الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٩٥
الحديث رقم ٧٠٩٥ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي الفتنة من قبل المشرق.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٧٠٩٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ
كان سعيد بن جبير مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عندما أصاب ابن عمر نصل الرمح في باطن قدمه، فلصقت قدمه بالموضع الذي توضع فيه الرجل من السرج، فنزل سعيد فجذب النصل ونزعه، وكان وقوع الإصابة بمنى بعد قتل عبد الله بن الزبير بسنة، فعلم الحجاج بن يوسف الثقفي بذلك، وكان إذ ذاك أميرًا على الحجاز، فجاء ليزوره، وقال له: لو علمنا من الذي أصابك لعاقبناه، فقال له ابن عمر: أنت الذي أصبتني ونسب الفعل إليه؛ لأنه الآمر به، فسأله الحجاج: وكيف أصبتك؟ فأخبره أن أمر بحمل السلاح في يوم لم يكن يحمل في السلاح، وهو يوم العيد، وأدخلتَ السلاح في الحرم المكي ولم يكن يدخل في الحرم، وقول الصحابي: كان يُفعل كذا، له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٠٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ) ولابن عساكر: «إسحاق بن شاهين الواسطيُّ» قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) كذا للأربعة (١) في «اليونينية»، وهو ابن عبد الله الطَّحَّان، وفي نسخةٍ فيها (٢): «خلفٌ» قال العينيُّ: وما أظنُّ صحَّته (عَنْ بَيَانٍ) بفتح الموحَّدة والتَّحتيَّة المخفَّفة وبعد الألف نون، ابن بِشْرٍ -بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة- الأحمسيِّ (عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بفتح الواو والموحَّدة والرَّاء، الحارثيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) وسقط «عبد الله» لابن عساكر (فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا) يشتمل على ذكر الرَّحمة والرُّخصة (قَالَ: فَبَادَرَنَا) بفتح الرَّاء، فعلٌ ومفعولٌ (إِلَيْهِ رَجُلٌ) اسمه: حكيمٌ (فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هي كنية ابن عمر (حَدِّثْنَا) بكسر الدَّال وسكون المثلَّثة (عَنِ القِتَالِ فِي الفِتْنَةِ، وَاللهُ) تعالى (يَقُولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]) ساقها للاحتجاج على مشروعيَّة القتال في الفتنة، وردًّا على من ترك ذلك؛ كابن عمر، فإنَّه كان يرى ترك القتال في الفتنة ولو ظهر أنَّ إحدى الطَّائفتين مُحِقَّةٌ والأخرى مُبطِلةٌ (فَقَالَ) أي: ابن عمر: (هَلْ تَدْرِي مَا الفِتْنَةُ؟ ثَكِلَتْكَ) بفتح المثلَّثة وكسر الكاف، أي: عدمتك (أُمُّكَ) فظاهره الدُّعاء، وقد يرد للزَّجر كما هنا (إِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُقَاتِلُ المُشْرِكِينَ) يعني: أنَّ الضَّمير في قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ للكفَّار، فأمر المؤمنين بقتال الكفَّار حتَّى لا يبقى أحدٌ يُفْتَن عن دين الإسلام، ويَرتَدُّ إلى الكفر (وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً) سبق في «سورة الأنفال» [خ¦٤٦٥١] (٣) من رواية زهير بن معاوية عن بيانٍ (٤): «فكان الرَّجل يُفْتَن عن دينه، إمَّا يقتلونه، وإمَّا يعذِّبونه، حتَّى
كَثُر الإسلام، فلم تكن فتنة» أي: فلم تبق فتنةٌ من أحدٍ من الكفَّار لأحدٍ من المؤمنين (وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «بقتالكم» (عَلَى المُلْكِ) بضمِّ الميم وسكون اللَّام، أي: في طلب الملك؛ كما وقع بين مروان ثمَّ ابنه عبد الملك وبين ابن الزُّبير وما أشبه ذلك، وإنَّما (١) كان قتالًا على الدِّين.
والحديث سبق في «التَّفسير» [خ¦٤٦٥١].
(١٧) (باب: الفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ).
(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان؛ ممَّا وصله البخاريُّ في «تاريخه الصَّغير» عن عبد الله بن محمَّد المسنَديِّ: حدَّثنا سفيان بن عيينة (عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ) بفتح المهملة والمعجمة بينهما واوٌ ساكنةٌ، آخره موحَّدةٌ بوزن جعفرٍ، أدرك خلفٌ بعض الصَّحابة، ولم تُعْلَم له روايةٌ عن أحدٍ منهم، وهو من أهل الكوفة، ووثَّقه العجليُّ، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الموضع: (كَانُوا) أي: السَّلف (يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ عِنْدَ) نزول (الفِتَنِ، قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ) بن عابسٍ (٢) الكنديُّ، كان في زمن النَّبيِّ ﷺ؛ كذا في رواية أبي ذرٍّ: «قال امرؤ القيس»، والمحفوظ أنَّ الأبيات المذكورة لعَمرو بن معديكرب، بفتح عين «عَمرٍو»، وجزم به أبو العبَّاس المبرِّدُ في «الكامل»، والسُّهيليُّ في «روضه»، والأبيات هي:
(الحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ) «الحرب»: مؤنَّثة، قال الخليل: تصغيرها حُرَيبٌ؛ بلا هاءٍ، قال
المازنيُّ: لأنَّه في الأصل مصدرٌ، وقال المبرِّد: قد يُذكَّر الحرب (١) (فَتِيَّةً) بفتح الفاء وكسر الفوقيَّة وفتح التَّحتيَّة مشدَّدةً، قال في «المصابيح»: ويروى: «فُتيَّةً» بضمِّ الفاء مصغَّرًا، أي: شابَّةً، ويجوز فيه أربعة أوجهٍ:
الأوَّل: رفع «أوَّل»، ونصب «فتيَّةً» (٢)، وهو الذي في الفرع؛ مثل: زيدٌ أخطب ما يكون يوم الجمعة (٣)، فـ «الحرب»: مبتدأٌ أوَّل، وقوله: «أوَّل ما تكون» مبتدأٌ ثانٍ، و «فتيَّةً» حالٌ سادَّةٌ مسدَّ الخبر (٤)، والجملة المركَّبة من المبتدأ الثَّاني وخبره خبرٌ عن المبتدأ الأوَّل؛ والمعنى: الحرب أوَّل أكوانها (٥) إذا كانت فتيَّةً.
الثَّاني: نصب «أوَّل» ورفع «فتيَّةً»، عكس الأوَّل، ووجهه ظاهرٌ (٦)؛ وهو أن يكون «الحربُ» مبتدأ «وفتيَّة» خبره (٧)، و «أوَّل ما تكون» ظرفٌ عامله الخبر و «تكون» ناقصةٌ، أي: الحرب في أوَّل أحوالها فتيَّةٌ.
الثَّالث: رفع «أوَّل» و «فتيَّة» على أنَّ الحرب مبتدأٌ، و «أوَّل» بدلٌ منه، و «فتيَّة» خبرٌ، و «ما» مصدريَّةٌ، و «تكون» تامَّةٌ، أو «أوَّل» مبتدأٌ ثانٍ، و «فتيَّة» خبره، وأنَّث الخبر مع أنَّ المبتدأ الذي هو «أوَّل» مذكَّرٌ؛ لأنَّه مضافٌ إلى الأكوان.
الرَّابع: نصبهما جميعًا على أنَّ «أوَّل» ظرفٌ، وهو خبر المبتدأ الذي هو «الحرب» و «تكون» ناقصةٌ، و «فتيَّةً» منصوبٌ على الحال من الضَّمير المستكنِّ في الظَّرف المستقرِّ، أي: الحرب موجودةٌ في أوَّل أكوانها على هذه الحالة، والخبر عنها قوله: (تَسْعَى) أي: الحرب في حال ما هي فتيَّةٌ -أي: في وقت وقوعها- تغرُّ من لم يجرِّبها حتَّى يدخل فيها؛ فتُهلِكه (بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ) بكسر الزَّاي وسكون التَّحتيَّة بعدها نونٌ ففوقيَّةٌ، ورواه سيبويه بموحَّدتين، فزايٍ مشدَّدةٍ مفتوحةٍ ففوقيَّةٍ (١)، والبزَّة: اللِّباس الجيِّد (حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ) بالشِّين المعجمة والعين المهملة، أي: هاجت، و «إذا» شرطيَّةٌ، وجوابها «ولَّت» أو محذوفٌ؛ كما في «المصابيح»، ويجوز أن تكون ظرفيَّةً (وَشَبَّ) بفتح المعجمة والموحَّدة المشددة (ضِرَامُهَا) بكسر الضَّاد المعجمة، بعدها راءٌ فألفٌ فميمٌ: اتَّقد وارتفع اشتعالها (وَلَّتْ) حال كونها (عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ) بالحاء المهملة، أي: لا يرغب أحدٌ في تزوُّجها (٢)، و (٣) يُرْوى بالخاء المعجمة (شَمْطَاءَ) بالنَّصب، نعتٌ لـ «عجوزًا»، والشَّمط -بفتح الشِّين المعجمة-: اختلاط الشَّعر الأبيض بالشَّعر الأسود (يُنْكَرُ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الكاف (لَوْنُهَا) ولأبي ذرٍّ: «تُنكَر» بالفوقيَّة بدل التَّحتيَّة، أي: تبدَّلت بحسنها قبحًا (وَتَغَيَّرَتْ) حال كونها (مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ) لأنَّها في هذه الحالة مظنَّةٌ للبخر، فوصفها به؛ مبالغة في التَّنفير منها، والمراد: أنَّهم يتمثَّلون بهذه الأبيات؛ ليستحضروا ما شاهدوه وسمعوه من حال الفتنة؛ فإنَّهم يتذكَّرون بإنشادها ذلك، فيصدُّهم عن الدُّخول فيها حتَّى لا يغترُّوا بظاهر أمرها أوَّلًا.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْمُسْتَخْرج من رِوَايَة مُحَمَّد بن عبد الله بن رسته بِضَم الرَّاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالتاء الْمُثَنَّاة الْمَفْتُوحَة، قَالَ: حَدثنَا الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بِهِ. قَوْله: وَقَالَ: كل رجل أَي: قَالَ أنس: كل رجل كَانَ هُنَاكَ حَال كَونه لافاً بتَشْديد الْفَاء رَأسه فِي ثَوْبه يبكي، ويروى: لاف، وَهُوَ الْأَوْجه. وَقَوله: يبكي خبر: قَوْله: كل رجل لِأَنَّهُ مُبْتَدأ، وَلما ألحوا على رَسُول الله فِي الْمَسْأَلَة كره مسائلهم وَعز على الْمُسلمين الإلحاح والتعنت عَلَيْهِ وتوقعوا نزُول عُقُوبَة الله عَلَيْهِم، فبكوا خوفًا مِنْهَا، فَمثل الله تَعَالَى الْجنَّة وَالنَّار لَهُ وَأرَاهُ كل مَا يسْأَله عَنهُ. قَوْله: وَقَالَ أَي: كل رجل قَالَ: عائذاً بِاللَّه أَي: حَال كَونه مستعيذاً بِاللَّه من سوء الْفِتَن. قَوْله: أَو قَالَ: أعوذ بِاللَّه شكّ من الرَّاوِي، وَيحْتَمل أَن يكون الشَّك بَين قَوْله: عائذاً بِاللَّه وَقَوله: أعوذ بِاللَّه وَيحْتَمل أَن يكون بَين قَوْله: من سوء الْفِتَن وَقَوله: من شَرّ الْفِتَن
٧٠٩١ - وَقَالَ لي خَلِيفَةُ، حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، حَدثنَا سعِيدٌ ومُعْتَمِرٌ عنْ أبِيهِ، عنْ قتادَةَ: أنَّ أنسا حدَّثَهُمْ عنِ النبيِّ بِهاذَا، وَقَالَ: عائِذاً بِاللَّه مِنْ شَرِّ الفِتَنِ.
أَي: قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ لي خَليفَة هُوَ ابْن خياط بطرِيق المذاكرة عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة ومعتمر بن سُلَيْمَان بن طرخان عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره. قَوْله: بِهَذَا أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، قَالَ عَائِذ بِاللَّه من شَرّ الْفِتَن بالشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمُشَدّدَة.
١٦ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ المَشْرَقِ))
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي الْفِتْنَة من قبل الْمشرق، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: من جِهَته.
٧٠٩٢ - حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدّثنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ، عنْ مَعْمرٍ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عنْ سالِمٍ، عنْ أبِيهِ عنِ النبيِّ أنّهُ قامَ إِلَى جَنْبِ المِنْبَرِ فَقَالَ: الفِتْنَةُ هاهُنا الفِتْنَةُ هاهُنا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطانِ أوْ قَالَ قَرْنُ الشَّمْسِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر عَن النَّبِي
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن عَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق.
قَوْله: حَدثنِي عبد الله ويروى: حَدثنَا. قَوْله: قرن الشَّيْطَان ذهب الدَّاودِيّ إِلَى أَن للشَّيْطَان قرنين على الْحَقِيقَة، وَذكر الْهَرَوِيّ أَن قرنيه ناحيتي رَأسه، وَقيل: هَذَا مثل أَي: حينئذٍ يَتَحَرَّك الشَّيْطَان ويتسلط، وَقيل: الْقرن الْقُوَّة أَي: تطلع حِين قُوَّة الشَّيْطَان، وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى الْمشرق لِأَن أَهله يومئذٍ كَانُوا أهل كفر فَأخْبر أَن الْفِتْنَة تكون من تِلْكَ النَّاحِيَة وَكَذَلِكَ كَانَت وَهِي وقْعَة الْجمل ووقعة صفّين، ثمَّ ظُهُور الْخَوَارِج فِي أَرض نجد وَالْعراق وَمَا وَرَاءَهَا من الْمشرق، وَكَانَت الْفِتْنَة الْكُبْرَى الَّتِي كَانَت مِفْتَاح فَسَاد ذَات الْبَين قتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ يحذر من ذَلِك وَيعلم بِهِ قبل وُقُوعه، وَذَلِكَ من دلالات نبوته قَوْله: أَو قرن الشَّمْس شكّ من الرَّاوِي، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: قرن الشَّمْس أَعْلَاهَا.
٧٠٩٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ، حَدثنَا لَ يْثٌ، عنْ نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ، رَضِي الله عَنْهُمَا، أنَّهُ سَمِعَ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ مُسْتَقْبِلٌ المَشْرِقَ يَقُولُ ألَا إنَّ الفِتْنَةَ هاهُنا مِنْ حَيْثُ يَطلُعُ قَرْنُ الشَّيْطان.
هَذَا عَن عبد الله بن عمر أَيْضا أخرجه عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث بن سعيد إِلَى آخِره.
٧٠٩٤ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حَدثنَا أزْهَرُ بن سَعْدٍ، عنِ ابنِ عَوْنِ، عنْ نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ النبيُّ اللَّهُمَّ باركْ لَنا فِي شأمِنا، اللَّهُمَّ باركْ لَنا فِي يَمَنِنا قالُوا: يَا رَسُول الله وَفِي نَجْدنا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي شأمِنا اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي يَمَنِنا قالُوا: يَا رَسُول الله وَفِي نَجْدِنا؟ فأظُنُّهُ قَالَ: فِي الثَّالِثَةِ: هُناكَ الزَّلازِلُ والفِتَنُ وَبهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطانِ.
انْظُر الحَدِيث ١٠٣٧
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَهُنَاكَ الزلازل والفتن وَبهَا يطلع قرن الشَّيْطَان وَأَشَارَ بقوله: هُنَاكَ إِلَى نجد، ونجد من الْمشرق قَالَ الْخطابِيّ: نجد من جِهَة الْمشرق، وَمن كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ نجده بادية الْعرَاق ونواحيها، وَهِي مشرق أهل الْمَدِينَة، وأصل النجد مَا ارْتَفع من الأَرْض وَهُوَ خلاف الْغَوْر فَإِنَّهُ مَا انخفض مِنْهَا، وتهامة كلهَا من الْغَوْر، وَمَكَّة من تهَامَة الْيمن.
وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وأزهر بن سعد السمان الْبَصْرِيّ يروي عَن عبد الله بن عون بالنُّون ابْن أرطبان الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الاسْتِسْقَاء عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن بشر بن آدم ابْن بنت أَزْهَر السمان عَن جده أَزْهَر بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب، والفتن تبدو من الْمشرق وَمن ناحيتها يخرج يَأْجُوج وَمَأْجُوج والدجال، وَقَالَ كَعْب: بهَا الدَّاء العضال وَهُوَ الْهَلَاك فِي الدّين، وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا ترك الدُّعَاء لأهل الْمشرق ليضعفوا عَن الشَّرّ الَّذِي هُوَ مَوْضُوع فِي جهتهم لاستيلاء الشَّيْطَان بالفتن.
٧٠٩٥ - حدّثنا إسْحاقُ الوَاسِطِيُّ، حَدثنَا خَالِدٌ، عنْ بَيانٍ، عنْ وبَرَةَ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ: خَرَجَ عَليْنا عبْدُ الله بنُ عُمَرَ فَرَجَوْنا أَن يُحَدِّثَنا حَدِيثا حَسناً، قَالَ: فَبادَرَ إلَيْهِ رجلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عبْدِ الرَّحْمانِ حدِّثْنا عنِ القِتال فِي الفِتْنَةِ، وَالله يَقُولُ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَاّ عَلَى الظَّالِمِينَ} {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ثَكِلَتْكَ أُمُّك؟ إنّما كانَ مُحَمَّدٌ يُقاتِلُ المُشْرِكِينَ وكانَ الدُّخُولُ فِي دِينهِمْ فِتْنَةً ولَيْسَ كَقِتالِكُمْ عَلى الملْكِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهَا الْفِتْنَة من قبل الْمشرق، سَأَلُوا هُنَا عَن ابْن عمر أَن يُحَدِّثهُمْ بِحَدِيث حسن فِيهِ ذكر الرَّحْمَة فَحَدثهُمْ بِحَدِيث الْفِتْنَة.
وَإِسْحَاق هُوَ ابْن شاهين الوَاسِطِيّ يروي عَن خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان، وَوَقع فِي بعض النّسخ: خلف، بدل: خَالِد، وَمَا أَظن صِحَّته، وَبَيَان بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء وَبعد الْألف نون بن بشر بالشين الْمُعْجَمَة الأحمسي بالمهملتين، ووبرة بِفَتْح الْوَاو وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء ابْن عبد الرحمان الْحَارِثِيّ وَالْبَاء مَفْتُوحَة عِنْد الْجَمِيع وَبِه جزم ابْن عبد الْبر، وَقَالَ عِيَاض: ضبطناه فِي مُسلم بِسُكُون الْبَاء.
والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن يُونُس.
قَوْله: حَدِيثا حسنا أَي: حسن اللَّفْظ يَشْمَل على ذكر الرَّحْمَة والرخصة. قَوْله: فبادرنا بِفَتْح الرَّاء فعل ومفعول. وَقَوله: رجل فَاعله واسْمه حَكِيم. قَوْله: إِلَيْهِ أَي: إِلَى ابْن عمر. قَوْله: فَقَالَ: يَا عبد الرحمان أَصله: يَا أَبَا، فحذفت الْألف للتَّخْفِيف، وَأَبُو عبد الرحمان كنية عبد الله بن عمر. قَوْله: وَالله يَقُول يُرِيد الِاحْتِجَاج بِالْآيَةِ على مَشْرُوعِيَّة الْقِتَال فِي الْفِتْنَة وَأَن فِيهَا الرَّد على من ترك ذَلِك كَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَ ابْن عمر ثكلتك أمك، بِكَسْر الْكَاف أَي: عدمتك أمك، وَهُوَ وَإِن كَانَ على صُورَة الدُّعَاء عَلَيْهِ، لكنه لَيْسَ مَقْصُودا وَقد مرت قصَّته فِي سُورَة الْبَقَرَة وَهِي أَنه قيل لَهُ فِي فتْنَة ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: مَا يمنعك أَن تخرج وَقَالَ تَعَالَى: والفتنة هِيَ الْكفْر، وَكَانَ قتالنا على الْكفْر وقتالكم على الْملك، أَي: فِي طلب الْملك، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَقع بَين مَرْوَان ثمَّ عبد الْملك ابْنه، وَبَين ابْن الزبير وَمَا أشبه ذَلِك، وَكَانَ رَأْي عبد الله بن عمر ترك الْقِتَال فِي الْفِتْنَة، وَلَو ظهر أَن إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ محقة وَالْأُخْرَى مبطلة.
١٧ - (بابُ الفِتْنَةِ الّتي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْفِتْنَة الَّتِي تموج كموج الْبَحْر، قيل: أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا أخرجه ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَاصِم بن ضَمرَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: فِي هَذِه الْأمة خمس فتن، فَذكر الْأَرْبَعَة، ثمَّ فتْنَة تموج كموج الْبَحْر وَهِي الَّتِي يصبح النَّاس فِيهَا كَالْبَهَائِمِ أَي: لَا عقول لَهُم.
وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ خَلَفِ بنِ حَوْشَبٍ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَتَمَثَّلُوا بِهاذِهِ الأبْياتِ عِنْدَ الفِتَنِ، قَالَ امرُؤ القَيْسِ:
(الحَرْبُ أوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيّةً ... تَسْعَى بِزِينَتها لِكُلِّ جَهُولِ)
(حتَّى إذَا اشْتَعَلَتْ وشَبَّ ضِرامُها ... ولّتْ عَجُوزاً غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ)
(شَمْطاءَ يُنْكَرُ لَوْنُها، وتَغَيَّرَتْ ... مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ والتَّقْبِيلِ)
أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن خلف بِالْخَاءِ وَاللَّام المفتوحتين ابْن حَوْشَب بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وبالباء الْمُوَحدَة كَانَ من أهل الْكُوفَة، روى عَن جمَاعَة من كبار التَّابِعين وَأدْركَ بعض الصَّحَابَة لَكِن لَا يعلم رِوَايَته عَنْهُم، وَكَانَ عابداً من عباد أهل الْكُوفَة وَثَّقَهُ الْعجلِيّ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا بَأْس بِهِ، وَأثْنى عَلَيْهِ ابْن عُيَيْنَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع، قَوْله: كَانُوا أَي: السّلف. قَوْله: عِنْد الْفِتَن أَي: عِنْد نُزُولهَا. قَوْله: قَالَ امْرُؤ الْقَيْس كَذَا وَقع عِنْد أبي ذَر فِي نسخته، وَالْمَحْفُوظ أَن هَذِه الأبيات لعَمْرو بن معد يكرب الزبيدِيّ، وَقد جزم بِهِ الْمبرد فِي الْكَامِل وَتَعْلِيق سُفْيَان هَذَا وَصله البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ الصَّغِير عَن عبد الله بن مُحَمَّد المسندي: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة. قَوْله: فتية بِفَتْح الْفَاء وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف أَي: شَابة، وَيجوز فِيهِ ضم الْفَاء بِالتَّصْغِيرِ، وَيجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب. وَأما الرّفْع فعلى أَنه خبر وَذَلِكَ أَن الْحَرْب مُبْتَدأ وَأول مَا تكون بدل مِنْهُ وَمَا مَصْدَرِيَّة وَتَكون تَامَّة تَقْدِيره: أول كَونهَا، وفتية خبر الْمُبْتَدَأ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجَاز فِي: أول، وفتية، أَرْبَعَة أوجه: نصبهما ورفعهما، وَنصب الأول وَرفع الثَّانِي، وَالْعَكْس. وَكَانَ، إِمَّا نَاقِصَة وَإِمَّا تَامَّة، ثمَّ سكت وَلم يبين وَجه ذَلِك. قلت: وَجه نصبهما أَن يكون الأول مَنْصُوبًا على الظّرْف، وفتية مَرْفُوعا على الخبرية، وَتَكون نَاقِصَة، وَالتَّقْدِير: الْحَرْب فِي أول حَالهَا فتية، وَوجه الْعَكْس أَن يكون الأول مُبْتَدأ ثَانِيًا أَو بَدَلا من الْحَرْب. وَيكون تَامَّة، وَقد خبط بَعضهم فِي هَذَا الْمَكَان يعرفهُ من يقف عَلَيْهِ. قَوْله: بزينتها بِكَسْر الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، وَرَوَاهُ سِيبَوَيْهٍ، ببزتها، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالزَّاي الْمُشَدّدَة، وَالْبزَّة اللبَاس الْجيد. قَوْله: حَتَّى إِذا اشتعلت بشين مُعْجمَة وَعين مُهْملَة، يُقَال: اشتعلت النَّار إِذا ارْتَفع لهيبها وَإِذا، يجوز أَن يكون ظرفية وَيجوز أَن يكون شَرْطِيَّة وجوابها قَوْله: ولت قَوْله: وشب بالشين الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة يُقَال: شبت الْحَرْب إِذا اتقدت. قَوْله: ضرامها بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ مَا اشتعل من الْحَطب. قَوْله: غير ذَات حليل بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وَهُوَ الزَّوْج، ويروى بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ ظَاهر. قَوْله: شَمْطَاء من شمط بالشين الْمُعْجَمَة اخْتِلَاط الشّعْر الْأَبْيَض بالشعر الْأسود، وَيجوز فِي إعرابه النصب على أَن يكون صفة لعجوز، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هِيَ شَمْطَاء. قَوْله: يُنكر على صِيغَة الْمَجْهُول. ولونها مَرْفُوع بِهِ أَي: بدل حسنها بقبح، وَوَقع فِي رِوَايَة الْحميدِي والسهيلي فِي الرَّوْض
شَمْطَاء جزت رَأسهَا
قَوْله: مَكْرُوهَة نصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: تَغَيَّرت، وَالْمرَاد بالتمثيل بِهَذِهِ الأبيات استحضار مَا شاهدوه وسمعوه من حَال الْفِتْنَة فَإِنَّهُم يتذكرون بإنشادها ذَلِك فيصدهم عَن الدُّخُول فِيهَا حَتَّى لَا يغتروا بِظَاهِر أمرهَا أَولا.
٧٠٩٦ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ، حدّثنا أبي، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعْمَشُ، حدّثنا شَقِيقٌ سَمِعْتُ
حُذَيْفَةَ يَقُولُ: نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ إِذْ قَالَ: أيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النبيِّ فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أهْلِهِ ومالِهِ ووَلدِهِ وجارِهِ، يُكَفِّرُها الصَّلاةُ والصَّدَقَةُ والأمرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَن المُنْكَرِ قَالَ: لَيْسَ عنْ هاذا أسْألُكَ، ولاكنِ الّتي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْها بأسٌ يَا أمِيرِ المُؤْمِنِينَ، إنَّ بَيْنَكَ وبَيْنها بَابا مُغَلقاً. قَالَ عُمَرُ: أيُكْسَرُ البابُ أمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ عُمَرُ: إِذا لَا يُغْلَقَ أبدا. قُلْتُ: أجَلْ. قُلْنا لحُذَيْفَةَ: أكانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أعْلَمُ أنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً. وذالِكَ أنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثاً لَيْسَ بِالأغالِيطِ، فَهِبْنا أنْ نَسْألَهُ مَنِ البابُ؟ فأمَرْنا مَسْرُوقاً فَسَألُهُ، فَقَالَ: مَنِ البابُ؟ قَالَ: عُمَرُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن شَقِيق بن سَلمَة عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان.
والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الْمَوَاقِيت مطولا، وَفِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة عَن جرير، وَفِي الصَّوْم عَن عَليّ بن عبد الله، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: لَيْسَ عَلَيْك وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: عَلَيْكُم، بِالْجمعِ. قَوْله: بَيْنك وَبَينهَا بَابا مغلقاً قيل: قَالَ هَذَا ثمَّ قَالَ آخرا: هُوَ الْبَاب، وَأجِيب بِأَن المُرَاد بَين زَمَانك وحياتك وَبَينهَا أَو الْبَاب بدل عمر وَهُوَ بَين الْفِتْنَة وَبَين نَفسه. قَوْله: أيكسر الْبَاب أم يفتح؟ قَالَ ابْن بطال: أَشَارَ بِالْكَسْرِ إِلَى قتل عمر وبالفتح إِلَى مَوته. وَقَالَ عمر: إِذا كَانَ بِالْقَتْلِ فَلَا تسكن الْفِتْنَة أبدا. قَوْله: كَمَا أعلم أَن دون غَد لَيْلَة أَي: علما ضَرُورِيًّا. قَوْله: بالأغاليط جمع الأغلوطة وَهِي الْكَلَام الَّذِي يغالط بِهِ ويغالط فِيهِ. قَوْله: فَأمرنَا أَي: قُلْنَا أَو طلبنا.
وَفِيه: أَن الْأَمر لَا يشْتَرط فِيهِ الْعُلُوّ والاستعلاء.
٧٠٩٧ - حدّثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ، أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، عنْ شَريكٍ بنِ عَبْدِ الله، عنْ سَعِيدِ بنِ المُسيَّبِ، عنْ أبي مُوساى الأشْعَرِيِّ قَالَ: خَرَجَ النبيُّ يَوْماً إِلَى حائِطٍ مِنْ حَوائِطِ المَدِينَةِ لِحاجَتِهِ، وخَرَجْتُ فِي إثْرِهِ، فَلمَّا دَخَلَ الحائِطَ جَلَسْتُ عَلى بابِهِ، وقُلْتُ: لأكُونَنَّ اليَوْم بَوَّابَ النبيِّ ولَمْ يَأمُرْنِي. فَذَهَبَ النبيُّ وقَضاى حاجَتَهُ وجَلَسَ عَلى قُفِّ البِئرِ فَكشَف عنْ ساقَيْهِ ودَلَّاهُما فِي البِئرِ، فَجاءَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأذِنُ عَلَيْهِ لِيَدْخُلَ فَقُلْتُ: كَمَا أنْتَ حتَّى أسْتَأذِنَ لَكَ، فَوَقَفَ فَجِئْتُ إِلَى النبيِّ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ الله أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ. قَالَ: ائْذَنْ لهُ وبَشِّرْهُ بِالجَنَةِ فَدَخَلَ فَجاءَ عنْ يَمِينِ النبيِّ فَكَشَفَ عنْ ساقَيْهِ ودَلَّاهُما فِي البِئْرِ. فَجاءَ عُمَرُ فَقُلْتُ: كَمَا أنْتَ حتَّى أسْتَأْذِنَ لَكَ، فَقَالَ النبيُّ ائْذَنْ لهُ وبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ فجاءَ عنْ يَسارِ النبيِّ فَكَشَفَ عنْ ساقَيْه فَدلاهُما فِي البِئر فامْتَلأ القُفُّ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَجْلِسٌ، ثُمَّ جاءَ عثْمانُ فَقُلْتُ: كَمَا أنْتَ حتَّى استَأذْنِ لَكَ، فَقَالَ النبيُّ ائْذَنْ لهُ وبشَرِّهُ بِالجَنَّةِ مَعَهَا بَلاءٌ يُصِيبُهُ فَدَخَلَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَهُمْ مَجْلساً فَتَحَوَّلَ حتَّى جاءَ مُقابِلَهُمْ عَلى شَفَةِ البِئرِ، فَكَشَفَ عنْ ساقَيْهِ ثُمَّ دَلَاّهُما فِي البِئْرِ، فَجَعَلْتُ أتَمَنَّى أَخا لي وأدْعُو الله أنْ يأتِيَ.
قَالَ ابنُ المُسَيَّبِ: فَتأوَّلْتُ ذالِكَ قُبُورَهُمُ اجْتَمَعَتْ هاهُنا وانْفَرَدَ عُثْمانُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: وبشره بِالْجنَّةِ مَعهَا بلَاء يُصِيبهُ وَهَذَا من جملَة الْفِتَن الَّتِي تموج كموج الْبَحْر، وَلِهَذَا خصّه
بالبلاء وَلم يذكر مَا جرى على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَنَّهُ لم يمْتَحن مثل مَا امتحن عُثْمَان من التسلط عَلَيْهِ ومطالبة خلع الْإِمَامَة وَالدُّخُول على حرمه وَنسبَة القبائح إِلَيْهِ.
وَشريك بن عبد الله هُوَ ابْن أبي نمر وَلم يخرج البُخَارِيّ عَن شريك بن عبد الله النَّخعِيّ القَاضِي شَيْئا.
والْحَدِيث مضى فِي فضل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن مُحَمَّد وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وبالسين الْمُهْملَة. قَوْله: وَلم يَأْمُرنِي يَعْنِي: بِأَن أعمل بواباً، وَقَالَ الدَّاودِيّ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَمرنِي بِحِفْظ الْبَاب وَهُوَ اخْتِلَاف وَلَيْسَ الْمَحْفُوظ إلَاّ أَحدهمَا ورد عَلَيْهِ بِإِمْكَان الْجمع بِأَنَّهُ فعل ذَلِك ابْتِدَاء من قبل نَفسه، فَلَمَّا اسْتَأْذن أَولا لأبي بكر وَكَانَ كشف عَن سَاقيه أمره بِحِفْظ الْبَاب. قَوْله: على قف الْبِئْر وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَجلسَ فِي قف الْبِئْر، والقف مَا ارْتَفع من متن الأَرْض، وَقَالَ الدَّاودِيّ مَا حول الْبِئْر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: القف بِضَم الْقَاف وَهُوَ الْبناء حول الْبِئْر وَحجر فِي وَسطهَا وشفيرها ومصبها. قَوْله: ودلاهما أَي: أرسلهما فِيهَا. قَوْله: كَمَا أَنْت أَي: قف واثبت كَمَا أَنْت عَلَيْهِ. قَوْله: مَعهَا بلَاء هُوَ البلية الَّتِي صَار بهَا شَهِيد الدَّار. قَوْله: مقابلهم اسْم مَكَان فتحا، وَاسم فَاعل كسراً. قَوْله: فتأولت وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فأولت، أَي: فسرت ذَلِك بقبورهم، وَذَلِكَ من جِهَة كَونهمَا مصاحبين لَهُ مُجْتَمعين عِنْد الحضرة الْمُبَارَكَة الَّتِي هِيَ أشرف الْبِقَاع على وَجه الأَرْض، لَا من جِهَة أَن أَحدهمَا عَن الْيَمين وَالْآخر عَن الْيَسَار. قَوْله: وَانْفَرَدَ عُثْمَان يَعْنِي: لم يدْفن مَعَهُمَا وَدفن فِي البقيع.
حدّثني بِشْرُ بنُ خالِدٍ، أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، عنْ شُعْبَةَ، عنْ سُلَيْمانَ سَمِعْتُ أَبَا وائِلٍ قَالَ: قِيلَ لأسامَةَ: أَلا تُكلِّمُ هاذا؟ قَالَ: قَدْ كَلَّمْتُهُ مَا دُونَ أنْ أفْتَحَ بَابا أكُونُ أوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ، وَمَا أَنا بِالّذِي أقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَ أَن يَكُونَ أمِيراً عَلى رَجُلَيْنِ: أنْتَ خَيْرٌ، بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رسولِ الله يَقُولُ يُجاءُ بِرَجُلٍ فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ فَيطْحَنُ فِيها كَطَحْنِ الحِمارِ برَحاهُ، فَيُطِيفُ بِهِ أهْلُ النَّارِ فَيَقُولونَ: أيْ فُلانُ؟ ألسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهاى عَن المُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: إنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَلَا أفْعَلُهُ، وأنْهاى عَن المُنْكَرِ وأفْعَلُهُ.
انْظُر الحَدِيث ٣٢٦٧
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ بالتعسف من كَلَام أُسَامَة وَهُوَ أَنه لم يرد فتح الْبَاب بالمجاهرة بالتنكير على الإِمَام لما يخْشَى من عَاقِبَة ذَلِك من كَونه فتْنَة رُبمَا تؤول إِلَى أَن تموج كموج الْبَحْر.
وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، ابْن خَالِد الْيَشْكُرِي وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأُسَامَة هُوَ ابْن زيد حب رَسُول الله
والْحَدِيث مضى فِي صفة النَّار عَن عَليّ بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن يحيى بن يحيى وَغَيره.
قَوْله: قيل لأسامة: ألَاّ تكلم هَذَا لم يبين هُنَا من هُوَ الْقَائِل لأسامة: أَلا تكلم هَذَا، وَلَا الْمشَار إِلَيْهِ بقوله: هَذَا، من هُوَ، وَقد بَين فِي رِوَايَة مُسلم قيل لَهُ: أَلا تدخل على عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وتكلمه فِي شَأْن الْوَلِيد بن عقبَة وَمَا ظهر مِنْهُ من شرب الْخمر؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَلا تكلم فِيمَا يَقع بَين النَّاس من الْغَيْبَة وَالسَّعْي فِي إطفاء إثارتها؟ . قَوْله: قَالَ: قد كَلمته مَا دون أَن أفتح بَابا أَي: كَلمته شَيْئا دون أَن أفتح بَابا من أَبْوَاب الْفِتَن، أَي: كَلمته على سَبِيل الْمصلحَة وَالْأَدب والسر دون أَن يكون فِيهِ تهييج للفتنة وَنَحْوهَا، وَكلمَة: مَا، مَوْصُوفَة. قَوْله: أكون أول من يَفْتَحهُ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أول من فَتحه، بِصِيغَة الْمَاضِي. قَوْله: وَأَنت خير فِي رِوَايَة الْكشميهني: ائْتِ خيرا، بِكَسْر الْهمزَة وَالتَّاء بِصِيغَة الْأَمر من الإيتاء، وَخيرا بِالنّصب على المفعولية. قَوْله: يجاء بِرَجُل على صِيغَة الْمَجْهُول. وَكَذَلِكَ فيطرح قَوْله: فيطحن على بِنَاء الْمَعْلُوم. قَوْله: كطحن الْحمار وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: كَمَا يطحن. قَوْله: فيطيف بِهِ أهل النَّار أَي: يَجْتَمعُونَ حوله، يُقَال: أطاف بِهِ الْقَوْم إِذا حَلقُوا حوله حَلقَة. قَوْله: أَي فلَان يَعْنِي:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٠٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ) ولابن عساكر: «إسحاق بن شاهين الواسطيُّ» قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) كذا للأربعة (١) في «اليونينية»، وهو ابن عبد الله الطَّحَّان، وفي نسخةٍ فيها (٢): «خلفٌ» قال العينيُّ: وما أظنُّ صحَّته (عَنْ بَيَانٍ) بفتح الموحَّدة والتَّحتيَّة المخفَّفة وبعد الألف نون، ابن بِشْرٍ -بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة- الأحمسيِّ (عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بفتح الواو والموحَّدة والرَّاء، الحارثيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) وسقط «عبد الله» لابن عساكر (فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا) يشتمل على ذكر الرَّحمة والرُّخصة (قَالَ: فَبَادَرَنَا) بفتح الرَّاء، فعلٌ ومفعولٌ (إِلَيْهِ رَجُلٌ) اسمه: حكيمٌ (فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هي كنية ابن عمر (حَدِّثْنَا) بكسر الدَّال وسكون المثلَّثة (عَنِ القِتَالِ فِي الفِتْنَةِ، وَاللهُ) تعالى (يَقُولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]) ساقها للاحتجاج على مشروعيَّة القتال في الفتنة، وردًّا على من ترك ذلك؛ كابن عمر، فإنَّه كان يرى ترك القتال في الفتنة ولو ظهر أنَّ إحدى الطَّائفتين مُحِقَّةٌ والأخرى مُبطِلةٌ (فَقَالَ) أي: ابن عمر: (هَلْ تَدْرِي مَا الفِتْنَةُ؟ ثَكِلَتْكَ) بفتح المثلَّثة وكسر الكاف، أي: عدمتك (أُمُّكَ) فظاهره الدُّعاء، وقد يرد للزَّجر كما هنا (إِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُقَاتِلُ المُشْرِكِينَ) يعني: أنَّ الضَّمير في قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ للكفَّار، فأمر المؤمنين بقتال الكفَّار حتَّى لا يبقى أحدٌ يُفْتَن عن دين الإسلام، ويَرتَدُّ إلى الكفر (وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً) سبق في «سورة الأنفال» [خ¦٤٦٥١] (٣) من رواية زهير بن معاوية عن بيانٍ (٤): «فكان الرَّجل يُفْتَن عن دينه، إمَّا يقتلونه، وإمَّا يعذِّبونه، حتَّى
كَثُر الإسلام، فلم تكن فتنة» أي: فلم تبق فتنةٌ من أحدٍ من الكفَّار لأحدٍ من المؤمنين (وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «بقتالكم» (عَلَى المُلْكِ) بضمِّ الميم وسكون اللَّام، أي: في طلب الملك؛ كما وقع بين مروان ثمَّ ابنه عبد الملك وبين ابن الزُّبير وما أشبه ذلك، وإنَّما (١) كان قتالًا على الدِّين.
والحديث سبق في «التَّفسير» [خ¦٤٦٥١].
(١٧) (باب: الفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ).
(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان؛ ممَّا وصله البخاريُّ في «تاريخه الصَّغير» عن عبد الله بن محمَّد المسنَديِّ: حدَّثنا سفيان بن عيينة (عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ) بفتح المهملة والمعجمة بينهما واوٌ ساكنةٌ، آخره موحَّدةٌ بوزن جعفرٍ، أدرك خلفٌ بعض الصَّحابة، ولم تُعْلَم له روايةٌ عن أحدٍ منهم، وهو من أهل الكوفة، ووثَّقه العجليُّ، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الموضع: (كَانُوا) أي: السَّلف (يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ عِنْدَ) نزول (الفِتَنِ، قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ) بن عابسٍ (٢) الكنديُّ، كان في زمن النَّبيِّ ﷺ؛ كذا في رواية أبي ذرٍّ: «قال امرؤ القيس»، والمحفوظ أنَّ الأبيات المذكورة لعَمرو بن معديكرب، بفتح عين «عَمرٍو»، وجزم به أبو العبَّاس المبرِّدُ في «الكامل»، والسُّهيليُّ في «روضه»، والأبيات هي:
(الحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ) «الحرب»: مؤنَّثة، قال الخليل: تصغيرها حُرَيبٌ؛ بلا هاءٍ، قال
المازنيُّ: لأنَّه في الأصل مصدرٌ، وقال المبرِّد: قد يُذكَّر الحرب (١) (فَتِيَّةً) بفتح الفاء وكسر الفوقيَّة وفتح التَّحتيَّة مشدَّدةً، قال في «المصابيح»: ويروى: «فُتيَّةً» بضمِّ الفاء مصغَّرًا، أي: شابَّةً، ويجوز فيه أربعة أوجهٍ:
الأوَّل: رفع «أوَّل»، ونصب «فتيَّةً» (٢)، وهو الذي في الفرع؛ مثل: زيدٌ أخطب ما يكون يوم الجمعة (٣)، فـ «الحرب»: مبتدأٌ أوَّل، وقوله: «أوَّل ما تكون» مبتدأٌ ثانٍ، و «فتيَّةً» حالٌ سادَّةٌ مسدَّ الخبر (٤)، والجملة المركَّبة من المبتدأ الثَّاني وخبره خبرٌ عن المبتدأ الأوَّل؛ والمعنى: الحرب أوَّل أكوانها (٥) إذا كانت فتيَّةً.
الثَّاني: نصب «أوَّل» ورفع «فتيَّةً»، عكس الأوَّل، ووجهه ظاهرٌ (٦)؛ وهو أن يكون «الحربُ» مبتدأ «وفتيَّة» خبره (٧)، و «أوَّل ما تكون» ظرفٌ عامله الخبر و «تكون» ناقصةٌ، أي: الحرب في أوَّل أحوالها فتيَّةٌ.
الثَّالث: رفع «أوَّل» و «فتيَّة» على أنَّ الحرب مبتدأٌ، و «أوَّل» بدلٌ منه، و «فتيَّة» خبرٌ، و «ما» مصدريَّةٌ، و «تكون» تامَّةٌ، أو «أوَّل» مبتدأٌ ثانٍ، و «فتيَّة» خبره، وأنَّث الخبر مع أنَّ المبتدأ الذي هو «أوَّل» مذكَّرٌ؛ لأنَّه مضافٌ إلى الأكوان.
الرَّابع: نصبهما جميعًا على أنَّ «أوَّل» ظرفٌ، وهو خبر المبتدأ الذي هو «الحرب» و «تكون» ناقصةٌ، و «فتيَّةً» منصوبٌ على الحال من الضَّمير المستكنِّ في الظَّرف المستقرِّ، أي: الحرب موجودةٌ في أوَّل أكوانها على هذه الحالة، والخبر عنها قوله: (تَسْعَى) أي: الحرب في حال ما هي فتيَّةٌ -أي: في وقت وقوعها- تغرُّ من لم يجرِّبها حتَّى يدخل فيها؛ فتُهلِكه (بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ) بكسر الزَّاي وسكون التَّحتيَّة بعدها نونٌ ففوقيَّةٌ، ورواه سيبويه بموحَّدتين، فزايٍ مشدَّدةٍ مفتوحةٍ ففوقيَّةٍ (١)، والبزَّة: اللِّباس الجيِّد (حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ) بالشِّين المعجمة والعين المهملة، أي: هاجت، و «إذا» شرطيَّةٌ، وجوابها «ولَّت» أو محذوفٌ؛ كما في «المصابيح»، ويجوز أن تكون ظرفيَّةً (وَشَبَّ) بفتح المعجمة والموحَّدة المشددة (ضِرَامُهَا) بكسر الضَّاد المعجمة، بعدها راءٌ فألفٌ فميمٌ: اتَّقد وارتفع اشتعالها (وَلَّتْ) حال كونها (عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ) بالحاء المهملة، أي: لا يرغب أحدٌ في تزوُّجها (٢)، و (٣) يُرْوى بالخاء المعجمة (شَمْطَاءَ) بالنَّصب، نعتٌ لـ «عجوزًا»، والشَّمط -بفتح الشِّين المعجمة-: اختلاط الشَّعر الأبيض بالشَّعر الأسود (يُنْكَرُ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الكاف (لَوْنُهَا) ولأبي ذرٍّ: «تُنكَر» بالفوقيَّة بدل التَّحتيَّة، أي: تبدَّلت بحسنها قبحًا (وَتَغَيَّرَتْ) حال كونها (مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ) لأنَّها في هذه الحالة مظنَّةٌ للبخر، فوصفها به؛ مبالغة في التَّنفير منها، والمراد: أنَّهم يتمثَّلون بهذه الأبيات؛ ليستحضروا ما شاهدوه وسمعوه من حال الفتنة؛ فإنَّهم يتذكَّرون بإنشادها ذلك، فيصدُّهم عن الدُّخول فيها حتَّى لا يغترُّوا بظاهر أمرها أوَّلًا.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْمُسْتَخْرج من رِوَايَة مُحَمَّد بن عبد الله بن رسته بِضَم الرَّاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالتاء الْمُثَنَّاة الْمَفْتُوحَة، قَالَ: حَدثنَا الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بِهِ. قَوْله: وَقَالَ: كل رجل أَي: قَالَ أنس: كل رجل كَانَ هُنَاكَ حَال كَونه لافاً بتَشْديد الْفَاء رَأسه فِي ثَوْبه يبكي، ويروى: لاف، وَهُوَ الْأَوْجه. وَقَوله: يبكي خبر: قَوْله: كل رجل لِأَنَّهُ مُبْتَدأ، وَلما ألحوا على رَسُول الله فِي الْمَسْأَلَة كره مسائلهم وَعز على الْمُسلمين الإلحاح والتعنت عَلَيْهِ وتوقعوا نزُول عُقُوبَة الله عَلَيْهِم، فبكوا خوفًا مِنْهَا، فَمثل الله تَعَالَى الْجنَّة وَالنَّار لَهُ وَأرَاهُ كل مَا يسْأَله عَنهُ. قَوْله: وَقَالَ أَي: كل رجل قَالَ: عائذاً بِاللَّه أَي: حَال كَونه مستعيذاً بِاللَّه من سوء الْفِتَن. قَوْله: أَو قَالَ: أعوذ بِاللَّه شكّ من الرَّاوِي، وَيحْتَمل أَن يكون الشَّك بَين قَوْله: عائذاً بِاللَّه وَقَوله: أعوذ بِاللَّه وَيحْتَمل أَن يكون بَين قَوْله: من سوء الْفِتَن وَقَوله: من شَرّ الْفِتَن
٧٠٩١ - وَقَالَ لي خَلِيفَةُ، حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، حَدثنَا سعِيدٌ ومُعْتَمِرٌ عنْ أبِيهِ، عنْ قتادَةَ: أنَّ أنسا حدَّثَهُمْ عنِ النبيِّ بِهاذَا، وَقَالَ: عائِذاً بِاللَّه مِنْ شَرِّ الفِتَنِ.
أَي: قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ لي خَليفَة هُوَ ابْن خياط بطرِيق المذاكرة عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة ومعتمر بن سُلَيْمَان بن طرخان عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره. قَوْله: بِهَذَا أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، قَالَ عَائِذ بِاللَّه من شَرّ الْفِتَن بالشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمُشَدّدَة.
١٦ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ المَشْرَقِ))
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي الْفِتْنَة من قبل الْمشرق، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: من جِهَته.
٧٠٩٢ - حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدّثنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ، عنْ مَعْمرٍ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عنْ سالِمٍ، عنْ أبِيهِ عنِ النبيِّ أنّهُ قامَ إِلَى جَنْبِ المِنْبَرِ فَقَالَ: الفِتْنَةُ هاهُنا الفِتْنَةُ هاهُنا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطانِ أوْ قَالَ قَرْنُ الشَّمْسِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر عَن النَّبِي
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن عَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق.
قَوْله: حَدثنِي عبد الله ويروى: حَدثنَا. قَوْله: قرن الشَّيْطَان ذهب الدَّاودِيّ إِلَى أَن للشَّيْطَان قرنين على الْحَقِيقَة، وَذكر الْهَرَوِيّ أَن قرنيه ناحيتي رَأسه، وَقيل: هَذَا مثل أَي: حينئذٍ يَتَحَرَّك الشَّيْطَان ويتسلط، وَقيل: الْقرن الْقُوَّة أَي: تطلع حِين قُوَّة الشَّيْطَان، وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى الْمشرق لِأَن أَهله يومئذٍ كَانُوا أهل كفر فَأخْبر أَن الْفِتْنَة تكون من تِلْكَ النَّاحِيَة وَكَذَلِكَ كَانَت وَهِي وقْعَة الْجمل ووقعة صفّين، ثمَّ ظُهُور الْخَوَارِج فِي أَرض نجد وَالْعراق وَمَا وَرَاءَهَا من الْمشرق، وَكَانَت الْفِتْنَة الْكُبْرَى الَّتِي كَانَت مِفْتَاح فَسَاد ذَات الْبَين قتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ يحذر من ذَلِك وَيعلم بِهِ قبل وُقُوعه، وَذَلِكَ من دلالات نبوته قَوْله: أَو قرن الشَّمْس شكّ من الرَّاوِي، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: قرن الشَّمْس أَعْلَاهَا.
٧٠٩٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ، حَدثنَا لَ يْثٌ، عنْ نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ، رَضِي الله عَنْهُمَا، أنَّهُ سَمِعَ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ مُسْتَقْبِلٌ المَشْرِقَ يَقُولُ ألَا إنَّ الفِتْنَةَ هاهُنا مِنْ حَيْثُ يَطلُعُ قَرْنُ الشَّيْطان.
هَذَا عَن عبد الله بن عمر أَيْضا أخرجه عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث بن سعيد إِلَى آخِره.
٧٠٩٤ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حَدثنَا أزْهَرُ بن سَعْدٍ، عنِ ابنِ عَوْنِ، عنْ نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ النبيُّ اللَّهُمَّ باركْ لَنا فِي شأمِنا، اللَّهُمَّ باركْ لَنا فِي يَمَنِنا قالُوا: يَا رَسُول الله وَفِي نَجْدنا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي شأمِنا اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي يَمَنِنا قالُوا: يَا رَسُول الله وَفِي نَجْدِنا؟ فأظُنُّهُ قَالَ: فِي الثَّالِثَةِ: هُناكَ الزَّلازِلُ والفِتَنُ وَبهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطانِ.
انْظُر الحَدِيث ١٠٣٧
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَهُنَاكَ الزلازل والفتن وَبهَا يطلع قرن الشَّيْطَان وَأَشَارَ بقوله: هُنَاكَ إِلَى نجد، ونجد من الْمشرق قَالَ الْخطابِيّ: نجد من جِهَة الْمشرق، وَمن كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ نجده بادية الْعرَاق ونواحيها، وَهِي مشرق أهل الْمَدِينَة، وأصل النجد مَا ارْتَفع من الأَرْض وَهُوَ خلاف الْغَوْر فَإِنَّهُ مَا انخفض مِنْهَا، وتهامة كلهَا من الْغَوْر، وَمَكَّة من تهَامَة الْيمن.
وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وأزهر بن سعد السمان الْبَصْرِيّ يروي عَن عبد الله بن عون بالنُّون ابْن أرطبان الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الاسْتِسْقَاء عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن بشر بن آدم ابْن بنت أَزْهَر السمان عَن جده أَزْهَر بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب، والفتن تبدو من الْمشرق وَمن ناحيتها يخرج يَأْجُوج وَمَأْجُوج والدجال، وَقَالَ كَعْب: بهَا الدَّاء العضال وَهُوَ الْهَلَاك فِي الدّين، وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا ترك الدُّعَاء لأهل الْمشرق ليضعفوا عَن الشَّرّ الَّذِي هُوَ مَوْضُوع فِي جهتهم لاستيلاء الشَّيْطَان بالفتن.
٧٠٩٥ - حدّثنا إسْحاقُ الوَاسِطِيُّ، حَدثنَا خَالِدٌ، عنْ بَيانٍ، عنْ وبَرَةَ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ: خَرَجَ عَليْنا عبْدُ الله بنُ عُمَرَ فَرَجَوْنا أَن يُحَدِّثَنا حَدِيثا حَسناً، قَالَ: فَبادَرَ إلَيْهِ رجلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عبْدِ الرَّحْمانِ حدِّثْنا عنِ القِتال فِي الفِتْنَةِ، وَالله يَقُولُ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَاّ عَلَى الظَّالِمِينَ} {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ثَكِلَتْكَ أُمُّك؟ إنّما كانَ مُحَمَّدٌ يُقاتِلُ المُشْرِكِينَ وكانَ الدُّخُولُ فِي دِينهِمْ فِتْنَةً ولَيْسَ كَقِتالِكُمْ عَلى الملْكِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهَا الْفِتْنَة من قبل الْمشرق، سَأَلُوا هُنَا عَن ابْن عمر أَن يُحَدِّثهُمْ بِحَدِيث حسن فِيهِ ذكر الرَّحْمَة فَحَدثهُمْ بِحَدِيث الْفِتْنَة.
وَإِسْحَاق هُوَ ابْن شاهين الوَاسِطِيّ يروي عَن خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان، وَوَقع فِي بعض النّسخ: خلف، بدل: خَالِد، وَمَا أَظن صِحَّته، وَبَيَان بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء وَبعد الْألف نون بن بشر بالشين الْمُعْجَمَة الأحمسي بالمهملتين، ووبرة بِفَتْح الْوَاو وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء ابْن عبد الرحمان الْحَارِثِيّ وَالْبَاء مَفْتُوحَة عِنْد الْجَمِيع وَبِه جزم ابْن عبد الْبر، وَقَالَ عِيَاض: ضبطناه فِي مُسلم بِسُكُون الْبَاء.
والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن يُونُس.
قَوْله: حَدِيثا حسنا أَي: حسن اللَّفْظ يَشْمَل على ذكر الرَّحْمَة والرخصة. قَوْله: فبادرنا بِفَتْح الرَّاء فعل ومفعول. وَقَوله: رجل فَاعله واسْمه حَكِيم. قَوْله: إِلَيْهِ أَي: إِلَى ابْن عمر. قَوْله: فَقَالَ: يَا عبد الرحمان أَصله: يَا أَبَا، فحذفت الْألف للتَّخْفِيف، وَأَبُو عبد الرحمان كنية عبد الله بن عمر. قَوْله: وَالله يَقُول يُرِيد الِاحْتِجَاج بِالْآيَةِ على مَشْرُوعِيَّة الْقِتَال فِي الْفِتْنَة وَأَن فِيهَا الرَّد على من ترك ذَلِك كَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَ ابْن عمر ثكلتك أمك، بِكَسْر الْكَاف أَي: عدمتك أمك، وَهُوَ وَإِن كَانَ على صُورَة الدُّعَاء عَلَيْهِ، لكنه لَيْسَ مَقْصُودا وَقد مرت قصَّته فِي سُورَة الْبَقَرَة وَهِي أَنه قيل لَهُ فِي فتْنَة ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: مَا يمنعك أَن تخرج وَقَالَ تَعَالَى: والفتنة هِيَ الْكفْر، وَكَانَ قتالنا على الْكفْر وقتالكم على الْملك، أَي: فِي طلب الْملك، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَقع بَين مَرْوَان ثمَّ عبد الْملك ابْنه، وَبَين ابْن الزبير وَمَا أشبه ذَلِك، وَكَانَ رَأْي عبد الله بن عمر ترك الْقِتَال فِي الْفِتْنَة، وَلَو ظهر أَن إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ محقة وَالْأُخْرَى مبطلة.
١٧ - (بابُ الفِتْنَةِ الّتي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْفِتْنَة الَّتِي تموج كموج الْبَحْر، قيل: أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا أخرجه ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَاصِم بن ضَمرَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: فِي هَذِه الْأمة خمس فتن، فَذكر الْأَرْبَعَة، ثمَّ فتْنَة تموج كموج الْبَحْر وَهِي الَّتِي يصبح النَّاس فِيهَا كَالْبَهَائِمِ أَي: لَا عقول لَهُم.
وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ خَلَفِ بنِ حَوْشَبٍ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَتَمَثَّلُوا بِهاذِهِ الأبْياتِ عِنْدَ الفِتَنِ، قَالَ امرُؤ القَيْسِ:
(الحَرْبُ أوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيّةً ... تَسْعَى بِزِينَتها لِكُلِّ جَهُولِ)
(حتَّى إذَا اشْتَعَلَتْ وشَبَّ ضِرامُها ... ولّتْ عَجُوزاً غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ)
(شَمْطاءَ يُنْكَرُ لَوْنُها، وتَغَيَّرَتْ ... مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ والتَّقْبِيلِ)
أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن خلف بِالْخَاءِ وَاللَّام المفتوحتين ابْن حَوْشَب بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وبالباء الْمُوَحدَة كَانَ من أهل الْكُوفَة، روى عَن جمَاعَة من كبار التَّابِعين وَأدْركَ بعض الصَّحَابَة لَكِن لَا يعلم رِوَايَته عَنْهُم، وَكَانَ عابداً من عباد أهل الْكُوفَة وَثَّقَهُ الْعجلِيّ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا بَأْس بِهِ، وَأثْنى عَلَيْهِ ابْن عُيَيْنَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع، قَوْله: كَانُوا أَي: السّلف. قَوْله: عِنْد الْفِتَن أَي: عِنْد نُزُولهَا. قَوْله: قَالَ امْرُؤ الْقَيْس كَذَا وَقع عِنْد أبي ذَر فِي نسخته، وَالْمَحْفُوظ أَن هَذِه الأبيات لعَمْرو بن معد يكرب الزبيدِيّ، وَقد جزم بِهِ الْمبرد فِي الْكَامِل وَتَعْلِيق سُفْيَان هَذَا وَصله البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ الصَّغِير عَن عبد الله بن مُحَمَّد المسندي: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة. قَوْله: فتية بِفَتْح الْفَاء وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف أَي: شَابة، وَيجوز فِيهِ ضم الْفَاء بِالتَّصْغِيرِ، وَيجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب. وَأما الرّفْع فعلى أَنه خبر وَذَلِكَ أَن الْحَرْب مُبْتَدأ وَأول مَا تكون بدل مِنْهُ وَمَا مَصْدَرِيَّة وَتَكون تَامَّة تَقْدِيره: أول كَونهَا، وفتية خبر الْمُبْتَدَأ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجَاز فِي: أول، وفتية، أَرْبَعَة أوجه: نصبهما ورفعهما، وَنصب الأول وَرفع الثَّانِي، وَالْعَكْس. وَكَانَ، إِمَّا نَاقِصَة وَإِمَّا تَامَّة، ثمَّ سكت وَلم يبين وَجه ذَلِك. قلت: وَجه نصبهما أَن يكون الأول مَنْصُوبًا على الظّرْف، وفتية مَرْفُوعا على الخبرية، وَتَكون نَاقِصَة، وَالتَّقْدِير: الْحَرْب فِي أول حَالهَا فتية، وَوجه الْعَكْس أَن يكون الأول مُبْتَدأ ثَانِيًا أَو بَدَلا من الْحَرْب. وَيكون تَامَّة، وَقد خبط بَعضهم فِي هَذَا الْمَكَان يعرفهُ من يقف عَلَيْهِ. قَوْله: بزينتها بِكَسْر الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، وَرَوَاهُ سِيبَوَيْهٍ، ببزتها، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالزَّاي الْمُشَدّدَة، وَالْبزَّة اللبَاس الْجيد. قَوْله: حَتَّى إِذا اشتعلت بشين مُعْجمَة وَعين مُهْملَة، يُقَال: اشتعلت النَّار إِذا ارْتَفع لهيبها وَإِذا، يجوز أَن يكون ظرفية وَيجوز أَن يكون شَرْطِيَّة وجوابها قَوْله: ولت قَوْله: وشب بالشين الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة يُقَال: شبت الْحَرْب إِذا اتقدت. قَوْله: ضرامها بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ مَا اشتعل من الْحَطب. قَوْله: غير ذَات حليل بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وَهُوَ الزَّوْج، ويروى بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ ظَاهر. قَوْله: شَمْطَاء من شمط بالشين الْمُعْجَمَة اخْتِلَاط الشّعْر الْأَبْيَض بالشعر الْأسود، وَيجوز فِي إعرابه النصب على أَن يكون صفة لعجوز، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هِيَ شَمْطَاء. قَوْله: يُنكر على صِيغَة الْمَجْهُول. ولونها مَرْفُوع بِهِ أَي: بدل حسنها بقبح، وَوَقع فِي رِوَايَة الْحميدِي والسهيلي فِي الرَّوْض
شَمْطَاء جزت رَأسهَا
قَوْله: مَكْرُوهَة نصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: تَغَيَّرت، وَالْمرَاد بالتمثيل بِهَذِهِ الأبيات استحضار مَا شاهدوه وسمعوه من حَال الْفِتْنَة فَإِنَّهُم يتذكرون بإنشادها ذَلِك فيصدهم عَن الدُّخُول فِيهَا حَتَّى لَا يغتروا بِظَاهِر أمرهَا أَولا.
٧٠٩٦ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ، حدّثنا أبي، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعْمَشُ، حدّثنا شَقِيقٌ سَمِعْتُ
حُذَيْفَةَ يَقُولُ: نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ إِذْ قَالَ: أيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النبيِّ فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أهْلِهِ ومالِهِ ووَلدِهِ وجارِهِ، يُكَفِّرُها الصَّلاةُ والصَّدَقَةُ والأمرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَن المُنْكَرِ قَالَ: لَيْسَ عنْ هاذا أسْألُكَ، ولاكنِ الّتي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْها بأسٌ يَا أمِيرِ المُؤْمِنِينَ، إنَّ بَيْنَكَ وبَيْنها بَابا مُغَلقاً. قَالَ عُمَرُ: أيُكْسَرُ البابُ أمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ عُمَرُ: إِذا لَا يُغْلَقَ أبدا. قُلْتُ: أجَلْ. قُلْنا لحُذَيْفَةَ: أكانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أعْلَمُ أنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً. وذالِكَ أنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثاً لَيْسَ بِالأغالِيطِ، فَهِبْنا أنْ نَسْألَهُ مَنِ البابُ؟ فأمَرْنا مَسْرُوقاً فَسَألُهُ، فَقَالَ: مَنِ البابُ؟ قَالَ: عُمَرُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن شَقِيق بن سَلمَة عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان.
والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الْمَوَاقِيت مطولا، وَفِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة عَن جرير، وَفِي الصَّوْم عَن عَليّ بن عبد الله، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: لَيْسَ عَلَيْك وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: عَلَيْكُم، بِالْجمعِ. قَوْله: بَيْنك وَبَينهَا بَابا مغلقاً قيل: قَالَ هَذَا ثمَّ قَالَ آخرا: هُوَ الْبَاب، وَأجِيب بِأَن المُرَاد بَين زَمَانك وحياتك وَبَينهَا أَو الْبَاب بدل عمر وَهُوَ بَين الْفِتْنَة وَبَين نَفسه. قَوْله: أيكسر الْبَاب أم يفتح؟ قَالَ ابْن بطال: أَشَارَ بِالْكَسْرِ إِلَى قتل عمر وبالفتح إِلَى مَوته. وَقَالَ عمر: إِذا كَانَ بِالْقَتْلِ فَلَا تسكن الْفِتْنَة أبدا. قَوْله: كَمَا أعلم أَن دون غَد لَيْلَة أَي: علما ضَرُورِيًّا. قَوْله: بالأغاليط جمع الأغلوطة وَهِي الْكَلَام الَّذِي يغالط بِهِ ويغالط فِيهِ. قَوْله: فَأمرنَا أَي: قُلْنَا أَو طلبنا.
وَفِيه: أَن الْأَمر لَا يشْتَرط فِيهِ الْعُلُوّ والاستعلاء.
٧٠٩٧ - حدّثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ، أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، عنْ شَريكٍ بنِ عَبْدِ الله، عنْ سَعِيدِ بنِ المُسيَّبِ، عنْ أبي مُوساى الأشْعَرِيِّ قَالَ: خَرَجَ النبيُّ يَوْماً إِلَى حائِطٍ مِنْ حَوائِطِ المَدِينَةِ لِحاجَتِهِ، وخَرَجْتُ فِي إثْرِهِ، فَلمَّا دَخَلَ الحائِطَ جَلَسْتُ عَلى بابِهِ، وقُلْتُ: لأكُونَنَّ اليَوْم بَوَّابَ النبيِّ ولَمْ يَأمُرْنِي. فَذَهَبَ النبيُّ وقَضاى حاجَتَهُ وجَلَسَ عَلى قُفِّ البِئرِ فَكشَف عنْ ساقَيْهِ ودَلَّاهُما فِي البِئرِ، فَجاءَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأذِنُ عَلَيْهِ لِيَدْخُلَ فَقُلْتُ: كَمَا أنْتَ حتَّى أسْتَأذِنَ لَكَ، فَوَقَفَ فَجِئْتُ إِلَى النبيِّ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ الله أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ. قَالَ: ائْذَنْ لهُ وبَشِّرْهُ بِالجَنَةِ فَدَخَلَ فَجاءَ عنْ يَمِينِ النبيِّ فَكَشَفَ عنْ ساقَيْهِ ودَلَّاهُما فِي البِئْرِ. فَجاءَ عُمَرُ فَقُلْتُ: كَمَا أنْتَ حتَّى أسْتَأْذِنَ لَكَ، فَقَالَ النبيُّ ائْذَنْ لهُ وبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ فجاءَ عنْ يَسارِ النبيِّ فَكَشَفَ عنْ ساقَيْه فَدلاهُما فِي البِئر فامْتَلأ القُفُّ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَجْلِسٌ، ثُمَّ جاءَ عثْمانُ فَقُلْتُ: كَمَا أنْتَ حتَّى استَأذْنِ لَكَ، فَقَالَ النبيُّ ائْذَنْ لهُ وبشَرِّهُ بِالجَنَّةِ مَعَهَا بَلاءٌ يُصِيبُهُ فَدَخَلَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَهُمْ مَجْلساً فَتَحَوَّلَ حتَّى جاءَ مُقابِلَهُمْ عَلى شَفَةِ البِئرِ، فَكَشَفَ عنْ ساقَيْهِ ثُمَّ دَلَاّهُما فِي البِئْرِ، فَجَعَلْتُ أتَمَنَّى أَخا لي وأدْعُو الله أنْ يأتِيَ.
قَالَ ابنُ المُسَيَّبِ: فَتأوَّلْتُ ذالِكَ قُبُورَهُمُ اجْتَمَعَتْ هاهُنا وانْفَرَدَ عُثْمانُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: وبشره بِالْجنَّةِ مَعهَا بلَاء يُصِيبهُ وَهَذَا من جملَة الْفِتَن الَّتِي تموج كموج الْبَحْر، وَلِهَذَا خصّه
بالبلاء وَلم يذكر مَا جرى على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَنَّهُ لم يمْتَحن مثل مَا امتحن عُثْمَان من التسلط عَلَيْهِ ومطالبة خلع الْإِمَامَة وَالدُّخُول على حرمه وَنسبَة القبائح إِلَيْهِ.
وَشريك بن عبد الله هُوَ ابْن أبي نمر وَلم يخرج البُخَارِيّ عَن شريك بن عبد الله النَّخعِيّ القَاضِي شَيْئا.
والْحَدِيث مضى فِي فضل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن مُحَمَّد وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وبالسين الْمُهْملَة. قَوْله: وَلم يَأْمُرنِي يَعْنِي: بِأَن أعمل بواباً، وَقَالَ الدَّاودِيّ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَمرنِي بِحِفْظ الْبَاب وَهُوَ اخْتِلَاف وَلَيْسَ الْمَحْفُوظ إلَاّ أَحدهمَا ورد عَلَيْهِ بِإِمْكَان الْجمع بِأَنَّهُ فعل ذَلِك ابْتِدَاء من قبل نَفسه، فَلَمَّا اسْتَأْذن أَولا لأبي بكر وَكَانَ كشف عَن سَاقيه أمره بِحِفْظ الْبَاب. قَوْله: على قف الْبِئْر وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَجلسَ فِي قف الْبِئْر، والقف مَا ارْتَفع من متن الأَرْض، وَقَالَ الدَّاودِيّ مَا حول الْبِئْر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: القف بِضَم الْقَاف وَهُوَ الْبناء حول الْبِئْر وَحجر فِي وَسطهَا وشفيرها ومصبها. قَوْله: ودلاهما أَي: أرسلهما فِيهَا. قَوْله: كَمَا أَنْت أَي: قف واثبت كَمَا أَنْت عَلَيْهِ. قَوْله: مَعهَا بلَاء هُوَ البلية الَّتِي صَار بهَا شَهِيد الدَّار. قَوْله: مقابلهم اسْم مَكَان فتحا، وَاسم فَاعل كسراً. قَوْله: فتأولت وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فأولت، أَي: فسرت ذَلِك بقبورهم، وَذَلِكَ من جِهَة كَونهمَا مصاحبين لَهُ مُجْتَمعين عِنْد الحضرة الْمُبَارَكَة الَّتِي هِيَ أشرف الْبِقَاع على وَجه الأَرْض، لَا من جِهَة أَن أَحدهمَا عَن الْيَمين وَالْآخر عَن الْيَسَار. قَوْله: وَانْفَرَدَ عُثْمَان يَعْنِي: لم يدْفن مَعَهُمَا وَدفن فِي البقيع.
حدّثني بِشْرُ بنُ خالِدٍ، أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، عنْ شُعْبَةَ، عنْ سُلَيْمانَ سَمِعْتُ أَبَا وائِلٍ قَالَ: قِيلَ لأسامَةَ: أَلا تُكلِّمُ هاذا؟ قَالَ: قَدْ كَلَّمْتُهُ مَا دُونَ أنْ أفْتَحَ بَابا أكُونُ أوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ، وَمَا أَنا بِالّذِي أقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَ أَن يَكُونَ أمِيراً عَلى رَجُلَيْنِ: أنْتَ خَيْرٌ، بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رسولِ الله يَقُولُ يُجاءُ بِرَجُلٍ فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ فَيطْحَنُ فِيها كَطَحْنِ الحِمارِ برَحاهُ، فَيُطِيفُ بِهِ أهْلُ النَّارِ فَيَقُولونَ: أيْ فُلانُ؟ ألسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهاى عَن المُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: إنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَلَا أفْعَلُهُ، وأنْهاى عَن المُنْكَرِ وأفْعَلُهُ.
انْظُر الحَدِيث ٣٢٦٧
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ بالتعسف من كَلَام أُسَامَة وَهُوَ أَنه لم يرد فتح الْبَاب بالمجاهرة بالتنكير على الإِمَام لما يخْشَى من عَاقِبَة ذَلِك من كَونه فتْنَة رُبمَا تؤول إِلَى أَن تموج كموج الْبَحْر.
وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، ابْن خَالِد الْيَشْكُرِي وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأُسَامَة هُوَ ابْن زيد حب رَسُول الله
والْحَدِيث مضى فِي صفة النَّار عَن عَليّ بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن يحيى بن يحيى وَغَيره.
قَوْله: قيل لأسامة: ألَاّ تكلم هَذَا لم يبين هُنَا من هُوَ الْقَائِل لأسامة: أَلا تكلم هَذَا، وَلَا الْمشَار إِلَيْهِ بقوله: هَذَا، من هُوَ، وَقد بَين فِي رِوَايَة مُسلم قيل لَهُ: أَلا تدخل على عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وتكلمه فِي شَأْن الْوَلِيد بن عقبَة وَمَا ظهر مِنْهُ من شرب الْخمر؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَلا تكلم فِيمَا يَقع بَين النَّاس من الْغَيْبَة وَالسَّعْي فِي إطفاء إثارتها؟ . قَوْله: قَالَ: قد كَلمته مَا دون أَن أفتح بَابا أَي: كَلمته شَيْئا دون أَن أفتح بَابا من أَبْوَاب الْفِتَن، أَي: كَلمته على سَبِيل الْمصلحَة وَالْأَدب والسر دون أَن يكون فِيهِ تهييج للفتنة وَنَحْوهَا، وَكلمَة: مَا، مَوْصُوفَة. قَوْله: أكون أول من يَفْتَحهُ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أول من فَتحه، بِصِيغَة الْمَاضِي. قَوْله: وَأَنت خير فِي رِوَايَة الْكشميهني: ائْتِ خيرا، بِكَسْر الْهمزَة وَالتَّاء بِصِيغَة الْأَمر من الإيتاء، وَخيرا بِالنّصب على المفعولية. قَوْله: يجاء بِرَجُل على صِيغَة الْمَجْهُول. وَكَذَلِكَ فيطرح قَوْله: فيطحن على بِنَاء الْمَعْلُوم. قَوْله: كطحن الْحمار وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: كَمَا يطحن. قَوْله: فيطيف بِهِ أهل النَّار أَي: يَجْتَمعُونَ حوله، يُقَال: أطاف بِهِ الْقَوْم إِذا حَلقُوا حوله حَلقَة. قَوْله: أَي فلَان يَعْنِي: