأَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ، وَأَبُو
صَالِحٍ هُوَ ذَكْوَانُ.
قَوْلُهُ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ الْإِيمَانَ الْكَامِلَ، وَخَصَّهُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إِشَارَةً إِلَى الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، أَيْ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُ وَآمَنَ بِأَنَّهُ سَيُجَازِيهِ بِعَمَلِهِ فَلْيَفْعَلِ الْخِصَالَ الْمَذْكُورَاتِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ) فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِلَفْظِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَقَدْ وَرَدَ تَفْسِيرُ الْإِكْرَامِ وَالْإِحْسَانِ لِلْجَارِ وَتَرْكِ أَذَاهُ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَالْخَرَائِطِيِّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ التَّوْبِيخِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ؟ قَالَ: إِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِنِ اسْتَعَانَكَ أَعَنْتَهُ، وَإِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنِ احْتَاجَ أَعْطَيْتَهُ، وَإِنِ افْتَقَرَ عُدْتَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّيْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ، وَإِذَا مَاتَ اتَّبَعَتْ جِنَازَتَهُ، وَلَا تَسْتَطِيلُ عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ فَتَحْجُبَ عَنْهُ الرِّيحَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تُؤْذِيهِ بِرِيحِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةً فَأَهْدِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَدْخِلْهَا سِرًّا وَلَا تُخْرِجْ بِهَا وَلَدَكَ لِيَغِيظَ بِهَا وَلَدَهُ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، وَالسِّيَاقُ أَكْثَرُهُ لِعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ. وَفِي حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ وَإِنْ أَعْوَزَ سَتَرْتَهُ، وَأَسَانِيدُهُمْ وَاهِيَةٌ لَكِنِ اخْتِلَافُ مَخَارِجِهَا يُشْعِرُ بِأَنَّ للْحَدِيثِ أَصْلًا.
ثُمَّ الْأَمْرُ بِالْإِكْرَامِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ، فَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ وَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، وَيُجْمِعُ الْجَمِيعُ أَنَّهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ جَائِزَتُهُ.
قَالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، الْحَدِيثَ. . وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ نَيِّفٍ وَخَمْسِينَ بَابًا فِي بَابِ إِكْرَامِ الضَّيْفِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لِأَنَّ الْقَوْلَ كُلَّهُ إِمَّا خَيْرٌ وَإِمَّا شَرٌّ وَإِمَّا آيِلُ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَدَخَلَ فِي الْخَيْرِ كُلُّ مَطْلُوبٍ مِنَ الْأَقْوَالِ فَرْضُهَا وَنَدْبُهَا، فَأَذِنَ فِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، وَدَخَلَ فِيهِ مَا يَؤولُ إِلَيْهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا هُوَ شَرٌّ أَوْ يَئُولُ إِلَى الشَّرِّ فَأَمَرَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْخَوْضِ فِيهِ بِالصَّمْتِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ بِلَفْظِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا لِيَغْنَمْ، أَوْ لِيَسْكُتْ عَنْ شَرٍّ لِيَسْلَمْ، وَاشْتَمَلَ حَدِيثُ الْبَابِ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ تَجْمَعُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ الْفِعْلِيَّةَ وَالْقَوْلِيَّةَ، أَمَّا الْأَوَّلَانِ فَمِنَ الْفِعْلِيَّةِ، وَأَوَّلُهُمَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَمْرِ بِالتَّخَلِّي عَنِ الرَّذِيلَةِ وَالثَّانِي يَرْجِعُ إِلَى الْأَمْرِ بِالتَّحَلِّي بِالْفَضِيلَةِ، وَحَاصِلُهُ مَنْ كَانَ حَامِلَ الْإِيمَانِ فَهُوَ مُتَّصِفٌ بِالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ قَوْلًا بِالْخَيْرِ وَسُكُوتًا عَنِ الشَّرِّ وَفِعْلًا لِمَا يَنْفَعُ أَوْ تَرْكًا لِمَا يَضُرُّ، وَفِي مَعْنَى الْأَمْرِ بِالصَّمْتِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ: مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْمُسْلِمُ مِنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَذَكَرَ فِيهَا أَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ، وَلِأَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ رَفَعَهُ فِي ذِكْرِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْبِرِّ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَنْ صَمَتَ نَجَا، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِهِ كَثْرَةُ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تُقَسِّي الْقَلْبَ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَكْثَرُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ قَالَ: هَذَا.
وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فَذَكَرَ الْوَصِيَّةَ بِطُولِهَا، وَفِي آخِرِهَا: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ الْحَدِيثَ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وصله الإسماعيليُّ الأمويُّ أسد السُّنَّة في روايته عن ابنِ أبي ذئبٍ أيضًا (وَ) تابعه أيضًا (أَسَدُ ابْنُ مُوسَى) ممَّا أخرجه الطَّبرانيُّ في «مكارم الأخلاق».
(وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ) بضم الحاء المهملة مصغَّرًا الكرابيسيُّ، وهذه الرِّواية قال في «المقدمة»: لم أرَها (وَ) قال (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضم العين، ابن فارسٍ البصريُّ، ممَّا وصله أحمدُ في «مسنده» عنه (وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ) بالتحتية والمعجمة، القاري راوي عاصم (وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) الدِّمشقيُّ. قال الحافظ ابنُ حجرٍ: لم أرها (١)، الأربعة (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، وقد اختلف أصحاب ابن أبي ذئبٍ في صحابيِّ (٢) هذا الحديث، فقال سعيدٌ المقبريُّ وشبَابة وأسدُ بن موسى: عن أبي شريح. وقال الأربعةُ حُمَيد وعثمان وابن عيَّاش وشعيب: عن أبي هريرة. فقال أحمدُ -فيما روي عنه-: من سمعَ من ابن أبي ذئب ببغداد يقول: عن أبي شُريح، ومن سمعَ منه بالمدينة يقول: أبو هُريرة. وصنيعُ البخاريِّ يقتضِي تصحيح الوجهين.
(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لَا تَحْقِرَنَّ) بكسر القاف (جَارَةٌ لِجَارَتِهَا).
٦٠١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) الدِّمشقيُّ، ثمَّ التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -هُوَ المَقْبُرِيُّ-) بضم الموحدة، وسقطَت (٣) لفظة «هو» لأبي ذرٍّ (عَنْ أَبِيهِ) كَيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: يَا نِسَاءَ) الأنفُس (المُسْلِمَاتِ) من إضافةِ الموصوف إلى صفتهِ، أو تقديره يا فاضلات المسلمات كما يقال: هؤلاء رجالُ القوم، أي: ساداتُهم وأفاضلُهم (لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ) أن تُهدي (لِجَارَتِهَا) شيئًا (وَلَوْ)
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
يَنْبَغِي أَن يرجح رِوَايَة هَؤُلَاءِ، وَلَا سِيمَا أَن سعيد المَقْبُري مَشْهُور بالرواية عَن أبي هُرَيْرَة، وصنيع البُخَارِيّ يدل على صِحَة الْوَجْهَيْنِ، وَمَعَ هَذَا الرِّوَايَة عِنْده عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد عَن أبي شُرَيْح أصح، وَلَا سِيمَا سمع من ابْن أبي ذِئْب يزِيد بن هَارُون وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وحجاج بن مُحَمَّد وروح بن عبَادَة وآدَم بن أبي إِيَاس، وَكلهمْ قَالُوا: عَن أبي شُرَيْح، وَهُوَ كَذَلِك فِي (مُسْند الطَّيَالِسِيّ) وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. وَحميد بن الْأسود أَبُو الْأسود الْبَصْرِيّ الْكَرَابِيسِي وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ، وَأَبُو بكر بن عَيَّاش بِالْعينِ الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة الْقَارِي، وَشُعَيْب بن إِسْحَاق الدِّمَشْقِي.
٣٠ - (بابٌ لَا تُحَقِّرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فَهِيَ لَا تحقرن جَارة لجارتها يَعْنِي: لَا تمنع الجارة عَن إِعْطَاء شَيْء حقير لجارتها لأجل قلته.
٦٠١٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حَدثنَا اللَّيْثُ حَدثنَا سَعِيدٌ هُوَ المَقْبُرِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: يَا نِساءَ المُسْلِماتِ! لَا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها وَلَوْ فِرْسِنَ شاةٍ. (انْظُر الحَدِيث ٢٥٦٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسَعِيد المَقْبُري هُنَا روى عَن أَبِيه كيسَان عَن أبي هُرَيْرَة، وروى فِي الحَدِيث الْمَاضِي عَن أبي هُرَيْرَة بِلَا وَاسِطَة أَبِيه، وَكِلَاهُمَا صَحِيح لِأَن سعيد أدْرك أَبَا هُرَيْرَة وَسمع مِنْهُ أَحَادِيث مَا فَاتَهُ من أَبِيه.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن يحيى بن يحيى عَن اللَّيْث وَعَن قُتَيْبَة عَنهُ.
قَوْله: (يَا نسَاء المسلمات) بِنصب: نسَاء، وجر: المسلمات، من بَاب إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة أَي: يَا نسَاء الْأَنْفس المسلمات، وَقيل: يَا فاضلاتٍ المسلمات، كَمَا يَقُول: هَؤُلَاءِ رجال الْقَوْم، أَي: سادتهم وأفاضلهم، وبرفعهما وَرفع النِّسَاء وَنصب المسلمات نَحْو: يَا زيد الْعَاقِل. قَوْله: (لَا تحقرن) هَذَا النَّهْي إِمَّا للمعطية، أَي: لَا تمنع جَارة من الصَّدَقَة لجارتها لاستقلالها واحتقارها، بل تجود بِمَا تيَسّر وَإِن كَانَ قَلِيلا كفر سنّ شَاة، وَهُوَ خير من الْعَدَم، وَأما للمعطاة والمتصدق عَلَيْهَا، والفرسن بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَكسر السِّين الْمُهْملَة وبالنون من الْبَعِير بِمَنْزِلَة الْحَافِر من الدَّابَّة، وَقد يُطلق على الْغنم اسْتِعَارَة، وَقيل: هُوَ عظم الظلْف.
٣١ - (بابٌ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جارَهُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من كَانَ ... إِلَى آخِره.
٦٠١٨ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا أبُو الأحْوَصِ عَنْ أبِي حَصِينٍ عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذ جارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ.
التَّرْجَمَة هِيَ جُزْء الحَدِيث وَأَبُو الْأَحْوَص سَلام بن سليم الْحَنَفِيّ الْكُوفِي، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي الْكُوفِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان السمان الزيات.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، قَالَ أَبُو بكر: لم يرو أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي حُصَيْن غير هَذَا الحَدِيث.
قَوْله: (فَلَا يؤذ جَاره) ، الْإِيذَاء مَعْصِيّة لَا يلْزم مِنْهَا نفي الْإِيمَان، وَالْمرَاد مِنْهُ نفي كَمَال الْإِيمَان، وَأما تَخْصِيص الْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر من بَين سَائِر مَا يجب بِهِ الْإِيمَان فللإشارة إِلَى المبدأ والمعاد، يَعْنِي: إِذا آمن بِاللَّه الَّذِي خلقه وَأَنه يجازيه يَوْم الْقِيَامَة بِالْخَيرِ وَالشَّر لَا يؤذ جَاره. قَوْله: (فَليُكرم ضَيفه) ، وَالْأَمر بالإكرام يخْتَلف بِحَسب المقامات، وَرُبمَا يكون فرض عين أَو فرض كِفَايَة، وَأقله أَنه من بَاب مَكَارِم الْأَخْلَاق، وَلَا شكّ أَن الضِّيَافَة من سنَن الْمُرْسلين، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يزِيد فِي إكرامه على مَا كَانَ يفعل فِي عِيَاله، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة؟ قلت: هَذَا الْكَلَام من جَوَامِع الْكَلم لِأَنَّهَا هِيَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٦٠١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا) كَذَا حَذَفَ الْمَفْعُولَ اكْتِفَاءً بِشُهْرَةِ الْحَدِيثِ، وأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ، وَاتَّفَقَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَدِيثُ قَبْلَهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ، وَكُلٌّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ صَحِيحٌ لِأَنَّ سَعِيدًا أَدْرَكَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَمِعَ مِنْهُ أَحَادِيثَ وَسَمِعَ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَشْيَاءَ كَانَ يُحَدِّثُ بِهَا تَارَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَهَا وَبَيَّنَ الِاخْتِلَافَ عَلَى سَعِيدٍ فِيهَا، وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاسْتَثْبَتَ أَبَاهُ فِيهَا، فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهَا تَارَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَارَةً عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا، وَإِلَّا لَحَدَّثَ بِالْجَمِيعِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبَقِيَّةُ الْمَتْنِ وَلَوْ فِرْسِنُ شَاةٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُونٍ: حَافِرُ الشَّاةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْهِبَةِ وَالْكَلَامُ عَلَى إِعْرَابِ يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِيهِ اخْتِصَارًا.
لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ يَعْرِفُونَ الْمُرَادَ مِنْهُ، أَيْ لَا تَحْقِرَنَّ أَنْ تُهْدِيَ إِلَى جَارَتِهَا شَيْئًا وَلَوْ أَنَّهَا تُهْدِي لَهَا مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْغَالِبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّحَابُبِ وَالتَّوَادُدِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لِتُوَادِدِ الْجَارَةُ جَارَتَهَا بِهَدِيَّةٍ وَلَوْ حَقِرَتْ، فَيَتَسَاوَى فِي ذَلِكَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَخُصَّ النَّهْيُ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ مَوَارِدُ الْمَوَدَّةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَلِأَنَّهُنَّ أَسْرَعُ انْفِعَالًا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلْمُعْطِيَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُهْدَى إِلَيْهَا. قُلْتُ: وَلَا يَتِمُّ حَمْلُهُ عَلَى الْمُهْدَى إِلَيْهَا إِلَّا بِجَعْلِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ لِجَارَتِهَا بِمَعْنَى مِنْ وَلَا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ.
٣١ - بَاب مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ
٦٠١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ.
٦٠١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ، قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ؛ فَقَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ، قَيلَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ.
[الحديث ٦٠١٩ - طرفاه في: ٦١٣٥، ٦٤٧٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثًا لِأَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ وَآخَرَ لِأَبِي شُرَيْحٍ.
قَوْلُهُ: (أَبُو الْأَحْوَصِ) هُوَ سَلَّامٌ بِالتَّشْدِيدِ ابْنُ سُلَيْمٍ، وَأَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ، وَأَبُو
صَالِحٍ هُوَ ذَكْوَانُ.
قَوْلُهُ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ الْإِيمَانَ الْكَامِلَ، وَخَصَّهُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إِشَارَةً إِلَى الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، أَيْ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُ وَآمَنَ بِأَنَّهُ سَيُجَازِيهِ بِعَمَلِهِ فَلْيَفْعَلِ الْخِصَالَ الْمَذْكُورَاتِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ) فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِلَفْظِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَقَدْ وَرَدَ تَفْسِيرُ الْإِكْرَامِ وَالْإِحْسَانِ لِلْجَارِ وَتَرْكِ أَذَاهُ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَالْخَرَائِطِيِّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ التَّوْبِيخِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ؟ قَالَ: إِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِنِ اسْتَعَانَكَ أَعَنْتَهُ، وَإِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنِ احْتَاجَ أَعْطَيْتَهُ، وَإِنِ افْتَقَرَ عُدْتَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّيْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ، وَإِذَا مَاتَ اتَّبَعَتْ جِنَازَتَهُ، وَلَا تَسْتَطِيلُ عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ فَتَحْجُبَ عَنْهُ الرِّيحَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تُؤْذِيهِ بِرِيحِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةً فَأَهْدِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَدْخِلْهَا سِرًّا وَلَا تُخْرِجْ بِهَا وَلَدَكَ لِيَغِيظَ بِهَا وَلَدَهُ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، وَالسِّيَاقُ أَكْثَرُهُ لِعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ. وَفِي حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ وَإِنْ أَعْوَزَ سَتَرْتَهُ، وَأَسَانِيدُهُمْ وَاهِيَةٌ لَكِنِ اخْتِلَافُ مَخَارِجِهَا يُشْعِرُ بِأَنَّ للْحَدِيثِ أَصْلًا.
ثُمَّ الْأَمْرُ بِالْإِكْرَامِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ، فَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ وَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، وَيُجْمِعُ الْجَمِيعُ أَنَّهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ جَائِزَتُهُ.
قَالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، الْحَدِيثَ. . وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ نَيِّفٍ وَخَمْسِينَ بَابًا فِي بَابِ إِكْرَامِ الضَّيْفِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لِأَنَّ الْقَوْلَ كُلَّهُ إِمَّا خَيْرٌ وَإِمَّا شَرٌّ وَإِمَّا آيِلُ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَدَخَلَ فِي الْخَيْرِ كُلُّ مَطْلُوبٍ مِنَ الْأَقْوَالِ فَرْضُهَا وَنَدْبُهَا، فَأَذِنَ فِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، وَدَخَلَ فِيهِ مَا يَؤولُ إِلَيْهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا هُوَ شَرٌّ أَوْ يَئُولُ إِلَى الشَّرِّ فَأَمَرَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْخَوْضِ فِيهِ بِالصَّمْتِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ بِلَفْظِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا لِيَغْنَمْ، أَوْ لِيَسْكُتْ عَنْ شَرٍّ لِيَسْلَمْ، وَاشْتَمَلَ حَدِيثُ الْبَابِ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ تَجْمَعُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ الْفِعْلِيَّةَ وَالْقَوْلِيَّةَ، أَمَّا الْأَوَّلَانِ فَمِنَ الْفِعْلِيَّةِ، وَأَوَّلُهُمَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَمْرِ بِالتَّخَلِّي عَنِ الرَّذِيلَةِ وَالثَّانِي يَرْجِعُ إِلَى الْأَمْرِ بِالتَّحَلِّي بِالْفَضِيلَةِ، وَحَاصِلُهُ مَنْ كَانَ حَامِلَ الْإِيمَانِ فَهُوَ مُتَّصِفٌ بِالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ قَوْلًا بِالْخَيْرِ وَسُكُوتًا عَنِ الشَّرِّ وَفِعْلًا لِمَا يَنْفَعُ أَوْ تَرْكًا لِمَا يَضُرُّ، وَفِي مَعْنَى الْأَمْرِ بِالصَّمْتِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ: مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْمُسْلِمُ مِنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَذَكَرَ فِيهَا أَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ، وَلِأَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ رَفَعَهُ فِي ذِكْرِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْبِرِّ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَنْ صَمَتَ نَجَا، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِهِ كَثْرَةُ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تُقَسِّي الْقَلْبَ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَكْثَرُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ قَالَ: هَذَا.
وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فَذَكَرَ الْوَصِيَّةَ بِطُولِهَا، وَفِي آخِرِهَا: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ الْحَدِيثَ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وصله الإسماعيليُّ الأمويُّ أسد السُّنَّة في روايته عن ابنِ أبي ذئبٍ أيضًا (وَ) تابعه أيضًا (أَسَدُ ابْنُ مُوسَى) ممَّا أخرجه الطَّبرانيُّ في «مكارم الأخلاق».
(وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ) بضم الحاء المهملة مصغَّرًا الكرابيسيُّ، وهذه الرِّواية قال في «المقدمة»: لم أرَها (وَ) قال (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضم العين، ابن فارسٍ البصريُّ، ممَّا وصله أحمدُ في «مسنده» عنه (وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ) بالتحتية والمعجمة، القاري راوي عاصم (وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) الدِّمشقيُّ. قال الحافظ ابنُ حجرٍ: لم أرها (١)، الأربعة (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، وقد اختلف أصحاب ابن أبي ذئبٍ في صحابيِّ (٢) هذا الحديث، فقال سعيدٌ المقبريُّ وشبَابة وأسدُ بن موسى: عن أبي شريح. وقال الأربعةُ حُمَيد وعثمان وابن عيَّاش وشعيب: عن أبي هريرة. فقال أحمدُ -فيما روي عنه-: من سمعَ من ابن أبي ذئب ببغداد يقول: عن أبي شُريح، ومن سمعَ منه بالمدينة يقول: أبو هُريرة. وصنيعُ البخاريِّ يقتضِي تصحيح الوجهين.
(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لَا تَحْقِرَنَّ) بكسر القاف (جَارَةٌ لِجَارَتِهَا).
٦٠١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) الدِّمشقيُّ، ثمَّ التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -هُوَ المَقْبُرِيُّ-) بضم الموحدة، وسقطَت (٣) لفظة «هو» لأبي ذرٍّ (عَنْ أَبِيهِ) كَيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: يَا نِسَاءَ) الأنفُس (المُسْلِمَاتِ) من إضافةِ الموصوف إلى صفتهِ، أو تقديره يا فاضلات المسلمات كما يقال: هؤلاء رجالُ القوم، أي: ساداتُهم وأفاضلُهم (لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ) أن تُهدي (لِجَارَتِهَا) شيئًا (وَلَوْ)
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
يَنْبَغِي أَن يرجح رِوَايَة هَؤُلَاءِ، وَلَا سِيمَا أَن سعيد المَقْبُري مَشْهُور بالرواية عَن أبي هُرَيْرَة، وصنيع البُخَارِيّ يدل على صِحَة الْوَجْهَيْنِ، وَمَعَ هَذَا الرِّوَايَة عِنْده عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد عَن أبي شُرَيْح أصح، وَلَا سِيمَا سمع من ابْن أبي ذِئْب يزِيد بن هَارُون وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وحجاج بن مُحَمَّد وروح بن عبَادَة وآدَم بن أبي إِيَاس، وَكلهمْ قَالُوا: عَن أبي شُرَيْح، وَهُوَ كَذَلِك فِي (مُسْند الطَّيَالِسِيّ) وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. وَحميد بن الْأسود أَبُو الْأسود الْبَصْرِيّ الْكَرَابِيسِي وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ، وَأَبُو بكر بن عَيَّاش بِالْعينِ الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة الْقَارِي، وَشُعَيْب بن إِسْحَاق الدِّمَشْقِي.
٣٠ - (بابٌ لَا تُحَقِّرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فَهِيَ لَا تحقرن جَارة لجارتها يَعْنِي: لَا تمنع الجارة عَن إِعْطَاء شَيْء حقير لجارتها لأجل قلته.
٦٠١٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حَدثنَا اللَّيْثُ حَدثنَا سَعِيدٌ هُوَ المَقْبُرِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: يَا نِساءَ المُسْلِماتِ! لَا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها وَلَوْ فِرْسِنَ شاةٍ. (انْظُر الحَدِيث ٢٥٦٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسَعِيد المَقْبُري هُنَا روى عَن أَبِيه كيسَان عَن أبي هُرَيْرَة، وروى فِي الحَدِيث الْمَاضِي عَن أبي هُرَيْرَة بِلَا وَاسِطَة أَبِيه، وَكِلَاهُمَا صَحِيح لِأَن سعيد أدْرك أَبَا هُرَيْرَة وَسمع مِنْهُ أَحَادِيث مَا فَاتَهُ من أَبِيه.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن يحيى بن يحيى عَن اللَّيْث وَعَن قُتَيْبَة عَنهُ.
قَوْله: (يَا نسَاء المسلمات) بِنصب: نسَاء، وجر: المسلمات، من بَاب إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة أَي: يَا نسَاء الْأَنْفس المسلمات، وَقيل: يَا فاضلاتٍ المسلمات، كَمَا يَقُول: هَؤُلَاءِ رجال الْقَوْم، أَي: سادتهم وأفاضلهم، وبرفعهما وَرفع النِّسَاء وَنصب المسلمات نَحْو: يَا زيد الْعَاقِل. قَوْله: (لَا تحقرن) هَذَا النَّهْي إِمَّا للمعطية، أَي: لَا تمنع جَارة من الصَّدَقَة لجارتها لاستقلالها واحتقارها، بل تجود بِمَا تيَسّر وَإِن كَانَ قَلِيلا كفر سنّ شَاة، وَهُوَ خير من الْعَدَم، وَأما للمعطاة والمتصدق عَلَيْهَا، والفرسن بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَكسر السِّين الْمُهْملَة وبالنون من الْبَعِير بِمَنْزِلَة الْحَافِر من الدَّابَّة، وَقد يُطلق على الْغنم اسْتِعَارَة، وَقيل: هُوَ عظم الظلْف.
٣١ - (بابٌ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جارَهُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من كَانَ ... إِلَى آخِره.
٦٠١٨ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا أبُو الأحْوَصِ عَنْ أبِي حَصِينٍ عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذ جارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ.
التَّرْجَمَة هِيَ جُزْء الحَدِيث وَأَبُو الْأَحْوَص سَلام بن سليم الْحَنَفِيّ الْكُوفِي، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي الْكُوفِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان السمان الزيات.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، قَالَ أَبُو بكر: لم يرو أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي حُصَيْن غير هَذَا الحَدِيث.
قَوْله: (فَلَا يؤذ جَاره) ، الْإِيذَاء مَعْصِيّة لَا يلْزم مِنْهَا نفي الْإِيمَان، وَالْمرَاد مِنْهُ نفي كَمَال الْإِيمَان، وَأما تَخْصِيص الْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر من بَين سَائِر مَا يجب بِهِ الْإِيمَان فللإشارة إِلَى المبدأ والمعاد، يَعْنِي: إِذا آمن بِاللَّه الَّذِي خلقه وَأَنه يجازيه يَوْم الْقِيَامَة بِالْخَيرِ وَالشَّر لَا يؤذ جَاره. قَوْله: (فَليُكرم ضَيفه) ، وَالْأَمر بالإكرام يخْتَلف بِحَسب المقامات، وَرُبمَا يكون فرض عين أَو فرض كِفَايَة، وَأقله أَنه من بَاب مَكَارِم الْأَخْلَاق، وَلَا شكّ أَن الضِّيَافَة من سنَن الْمُرْسلين، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يزِيد فِي إكرامه على مَا كَانَ يفعل فِي عِيَاله، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة؟ قلت: هَذَا الْكَلَام من جَوَامِع الْكَلم لِأَنَّهَا هِيَ