«قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٨٥

الحديث رقم ٧٠٨٥ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت…

«قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ، فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.»

سند حديث: ٧٠٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ…

٧٠٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، وَقَالَ اللَّيْثُ : عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت…

روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعةٌ من المسلمين كانوا يقفون مع المشركين في القتال، يُكثِّرون عدد المشركين وجماعتهم، وهم ممن لم يهاجر، فيصيبهم السهم فيقتلهم، أو يُضربون فيُقتلون، فأنزل الله: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية، ومع أنهم لا يوافقونهم في قلوبهم إلا أنهم كانوا ظالمين لأنفسهم؛ لأنهم زادوا المشركين قوة بوجودهم معهم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان سبب نزول الآية الكريمة.
  • النهي عن مساعدة المشركين وتكثير أعدادهم، وأنه من ظلم النفس.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: فَإِنْ مِتَّ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ حُجَّةٌ لِجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ لُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَتَرْكِ الْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ، لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّائِفَةَ الْأَخِيرَةَ بِأَنَّهُمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِمْ: تَعْرِفُ وَتُنْكِرُ كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِينَ، وَهُمْ لَا يَكُونُونَ كَذَلِكَ إِلَّا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَأَمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَفِي الْجَمَاعَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلْوُجُوبِ وَالْجَمَاعَةُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ. ثُمَّ سَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَصَّى مَنْ سَأَلَهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ: عَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ الصَّحَابَةُ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُمْ حُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ، وَالنَّاسُ تَبَعٌ لَهُمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخَبَرِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ فِي طَاعَةِ مَنِ اجْتَمَعُوا عَلَى تَأْمِيرِهِ، فَمَنْ نَكَثَ بَيْعَتَهُ خَرَجَ عَنِ الْجَمَاعَةِ.

قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إِمَامٌ فَافْتَرَقَ النَّاسُ أَحْزَابًا فَلَا يَتَّبِعُ أَحَدًا فِي الْفُرْقَةِ وَيَعْتَزِلُ الْجَمِيعَ إِنِ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ خَشْيَةً مِنَ الْوُقُوعِ فِي الشَّرِّ، وَعَلَى ذَلِكَ يَتَنَزَّلُ مَا جَاءَ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ مَا ظَاهِرُهُ الِاخْتِلَافُ مِنْهَا، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: فِي الْحَدِيثِ حِكْمَةُ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ كَيْفَ أَقَامَ كُلًّا مِنْهُمْ فِيمَا شَاءَ ; فَحُبِّبَ إِلَى أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ السُّؤَالُ عَنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ لِيَعْلَمُوا بِهَا وَيُبَلِّغُوهَا غَيْرَهُمْ، وَحُبِّبَ لِحُذَيْفَةَ السُّؤَالُ عَنِ الشَّرِّ لِيَجْتَنِبَهُ وَيَكُونَ سَبَبًا فِي دَفْعِهِ عَمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ لَهُ النَّجَاةَ، وَفِيهِ سِعَةُ صَدْرِ النَّبِيِّ وَمَعْرِفَتُهُ بِوُجُوهِ الْحِكَمِ كُلِّهَا حَتَّى كَانَ يُجِيبُ كُلَّ مَنْ سَأَلَهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ حُبِّبَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَفُوقُ فِيهِ غَيْرَهُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ حُذَيْفَةُ صَاحِبَ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ حَتَّى خُصَّ بِمَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَبِكَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مِنْ أَدَبِ التَّعْلِيمِ أَنْ يَعْلَمَ التِّلْمِيذُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ مَا يَرَاهُ مَائِلًا إِلَيْهِ مِنَ الْعُلُومِ الْمُبَاحَةِ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُسْرِعَ إِلَى تَفَهُّمِهِ وَالْقِيَامِ بِهِ وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَهْدِي إِلَى طَرِيقِ الْخَيْرِ يُسَمَّى خَيْرًا وَكَذَا بِالْعَكْسِ.

وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ذَمُّ مَنْ جَعَلَ لِلدِّينِ أَصْلًا خِلَافَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَعَلَهُمَا فَرْعًا لِذَلِكَ الْأَصْلِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ، وَفِيهِ وُجُوبُ رَدِّ الْبَاطِلِ وَكُلِّ مَا خَالَفَ الْهَدْيَ النَّبَوِيَّ وَلَوْ قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مِنْ رَفِيعٍ أَوْ وَضِيعٍ.

١٢ - بَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ

٧٠٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ) بِالتَّشْدِيدِ (سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ)؛ أَيْ أَهْلَهُمَا، وَالْمُرَادُ بِالسَّوَادِ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ - الْأَشْخَاصُ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

على تأميره، فمن نكث بيعته؛ خرج عن الجماعة، فإن لم يكن ثَّمَ إمامٌ وافترق النَّاس فِرَقًا؛ فليعتزلِ الجميع إن استطاع؛ خشية الوقوع في الشَّرِّ، وهل الأمر للنَّدب أو الإيجاب الذي لا يجوز لأحدٍ من المسلمين خلافه؟ لحديث ابن ماجه عن أنسٍ مرفوعًا: «إنَّ بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقةً، وإنَّ أمَّتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقةً، كلُّها في النَّار إلَّا واحدةً؛ وهي الجماعة»، والجماعة التي أمر الشَّارع بلزومها جماعة أئمَّة العلماء؛ لأنَّ الله تعالى جعلهم حجَّةً على خلْقه، وإليهم تفزع العامَّة في أمر (١) دينها، وهم المعنيُّون بقوله: «إنَّ الله لن يجمع أمَّتي على ضلالةٍ»، وقال آخرون: هم جماعة الصَّحابة الذين قاموا بالدِّين وقوَّموا (٢) عماده، وثبَّتوا أوتاده، وقال آخرون: هم جماعة أهل الإسلام ما كانوا مجتمعين على أمرٍ واجبٍ على أهل المِلل اتِّباعه، فإذا كان فيهم مخالفٌ منهم؛ فليسوا مجتمعين.

والحديث سبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٠٦]، وأخرجه مسلمٌ في «الفتن»، وكذا ابن ماجه.

(١٢) (بابُ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ) بتشديد المثلَّثة (سَوَادَ) أي: أشخاص أهل (الفِتَنِ وَ) أشخاص أهل (الظُّلْمِ).

٧٠٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) المقرئ التَّجِيبيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَيْوَةُ) بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، ابن شريح (وَغَيْرُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ) محمَّد بن

عبد الرَّحمن الأسديُّ، يتيم عروة (١)، وأمَّا المبهم في قوله: «وغيره»؛ فقال (٢) في «الفتح»: كأنَّه يريد ابنَ لهيعة؛ فإنَّه رواه عن أبي الأسود (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام: (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ) أي: أبو (٣) الأسود: (قُطِعَ) بضمِّ القاف وكسر الطَّاء المهملة، أي: أفرد (عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ) بفتح الموحَّدة وسكون العين المهملة: جيشٌ منهم ومن (٤) غيرهم للغزو؛ ليقاتلوا أهل الشَّام في خلافة عبد الله بن الزُّبير على مكَّة (فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ) في البعث، و «اكْتُتِبْتُ» بضمِّ الفوقيَّة، مبنيًّا للمفعول (فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (فَأَخْبَرْتُهُ): أنِّي اكتتبت في ذلك البعث (فَنَهَانِي) عن ذلك (أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ) : (أَنَّ أُنَاسًا) بالهمزة (مِنَ المُسْلِمِينَ) منهم عمرو بن أميَّة بن خلفٍ، والحارث بن زَمْعة (٥) وغيرهما ممَّا ذكرته في «تفسير سورة النِّساء» [خ¦٤٥٦٩] (كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ، فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى) -بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الميم- به، قيل: هو من المقلوب، أي: فيُرمى بالسَّهم فيأتي، ويُحتَمل أن تكون الفاء الثَّانية زائدةً؛ كما في «سورة النِّساء» [خ¦٤٥٦٩] فيأتي السَّهم يُرمَى به (فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ) وقوله: «أو يضربه» عطفٌ على «فيأتي»، لا على «فيصيب»، والمعنى: يقتل إمَّا بالسَّهم، وإمَّا بضرب السَّيف ظالمًا؛ بسبب تكثيره سواد الكفَّار، وإنَّما كانوا يخرجون مع المشركين لا لقصد قتال المسلمين، بل لإيهام كثرتهم في عيون المسلمين؛ فلذا حصلت لهم المؤاخذة، فرأى عكرمة أنَّ من خرج في جيشٍ يقاتلون المسلمين يأثم وإن لم يقاتل، ولا نوى ذلك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]) بخروجهم (٦) مع المشركين، وتكثير (٧) سوادهم حتَّى قُتِلوا معهم، وهذا الحديث -كما قاله مغلطاي المصريُّ فيما نقله في «الكواكب» - مرفوعٌ؛ لأنَّ تفسير

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الرّفْع وَلَا يجوز ذَلِك إلَاّ إِذا جعل أَن مُخَفّفَة من المثقلة. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الْمَعْنى إِذا لم يكن فِي الأَرْض خَليفَة فَعَلَيْك بالعزلة وَالصَّبْر على تحمل شدَّة الزَّمَان، وعض أصل الشَّجَرَة كِنَايَة عَن مكايدة الْمَشَقَّة، كَقَوْلِهِم: فلَان يعَض الْحِجَارَة من شدَّة الْأَلَم، أَو المُرَاد اللُّزُوم كَقَوْلِه فِي الحَدِيث الآخر: عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ. قَوْله: وَأَنت على ذَلِك أَي: على العض الَّذِي هُوَ كِنَايَة عَن لُزُوم جمَاعَة الْمُسلمين وإطاعة سلاطينهم وَلَو جاروا.

وَفِيه: حجَّة لجَماعَة الْفُقَهَاء فِي وجوب لُزُوم جمَاعَة الْمُسلمين وَترك الْقيام على أَئِمَّة الْحق لِأَنَّهُ أَمر بذلك وَلم يَأْمر بتفريق كلمتهم وشق عصاهم.

وَاخْتلفُوا فِي صفة الْأَمر بذلك، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ أَمر إِيجَاب بِلُزُوم الْجَمَاعَة وَهِي السوَاد الْأَعْظَم، وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَة ابْن مَاجَه من حَدِيث أنس مَرْفُوعا: إِن بني إِسْرَائِيل افْتَرَقت على إِحْدَى وَسبعين فرقة، وَإِن أمتِي سَتَفْتَرِقُ على ثِنْتَيْنِ وَسبعين فرقة، كلهَا فِي النَّار إلَاّ وَاحِدَة وَهِي الْجَمَاعَة، وَقَالَ آخَرُونَ: الْجَمَاعَة الَّتِي أَمر الشَّارِع بلزومها هِيَ جمَاعَة الْعلمَاء، لِأَن الله عز وَجل جعلهم حجَّة على خلقه وإليهم تفزع الْعَامَّة فِي دينهَا وهم تبع لَهَا وهم المعنيون بقوله: إِن الله لن يجمع أمتِي على ضَلَالَة. وَقَالَ آخَرُونَ: هم جمَاعَة الصَّحَابَة الَّذين قَامُوا بِالدّينِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهَا جمَاعَة أهل الْإِسْلَام مَا داموا مُجْتَمعين على أَمر وَاجِب على أهل الْملَل، فَإِذا كَانَ فيهم مُخَالف مِنْهُم فليسوا مُجْتَمعين. وَقَالَ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن أَحْمد بن إِسْحَاق التسترِي فِي كِتَابه افْتِرَاق الْأمة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فرقة، والخوارج خمس عشرَة فرقة، والشيعة ثَلَاث وَثَلَاثُونَ، والمعتزلة سِتَّة، والمرجئة اثْنَا عشر، والمشبهة ثَلَاثَة، والجهمية فرقة وَاحِدَة، والضرارية وَاحِدَة، والكلابية وَاحِدَة، وأصول الْفرق عشرَة أهل السّنة والخوارج والشيعة والجهمية والضرارية والمرجئة والنجارية والكلابية والمعتزلة والمشبهة، وَذكر أَبُو الْقَاسِم الفوراني فِي كِتَابه فرق الْفرق إِن غير الإسلاميين: الدهرية والهيولي أَصْحَاب العناصر الثنوية والديصانية والمانوية والطبائعية والفلكية والقرامطة.

١٢ - (بابُ مَنْ كَرِه أنْ يُكَثِّرَ سَوادَ الفِتَنِ والظُّلْمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من كره أَن يكثر من الْإِكْثَار أَو من التكثير. قَوْله: سَواد الْفِتَن وَالظُّلم أَي: أهلهما، والسواد بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو الْأَشْخَاص.

٧٠٨٥ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ يَزِيدَ، حَدثنَا حَيْوَةُ وغَيْرُهُ قَالَا: حدّثنا أبُو الأسْوَدِ. وَقَالَ اللّيْثُ: عنْ أبي الأسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلى أهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ فاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فأخْبَرْتُهُ، فَنَهاني أشَدَّ النَّهْي ثُمَّ قَالَ: أخبرَني ابنُ عبَّاسٍ أنَّ أُناساً مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المْشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَ المُشْرِكِينَ عَلى رسولِ الله فَيأتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ فأنْزَلَ الله تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْو اْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً}

انْظُر الحَدِيث ٤٥٩٦

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة الْمقري، وحيوة بن شُرَيْح التجِيبِي.

والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير عَن عبد الله بن يزِيد أَيْضا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن زَكَرِيَّا بن يحيى.

وَأَبُو الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرحمان الْأَسدي يَتِيم عُرْوَة بن الزبير. قَوْله: وَغَيره قَالَ صَاحب التَّوْضِيح قيل: المُرَاد بِهِ ابْن لَهِيعَة، وَقيل: كَأَنَّهُ يُرِيد ابْن لَهِيعَة فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن أبي الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرحمان وَقد رَوَاهُ عَنهُ اللَّيْث أَيْضا وَقَالَ الْكرْمَانِي ويروى: وَعَبدَة ضد الْحرَّة وَالْأول أصح. قَوْله: قطع على أهل الْمَدِينَة بعث أَي أفرد عَلَيْهِم بعث بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ الْجَيْش، وَمِنْه كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يقطع بعثاً. قَالَ ابْن الْأَثِير: أَي يفرد قوما يَبْعَثهُم فِي الْغَزْو ويعينهم من غَيرهم. قَوْله: فاكتتبت فِيهِ على صِيغَة الْمَجْهُول. قَالَ الْكرْمَانِي: وبالمعروف يُقَال: اكتتبت أَي: كتبت نَفسِي فِي ديوَان السُّلْطَان. قَوْله: يكثرون من الْإِكْثَار أَو التكثير. قَوْله: فَيرمى أَي: فَيرمى بِهِ، ويروى كَذَلِك، قيل: هُوَ من الْقلب وَالتَّقْدِير

فَيرمى بِالسَّهْمِ فَيَأْتِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات لفظ: فَيرمى، مَفْقُود وَهُوَ ظَاهر، وَقيل: يحْتَمل أَن تكون الْفَاء الثَّانِيَة زَائِدَة وَثَبت كَذَلِك لأبي ذَر فِي سُورَة النِّسَاء فَيَأْتِي السهْم يرْمى بِهِ. قَوْله: أَو يضْربهُ مَعْطُوف على فَيَأْتِي لَا على فَيُصِيب أَي: يقتل إِمَّا بِالسَّهْمِ وَإِمَّا بِالسَّيْفِ. قَوْله فَأنْزل الله تَعَالَى: {إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي أنفسهم}

١٣ - (بابٌ إذَا بَقِيَ فِي حُثالَةٍ مِنَ النَّاسِ)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ، إِذا بَقِي مُسلم فِي حثالة من النَّاس، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَهِي رَدِيء كل شَيْء وَمَا لَا خير فِيهِ. وَجَوَاب: إِذا، مُقَدّر وَهُوَ: مَاذَا يصنع؟ قيل: هَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه الطَّبَرِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان من طَرِيق الْعَلَاء بن عبد الرحمان بن يَعْقُوب عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: كَيفَ بك يَا عبد الله بن عَمْرو إِذا بقيت فِي حثالة من النَّاس قد مرجت عهودهم وأماناتهم وَاخْتلفُوا فصاروا هَكَذَا؟ وَشَبك بَين أَصَابِعه. قَالَ: فَمَا تَأْمُرنِي؟ قَالَ: عَلَيْك بخاصتك ودع عَنْك عوامهم وَقَالَ ابْن بطال: أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى هَذَا الحَدِيث وَلم يُخرجهُ لِأَن الْعَلَاء لَيْسَ من شَرطه فَأدْخل مَعْنَاهُ فِي حَدِيث حُذَيْفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

٧٠٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنَا، سُفْيانُ، حدّثنا الأعمَشُ، عنْ زَيْدِ بنِ وهْبٍ، حَدثنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدثنَا رسولُ الله حَدِيثَيْن رأيْتُ أحَدَهُما وَأَنا أنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدثنَا: أنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ، ثُمَّ علِمُوا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِن السُّنةِ. وَحدثنَا عنْ رفْعِها. قَالَ: يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أثَرُها مِثْلَ أثَرِ الوَكْتِ، ثمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى فِيها أثَرُها مِثْلَ أثَرِ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجتَهُ عَلى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَراهُ مُنْتَبِراً ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبَحُ النّاسُ يَتَبايَعُونَ فَلا يَكادُ أحَدٌ يُؤَدِّي الأمانَةَ، فَيُقالُ: إنَّ فِي بَني فُلانٍ رجُلاً أمِيناً، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: مَا أعْقَلَهُ وَمَا أظْرَفَهُ وَمَا أجْلَدَهُ؟ وَمَا فِي قلْبِهِ مِثْقالُ حبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ، ولَقَدْ أتَى عَليَّ زَمانٌ وَلَا أُبالي أيَّكُمْ بايَعْتُ، لَئنْ كانَ مُسْلِماً رَدَّهُ عَليَّ الإسْلَامُ، وإنْ كانَ نَصْرانِيّاً ردَّهُ عَليَّ ساعِيهِ، وأمَّا اليوْمَ فَما كُنْتُ أُبايِعُ إلاّ فُلَاناً وفُلَاناً

انْظُر الحَدِيث ٦٤٩٧ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ. وَقد ذكرنَا أَن ابْن بطال قَالَ: أَدخل البُخَارِيّ معنى حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن فِي حَدِيث حُذَيْفَة. وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه سنداً ومتناً مضى فِي كتاب الرقَاق فِي بَاب رفع الْأَمَانَة، فَرَاجعه لِأَن الْكَلَام فِيهِ قد بسطناه.

قَوْله: وَحدثنَا عَن رَفعهَا هُوَ الحَدِيث الثَّانِي، وَفِيه علم من أَعْلَام نبوته لِأَن فِيهِ الْإِخْبَار عَن فَسَاد أَدْيَان النَّاس وَقلة أمانتهم فِي آخر الزَّمَان، والجذر بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة: الأَصْل أَي: كَانَت لَهُم بِحَسب الْفطْرَة وحصلت لَهُم بِالْكَسْبِ من الشَّرِيعَة. والوكت، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْكَاف وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق: الْأَثر الْيَسِير، وَقيل: السوَاد، وَقيل: اللَّوْن الْمُخَالف للون الَّذِي قبله والمجل بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفتحهَا: هُوَ التنفط الَّذِي يحصل فِي الْيَد من الْعَمَل، ونفط بِكَسْر الْفَاء وَلم يؤنث الضَّمِير بِاعْتِبَار الْعُضْو. ومنتبراً مفتعلاً من الانتبار وَهُوَ الِارْتفَاع، وَمِنْه: الْمِنْبَر وَالْأَمَانَة ضد الْخِيَانَة، وَقيل: هِيَ التكاليف الإلاهية. وَمعنى الْمُبَايعَة هُنَا البيع وَالشِّرَاء أَي: كنت أعلم أَن الْأَمَانَة فِي النَّاس فَكيف أقدم على مُعَاملَة من اتّفق غير مبال بِحَالهِ وثوقاً بأمانته أَو أَمَانَة الْحَاكِم عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِن كَانَ مُسلما فدينه يمنعهُ من الْخِيَانَة ويحمله

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: فَإِنْ مِتَّ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ حُجَّةٌ لِجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ لُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَتَرْكِ الْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ، لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّائِفَةَ الْأَخِيرَةَ بِأَنَّهُمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِمْ: تَعْرِفُ وَتُنْكِرُ كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِينَ، وَهُمْ لَا يَكُونُونَ كَذَلِكَ إِلَّا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَأَمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَفِي الْجَمَاعَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلْوُجُوبِ وَالْجَمَاعَةُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ. ثُمَّ سَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَصَّى مَنْ سَأَلَهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ: عَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ الصَّحَابَةُ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُمْ حُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ، وَالنَّاسُ تَبَعٌ لَهُمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخَبَرِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ فِي طَاعَةِ مَنِ اجْتَمَعُوا عَلَى تَأْمِيرِهِ، فَمَنْ نَكَثَ بَيْعَتَهُ خَرَجَ عَنِ الْجَمَاعَةِ.

قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إِمَامٌ فَافْتَرَقَ النَّاسُ أَحْزَابًا فَلَا يَتَّبِعُ أَحَدًا فِي الْفُرْقَةِ وَيَعْتَزِلُ الْجَمِيعَ إِنِ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ خَشْيَةً مِنَ الْوُقُوعِ فِي الشَّرِّ، وَعَلَى ذَلِكَ يَتَنَزَّلُ مَا جَاءَ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ مَا ظَاهِرُهُ الِاخْتِلَافُ مِنْهَا، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: فِي الْحَدِيثِ حِكْمَةُ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ كَيْفَ أَقَامَ كُلًّا مِنْهُمْ فِيمَا شَاءَ ; فَحُبِّبَ إِلَى أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ السُّؤَالُ عَنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ لِيَعْلَمُوا بِهَا وَيُبَلِّغُوهَا غَيْرَهُمْ، وَحُبِّبَ لِحُذَيْفَةَ السُّؤَالُ عَنِ الشَّرِّ لِيَجْتَنِبَهُ وَيَكُونَ سَبَبًا فِي دَفْعِهِ عَمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ لَهُ النَّجَاةَ، وَفِيهِ سِعَةُ صَدْرِ النَّبِيِّ وَمَعْرِفَتُهُ بِوُجُوهِ الْحِكَمِ كُلِّهَا حَتَّى كَانَ يُجِيبُ كُلَّ مَنْ سَأَلَهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ حُبِّبَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَفُوقُ فِيهِ غَيْرَهُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ حُذَيْفَةُ صَاحِبَ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ حَتَّى خُصَّ بِمَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَبِكَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مِنْ أَدَبِ التَّعْلِيمِ أَنْ يَعْلَمَ التِّلْمِيذُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ مَا يَرَاهُ مَائِلًا إِلَيْهِ مِنَ الْعُلُومِ الْمُبَاحَةِ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُسْرِعَ إِلَى تَفَهُّمِهِ وَالْقِيَامِ بِهِ وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَهْدِي إِلَى طَرِيقِ الْخَيْرِ يُسَمَّى خَيْرًا وَكَذَا بِالْعَكْسِ.

وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ذَمُّ مَنْ جَعَلَ لِلدِّينِ أَصْلًا خِلَافَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَعَلَهُمَا فَرْعًا لِذَلِكَ الْأَصْلِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ، وَفِيهِ وُجُوبُ رَدِّ الْبَاطِلِ وَكُلِّ مَا خَالَفَ الْهَدْيَ النَّبَوِيَّ وَلَوْ قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مِنْ رَفِيعٍ أَوْ وَضِيعٍ.

١٢ - بَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ

٧٠٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ) بِالتَّشْدِيدِ (سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ)؛ أَيْ أَهْلَهُمَا، وَالْمُرَادُ بِالسَّوَادِ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ - الْأَشْخَاصُ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

على تأميره، فمن نكث بيعته؛ خرج عن الجماعة، فإن لم يكن ثَّمَ إمامٌ وافترق النَّاس فِرَقًا؛ فليعتزلِ الجميع إن استطاع؛ خشية الوقوع في الشَّرِّ، وهل الأمر للنَّدب أو الإيجاب الذي لا يجوز لأحدٍ من المسلمين خلافه؟ لحديث ابن ماجه عن أنسٍ مرفوعًا: «إنَّ بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقةً، وإنَّ أمَّتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقةً، كلُّها في النَّار إلَّا واحدةً؛ وهي الجماعة»، والجماعة التي أمر الشَّارع بلزومها جماعة أئمَّة العلماء؛ لأنَّ الله تعالى جعلهم حجَّةً على خلْقه، وإليهم تفزع العامَّة في أمر (١) دينها، وهم المعنيُّون بقوله: «إنَّ الله لن يجمع أمَّتي على ضلالةٍ»، وقال آخرون: هم جماعة الصَّحابة الذين قاموا بالدِّين وقوَّموا (٢) عماده، وثبَّتوا أوتاده، وقال آخرون: هم جماعة أهل الإسلام ما كانوا مجتمعين على أمرٍ واجبٍ على أهل المِلل اتِّباعه، فإذا كان فيهم مخالفٌ منهم؛ فليسوا مجتمعين.

والحديث سبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٠٦]، وأخرجه مسلمٌ في «الفتن»، وكذا ابن ماجه.

(١٢) (بابُ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ) بتشديد المثلَّثة (سَوَادَ) أي: أشخاص أهل (الفِتَنِ وَ) أشخاص أهل (الظُّلْمِ).

٧٠٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) المقرئ التَّجِيبيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَيْوَةُ) بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، ابن شريح (وَغَيْرُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ) محمَّد بن

عبد الرَّحمن الأسديُّ، يتيم عروة (١)، وأمَّا المبهم في قوله: «وغيره»؛ فقال (٢) في «الفتح»: كأنَّه يريد ابنَ لهيعة؛ فإنَّه رواه عن أبي الأسود (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام: (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ) أي: أبو (٣) الأسود: (قُطِعَ) بضمِّ القاف وكسر الطَّاء المهملة، أي: أفرد (عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ) بفتح الموحَّدة وسكون العين المهملة: جيشٌ منهم ومن (٤) غيرهم للغزو؛ ليقاتلوا أهل الشَّام في خلافة عبد الله بن الزُّبير على مكَّة (فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ) في البعث، و «اكْتُتِبْتُ» بضمِّ الفوقيَّة، مبنيًّا للمفعول (فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (فَأَخْبَرْتُهُ): أنِّي اكتتبت في ذلك البعث (فَنَهَانِي) عن ذلك (أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ) : (أَنَّ أُنَاسًا) بالهمزة (مِنَ المُسْلِمِينَ) منهم عمرو بن أميَّة بن خلفٍ، والحارث بن زَمْعة (٥) وغيرهما ممَّا ذكرته في «تفسير سورة النِّساء» [خ¦٤٥٦٩] (كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ، فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى) -بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الميم- به، قيل: هو من المقلوب، أي: فيُرمى بالسَّهم فيأتي، ويُحتَمل أن تكون الفاء الثَّانية زائدةً؛ كما في «سورة النِّساء» [خ¦٤٥٦٩] فيأتي السَّهم يُرمَى به (فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ) وقوله: «أو يضربه» عطفٌ على «فيأتي»، لا على «فيصيب»، والمعنى: يقتل إمَّا بالسَّهم، وإمَّا بضرب السَّيف ظالمًا؛ بسبب تكثيره سواد الكفَّار، وإنَّما كانوا يخرجون مع المشركين لا لقصد قتال المسلمين، بل لإيهام كثرتهم في عيون المسلمين؛ فلذا حصلت لهم المؤاخذة، فرأى عكرمة أنَّ من خرج في جيشٍ يقاتلون المسلمين يأثم وإن لم يقاتل، ولا نوى ذلك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]) بخروجهم (٦) مع المشركين، وتكثير (٧) سوادهم حتَّى قُتِلوا معهم، وهذا الحديث -كما قاله مغلطاي المصريُّ فيما نقله في «الكواكب» - مرفوعٌ؛ لأنَّ تفسير

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الرّفْع وَلَا يجوز ذَلِك إلَاّ إِذا جعل أَن مُخَفّفَة من المثقلة. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الْمَعْنى إِذا لم يكن فِي الأَرْض خَليفَة فَعَلَيْك بالعزلة وَالصَّبْر على تحمل شدَّة الزَّمَان، وعض أصل الشَّجَرَة كِنَايَة عَن مكايدة الْمَشَقَّة، كَقَوْلِهِم: فلَان يعَض الْحِجَارَة من شدَّة الْأَلَم، أَو المُرَاد اللُّزُوم كَقَوْلِه فِي الحَدِيث الآخر: عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ. قَوْله: وَأَنت على ذَلِك أَي: على العض الَّذِي هُوَ كِنَايَة عَن لُزُوم جمَاعَة الْمُسلمين وإطاعة سلاطينهم وَلَو جاروا.

وَفِيه: حجَّة لجَماعَة الْفُقَهَاء فِي وجوب لُزُوم جمَاعَة الْمُسلمين وَترك الْقيام على أَئِمَّة الْحق لِأَنَّهُ أَمر بذلك وَلم يَأْمر بتفريق كلمتهم وشق عصاهم.

وَاخْتلفُوا فِي صفة الْأَمر بذلك، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ أَمر إِيجَاب بِلُزُوم الْجَمَاعَة وَهِي السوَاد الْأَعْظَم، وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَة ابْن مَاجَه من حَدِيث أنس مَرْفُوعا: إِن بني إِسْرَائِيل افْتَرَقت على إِحْدَى وَسبعين فرقة، وَإِن أمتِي سَتَفْتَرِقُ على ثِنْتَيْنِ وَسبعين فرقة، كلهَا فِي النَّار إلَاّ وَاحِدَة وَهِي الْجَمَاعَة، وَقَالَ آخَرُونَ: الْجَمَاعَة الَّتِي أَمر الشَّارِع بلزومها هِيَ جمَاعَة الْعلمَاء، لِأَن الله عز وَجل جعلهم حجَّة على خلقه وإليهم تفزع الْعَامَّة فِي دينهَا وهم تبع لَهَا وهم المعنيون بقوله: إِن الله لن يجمع أمتِي على ضَلَالَة. وَقَالَ آخَرُونَ: هم جمَاعَة الصَّحَابَة الَّذين قَامُوا بِالدّينِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهَا جمَاعَة أهل الْإِسْلَام مَا داموا مُجْتَمعين على أَمر وَاجِب على أهل الْملَل، فَإِذا كَانَ فيهم مُخَالف مِنْهُم فليسوا مُجْتَمعين. وَقَالَ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن أَحْمد بن إِسْحَاق التسترِي فِي كِتَابه افْتِرَاق الْأمة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فرقة، والخوارج خمس عشرَة فرقة، والشيعة ثَلَاث وَثَلَاثُونَ، والمعتزلة سِتَّة، والمرجئة اثْنَا عشر، والمشبهة ثَلَاثَة، والجهمية فرقة وَاحِدَة، والضرارية وَاحِدَة، والكلابية وَاحِدَة، وأصول الْفرق عشرَة أهل السّنة والخوارج والشيعة والجهمية والضرارية والمرجئة والنجارية والكلابية والمعتزلة والمشبهة، وَذكر أَبُو الْقَاسِم الفوراني فِي كِتَابه فرق الْفرق إِن غير الإسلاميين: الدهرية والهيولي أَصْحَاب العناصر الثنوية والديصانية والمانوية والطبائعية والفلكية والقرامطة.

١٢ - (بابُ مَنْ كَرِه أنْ يُكَثِّرَ سَوادَ الفِتَنِ والظُّلْمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من كره أَن يكثر من الْإِكْثَار أَو من التكثير. قَوْله: سَواد الْفِتَن وَالظُّلم أَي: أهلهما، والسواد بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو الْأَشْخَاص.

٧٠٨٥ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ يَزِيدَ، حَدثنَا حَيْوَةُ وغَيْرُهُ قَالَا: حدّثنا أبُو الأسْوَدِ. وَقَالَ اللّيْثُ: عنْ أبي الأسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلى أهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ فاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فأخْبَرْتُهُ، فَنَهاني أشَدَّ النَّهْي ثُمَّ قَالَ: أخبرَني ابنُ عبَّاسٍ أنَّ أُناساً مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المْشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَ المُشْرِكِينَ عَلى رسولِ الله فَيأتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ فأنْزَلَ الله تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْو اْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً}

انْظُر الحَدِيث ٤٥٩٦

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة الْمقري، وحيوة بن شُرَيْح التجِيبِي.

والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير عَن عبد الله بن يزِيد أَيْضا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن زَكَرِيَّا بن يحيى.

وَأَبُو الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرحمان الْأَسدي يَتِيم عُرْوَة بن الزبير. قَوْله: وَغَيره قَالَ صَاحب التَّوْضِيح قيل: المُرَاد بِهِ ابْن لَهِيعَة، وَقيل: كَأَنَّهُ يُرِيد ابْن لَهِيعَة فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن أبي الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرحمان وَقد رَوَاهُ عَنهُ اللَّيْث أَيْضا وَقَالَ الْكرْمَانِي ويروى: وَعَبدَة ضد الْحرَّة وَالْأول أصح. قَوْله: قطع على أهل الْمَدِينَة بعث أَي أفرد عَلَيْهِم بعث بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ الْجَيْش، وَمِنْه كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يقطع بعثاً. قَالَ ابْن الْأَثِير: أَي يفرد قوما يَبْعَثهُم فِي الْغَزْو ويعينهم من غَيرهم. قَوْله: فاكتتبت فِيهِ على صِيغَة الْمَجْهُول. قَالَ الْكرْمَانِي: وبالمعروف يُقَال: اكتتبت أَي: كتبت نَفسِي فِي ديوَان السُّلْطَان. قَوْله: يكثرون من الْإِكْثَار أَو التكثير. قَوْله: فَيرمى أَي: فَيرمى بِهِ، ويروى كَذَلِك، قيل: هُوَ من الْقلب وَالتَّقْدِير

فَيرمى بِالسَّهْمِ فَيَأْتِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات لفظ: فَيرمى، مَفْقُود وَهُوَ ظَاهر، وَقيل: يحْتَمل أَن تكون الْفَاء الثَّانِيَة زَائِدَة وَثَبت كَذَلِك لأبي ذَر فِي سُورَة النِّسَاء فَيَأْتِي السهْم يرْمى بِهِ. قَوْله: أَو يضْربهُ مَعْطُوف على فَيَأْتِي لَا على فَيُصِيب أَي: يقتل إِمَّا بِالسَّهْمِ وَإِمَّا بِالسَّيْفِ. قَوْله فَأنْزل الله تَعَالَى: {إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي أنفسهم}

١٣ - (بابٌ إذَا بَقِيَ فِي حُثالَةٍ مِنَ النَّاسِ)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ، إِذا بَقِي مُسلم فِي حثالة من النَّاس، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَهِي رَدِيء كل شَيْء وَمَا لَا خير فِيهِ. وَجَوَاب: إِذا، مُقَدّر وَهُوَ: مَاذَا يصنع؟ قيل: هَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه الطَّبَرِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان من طَرِيق الْعَلَاء بن عبد الرحمان بن يَعْقُوب عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: كَيفَ بك يَا عبد الله بن عَمْرو إِذا بقيت فِي حثالة من النَّاس قد مرجت عهودهم وأماناتهم وَاخْتلفُوا فصاروا هَكَذَا؟ وَشَبك بَين أَصَابِعه. قَالَ: فَمَا تَأْمُرنِي؟ قَالَ: عَلَيْك بخاصتك ودع عَنْك عوامهم وَقَالَ ابْن بطال: أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى هَذَا الحَدِيث وَلم يُخرجهُ لِأَن الْعَلَاء لَيْسَ من شَرطه فَأدْخل مَعْنَاهُ فِي حَدِيث حُذَيْفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

٧٠٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنَا، سُفْيانُ، حدّثنا الأعمَشُ، عنْ زَيْدِ بنِ وهْبٍ، حَدثنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدثنَا رسولُ الله حَدِيثَيْن رأيْتُ أحَدَهُما وَأَنا أنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدثنَا: أنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ، ثُمَّ علِمُوا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِن السُّنةِ. وَحدثنَا عنْ رفْعِها. قَالَ: يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أثَرُها مِثْلَ أثَرِ الوَكْتِ، ثمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى فِيها أثَرُها مِثْلَ أثَرِ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجتَهُ عَلى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَراهُ مُنْتَبِراً ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبَحُ النّاسُ يَتَبايَعُونَ فَلا يَكادُ أحَدٌ يُؤَدِّي الأمانَةَ، فَيُقالُ: إنَّ فِي بَني فُلانٍ رجُلاً أمِيناً، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: مَا أعْقَلَهُ وَمَا أظْرَفَهُ وَمَا أجْلَدَهُ؟ وَمَا فِي قلْبِهِ مِثْقالُ حبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ، ولَقَدْ أتَى عَليَّ زَمانٌ وَلَا أُبالي أيَّكُمْ بايَعْتُ، لَئنْ كانَ مُسْلِماً رَدَّهُ عَليَّ الإسْلَامُ، وإنْ كانَ نَصْرانِيّاً ردَّهُ عَليَّ ساعِيهِ، وأمَّا اليوْمَ فَما كُنْتُ أُبايِعُ إلاّ فُلَاناً وفُلَاناً

انْظُر الحَدِيث ٦٤٩٧ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ. وَقد ذكرنَا أَن ابْن بطال قَالَ: أَدخل البُخَارِيّ معنى حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن فِي حَدِيث حُذَيْفَة. وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه سنداً ومتناً مضى فِي كتاب الرقَاق فِي بَاب رفع الْأَمَانَة، فَرَاجعه لِأَن الْكَلَام فِيهِ قد بسطناه.

قَوْله: وَحدثنَا عَن رَفعهَا هُوَ الحَدِيث الثَّانِي، وَفِيه علم من أَعْلَام نبوته لِأَن فِيهِ الْإِخْبَار عَن فَسَاد أَدْيَان النَّاس وَقلة أمانتهم فِي آخر الزَّمَان، والجذر بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة: الأَصْل أَي: كَانَت لَهُم بِحَسب الْفطْرَة وحصلت لَهُم بِالْكَسْبِ من الشَّرِيعَة. والوكت، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْكَاف وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق: الْأَثر الْيَسِير، وَقيل: السوَاد، وَقيل: اللَّوْن الْمُخَالف للون الَّذِي قبله والمجل بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفتحهَا: هُوَ التنفط الَّذِي يحصل فِي الْيَد من الْعَمَل، ونفط بِكَسْر الْفَاء وَلم يؤنث الضَّمِير بِاعْتِبَار الْعُضْو. ومنتبراً مفتعلاً من الانتبار وَهُوَ الِارْتفَاع، وَمِنْه: الْمِنْبَر وَالْأَمَانَة ضد الْخِيَانَة، وَقيل: هِيَ التكاليف الإلاهية. وَمعنى الْمُبَايعَة هُنَا البيع وَالشِّرَاء أَي: كنت أعلم أَن الْأَمَانَة فِي النَّاس فَكيف أقدم على مُعَاملَة من اتّفق غير مبال بِحَالهِ وثوقاً بأمانته أَو أَمَانَة الْحَاكِم عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِن كَانَ مُسلما فدينه يمنعهُ من الْخِيَانَة ويحمله

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله وبحمده