«وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ، إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ.» بَابُ قَوْلِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١٨٣

الحديث رقم ٦١٨٣ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي ﷺ إنما الكرم قلب المؤمن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ويقولون الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن.» باب…

«وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ، إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ.»

بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي فِيهِ الزُّبَيْرُ

سند حديث: ٦١٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ…

٦١٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث

شرح حديث: «ويقولون الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن.» باب…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ أُجَدِّدُهُ وَأُبْلِيهِ وَأَذْهَبُ بِالْمُلُوكِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: مَنْ نَسَبَ شَيْئًا مِنَ الْأَفْعَالِ إِلَى الدَّهْرِ حَقِيقَةً كَفَرَ، وَمَنْ جَرَى هَذَا اللَّفْظُ عَلَى لِسَانِهِ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِذَلِكَ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِشَبَهِهِ بِأَهْلِ الْكُفْرِ فِي الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ نَحْوُ التَّفْصِيلِ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِمْ: مُطِرْنَا بِكَذَا. وَقَالَ عِيَاضٌ: زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ لَهُ أَنَّ الدَّهْرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَهُوَ غَلَطٌ؛ فَإِنَّ الدَّهْرَ مُدَّةُ زَمَانِ الدُّنْيَا، وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ أَمَدُ مَفْعُولَاتِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِعْلِهِ لِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ الْجَهَلَةُ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَاحْتَجُّوا بِهِ عَلَى مَنْ لَا رُسُوخَ لَهُ فِي الْعِلْمِ ; لِأَنَّ الدَّهْرَ عِنْدَهُمْ حَرَكَاتُ الْفَلَكِ وَأَمَدُ الْعَالَمِ وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُمْ وَلَا صَانِعَ سِوَاهُ، وَكَفَى فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: أَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ فَكَيْفَ يُقَلِّبُ الشَّيْءُ نَفْسَهُ؟ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا.

وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ سَبَّ الصَّنْعَةَ فَقَدْ سَبَّ صَانِعَهَا، فَمَنْ سَبَّ نَفْسَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَقْدَمَ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ بِغَيْرِ مَعْنًى، وَمَنْ سَبَّ مَا يَجْرِي فِيهِمَا مِنَ الْحَوَادِثِ، وَذَلِكَ هُوَ أَغْلَبُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ الَّذِي يُعْطِيهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ حَيْثُ نَفَى عَنْهُمَا التَّأْثِيرُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا ذَنْبَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْحَوَادِثُ فَمِنْهَا مَا يَجْرِي بِوَسَاطَةِ الْعَاقِلِ الْمُكَلَّفِ فَهَذَا يُضَافُ شَرْعًا وَلُغَةً إِلَى الَّذِي جَرَى عَلَى يَدَيْهِ، وَيُضَافُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - لِكَوْنِهِ بِتَقْدِيرِهِ، فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ مِنْ أَكْسَابِهِمْ، وَلَهَذَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ، وَهِيَ فِي الِابْتِدَاءِ خَلْقُ اللَّهِ. وَمِنْهَا مَا يَجْرِي بِغَيْرِ وَسَاطَةٍ فَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى قُدْرَةِ الْقَادِرِ، وَلَيْسَ الِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِعْلٌ وَلَا تَأْثِيرٌ لَا لُغَةً وَلَا عَقْلًا وَلَا شَرْعًا، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا يَجْرِي مِنَ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْعَاقِلِ. ثُمَّ أَشَارَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ تَنْبِيهٌ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، وَأَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى تَرْكِ سَبِّ كُلِّ شَيْءٍ مُطْلَقًا إِلَّا مَا أَذِنَ الشَّرْعُ فِيهِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَاحِدَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ أَيْضًا مَنْعُ الْحِيلَةِ فِي الْبُيُوعِ كَالْعَيِّنَةِ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ لِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَجَعَلَهُ سَبًّا لِخَالِقِهِ.

١٠٢ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ : إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ

وَقَدْ قَالَ: إِنَّمَا الْمُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَقَوْلِهِ: إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، كَقَوْلِهِ: لَا مُلْكَ إِلَّا الِلَّهِ، فَوَصَفَهُ بِانْتِهَاءِ الْمُلْكِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُلُوكَ أَيْضًا فَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾

٦١٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ، إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ، وَقَدْ قَالَ: إِنَّمَا الْمُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَقَوْلِهِ: إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، كَقَوْلِهِ: لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ، فَوَصَفَهُ بِانْتِهَاءِ الْمُلْكِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُلُوكَ أَيْضًا فَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ غَرَضُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْحَصْرَ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ الْأَحَقَّ بِاسْمِ الْكَرْمِ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُسَمَّى كَرْمًا، كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إِنَّمَا الْمُفْلِسُ مَنْ ذُكِرَ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ مَنْ يُفْلِسُ فِي الدُّنْيَا لَا يُسَمَّى مُفْلِسًا، وَبِقَوْلِهِ إِنَّمَا الصُّرَعَةُ كَذَلِكَ، وَكَذَا قَوْلُهُ لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ؛ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى غَيْرُهُ مَلِكًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُلْكَ الْحَقِيقِيَّ وَإِنْ سُمِّيَ غَيْرُهُ مَلِكًا، وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ

الْمُلُوكَ، وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ عِدَّةُ أَمْثِلَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالَ الْمَلِكُ؛ فِي صَاحِبِ يُوسُفَ وَغَيْرِهِ، وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ تَرْكُ الْمُبَالَغَةِ وَالْإِغْرَاقِ فِي الْوَصْفِ إِذَا كَانَ الْمَوْصُوفُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، وَحَدِيثُ إِنَّمَا الْمُفْلِسُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الرِّقَاقِ، وَحَدِيثُ إِنَّمَا الصُّرَعَةُ تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَحَدِيثُ لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ أَبْغَضِ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ هُنَا بِلَفْظِ: لَا مُلْكَ إِلَّا لِلَّهِ؛ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَحَذْفِ الْأَلِفِ بَعْدَ قَوْلِهِ إِلَّا، وَالْأَوَّلُ هُوَ اللَّائِقُ لِلسِّيَاقِ.

قَوْلُهُ: (وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ، إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ) هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ. وَوَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ كَرْمًا، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ، إِنَّمَا الْكَرْمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ. وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: لَا تَقُولُوا الْكَرْمَ، وَلَكِنْ قُولُوا الْعِنَبَ وَالْحَبْلَةَ. قَالُوا: وَفِي قَوْلِهِ فِي الْبَابِ وَيَقُولُونَ عَاطِفَةٌ عَلَى شَيْءٍ حُذِفَ هُنَا، وَكَأَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: يَقُولُونَ؛ بِغَيْرِ وَاوٍ، أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَذَكَرَهُ بِالْوَاوِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ، وَلَكِنْ قَالَ فِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ، وَقَالَ مَرَّةً: يَبْلُغُ بِهِ، وَقَالَ مَرَّةً: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَعَمْرٍو النَّاقِدِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا السَّنَدِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا تَقُولُوا كَرْمٌ، فَإِنَّ الْكَرْمَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ. وَقَوْلُهُ: وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ، وهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: يَقُولُونَ الْكَرْمُ شَجَرُ الْعِنَبِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ: إِنَّ اسْمَ الرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ فِي الْكُتُبِ الْكَرْمُ مِنْ أَجْلِ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ عَلَى الْخَلِيقَةِ، وَإِنَّكُمْ تَدْعُونَ الْحَائِطَ مِنَ الْعِنَبِ الْكَرْمَ الْحَدِيثَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ تَأْكِيدُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِمَحْوِ اسْمِهَا، وَلِأَنَّ فِي تَبْقِيَةِ هَذَا الِاسْمِ لَهَا تَقْرِيرًا لِمَا كَانُوا يَتَوَهَّمُونَهُ مِنْ تَكَرُّمِ شَارِبِهَا فَنَهَى عَنْ تَسْمِيَتِهَا كَرْمًا، وَقَالَ: إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ وَهُدَى الْإِسْلَامِ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّهُمْ سَمَّوُا الْعِنَبَ كَرْمًا لِأَنَّ الْخَمْرَ الْمُتَّخَذَةَ مِنْهُ تَحُثُّ عَلَى السَّخَاءِ وَتَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ حَتَّى قَالَ شَاعِرُهُمْ:

وَالْخَمْرُ مُشْتَقَّةُ الْمَعْنَى مِنَ الْكَرْمِ

وَقَالَ آخَرُ:

شُقِقْتُ مِنَ الصِّبَى وَاشْتُقَّ مِنِّي … كَمَا اشْتُقَّتْ مِنَ الْكَرْمِ الْكُرُومُ

فَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ بِالْكَرْمِ حَتَّى لَا يُسَمُّوا أَصْلَ الْخَمْرِ بِاسْمٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الْكَرْمِ، وَجُعِلَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَتَّقِي شُرْبَهَا وَيَرَى الْكَرَمَ فِي تَرْكِهَا أَحَقَّ بِهَذَا الِاسْمِ، انْتَهَى. وَأَمَّا قَوْلُ الْأَزْهَرِيِّ: سُمِّيَ الْعِنَبُ كَرْمًا لِأَنَّهُ ذُلِّلَ لِقَاطِفِهِ وَلَيْسَ فِيهِ سُلَّاءٌ يَعْقِرُ جَانِيهِ وَيَحْمِلُ الْأَصْلَ مِنْهُ مِثْلَ مَا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ فَأَكْثَرُ، وَكُلِّ شَيْءٍ كَثُرَ فَقَدْ كَرُمَ، فَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الِاشْتِقَاقِ لَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ أَنْسَبُ لِلنَّهْيِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: النَّهْيُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا وَعَنْ تَسْمِيَةِ شَجَرِهَا أَيْضًا لِلْكَرَاهِيَةِ. وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ، عَنِ الْمَازِرِيِّ أَنَّ السَّبَبَ فِي النَّهْيِ أَنَّهُ لَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الْخَمْرُ وَكَانَتْ طِبَاعُهُمْ تَحُثُّهُمْ عَلَى الْكَرَمِ كَرِهَ أَنْ يُسَمَّى هَذَا الْمُحَرَّمُ بِاسْمٍ تَهِيجُ طِبَاعُهُمْ إِلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْمُحَرِّكِ لَهُمْ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ مَحِلَّ النَّهْيِ إِنَّمَا هُوَ تَسْمِيَةُ الْعِنَبِ كَرْمًا، وَلَيْسَتِ الْعِنَبَةُ مُحَرَّمَةً، وَالْخَمْرُ لَا تُسَمَّى عِنَبَةً بَلِ الْعِنَبُ قَدْ يُسَمَّى خَمْرًا بِاسْمِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ.

قُلْتُ: وَالَّذِي قَالَهُ الْمَازِرِيُّ مُوَجَّهٌ ; لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى إِرَادَةِ حَسْمِ الْمَادَّةِ بِتَرْكِ تَسْمِيَةِ أَصْلِ الْخَمْرِ بِهَذَا الِاسْمِ الْحَسَنِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ النَّهْيُ تَارَةً عَنِ الْعِنَبِ وَتَارَةً عَنْ شَجَرَةِ الْعِنَبِ فَيَكُونُ التَّنْفِيرُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦١٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : وَيَقُولُونَ) الواو عاطفةٌ على محذوفٍ، أي: لا يقولون الكرم قلب المؤمن، ويقولون: (الكَرْمُ) شجر العنب، فـ «الكرمُ» مبتدأ محذوفُ الخبرِ، ويجوز أن يكون خبرًا، أي يقولون: شجر العنب: الكرمُ (إِنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ) لما فيه من نور الإيمانِ، وتقوى الإسلام، وليس المرادُ حقيقة النَّهي عن تسميةِ العنب كرمًا، بل المراد: بيان المستحقِّ لهذا الاسم المشتقِّ من الكرمِ، وفي حديث سَمُرةَ عند البزَّار والطَّبرانيِّ مرفوعًا: «إنَّ اسمَ الرَّجل المؤمن في الكتبِ الكرم من أجلِ ما كرَّمه الله على الخليقةِ، وإنَّكم تدعون الحائطَ من العنبِ الكرم … » الحديث. وقال ابنُ الأنباريِّ: إنَّهم سمَّوا العنب كرمًا؛ لأنَّ الخمرَ المتَّخذة منه يحثُّ على السَّخاء، ويأمر بمكارمِ الأخلاقِ حتَّى قال شاعرهم:

وَالخَمْرُ مُشْتقَّةُ المَعْنَى (١) مِنَ الكَرْمِ

فلهذا نهى عن تسميةِ العنب بالكرمِ حتَّى لا يسمَّى أصل الخمر باسمٍ مأخوذٍ من الكرمِ، وجعل المؤمن الَّذي يتَّقي شُربها ويَرى الكرم في تركها أحقَّ بهذا الاسم الحسن.

والحديث أخرجه مسلم في «الأدب» أيضًا.

(١٠٣) (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ) لغيره: (فَدَاكَ) بفتح الفاء والقصر (أَبِي وَأُمِّي، فِيهِ) أي: في هذا القول ما رواهُ (الزُّبَيْرُ) بن العوَّام (عَنِ النَّبِيِّ ) السَّابق موصولًا في «مناقبه» بلفظ [خ¦٣٧٢٠] جُعلت أنا وعمر بن أبي سلمة يوم الأحزاب في النِّساء. الحديث، وفيه قولُ الزُّبير: فلمَّا رجعتُ جمع لي النَّبيُّ أبويه، فقال: «فداك أبي وأمِّي» أي: تُفدى بهما، وسقط قوله: «عن النَّبيِّ » لغير أبي ذرٍّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٦١٨٢ - حدَّثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ حدّثنا عَبْدُ الأعْلَى حَدثنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبي سَلَمَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لَا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ، وَلَا تَقُولُوا: خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فإِنَّ الله هُوَ الدَّهْرُ. (انْظُر الحَدِيث ٦١٨٢ طرفه فِي: ٦١٨٣) .

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث السَّابِق أخرجه عَن عَيَّاش بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف والشين الْمُعْجَمَة ابْن الْوَلِيد الْبَصْرِيّ الرقام عَن عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أبي هُرَيْرَة.

قَوْله: (لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم) قَالَ الْخطابِيّ: نهى عَن تَسْمِيَة الْعِنَب كرماً لتوكيد تَحْرِيم الْخمر ولتأبيد النَّهْي عَنْهَا بمحو اسْمهَا. قَوْله: (وَلَا تَقولُوا خيبة الدَّهْر) كَذَا هُوَ لأكْثر الروَاة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: يَا خيبة الدَّهْر، وَفِي رِوَايَة غير البُخَارِيّ: واخيبة الدَّهْر، والخيبة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا بَاء مُوَحدَة وَهِي الحرمان، وانتصاب الخيبة على الندبة كَأَنَّهُ فقد الدَّهْر لما يصدر عَنهُ مِمَّا يكرههُ فندبه متفجعاً عَلَيْهِ أَو متوجعاً مِنْهُ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ دُعَاء على الدَّهْر بالخيبة، وَهُوَ كَقَوْلِهِم قحط الله نوأها يدعونَ على الأَرْض بِالْقَحْطِ، وَهِي كلمة هَذَا أَصْلهَا ثمَّ صَارَت تقال لكل مَذْمُوم، وَوَقع فِي رِوَايَة الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم بِلَفْظ: وادهراه {وادهراه}

١٠٢ - (بابُ قَوْلِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنَّما الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن، هَذَا قِطْعَة من آخر حَدِيث رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَيَأْتِي الْآن فِي هَذَا الْبَاب من رِوَايَة سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة الْأَعْرَج عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَقُولَن أحدكُم: الْكَرم، فَإِن الْكَرم قلب الْمُؤمن) وَله من رِوَايَة ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم فَإِن الْكَرم الرجل الْمُسلم، وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث عَلْقَمَة إِن وَائِل عَن أَبِيه: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لَا تَقولُوا الْكَرم وَلَكِن قُولُوا الْعِنَب والحبلة) . قَوْله: (إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن) أَي: لما فِيهِ من نور الْإِيمَان وَالتَّقوى. قَالَ الله تَعَالَى: { (٩٤) إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم} (الحجرات: ١٣) وَقَالَ فِي الْبَاب الَّذِي قبله: (لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم) . وَقَالَ هُنَا: إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن. قَالَت الْعلمَاء: سَبَب كَرَاهَة ذَلِك أَن لفظ الْكَرم كَانَت الْعَرَب تطلقها على شجر الْعِنَب وعَلى الْخمر المتخذة من الْعِنَب سَموهَا كرماً لكَونهَا متخذة مِنْهَا، وَلِأَنَّهَا تحمل على الْكَرم والسخاء، فكره الشَّارِع إِطْلَاق هَذِه اللَّفْظَة على الْعِنَب وشجره لأَنهم إِذا سمعُوا اللَّفْظ فَرُبمَا تَذكرُوا بهَا الْخمر وهيجت نُفُوسهم إِلَيْهَا فيقعوا فِيهَا، أَو قاربوا. وَقَالَ: إِنَّمَا يسْتَحق هَذَا الإسم قلب الْمُؤمن لِأَنَّهُ منبع الْكَرم وَالتَّقوى والنور وَالْهدى، وَالْمَشْهُور فِي اللُّغَة أَن الْكَرم، بِسُكُون الرَّاء: الْعِنَب. قَالَ الْأَزْهَرِي: سمى الْعِنَب كرماً لكرمه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ذلل لقاطعه وَيحمل الأَصْل عَنهُ مثل مَا تحمل النَّخْلَة وَأكْثر، وكل شَيْء كثر فقد كرم. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: سمي كرماً لِأَن الْخمر مِنْهُ وَهِي تحث على السخاء وتأمر بمكارم الْأَخْلَاق، كَمَا سَموهَا رَاحا، وَذَلِكَ قَالَ: لَا تسموا الْعِنَب كرماً، كره أَن يُسمى أصل الْخمر باسم مَأْخُوذ من الْكَرم، وَجعل الْمُؤمن الَّذِي يَتَّقِي شربهَا وَيرى الْكَرم فِي تَركهَا أَحَق بِهَذَا الإسم الْحسن تَأْكِيدًا لِحُرْمَتِهِ، وَأسْقط الْخمر عَن هَذِه الرُّتْبَة تحقيراً لَهَا.

وقَدْ قَالَ: المُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَقَوْلِهِ: إنَّما الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَب، كَقَوْلِهِ: لَا مَلِكَ إلَاّ الله فَوَصَفَهُ بانْتِهاءِ المُلْكِ ثُمَّ ذَكَرَ المُلُوكَ أيْضاً فَقَالَ: {إِن الْمُلُوك إِذا دخلُوا قَرْيَة أفسدوها} (النَّمْل: ٣٤) [/ ح.

مَقْصُود البُخَارِيّ من ذكر هَذَا الْكَلَام الَّذِي فِيهِ أدوات الْحصْر أَن الْحصْر فِيهِ ادعائي لَا حَقِيقِيّ، فَكَذَلِك الْحصْر فِي قَوْله: إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن، فَكَأَن الْكَرم الْحَقِيقِيّ الْقلب لَا الشّجر، وَإِنَّمَا هُوَ على سَبِيل الادعاء لَا على الْحَقِيقَة، أَلا ترى أَنه يُطلق على

غَيره. قَوْله: إِنَّمَا الْمُفلس الَّذِي يفلس يَوْم الْقِيَامَة، وَمعنى الحَدِيث كَمَا أخرجه التِّرْمِذِيّ، وَلَكِن لَيْسَ فِيهِ أَدَاة الْحصْر. قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: أَتَدْرُونَ من الْمُفلس؟ قَالُوا: الْمُفلس فِينَا يَا رَسُول الله لَا دِرْهَم لَهُ وَلَا مَتَاع، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْمُفلس من أمتِي من يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِصَلَاة وَصِيَام وَزَكَاة، وَيَأْتِي قد شتم هَذَا وَقذف هَذَا وَسَفك دم هَذَا وَضرب هَذَا، فيقعد فيقتص هَذَا من حَسَنَاته وَهَذَا من حَسَنَاته، فَإِن فنيت حَسَنَاته قبل أَن يقْتَصّ مَا عَلَيْهِ من الْخَطَايَا أَخذ من خطاياهم فَطرح عَلَيْهِ ثمَّ يطْرَح فِي النَّار. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. قَوْله: كَقَوْلِه: إِنَّمَا الصرعة الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب، أَرَادَ أَن قَوْله: إِنَّمَا الْمُفلس كَقَوْلِه: إِنَّمَا الصرعة ... وَهَذَا حَدِيث رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَقد مضى قبل هَذَا الْبَاب بِخَمْسَة وَعشْرين بَابا. قَوْله: كَقَوْلِه: لَا ملك إِلَّا الله، أَرَادَ أَن فِيهِ الْحصْر كَمَا فِيمَا قبله لِأَن كلمة: لَا، وَكلمَة: لَا، صَرِيح فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات فمقتضاه حصر لفظ بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام على الله، لَكِن قد أطلق على غَيره وَفِي نفس الْأَمر الْملك حَقِيقَة هُوَ الله تَعَالَى وَالْبَاقِي بالتجوز، وروى: لَا ملك إلَاّ لله، بِضَم الْمِيم وَسُكُون اللَّام. قَوْله: فوصفه بانتهاء الْملك، وَهُوَ عبارَة عَن انْقِطَاع الْملك عِنْده أَي: لَا ملك بعده. قَوْله: فَقَالَ: { (٧٢) إِن الْمُلُوك إِذا. . أفسدوها} (النَّمْل: ٣٤) . وَهُوَ جمع: ملك، وَفِي الْقُرْآن شَيْء كثير من هَذَا الْقَبِيل كَقَوْلِه تَعَالَى: { (٢١) وَقَالَ الْملك} (يُوسُف ٥٠) فِي صَاحب يُوسُف وَغَيره، وَلَكِن. كَمَا ذكرنَا كل ذَلِك بطرِيق التَّجَوُّز لَا بطرِيق الْحَقِيقَة.

٦١٨٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ويَقُولُونَ: الكَرْمُ! إنَّما الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ. (انْظُر الحَدِيث ٦١٨٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن عَمْرو النَّاقِد.

قَوْله: (وَيَقُولُونَ: الْكَرم) بِالرَّفْع مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: يَقُولُونَ: الْكَرم شجر الْعِنَب، وَيجوز أَن يكون الْكَرم خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَيَقُولُونَ: شجر الْعِنَب الْكَرم، وَكَانَ الْوَاو فِيهِ عاطفة على شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا يَقُولُونَ: الْكَرم قلب الْمُؤمن، وَيَقُولُونَ: الْكَرم شجر الْعِنَب، وَقد رَوَاهُ ابْن أبي عمر فِي (مُسْنده) عَن سُفْيَان بِغَيْر وَاو، وَكَذَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيقه.

١٠٣ - (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: فِدَاكَ أبي وأُمِّي)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الرجل بَين كَلَامه: فدَاك أبي وَأمي، الْفِدَاء بِكَسْر الْفَاء وبالمد وبفتح الْفَاء يقصر، يَعْنِي: أَنْت مفدى بِأبي وَأمي، وَالْفِدَاء فكاك الْأَسير، فدَاء يفْدِيه فدَاء وفدًى، وفاداه يفاديه مفاداة إِذا أعْطى فداءه وأنقذه، وفداه بِنَفسِهِ فدَاء إِذا قَالَ لَهُ: جعلت فدَاك، وَقيل: المفاداة أَن يفك الْأَسير بأسير مثله.

فِيهِ الزُّبَيْرُ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: فِي قَول الرجل: فدَاك أبي وَأمي، قَالَ الزبير بن الْعَوام رَضِي الله عَنهُ: عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد روى البُخَارِيّ هَذَا فِي مَنَاقِب الزبير من طَرِيق عبد الله بن الزبير، قَالَ: جعلت أَنا وَعمر بن أبي سَلمَة يَوْم الْأَحْزَاب فِي النِّسَاء ... الحَدِيث، وَفِيه: فَلَمَّا رجعت جمع لي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبَوَيْهِ، فَقَالَ لي: فدَاك أبي وَأمي.

٦١٨٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عَنْ سُفْيانَ حدّثني سَعْدُ بنُ إبْرَاهِيم عَنْ عَبْد الله بنِ شَدَّاد عَنْ عَلِيّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: مَا سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُفَدِّي أحَداً غَيْرَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إرْمِ فِدَاكَ أبي وأمِّي، أظُنُّهُ يَوْمَ أحُدٍ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَسعد بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَعبد الله ابْن شَدَّاد على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن الْهَاد اللَّيْثِيّ الْمدنِي.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد عَن قبيصَة وَفِي الْمَغَازِي عَن أبي نعيم.

قَوْله:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ أُجَدِّدُهُ وَأُبْلِيهِ وَأَذْهَبُ بِالْمُلُوكِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: مَنْ نَسَبَ شَيْئًا مِنَ الْأَفْعَالِ إِلَى الدَّهْرِ حَقِيقَةً كَفَرَ، وَمَنْ جَرَى هَذَا اللَّفْظُ عَلَى لِسَانِهِ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِذَلِكَ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِشَبَهِهِ بِأَهْلِ الْكُفْرِ فِي الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ نَحْوُ التَّفْصِيلِ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِمْ: مُطِرْنَا بِكَذَا. وَقَالَ عِيَاضٌ: زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ لَهُ أَنَّ الدَّهْرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَهُوَ غَلَطٌ؛ فَإِنَّ الدَّهْرَ مُدَّةُ زَمَانِ الدُّنْيَا، وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ أَمَدُ مَفْعُولَاتِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِعْلِهِ لِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ الْجَهَلَةُ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَاحْتَجُّوا بِهِ عَلَى مَنْ لَا رُسُوخَ لَهُ فِي الْعِلْمِ ; لِأَنَّ الدَّهْرَ عِنْدَهُمْ حَرَكَاتُ الْفَلَكِ وَأَمَدُ الْعَالَمِ وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُمْ وَلَا صَانِعَ سِوَاهُ، وَكَفَى فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: أَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ فَكَيْفَ يُقَلِّبُ الشَّيْءُ نَفْسَهُ؟ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا.

وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ سَبَّ الصَّنْعَةَ فَقَدْ سَبَّ صَانِعَهَا، فَمَنْ سَبَّ نَفْسَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَقْدَمَ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ بِغَيْرِ مَعْنًى، وَمَنْ سَبَّ مَا يَجْرِي فِيهِمَا مِنَ الْحَوَادِثِ، وَذَلِكَ هُوَ أَغْلَبُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ الَّذِي يُعْطِيهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ حَيْثُ نَفَى عَنْهُمَا التَّأْثِيرُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا ذَنْبَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْحَوَادِثُ فَمِنْهَا مَا يَجْرِي بِوَسَاطَةِ الْعَاقِلِ الْمُكَلَّفِ فَهَذَا يُضَافُ شَرْعًا وَلُغَةً إِلَى الَّذِي جَرَى عَلَى يَدَيْهِ، وَيُضَافُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - لِكَوْنِهِ بِتَقْدِيرِهِ، فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ مِنْ أَكْسَابِهِمْ، وَلَهَذَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ، وَهِيَ فِي الِابْتِدَاءِ خَلْقُ اللَّهِ. وَمِنْهَا مَا يَجْرِي بِغَيْرِ وَسَاطَةٍ فَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى قُدْرَةِ الْقَادِرِ، وَلَيْسَ الِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِعْلٌ وَلَا تَأْثِيرٌ لَا لُغَةً وَلَا عَقْلًا وَلَا شَرْعًا، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا يَجْرِي مِنَ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْعَاقِلِ. ثُمَّ أَشَارَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ تَنْبِيهٌ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، وَأَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى تَرْكِ سَبِّ كُلِّ شَيْءٍ مُطْلَقًا إِلَّا مَا أَذِنَ الشَّرْعُ فِيهِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَاحِدَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ أَيْضًا مَنْعُ الْحِيلَةِ فِي الْبُيُوعِ كَالْعَيِّنَةِ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ لِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَجَعَلَهُ سَبًّا لِخَالِقِهِ.

١٠٢ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ : إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ

وَقَدْ قَالَ: إِنَّمَا الْمُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَقَوْلِهِ: إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، كَقَوْلِهِ: لَا مُلْكَ إِلَّا الِلَّهِ، فَوَصَفَهُ بِانْتِهَاءِ الْمُلْكِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُلُوكَ أَيْضًا فَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾

٦١٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ، إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ، وَقَدْ قَالَ: إِنَّمَا الْمُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَقَوْلِهِ: إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، كَقَوْلِهِ: لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ، فَوَصَفَهُ بِانْتِهَاءِ الْمُلْكِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُلُوكَ أَيْضًا فَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ غَرَضُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْحَصْرَ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ الْأَحَقَّ بِاسْمِ الْكَرْمِ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُسَمَّى كَرْمًا، كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إِنَّمَا الْمُفْلِسُ مَنْ ذُكِرَ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ مَنْ يُفْلِسُ فِي الدُّنْيَا لَا يُسَمَّى مُفْلِسًا، وَبِقَوْلِهِ إِنَّمَا الصُّرَعَةُ كَذَلِكَ، وَكَذَا قَوْلُهُ لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ؛ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى غَيْرُهُ مَلِكًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُلْكَ الْحَقِيقِيَّ وَإِنْ سُمِّيَ غَيْرُهُ مَلِكًا، وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ

الْمُلُوكَ، وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ عِدَّةُ أَمْثِلَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالَ الْمَلِكُ؛ فِي صَاحِبِ يُوسُفَ وَغَيْرِهِ، وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ تَرْكُ الْمُبَالَغَةِ وَالْإِغْرَاقِ فِي الْوَصْفِ إِذَا كَانَ الْمَوْصُوفُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، وَحَدِيثُ إِنَّمَا الْمُفْلِسُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الرِّقَاقِ، وَحَدِيثُ إِنَّمَا الصُّرَعَةُ تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَحَدِيثُ لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ أَبْغَضِ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ هُنَا بِلَفْظِ: لَا مُلْكَ إِلَّا لِلَّهِ؛ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَحَذْفِ الْأَلِفِ بَعْدَ قَوْلِهِ إِلَّا، وَالْأَوَّلُ هُوَ اللَّائِقُ لِلسِّيَاقِ.

قَوْلُهُ: (وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ، إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ) هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ. وَوَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ كَرْمًا، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ، إِنَّمَا الْكَرْمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ. وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: لَا تَقُولُوا الْكَرْمَ، وَلَكِنْ قُولُوا الْعِنَبَ وَالْحَبْلَةَ. قَالُوا: وَفِي قَوْلِهِ فِي الْبَابِ وَيَقُولُونَ عَاطِفَةٌ عَلَى شَيْءٍ حُذِفَ هُنَا، وَكَأَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: يَقُولُونَ؛ بِغَيْرِ وَاوٍ، أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَذَكَرَهُ بِالْوَاوِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ، وَلَكِنْ قَالَ فِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ، وَقَالَ مَرَّةً: يَبْلُغُ بِهِ، وَقَالَ مَرَّةً: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَعَمْرٍو النَّاقِدِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا السَّنَدِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا تَقُولُوا كَرْمٌ، فَإِنَّ الْكَرْمَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ. وَقَوْلُهُ: وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ، وهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: يَقُولُونَ الْكَرْمُ شَجَرُ الْعِنَبِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ: إِنَّ اسْمَ الرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ فِي الْكُتُبِ الْكَرْمُ مِنْ أَجْلِ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ عَلَى الْخَلِيقَةِ، وَإِنَّكُمْ تَدْعُونَ الْحَائِطَ مِنَ الْعِنَبِ الْكَرْمَ الْحَدِيثَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ تَأْكِيدُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِمَحْوِ اسْمِهَا، وَلِأَنَّ فِي تَبْقِيَةِ هَذَا الِاسْمِ لَهَا تَقْرِيرًا لِمَا كَانُوا يَتَوَهَّمُونَهُ مِنْ تَكَرُّمِ شَارِبِهَا فَنَهَى عَنْ تَسْمِيَتِهَا كَرْمًا، وَقَالَ: إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ وَهُدَى الْإِسْلَامِ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّهُمْ سَمَّوُا الْعِنَبَ كَرْمًا لِأَنَّ الْخَمْرَ الْمُتَّخَذَةَ مِنْهُ تَحُثُّ عَلَى السَّخَاءِ وَتَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ حَتَّى قَالَ شَاعِرُهُمْ:

وَالْخَمْرُ مُشْتَقَّةُ الْمَعْنَى مِنَ الْكَرْمِ

وَقَالَ آخَرُ:

شُقِقْتُ مِنَ الصِّبَى وَاشْتُقَّ مِنِّي … كَمَا اشْتُقَّتْ مِنَ الْكَرْمِ الْكُرُومُ

فَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ بِالْكَرْمِ حَتَّى لَا يُسَمُّوا أَصْلَ الْخَمْرِ بِاسْمٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الْكَرْمِ، وَجُعِلَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَتَّقِي شُرْبَهَا وَيَرَى الْكَرَمَ فِي تَرْكِهَا أَحَقَّ بِهَذَا الِاسْمِ، انْتَهَى. وَأَمَّا قَوْلُ الْأَزْهَرِيِّ: سُمِّيَ الْعِنَبُ كَرْمًا لِأَنَّهُ ذُلِّلَ لِقَاطِفِهِ وَلَيْسَ فِيهِ سُلَّاءٌ يَعْقِرُ جَانِيهِ وَيَحْمِلُ الْأَصْلَ مِنْهُ مِثْلَ مَا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ فَأَكْثَرُ، وَكُلِّ شَيْءٍ كَثُرَ فَقَدْ كَرُمَ، فَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الِاشْتِقَاقِ لَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ أَنْسَبُ لِلنَّهْيِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: النَّهْيُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا وَعَنْ تَسْمِيَةِ شَجَرِهَا أَيْضًا لِلْكَرَاهِيَةِ. وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ، عَنِ الْمَازِرِيِّ أَنَّ السَّبَبَ فِي النَّهْيِ أَنَّهُ لَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الْخَمْرُ وَكَانَتْ طِبَاعُهُمْ تَحُثُّهُمْ عَلَى الْكَرَمِ كَرِهَ أَنْ يُسَمَّى هَذَا الْمُحَرَّمُ بِاسْمٍ تَهِيجُ طِبَاعُهُمْ إِلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْمُحَرِّكِ لَهُمْ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ مَحِلَّ النَّهْيِ إِنَّمَا هُوَ تَسْمِيَةُ الْعِنَبِ كَرْمًا، وَلَيْسَتِ الْعِنَبَةُ مُحَرَّمَةً، وَالْخَمْرُ لَا تُسَمَّى عِنَبَةً بَلِ الْعِنَبُ قَدْ يُسَمَّى خَمْرًا بِاسْمِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ.

قُلْتُ: وَالَّذِي قَالَهُ الْمَازِرِيُّ مُوَجَّهٌ ; لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى إِرَادَةِ حَسْمِ الْمَادَّةِ بِتَرْكِ تَسْمِيَةِ أَصْلِ الْخَمْرِ بِهَذَا الِاسْمِ الْحَسَنِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ النَّهْيُ تَارَةً عَنِ الْعِنَبِ وَتَارَةً عَنْ شَجَرَةِ الْعِنَبِ فَيَكُونُ التَّنْفِيرُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦١٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : وَيَقُولُونَ) الواو عاطفةٌ على محذوفٍ، أي: لا يقولون الكرم قلب المؤمن، ويقولون: (الكَرْمُ) شجر العنب، فـ «الكرمُ» مبتدأ محذوفُ الخبرِ، ويجوز أن يكون خبرًا، أي يقولون: شجر العنب: الكرمُ (إِنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ) لما فيه من نور الإيمانِ، وتقوى الإسلام، وليس المرادُ حقيقة النَّهي عن تسميةِ العنب كرمًا، بل المراد: بيان المستحقِّ لهذا الاسم المشتقِّ من الكرمِ، وفي حديث سَمُرةَ عند البزَّار والطَّبرانيِّ مرفوعًا: «إنَّ اسمَ الرَّجل المؤمن في الكتبِ الكرم من أجلِ ما كرَّمه الله على الخليقةِ، وإنَّكم تدعون الحائطَ من العنبِ الكرم … » الحديث. وقال ابنُ الأنباريِّ: إنَّهم سمَّوا العنب كرمًا؛ لأنَّ الخمرَ المتَّخذة منه يحثُّ على السَّخاء، ويأمر بمكارمِ الأخلاقِ حتَّى قال شاعرهم:

وَالخَمْرُ مُشْتقَّةُ المَعْنَى (١) مِنَ الكَرْمِ

فلهذا نهى عن تسميةِ العنب بالكرمِ حتَّى لا يسمَّى أصل الخمر باسمٍ مأخوذٍ من الكرمِ، وجعل المؤمن الَّذي يتَّقي شُربها ويَرى الكرم في تركها أحقَّ بهذا الاسم الحسن.

والحديث أخرجه مسلم في «الأدب» أيضًا.

(١٠٣) (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ) لغيره: (فَدَاكَ) بفتح الفاء والقصر (أَبِي وَأُمِّي، فِيهِ) أي: في هذا القول ما رواهُ (الزُّبَيْرُ) بن العوَّام (عَنِ النَّبِيِّ ) السَّابق موصولًا في «مناقبه» بلفظ [خ¦٣٧٢٠] جُعلت أنا وعمر بن أبي سلمة يوم الأحزاب في النِّساء. الحديث، وفيه قولُ الزُّبير: فلمَّا رجعتُ جمع لي النَّبيُّ أبويه، فقال: «فداك أبي وأمِّي» أي: تُفدى بهما، وسقط قوله: «عن النَّبيِّ » لغير أبي ذرٍّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٦١٨٢ - حدَّثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ حدّثنا عَبْدُ الأعْلَى حَدثنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبي سَلَمَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لَا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ، وَلَا تَقُولُوا: خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فإِنَّ الله هُوَ الدَّهْرُ. (انْظُر الحَدِيث ٦١٨٢ طرفه فِي: ٦١٨٣) .

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث السَّابِق أخرجه عَن عَيَّاش بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف والشين الْمُعْجَمَة ابْن الْوَلِيد الْبَصْرِيّ الرقام عَن عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أبي هُرَيْرَة.

قَوْله: (لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم) قَالَ الْخطابِيّ: نهى عَن تَسْمِيَة الْعِنَب كرماً لتوكيد تَحْرِيم الْخمر ولتأبيد النَّهْي عَنْهَا بمحو اسْمهَا. قَوْله: (وَلَا تَقولُوا خيبة الدَّهْر) كَذَا هُوَ لأكْثر الروَاة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: يَا خيبة الدَّهْر، وَفِي رِوَايَة غير البُخَارِيّ: واخيبة الدَّهْر، والخيبة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا بَاء مُوَحدَة وَهِي الحرمان، وانتصاب الخيبة على الندبة كَأَنَّهُ فقد الدَّهْر لما يصدر عَنهُ مِمَّا يكرههُ فندبه متفجعاً عَلَيْهِ أَو متوجعاً مِنْهُ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ دُعَاء على الدَّهْر بالخيبة، وَهُوَ كَقَوْلِهِم قحط الله نوأها يدعونَ على الأَرْض بِالْقَحْطِ، وَهِي كلمة هَذَا أَصْلهَا ثمَّ صَارَت تقال لكل مَذْمُوم، وَوَقع فِي رِوَايَة الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم بِلَفْظ: وادهراه {وادهراه}

١٠٢ - (بابُ قَوْلِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنَّما الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن، هَذَا قِطْعَة من آخر حَدِيث رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَيَأْتِي الْآن فِي هَذَا الْبَاب من رِوَايَة سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة الْأَعْرَج عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَقُولَن أحدكُم: الْكَرم، فَإِن الْكَرم قلب الْمُؤمن) وَله من رِوَايَة ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم فَإِن الْكَرم الرجل الْمُسلم، وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث عَلْقَمَة إِن وَائِل عَن أَبِيه: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لَا تَقولُوا الْكَرم وَلَكِن قُولُوا الْعِنَب والحبلة) . قَوْله: (إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن) أَي: لما فِيهِ من نور الْإِيمَان وَالتَّقوى. قَالَ الله تَعَالَى: { (٩٤) إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم} (الحجرات: ١٣) وَقَالَ فِي الْبَاب الَّذِي قبله: (لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم) . وَقَالَ هُنَا: إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن. قَالَت الْعلمَاء: سَبَب كَرَاهَة ذَلِك أَن لفظ الْكَرم كَانَت الْعَرَب تطلقها على شجر الْعِنَب وعَلى الْخمر المتخذة من الْعِنَب سَموهَا كرماً لكَونهَا متخذة مِنْهَا، وَلِأَنَّهَا تحمل على الْكَرم والسخاء، فكره الشَّارِع إِطْلَاق هَذِه اللَّفْظَة على الْعِنَب وشجره لأَنهم إِذا سمعُوا اللَّفْظ فَرُبمَا تَذكرُوا بهَا الْخمر وهيجت نُفُوسهم إِلَيْهَا فيقعوا فِيهَا، أَو قاربوا. وَقَالَ: إِنَّمَا يسْتَحق هَذَا الإسم قلب الْمُؤمن لِأَنَّهُ منبع الْكَرم وَالتَّقوى والنور وَالْهدى، وَالْمَشْهُور فِي اللُّغَة أَن الْكَرم، بِسُكُون الرَّاء: الْعِنَب. قَالَ الْأَزْهَرِي: سمى الْعِنَب كرماً لكرمه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ذلل لقاطعه وَيحمل الأَصْل عَنهُ مثل مَا تحمل النَّخْلَة وَأكْثر، وكل شَيْء كثر فقد كرم. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: سمي كرماً لِأَن الْخمر مِنْهُ وَهِي تحث على السخاء وتأمر بمكارم الْأَخْلَاق، كَمَا سَموهَا رَاحا، وَذَلِكَ قَالَ: لَا تسموا الْعِنَب كرماً، كره أَن يُسمى أصل الْخمر باسم مَأْخُوذ من الْكَرم، وَجعل الْمُؤمن الَّذِي يَتَّقِي شربهَا وَيرى الْكَرم فِي تَركهَا أَحَق بِهَذَا الإسم الْحسن تَأْكِيدًا لِحُرْمَتِهِ، وَأسْقط الْخمر عَن هَذِه الرُّتْبَة تحقيراً لَهَا.

وقَدْ قَالَ: المُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَقَوْلِهِ: إنَّما الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَب، كَقَوْلِهِ: لَا مَلِكَ إلَاّ الله فَوَصَفَهُ بانْتِهاءِ المُلْكِ ثُمَّ ذَكَرَ المُلُوكَ أيْضاً فَقَالَ: {إِن الْمُلُوك إِذا دخلُوا قَرْيَة أفسدوها} (النَّمْل: ٣٤) [/ ح.

مَقْصُود البُخَارِيّ من ذكر هَذَا الْكَلَام الَّذِي فِيهِ أدوات الْحصْر أَن الْحصْر فِيهِ ادعائي لَا حَقِيقِيّ، فَكَذَلِك الْحصْر فِي قَوْله: إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن، فَكَأَن الْكَرم الْحَقِيقِيّ الْقلب لَا الشّجر، وَإِنَّمَا هُوَ على سَبِيل الادعاء لَا على الْحَقِيقَة، أَلا ترى أَنه يُطلق على

غَيره. قَوْله: إِنَّمَا الْمُفلس الَّذِي يفلس يَوْم الْقِيَامَة، وَمعنى الحَدِيث كَمَا أخرجه التِّرْمِذِيّ، وَلَكِن لَيْسَ فِيهِ أَدَاة الْحصْر. قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: أَتَدْرُونَ من الْمُفلس؟ قَالُوا: الْمُفلس فِينَا يَا رَسُول الله لَا دِرْهَم لَهُ وَلَا مَتَاع، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْمُفلس من أمتِي من يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِصَلَاة وَصِيَام وَزَكَاة، وَيَأْتِي قد شتم هَذَا وَقذف هَذَا وَسَفك دم هَذَا وَضرب هَذَا، فيقعد فيقتص هَذَا من حَسَنَاته وَهَذَا من حَسَنَاته، فَإِن فنيت حَسَنَاته قبل أَن يقْتَصّ مَا عَلَيْهِ من الْخَطَايَا أَخذ من خطاياهم فَطرح عَلَيْهِ ثمَّ يطْرَح فِي النَّار. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. قَوْله: كَقَوْلِه: إِنَّمَا الصرعة الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب، أَرَادَ أَن قَوْله: إِنَّمَا الْمُفلس كَقَوْلِه: إِنَّمَا الصرعة ... وَهَذَا حَدِيث رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَقد مضى قبل هَذَا الْبَاب بِخَمْسَة وَعشْرين بَابا. قَوْله: كَقَوْلِه: لَا ملك إِلَّا الله، أَرَادَ أَن فِيهِ الْحصْر كَمَا فِيمَا قبله لِأَن كلمة: لَا، وَكلمَة: لَا، صَرِيح فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات فمقتضاه حصر لفظ بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام على الله، لَكِن قد أطلق على غَيره وَفِي نفس الْأَمر الْملك حَقِيقَة هُوَ الله تَعَالَى وَالْبَاقِي بالتجوز، وروى: لَا ملك إلَاّ لله، بِضَم الْمِيم وَسُكُون اللَّام. قَوْله: فوصفه بانتهاء الْملك، وَهُوَ عبارَة عَن انْقِطَاع الْملك عِنْده أَي: لَا ملك بعده. قَوْله: فَقَالَ: { (٧٢) إِن الْمُلُوك إِذا. . أفسدوها} (النَّمْل: ٣٤) . وَهُوَ جمع: ملك، وَفِي الْقُرْآن شَيْء كثير من هَذَا الْقَبِيل كَقَوْلِه تَعَالَى: { (٢١) وَقَالَ الْملك} (يُوسُف ٥٠) فِي صَاحب يُوسُف وَغَيره، وَلَكِن. كَمَا ذكرنَا كل ذَلِك بطرِيق التَّجَوُّز لَا بطرِيق الْحَقِيقَة.

٦١٨٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ويَقُولُونَ: الكَرْمُ! إنَّما الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ. (انْظُر الحَدِيث ٦١٨٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن عَمْرو النَّاقِد.

قَوْله: (وَيَقُولُونَ: الْكَرم) بِالرَّفْع مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: يَقُولُونَ: الْكَرم شجر الْعِنَب، وَيجوز أَن يكون الْكَرم خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَيَقُولُونَ: شجر الْعِنَب الْكَرم، وَكَانَ الْوَاو فِيهِ عاطفة على شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا يَقُولُونَ: الْكَرم قلب الْمُؤمن، وَيَقُولُونَ: الْكَرم شجر الْعِنَب، وَقد رَوَاهُ ابْن أبي عمر فِي (مُسْنده) عَن سُفْيَان بِغَيْر وَاو، وَكَذَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيقه.

١٠٣ - (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: فِدَاكَ أبي وأُمِّي)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الرجل بَين كَلَامه: فدَاك أبي وَأمي، الْفِدَاء بِكَسْر الْفَاء وبالمد وبفتح الْفَاء يقصر، يَعْنِي: أَنْت مفدى بِأبي وَأمي، وَالْفِدَاء فكاك الْأَسير، فدَاء يفْدِيه فدَاء وفدًى، وفاداه يفاديه مفاداة إِذا أعْطى فداءه وأنقذه، وفداه بِنَفسِهِ فدَاء إِذا قَالَ لَهُ: جعلت فدَاك، وَقيل: المفاداة أَن يفك الْأَسير بأسير مثله.

فِيهِ الزُّبَيْرُ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: فِي قَول الرجل: فدَاك أبي وَأمي، قَالَ الزبير بن الْعَوام رَضِي الله عَنهُ: عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد روى البُخَارِيّ هَذَا فِي مَنَاقِب الزبير من طَرِيق عبد الله بن الزبير، قَالَ: جعلت أَنا وَعمر بن أبي سَلمَة يَوْم الْأَحْزَاب فِي النِّسَاء ... الحَدِيث، وَفِيه: فَلَمَّا رجعت جمع لي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبَوَيْهِ، فَقَالَ لي: فدَاك أبي وَأمي.

٦١٨٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عَنْ سُفْيانَ حدّثني سَعْدُ بنُ إبْرَاهِيم عَنْ عَبْد الله بنِ شَدَّاد عَنْ عَلِيّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: مَا سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُفَدِّي أحَداً غَيْرَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إرْمِ فِدَاكَ أبي وأمِّي، أظُنُّهُ يَوْمَ أحُدٍ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَسعد بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَعبد الله ابْن شَدَّاد على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن الْهَاد اللَّيْثِيّ الْمدنِي.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد عَن قبيصَة وَفِي الْمَغَازِي عَن أبي نعيم.

قَوْله:

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الله أكبر