الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٩٢
الحديث رقم ٧٠٩٢ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي الفتنة من قبل المشرق.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٧٠٩٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَفِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي فِي بَابِ بَعْثِ مُعَاذٍ، وَأَبِي مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ آخَرُ، وَمَنْ جَاءَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ فِيمَا عَدَا هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ فِي الْبُخَارِيِّ فَهُوَ عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّقَّامُ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتَانِيَّةٍ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ، وَيَزِيدُ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ، وَسَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُسْتَهْ - بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مَفْتُوحَةٌ - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بِهِ وَذَلِكَ يُؤَيِّدُ كَوْنَهُ بِالْمُهْمَلَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ لَيْسَ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ.
قَوْلُهُ: (بِهَذَا)؛ أَيْ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمَاضِي، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ فِيهِ زِيَادَةُ قَوْلِهِ: لَافًّا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ زِيَادَتَهَا فِي الْأَوَّلِ وَهْمٌ مِنَ الْكُشْمِيهَنِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: عَائِذًا. . . إِلَخْ) بَيَّنَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ بِالشَّكِّ فِي سُوءٍ وَسُوأَى.
قَوْلُهُ: (عَائِذًا بِاللَّهِ) وَهَكَذَا وَقَعَ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ عَلَى الْحَالِ؛ أَيْ: أَقُولُ ذَلِكَ عَائِذًا. أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ؛ أَيْ عِيَاذًا. وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِالرَّفْعِ؛ أَيْ: أَنَا عَائِذٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) هُوَ ابْنُ خَيَّاطٍ الْعُصْفُرِيُّ، وَأَكْثَرُ مَا يُخَرِّجُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ يَقَعُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ لَا يَقُولُ حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا، وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ. وَقَوْلُهُ: سَعِيدٌ؛ هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَمُعْتَمِرٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) يَعْنِي عَنْ أَبِي مُعْتَمِرٍ، وَذَكَرَ هَذِهِ الطَّرِيقَ الْأُخْرَى لِقَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ وَأَنَّ بَقِيَّةَ شَرْحِهِ يَأْتِي فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٦ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ
٧٠٩٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ: الْفِتْنَةُ هَاهُنَا، الْفِتْنَةُ هَاهُنَا؛ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ.
٧٠٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ يَقُولُ: أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ.
٧٠٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ"
٧٠٩٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ بَيَانٍ عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا قَالَ فَبَادَرَنَا إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدِّثْنَا عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَاللَّهُ يَقُولُ وَ ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ)؛ أَيْ مِنْ جِهَتِهِ، ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أُسَامَةَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْفِتَنِ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ: إِنِّي لَأَرَى الْفِتَنَ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ وَكَانَ خِطَابُهُ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ بِسَنَدِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ.
قَوْلُهُ: (الْفِتْنَةُ هَهُنَا، الْفِتْنَةُ هَهُنَا) كَذَا فِيهِ مَرَّتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: هَاإِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا؛ أَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ، أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ) كَذَا هُنَا بِالشَّكِّ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: هَهُنَا أَرْضُ الْفِتَنِ، وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ يَعْنِي حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا، يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ مِثْلُ مَعْمَرٍ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ: أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ. بَلْ قَالَ: يَعْنِي الْمَشْرِقَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ سَالِمٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُشِيرُ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَيَقُولُ: هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا ثَلَاثًا حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالِمٍ مِثْلُهُ، لَكِنْ قَالَ: إِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا ثَلَاثًا وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، مَا أَسْأَلُكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ وَأَرْكَبُكُمُ الْكَبِيرَةَ! سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَهُنَا، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ.
كَذَا فِيهِ بِالتَّثْنِيَةِ، وَلَهُ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُ سِيَاقِ حَنْظَلَةَ سَوَاءٌ، وَلَهُ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَخْرَجَهُ فِي الطَّلَاقِ ثُمَّ سَاقَ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ رِوَايَةِ يُونُسَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا وَلَمْ يُكَرِّرْ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، وَأَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنِ اللَّيْثِ؛ فَكَرَّرَهَا مَرَّتَيْنِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا. . . الْحَدِيثَ) كَذَا أَوْرَدَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَزْهَرَ السَّمَّانِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ ابْنِ بِنْتِ أَزْهَرَ حَدَّثَنِي جَدِّي أَزْهَرُ بِهَذَا السَّنَدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ. وَمِثْلُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ، عَنْ أَزْهَرَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ أَبِيهِ كَذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مَوْقُوفًا، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِي نَجْدِنَا. فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَالدَّوْرَقِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ وَفِي نَجْدِنَا: قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا. قَالَ: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: هُنَاكَ فَذَكَرَهُ، لَكِنْ شَكَّ هَلْ قَالَ بِهَا أَوْ مِنْهَا، وَقَالَ يَخْرُجُ بَدَلَ يَطْلُعُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مِثْلُهُ فِي الْإِعَادَةِ مَرَّتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ وَلَدِ ابْنِ عَوْنٍ: فَلَمَّا كَانَ الثَّالِثَةُ أَوِ الرَّابِعَةُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: بِهَا الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَمِنْهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: إِنَّمَا تَرَكَ ﷺ الدُّعَاءَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ لِيَضْعُفُوا عَنِ الشَّرِّ الَّذِي هُوَ مَوْضُوعٌ فِي جِهَتِهِمْ لِاسْتِيلَاءِ الشَّيْطَانِ بِالْفِتَنِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: قَرْنُ الشَّمْسِ فَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لِلشَّمْسِ قَرْنٌ حَقِيقَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْقَرْنِ قُوَّةَ الشَّيْطَانِ وَمَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْإِضْلَالِ، وَهَذَا أَوْجَهُ، وَقِيلَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَقْرِنُ رَأْسَهُ بِالشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا لِيَقَعَ سُجُودُ عَبَدَتِهَا لَهُ.
قِيلَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّمْسِ شَيْطَانٌ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَيْنَ قَرْنَيْهِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْقَرْنُ الْأُمَّةُ مِنَ النَّاسِ يَحْدُثُونَ بَعْدَ
فَنَاءِ آخَرِينَ، وَقَرْنُ الْحَيَّةِ أَنْ يُضْرَبَ الْمَثَلُ فِيمَا لَا يُحْمَدُ مِنَ الْأُمُورِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ أَهْلُ الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ أَهْلَ كُفْرٍ، فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ الْفِتْنَةَ تَكُونُ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ، وَأَوَّلُ الْفِتَنِ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ مِمَّا يُحِبُّهُ الشَّيْطَانُ وَيَفْرَحُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْبِدَعُ نَشَأَتْ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: نَجْدٌ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ نَجْدُهُ بَادِيَةَ الْعِرَاقِ وَنَوَاحِيهَا وَهِيَ مَشْرِقُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَصْلُ النَّجْدِ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ، وَهُوَ خِلَافُ الْغَوْرِ فَإِنَّهُ مَا انْخَفَضَ مِنْهَا، وَتِهَامَةُ كُلُّهَا مِنَ الْغَوْرِ وَمَكَّةُ مِنْ تِهَامَةَ، انْتَهَى وَعُرِفَ بِهَذَا وَهَاءَ مَا قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ أنَّ نَجْدًا مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ نَجْدًا مَوْضِعٌ مَخْصُوصٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ ارْتَفَعَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَلِيهِ يُسَمَّى الْمُرْتَفِعُ نَجْدًا وَالْمُنْخَفِضُ غَوْرًا.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ) هُوَ ابْنُ شَاهِينَ، وَخَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَبَيَانٌ - بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ - هُوَ ابْنُ عَمْرٍو، وَوَبَرَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمُوَحَّدَةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ عِيَاضٌ: ضَبَطْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا)؛ أَيْ حَسَنَ اللَّفْظِ يَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ التَّرْجَمَةِ وَالرُّخْصَةِ، فَشَغَلَهُ الرَّجُلُ فَصَدَّهُ عَنْ إِعَادَتِهِ حَتَّى عَدَلَ إِلَى التَّحَدُّثِ عَنِ الْفِتْنَةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ) تَقَدَّمَ فِي الْأَنْفَالِ أَنَّ اسْمَهُ حَكِيمٌ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ بَيَانٍ أَنَّ وَبَرَةَ حَدَّثَهُ فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ: فَمَرَرْنَا بِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: حَكِيمٌ.
قَوْلُهُ: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هِيَ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (حَدِّثْنَا عَنِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَاللَّهُ يَقُولُ) يُرِيدُ أَنْ يَحْتَجَّ بِالْآيَةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَأَنَّ فِيهَا الرَّدَّ عَلَى مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ كَابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلُهُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكُ ظَاهِرُهُ الدُّعَاءُ، وَقَدْ يَرِدُ مَوْرِدَ الزَّجْرِ كَمَا هُنَا، وَحَاصِلُ جَوَابِ ابْنِ عُمَرَ لَهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وقاتلوهم) لِلْكُفَّارِ، فَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِقِتَالِ الْكَافِرِينَ حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ يُفْتَنُ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَيَرْتَدُّ إِلَى الْكُفْرِ، وَوَقَعَ نَحْوُ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ وَجَمَاعَةٍ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَأَجَابَهُمْ بِنَحْوِ جَوَابِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ بَيَانٍ بِزِيَادَةِ: فَقَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ: وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةٌ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ عَنْ دِينِهِ إِمَّا يَقْتُلُونَهُ وَإِمَّا يُوثِقُونَهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ؛ أَيْ لَمْ يَبْقَ فِتْنَةٌ، أَيْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُؤَالَهُ عَنْ عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ وَجَوَابَ ابْنِ عُمَرَ.
وَقَوْلُهُ هُنَا: وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ؛ أَيْ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ، يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ بَيْنَ مَرْوَانَ ثُمَّ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِهِ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَكَانَ رَأْيُ ابْنِ عُمَرَ تَرْكَ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مُحِقَّةٌ وَالْأُخْرَى مُبْطِلَةٌ، وَقِيلَ: الْفِتْنَةُ مُخْتَصَّةٌ بِمَا إِذَا وَقَعَ الْقِتَالُ بِسَبَبِ التَّغَالُبِ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ، وَأَمَّا إِذَا عُلِمَتِ الْبَاغِيَةُ فَلَا تُسَمَّى فِتْنَةً وَتَجِبُ مُقَاتَلَتُهَا حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الطَّاعَةِ ; وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
١٧ - بَاب الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً … تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ
حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا … وَلَّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ
شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَتَغَيَّرَتْ … مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٠٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولغير أبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمَين، هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ المِنْبَرِ) وفي التِّرمذيِّ من طريق عبد الرَّزَّاق عن مَعْمرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قام على المنبر (فَقَالَ: الفِتْنَةُ هَهُنَا، الفِتْنَةُ هَهُنَا) بالتَّكرار مرَّتين (مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) بضمِّ اللَّام من «يطلُع»، ولمسلمٍ من طريق فُضَيل بن غزوان عن سالمٍ بلفظ: «إنَّ الفتنة تجيء من ههنا» -وأومأ بيده نحو المشرق- «من حيث يطلُعُ قرنا الشَّيطان» بالتَّثنية، وقد قيل: إنَّ له قرنين على الحقيقة، وقيل: إنَّ قرنيه ناحيتا رأسه، أو هو مَثَلٌ، أي: حينئذٍ يتحرَّك الشَّيطان ويتسلَّط، أو قرنه أهل حزبه (أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ (١)) أي: أعلاها، وقيل: إنَّ الشَّيطان يقرن رأسه بالشَّمس عند طلوعها؛ لتقع سجدة عَبَدتها له.
والحديثُ أخرجه التِّرمذيُّ في «الفتن».
٧٠٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابن سعدٍ الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (مُسْتَقْبِلٌ المَشْرِقَ) بالنَّصب، ولأبي ذرٍّ: «المشرق» بالجرِّ (يَقُولُ: أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام (إِنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا) مرَّةً واحدةً من غير تكرارٍ (مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) من غير شكٍّ بخلاف الأولى، وإنَّما أشار ﵊ إلى المشرق؛ لأنَّ أهله يومئذٍ أهل كفرٍ؛ فأخبر أنَّ الفتنة تكون من تلك النَّاحية؛ وكذا وقع فكان (٢) وقعة الجمل ووقعة صفِّين، ثم ظهور الخوارج (٣) في أرض نجدٍ والعراق (٤) وما وراءها من المشرق، وكان أصل ذلك كلِّه وسببه قتلَ عثمان بن عفَّان ﵁، وهذا علمٌ من أعلام نبوَّته ﷺ وشرَّف وكرَّم.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْمُسْتَخْرج من رِوَايَة مُحَمَّد بن عبد الله بن رسته بِضَم الرَّاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالتاء الْمُثَنَّاة الْمَفْتُوحَة، قَالَ: حَدثنَا الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بِهِ. قَوْله: وَقَالَ: كل رجل أَي: قَالَ أنس: كل رجل كَانَ هُنَاكَ حَال كَونه لافاً بتَشْديد الْفَاء رَأسه فِي ثَوْبه يبكي، ويروى: لاف، وَهُوَ الْأَوْجه. وَقَوله: يبكي خبر: قَوْله: كل رجل لِأَنَّهُ مُبْتَدأ، وَلما ألحوا على رَسُول الله فِي الْمَسْأَلَة كره مسائلهم وَعز على الْمُسلمين الإلحاح والتعنت عَلَيْهِ وتوقعوا نزُول عُقُوبَة الله عَلَيْهِم، فبكوا خوفًا مِنْهَا، فَمثل الله تَعَالَى الْجنَّة وَالنَّار لَهُ وَأرَاهُ كل مَا يسْأَله عَنهُ. قَوْله: وَقَالَ أَي: كل رجل قَالَ: عائذاً بِاللَّه أَي: حَال كَونه مستعيذاً بِاللَّه من سوء الْفِتَن. قَوْله: أَو قَالَ: أعوذ بِاللَّه شكّ من الرَّاوِي، وَيحْتَمل أَن يكون الشَّك بَين قَوْله: عائذاً بِاللَّه وَقَوله: أعوذ بِاللَّه وَيحْتَمل أَن يكون بَين قَوْله: من سوء الْفِتَن وَقَوله: من شَرّ الْفِتَن
٧٠٩١ - وَقَالَ لي خَلِيفَةُ، حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، حَدثنَا سعِيدٌ ومُعْتَمِرٌ عنْ أبِيهِ، عنْ قتادَةَ: أنَّ أنسا حدَّثَهُمْ عنِ النبيِّ بِهاذَا، وَقَالَ: عائِذاً بِاللَّه مِنْ شَرِّ الفِتَنِ.
أَي: قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ لي خَليفَة هُوَ ابْن خياط بطرِيق المذاكرة عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة ومعتمر بن سُلَيْمَان بن طرخان عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره. قَوْله: بِهَذَا أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، قَالَ عَائِذ بِاللَّه من شَرّ الْفِتَن بالشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمُشَدّدَة.
١٦ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ المَشْرَقِ))
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي الْفِتْنَة من قبل الْمشرق، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: من جِهَته.
٧٠٩٢ - حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدّثنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ، عنْ مَعْمرٍ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عنْ سالِمٍ، عنْ أبِيهِ عنِ النبيِّ أنّهُ قامَ إِلَى جَنْبِ المِنْبَرِ فَقَالَ: الفِتْنَةُ هاهُنا الفِتْنَةُ هاهُنا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطانِ أوْ قَالَ قَرْنُ الشَّمْسِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر عَن النَّبِي
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن عَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق.
قَوْله: حَدثنِي عبد الله ويروى: حَدثنَا. قَوْله: قرن الشَّيْطَان ذهب الدَّاودِيّ إِلَى أَن للشَّيْطَان قرنين على الْحَقِيقَة، وَذكر الْهَرَوِيّ أَن قرنيه ناحيتي رَأسه، وَقيل: هَذَا مثل أَي: حينئذٍ يَتَحَرَّك الشَّيْطَان ويتسلط، وَقيل: الْقرن الْقُوَّة أَي: تطلع حِين قُوَّة الشَّيْطَان، وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى الْمشرق لِأَن أَهله يومئذٍ كَانُوا أهل كفر فَأخْبر أَن الْفِتْنَة تكون من تِلْكَ النَّاحِيَة وَكَذَلِكَ كَانَت وَهِي وقْعَة الْجمل ووقعة صفّين، ثمَّ ظُهُور الْخَوَارِج فِي أَرض نجد وَالْعراق وَمَا وَرَاءَهَا من الْمشرق، وَكَانَت الْفِتْنَة الْكُبْرَى الَّتِي كَانَت مِفْتَاح فَسَاد ذَات الْبَين قتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ يحذر من ذَلِك وَيعلم بِهِ قبل وُقُوعه، وَذَلِكَ من دلالات نبوته قَوْله: أَو قرن الشَّمْس شكّ من الرَّاوِي، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: قرن الشَّمْس أَعْلَاهَا.
٧٠٩٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ، حَدثنَا لَ يْثٌ، عنْ نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ، رَضِي الله عَنْهُمَا، أنَّهُ سَمِعَ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ مُسْتَقْبِلٌ المَشْرِقَ يَقُولُ ألَا إنَّ الفِتْنَةَ هاهُنا مِنْ حَيْثُ يَطلُعُ قَرْنُ الشَّيْطان.
هَذَا عَن عبد الله بن عمر أَيْضا أخرجه عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث بن سعيد إِلَى آخِره.
٧٠٩٤ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حَدثنَا أزْهَرُ بن سَعْدٍ، عنِ ابنِ عَوْنِ، عنْ نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ النبيُّ اللَّهُمَّ باركْ لَنا فِي شأمِنا، اللَّهُمَّ باركْ لَنا فِي يَمَنِنا قالُوا: يَا رَسُول الله وَفِي نَجْدنا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي شأمِنا اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي يَمَنِنا قالُوا: يَا رَسُول الله وَفِي نَجْدِنا؟ فأظُنُّهُ قَالَ: فِي الثَّالِثَةِ: هُناكَ الزَّلازِلُ والفِتَنُ وَبهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطانِ.
انْظُر الحَدِيث ١٠٣٧
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَهُنَاكَ الزلازل والفتن وَبهَا يطلع قرن الشَّيْطَان وَأَشَارَ بقوله: هُنَاكَ إِلَى نجد، ونجد من الْمشرق قَالَ الْخطابِيّ: نجد من جِهَة الْمشرق، وَمن كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ نجده بادية الْعرَاق ونواحيها، وَهِي مشرق أهل الْمَدِينَة، وأصل النجد مَا ارْتَفع من الأَرْض وَهُوَ خلاف الْغَوْر فَإِنَّهُ مَا انخفض مِنْهَا، وتهامة كلهَا من الْغَوْر، وَمَكَّة من تهَامَة الْيمن.
وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وأزهر بن سعد السمان الْبَصْرِيّ يروي عَن عبد الله بن عون بالنُّون ابْن أرطبان الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الاسْتِسْقَاء عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن بشر بن آدم ابْن بنت أَزْهَر السمان عَن جده أَزْهَر بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب، والفتن تبدو من الْمشرق وَمن ناحيتها يخرج يَأْجُوج وَمَأْجُوج والدجال، وَقَالَ كَعْب: بهَا الدَّاء العضال وَهُوَ الْهَلَاك فِي الدّين، وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا ترك الدُّعَاء لأهل الْمشرق ليضعفوا عَن الشَّرّ الَّذِي هُوَ مَوْضُوع فِي جهتهم لاستيلاء الشَّيْطَان بالفتن.
٧٠٩٥ - حدّثنا إسْحاقُ الوَاسِطِيُّ، حَدثنَا خَالِدٌ، عنْ بَيانٍ، عنْ وبَرَةَ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ: خَرَجَ عَليْنا عبْدُ الله بنُ عُمَرَ فَرَجَوْنا أَن يُحَدِّثَنا حَدِيثا حَسناً، قَالَ: فَبادَرَ إلَيْهِ رجلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عبْدِ الرَّحْمانِ حدِّثْنا عنِ القِتال فِي الفِتْنَةِ، وَالله يَقُولُ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَاّ عَلَى الظَّالِمِينَ} {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ثَكِلَتْكَ أُمُّك؟ إنّما كانَ مُحَمَّدٌ يُقاتِلُ المُشْرِكِينَ وكانَ الدُّخُولُ فِي دِينهِمْ فِتْنَةً ولَيْسَ كَقِتالِكُمْ عَلى الملْكِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهَا الْفِتْنَة من قبل الْمشرق، سَأَلُوا هُنَا عَن ابْن عمر أَن يُحَدِّثهُمْ بِحَدِيث حسن فِيهِ ذكر الرَّحْمَة فَحَدثهُمْ بِحَدِيث الْفِتْنَة.
وَإِسْحَاق هُوَ ابْن شاهين الوَاسِطِيّ يروي عَن خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان، وَوَقع فِي بعض النّسخ: خلف، بدل: خَالِد، وَمَا أَظن صِحَّته، وَبَيَان بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء وَبعد الْألف نون بن بشر بالشين الْمُعْجَمَة الأحمسي بالمهملتين، ووبرة بِفَتْح الْوَاو وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء ابْن عبد الرحمان الْحَارِثِيّ وَالْبَاء مَفْتُوحَة عِنْد الْجَمِيع وَبِه جزم ابْن عبد الْبر، وَقَالَ عِيَاض: ضبطناه فِي مُسلم بِسُكُون الْبَاء.
والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن يُونُس.
قَوْله: حَدِيثا حسنا أَي: حسن اللَّفْظ يَشْمَل على ذكر الرَّحْمَة والرخصة. قَوْله: فبادرنا بِفَتْح الرَّاء فعل ومفعول. وَقَوله: رجل فَاعله واسْمه حَكِيم. قَوْله: إِلَيْهِ أَي: إِلَى ابْن عمر. قَوْله: فَقَالَ: يَا عبد الرحمان أَصله: يَا أَبَا، فحذفت الْألف للتَّخْفِيف، وَأَبُو عبد الرحمان كنية عبد الله بن عمر. قَوْله: وَالله يَقُول يُرِيد الِاحْتِجَاج بِالْآيَةِ على مَشْرُوعِيَّة الْقِتَال فِي الْفِتْنَة وَأَن فِيهَا الرَّد على من ترك ذَلِك كَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَ ابْن عمر ثكلتك أمك، بِكَسْر الْكَاف أَي: عدمتك أمك، وَهُوَ وَإِن كَانَ على صُورَة الدُّعَاء عَلَيْهِ، لكنه لَيْسَ مَقْصُودا وَقد مرت قصَّته فِي سُورَة الْبَقَرَة وَهِي أَنه قيل لَهُ فِي فتْنَة ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: مَا يمنعك أَن تخرج وَقَالَ تَعَالَى: والفتنة هِيَ الْكفْر، وَكَانَ قتالنا على الْكفْر وقتالكم على الْملك، أَي: فِي طلب الْملك، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَقع بَين مَرْوَان ثمَّ عبد الْملك ابْنه، وَبَين ابْن الزبير وَمَا أشبه ذَلِك، وَكَانَ رَأْي عبد الله بن عمر ترك الْقِتَال فِي الْفِتْنَة، وَلَو ظهر أَن إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ محقة وَالْأُخْرَى مبطلة.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَفِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي فِي بَابِ بَعْثِ مُعَاذٍ، وَأَبِي مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ آخَرُ، وَمَنْ جَاءَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ فِيمَا عَدَا هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ فِي الْبُخَارِيِّ فَهُوَ عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّقَّامُ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتَانِيَّةٍ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ، وَيَزِيدُ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ، وَسَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُسْتَهْ - بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مَفْتُوحَةٌ - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بِهِ وَذَلِكَ يُؤَيِّدُ كَوْنَهُ بِالْمُهْمَلَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ لَيْسَ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ.
قَوْلُهُ: (بِهَذَا)؛ أَيْ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمَاضِي، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ فِيهِ زِيَادَةُ قَوْلِهِ: لَافًّا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ زِيَادَتَهَا فِي الْأَوَّلِ وَهْمٌ مِنَ الْكُشْمِيهَنِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: عَائِذًا. . . إِلَخْ) بَيَّنَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ بِالشَّكِّ فِي سُوءٍ وَسُوأَى.
قَوْلُهُ: (عَائِذًا بِاللَّهِ) وَهَكَذَا وَقَعَ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ عَلَى الْحَالِ؛ أَيْ: أَقُولُ ذَلِكَ عَائِذًا. أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ؛ أَيْ عِيَاذًا. وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِالرَّفْعِ؛ أَيْ: أَنَا عَائِذٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) هُوَ ابْنُ خَيَّاطٍ الْعُصْفُرِيُّ، وَأَكْثَرُ مَا يُخَرِّجُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ يَقَعُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ لَا يَقُولُ حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا، وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ. وَقَوْلُهُ: سَعِيدٌ؛ هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَمُعْتَمِرٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) يَعْنِي عَنْ أَبِي مُعْتَمِرٍ، وَذَكَرَ هَذِهِ الطَّرِيقَ الْأُخْرَى لِقَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ وَأَنَّ بَقِيَّةَ شَرْحِهِ يَأْتِي فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٦ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ
٧٠٩٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ: الْفِتْنَةُ هَاهُنَا، الْفِتْنَةُ هَاهُنَا؛ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ.
٧٠٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ يَقُولُ: أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ.
٧٠٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ"
٧٠٩٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ بَيَانٍ عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا قَالَ فَبَادَرَنَا إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدِّثْنَا عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَاللَّهُ يَقُولُ وَ ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ)؛ أَيْ مِنْ جِهَتِهِ، ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أُسَامَةَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْفِتَنِ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ: إِنِّي لَأَرَى الْفِتَنَ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ وَكَانَ خِطَابُهُ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ بِسَنَدِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ.
قَوْلُهُ: (الْفِتْنَةُ هَهُنَا، الْفِتْنَةُ هَهُنَا) كَذَا فِيهِ مَرَّتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: هَاإِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا؛ أَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ، أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ) كَذَا هُنَا بِالشَّكِّ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: هَهُنَا أَرْضُ الْفِتَنِ، وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ يَعْنِي حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا، يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ مِثْلُ مَعْمَرٍ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ: أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ. بَلْ قَالَ: يَعْنِي الْمَشْرِقَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ سَالِمٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُشِيرُ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَيَقُولُ: هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا ثَلَاثًا حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالِمٍ مِثْلُهُ، لَكِنْ قَالَ: إِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا ثَلَاثًا وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، مَا أَسْأَلُكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ وَأَرْكَبُكُمُ الْكَبِيرَةَ! سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَهُنَا، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ.
كَذَا فِيهِ بِالتَّثْنِيَةِ، وَلَهُ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُ سِيَاقِ حَنْظَلَةَ سَوَاءٌ، وَلَهُ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَخْرَجَهُ فِي الطَّلَاقِ ثُمَّ سَاقَ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ رِوَايَةِ يُونُسَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا وَلَمْ يُكَرِّرْ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، وَأَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنِ اللَّيْثِ؛ فَكَرَّرَهَا مَرَّتَيْنِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا. . . الْحَدِيثَ) كَذَا أَوْرَدَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَزْهَرَ السَّمَّانِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ ابْنِ بِنْتِ أَزْهَرَ حَدَّثَنِي جَدِّي أَزْهَرُ بِهَذَا السَّنَدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ. وَمِثْلُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ، عَنْ أَزْهَرَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ أَبِيهِ كَذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مَوْقُوفًا، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِي نَجْدِنَا. فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَالدَّوْرَقِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ وَفِي نَجْدِنَا: قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا. قَالَ: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: هُنَاكَ فَذَكَرَهُ، لَكِنْ شَكَّ هَلْ قَالَ بِهَا أَوْ مِنْهَا، وَقَالَ يَخْرُجُ بَدَلَ يَطْلُعُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مِثْلُهُ فِي الْإِعَادَةِ مَرَّتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ وَلَدِ ابْنِ عَوْنٍ: فَلَمَّا كَانَ الثَّالِثَةُ أَوِ الرَّابِعَةُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: بِهَا الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَمِنْهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: إِنَّمَا تَرَكَ ﷺ الدُّعَاءَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ لِيَضْعُفُوا عَنِ الشَّرِّ الَّذِي هُوَ مَوْضُوعٌ فِي جِهَتِهِمْ لِاسْتِيلَاءِ الشَّيْطَانِ بِالْفِتَنِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: قَرْنُ الشَّمْسِ فَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لِلشَّمْسِ قَرْنٌ حَقِيقَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْقَرْنِ قُوَّةَ الشَّيْطَانِ وَمَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْإِضْلَالِ، وَهَذَا أَوْجَهُ، وَقِيلَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَقْرِنُ رَأْسَهُ بِالشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا لِيَقَعَ سُجُودُ عَبَدَتِهَا لَهُ.
قِيلَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّمْسِ شَيْطَانٌ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَيْنَ قَرْنَيْهِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْقَرْنُ الْأُمَّةُ مِنَ النَّاسِ يَحْدُثُونَ بَعْدَ
فَنَاءِ آخَرِينَ، وَقَرْنُ الْحَيَّةِ أَنْ يُضْرَبَ الْمَثَلُ فِيمَا لَا يُحْمَدُ مِنَ الْأُمُورِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ أَهْلُ الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ أَهْلَ كُفْرٍ، فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ الْفِتْنَةَ تَكُونُ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ، وَأَوَّلُ الْفِتَنِ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ مِمَّا يُحِبُّهُ الشَّيْطَانُ وَيَفْرَحُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْبِدَعُ نَشَأَتْ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: نَجْدٌ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ نَجْدُهُ بَادِيَةَ الْعِرَاقِ وَنَوَاحِيهَا وَهِيَ مَشْرِقُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَصْلُ النَّجْدِ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ، وَهُوَ خِلَافُ الْغَوْرِ فَإِنَّهُ مَا انْخَفَضَ مِنْهَا، وَتِهَامَةُ كُلُّهَا مِنَ الْغَوْرِ وَمَكَّةُ مِنْ تِهَامَةَ، انْتَهَى وَعُرِفَ بِهَذَا وَهَاءَ مَا قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ أنَّ نَجْدًا مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ نَجْدًا مَوْضِعٌ مَخْصُوصٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ ارْتَفَعَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَلِيهِ يُسَمَّى الْمُرْتَفِعُ نَجْدًا وَالْمُنْخَفِضُ غَوْرًا.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ) هُوَ ابْنُ شَاهِينَ، وَخَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَبَيَانٌ - بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ - هُوَ ابْنُ عَمْرٍو، وَوَبَرَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمُوَحَّدَةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ عِيَاضٌ: ضَبَطْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا)؛ أَيْ حَسَنَ اللَّفْظِ يَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ التَّرْجَمَةِ وَالرُّخْصَةِ، فَشَغَلَهُ الرَّجُلُ فَصَدَّهُ عَنْ إِعَادَتِهِ حَتَّى عَدَلَ إِلَى التَّحَدُّثِ عَنِ الْفِتْنَةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ) تَقَدَّمَ فِي الْأَنْفَالِ أَنَّ اسْمَهُ حَكِيمٌ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ بَيَانٍ أَنَّ وَبَرَةَ حَدَّثَهُ فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ: فَمَرَرْنَا بِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: حَكِيمٌ.
قَوْلُهُ: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هِيَ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (حَدِّثْنَا عَنِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَاللَّهُ يَقُولُ) يُرِيدُ أَنْ يَحْتَجَّ بِالْآيَةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَأَنَّ فِيهَا الرَّدَّ عَلَى مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ كَابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلُهُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكُ ظَاهِرُهُ الدُّعَاءُ، وَقَدْ يَرِدُ مَوْرِدَ الزَّجْرِ كَمَا هُنَا، وَحَاصِلُ جَوَابِ ابْنِ عُمَرَ لَهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وقاتلوهم) لِلْكُفَّارِ، فَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِقِتَالِ الْكَافِرِينَ حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ يُفْتَنُ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَيَرْتَدُّ إِلَى الْكُفْرِ، وَوَقَعَ نَحْوُ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ وَجَمَاعَةٍ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَأَجَابَهُمْ بِنَحْوِ جَوَابِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ بَيَانٍ بِزِيَادَةِ: فَقَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ: وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةٌ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ عَنْ دِينِهِ إِمَّا يَقْتُلُونَهُ وَإِمَّا يُوثِقُونَهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ؛ أَيْ لَمْ يَبْقَ فِتْنَةٌ، أَيْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُؤَالَهُ عَنْ عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ وَجَوَابَ ابْنِ عُمَرَ.
وَقَوْلُهُ هُنَا: وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ؛ أَيْ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ، يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ بَيْنَ مَرْوَانَ ثُمَّ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِهِ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَكَانَ رَأْيُ ابْنِ عُمَرَ تَرْكَ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مُحِقَّةٌ وَالْأُخْرَى مُبْطِلَةٌ، وَقِيلَ: الْفِتْنَةُ مُخْتَصَّةٌ بِمَا إِذَا وَقَعَ الْقِتَالُ بِسَبَبِ التَّغَالُبِ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ، وَأَمَّا إِذَا عُلِمَتِ الْبَاغِيَةُ فَلَا تُسَمَّى فِتْنَةً وَتَجِبُ مُقَاتَلَتُهَا حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الطَّاعَةِ ; وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
١٧ - بَاب الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً … تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ
حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا … وَلَّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ
شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَتَغَيَّرَتْ … مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٠٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولغير أبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمَين، هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ المِنْبَرِ) وفي التِّرمذيِّ من طريق عبد الرَّزَّاق عن مَعْمرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قام على المنبر (فَقَالَ: الفِتْنَةُ هَهُنَا، الفِتْنَةُ هَهُنَا) بالتَّكرار مرَّتين (مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) بضمِّ اللَّام من «يطلُع»، ولمسلمٍ من طريق فُضَيل بن غزوان عن سالمٍ بلفظ: «إنَّ الفتنة تجيء من ههنا» -وأومأ بيده نحو المشرق- «من حيث يطلُعُ قرنا الشَّيطان» بالتَّثنية، وقد قيل: إنَّ له قرنين على الحقيقة، وقيل: إنَّ قرنيه ناحيتا رأسه، أو هو مَثَلٌ، أي: حينئذٍ يتحرَّك الشَّيطان ويتسلَّط، أو قرنه أهل حزبه (أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ (١)) أي: أعلاها، وقيل: إنَّ الشَّيطان يقرن رأسه بالشَّمس عند طلوعها؛ لتقع سجدة عَبَدتها له.
والحديثُ أخرجه التِّرمذيُّ في «الفتن».
٧٠٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابن سعدٍ الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (مُسْتَقْبِلٌ المَشْرِقَ) بالنَّصب، ولأبي ذرٍّ: «المشرق» بالجرِّ (يَقُولُ: أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام (إِنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا) مرَّةً واحدةً من غير تكرارٍ (مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) من غير شكٍّ بخلاف الأولى، وإنَّما أشار ﵊ إلى المشرق؛ لأنَّ أهله يومئذٍ أهل كفرٍ؛ فأخبر أنَّ الفتنة تكون من تلك النَّاحية؛ وكذا وقع فكان (٢) وقعة الجمل ووقعة صفِّين، ثم ظهور الخوارج (٣) في أرض نجدٍ والعراق (٤) وما وراءها من المشرق، وكان أصل ذلك كلِّه وسببه قتلَ عثمان بن عفَّان ﵁، وهذا علمٌ من أعلام نبوَّته ﷺ وشرَّف وكرَّم.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْمُسْتَخْرج من رِوَايَة مُحَمَّد بن عبد الله بن رسته بِضَم الرَّاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالتاء الْمُثَنَّاة الْمَفْتُوحَة، قَالَ: حَدثنَا الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بِهِ. قَوْله: وَقَالَ: كل رجل أَي: قَالَ أنس: كل رجل كَانَ هُنَاكَ حَال كَونه لافاً بتَشْديد الْفَاء رَأسه فِي ثَوْبه يبكي، ويروى: لاف، وَهُوَ الْأَوْجه. وَقَوله: يبكي خبر: قَوْله: كل رجل لِأَنَّهُ مُبْتَدأ، وَلما ألحوا على رَسُول الله فِي الْمَسْأَلَة كره مسائلهم وَعز على الْمُسلمين الإلحاح والتعنت عَلَيْهِ وتوقعوا نزُول عُقُوبَة الله عَلَيْهِم، فبكوا خوفًا مِنْهَا، فَمثل الله تَعَالَى الْجنَّة وَالنَّار لَهُ وَأرَاهُ كل مَا يسْأَله عَنهُ. قَوْله: وَقَالَ أَي: كل رجل قَالَ: عائذاً بِاللَّه أَي: حَال كَونه مستعيذاً بِاللَّه من سوء الْفِتَن. قَوْله: أَو قَالَ: أعوذ بِاللَّه شكّ من الرَّاوِي، وَيحْتَمل أَن يكون الشَّك بَين قَوْله: عائذاً بِاللَّه وَقَوله: أعوذ بِاللَّه وَيحْتَمل أَن يكون بَين قَوْله: من سوء الْفِتَن وَقَوله: من شَرّ الْفِتَن
٧٠٩١ - وَقَالَ لي خَلِيفَةُ، حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، حَدثنَا سعِيدٌ ومُعْتَمِرٌ عنْ أبِيهِ، عنْ قتادَةَ: أنَّ أنسا حدَّثَهُمْ عنِ النبيِّ بِهاذَا، وَقَالَ: عائِذاً بِاللَّه مِنْ شَرِّ الفِتَنِ.
أَي: قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ لي خَليفَة هُوَ ابْن خياط بطرِيق المذاكرة عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة ومعتمر بن سُلَيْمَان بن طرخان عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره. قَوْله: بِهَذَا أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، قَالَ عَائِذ بِاللَّه من شَرّ الْفِتَن بالشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمُشَدّدَة.
١٦ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ المَشْرَقِ))
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي الْفِتْنَة من قبل الْمشرق، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: من جِهَته.
٧٠٩٢ - حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدّثنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ، عنْ مَعْمرٍ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عنْ سالِمٍ، عنْ أبِيهِ عنِ النبيِّ أنّهُ قامَ إِلَى جَنْبِ المِنْبَرِ فَقَالَ: الفِتْنَةُ هاهُنا الفِتْنَةُ هاهُنا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطانِ أوْ قَالَ قَرْنُ الشَّمْسِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر عَن النَّبِي
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن عَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق.
قَوْله: حَدثنِي عبد الله ويروى: حَدثنَا. قَوْله: قرن الشَّيْطَان ذهب الدَّاودِيّ إِلَى أَن للشَّيْطَان قرنين على الْحَقِيقَة، وَذكر الْهَرَوِيّ أَن قرنيه ناحيتي رَأسه، وَقيل: هَذَا مثل أَي: حينئذٍ يَتَحَرَّك الشَّيْطَان ويتسلط، وَقيل: الْقرن الْقُوَّة أَي: تطلع حِين قُوَّة الشَّيْطَان، وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى الْمشرق لِأَن أَهله يومئذٍ كَانُوا أهل كفر فَأخْبر أَن الْفِتْنَة تكون من تِلْكَ النَّاحِيَة وَكَذَلِكَ كَانَت وَهِي وقْعَة الْجمل ووقعة صفّين، ثمَّ ظُهُور الْخَوَارِج فِي أَرض نجد وَالْعراق وَمَا وَرَاءَهَا من الْمشرق، وَكَانَت الْفِتْنَة الْكُبْرَى الَّتِي كَانَت مِفْتَاح فَسَاد ذَات الْبَين قتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ يحذر من ذَلِك وَيعلم بِهِ قبل وُقُوعه، وَذَلِكَ من دلالات نبوته قَوْله: أَو قرن الشَّمْس شكّ من الرَّاوِي، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: قرن الشَّمْس أَعْلَاهَا.
٧٠٩٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ، حَدثنَا لَ يْثٌ، عنْ نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ، رَضِي الله عَنْهُمَا، أنَّهُ سَمِعَ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ مُسْتَقْبِلٌ المَشْرِقَ يَقُولُ ألَا إنَّ الفِتْنَةَ هاهُنا مِنْ حَيْثُ يَطلُعُ قَرْنُ الشَّيْطان.
هَذَا عَن عبد الله بن عمر أَيْضا أخرجه عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث بن سعيد إِلَى آخِره.
٧٠٩٤ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حَدثنَا أزْهَرُ بن سَعْدٍ، عنِ ابنِ عَوْنِ، عنْ نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ النبيُّ اللَّهُمَّ باركْ لَنا فِي شأمِنا، اللَّهُمَّ باركْ لَنا فِي يَمَنِنا قالُوا: يَا رَسُول الله وَفِي نَجْدنا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي شأمِنا اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي يَمَنِنا قالُوا: يَا رَسُول الله وَفِي نَجْدِنا؟ فأظُنُّهُ قَالَ: فِي الثَّالِثَةِ: هُناكَ الزَّلازِلُ والفِتَنُ وَبهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطانِ.
انْظُر الحَدِيث ١٠٣٧
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَهُنَاكَ الزلازل والفتن وَبهَا يطلع قرن الشَّيْطَان وَأَشَارَ بقوله: هُنَاكَ إِلَى نجد، ونجد من الْمشرق قَالَ الْخطابِيّ: نجد من جِهَة الْمشرق، وَمن كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ نجده بادية الْعرَاق ونواحيها، وَهِي مشرق أهل الْمَدِينَة، وأصل النجد مَا ارْتَفع من الأَرْض وَهُوَ خلاف الْغَوْر فَإِنَّهُ مَا انخفض مِنْهَا، وتهامة كلهَا من الْغَوْر، وَمَكَّة من تهَامَة الْيمن.
وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وأزهر بن سعد السمان الْبَصْرِيّ يروي عَن عبد الله بن عون بالنُّون ابْن أرطبان الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الاسْتِسْقَاء عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن بشر بن آدم ابْن بنت أَزْهَر السمان عَن جده أَزْهَر بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب، والفتن تبدو من الْمشرق وَمن ناحيتها يخرج يَأْجُوج وَمَأْجُوج والدجال، وَقَالَ كَعْب: بهَا الدَّاء العضال وَهُوَ الْهَلَاك فِي الدّين، وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا ترك الدُّعَاء لأهل الْمشرق ليضعفوا عَن الشَّرّ الَّذِي هُوَ مَوْضُوع فِي جهتهم لاستيلاء الشَّيْطَان بالفتن.
٧٠٩٥ - حدّثنا إسْحاقُ الوَاسِطِيُّ، حَدثنَا خَالِدٌ، عنْ بَيانٍ، عنْ وبَرَةَ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ: خَرَجَ عَليْنا عبْدُ الله بنُ عُمَرَ فَرَجَوْنا أَن يُحَدِّثَنا حَدِيثا حَسناً، قَالَ: فَبادَرَ إلَيْهِ رجلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عبْدِ الرَّحْمانِ حدِّثْنا عنِ القِتال فِي الفِتْنَةِ، وَالله يَقُولُ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَاّ عَلَى الظَّالِمِينَ} {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ثَكِلَتْكَ أُمُّك؟ إنّما كانَ مُحَمَّدٌ يُقاتِلُ المُشْرِكِينَ وكانَ الدُّخُولُ فِي دِينهِمْ فِتْنَةً ولَيْسَ كَقِتالِكُمْ عَلى الملْكِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهَا الْفِتْنَة من قبل الْمشرق، سَأَلُوا هُنَا عَن ابْن عمر أَن يُحَدِّثهُمْ بِحَدِيث حسن فِيهِ ذكر الرَّحْمَة فَحَدثهُمْ بِحَدِيث الْفِتْنَة.
وَإِسْحَاق هُوَ ابْن شاهين الوَاسِطِيّ يروي عَن خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان، وَوَقع فِي بعض النّسخ: خلف، بدل: خَالِد، وَمَا أَظن صِحَّته، وَبَيَان بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء وَبعد الْألف نون بن بشر بالشين الْمُعْجَمَة الأحمسي بالمهملتين، ووبرة بِفَتْح الْوَاو وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء ابْن عبد الرحمان الْحَارِثِيّ وَالْبَاء مَفْتُوحَة عِنْد الْجَمِيع وَبِه جزم ابْن عبد الْبر، وَقَالَ عِيَاض: ضبطناه فِي مُسلم بِسُكُون الْبَاء.
والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن يُونُس.
قَوْله: حَدِيثا حسنا أَي: حسن اللَّفْظ يَشْمَل على ذكر الرَّحْمَة والرخصة. قَوْله: فبادرنا بِفَتْح الرَّاء فعل ومفعول. وَقَوله: رجل فَاعله واسْمه حَكِيم. قَوْله: إِلَيْهِ أَي: إِلَى ابْن عمر. قَوْله: فَقَالَ: يَا عبد الرحمان أَصله: يَا أَبَا، فحذفت الْألف للتَّخْفِيف، وَأَبُو عبد الرحمان كنية عبد الله بن عمر. قَوْله: وَالله يَقُول يُرِيد الِاحْتِجَاج بِالْآيَةِ على مَشْرُوعِيَّة الْقِتَال فِي الْفِتْنَة وَأَن فِيهَا الرَّد على من ترك ذَلِك كَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَ ابْن عمر ثكلتك أمك، بِكَسْر الْكَاف أَي: عدمتك أمك، وَهُوَ وَإِن كَانَ على صُورَة الدُّعَاء عَلَيْهِ، لكنه لَيْسَ مَقْصُودا وَقد مرت قصَّته فِي سُورَة الْبَقَرَة وَهِي أَنه قيل لَهُ فِي فتْنَة ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: مَا يمنعك أَن تخرج وَقَالَ تَعَالَى: والفتنة هِيَ الْكفْر، وَكَانَ قتالنا على الْكفْر وقتالكم على الْملك، أَي: فِي طلب الْملك، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَقع بَين مَرْوَان ثمَّ عبد الْملك ابْنه، وَبَين ابْن الزبير وَمَا أشبه ذَلِك، وَكَانَ رَأْي عبد الله بن عمر ترك الْقِتَال فِي الْفِتْنَة، وَلَو ظهر أَن إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ محقة وَالْأُخْرَى مبطلة.