«حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٨٦

الحديث رقم ٧٠٨٦ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا بقي في حثالة من الناس.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، رأيت أحدهما وأنا…

«حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ: حَدَّثَنَا: أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ. وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى فِيهَا أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ». وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ، وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ: فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا.

سند حديث: ٧٠٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ…

٧٠٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، رأيت أحدهما وأنا…

يوضح الحديث أنَّ الأمانة تزول عن القلوب شيئاً فشيئا، فإذا زال أول جزء منها زال نوره وخلفه ظلمة كالوَكْت وهو أعراض لون مخالف اللون الذي قبله، فإذا زال شيء آخر صار كالمجل وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذه الظلمة فوق التي قبلها ثم شبَّه زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إيَّاه بجمر يدحرجه على رجله حتى يؤثر فيها ثم يزول الجمر ويبقى النفط؛ وأخذه الحصاة ودحرجته إياها أراد به زيادة البيان والإيضاح.
(فيصبح الناس) بعد تلك النومة التي رفع فيها الأمانة (يتبايعون فلا يكاد) أي: يقارب (أحد) منهم (يؤدي الأمانة) فضلاً عن أدائها بالفعل.
(حتى يقال) لعزة هذا الوصف وشهرة ما يتصف به.
(إن في بني فلان رجلاً أميناً) ذا أمانة.
(حتى يقال للرجل ما أجلده) على العمل (ما أظرفه) من الظرف (ما أعقله) أي: ما أشد يقظته وفطانته (وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان) فضلاً عن الأمانة التي هي من شعبه.
(ولقد أتى عليّ زمان وما أبالي أيكم بايعت) أي: لا أبالي بالذي بايعته لعلمي بأن الأمانة لم ترتفع وأن في الناس وفاء بالعهد، فكنت أقدم على مبايعة من لقيت غير باحث عن حاله وثوقاً بالناس وأمانتهم.
(وأما اليوم) فقد ذهبت الأمانة إلا القليل فلذا قال:
(فما كنت أبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً) يعني أفراداً أعرفهم وأثق بهم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • عمق التصور الإسلامي للإصلاح الخُلُقي، حيث تجاوز الطرح الإسلامي للإصلاح الخُلُقي المرئيات إلى اللُّباب وسرائر النفوس.
  • تَعدِّي منَافع التَمَسُّك بالأخلاق الإسلامية الدارين= الدنيا والآخرة.
  • أنَّ الأمانة وهي المحافظة على التكاليف الشرعية، والصدق في المعاملة، وأداء الحقوق لأصحابها، سترتفع من بين الناس شيئا فشيئا لسوء أفعالهم.
  • أنَّه كلما زال شيء من الأمانة زال مع ذلك نوره وخلفه ظلمة، حتى لا يكاد يبقى من يتعامل بالأمانة.
  • الحديث من أعلام نبوَّته -صلى الله عليه وسلم-، فقد زالت الأمانة إلا ما قل منها من الصدور، وارتفعت من التعامل إلا في القليل من الناس.
  • أن هذا الحديث أصل في بيان فقه الأخلاق الإسلامية.
  • شمولية الأخلاق في الإسلام، حيث شملت الحيوان والنبات.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، رأيت أحدهما وأنا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كَانَ شَرِيكَ مَنْ عَمِلَ بِهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَفِيهِ قِصَّةٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِي الزُّهْدِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَيْوَةُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْوَاوِ بَيْنَهُمَا يَاءُ آخِرِ الْحُرُوفِ سَاكِنَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهُ) كَأَنَّهُ يُرِيدُ ابْنَ لَهِيعَةَ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيْضًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا اللَّيْثُ، لَكِنْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ سُوَرةِ النِّسَاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ شَيْخِهِ فِيهِ هُنَا بِسَنَدِهِ هَذَا، وَقَالَ بَعْدَهُ: رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ. وَقَدْ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عِكْرِمَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ دُونَ الْقِصَّةِ، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ إِلَّا اللَّيْثُ، وَابْنُ لَهِيعَةَ. قُلْتُ: وَوَهِمَ فِي هَذَا الْحَصْرِ لِوُجُودِ رِوَايَةِ حَيْوَةَ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ حَيْوَةَ وَحْدَهُ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَنْ وَصَلَ رِوَايَةَ ابْنِ لَهِيعَةَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ: (فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ) قِيلَ: هُوَ مِنَ الْقَلْبِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَيُرْمَى بِالسَّهْمِ فَيَأْتِي. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ الثَّانِيَةُ زَائِدَةً، وَثَبَتَ كَذَلِكَ لِأَبِي ذَرٍّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: فَيَأْتِي السَّهْمُ يَرْمِي بِهِ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ يَضْرِبُهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى: فَيَأْتِي، لَا عَلَى: فَيُصِيبُ؛ أَيْ يَقْتُلُ إِمَّا بِالسَّهْمِ، وَإِمَّا بِالسَّيْفِ.

وَفِيهِ تَخْطِئَةُ مَنْ يُقِيمُ بَيْنَ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ بِاخْتِيَارِهِ لَا لِقَصْدٍ صَحِيحٍ مِنْ إِنْكَارٍ عَلَيْهِمْ مَثَلًا أَوْ رَجَاءِ إِنْقَاذِ مُسْلِمٍ مِنْ هَلَكَةٍ، وَأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى التَّحَوُّلِ عَنْهُمْ لَا يُعْذَرُ كَمَا وَقَعَ لِلَّذِينَ كَانُوا أَسْلَمُوا وَمَنَعَهُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِهِمْ مِنَ الْهِجْرَةِ ثُمَّ كَانُوا يَخْرُجُونَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ لَا لِقَصْدِ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ لِإِيهَامِ كَثْرَتِهِمْ فِي عُيُونِ الْمُسْلِمِينَ فَحَصَلَتْ لَهُمُ الْمُؤَاخَذَةُ بِذَلِكَ، فَرَأَى عِكْرِمَةُ أَنَّ مَنْ خَرَجَ فِي جَيْشٍ يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ يَأْثَمُ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ وَلَا نَوَى ذَلِكَ ; وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ فِي عَكْسِهِ بِحَدِيثِ: هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ، كَمَا مَضَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.

١٣ - بَاب إِذَا بَقِيَ فِي حُثَالَةٍ مِنْ النَّاسِ

٧٠٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ؛ حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ، وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى فِيهَا أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا! وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا بَقِيَ)؛ أَيِ الْمُسْلِمُ (فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ)؛ أَيْ: مَاذَا يَصْنَعُ؟ وَالْحُثَالَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَلَّثَةِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ

الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : كَيْفَ بِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَصَارُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. قَالَ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِخَاصَّتِكَ، وَدَعْ عَنْكَ عَوَامَّهُمْ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يُخَرِّجْهُ لِأَنَّ الْعَلَاءَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ فَأَدْخَلَ مَعْنَاهُ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ.

قُلْتُ: يَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي قِلَّةِ الْأَمَانَةِ وَعَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَشِدَّةِ الِاخْتِلَافِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْآخَرِ، وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَخِيهِ وَاقِدٍ، وَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ وَاقِدٍ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ إِلَى هُنَا انْتَهَى مَا فِي الْبُخَارِيِّ، وَبَقِيَّتُهُ عِنْدَ حَنْبَلٍ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ سَوَاءٌ، وَزَادَ: قَالَ: فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ بِمَا تَعْرِفُ وَتَدَعُ مَا تُنْكِرُ، وَتُقْبِلُ عَلَى خَاصَّتِكَ وَتَدَعُ عَوَامَّهُمْ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَفْسِهِ مِنْ طُرُقٍ بَعْضُهَا صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ: قَالُوا: كَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِلْبَاءَ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَمَدٌّ - رَفَعَهُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى حُثَالَةِ النَّاسِ الْحَدِيثَ.

وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَابْنَاهُ، فَقَالَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَزَادَ: وَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَدِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ فِي بَابِ رَفْعِ الْأَمَانَةِ وَأَنَّ الْجِذْرَ الْأَصْلُ وَتُفْتَحُ جِيمُهُ وَتُكْسَرُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِإِعَادَةِ ثُمَّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمُوا السُّنَنَ، وَالْمُرَادُ بِالسُّنَنِ مَا يَتَلَقَّوْنَهُ عَنِ النَّبِيِّ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا.

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا) هَذَا هُوَ الْحَدِيثُ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَ حُذَيْفَةُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُهُ وَهُوَ رَفْعُ الْأَمَانَةِ أَصْلًا حَتَّى لَا يَبْقَى مَنْ يُوصَفُ بِالْأَمَانَةِ إِلَّا النَّادِرَ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ مَنْ يُنْسَبُ لِلْأَمَانَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالِ الْأَوَّلِينَ، فَالَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: مَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا هُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَخِيرِ الَّذِي أَدْرَكَهُ، وَالْأَمَانَةُ فِيهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَصْرِ الْأَوَّلِ أَقَلُّ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْتَظِرُهُ فَإِنَّهُ حَيْثُ تُفْقَدُ الْأَمَانَةُ مِنَ الْجَمِيعِ إِلَّا النَّادِرَ.

قَوْلُهُ: (فَيَظَلُّ أَثَرُهَا)؛ أَيْ: يَصِيرُ، وَأَصْلُ ظَلَّ مَا عُمِلَ بِالنَّهَارِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ وَقْتٍ، وَهِيَ هُنَا عَلَى بَابِهَا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَالَةَ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَ النَّوْمِ وَهِيَ غَالِبًا تَقَعُ عِنْدَ الصُّبْحِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَمَانَةَ تَذْهَبُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا إِلَّا الْأَثَرُ الْمَوْصُوفُ فِي الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (مِثْلُ أَثَرِ الْوَكْتِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْكَافِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي الرِّقَاقِ وَأَنَّهُ سَوَادٌ فِي اللَّوْنِ، وَكَذَا الْمَجْلُ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ - أَثَرُ الْعَمَلِ فِي الْيَدِ.

قَوْلُهُ: (فَنَفِطَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ بَعْدَ النُّونَ الْمَفْتُوحَةِ؛ أَيْ صَارَ مُنْتَفِطًا، وَهُوَ الْمُنْتَبِرُ - بِنُونٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ - يُقَالُ: انْتَبَرَ الْجَرْحُ وَانْتَفَطَ؛ إِذَا وَرِمَ وَامْتَلَأَ مَاءً. وَحَاصِلُ الْخَبَرِ أَنَّهُ أَنْذَرَ بِرَفْعِ الْأَمَانَةِ وَأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالْأَمَانَةِ يُسْلَبُهَا حَتَّى يَصِيرَ خَائِنًا بَعْدَ أَنْ كَانَ أَمِينًا، وَهَذَا إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَا هُوَ شَاهِدٌ لِمَنْ خَالَطَ أَهْلَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ خَائِنًا لِأَنَّ الْقَرِينَ يَقْتَدِي بِقَرِينِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ. . . إِلَخْ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّ حَالَ الْأَمَانَةِ أُخِذَ فِي النَّقْصِ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَكَانَتْ وَفَاةُ حُذَيْفَةَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بَعْدَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الصَّحابيِّ إذا كان مُسنَدًا إلى نزول آيةٍ؛ فهو مرفوعٌ اصطلاحًا، وعند أبي يَعلى من حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «من كثَّر سواد قومٍ فهو منهم، ومن رضي عمل قومٍ كان شريكَ من عمل به»، فمن جالس أهل الفسق مثلًا كارهًا لهم ولعملهم، ولم يستطع مفارقتهم؛ خوفًا على نفسه أو لعذر منعه؛ فيُرجَى له النَّجاة من إثم ذلك بذلك.

والحديث مرَّ في «التَّفسير» [خ¦٤٥٩٦]، وأخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير» أيضًا.

(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (إِذَا بَقِيَ) المسلم (فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ) بضمِّ الحاء المهملة بعدها مثلَّثةٌ خفيفةٌ فألفٌ فلامٌ فهاء تأنيثٍ: الذين (١) لا خير فيهم، وجواب «إذا» محذوفٌ، أي: ماذا يصنع؟

٧٠٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان الكوفيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) بفتح الواو وسكون الهاء، الجهنيِّ قال: (حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ) بن اليمان (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ حَدِيثَيْنِ) في ذكر الأمانة ورفعها (رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا) (٢) : (أَنَّ

الأَمَانَةَ) المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وهي عين الإيمان، أو كلُّ ما يخفى ولا يعلمه إلَّا الله من المكلَّف، أو المراد بها: التَّكليف الذي كلَّف الله تعالى به عباده، أو العهد الذي أخذه (١) عليهم (نَزَلَتْ فِي جَِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) بفتح الجيم وكسرها لغتان، وسكون الذَّال المعجمة بعدها راءٌ: في أصل قلوبهم (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ) بفتح العين وكسر اللَّام مخفَّفةً، بعد نزولها في أصل قلوبهم (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) كذا بإعادة «ثُمَّ»؛ يعني: أنَّ الأمانة لهم بحسب الفطرة، ثمَّ بطريق الكسب من الشَّريعة، وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يتعلَّمون القرآن قبل أن يتعلَّموا السُّنَّة (وَحَدَّثَنَا) صلوات الله وسلامه عليه (عَنْ رَفْعِهَا) عن ذهابها أصلًا حتَّى لا يبقى من يُوصَف بالأمانة، وهذا هو الحديث الثَّاني الذي ذكر حذيفة أنَّه ينتظره (قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون القاف وفتح الموحَّدة (فَيَظَلُّ أَثَرُهَا) بالظَّاء المعجمة (مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ) بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ: سوادٌ في اللَّون، يقال: وكت البُسْر؛ إذا بدت فيه نقطة الإرطاب (ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ) أي: الأمانة من قلبه (فَيَبْقَى فِيهَا) وسقط قوله «فيها» لابن عساكر (أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ المَجَْلِ) بفتح الميم وسكون الجيم وقد تُفْتَح، بعدها لامٌ: غلظ الجلد من أثر العمل (كَجَمْرٍ) بالجيم المفتوحة والميم السَّاكنة (دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ) بكسر الفاء بعد النُّون المفتوحة (فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا) بضمِّ الميم وسكون النُّون وفتح الفوقيَّة وكسر المُوحَّدة: مُنتفِخًا (٢) (وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ) وقال: «فنَفِطَ» بالتَّذكير، ولم يقل: فنفطت؛ باعتبار العضو (وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ) السِّلع ونحوها بأن يشتريها أحدهم (٣) من الآخر (فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ) لأنَّ من كان موصوفًا بالأمانة؛ سُلِبها حتَّى صار خائنًا (فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ!) بالعين المهملة والقاف (وَمَا أَظْرَفَهُ!) بالظَّاء المعجمة (وَمَا أَجْلَدَهُ!) بالجيم (وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ (٤) حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيْمَانٍ) وإنَّما ذكر الإيمان؛ لأنَّ الأمانة لازمةٌ له، لا أنَّ (٥) الأمانة هي الإيمان.

قال حذيفة : (وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ) بتشديد الياء (زَمَانٌ) كنت أعلم فيه أنَّ الأمانة موجودةٌ في النَّاس (وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ؟) أي: بعت واشتريت (١) غير مُبالٍ بحاله (لَئِنْ) بفتح اللَّام وكسر الهمزة (كَانَ مُسْلِمًا؛ رَدَّهُ عَلَيَّ الإِسْلَامُ) بتشديد التَّحتيَّة من «عليَّ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إسلامه» فلا يخونني (٢)، بل يحمله إسلامه على أداء الأمانة، فأنا واثقٌ (٣) بأمانته (وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا) أو يهوديًّا (رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ) الذي أُقيم عليه؛ فهو يقوم بولايته، ويَستخرج منه حقِّي (وَأَمَّا اليَوْمَ) فقد ذهبت الأمانة، وظهرت الخيانة، فلست أثق بأحدٍ في بيعٍ ولا شراءٍ (فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا) أي: أفرادًا من النَّاس قلائل ممَّن أثق بهم (٤)، فكان يثق بالمسلم لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه؛ وهو الحاكم الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كلِّ عملٍ قلَّ أو جلَّ إلَّا المسلم، فكان واثقًا بإنصافه وتخليصه حقَّه من الكافر إن خانه، بخلاف الوقت الأخير، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ حال الأمانة أخذ في النَّقص من ذلك الزَّمان، وكانت وفاة حذيفة أوَّل (٥) سنة ستٍّ وثلاثين بعد قتل عثمان بقليلٍ، فأدرك بعض الزَّمن الذي وقع فيه التَّغيير.

وهذا الحديث سبق بعينه سندًا ومتنًا في: «باب رفع الأمانة» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٤٩٧].

(١٤) (باب التَّعَرُّبِ) بفتح العين المهملة وضمِّ الرَّاء المشدَّدة، بعدها مُوحَّدةٌ: الإقامة بالبادية، والتَّكلُّف في صيرورته أعرابيًّا، ولأبي ذرٍّ: «التَّغرُّب» بالغين المعجمة (فِي الفِتْنَةِ) ولكريمة: «التَّعزُّب» بالعين المهملة والزَّاي؛ ومعناه: يعزب عن الجماعات والجهات، ويسكن البادية، قال صاحب «المطالع»: وجدته بخطِّي في «البخاريِّ» بالزَّاي، وأخشى أن يكون وهمًا.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَيرمى بِالسَّهْمِ فَيَأْتِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات لفظ: فَيرمى، مَفْقُود وَهُوَ ظَاهر، وَقيل: يحْتَمل أَن تكون الْفَاء الثَّانِيَة زَائِدَة وَثَبت كَذَلِك لأبي ذَر فِي سُورَة النِّسَاء فَيَأْتِي السهْم يرْمى بِهِ. قَوْله: أَو يضْربهُ مَعْطُوف على فَيَأْتِي لَا على فَيُصِيب أَي: يقتل إِمَّا بِالسَّهْمِ وَإِمَّا بِالسَّيْفِ. قَوْله فَأنْزل الله تَعَالَى: {إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي أنفسهم}

١٣ - (بابٌ إذَا بَقِيَ فِي حُثالَةٍ مِنَ النَّاسِ)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ، إِذا بَقِي مُسلم فِي حثالة من النَّاس، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَهِي رَدِيء كل شَيْء وَمَا لَا خير فِيهِ. وَجَوَاب: إِذا، مُقَدّر وَهُوَ: مَاذَا يصنع؟ قيل: هَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه الطَّبَرِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان من طَرِيق الْعَلَاء بن عبد الرحمان بن يَعْقُوب عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: كَيفَ بك يَا عبد الله بن عَمْرو إِذا بقيت فِي حثالة من النَّاس قد مرجت عهودهم وأماناتهم وَاخْتلفُوا فصاروا هَكَذَا؟ وَشَبك بَين أَصَابِعه. قَالَ: فَمَا تَأْمُرنِي؟ قَالَ: عَلَيْك بخاصتك ودع عَنْك عوامهم وَقَالَ ابْن بطال: أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى هَذَا الحَدِيث وَلم يُخرجهُ لِأَن الْعَلَاء لَيْسَ من شَرطه فَأدْخل مَعْنَاهُ فِي حَدِيث حُذَيْفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

٧٠٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنَا، سُفْيانُ، حدّثنا الأعمَشُ، عنْ زَيْدِ بنِ وهْبٍ، حَدثنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدثنَا رسولُ الله حَدِيثَيْن رأيْتُ أحَدَهُما وَأَنا أنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدثنَا: أنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ، ثُمَّ علِمُوا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِن السُّنةِ. وَحدثنَا عنْ رفْعِها. قَالَ: يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أثَرُها مِثْلَ أثَرِ الوَكْتِ، ثمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى فِيها أثَرُها مِثْلَ أثَرِ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجتَهُ عَلى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَراهُ مُنْتَبِراً ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبَحُ النّاسُ يَتَبايَعُونَ فَلا يَكادُ أحَدٌ يُؤَدِّي الأمانَةَ، فَيُقالُ: إنَّ فِي بَني فُلانٍ رجُلاً أمِيناً، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: مَا أعْقَلَهُ وَمَا أظْرَفَهُ وَمَا أجْلَدَهُ؟ وَمَا فِي قلْبِهِ مِثْقالُ حبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ، ولَقَدْ أتَى عَليَّ زَمانٌ وَلَا أُبالي أيَّكُمْ بايَعْتُ، لَئنْ كانَ مُسْلِماً رَدَّهُ عَليَّ الإسْلَامُ، وإنْ كانَ نَصْرانِيّاً ردَّهُ عَليَّ ساعِيهِ، وأمَّا اليوْمَ فَما كُنْتُ أُبايِعُ إلاّ فُلَاناً وفُلَاناً

انْظُر الحَدِيث ٦٤٩٧ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ. وَقد ذكرنَا أَن ابْن بطال قَالَ: أَدخل البُخَارِيّ معنى حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن فِي حَدِيث حُذَيْفَة. وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه سنداً ومتناً مضى فِي كتاب الرقَاق فِي بَاب رفع الْأَمَانَة، فَرَاجعه لِأَن الْكَلَام فِيهِ قد بسطناه.

قَوْله: وَحدثنَا عَن رَفعهَا هُوَ الحَدِيث الثَّانِي، وَفِيه علم من أَعْلَام نبوته لِأَن فِيهِ الْإِخْبَار عَن فَسَاد أَدْيَان النَّاس وَقلة أمانتهم فِي آخر الزَّمَان، والجذر بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة: الأَصْل أَي: كَانَت لَهُم بِحَسب الْفطْرَة وحصلت لَهُم بِالْكَسْبِ من الشَّرِيعَة. والوكت، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْكَاف وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق: الْأَثر الْيَسِير، وَقيل: السوَاد، وَقيل: اللَّوْن الْمُخَالف للون الَّذِي قبله والمجل بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفتحهَا: هُوَ التنفط الَّذِي يحصل فِي الْيَد من الْعَمَل، ونفط بِكَسْر الْفَاء وَلم يؤنث الضَّمِير بِاعْتِبَار الْعُضْو. ومنتبراً مفتعلاً من الانتبار وَهُوَ الِارْتفَاع، وَمِنْه: الْمِنْبَر وَالْأَمَانَة ضد الْخِيَانَة، وَقيل: هِيَ التكاليف الإلاهية. وَمعنى الْمُبَايعَة هُنَا البيع وَالشِّرَاء أَي: كنت أعلم أَن الْأَمَانَة فِي النَّاس فَكيف أقدم على مُعَاملَة من اتّفق غير مبال بِحَالهِ وثوقاً بأمانته أَو أَمَانَة الْحَاكِم عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِن كَانَ مُسلما فدينه يمنعهُ من الْخِيَانَة ويحمله

على أَدَائِهَا، وَإِن كَانَ كَافِرًا وَذكر النَّصْرَانِي على سَبِيل التَّمْثِيل فساعيه أَي الْمولى عَلَيْهِ يقوم بالأمانة فِي ولَايَته فينصفني ويستخرج حَقي مِنْهُ، وَأما الْيَوْم فقد ذهبت الْأَمَانَة فلست أَثِق الْيَوْم بِأحد أئتمنه على بيع أَو شِرَاء إلَاّ فلَانا وَفُلَانًا يَعْنِي أفراداً من النَّاس قَلَائِل.

١٤ - (بابُ التَّعَرُّبِ فِي الفِتْنَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّعَرُّب بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالباء الْمُوَحدَة وَهُوَ الْإِقَامَة بالبادية والتكلف فِي صَيْرُورَته أَعْرَابِيًا، وَقيل: التَّعَرُّب السُّكْنَى مَعَ الْأَعْرَاب، وَهُوَ أَن ينْتَقل المُهَاجر من الْبَلَد الَّذِي هَاجر إِلَيْهِ فيسكن الْبَادِيَة فَيرجع بعد هجرته أَعْرَابِيًا، وَكَانَ ذَلِك محرما إلَاّ أَن يَأْذَن لَهُ الشَّارِع فِي ذَلِك، وَقَيده بالفتنة إِشَارَة إِلَى مَا ورد من الْإِذْن فِي ذَلِك عِنْد حُلُول الْفِتَن، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة: التعزب، بالزاي وَبَينهمَا عُمُوم وخصوص. وَقَالَ صَاحب الْمطَالع وجدته بِخَط البُخَارِيّ بالزاي، وأخشى أَن يكون وهما، فَإِن صَحَّ فَمَعْنَاه: الْبعد والاعتزال.

٧٠٨٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ، حَدثنَا حاتِمٌ عنْ يَزِيدَ بنِ أبي عُبَيْدٍ، عنْ سَلَمَة بنِ الأكْوَعِ أنَّهُ دَخَلَ عَلى الحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا ابنَ الأكوَعِ ارْتَدَدْتَ عَلى عَقِبَيْكَ؟ تَعَرَّبْتَ؟ قَالَ: لَا، ولَكِنَّ رسولَ الله أذِنَ لي فِي البَدوِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وحاتم بِالْحَاء الْمُهْملَة هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل الْكُوفِي، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد بِضَم الْعين مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي. وَالنَّسَائِيّ فِي الْبيعَة كِلَاهُمَا عَن قُتَيْبَة كالبخاري. قَوْله: على الْحجَّاج هُوَ ابْن يُوسُف الثَّقَفِيّ، وَذَلِكَ لما ولي الْحجَّاج إمرة الْحجاز بعد قتل ابْن الزبير فَسَار من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَسبعين، وَقيل: إِن سَلمَة مَاتَ فِي آخر خلَافَة مُعَاوِيَة سنة سِتِّينَ، وَلم يدْرك زمن إِمَارَة الْحجَّاج. قَوْله: ارتددت على عقبيك كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا جَاءَ من حَدِيث ابْن مَسْعُود أخرجه النَّسَائِيّ مَرْفُوعا: لعن الله آكل الرِّبَا وموكله ... الحَدِيث وَفِيه: وَالْمُرْتَدّ بعد هجرته إِلَى مَوْضِعه من غير عذر يعدونه كالمرتد. قَوْله: قَالَ لَا، أَي: لم أسكن الْبَادِيَة رُجُوعا عَن هجرتي. وَلَكِن بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف. قَوْله: فِي البدو أَي: فِي الْإِقَامَة فِيهِ، والبدو الْبَادِيَة.

وعنْ يَزِيدَ بنِ أبي عُبَيْدٍ قَالَ: لما قُتِلَ عُثْمانُ بنُ عَفّانَ خَرَجَ سَلمَةُ بنُ الأكْوَعِ إِلَى الرَّبَذةِ وتَزَوَّجَ هُناكَ امْرأةً وَوَلَدَتْ لهُ أوْلَاداً، فَلَمْ يَزَلْ بِها حتَّى أقْبَل قَبْلَ أنْ يَمُوتَ بِلَيالٍ فَنَزَلَ المَدِينَةَ.

هُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: إِلَى الربذَة، بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة مَوضِع بالبادية بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، قَالَه بَعضهم. قلت: الربذَة هِيَ الَّتِي جعلهَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حمى لإبل الصَّدَقَة، وَهِي بِالْقربِ من الْمَدِينَة على ثَلَاث مراحل مِنْهَا قريب من ذَات عرق. قَوْله: فَلم يزل بهَا وَفِي رِوَايَة الْكشميهني هُنَاكَ. قَوْله: فَنزل الْمَدِينَة هَكَذَا: فَنزل بِالْفَاءِ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا، نزل بِلَا فَاء، وَهَذَا يشْعر بِأَن سَلمَة لم يمت بالبادية كَمَا جزم بِهِ يحيى بن عبد الْوَهَّاب بن مندة فِي معرفَة الصَّحَابَة، وَقَالَ يحيى بن بكير وَغَيره: مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَسبعين وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة.

٧٠٨٨ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرنَا مالِكٌ، عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عبْدِ الله بنِ أبي صَعْصَعَةَ، عنْ أبِيهِ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، رَضِي الله عَنهُ، أنَّه قَالَ: قَالَ رسولُ الله يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرَ مالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بهَا سَعَفَ الْجبَال، ومَوَاقِعَ القَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث، وَتقدم فِي الْإِيمَان فِي: بَاب من الدّين الْفِرَار من الْفِتَن، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كَانَ شَرِيكَ مَنْ عَمِلَ بِهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَفِيهِ قِصَّةٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِي الزُّهْدِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَيْوَةُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْوَاوِ بَيْنَهُمَا يَاءُ آخِرِ الْحُرُوفِ سَاكِنَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهُ) كَأَنَّهُ يُرِيدُ ابْنَ لَهِيعَةَ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيْضًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا اللَّيْثُ، لَكِنْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ سُوَرةِ النِّسَاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ شَيْخِهِ فِيهِ هُنَا بِسَنَدِهِ هَذَا، وَقَالَ بَعْدَهُ: رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ. وَقَدْ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عِكْرِمَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ دُونَ الْقِصَّةِ، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ إِلَّا اللَّيْثُ، وَابْنُ لَهِيعَةَ. قُلْتُ: وَوَهِمَ فِي هَذَا الْحَصْرِ لِوُجُودِ رِوَايَةِ حَيْوَةَ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ حَيْوَةَ وَحْدَهُ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَنْ وَصَلَ رِوَايَةَ ابْنِ لَهِيعَةَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ: (فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ) قِيلَ: هُوَ مِنَ الْقَلْبِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَيُرْمَى بِالسَّهْمِ فَيَأْتِي. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ الثَّانِيَةُ زَائِدَةً، وَثَبَتَ كَذَلِكَ لِأَبِي ذَرٍّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: فَيَأْتِي السَّهْمُ يَرْمِي بِهِ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ يَضْرِبُهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى: فَيَأْتِي، لَا عَلَى: فَيُصِيبُ؛ أَيْ يَقْتُلُ إِمَّا بِالسَّهْمِ، وَإِمَّا بِالسَّيْفِ.

وَفِيهِ تَخْطِئَةُ مَنْ يُقِيمُ بَيْنَ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ بِاخْتِيَارِهِ لَا لِقَصْدٍ صَحِيحٍ مِنْ إِنْكَارٍ عَلَيْهِمْ مَثَلًا أَوْ رَجَاءِ إِنْقَاذِ مُسْلِمٍ مِنْ هَلَكَةٍ، وَأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى التَّحَوُّلِ عَنْهُمْ لَا يُعْذَرُ كَمَا وَقَعَ لِلَّذِينَ كَانُوا أَسْلَمُوا وَمَنَعَهُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِهِمْ مِنَ الْهِجْرَةِ ثُمَّ كَانُوا يَخْرُجُونَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ لَا لِقَصْدِ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ لِإِيهَامِ كَثْرَتِهِمْ فِي عُيُونِ الْمُسْلِمِينَ فَحَصَلَتْ لَهُمُ الْمُؤَاخَذَةُ بِذَلِكَ، فَرَأَى عِكْرِمَةُ أَنَّ مَنْ خَرَجَ فِي جَيْشٍ يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ يَأْثَمُ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ وَلَا نَوَى ذَلِكَ ; وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ فِي عَكْسِهِ بِحَدِيثِ: هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ، كَمَا مَضَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.

١٣ - بَاب إِذَا بَقِيَ فِي حُثَالَةٍ مِنْ النَّاسِ

٧٠٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ؛ حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ، وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى فِيهَا أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا! وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا بَقِيَ)؛ أَيِ الْمُسْلِمُ (فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ)؛ أَيْ: مَاذَا يَصْنَعُ؟ وَالْحُثَالَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَلَّثَةِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ

الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : كَيْفَ بِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَصَارُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. قَالَ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِخَاصَّتِكَ، وَدَعْ عَنْكَ عَوَامَّهُمْ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يُخَرِّجْهُ لِأَنَّ الْعَلَاءَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ فَأَدْخَلَ مَعْنَاهُ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ.

قُلْتُ: يَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي قِلَّةِ الْأَمَانَةِ وَعَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَشِدَّةِ الِاخْتِلَافِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْآخَرِ، وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَخِيهِ وَاقِدٍ، وَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ وَاقِدٍ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ إِلَى هُنَا انْتَهَى مَا فِي الْبُخَارِيِّ، وَبَقِيَّتُهُ عِنْدَ حَنْبَلٍ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ سَوَاءٌ، وَزَادَ: قَالَ: فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ بِمَا تَعْرِفُ وَتَدَعُ مَا تُنْكِرُ، وَتُقْبِلُ عَلَى خَاصَّتِكَ وَتَدَعُ عَوَامَّهُمْ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَفْسِهِ مِنْ طُرُقٍ بَعْضُهَا صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ: قَالُوا: كَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِلْبَاءَ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَمَدٌّ - رَفَعَهُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى حُثَالَةِ النَّاسِ الْحَدِيثَ.

وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَابْنَاهُ، فَقَالَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَزَادَ: وَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَدِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ فِي بَابِ رَفْعِ الْأَمَانَةِ وَأَنَّ الْجِذْرَ الْأَصْلُ وَتُفْتَحُ جِيمُهُ وَتُكْسَرُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِإِعَادَةِ ثُمَّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمُوا السُّنَنَ، وَالْمُرَادُ بِالسُّنَنِ مَا يَتَلَقَّوْنَهُ عَنِ النَّبِيِّ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا.

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا) هَذَا هُوَ الْحَدِيثُ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَ حُذَيْفَةُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُهُ وَهُوَ رَفْعُ الْأَمَانَةِ أَصْلًا حَتَّى لَا يَبْقَى مَنْ يُوصَفُ بِالْأَمَانَةِ إِلَّا النَّادِرَ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ مَنْ يُنْسَبُ لِلْأَمَانَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالِ الْأَوَّلِينَ، فَالَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: مَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا هُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَخِيرِ الَّذِي أَدْرَكَهُ، وَالْأَمَانَةُ فِيهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَصْرِ الْأَوَّلِ أَقَلُّ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْتَظِرُهُ فَإِنَّهُ حَيْثُ تُفْقَدُ الْأَمَانَةُ مِنَ الْجَمِيعِ إِلَّا النَّادِرَ.

قَوْلُهُ: (فَيَظَلُّ أَثَرُهَا)؛ أَيْ: يَصِيرُ، وَأَصْلُ ظَلَّ مَا عُمِلَ بِالنَّهَارِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ وَقْتٍ، وَهِيَ هُنَا عَلَى بَابِهَا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَالَةَ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَ النَّوْمِ وَهِيَ غَالِبًا تَقَعُ عِنْدَ الصُّبْحِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَمَانَةَ تَذْهَبُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا إِلَّا الْأَثَرُ الْمَوْصُوفُ فِي الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (مِثْلُ أَثَرِ الْوَكْتِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْكَافِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي الرِّقَاقِ وَأَنَّهُ سَوَادٌ فِي اللَّوْنِ، وَكَذَا الْمَجْلُ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ - أَثَرُ الْعَمَلِ فِي الْيَدِ.

قَوْلُهُ: (فَنَفِطَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ بَعْدَ النُّونَ الْمَفْتُوحَةِ؛ أَيْ صَارَ مُنْتَفِطًا، وَهُوَ الْمُنْتَبِرُ - بِنُونٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ - يُقَالُ: انْتَبَرَ الْجَرْحُ وَانْتَفَطَ؛ إِذَا وَرِمَ وَامْتَلَأَ مَاءً. وَحَاصِلُ الْخَبَرِ أَنَّهُ أَنْذَرَ بِرَفْعِ الْأَمَانَةِ وَأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالْأَمَانَةِ يُسْلَبُهَا حَتَّى يَصِيرَ خَائِنًا بَعْدَ أَنْ كَانَ أَمِينًا، وَهَذَا إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَا هُوَ شَاهِدٌ لِمَنْ خَالَطَ أَهْلَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ خَائِنًا لِأَنَّ الْقَرِينَ يَقْتَدِي بِقَرِينِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ. . . إِلَخْ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّ حَالَ الْأَمَانَةِ أُخِذَ فِي النَّقْصِ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَكَانَتْ وَفَاةُ حُذَيْفَةَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بَعْدَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الصَّحابيِّ إذا كان مُسنَدًا إلى نزول آيةٍ؛ فهو مرفوعٌ اصطلاحًا، وعند أبي يَعلى من حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «من كثَّر سواد قومٍ فهو منهم، ومن رضي عمل قومٍ كان شريكَ من عمل به»، فمن جالس أهل الفسق مثلًا كارهًا لهم ولعملهم، ولم يستطع مفارقتهم؛ خوفًا على نفسه أو لعذر منعه؛ فيُرجَى له النَّجاة من إثم ذلك بذلك.

والحديث مرَّ في «التَّفسير» [خ¦٤٥٩٦]، وأخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير» أيضًا.

(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (إِذَا بَقِيَ) المسلم (فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ) بضمِّ الحاء المهملة بعدها مثلَّثةٌ خفيفةٌ فألفٌ فلامٌ فهاء تأنيثٍ: الذين (١) لا خير فيهم، وجواب «إذا» محذوفٌ، أي: ماذا يصنع؟

٧٠٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان الكوفيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) بفتح الواو وسكون الهاء، الجهنيِّ قال: (حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ) بن اليمان (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ حَدِيثَيْنِ) في ذكر الأمانة ورفعها (رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا) (٢) : (أَنَّ

الأَمَانَةَ) المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وهي عين الإيمان، أو كلُّ ما يخفى ولا يعلمه إلَّا الله من المكلَّف، أو المراد بها: التَّكليف الذي كلَّف الله تعالى به عباده، أو العهد الذي أخذه (١) عليهم (نَزَلَتْ فِي جَِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) بفتح الجيم وكسرها لغتان، وسكون الذَّال المعجمة بعدها راءٌ: في أصل قلوبهم (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ) بفتح العين وكسر اللَّام مخفَّفةً، بعد نزولها في أصل قلوبهم (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) كذا بإعادة «ثُمَّ»؛ يعني: أنَّ الأمانة لهم بحسب الفطرة، ثمَّ بطريق الكسب من الشَّريعة، وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يتعلَّمون القرآن قبل أن يتعلَّموا السُّنَّة (وَحَدَّثَنَا) صلوات الله وسلامه عليه (عَنْ رَفْعِهَا) عن ذهابها أصلًا حتَّى لا يبقى من يُوصَف بالأمانة، وهذا هو الحديث الثَّاني الذي ذكر حذيفة أنَّه ينتظره (قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون القاف وفتح الموحَّدة (فَيَظَلُّ أَثَرُهَا) بالظَّاء المعجمة (مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ) بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ: سوادٌ في اللَّون، يقال: وكت البُسْر؛ إذا بدت فيه نقطة الإرطاب (ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ) أي: الأمانة من قلبه (فَيَبْقَى فِيهَا) وسقط قوله «فيها» لابن عساكر (أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ المَجَْلِ) بفتح الميم وسكون الجيم وقد تُفْتَح، بعدها لامٌ: غلظ الجلد من أثر العمل (كَجَمْرٍ) بالجيم المفتوحة والميم السَّاكنة (دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ) بكسر الفاء بعد النُّون المفتوحة (فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا) بضمِّ الميم وسكون النُّون وفتح الفوقيَّة وكسر المُوحَّدة: مُنتفِخًا (٢) (وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ) وقال: «فنَفِطَ» بالتَّذكير، ولم يقل: فنفطت؛ باعتبار العضو (وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ) السِّلع ونحوها بأن يشتريها أحدهم (٣) من الآخر (فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ) لأنَّ من كان موصوفًا بالأمانة؛ سُلِبها حتَّى صار خائنًا (فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ!) بالعين المهملة والقاف (وَمَا أَظْرَفَهُ!) بالظَّاء المعجمة (وَمَا أَجْلَدَهُ!) بالجيم (وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ (٤) حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيْمَانٍ) وإنَّما ذكر الإيمان؛ لأنَّ الأمانة لازمةٌ له، لا أنَّ (٥) الأمانة هي الإيمان.

قال حذيفة : (وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ) بتشديد الياء (زَمَانٌ) كنت أعلم فيه أنَّ الأمانة موجودةٌ في النَّاس (وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ؟) أي: بعت واشتريت (١) غير مُبالٍ بحاله (لَئِنْ) بفتح اللَّام وكسر الهمزة (كَانَ مُسْلِمًا؛ رَدَّهُ عَلَيَّ الإِسْلَامُ) بتشديد التَّحتيَّة من «عليَّ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إسلامه» فلا يخونني (٢)، بل يحمله إسلامه على أداء الأمانة، فأنا واثقٌ (٣) بأمانته (وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا) أو يهوديًّا (رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ) الذي أُقيم عليه؛ فهو يقوم بولايته، ويَستخرج منه حقِّي (وَأَمَّا اليَوْمَ) فقد ذهبت الأمانة، وظهرت الخيانة، فلست أثق بأحدٍ في بيعٍ ولا شراءٍ (فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا) أي: أفرادًا من النَّاس قلائل ممَّن أثق بهم (٤)، فكان يثق بالمسلم لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه؛ وهو الحاكم الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كلِّ عملٍ قلَّ أو جلَّ إلَّا المسلم، فكان واثقًا بإنصافه وتخليصه حقَّه من الكافر إن خانه، بخلاف الوقت الأخير، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ حال الأمانة أخذ في النَّقص من ذلك الزَّمان، وكانت وفاة حذيفة أوَّل (٥) سنة ستٍّ وثلاثين بعد قتل عثمان بقليلٍ، فأدرك بعض الزَّمن الذي وقع فيه التَّغيير.

وهذا الحديث سبق بعينه سندًا ومتنًا في: «باب رفع الأمانة» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٤٩٧].

(١٤) (باب التَّعَرُّبِ) بفتح العين المهملة وضمِّ الرَّاء المشدَّدة، بعدها مُوحَّدةٌ: الإقامة بالبادية، والتَّكلُّف في صيرورته أعرابيًّا، ولأبي ذرٍّ: «التَّغرُّب» بالغين المعجمة (فِي الفِتْنَةِ) ولكريمة: «التَّعزُّب» بالعين المهملة والزَّاي؛ ومعناه: يعزب عن الجماعات والجهات، ويسكن البادية، قال صاحب «المطالع»: وجدته بخطِّي في «البخاريِّ» بالزَّاي، وأخشى أن يكون وهمًا.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَيرمى بِالسَّهْمِ فَيَأْتِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات لفظ: فَيرمى، مَفْقُود وَهُوَ ظَاهر، وَقيل: يحْتَمل أَن تكون الْفَاء الثَّانِيَة زَائِدَة وَثَبت كَذَلِك لأبي ذَر فِي سُورَة النِّسَاء فَيَأْتِي السهْم يرْمى بِهِ. قَوْله: أَو يضْربهُ مَعْطُوف على فَيَأْتِي لَا على فَيُصِيب أَي: يقتل إِمَّا بِالسَّهْمِ وَإِمَّا بِالسَّيْفِ. قَوْله فَأنْزل الله تَعَالَى: {إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي أنفسهم}

١٣ - (بابٌ إذَا بَقِيَ فِي حُثالَةٍ مِنَ النَّاسِ)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ، إِذا بَقِي مُسلم فِي حثالة من النَّاس، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَهِي رَدِيء كل شَيْء وَمَا لَا خير فِيهِ. وَجَوَاب: إِذا، مُقَدّر وَهُوَ: مَاذَا يصنع؟ قيل: هَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه الطَّبَرِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان من طَرِيق الْعَلَاء بن عبد الرحمان بن يَعْقُوب عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: كَيفَ بك يَا عبد الله بن عَمْرو إِذا بقيت فِي حثالة من النَّاس قد مرجت عهودهم وأماناتهم وَاخْتلفُوا فصاروا هَكَذَا؟ وَشَبك بَين أَصَابِعه. قَالَ: فَمَا تَأْمُرنِي؟ قَالَ: عَلَيْك بخاصتك ودع عَنْك عوامهم وَقَالَ ابْن بطال: أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى هَذَا الحَدِيث وَلم يُخرجهُ لِأَن الْعَلَاء لَيْسَ من شَرطه فَأدْخل مَعْنَاهُ فِي حَدِيث حُذَيْفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

٧٠٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنَا، سُفْيانُ، حدّثنا الأعمَشُ، عنْ زَيْدِ بنِ وهْبٍ، حَدثنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدثنَا رسولُ الله حَدِيثَيْن رأيْتُ أحَدَهُما وَأَنا أنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدثنَا: أنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ، ثُمَّ علِمُوا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِن السُّنةِ. وَحدثنَا عنْ رفْعِها. قَالَ: يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أثَرُها مِثْلَ أثَرِ الوَكْتِ، ثمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى فِيها أثَرُها مِثْلَ أثَرِ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجتَهُ عَلى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَراهُ مُنْتَبِراً ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبَحُ النّاسُ يَتَبايَعُونَ فَلا يَكادُ أحَدٌ يُؤَدِّي الأمانَةَ، فَيُقالُ: إنَّ فِي بَني فُلانٍ رجُلاً أمِيناً، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: مَا أعْقَلَهُ وَمَا أظْرَفَهُ وَمَا أجْلَدَهُ؟ وَمَا فِي قلْبِهِ مِثْقالُ حبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ، ولَقَدْ أتَى عَليَّ زَمانٌ وَلَا أُبالي أيَّكُمْ بايَعْتُ، لَئنْ كانَ مُسْلِماً رَدَّهُ عَليَّ الإسْلَامُ، وإنْ كانَ نَصْرانِيّاً ردَّهُ عَليَّ ساعِيهِ، وأمَّا اليوْمَ فَما كُنْتُ أُبايِعُ إلاّ فُلَاناً وفُلَاناً

انْظُر الحَدِيث ٦٤٩٧ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ. وَقد ذكرنَا أَن ابْن بطال قَالَ: أَدخل البُخَارِيّ معنى حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن فِي حَدِيث حُذَيْفَة. وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه سنداً ومتناً مضى فِي كتاب الرقَاق فِي بَاب رفع الْأَمَانَة، فَرَاجعه لِأَن الْكَلَام فِيهِ قد بسطناه.

قَوْله: وَحدثنَا عَن رَفعهَا هُوَ الحَدِيث الثَّانِي، وَفِيه علم من أَعْلَام نبوته لِأَن فِيهِ الْإِخْبَار عَن فَسَاد أَدْيَان النَّاس وَقلة أمانتهم فِي آخر الزَّمَان، والجذر بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة: الأَصْل أَي: كَانَت لَهُم بِحَسب الْفطْرَة وحصلت لَهُم بِالْكَسْبِ من الشَّرِيعَة. والوكت، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْكَاف وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق: الْأَثر الْيَسِير، وَقيل: السوَاد، وَقيل: اللَّوْن الْمُخَالف للون الَّذِي قبله والمجل بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفتحهَا: هُوَ التنفط الَّذِي يحصل فِي الْيَد من الْعَمَل، ونفط بِكَسْر الْفَاء وَلم يؤنث الضَّمِير بِاعْتِبَار الْعُضْو. ومنتبراً مفتعلاً من الانتبار وَهُوَ الِارْتفَاع، وَمِنْه: الْمِنْبَر وَالْأَمَانَة ضد الْخِيَانَة، وَقيل: هِيَ التكاليف الإلاهية. وَمعنى الْمُبَايعَة هُنَا البيع وَالشِّرَاء أَي: كنت أعلم أَن الْأَمَانَة فِي النَّاس فَكيف أقدم على مُعَاملَة من اتّفق غير مبال بِحَالهِ وثوقاً بأمانته أَو أَمَانَة الْحَاكِم عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِن كَانَ مُسلما فدينه يمنعهُ من الْخِيَانَة ويحمله

على أَدَائِهَا، وَإِن كَانَ كَافِرًا وَذكر النَّصْرَانِي على سَبِيل التَّمْثِيل فساعيه أَي الْمولى عَلَيْهِ يقوم بالأمانة فِي ولَايَته فينصفني ويستخرج حَقي مِنْهُ، وَأما الْيَوْم فقد ذهبت الْأَمَانَة فلست أَثِق الْيَوْم بِأحد أئتمنه على بيع أَو شِرَاء إلَاّ فلَانا وَفُلَانًا يَعْنِي أفراداً من النَّاس قَلَائِل.

١٤ - (بابُ التَّعَرُّبِ فِي الفِتْنَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّعَرُّب بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالباء الْمُوَحدَة وَهُوَ الْإِقَامَة بالبادية والتكلف فِي صَيْرُورَته أَعْرَابِيًا، وَقيل: التَّعَرُّب السُّكْنَى مَعَ الْأَعْرَاب، وَهُوَ أَن ينْتَقل المُهَاجر من الْبَلَد الَّذِي هَاجر إِلَيْهِ فيسكن الْبَادِيَة فَيرجع بعد هجرته أَعْرَابِيًا، وَكَانَ ذَلِك محرما إلَاّ أَن يَأْذَن لَهُ الشَّارِع فِي ذَلِك، وَقَيده بالفتنة إِشَارَة إِلَى مَا ورد من الْإِذْن فِي ذَلِك عِنْد حُلُول الْفِتَن، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة: التعزب، بالزاي وَبَينهمَا عُمُوم وخصوص. وَقَالَ صَاحب الْمطَالع وجدته بِخَط البُخَارِيّ بالزاي، وأخشى أَن يكون وهما، فَإِن صَحَّ فَمَعْنَاه: الْبعد والاعتزال.

٧٠٨٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ، حَدثنَا حاتِمٌ عنْ يَزِيدَ بنِ أبي عُبَيْدٍ، عنْ سَلَمَة بنِ الأكْوَعِ أنَّهُ دَخَلَ عَلى الحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا ابنَ الأكوَعِ ارْتَدَدْتَ عَلى عَقِبَيْكَ؟ تَعَرَّبْتَ؟ قَالَ: لَا، ولَكِنَّ رسولَ الله أذِنَ لي فِي البَدوِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وحاتم بِالْحَاء الْمُهْملَة هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل الْكُوفِي، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد بِضَم الْعين مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي. وَالنَّسَائِيّ فِي الْبيعَة كِلَاهُمَا عَن قُتَيْبَة كالبخاري. قَوْله: على الْحجَّاج هُوَ ابْن يُوسُف الثَّقَفِيّ، وَذَلِكَ لما ولي الْحجَّاج إمرة الْحجاز بعد قتل ابْن الزبير فَسَار من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَسبعين، وَقيل: إِن سَلمَة مَاتَ فِي آخر خلَافَة مُعَاوِيَة سنة سِتِّينَ، وَلم يدْرك زمن إِمَارَة الْحجَّاج. قَوْله: ارتددت على عقبيك كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا جَاءَ من حَدِيث ابْن مَسْعُود أخرجه النَّسَائِيّ مَرْفُوعا: لعن الله آكل الرِّبَا وموكله ... الحَدِيث وَفِيه: وَالْمُرْتَدّ بعد هجرته إِلَى مَوْضِعه من غير عذر يعدونه كالمرتد. قَوْله: قَالَ لَا، أَي: لم أسكن الْبَادِيَة رُجُوعا عَن هجرتي. وَلَكِن بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف. قَوْله: فِي البدو أَي: فِي الْإِقَامَة فِيهِ، والبدو الْبَادِيَة.

وعنْ يَزِيدَ بنِ أبي عُبَيْدٍ قَالَ: لما قُتِلَ عُثْمانُ بنُ عَفّانَ خَرَجَ سَلمَةُ بنُ الأكْوَعِ إِلَى الرَّبَذةِ وتَزَوَّجَ هُناكَ امْرأةً وَوَلَدَتْ لهُ أوْلَاداً، فَلَمْ يَزَلْ بِها حتَّى أقْبَل قَبْلَ أنْ يَمُوتَ بِلَيالٍ فَنَزَلَ المَدِينَةَ.

هُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: إِلَى الربذَة، بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة مَوضِع بالبادية بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، قَالَه بَعضهم. قلت: الربذَة هِيَ الَّتِي جعلهَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حمى لإبل الصَّدَقَة، وَهِي بِالْقربِ من الْمَدِينَة على ثَلَاث مراحل مِنْهَا قريب من ذَات عرق. قَوْله: فَلم يزل بهَا وَفِي رِوَايَة الْكشميهني هُنَاكَ. قَوْله: فَنزل الْمَدِينَة هَكَذَا: فَنزل بِالْفَاءِ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا، نزل بِلَا فَاء، وَهَذَا يشْعر بِأَن سَلمَة لم يمت بالبادية كَمَا جزم بِهِ يحيى بن عبد الْوَهَّاب بن مندة فِي معرفَة الصَّحَابَة، وَقَالَ يحيى بن بكير وَغَيره: مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَسبعين وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة.

٧٠٨٨ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرنَا مالِكٌ، عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عبْدِ الله بنِ أبي صَعْصَعَةَ، عنْ أبِيهِ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، رَضِي الله عَنهُ، أنَّه قَالَ: قَالَ رسولُ الله يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرَ مالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بهَا سَعَفَ الْجبَال، ومَوَاقِعَ القَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث، وَتقدم فِي الْإِيمَان فِي: بَاب من الدّين الْفِرَار من الْفِتَن، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.5 / 29.5
الإضاءة 67%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده